بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات الحياة اليومية البسيطة، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستوياتٍ غير مسبوقة، وأن نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وحوالي سبعة من كل عشرة سوريين مازالوا بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة الإنسانية. وبالنظر إلى تلك الأرقام يُطرح اليوم السؤال الملح: هل تغيَّر الواقع الإقتصادي والمعيشي في البلاد إلى الأفضل؟
رغم التحسن النسبي لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وزيادة الرواتب الحكومية بنسبة 200%، مازالت تكاليف المعيشة تُثقل كاهل معظم السوريين، ومازال حجم الراتب الحكومي (نحو 85 دولار وسطياً) يعجز عن توفير أبسط متطلبات المعيشة، ويُبقي القدرة الشرائية في حدودها الدُنيا. ورغم انخفاض أسعار الكثير من السلع والمواد الغذائية، نسبياً، بقي بعضها أعلى من سعره الحقيقي ولا يتماشى مع حجم انخفاض قيمة الدولار مقابل الليرة، وخاصة اللحوم ومشتقات الألبان وبعض أنواع الفاكهة والخضار والمعلبات والزيوت النباتية وغيرها، فيما لا تزال أسعار معظم أنواع الأدوية وتسعيرة معاينة الأطباء كما كانت قبل سقوط النظام، دون تسجيل أي انخفاض يُذكر.
وإلى جانب ذلك، وبعد أن اتبعت الحكومة الجديدة سياسة تخفيض الدعم عن معظم المواد الأساسية، التي تُشكّل عصب الحياة، ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى أربعة آلاف ليرة، أي عشرة أضعاف، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من دولارين، عندما كانت توزَّع عبر البطاقة الذكية، إلى 11،5 دولار (حوالي 130 ألف ليرة)، وبلغ سعر ليتر المازوت 0،95 دولار.
ورغم توفر تلك المواد بشكلٍ جيد، قياساً بما كان عليه الوضع في السابق، وتخفيف مظاهر الطوابير التي كانت مشهداً يومياً أمام الأفران ومحطات الوقود، إلا أن الأسعار الجديدة فاقمت من معاناة الكثير من الناس، خاصة الفقراء والمُعدمين، كونها لا تتناسب أبداً مع متوسط حجم الدخل الشهري للموظف الحكومي أو حتى موظف القطاع الخاص. فالعائلة المكونة من خمسة أفراد، والتي تستهلك وسطياً نحو ربطتين ونصف من الخبز يومياً، باتت تحتاج إلى 300 ألف ليرة شهرياً ( ثلث راتب الموظف الحكومي) لتؤمن حاجتها من الخبز، فيما قد لا يكفي الراتب نفسه كاملاً لشراء مئة ليتر مازت، وهي، وسطياً، أقل من ثُلث الكمية التي قد تحتاجها العائلة للتدفئة خلال فصل الشتاء.
إلى جانب ذلك، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى رفع تعرفة وسائل النقل العامة. وبعد أن كان أصحاب السرافيس والباصات يحصلون على كميات محددة من الوقود المدعوم بسعرٍ منخفض مقابل الالتزام بتعرفة النقل، تم إلغاء تلك الكميات وباتوا يشترون الوقود بسعر السوق. وخلال الأشهر الماضية ارتفعت، على سبيل المثال، تعرفة النقل لمعظم السرافيس من 1000 إلى 3 أو 4 آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كثير من الناس الذين يحتاجون لاستخدام المواصلات يومياً، إذ يضطر كثير من الموظفين لإنفاق نحو نصف الراتب الشهري ثمناً للمواصلات لكي يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم.
الكهرباء حديث الناس الشاغل
في نهاية تشرين الأول الماضي أصدرت وزارة الطاقة، قراراً يقضي برفع أسعار الكهرباء بنحو ستين ضعفا، فبعد أن كان سعر الكيلوواط المنزلي10 ليرات، ارتفع إلى 600 ليرة، ضمن الشريحة الأولى، وإذا زاد الاستهلاك عن 300 كيلوواط فستُحدد التكلفة ضمن الشريحة الثانية، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط. وقد صرَّحت الوزارة أن قرار الرفع جاء نتيجة شح الموارد وارتفاع معدلات الاستهلاك والهدر الكبير في الطاقة، وأنه كان ضرورياً لكي يُجبر المستهلكين على ترشيد الاستهلاك، ويجذب الشركات المُستثمرة لكي تعمل وتستثمر في قطاع الكهرباء.
ومع صدور الفاتورة الأولى، بعد قرار الرفع، صُدم أغلب الناس من الأرقام الكبيرة للفواتير، التي تجاوز بعضها المليوني ليرة، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بموجات غضبٍ واستياء واعتراضٍ على القرار، وخرجت أصواتٌ كثيرة ترفض تسديد الفواتير المُجحفة، وقد نُظّمت مجموعة وقفات إحتجاجية في دمشق ومحافظاتٍ أخرى، احتجاجاً على القرار وعلى حجم الفواتير التي ستزيد معاناة الناس، بل ستلتهم النصيب الأكبر من مداخيلهم المتواضعة، التي بالكاد تكفيهم لأيامٍ معدودة، فبالنظر إلى التسعيرة الجديدة للكهرباء، سيكون المعدل الوسطي لفاتورة الاستهلاك المنزلي، نحو مليون و200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق الدخل الشهري للموظف الحكومي.
وبدل أن يفرح الناس بتحسن الكهرباء، التي انخفضت ساعات تقنينها في الأشهر الماضية، أصبح الكثير منهم يتبعون سياسة تقنينٍ مؤلمة، فتوقفوا عن استخدام الكثير من الأجهزة الكهربائية، كالطبّاخ والمايكرويف والمكنسة والمدفئة، وباتوا يستخدمون بعض الأجهزة، كالفرن والغسالة والمكواة، عند الضرورة المُلحّة، ويشغلون البرَّاد وسخان المياة لساعاتٍ محددة، فيما لجأ بعضهم للاستعانة بوسائل الطاقة البديلة كالبطاريات وألواح الطاقة الشمسية، التي تحتاج لمبالغ كبيرة.
وبحسب كثيرٍ من الآراء، ستشهد الأسواق، في قادم الأيام، ارتفاعاً كبيراً في أسعار كثيرٍ من السلع والمواد، التي سترتفع تكلفة إنتاجها في المصانع والمعامل، نتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء التجارية، كما ستتضرر الكثير من الورش الصناعية والمعامل الصغيرة وورشات الحرف والأشغال اليدوية ومحلات تنظيف الثياب وغيرها من المهن، التي بالكاد تؤمن لقمة العيش لمن يعملون فيها.
ارتفاع أسعار باقات الانترنت
في نهاية العام الماضي رفعت شركتا الاتصال الرئيسيتان في سوريا، سيرياتل وMTN، أسعار باقات الانترنت بنسبة تتراوح بين 100 و1000 % . فعلى سبيل المثال، ارتفعت الباقة الأسبوعية (سرعة 2غيغا بايت) من 2000 إلى 12 ألف ليرة، فيما ارتفعت الباقة الشهرية (سرعة 20 غيغا بايت) من 40 إلى 120 ألف ليرة، وهو ما أحدث موجة غضبٍ واسعة في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وشكَّل صدمة كبيرة لدى شريحة واسعة من الناس، الذين باتوا عاجزين عن الاشتراك بتلك الباقات، التي كانوا يعتمدون عليها في إتمام أعمالهم ومهامهم الوظيفية، وخاصة طلاب الجامعات، الذين يستخدمون الإنترنت بشكلٍ يومي من أجل متابعة دروسهم ووظائفهم وتنزيل محاضراتهم، سيما أن الكثير منهم يعيشون بعيداً عن أُسرهم، ويعملون خارج أوقات الدراسة لتأمين مصاريفهم.
ويرى الكثير من المُحتجين على قرار رفع الأسعار أنه يعكس غياب الرقابة الحكومية على شركات الاتصال التي تحتكر الخدمات، في ظل غياب المنافسة، ولا ترأف بالواقع الاقتصادي المتدهور لدى معظم الناس، في وقتٍ لم يعد فيه استخدام الإنترنت رفاهية يُمكن الاستغناء عنها، وإنما ضرورة يومية مُلحّة، خاصة أن معظم الوظائف والأعمال والدروس التعليمية صارت تعتمد على خدمة الأونلاين بشكل كبير.
إيجارات المنازل.. ارتفاع متزايد
بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد شهدت إيجارات المنازل والمحال التجارية، في مختلف المحافظات، ارتفاعاً كبيراً، مازال يتزايد يوماً بعد يوم، ففي دمشق وصلت إيجارات المنازل في معظم الأحياء إلى ما بين 300 و 500 دولار، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الأحياء الراقية، فيما تتراوح ما بين 80 إلى 300 دولار في بعض مناطق ريف دمشق، كجرمانا وصحنايا وضاحية قدسيا، بحسب طبيعة المنطقة ومواصفات المنزل وقربه من المواصلات العامة. وتعود أسباب ذلك الارتفاع إلى عودة الكثير من المغتربين واللاجئين إلى البلاد، وتعذّر عودة معظم الناس إلى بيوتهم المدمّرة، وبحث الكثير من العوائل، التي كانت تسكن في شققٍ تعود ملكيتها للدولة، عن سكنٍ بديل، بعد تسليم تلك الشقق عقب سقوط النظام، وخاصة المعلمين والمتطوعين في الشرطة والجيش وغيرهم. وقد ساهم هذا كله في زيادة الطلب على البيوت المستأجرة بشكلٍ كبير، ما أدى لارتفاع إيجاراتها، وانعكس سلباً على المستأجرين القدامى، إذ بات الكثير من أصحاب البيوت يطالبونهم برفع أسعار الإيجارات أو المغادرة، في حال عدم دفع المبالغ المطلوبة، وهو ما دفع الكثير من العائلات للانتقال إلى الأرياف، بحثاً عن إيجارات رخيصة ترأف بحالهم، بعد أن باتت رواتب بعضهم لا تكفي لدفع إيجار منزل.
تسريح الموظفين
عقب سقوط نظام الأسد تم تسريح أكثر من 300 ألف موظف. فعلى سبيل المثال، تم فصل 15% من كوادر وزارة النقل، والرقم ذاته من كوادر وزارتي الصناعة والصحة، ناهيك عن موظفي وزارة الداخلية والدفاع ومختلف مؤسسات الدولة. وقد نَظَّم جزء كبير من المفصولين وقفات احتجاجية في عددٍ من المحافظات، للتنديد بقررات الفصل. ففي طرطوس تظاهر العاملين في القطاع الصحي أمام مديرية الصحة، رافعين مجموعة شعارات، من بينها:”بدنا ناكل.. بدنا نعيش”، احتجوا من خلالها على قرارات الحكومة، وطالبوها بإعادة النظر فيها، كما شهدت مدينة درعا احتجاجاتٍ مشابهة، تنديداً بفصل مئات الموظفين من مديرية الصحة في المحافظة، ومن بين الشعارات التي رفعها المُحتجّين: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق” و”لا للقرارات الجائرة بحق الموظفين الذين مازالوا على رأس عملهم”.
وإلى جانب قرارات الفصل، مازال مصير عشرات الآلاف من الموظفين مجهولاً حتى اليوم، وخاصة عناصر الشرطة والجيش وموظفي وزارتي الدفاع والداخلية، والأطباء العاملين في المشافي العسكرية والمتقاعدين العسكريين. فهم لا يتقاضون رواتبهم منذ عدة أشهر ولا يعلمون كيف سيكون مصيرهم في قادم الأيام.
وبحسب كثيرٍ من الآراء ستساهم قرارت الفصل في تفاقم حجم الفقر والمعاناة التي يعيشها معظم الناس، وستُلحق أذىً كبيراً بآلاف العائلات التي باتت محرومة من أي مصدرٍ للدخل، وتزيد من معدلات البطالة، التي ينبغي على الدولة أن تُساهم في تخفيضها، سيما أنها تفاقمت أصلاً بعد سقوط نظام الأسد، خاصةً بعد إغلاق العديد من الشركات التجارية المحسوبة على رجال أعمالٍ يتبعون لنظام الأسد، وإغلاق عددٍ كبير من المعامل والمصانع، بعد فرار الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، وتوقف عشرات المعامل والمنشآت الصناعية التابعة للدولة عن العمل، بغرض التوجه نحو خصخصتها أو إعادة هيكلتها من جديد.
تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.
وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.
غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!
إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.
ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.
وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.
ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.
ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.
ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.
وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.
ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.
لم تكن السويداء بمعزل عن الخلافات ذات الطبيعة التفريقية، كحال أيّ مجتمع عربي؛ إذ تطفو العصبية القبلية بشكل مفاجئ إثر أيٍّ من الخلافات التي قد تتطور إلى تعبئة عنصرية تابعة لأطراف الخلاف، والتي غالباً ما تكون عشائر أو قبائل أو هويات قومية أخرى. ويقع المحظور فتسيل الدماء وتُنتهك الحرمات، ثم سرعان ما تبدأ المساعي لرأب الصدع، وتتدرج الأمور نحو الهدوء حتى ينتهي الصراع إما بصيغة قانونية أو عشائرية.
لكن أياً من هذه الحوادث التي شهدتها السويداء بين مكوناتها لم يسفر عن تهجير جماعي أو احتلال للمناطق، أو حرقٍ لأحياء وقرى بأكملها، رغم جذور الخلافات بين الدروز والبدو التي تعود لأكثر من 300 عام. غير أن علاقتهم شهدت عبر الزمان عدة حالات تحالف، وبقيت مستقرة رغم تفاوت وتيرتها، حتى وقوع أحداث تموز/يوليو 2025؛ فما الجديد في هذه الواقعة حتى امتدت أطرافها لانتهاكات مروعة خلّفت تهجيراً جماعياً لنحو 192 ألف مواطن؟
استقرار رغم الفتن
كانت أحداث العام 2000 إحدى أكثر الأحداث التي أبرزت الخلاف الدرزي–البدوي، حيث بدأت باستفزازٍ عبر ذبح حمارين ورميهما على مدافن تعود للدروز. هذا التصرف الذي قام به أفراد من بدو قرية الرحى كان أحد ردود الأفعال إثر خلافات تتعلق بالمراعي وحرمات الأراضي. حينها، قام سعود السعيد، أحد المتنفذين الأمنيين من البدو، بإطلاق نار عشوائي تسبب بمقتل طفل بعمر 17 عاماً، إلى جانب استخدامه القذائف الصاروخية، ثم هرب مع آخرين نحو البادية، ليقبض عليه الأمن السوري آنذاك بعد أيام.
وفي اليوم التالي، وبحسب “أسامة” الصحافي الذي شهد الأحداث حينها: “أثناء التشييع حوّل النظام هذه الأحداث لصراع درزي بدوي عن طريق نشر شائعات عن هجومٍ ثأري سيتم عقب التشييع لاستهداف البدو، ما تسبب باستنفارهم. وكانت قوات الأمن قد نصبت حاجزاً عند مفرق قرية امصاد قرب مشفى السويداء الوطني لإجبار المشيعين على العبور من المناطق البدوية في المدينة وصولاً للمدفن، ثم أطلقوا النار وقتلوا 18 من المشيعين وخلفوا عدداً من الجرحى. وفجأة ظهر عدد من السيارات المزودة بعبوات الغاز وأضرمت النار في بيوت البدو، فتحولت لقضية رأي عام.. الدروز هجموا عالبدو”.
“وفي اعتصامٍ أمام السرايا وسط مدينة السويداء اليوم التالي، رُفعت الراية الدينية للدروز، وصُوِّر لدمشق على أنه إنزال للعلم السوري وعصيان ضد السلطة، وتم تداول عبارة على لسان رجالات النظام حينها أن السويداء ليست أغلى من حماة، وكل هذا لإقناع الأسد باقتحام السويداء لتحويله لمجرم؛ فقد تم استثمار الصراع من قبل لوبي أمني آنذاك لهدف معين”، كما يروي أسامة.
ويضيف: “انتهت الأزمة بترحيل المتورطين وعوائلهم من بدو الرحى، ثم عقد صلح اجتماعي بين الدروز وباقي العشائر، وعادت المياه لمجاريها رغم استثمار الخلاف”.
وهكذا، استمرت العلاقة بالوتيرة الطبيعية إلى العام 2014، حين اندلعت أعمال عنف تسببت بمقتل عدة مواطنين من البدو والدروز في بلدات عريقة وداما على حافة اللجاة إلى الشمال الغربي من ريف السويداء، ما نتج عنه ترحيل عشيرة الحسن إلى اللجاة، معقل البدو والملاصقة للقرى المذكورة، التي كانت تقطنها عشيرة الحسن جنباً إلى جنب مع الدروز. وتقول روايات من هذه البلدات إن عدداً من الاستفزازات والانتهاكات نفذها أفراد من الطرفين، يتبعون لأفرع أمنية مختلفة، هي التي أدت لتهجير “الحواسنة” والبدء بتطوير الخلاف البدوي–الدرزي من جديد.
وبحسب الروايات، فإن الصراع هذه المرة خُلق من أحضان النظام الحاكم بهدف تفتيت الروابط بين سكان الجنوب السوري لمنع انتشار الحواضن الثورية ضده، لا سيما في محافظة السويداء التي كانت تشهد تصعيداً عسكرياً ضد الأسد آنذاك، بعد انطلاق حركة الشيخ وحيد البلعوس.
كما لم تنقطع محاولات الصلح عقب تهجير عشيرة الحسن من الريف الغربي للسويداء واستمرار وقوع الفتن والحوادث على امتداد قُراه. وقد بدأت زيارات متبادلة بمساعٍ من وجهاء الطرفين في أعقاب سقوط النظام، وأُعلن عن عددٍ منها ولاقت قبولاً شعبياً حينها، لكن طريق دمشق–السويداء، الذي تحيط به قرى البدو، كان له رأي مغاير؛ فقد شهد سلسلة اعتداءات منذ الأسابيع الأولى لفرار الأسد، لم تكن آخرها تلك التي تسببت باندلاع أحداث تموز المروعة.
في ظل سوريا الجديدة
“وعدونا كثير بحماية طريق الشام، بس شوفة عينك هالطريق لوين وصّلنا!”، هكذا يصف أبو خالد، القيادي المحلي في السويداء، محادثات وجهاء وقادة فصائل من السويداء مع وزارتي الدفاع والداخلية، وهو مطلع على عددٍ منها، حيث “عجزت السلطات عن حماية الطريق رغم سقوط عدد من الضحايا في عمليات اعتداء على امتداده، حتى وصل حاله إلى ما وصل إليه”، بحسب رواية أبو خالد.
برز طريق دمشق–السويداء كساحة للصراع البدوي–الدرزي في المرحلة الجديدة، فغدا مسرحاً للأفعال وردود الأفعال، إذ شهد عشرات الاعتداءات والحوادث التي سقط خلالها أكثر من 6 ضحايا. وعلى منتصفه تماماً، قرب قرية خربة الشياب، منتصف ليل الحادي عشر من تموز، تعرض تاجر الخضار “فضل دوارة” لسلب واعتداء سرعان ما تطور لخطف متبادل، ثم اشتباكات محلية دامية دفعت السلطة لاستقدام رتلٍ عسكري اجتاح المحافظة فجر 14 تموز من خاصرتها الغربية، وتوغل لنحو 40 كيلومتراً في عمقها شرقاً ثم جنوباً خلال ثلاثة أيام، متجاوزاً أربع قرى بعد المدينة التي تشهد النزاع.
كان هذا ثالث الحوادث التي انزلقت لتصعيد عسكري موسع بين البدو والدروز بعهد الدولة الجديدة، لكنه جاء مصحوباً بدعم القوات النظامية، وفتّت بشكل فعلي علاقة التعايش بين المكونين في السويداء؛ حيث انسحبت أغلبية الذكور من البدو مع انسحاب القوات، ثم استمر ترحيل العوائل لنحو شهرين، محققاً ما عجز المفتنون في عهد الأسد عن تحقيقه، بتهجير كافة عشائر البدو من السويداء وفتح صراع مستمر بين الدروز ومحيطهم.
كان هذا ثالث الحوادث التي انزلقت لتصعيد عسكري موسع بين البدو والدروز بعهد الدولة الجديدة، لكنه جاء مصحوباً بدعم القوات النظامية، وفتّت بشكل فعلي علاقة التعايش بين المكونين في السويداء؛ حيث انسحبت أغلبية الذكور من البدو مع انسحاب القوات، ثم استمر ترحيل العوائل لنحو شهرين، محققاً ما عجز المفتنون في عهد الأسد عن تحقيقه، بتهجير كافة عشائر البدو من السويداء وفتح صراع مستمر بين الدروز ومحيطهم.
“لم تكن السلطة الجديدة جدية في حماية الطريق، فلم نرَ منها سوى حملة أمنية شكلية بعد اشتداد أحداث صحنايا بريف دمشق، استهدفت قرية ابراق، أول القرى البدوية بعد ريف السويداء الشمالي، بسبب سقوط نحو 60 ضحية بكمين أعده البدو هناك لمجموعة درزية كانت متوجهة إلى صحنايا بالتنسيق مع الأمن العام. ثم سمعنا عبر صفحات الأخبار في الأول من تموز/يوليو عام 2025 عن اشتباكات فتحها الأمن العام استمرت ليومين على حاجز المسمية الشهير بعد سيطرة العشائر عليه وقيامها بانتهاكات يومية، لكن الأمن لم يستطع السيطرة عليه. عجباً لدولة تستطيع اجتياح محافظة خلال أيام ولا تستطيع السيطرة على حاجز تحتله العشائر على شريان السويداء الحيوي!”، يروي أبو خالد.
في خريطة الاشتباك الأخير
بدأ دخول القوات النظامية من ثلاث قرى على الحد بين درعا والسويداء، كان أولها قرية تعارة، آخر قرى السويداء المشرفة على الطريق المعروف باسم “طريق الشام القديم”، الذي يربط أيضاً درعا بالسويداء. وتتوسط تعارة امتداد ريف السويداء الغربي من شماله، حيث يجاور الدروز العشائر في اللجاة، إلى السهل في جنوبه حيث الدروز والحوارنة والمسيحيون.
ويقول علي (اسم مستعار)، ذو الثمانية عشر عاماً، وهو فلاح وأحد الناجين من تعارة، إنهم شاهدوا أضواءً لمئات السيارات في قرى ناحتة وبصر الحرير في درعا “قدمت من اتجاه الشمال ليل 13 تموز 2025”.
ويضيف علي مسهباً: “اعتدنا منذ أحداث الأول من أبريل على التناوب في حراسة قريتنا الحدودية يومياً خلال الليل. خلال هذه الفترة وقعت عدة حوادث استدعت التنسيق بيننا وبين قرى درعا المحاذية لنا، ولم يوفروا جهداً خلالها، خصوصاً المعينين من وزارتي الدفاع والداخلية هناك”.
“لكن المختلف في واقعة تموز، وخلال استنفارنا بسبب امتداد العنف من المدينة لعدة قرى، منها ما هو قريب لمنطقتنا؛ عمدنا للاتصال بأحد المسؤولين الأمنيين في درعا كما هو معتاد، حيث أخبرنا أن الأرتال التي تقترب من قريتنا صديقة، ولا نوايا لديها لهجومنا، ومهمتها محدودة بفض النزاع بين البدو والدروز في المدينة. كان هذا في تمام الرابعة من فجر 14 تموز، وبعد نصف ساعة وردنا اتصال من المسؤول ذاته أبلغنا خلاله أنهم سيرسلون درون لتصوير محيط منطقتنا بهدف تمشيطه. ثم في تمام الساعة 4:40 صباحاً توقف الدرون فوق رؤوسنا حيث كنا نحو عشرة أشخاص على الحاجز المتموضع قرب مفرق البلدة على طريق الشام القديم، ورمت قذيفتها الأولى فقتلت شابين، ثم رمت الثانية بعد عدة دقائق وأودت بالصحفي ساري الشوفي بعد أن هرع لتصوير السيارات التي داهمت الحاجز وفتحت عليه النار، بعد أن كانت تتمركز في كتيبة الرادار على بعد 700 متر من موقعنا الذي يعد المدخل الغربي لمحافظة السويداء. وهكذا، بعد أقل من نصف ساعة، نجوت أنا بسبب عمري الصغير وبطلب من الشهداء الذين ارتقوا على الحاجز، وبظرف ساعات سقطت قريتنا بالكامل، وحُبس فيها نحو 12 مدنياً جلهم من العجزة، ليصار قتلهم يوم 16 تموز أثناء انسحاب القوات”.
“لن أنسى آخر الكلمات التي كتبها ساري في منشوره وهو يلفظ أنفاسه: (الله يسامحكن يا أهل درعا)، ثم توجه لي بالحديث: (فل يا علي، وإخلوا النسوان)”.
كان الملفت أن وزارتي الدفاع والداخلية قد أصدرتا بيانات مشتركة أعلنت نيتها دخول السويداء “فضّاً للنزاع”، لكنها صدرت في السادسة فجراً، أي بعد ساعة ونصف على بدء هجومها الذي انطلق من قرية تعارة ثم الثعلة وكناكر جنوباً لمحاصرة المدينة، بينما احتلت العشائر مع متطرفين من درعا ست قرى درزية شمالي قرية تعارة، وهي: “دويري، حران، لبين، جرين، داما، وقم”، ولم تتواجد القوات الحكومية بشكل رسمي خلال اجتياحها.
يستذكر أبو خالد ليلة رأس السنة عام 2024 عندما دفعت السلطة برتل من الأمن الداخلي للسويداء بعلم الشيخ سليمان عبد الباقي، حيث قوبل حينها بجموع من الفصائل التي رفضت دخوله دون تنسيق مع مرجعيات المحافظة. ويضيف: “سررنا ضهيرة 13 تموز عندما دفعت حركة رجال الكرامة بمجموعة من قواتها إلى حي المقوس، حين كان يقبع تحت وطأة اشتباكات متقطعة مع مجموعات محدودة، لإعلانهم عدم الانحياز لأي من أطراف الصراع في المقوس. لكن تدخلهم أفضى لاحتلال نحو 90 بالمئة من الحي، وهم الذين كانوا منصفين في تدخلاتهم على الدوام، وقد ارتكبوا هذا الفعل أثناء توجه قائدهم العسكري مزيد خداج لاستلام المخطوفين البدو من عريقة بغية إنهاء التوتر”.
“لكن سرعان ما سمعنا عن انتهاكات ضد البدو في شهبا، ثم مع ساعات المغيب هاجمت العشائر قرى لبين وجرين وداما غرباً، ثم استطاعت احتلال قرية الطيرة في الغرب أيضاً وقرية الصورة الكبرى شمالاً مع حلول منتصف الليل، ولم تكد صلاة الفجر على الانتهاء حتى كانت تعارة والثعلة وكناكر قد هوجمت من قبل الدولة”.
“لم أشعر أن المشهد عفويٌّ كما بدا!”، يصف أبو خالد.
استمرت القوات النظامية بإسقاط قرية تلو الأخرى، من الريف الغربي إلى المدينة، حتى وصلت مساء الأربعاء 16 تموز إلى مشارف الريف الجنوبي المطل على الحدود الأردنية جنوباً، مخلفة وراءها عدداً من الانتهاكات التي صُورت بهواتف مرتكبيها. ثم بدأت بالانسحاب بعد ذلك المساء نتيجة القصف الإسرائيلي لهيئة الأركان بدمشق.
صبيحة اليوم التالي هرع السكان المهجرون لملاقاة منازلهم وجثث أهاليها، ولما قضوا من الدفن وتوثيق الأضرار كان جيش العشائر القادم من عدة محافظات سورية قد شارف حدود السويداء، لتندلع مجدداً الاشتباكات من النقاط ذاتها، إضافة للريف الشمالي الغربي الذي يتوسط الزاوية بين الطريقين الرئيسيين للاجتياح: طريق دمشق–السويداء شمالاً، وطريق الشام القديم غرباً.
واستمر القتال حتى اتفاق 19 تموز الذي دخل حيز التنفيذ عقب إعلانه بيوم واحد، والذي تموضعت بموجبه القوات النظامية في القرى المهجورة من كناكر في الجنوب الغربي وصولاً إلى داما في الشمال الغربي، إلى جانب عشر قرى شمالاً على طريق دمشق. وقد عُقد الاتفاق بوساطة من الدول الضامنة، والتي يقول قياديون في السويداء إنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
خُطف فضل دوارة وسُلبت سيارته وأمواله ليل 11 تموز/يوليو، ولدى عودته صباح اليوم التالي استنفرت عائلة دوارة وبادرت للاجتماع بأعيان السويداء للتوصل إلى حل. وقد اتفقت العائلة في مضافة الأمير حسن الأطرش يومها على تحديد مهلة لإعادة المسروقات وعدم التصعيد قبل انتهائها، لكن عصابة مقربة من فضل الله ـ وهي عصابة معروفة محلياً تنشط في بلدة عريقة منذ سنوات ـ أقدمت على اختطاف عشرة من البدو بشكل عشوائي بعد الاجتماع مباشرةً، ما دفع العائلة للتبرؤ من هذا العمل في بيان لها، ليرد البدو صباح 13 تموز/يوليو باحتجاز خمسة عشر فلاحاً درزياً شمال حي المقوس على طريق الجبل.
كواليس مقلقة
عُرف لاحقاً أن المجموعة التي تدخلت في المقوس من حركة رجال الكرامة هي بيرق الأدهم بقيادة الشيخ مؤنس أبو حلا، وقد قاد مؤنس عدة زيارات إلى وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة أفضت لمنحه رتبة عميد وتشكيل مجموعة للأمن العام قوامها نحو 300 عنصر أغلبهم من الحركة نفسها. ولدى اجتياح قوات الحكومة، سلّمهم مؤنس عشرات الرشاشات الثقيلة والأسلحة، بحسب الرواية الشعبية التي تقول أيضاً إنه دفع للتصعيد بهدف إدخال قوات الحكومة إلى السويداء لتقويض نفوذ الشيخ حكمت الهجري ـ وهو رئيس روحي في السويداء يقود موقفاً مناهضاً للسلطة السورية بالتحالف مع إسرائيل ـ، وجاء طرد مؤنس من الحركة بعد فترة داعماً ومؤكداً على الرواية الشعبية التي نادت بمساهمته في التخطيط لأحداث تموز.
وعلى الجانب الآخر، كشفت شهادات نقلتها الكاتبة نجاة عبد الصمد من حي المقوس ذي الغالبية البدوية في مدينة السويداء أن عدداً من البدو كان أيضاً على دراية بما سيقع، مثل حسين سليمان البداح، وهو رئيس لجنة المصالحة الوطنية في المقوس التي تعنى بتفكيك الأزمات مع الدروز؛ حيث ظهر في فيديو يوم 14 تموز/يوليو مع المحافظ مصطفى البكور في الريف الغربي، وعلى ذراعه عصبة حمراء نزعها الأخير له، وينعته من حوله بالانغماسي.
وبيّنت الشهادات انقلاباً في معاملة بعض نساء البدو مع جاراتهن الدرزيات، ثم ترحال بعضهن مع البيت والأطفال دون الرجال وبغير مواسم الترحال، وصولاً لإطلاق البعض منهن انتقادات دينية غير مسبوقة وإشارات مبطنة لتاريخ 14 تموز وأخرى علنية على “حالات الواتساب”. وأن مطلوبين منهم للعدالة عادوا قبيل الأزمة وأنشأوا مبانيَ فخمة وضخمة، وُجد فيها لاحقاً كميات هائلة من العتاد العسكري إلى جانب المخدرات والمسروقات.
ما يدعم رواية الشهادات بأن “البدو على اتفاق مع قوى الأمن بالتخطيط للاجتياح”، وهو ما وصفته لاحقاً هيومن رايتس ووتش في تقرير لها بأنه هجوم لمساندة العشائر؛ خصوصاً أن المتحدث باسم الداخلية نور الدين البابا قد ظهر بفيديو مساء 15 تموز/يوليو بعد وصول القوات لحي المقوس موضحاً أن قدومهم هو “تلبية لنداء عشائر العز والبطولة”، بالتزامن مع رفع تكبيرات النصر في جامع عمر بن الخطاب في المقوس.
لا رابح إلا الشيطان
يجمع الأهالي اليوم في السويداء على أن ما جرى في تموز/يوليو 2025 هو ضمن خطة تقودها “الدول الضامنة” لتوريط الشرع والهجري في صراع درزي سني بهدف التفكيك الديموغرافي للشعب السوري لخدمة مشاريعهم الإقليمية، وهو ما وصفه وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني بأنه فخ وقعت فيه الدولة، سيما وأن إسرائيل تنادي بحماية الدروز منذ الأيام الأولى لسقوط النظام ومنع السلاح الثقيل في جنوب سوريا، وهو ما ظهر نقيضه بالأسلحة التي استخدمتها السلطة في السويداء كالدبابات وراجمات الصواريخ. ثم أطبقت إسرائيل صمتها حتى مساء 16 تموز واجتياح القوات النظامية لنحو نصف مساحة السويداء وسقوط نحو 1500 قتيل من أهالي السويداء ونحو 400 من القوات، ثم بادرت لقصف دمشق.
هُجرت عشائر السويداء بشكل كامل ويبلغ عددهم نحو 33 ألفاً، وسقط منهم عشرات القتلى، فيما قُتل نحو 1800 من الدروز بحسب إحصائيات المشفى الوطني، وتهجر منهم نحو 124 ألفاً من 36 قرية بلغت فيها البيوت المحروقة والمنهوبة نسباً عظمى. واستمرت الانتهاكات على طريق دمشق–السويداء، ولجأ البدو للخيام في ريف درعا، والدروز إلى المدارس والمأوى، ويقبع الاثنان تحت رحمة المنظمات الخيرية في مأكلهم وملبسهم واحتياجهم اليومي، إلى جانب حالة استعداء واستقطاب على أساس طائفي أسستها ملايين المنشورات التحريضية، كان نصيب السويداء منها أكثر من 4 ملايين منشور منذ سقوط النظام وحتى شهر آذار/مارس، بحسب تحقيق استقصائي أجرته (بي بي سي).
طوال فترة الثورة السورية، احتضن سكان السويداء خلافاتهم رغم إذكاء الفتن ودعم الأفرع الأمنية لما يصفه المجتمع المحلي “بالزعران”. ورغم الانتهاكات التي سجلها “زعران” الدروز والبدو بحق الطرفين، وبشكل طبيعي ما إن سقطت الجهة التي أذكت الفتن حتى بدأ الطرفان بعملية رأب الصدع. ومع تسارع الأحداث خلال سبعة أشهر فقط من عمر الدولة الجديدة، يبرز سؤال جوهري: هل كان فضّاً للنزاع في السويداء أم نزاعاً بذاته؟
مصادر: مداهمة حاجز تعارة كما وثقها الشهيد ساري الشوفي https://facebook.com/story.php?story_fbid=24403665022606693&id=100001696048646&mibextid=Nif5oz
اتفاق 19 تموز https://www.facebook.com/share/p/17sBf8kTZ2/
شهادات من المقوس https://www.facebook.com/share/p/1C6oUZpoii/
لم يكن تاريخ 8-12- 2024، مجرد حدث غيّر مجرى الحياة السياسية والاجتماعية في سورية، بل إنها الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة التي أعلنها الإعلام العربي، أن سوريا بلا بشار الأسد، هذه الدقائق شكلت اختباراً جديداً للإعلام السوري، الذي ظهرت على شاشته الرسمية مجموعة تعلن سقوط النظام، في حين، كانت كل القنوات الأخرى العامة والخاصة، مصابة بالخَرس الصحفي.
قاد الإعلام السوري الحكومي والخاص، المؤيد والمعارض معركةً لا تقل وقعاً عن المعارك العسكرية، بل ربما قادها في أحيان كثيرة، ورفع سقف الدم إلى أعلى مستويات. وخلال سنوات الحرب بدأت تظهر مناظرة الإعلام المستقل، وهل يوجد إعلام مستقل فعلاً؟ اختلفت وجهات النظر على الأرض بين الجمهور وبين الصحافيين أنفسهم.
عام 2015 أو حسب ما سمته الدراسات الإعلامية العصر الذهبي، الذي ظهر فيه ما يقارب 16 وسيلة إعلامية مستقلة تعمل من تركيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، مدعومة بتمويلات مختلفة غالبيتها من المنظمات الدولية، تجاوزت التغطيات الإخبارية وذهبت للعمل الاستقصائي والحقوقي وتوثيق الانتهاكات لمقاومة الرواية الرسمية، ولتكون أدلة موثقة أمام المحاكم استعداداً لمرحلة كانت ربما ستمهد لقدوم العدالة الانتقالية يومًا ما.
في رواندا شكل الإعلام الفتيل الذي أشعل حرب الإبادة والماء التي أطفأت النار، وفي عام 1994 لعبت إذاعة ميل كولين وصحيفة “kangura” دوراً في التحريض على العنف والقتل وتحديد أماكن الاستهداف، وبعد انتهاء الاقتتال عمل الإعلام على إعادة بناء سردية وطنية، وبناء مسارات العدالة الانتقالية، فكيف يجب أن يساهم الإعلام السوري المستقل تحديداً في بناء سرديات العدالة الانتقالية؟ وهل يستطيع أن يبني سردية وطنية جامعة في ظل عدم قبول الإعلام الحكومي من كافة فئات الجمهور؟ أم أن الحالة السورية استثناء يجب أن تشق مساراً مختلفاً ليشارك الإعلام في العدالة الانتقالية للبلاد؟
ما بعد الخبر!
تقر الأدبيات الإعلامية أن وظائف الإعلام الرئيسة هي خمسٌ، ( الإخبار، التوعية، الرقابة، الترفيه” الثقافي والاجتماعي”، والوظيفة التشاركية)، وبناء على هذه الوظائف يمكن للإعلام المستقل أن يساهم في سرديات العدالة الانتقالية، وهنا يقول مارسيل موسى خبير العدالة الانتقالية: “الإعلام ليس فقط ناقلاً للخبر بل يجب أن يكون متوافقًا مع المرحلة الانتقالية وحقوق الإنسان، لأنه يساهم بتشكيل الوعي العام، فهو يجب أن يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقل، بسردية متوازنة غير منحازة لطرف واحد، وفي حال انحازت يساهم بتشكيل مظلوميات جديدة تؤثر على مسار العدالة الانتقالية”، وتكمل الصحفية لودي علي أن “دور الإعلام في مسارات العدالة الانتقالية زيادة الوعي العام بحقوق المتضررين وآليات المحاسبة وكشف الحقيقة والاعتراف بالجرائم وربط العدالة بالمجتمع، مع التأكيد على عدم إطلاق الأحكام”. وحتى يكون كذلك ويساهم إيجابياً بالدور المنوط إليه ألا يتلقى تعليماته من السلطة أو الأشخاص أو حتى الأجندات الخارجية، وعلى الصعيد السوري يوجد إعلام مستقل، وصحافيون مستقلون، لكن وسائل الإعلام المستقلة قليلة، ومن بقي منها يتهاوى أحياناً، والبعض منها لم يقدر على الصمود بسبب نقص التمويل، في حين أشار الباحث سامر ضاحي إلى فكرة أن تبدل قوى السيطرة خلال سنوات الحرب، عرت بعض من يدعي أنه ” إعلام مستقل” وبناء عليه يتوجب على الإعلام المستقل أن يساهم بكل مراحل العملية الانتقالية، ويكون شريكًا في بناء سرديات وطنية عادلة وتوافقية.
باتت تترد كلمة العدالة الانتقالية بمفهومها المجتزأ، على ألسنة العوام أو الجمهور في سوريا، من أقصى قرية في الريف الجمهورية الشرقي إلى أقصى قريةٍ في ريف الجمهورية الغربي، لكن هل يكفي أن تتردد الكملة، والجمهوران بعيدان عن بعضهما بعد الثريا عن الثرى؟
نظرية البعض والكل!
” السنة قتلونا، البدو قتلونا، أهل إدلب هنن الدولة، العلوية الفلول، عناصر فلول النظام في الساحل السوري، الدروز الهجريون، الكرد القسديون، الشبيحة الجدد” هذه جمل تصدرت على لسان بعض العوام والكثير من الإعلام منذ سقوط نظام الأسد عام 2024.
” أهل الغوطة الإرهابين، إرهابيو إدلب، السنة الدواعش، المجموعات الإرهابية من المعارضة المسلحة، شبيحة النظام، العلويون الشبيحة” هذه جمل أيضاً جاءت على لسان بعض العوام، و الكثير من الإعلام منذ عام 2011 وحتى 2024 م
وخلال 16 عامًا، زادت الاستقطابات، وأصبح البعض يذهب ليندمج بالكل الذي يناسبه خوفاً، أو ربما حفاظاً على حياته، وازدادت الاتهامات وأحكام القيمة، وبين هذين التاريخين، وربما في نفس اللحظة والدقيقة أمهات وزوجات وبنات فقدن الشريك، المعيل والحبيب، وبنفس اللحظة أيضاً نساء ورجال كانوا يِعذبون في سجون الأسد وسجون الفصائل الأخرى التي كانت تحت جناح المعارضة المسلحة، لم يفكر أي إعلام خلال سنوات الصراع، الحرب، الثورة، سموها ما شئتم أن يلقي السلام على مبدأ الفيلسوف Kant” ونظرية ” البعض والكل”، تقول النظرية إن العلاقة بين البعض والكل تستعمل في التمييز بين الأحكام، فإذا كان المحمول جزءاً من الموضوع كان الحكم تحليلياً، لأننا نضيف شيئاً جديداً إلى المعرفة، وإذا كان المحمول خارجًا عن الموضوع كان الحكم تركيبيا لأننا نضيف معرفة جديدة إلى الموضوع”.
وبناء على هذه النظرية، عمل الإعلام السوري المؤيد للسلطة والمعارض للسلطة على مبدأ التعميم، الذي ضرب بعرض الحائط العدالة الانتقالية، وبقي الإعلام المستقل هو القشة التي يتعلق على ظهرها السوريون لعدالة انتقالية توصف المجرم وتخلد الذكرى، وهنا يقول الباحث في العدالة الانتقالية: مارسيل موسى: “يجب أن يستخدم الإعلام لبث رسائل السلام وتعليم السلام، ويستخدم السردية المتوازنة، وهذا لا يعني مساواة الجلاد بالضحية، بالعكس تماما الجلاد يبقى جلاداً، لكن السردية المتوازنة تعاني أن ليست كل الأطراف متساوية بالجرم، والسردية المتوازنة تتخلص من التعميم كلغة وخطاب، فلا يجوز أن أبقى أوجه كلامي لطائفة كاملة وأن أميز بين الانتقام والعدالة”.
الإنصاف أم الحياد! مصطلحان اشكاليان، حتى في النظريات الإعلامية، هل يمكن لإعلام أن يكون حيادياً؟ حسب نظريات الإعلام لا يمكن لإعلام أن يكون حيادياً، لكن تشير الصحفية لودي علي أن الإعلام المستقل يمكن أن يكون موضوعياً ومنصفا، بالاعتماد على الأدوات المهنية ليكون بوصلة العدالة، باتباعه القواعد المهنية التالية والتي توصل بالضرورة إلى ضمان عدم التكرار:
وهنا يعرج الخبير في العدالة الانتقالية مارسيل موسى على مثال واقعي عن دور الإعلام المستقل يوم حدثت الانتهاكات الأخيرة في الساحل السوري والسويداء وحلب أن الإعلام المستقل أصاب عندما وثق الانتهاكات وأعطى للناس مساحة للحديث “وأخطأ باستخدام اللغة العاطفية في بعض الأماكن بدل اللغة العقلانية واللغة العاطفية تؤجج الانقسام” وتوافقه لودي علي قائلة “أخطأ في التركيز على ما حدث كتقارير مستقلة دون ربطه بضرورة تحقق العدالة الانتقالية، ومنع تكرار الانتهاكات فسقط أحيانا في فخ التحريض وأحيانا في فخ ملاحقة التريندات بعيدا عن التحليل المعمق. القضية.. أولويات! عام 1972، أسس المنظران في الإعلام “ماكسويل ماكومبس” و”دونالد شو”، نظرية ترتيب الأولويات في الإعلام، التي تقول: “إن وسائل الإعلام ليست مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هي تحديداً تختار ما تريد أن تسلط الضوء عليه، وبالتالي تؤثر في ما يعتبره الجمهور مهماً أو أولويّة”، فكم يمارس الإعلام المستقل هذا الدور في ملف العدالة الانتقالية كأولوية يحتاجها السياق السوري، بل الأحرى كم يمارس دور ترتيب الأولويات ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وهنا يطرح سؤال نفسه من أي مسار يجب أن يبدأ، كشف الحقيقة، جبر الضرر، بناء الذاكرة”؟ تشير الصحافية علي: إن المسار الأول في ترتيب الأولويات يقتضي اليوم رفع الوعي المجتمعي بالمفاهيم القانونية التي تتعلق بالعدالة الانتقالية، يليه الاعتراف بالجرائم السابقة وإعطاء مساحة للبوح، والتركيز على حقوق الضحايا، وجبر الضرر. يتعمق الباحث موسى مستفيضاً: البداية بالسرديات المتعلقة بالعدالة الانتقالية من الحديث عن الحقيقة الموثوقة، القائمة على الحق الذي هو أساس الحقيقة، إضافة لوضع الضحايا كأشخاص كاملين في مركز السرد، ويجب الحصول على المعلومات من أفوههم إن وجدوا، ولا يجوز استخدامهم كرموز فقط أو أدوات سياسية، وبعدها ينطلق إلى التمييز بين الضحية والجاني، والمسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسساتية. ويوافق الصحافية علي، أنه على رأس أولويات وسائل الإعلام المستقلة، هو توضيح المصطلحات، إضافة إلى استخدام مصطلحات قانونية، تبنى على أساسها سرديات العدالة الانتقالية، فلا يجوز استخدام مصطلح عفو في العدالة الانتقالية، الصحيح استخدام مصطلح عدم الإفلات من العقاب، وتوجيه الناس أن القانون هو فوق كل شيء وهو من يأخذ الحقوق. لا يمكن تجاهل أن هناك خطورة يعيش ضمنها الإعلام المستقل، لأنه هو إعلام قائم على تمويل المنظمات، فكيف سيكون مسار هذا الإعلام في حال اختفى التمويل، فهل يختفي صوته؟ بالعموم العدالة الانتقالية لا يخشى عليها من الموت بل يخشى عليها من الإصابة بالشلل، إذا انقطع التمويل عن الإعلام المستقل يعني أن يصبح هناك روايات موجهة شعبوية سلطوية للإعلام، وبالتالي يزيد خطاب الكراهية وخطاب الثأر، لكن الحلول لهذا الإعلام موجودة والمتمثلة بالتمويل المجتمعي، وهذا ماحدث في ألمانيا حسب الباحث مارسيل موسى، وتضيف الصحافية علي أن غياب التمويل سيترك التمويل لوسائل إعلام تحمل أجندات وسيكون عناك ضياع بالحقوق، ويترك المجال للسوشال ميديا أن تثير الرأي العام وتزيد التحريض. يقف مسار العدالة الانتقالية السورية اليوم، على المحك عالميا، عربياً وسورياً، البعض يقول إنها عدالة انتقامية لأنه مازال الناس يأخذون حقوقهم بيدهم، والآخرون يشيرون أنها تحتاج وقتاً طويلاً للتحرك، لكن حان الوقت بعد عام للبداية.
ثمّة بداياتٌ مفاجئة لتحوّلات التوازن في شرق المتوسط. قد تبدأ من خريطةٍ صغيرة تُتداوَل همساً كأنها “معلومة”، وقد تنتهي بسفينةِ مسحٍ زلزالي تُعامَل كأنها “قرارٌ”. البحر، من بعيد، يبدو مساحةً بلا ذاكرة؛ ماء يبتلع أثره ولا يترك شاهداً. لكن هذا الحوض بالذات لا ينسى. هنا، كل خطٍّ يُرسَم على ورقٍ يتحوّل سريعاً إلى نزاعٍ على الموانئ، وعلى شركات التأمين، وعلى شرعية الحركة في الماء؛ نزاعٌ تُديره العواصم ببرود، وتدفع ثمنه الدول الأضعف بالتقسيط.
ومنذ تبدّل ميزان الحكم في دمشق أواخر عام 2024، تصرّفت أنقرة كأن نافذةً أُزيحت أخيراً؛ سورية التي كانت مغلقة بالحديد والفيتو أصبحت “قابلة للترتيب” من جديد. ضمن سلة الملفات، يبرز البحر كفرصةٍ مزدوجة الحدّ؛ فرصة لأن الغاز والممرات والأسواق تُغري، ولأن تثبيت الخطوط يعني تثبيت النفوذ. وخطرٌ لأن أي خطوةٍ غير محسوبة قد تُدخل دمشق في اشتباكٍ كبير مع أوروبا، وتمنح تركيا – بحكم الخبرة والقدرة – أوراقاً تتجاوز اللحظة، وتضغط على هامش سورية في السنوات القادمة؛ ليس فقط في المتوسط، بل في طريقة عودتها إلى العالم أصلاً.
وبحسب المتاح من مؤشراتٍ وتصريحاتٍ متفرقة، ثمة حديثٌ عن مسارٍ تركي–سوري يتصل بتحديد مناطق النفوذ في البحر. لا شيء مُعلناً بوصفه اتفاقاً نهائياً، ولا وثائق منشورة، ولا إحداثيات مُودَعة. لكن مجرد تداول الفكرة يهمّنا، لأن ظهورها سياسي في جذوره؛ هل تريد سورية الجديدة أن تبدأ علاقتها بالبحر من بوابة مقايضةٍ سريعة، أم من بوابة تثبيت سيادةٍ هادئة لا تُستدرَج إلى صراعات الآخرين؟ كما أن تركيا، في المقابل، لا تنظر إلى المتوسط بوصفه حيّزاً جغرافياً محايداً. لديها عقيدةٌ بحرية وخطابٌ مُعلن عن “المجال الحيوي” وأولوية حماية مصالحها، وبخاصة ما تعتبره “حقوق القبارصة الأتراك” المرتبط بالمنطقة الشمالية من قبرص والتي تقع تحت وصاية تركيا. ومع كل حديثٍ عن تفاهمٍ مع دمشق، يظهر ظلّ قبرص فوراً، حتى لو لم يُذكر بالاسم.
قبرص: الجار الذي يفرض نفسه الجغرافيا هنا أوضح من النوايا. الساحل السوري قصير نسبيّاً، وأي انحرافٍ بسيط في زاوية الخطّ يغيّر المساحات والحقوق ويُضعف قابلية الدفاع القانوني. لكن المسألة ليست حسابات أميال فقط. وقرب قبرص يجعلها طرفاً فعليّاً في أي معادلة، حتى لو أُخرجت من الخطاب. وتجاهلها يُعدّ مخاطرةً سياسيةً مبكرةً.
الصورة يجب أن تُقرأ كما هي؛ إذا صيغت خطوط تركية–سورية تُقلّص أثر قبرص أو تلتفّ على وزنها، فلن تُعامل كترتيبٍ ثنائيٍّ بريء. ستُقرأ كخطوةٍ تستفز نيقوسيا وأثينا، وتدفع الاتحاد الأوروبي إلى الردّ، لأن الملف عنده سيادةٌ وحدودٌ وطاقةٌ، لا ورق خرائط فقط. والأسوأ أن تُمرَّر الصيغة -مباشرةً أو مواربةً- بما يُدخل “شمال قبرص” المحتل، في المنطق الترسيمي، نصّاً أو عبر نقاطٍ مرجعية. هنا تتحول المسألة إلى أزمةٍ دبلوماسيةٍ شبه مؤكدة، وتصبح سورية هي من يدفع الكلفة؛ على صعيد الانفتاح الأوروبي، وعلى صعيد الاستثمار والتمويل والتأمين، وعلى صعيد الشرعية السياسية التي تحتاجها في مرحلة انتقالية حساسة.
ولا ينتهي الأثر عند قبرص. جنوباً، يطل لبنان عبر حساسية “نقاط الالتقاء” البحرية. أي خطٍّ ثنائي قد يربك لاحقاً تفاوض دمشق مع بيروت، أو يرفع ثمن أي تسويةٍ لاحقة. وفي الخلفية، تبقى إسرائيل وملفات الطاقة عامل ضغطٍ دائماً في شرق المتوسط. هذه ليست ساحاتٍ منفصلةً لكل دولة. إنها مساحة تداخل. ومن يتصرف كأنه وحده في البحر سيكتشف سريعاً أن الآخرين سيحوّلون خطوته إلى كلفةٍ مضاعفة؛ قانونيّاً، ودبلوماسيّاً، وماليّاً، وأمنيّاً.
من يمسك القرار… ومن يدفع الثمن؟ في هذا النوع من الملفات لا يكفي أن نعرف “من يتفاوض”. المهم أن نعرف من يقرّر، ومن يستطيع تحويل الورق إلى واقع. في أنقرة، الخارجية هي الواجهة السياسية–القانونية، والرئاسة هي سقف القرار لأن أي خطوة في البحر تُربط عادةً بسلةٍ أوسع؛ أمن، حدود، تجارة، لاجئون، وطاقة. وبينهما قنواتٌ خلفية تتولاها أجهزة الأمن حين تصبح الاتصالات حسّاسة أو حين يلزم تمرير الرسائل بعيداً عن الضوء. بعد ذلك تدخل الطاقة والمؤسسة البحرية بوظيفتها الصلبة؛ خرائط، تقديرات، وخيارات مسحٍ واستكشاف.
أما في دمشق الانتقالية، فالقرار -إن وصل إلى مرحلة النضج- قرار سيادي من الدرجة الأولى، ولا يمر بسلاسة عبر مؤسسة واحدة. الخارجية قد تدير التفاوض، ومؤسسات الطاقة قد تراجع الحسابات، لكن التوقيع -إذا حدث- يحتاج غطاءً أعلى، ومرجعيةً داخليةً لا تبدو مستقرة بعد. هنا مكمن الضعف؛ اتفاق كبير يُبرَم في لحظة انتقالية، من دون سند مؤسسي وإجرائي واضح، قد يتحول لاحقاً إلى مادة انقسام، ويُستخدم كسلاح سياسي ضد السلطة نفسها.
وهناك عامل لا يجوز تجاهله، وهو أن الساحل السوري ليس مساحة هادئة سيادياً حتى داخل سورية. توازنات نفوذ، ذاكرة امتيازات طاقة، وحضور روسي ثقيل في طرطوس وما حولها. مصالح متشابكة قد لا تتقبل سريعاً انتقالاً يمنح تركيا مكاسب صافية من دون أثمان مقابلة. هذا قد لا يظهر في التصريحات، لكنه يظهر عند التنفيذ؛ عند دخول الشركات، عند ترتيبات الحماية، عند التأمين البحري، وعند الأسئلة التي تُسقط أي خطاب إنشائي: من يضمن؟ من يموّل؟ ومن يوقّع فعلاً؟
ما بين الانفتاح الغربي وقيود الواقع يسهل على أي طرف أن يقرأ 2025 بوصفها سنة “تخفيف القيود” عن سورية. ظهرت إشاراتٌ إلى انفتاحٍ أوروبي أوسع، وإلى تفكيكٍ جزئي لبعض منظومات العقوبات أو إعادة ترتيبها. لكن الخطأ أن تُفهم هذه التحولات كأنها تفويضٌ مفتوح لتوقيع اتفاقات بحرية شائكة بلا ثمن. التحسن السياسي لا يلغي كلفة الامتثال، ولا يرفع فجأةً الحساسية الأوروبية حين يتعلق الأمر بالبحر وقبرص.
أي مشروع بحري يحتاج شركاتٍ، ومصارفَ، وتأميناً، وتقنيات قد تُصنّف “مزدوجة الاستخدام”، وشبكات امتثالٍ لا تعمل بالنوايا، بل بالخوف؛ خوف من المخاطر القانونية، ومن الإشارات السياسية، ومن أي نزاع يمكن أن يطيح التمويل والتشغيل. لهذا قد يكون التوقيع أسهل من التنفيذ. وقد ينجح الطرفان في إنتاج ورقة سياسية، ثم يكتشفان أن تحويلها إلى عملٍ فعليّ يصطدم بجدار؛ تأمين لا يأتي، أو شركة تتراجع، أو مصرف يطلب ضمانات لا يمكن توفيرها، أو اعتراض أوروبي يرفع كلفة كل خطوة.
ثم إن أوروبا -خصوصاً قبرص واليونان- لديها حساسية مسبقة من أي خطوط تُرسم خارج مقاربتها القانونية، ولديها سجل واضح في الاعتراض على ترتيبات بحرية اعتبرتها تمس حقوق أطراف ثالثة. لذلك يُقرأ أي تفاهم تركي–سوري، عند أول خطوة ميدانية، كاختبار عملي لإرادة الاتحاد الأوروبي في حماية ما يراه “حدوده” ومجاله البحري. وهنا يضيق الهامش على دمشق؛ سورية تريد باباً أوسع إلى العالم، لكن قد تُستدرج إلى ملف يجعل هذا الباب أضيق، ويعيدها إلى دائرة الاشتباك بدل الخروج منها.
كيف نعرف أن الأمر خرج من دائرة الكلام؟ في هذا النوع من القضايا لا أعوّل على التسريبات، ولا على العبارات المرنة التي تصلح لكل شيء. ما يهمني هو الأثر القابل للقياس. إذا أردنا مراقبة المسار بعقلٍ بارد، فهناك إشارات قليلة لكنها فاصلة: أولاً: إعلان تشكيل لجنة مشتركة بصلاحيات واضحة. تتحدث عن منهج عمل، وجدول زمني، ومرجعيات قانونية، ومن يوقّع باسم من. وجود لجنة بهذا الوزن يعني أن الملف خرج من تبادل الأفكار إلى تفاوضٍ مؤسسي. ثانياً: بدء أعمال مسح بحري أو زلزالي بتنسيق فعلي قبالة الساحل السوري. وهذا إعلانٌ ضمني عن “مساحة عمل” وعن حدودها السياسية والأمنية. لحظة خروج السفينة إلى الماء يتغير كل شيء: يبدأ الاختبار الحقيقي، وتظهر فوراً الاعتراضات أو القدرة على تحمّلها. ثالثاً: ظهور وثيقة يمكن تتبعها، حتى لو كانت مذكرة أولية. وثيقة تحمل خطوطاً أو نقاطاً أو صيغاً تقترب من فكرة الإيداع الدولي لاحقاً. من دون ورقةٍ قابلة للتتبع، تبقى الخرائط المتداولة مجرد تصورات للاستهلاك والضغط، لا للبناء.
لكن الأهم، برأيي، ليس فقط “كيف نراقب” بل ماذا يجب أن تفعل دمشق كي لا تُحاصر نفسها. إذا كانت سورية جادة في حماية هامشها البحري، فلا يجوز أن تُسلّم مستقبلها في المتوسط لقناة واحدة. تنويع المسارات ضرورةٌ؛ فتح حوار تقني مع لبنان، ترك نافذة مع نيقوسيا، وعدم السماح بتحول الملف إلى “حزمة” تُستعمل فيها خطوط البحر كعملة لتسويات أمنية أو سياسية قصيرة النفس.
وأخشى تحديداً من فخ “الرمادي”: تفاهم لا يذكر قبرص صراحةً لكنه يُترجم عملياً بطريقة تستفزها، أو لغة مبهمة تسمح لأنقرة بإدخال ملف شمال قبرص إلى المعادلة من الباب الخلفي. هذا النوع من الصيغ يبدو أنيقاً على الورق، لكنه يسقط عند أول احتكاك ميداني، ويترك الطرف الأضعف -وغالباً دمشق- وحيداً في زاوية الدفاع. كيف ترى سورية الجديدة نفسها، وأين تريد أن تضع قدمها في الإقليم. المتوسط هو أكثر من “فرصة غاز” تُضاف إلى جدول أعمال مزدحم. هو ساحة سيادة. إمّا أن تُصاغ قراراته بوعيٍ طويل النفس، وبحدٍّ معقول من الشفافية والغطاء الداخلي، وإمّا أن تتحول الخطوط إلى “صفقة” تُبرَم سريعاً ثم تُترك سورية وحدها تتعامل مع ارتداداتها.
التجربة القريبة في شرق المتوسط تظهر بوضوح أن كل خطٍّ يتجاهل توازن القوى والجغرافيا السياسية يعيش كأزمة مؤجلة. وكل اتفاق يمرّ فوق رؤوس الأطراف المتأثرة يعود لاحقاً كصدامٍ قانوني ودبلوماسي وربما ميداني. من حق دمشق أن تبحث عن مصلحتها، ومن حق أنقرة أن تجرّب توسيع هامشها، لكن ليس من مصلحة سورية أن تُستدرج إلى معركة قبرص، ولا أن تربط مستقبل بحرها بمقايضة قصيرة العمر.
لهذا أعتقد أن التريث هو شكل من أشكال السيادة. لأن أي خط يُرسَم اليوم قد يُغلق أبواباً غداً. وسورية في لحظتها الانتقالية تحتاج أن تفتح الخيارات لا أن تقفلها؛ اقتصاداً، وعلاقاتٍ خارجية، وشرعية داخلية. في هذا البحر، لا يكفي أن ترسم خطّاً. عليك أن تعرف كيف ستعيش معه، وكيف ستدافع عنه، وكيف ستدفع ثمنه إن لزم الأمر.
انهيار النظام المركزي في سوريا، في ديسمبر 2024، خلّف فراغاً مؤسسياً واسعاً. لكن الحياة لم تتوقف. خلال أسابيع قليلة، وجد كثير من السوريين أنفسهم يديرون تفاصيل يومهم عبر الهاتف؛ بيعاً وشراءً، وتحويلات، وتنسيقاً للخدمات، وتبادلاً للمعلومات. لم ينتظر الناس عودة الدولة لترتيب نفسها، بل انتقلوا إلى الشاشات والتطبيقات بوصفها حلاً عملياً لتجاوز إرثٍ طويل من الروتين والبيروقراطية. ومنذ الأسابيع الأولى، برز نمط جديد عبر منصات التواصل؛ إذ لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى بنية “خدمات” غير رسمية. صار المواطن يتابع حاجاته اليومية عبر مجموعات ومنصات رقمية، فيما بدأت بعض الجهات الرسمية، تدريجياً، تكييف إجراءاتها مع هذا الواقع بدل مقاومته.
هكذا صار الفضاء الرقمي جزءاً من مشهد ما بعد الانهيار؛ ليس بديلاً كاملاً عن الدولة، لكنه قناة تُخفف الاحتكاك المباشر وتعيد تنظيم الحدّ الأدنى من المعاملات والاحتياجات. أوضح وجوه التحول كان اقتصادياً. مع استمرار تعطل النظام المصرفي التقليدي وصعوبة الوصول إلى النقد، وفقاً لما عايناه في تلك المرحلة، اتجه سوريون إلى المنصات الرقمية لضمان استمرار المبادلات اليومية. فخلال عام 2025 تحولت مجموعات “فيسبوك” و”واتساب” إلى أسواق افتراضية تُعرض فيها السلع، تُقارن الأسعار، وتُعقد الصفقات مباشرةً بين المستخدمين. لم يعد وجود سجل تجاري هو معيار الثقة الوحيد، بل صار “الأثر الرقمي” مهماً في سمعة البائع، وتاريخ التعامل، وتقييمات المتابعين داخل المجموعة.
يقول الدكتور جميل الحوشان، أستاذ القانون التجاري والمحامي، لموقع صالون سوريا: “إن الممارسة العملية بدأت تتوافق مع حاجات المجتمع، وأصبحت الأعراف الرقمية قاعدةً متناميةً للتعاملات اليومية”. بهذا المعنى، لم يعد المواطن ينتظر الدولة فقط، بل بات جزءاً من دورة الإنتاج والتبادل، يصنع قواعده المؤقتة ويتكيف معها، ريثما تتبلور مؤسسات أكثر استقراراً.
ثم برز تطبيق “شام كاش” كنموذج واضح للتحول المالي الرقمي في سوريا، حيث شكّل هذا التطبيق محفظة إلكترونية تُستخدم لتسهيل المعاملات المالية اليومية، بما في ذلك تحويلات الأفراد وصرف الرواتب. وابتداءً من مايو/أيار 2025، أصبح قناةً رسميةً اعتمدتها وزارة المالية لتمرير رواتب موظفي القطاع العام، وفق آلية أُلزم محاسبو الجهات العامة بالعمل عبرها. أبرز الخدمات التي يقدمها التطبيق: صرف الرواتب وتحويلها إلكترونياً، بما يقلل الاعتماد على النقد ويخفف ضغط الطوابير. تحويل الأموال بين الأفراد بسرعة، ومن دون عمولاتٍ بحسب مستخدمين، وسداد فواتير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت وخدمات أخرى. السحب والإيداع النقدي عبر شبكة مراكز حوالات محددة، مثل “الهرم” و”الفؤاد”. ميزات أمان، مثل رقم “PIN” وخيار التحقق بالبصمة.
لكن هذه المزايا ترافقها تحديات مرتبطة بالأمان والشفافية: التطبيق غير متوفر على “جوجل بلاي” أو “آب ستور”، ويُحمَّل عبر موقع رسمي فقط، ما يطرح أسئلةً حول التحقق التقني ومسؤولية التحديثات. فيما تتزايد أخطار الاحتيال الرقمي وانتحال الهوية، مع انتشار مجموعات تنتحل صفة “الدعم الفني” بهدف اصطياد بيانات المستخدمين.إضافةً إلى تحديات سياسية واقتصادية تتصل بموقع التطبيق خارج إطار البنك المركزي السوري والنظام المالي العالمي، وبإدارته عبر شركة مسجلة في تركيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تركّز الخدمة بيد جهة واحدة ويزيد هشاشة العلاقة مع القطاع المصرفي النظامي.
وتصف حنين الحمود، لاعبة منتخب سوريا بلعبة المبارزة من حماة، خلال حديثها لموقع صالون سوريا واقع استخدام “شام كاش” قائلةً: “التطبيق أعطى الناس قدرةً على إدارة حياتهم المالية، لكنه خلق أيضاً وعياً بحماية المعلومات والحرص على كل عملية، وأصبح المواطن جزءاً من منظومة مالية جديدة، لكنه مسؤول بالكامل عن أمان حسابه”.
من العقد إلى لقطة الشاشة مع تراجع القدرة على الوصول إلى المحاكم التقليدية، بدأت المحادثات الرقمية و”لقطات الشاشة” تلعب دوراً يتجاوز التوثيق العابر، لتصبح في كثير من الأحيان لغةً يومية لإثبات المعاملات التجارية وتسوية الخلافات. لم تعد الورقة هي المرجع الأول في السوق الصغيرة، ولا ختم المكتب شرطاً مسبقاً للثقة، بل صار “الأثر الرقمي” -رسالة، تحويل، أو لقطة شاشة- جزءاً من ذاكرة التبادل بين الناس، خصوصاً في بيئاتٍ محلية تعتمد على التعامل المتكرر داخل مجموعاتٍ مغلقة.
يقدم الدكتور جميل الحوشان قراءةً حذرة لهذه الظاهرة، في حديثه لموقع صالون سوريا، مؤكداً أن “لقطة الشاشة ليست عقداً رسمياً ولا يمكن التعامل معها بوصفها بديلاً عن الوثائق القانونية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى قرينةٍ ضمن منظومة إثباتٍ آخذة بالتشكل، شرط أن تُفهم بوصفها دليلاً جزئياً قابلاً للتمحيص، لا حقيقةً نهائية”.فسلامة اللقطة نفسها تصبح موضع سؤال: هل هي أصلية أم خضعت للقصّ والتعديل؟ وهل تُمثل سياقاً كاملاً أم جزءاً منتقى؟ هنا تبرز أهمية الخبرة الفنية عند النزاع، كما تبرز حدود ما يمكن أن تمنحه الشاشة وحدها.
عملياً، تعمل “لقطة الشاشة” على أكثر من مستوى في آنٍ واحد؛ فهي تُستخدم أخلاقياً كمؤشرٍ للالتزام داخل التعاملات اليومية، وتصبح في لحظات النزاع مادةً للضغط الاجتماعي داخل المجموعة، وأحياناً وسيلةً لتسوية الخلاف عبر وساطاتٍ غير رسمية قبل الوصول إلى القضاء. وحين تصل القضية إلى مستوى قانوني، قد تُعرض اللقطة كدليلٍ مساعد، لكنها لا تضمن الحق بمفردها ولا تُغني عن العقد الرسمي، بل تدخل ضمن حزمةٍ من القرائن التي تُفحص وتُقارن وتُستكمل.
هذا الانتقال لم يفتح فرصاً فقط، بل رفع كلفة الوعي. فمع توسع الاعتماد على الفضاء الرقمي، صار الخطأ التقني جزءاً من المخاطر اليومية: رابطٌ خادع، رسالةٌ مزورة، أو حسابٌ منتحل يمكن أن يقلب معاملةً بسيطة إلى خسارةٍ كاملة. يقول فرج مرعي، مدرّس من الحسكة، في حديثه لموقع صالون سوريا: “كل رابط، كل رسالة، كل معاملة، أصبحت مسألةً أمنية، اليقظة الرقمية جزء من ثقافة حياتنا اليومية”. ومع الوقت، تحولت الحماية إلى ممارسةٍ اجتماعية: العائلة تراقب وتنبّه، والمدرسة تزرع قواعد الخصوصية والتحقق، وبعض المجتمعات المحلية دفعت باتجاه دوراتٍ مجانية للتعريف بأساسيات الأمن السيبراني وحماية البيانات واكتشاف الرسائل الاحتيالية، كأن الثقافة الرقمية لم تعد للمعرفة، بل ضرورةً للبقاء في اقتصادٍ يتحرك على الشاشة.
وفي موازاة ذلك، لم تعد المجموعات الرقمية مجرد واجهات بيع وشراء، بل صارت مساحات تنظيمٍ اجتماعي تمتلك قواعدها وأدوارها. “الأدمن” أو مدير المجموعة بات يقوم بوظائف تقترب، في نطاقها الضيق، من بعض أدوار الدولة التقليدية: يضبط تدفق المعلومات، يحدد شروط الإعلان، يتدخل لفضّ النزاعات، ويصوغ قواعد تعاملٍ يلتزم بها الأعضاء لأنهم يحتاجونها. خلال عام 2025، ساهم هذا الشكل من “السلطة الرقمية” في خلق بيئاتٍ أكثر استقراراً داخل الفضاء الافتراضي، لكنها سلطة نابعة من الاستخدام والثقة داخل المجموعة، لا من تفويضٍ سياسي؛ شرعيتها مؤقتة وهشة، لكنها فاعلة ما دام الناس يعتمدون عليها في تفاصيل حياتهم.
البنية التحتية الرقمية: شرط البقاء والتمكين صار الاستقرار في الإنترنت والكهرباء عاملاً فاصلاً في قدرة السوريين على العمل والتعلم وتسيير شؤونهم. تقول حنين الحمود في حديثها لموقع صالون سوريا: “إن ضعف الاتصال والانقطاعات المتكررة لا تُربك الحياة اليومية فقط، بل تُضيّق فرص العمل المهني، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على التواصل المستمر والإنجاز عن بُعد”. ومع اتساع الاعتماد على المنصات، ظهر خلال 2025 ما يمكن وصفه بـ”هجرة رقمية داخلية”: رصدٌ ميداني في عدة مدن سورية يشير إلى انتقال جزء من الشباب من الأرياف والمناطق الأقل اتصالاً نحو مراكز المدن، أو نحو مقاهٍ وأماكن عمل توفر إنترنتاً أكثر استقراراً ومولدات كهرباء. الدافع بسيط: الاتصال صار شرطاً لإتمام عملٍ حر، أو متابعة زبائن، أو إرسال ملفات، أو تلقي دفعات. لكن النتيجة معقدة: مناطق ريفية تخسر حضوراً شاباً كان يمكن أن يبقى لو توفر الحد الأدنى من البنية التقنية.
في هذا السياق، تحولت الطاقة الشمسية من خيارٍ منزلي إلى عامل اقتصادي مباشر. إفادات متكررة من مستخدمين تُظهر أن امتلاك الألواح والبطاريات بات مدخلاً عملياً للبقاء داخل الدورة الرقمية: من يستطيع تأمين كهرباء مستقرة يستطيع أن يحافظ على اتصالٍ منتظم، وأن يلتزم بمواعيد عمله، وأن يتعامل مع خدماتٍ مالية وتطبيقاتٍ تتطلب حضوراً دائماً. أما من يظل رهينة انقطاع الكهرباء والإنترنت، فيُدفع تدريجياً إلى هامش السوق، لا بسبب نقص المهارة أو التعليم، بل بسبب غياب الاستقرار التقني. هنا تتشكل فجوة جديدة: تفاوت بين مناطق تملك إنترنتاً أسرع وطاقةً أكثر استقراراً، ومناطق أقل تجهيزاً. هذا التفاوت ينعكس مباشرةً على فرص الدخل، وعلى الوصول إلى التعليم عن بُعد، وعلى قدرة الناس على استخدام الخدمات الرقمية التي بدأت تتوسع. لذلك، أي حديث عن توسيع الاقتصاد الرقمي يظل ناقصاً إذا لم يُربط بخطة واضحة للكهرباء والاتصال، وبآليات تمنع تحوّل الاستقرار التقني إلى امتيازٍ طبقي دائم.
على الأرض، تُذكر محاولات متفاوتة لسد الثغرات: مقاهٍ مجهزة، حلول محلية بالطاقة الشمسية، ومولدات خاصة في مناطق محرومة. لكنها تبقى حلولاً متقطعة، تتوسع حيث توجد القدرة على التمويل وتتراجع حيث يتراكم الفقر. ما يحتاجه هذا المسار معايير تشغيل واضحة، وحماية للمستهلك، وخرائط تغطية شفافة، وخيارات تضمن ألا يُقصى من لا يملك كلفة الطاقة والاتصال.
سوريا الجديدة: من المركزية إلى العصر الرقمي بعد عام على رحيل النظام السابق، تتقدم الخدمات الرقمية بوصفها إحدى الأدوات التي تُخفف الاحتكاك اليومي بين الناس والمؤسسات، وتختصر مسارات كانت تُستهلك في الطوابير والمكاتب. في بعض المجالات، صار ممكناً متابعة الرواتب والتحويلات عبر “شام كاش”، وتسديد بعض الفواتير والخدمات الأساسية إلكترونياً، وتقليل الاعتماد على الوسطاء في معاملاتٍ كانت تُدار سابقاً عبر شبكات علاقات أو “تسهيل” غير رسمي. كذلك فتح الاتصال باباً لخدماتٍ عن بُعد في التعليم والصحة، وإن ظل الوصول إليها غير متوازن بين المناطق.
إلا أن توسع هذه المنصات من دون قواعد ناظمة يحمل مخاطر موازية: حماية البيانات، حقوق المستخدمين، وضمانات الاعتراض، ومنع الاحتكار، ومعايير التحقق. إن التحول الرقمي لا يمنع تلقائياً عودة المركزية بأشكال جديدة؛ قد يعيد إنتاجها عبر بوابات إلكترونية إن لم تُحدَّد حدود السلطة الرقمية، ولم تُكتب قواعد واضحة للمساءلة والشفافية وإتاحة المعلومات.
ما تكشفه تجربة عام 2025 هو أن بعض السوريين بنوا مسارات عملية لإدارة تفاصيل الحياة حين غابت المركزية، لكن المرحلة التالية تتطلب شيئاً مختلفاً: تنظيم هذا الواقع بدل تركه فوضى، وتثبيت الحقوق بدل تركها رهينة التطبيق، ووضع قواعد تضمن أن ما يُنجز على الشاشة لا يبقى قابلاً للانقطاع مع أول أزمة كهرباء أو أول احتكار أو أول اختراق. عندها فقط يمكن الحديث عن “سيادة رقمية” بوصفها قدرة على إدارة الخدمات وحماية الناس، لا مجرد اعتمادٍ اضطراري على أدوات نجاة مؤقتة.