الجغرافي الفرنسي رومان فوا: نهاية مشروع التحديث البعثي أنذر بزعزعة النظام

الجغرافي الفرنسي رومان فوا: نهاية مشروع التحديث البعثي أنذر بزعزعة النظام

رومان فوا جغرافي خبير بدراسات المياه، أنجز رسالته الجامعية عن “منشأة الأسد” أو مشروع الفرات كما عرف في سوريا، وما رافقه من تشييد لقرى نموذجية، وجر لمياه الفرات لتأمين حاجات السكن والزراعة، وذلك بإدارة مركزية ممسكة بإحكام من قبل نظام البعث في السلطة. امتدت دراسة الجغرافي فوا على مدى سنتين، بين عامي 2008 و 2010. قابلناه في باريس فشرح لنا أهم ما توصل إليه في هذه الدراسة. كما أتاحت لنا المقابلة الإطلالة على الوضع في سوريا عشية بدء الأحداث، من موقع متميز لمراقب خارجي أقام طوال تلك الفترة في شرق البلاد.

بولا الخوري :ما الذي أثار اهتمامك بدراسة مزارع الدولة في سوريا؟

رومان فوا: كنت أعمل على مشاريع المياه في مالي بأفريقيا، فطرح علي المشروع في العام 2007 أثناء إعدادي لرسالة الدكتوراه في الجغرافية البيئية في السوربون بباريس. الاقتراح أتى من باحث سوري في الاقتصاد الزراعي في جامعة حلب سليم بدليسي، وهو حائز على دكتوراه من السوربون أيضاً. وكانت الفكرة تحقيق مشروع بحث مشترك مع جامعة حلب حول إيجابيات وسلبيات منشأة الأسد كنموذج للتنمية في منطقة شبه قاحلة.  وإن كانت مساهمتي في المشروع تتعلق بالمرحلة الراهنة أي بعد نهاية تجربة مزارع الدولة، فسرعان ما اكتشفت أنه لفهم هذه المرحلة علي العودة إلى البداية. وهكذا قررت دراسة المزارع منذ نشأتها في الستينات، لا بل عدت مئة عام إلى الوراء، إلى بداية التحديث في سوريا في ظل عبد الحميد الثاني.

أي أنك لم تكن تعرف سوريا يوماً، لم تزرها من قبل؟

لم أكن أعرف سوريا أبداً ولهذا قررت البدء بدراسة اللغة العربية في باريس قبل ذهابي بشهرين، لأنني كنت مقتنعاً أن دراسة أي منطقة بدون معرفة لغتها أمر غير سليم لي وللدراسة وللناس الذين سأدرس تجربتهم. ومع ذلك كان من المتوقع أن يحصل أحد الشبان السوريين على منحة من أجل مساعدتي بالتواصل مع السكان، لكنه لم يحصل عليها، فاضطررت آنذاك للذهاب وحيداً.  كان لا بد أن أسرع في تعلمي اللغة خاصة أنني لم أكتسب الكثير منها في فرنسا، فكنت أصرف ساعتين كل يوم قبل النوم في حفظ ٥٠ كلمة على مدى أيام الأسبوع ودون انقطاع، على أن أعيد تردادها في الصباح كاملة. لم أنجح دائماً في حفظها كلها لكن ذلك ساعدني كثيراً خاصة أنني كنت مضطراً لاستخدام العربية مع الذين لا يتقنون غيرها. وفيما ما بعد علمني السكان اللغة وخاصة المحكية.

 صحيح لديك لهجة سورية عندما تتكلم بالعربية، هل تتقنها فعلاً؟

حتى أنني أستطيع الآن أن أقرأ وأفهم ما أقرأه وبإمكاني أن أكتب قليلأ. أنا مولود لأب كاثوليكي وأم يهودية عائلتها عربية “سافارديم”. حين التقيت جدتي والدة أمي بعد عودتي من سوريا فوجئت بأنها بعد خمسين عاماً من إقامتها في فرنسا ما زالت تتكلم العربية بطلاقة ورحنا نتكلمها سوية. كنا سعيدين جداً بذلك! وما زلت أتكلم العربية مع سوريين أتوا الى فرنسا بعد الحرب، وأنا أساهم في تسهيل أمورهم هنا، لأسباب لا تتعلق بابحاثي فقط بل من خلال الجمعيات التي تساعد من يأتون من هناك. هؤلاء الناس كانوا مضيافين معي. ومع العلم أنه كان لدي مسكن في جامعة حلب فإنهم رفضوا إلاّ استضافتي في منازلهم.

في دراستك تستشهد بتجارب قديمة في المنطقة وصولاً إلى مصر الفرعونية، هل تعتبر أن نظام البعث انطلق من حاجات ترشيد استثمار المياه وإلى مركزة المشاريع وإمساكها من خلال فهم تلك التجارب القديمة؟

يبرر النظام سلطته بخطاب عقلاني على الدوام، فحتى في مصر الفرعونية في ظل الإدارة المركزية لتوزيع المياه لم يكن الأمر نابعاً من الحاجة لترشيد المياه أو حسن استثمارها وتوزيعها، بل اندرج في سياق تبريرات لتأمين استمرارية السلطة، بحيث يجبر المواطن اقتصادياً وسياسياً على الامتثال لها. ففضلاً عن القمع السياسي يشكل هذا التبرير قاعدة أساسية لأي لسلطة.  مع ذلك فإن مشروع مزارع الفرات في شرق سوريا، أي المنطقة الواقعة شرق حلب، يحتمل تبريرات ترشيدية كالتي قدمها النظام آنذاك: فإذا رسمنا خطاً وهمياً من الشام حتى حلب فإن كل ما يقع شرق هذا الخط، وهو يتضمن فيما يتضمن الرقة، دير الزور وتدمر كان نوعاً  من المساحات الصحراوية التي لا يقطنها إلا البدو.

إذا كانت هذه المناطق قاحلة، ألم يكن المشروع مشابها لمشروع القذافي التبذيري لري الصحراء إذن؟

أولاً ليست المنطقة صحراوية قاحلة كلياً ، فكما في كل صحراء هناك واحات. مع ذلك هناك شيء مما تقولين. وهذا ما ينطبق على كل مشاريع التحديث في المنطقة. فأي سلطة جديدة تقضي على كل ما تحقق قبلها وتعلن أنها بصدد بناء “الإنسان الجديد” في محيط جديد، لتثبت بأنها أفضل من سابقاتها. وهذا ما عبر عنه خطاب السلطة البعثية آنذاك، تحت شعارات من نوع: “إنسان جديد فوق أرض جديدة” . وهو شبيه بالخطاب التحديثي الغربي بشكل عام. فالمشروع الأمثل للبعثيين في سوريا كما في مصر الناصرية وكذلك في إسرائيل هو تحقيق مزارع بإشراف الدولة، ففي إسرائيل مثلاً تم إنشاء  الـ”كيبوتز”. ورغم ادعاء إسرائيل أنها تتميز عن الحكومات القومية العربية، فإن كل هذه التجارب ترتكز على أيديولوجية قومية اشتراكية، تتطور فيما بعد إلى ليبرالية، فتعزز حركة التمدين التي تبعدها عن الأرياف، مما يقضي على مشروعها التحضيري الأصلي ويزعزع سلطتها.

ولماذا كان عليك العودة مئة عام الى الوراء إذن؟

لم تكن هذه أول مرة تحاول فيها السلطة السياسية انجاز مشروع تحضيري في هذه المنطقة في العصر الحديث. ففي بدء حقبة التحديث العثمانية، مع بداية أفول الإمبراطورية وفي ظل حكم عبد الحميد الثاني بدءاً من 1880 كان يجب تحويل السكان من بدو إلى حضر، ولما كانت إحدى الغايات الأساسية لأي سياسة تحديث مركزية هي جبي الضرائب فكان على السلطة أن تحصي السكان وتعين أماكن سكنهم. هذا ما باشره عبد الحميد وكان ذلك بدايات مشاريع التحديث في سوريا، التي توجت في ظل الانتداب الفرنسي بإجراء أول مسح شامل للأراضي.

وهل كان السكان متحمسين منذ البدء لإنشاء هذه المزارع؟

في الغالب يقول الأشخاص الذين قابلتهم “لم يكن لدينا الخيار”. لم يكن ذلك إجبارياً وحسب بل عنيفاً وقد قال لي أحدهم: “كانت هذه الأرض لي وبين ليلة وضحاها اصبحت أرضاً للدولة”. تم إبلاغهم بالإخلاء عبر رسائل ودون أي إمهال أو مجال للاعتراض. ومع ذلك فقد كان موقفهم ملتبساً إذ أنهم يعبرون في الوقت نفسه عن تمتعهم بمنافع التنمية التي حملها المشروع، وقد قال لدي أحدهم: “في السابق كانت كل هذه الأرض عبارة عن صحراء، إنها جنة الآن، جنةّ!”

في أي عام حصل ذلك؟

بدأ ذلك عام 1966، والحقيقة أن بداية التفكير في المشروع تعود إلى عام 1960 في بدايات البعث، من ثم عاد حافظ الأسد وتبناه. المشروع ضخم وهو عبارة عن استصلاح مائي-زراعي لمئات آلاف الهكتارات التي جرى استغلالها من قبل القطاع العام فيما موّل كل ذلك الاتحاد السوفياتي. وقد شكل المشروع واجهة لتفاخر نظام البعث بسياسته التنموية بدءاً من الستينات في القرن الماضي.

إذن كانت أراضي المشروع شاسعة؟

عشرون الف هكتار وذلك فقط في مزرعة الدولة الذي قمت بدراستها. كان هدف المشروع في البدء استثمار 640000 هكتار، لكنه لم يتحقق في النهاية،  فمجمل الأراضي التي تم ريّها من نهر الفرات بلغت 200000 الى 300000 هكتار. وهذه مساحات ضخمة. لم تستخدم كل الأراضي في المنطقة ضمن مزارع الدولة، لكن جرى بناء وحدات سكنية مع أراض زراعية على مساحات تتراوح بين 8 و 16 هكتار وزعت كل منها على قاعدة كل وحدة لعائلة واحدة. من ثم في العام  2000 تم نزع التأميم عن هذه المزارع وجرى توزيعها على العائلات الصغرى أو النواتية من خلال وحدات تمتد كل منها على ثلاثة هكتارات.

هل بإمكاننا القول بأنه أحد أهم مشاريع الدولة البعثية آنذاك؟

نظام البعث لدى وصوله إلى السلطة أمم جميع مرافق الاقتصاد، أي أن الإقتصاد كان مداراَ كلياً من قبل الدولة، وكان مشروع الفرات يمثل 20 بالمئة من استثمارات الدولة بين السبعينيات والثمانينيات، أي أنه مشروع ضخم بلا شك. شخصياً أعتبره من أكبر مشاريع الدولة السورية في ذلك الحين، ومن قابلتهم كما أصدقائي السوريين يؤكدون ذلك ويخبرونني أن مشروع الفرات كان مدرجاً في برامج التدريس.

أي أنه كان مشروعاً ذات وظيفة ايديولوجية رئيسية للنظام؟

بالتأكيد، ولأيديولوجية التحديث على وجه الخصوص. وكما ذكرت لك في ما سبق هذا ينطبق على مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية واستراليا وفرنسا، ألخ.. هناك دراسات علمية عن تخضير الصحراء في استراليا، وهناك مشروع في أريزونا، وفي أسبانيا حصل ذلك خلال حقبة فرانكو لكن قبل ذلك أيضاً. ولماذا؟ أعتقد أن فكرة الحداثة مرتبطة بالتقنية، ومن هم أرباب التقنية؟  المهندسون، وعلى ما يعمل المهندسين؟ على الرياضيات. وأفضل مجال لتطوير الرياضيات هو الحسابات المتعلقة بالمياه وهي نوع من الألعاب الفكرية الأكثر إثارة للتسلية لدى خبراء الرياضيات.

إذا نظرنا الى سياسات المياه نفهم الكثير عن سياسات التنمية في هذه الدول. ويقول محمـد فايز الباحث العربي المتخصص بالدراسات المائية في العالم العربي،  والذي يعود بدراسته الى مرحلة حمورابي، إنه في الحقبة العباسية كان هناك مهندسون يعملون على شيء من دراسات التمدين ولكن بشكل رئيسي على الدراسات المائية والزراعية. إذن هذا تقليد لدى العرب منذ القدم. أما الصلة ما بين الهندسة والحداثة فهي بنظري أمر لا جدال فيه، فالتكنوقراطية هي أسلوب فرض السلطة السياسية عبر التقنيات.

صحيح فإن الدولة الحديثة تحيط نفسها بمهندسين، وكأنها بذلك توظف “جيوشها الفكرية”. في فرنسا مثلاً يلفت نظري استخدام تعبير المهندسين في جميع قطاعات الدولة المعرفية والعلمية، كالعاملين في المركز الوطني للبحوث العلمية، ما رأيك بذلك ؟

بالتأكيد حتى في الجامعة، فالمعهد الوطني للإدارة يخرج كبار موظفي الدولة، أي الخبراء الذين يهندسون الدولة ومنهم رؤساء الدولة. لكن عالمي الاجتماع العربيين ساري حنفي الذي أجرى دراسة عن المهندسين في سوريا واليزابيت لونغنيس الفرنسية المستعربة يقيمان تمييزاً بين  الهندسة في فرنسا ومثيلتها في سوريا أو في ما يسمى ببلدان الجنوب بشكل عام. وتعتبر لونغنيس مثلاً أنه في فرنسا لا تعلو السياسة على التقنية أو التكنولوجيا، من هنا نجد نوعاً من العقلانية لدى السلطة في التعامل مع المعرفة التي ينتجها أرباب التكنولوجيا، مع العلم أن السياسة تخضع في الحالتين لموازين القوى. لكن في بلدان الجنوب سرعان ما يسيطر السياسي على التقني، الذي يصبح مادة لتبرير خطاب الدولة،  وتستقيم الدولة كحكم بين مراكز القوى والمصالح المختلفة في الاقتصاد والمجتمع، فتتعطل بذلك عملية إنتاج المعرفة التقنية.

ألم يواجه هذا المشروع التحديثي الذي أحدث انقلاباً كاملاً في بنية المجتمع أي مقاومة من السكان الذين ينتمون إلى علاقات عائلية وقبلية تقليدية مثلاً؟

حظي حزب البعث السوري في بدايته على تأييد واسع من السكان، حتى من فئات الشباب البورجوازية التي وجدت فيه مشروعاً لتغيير المجتمع بناء لعلاقات اجتماعية حديثة، أما البعد الاجتماعي للحزب الذي عمل على توزيع عادل لخيرات البلاد أو نادى بذلك على الأقل فأمن له تأييداً لدى الفئات الشعبية.

من ناحية ثانية إذا نظرنا إلى انتماءات سكان هذه المنطقة فإنهم في غالبيتهم من القبائل أو العشائر، وهكذا حتى لو قيل إن حزب البعث السوري هو حزب طائفي ذو قاعدة  علوية فهذا غير صحيح إلّا نسبياً، فهناك شبكة علاقات مبنية على قاعدة طائفية، لكن هذه المنطقة ذات الغالبية السنية كانت منطقة ذات حظوة خاصة لدى السلطة، لأنها اغتنت بفعل استثمارات الفرات الكبرى وباتت تشكل قاعدة زبائنية هامة لها. مثلاً أحد نواب هذه المنطقة، وهو النائب الذي كان صاحب أطول ولاية برلمانية في العالم، دياب الماشي، هو من هذه المنطقة وكان دائم التباهي بتأييده لعائلة الأسد وحافظ الأسد بوجه خاص. كانت هذه القبائل موالية لنظام الأسد بسبب المنافع التي كانت تحصلها وبفعل تنامي العلاقات الزبائنية في الاقتصاد والسياسة.

هل لأن النظام أو حزب البعث كان يمر عبر هذه القبائل لفرض سلطته على السكان وبالتالي كان عليه الحفاظ على سلطتها؟

صحيح. على سبيل المثال، هناك أحد مشايخ القبائل الذي قابلت، كان متزوجاً ومطلقاً ومتعدد الزوجات لخمس عشرة مرة، مما يعبر عن امتلاكه لثروة كبيرة. كان ابنه مهندساً وأحد كوادر مشروع الفرات فضلاً عن كونه نائباً، فيما تمتلك عائلته غالبية المحال التجارية في المدينة، أي كل الصيدليات والمطاعم وأغلب المساكن المعروضة للإيجار.

أميز في دراستي بين ثلاثة مصادر للسلطة حول مشروع الفرات متمايزة ومتراصفة في آن: المصدر القبلي للسلطة من خلال السلالة العائلية، مصدر سلطة الدولة من خلال الموقع الاجتماعي والعلمي، مهندسون وإداريون، والمصدر الأخير هو رأس المال من خلال الملكية، وهذا المصدر تعزز بوجه خاص  بعد عام 2000 إثر تصفية مزارع الدولة وتخصيص الأراضي والعديد من النشاطات الاقتصادية. منهم من يمتلك مصدراً واحداً كمحام ومهندس فيما آخر يراكم المصادر الثلاثة للسلطة. أما الأجور فقد لعبت أيضاً دوراً في التمايزات الاجتماعية وفي علاقات البنية الاجتماعية بالسلطة. حددت الأجور حسب التراتبية في إدارة المنشأة ومن الأعلى الى الأسفل: المدير وسبعة أقسام لكل مشروع: قسم الري، قسم الآلات، قسم آلة الضخ، وقسم التخطيط، وغيرها، وتقسيم مناطقي، مدير المزرعة ومسؤولو القطاعات والموظفون والعمال. وبذلك تشبه منشأة الأسد أي مؤسسة رأسمالية حديثة.

هل كان مشروعاً عقلانياً للدولة لاستيعاب اليد العاملة المتعلمة ومكافحة البطالة المحتملة؟

بالتأكيد، وذلك من داخل المنطقة ومن خارجها، فهناك أشخاص أتوا من إدلب وهي منطقة جبلية تنقسم بين أراض قاحلة من جهة ومستنقعات من جهة أخرى وحيث أغلب السكان بلا عمل. في نهاية المشروع وتوقف الدولة عن تمويله، عاد الأشخاص الكبار في السن إلى إدلب، أما أولادهم الذين ولدوا هناك فلم يريدوا مغادرة المزارع، فإدلب لا تعني لهم شيئاً.

جرى جمع السكان من المناطق المجاورة لملء القرى النموذجية بالسكان إذن؟

الكثير ممن تم إسكناهم في المزارع هم أشخاص هامشيون. منهم من أتى من إدلب مثلاً التي كان الخارجون على القانون يلجأون إليها في السابق لوعورتها. ومن هناك أتى الكثيرون للعمل في المشروع وللإقامة فيما بعد. لقد أتى سكان المناطق المجاورة من تلقاء أنفسهم. لكي أن تتخيلي أن هؤلاء الناس الفقراء والعاطلين عن العمل يجري في صبيحة أحد الأيام توزيع مناشير عليهم تدعوهم للمشاركة في مشروع تنموي وإنتاجي في الجوار. ولإعطائك فكرة عن سرعة تطور المشروع وديناميته: كان عدد السكان ستة الآف عام 1970 فبلغ  ستين ألفاً عام 2004، ففضلاً عن التكاثر السكاني الطبيعي هناك غالبية سكانية قدمت من الخارج وبينهم عدد من الأكراد أيضاً.

 كيف يمكننا النظر في هذه الإشكالية من ناحية التحولات الاجتماعية والجيلية على امتداد المرحلة الطويلة من مشروع الفرات؟

لقد تم الانتقال من مجتمع قبلي قائم على السلالة إلى مجتمع حديث قائم على الموقع الاجتماعي- المهني: المهندس، المدير التقني، العامل المتخصص، العامل غير المتخصص، وهؤلاء الأخيرون كثرت بينهم نسبة النساء. كان هناك تمييز جنسي فعلي حتى أنه لم توجد مهندسات في المشروع. هذا الأمر لا ينطبق على عموم سوريا بل خاص بهذه المنطقة. لكن لا شك أن مزارع الفرات غيًرت المجتمع بشكل جذري أيضاً، فالنساء الآن يعملن كمعلمات ومحاسبات وموظفات دولة، والفتيات يذهبن إلى المدارس وإلى الجامعة في حلب التي تبعد مسافة ثمانين كيلومتراً، وهذا ما يعبّر عن مسار طويل بالتأكيد. وأحد مؤشرات التغيير الهامة هو نسبة محو الأمية في سوريا التي باتت الأعلى بين البلدان العربية على امتداد هذه المرحلة.

ومع ذلك لم تستفد النساء بشكل جذري من هذه التحولات؟

بقي هناك نوع من التقسيم الجنسي للعمل، ومواقع النساء المهنية بقيت بين الأقل أجراً. الرجل يقود آلات الحراثة ويقوم بأعمال النقل والري، أما المرأة فتقوم بالقطاف والتنظيف والتوضيب. أي أن هناك تمييزاً بين العمل وقوفاً أو انحناءً وهذا الأخير أجره أقل، وهذا التمييز ليس من عندي بل يستخدمه الأشخاص الذين قابلتهم. لكن من المهم الإشارة إلى أنه بالرغم من كل من قيل وكتب دولياً بأن هذه المنطقة المحيطة بحلب تؤيد تنظيم الدولة الاسلامية وأنهم اصوليون لأن أكثرية السكان من السنة، فهذا غير صحيح. وشخصياً يحزنني هذا الكلام. في إحدى المرات كنت مع بعض الشبان في ساحة القرية، فمرت سيدة محجبة من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، فوجئوا بها وقالوا هذه السيدة ليست من هنا، وأنا أيضاً فوجئت لأنني لم أر يوماً نساء يرتدين الحجاب الكامل هناك. دخلت بيوتاً فيها نساء وإن كنت أنا محترماً لتقاليدهم، فهم أصلاً لم يحملوا أي أفكار مسبقة عني كرجل غريب وكانوا سعيدين بوجودي.أثناء إقامتي كانت النساء ترتدي الحجاب بحرية واجمالاً للحشمة أو لحاجات العمل، ولدى العائلة التي استضافتني كانت بعض النساء تخلع أحياناً حجابها لكي أخذ لهن صوراً مع العلم أنهن كن يطلبن مني حفظها لديهن، ولم يثر ذلك يوماً حفيظة الرجال.

وهل أنشئت مدارس تعليم تقني وإعداد مهني احترافي لمواكبة حاجات المشروع من اليد العاملة المتخصصة على جميع المستويات؟

أنشئ معهد للزراعة مع برامج دراسية متخصصة، ومع ذلك كان السيرورة تدريجية فأوائل المهندسين قدموا من المناطق الأخرى كالشام وحلب، أي من الفئات الطبقية العليا في المجتمع التي كانت متحمسة للمشروع كما أشرت أعلاه. وقد تحمس هؤلاء جداً لمشروع الفرات وتبنوه على عكس سكان المنطقة الذين رفضوه في البداية لا بل تخوفوا منه، والحال أنه تمت مصادرة أراضيهم وأتى من يقول لهم من الخارج إن نمط حياتكم متخلف ويجب أن تتغيروا على هذه الشاكلة أو تلك، وكان ذلك عنيفاً بالفعل. فالدستور السوري في ظل البعث الموجود في السلطة منذ عام 1963 يقوم على اعتبار البنى القبلية كنوع من الإقطاعية التي يجب استئصالها من أجل ان يسود بين الشعب الشعور بالاتنماء إلى القومية العربية لا غير. لقد لقي هذا الخطاب بالمقابل تأييداً من الشباب البرجوازي المؤيد للحداثة.

لكن حصلت مع ذلك مساومات مع وجهاء القبائل؟

في البداية لم يتم ذلك في مزارع الدولة، لكن شيئاً فشيئاً وبسبب المنطق الجامد لمقاربة المشروع، أي العمل على تطبيق المشروع بحرفية ما خطط له، وبمقاربة عقلانية جامدة يستحيل تطبيقها في الواقع، بدأت المساومات. هذا ما فهمته من بعض الذين قابلتهم، والذين أقروا بأنه تم توظيفهم لأنهم ينتمون لقبيلة أو أخرى.

وماذا عن التحولات الاجتماعية الأخرى التي لاحظتها؟

هناك تحولات ثقافية اجتماعية مهمة، فالسكان ينظرون عموماً إلى حياتهم بأنها أفضل بكثير من السابق، على الأقل بسبب التسهيلات الحياتية اليومية كإقتنائهم للتكنولوجيا المنزلية. لقد أجريت مئة مقابلة مع السكان، بينهم الكبار في السن الذين كانوا بين الخامسة عشرة والعشرين من عمرهم في بداية المشروع، كلهم يتفقون على الترحيب بهذه التحولات. والأصغر سناً قالوا لي: “قبل الري لم يكن هناك شيء هنا، كانت المنطقة عبارة عن صحراء”، حتى أن أحد الشباب قال لي مرة إنه قبل المشروع لم يكن أحد يسكن هنا، وتطلب مني الأمر وقتاً لإقناعه بأنه كان يوجد سكان في هذه المنطقة من قبل، فمزرعة مسكنة التي عملت عليها مثلاً أنشئت على أنقاض قرية. أي أنهم استبطنوا فكرة الحداثة إلى حد الاقتناع بأن كل شيء هناك قام من عدم.

وهل أدى توزيع المساكن على قاعدة لكل عائلة مسكن مستقل إلى تغيرات أجتماعية؛ ربما على تعزيز نمط العائلة النواتية داخل البنية القبلية التي تعتمد العائلة الممتدة؟

في الواقع يتعايش النمطان حتى يومنا هذا، ففي القرى القديمة التي تم إدراجها في المزارع يبقى نمط العائلة الممتدة قائماً أي سكن الأجداد والأبوان والأحفاد في منزل واحد. أما في المساكن المستحدثة أو القرى النموذجية كما جرت تسميتها، فنجد عائلات نواتية صغرى ومختلطة الأصول أي أن العديد منها أتى من قرى مجاورة مختلفة. وهنا تبدو مظاهر التحول الثقافي الذي أتحدث عنه، فأكثر هؤلاء قالوا لي “أفضل العيش هنا وليس في قريتي الأصلية حيث لي أقارب، لأنني حر أو حرة هنا”. فهم ليسوا ملزمين بالواجبات الاجتماعية والزيارات العائلية، كما أن لا أحد يراقب أو ينتقد سلوكهم ونمط حياتهم. إذن هناك رغبة بإقامة مجتمع جديد والانتماء اليه، وهذا أحد الطموحات الأساسية للمشروع التي نجحت جزئياً.

وبرغم ذلك وصل مشروع التحديث البعثي بأكمله الى مأزق، كيف تفسر ذلك؟

في أي مشروع تحديثي يجري استثمار الكثير من الموارد المالية والايدلوجية والطبيعية ضمن سياسة لإضفاء الشرعية على الدولة، وشيئاً فشيئاً تنضب الموارد وتنمو ظواهر الزبائنية، اي أن هناك من يستفيدون من إنجازات المشروع الحداثي على حساب الآخرين ويعتاشون على الموارد المحققة. يضاف إلى ذلك نهاية الاتحاد السوفياتي الذي موّل هذه المشاريع  في سوريا. ومن ثم هناك تراجع للزراعة بشكل جذري، وإذ كان الرئيس حافظ الأسد يقوم بكل زيارته الرسمية الخارجية في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي برفقة وزير الزراعة، فقد توقف عن اصطحابه بعد هذا التاريخ كدليل على هذا التحول. في هذا النمط من الاقتصاد يجري تنظيم القلة لصالح بعض النافذين في السلطة وعبر ذلك ينمو الفساد كالسرطان فيقتل الاقتصاد.

فكان لا بد ان تحدث الانتفاضات في سوريا إذن عام 2011؟

استطيع التحدث فقط عن المنطقة التي أعرفها، ففي حين امتدت حركة احتجاجات واسعة على نطاق واسع من سوريا بدءاً من آذار/ مارس 2011 فإن الاحتجاجات في المناطق الواقعة في نطاق منشأة الأسد كانت قليلة، وربما أمكن تفسير ذلك ولو بصورة جزئية بالسياسات الزراعية خلال الأربعين سنة الماضية. وقد بلغت الاستثمارات أحجاماً خيالية في هذه المنطقة مما جعلها أقل فقراً من المناطق الأخرى وساهم في عدم عدائها الشديد للنظام.

بالاعتماد على مركز الخرائط السوري الذي نشاً أثناء الحرب، الذي يضم إحصائيين واختصاصيين في أنظمة المعلوماتية الجغرافية ويقدم نفسه على أنه مستقل عن أي طرف سياسي، استطعت وضع خرائط للتحركات المناهضة للنظام في السنوات الأولى للانتفاضة السورية بالتقاطع مع الانتماء الجغرافي، وبخاصة في مناطق مزارع الدولة فتبين لي أن سكان هذه المناطق، وهم من الطائفة السنية، كانوا حياديين ما لم يكونوا متعاطفين علناً مع النظام، فضلاً عن شهادات حصلت عليها من سوريين لجأوا إلى فرنسا وأكدوا لي أن هؤلاء السكان كانوا أيضاً شديدي العداء لتنظيم الدولة الاسلامية.

أنا أعتبر أنه إذا لم ينجح طموح التحديث التحريري والعقلاني في ظل البعث بخلق أفراد خاضعين كلياً للدولة، فإنه بالمقابل لم يولّد مواطنين في قطيعة تامة مع النظام على مستوى البلد ككل. لكنني أعتبر أيضاً أنه لو اندلعت التحركات بعد خمس سنوات من تاريخ وقوعها لكان هؤلاء السكان قد شاركوا بها أيضاً، لأن كل المنافع التي حققوها من النظام تكون قد استنفدت آنذاك. وهنا يكمن مأزق هذه السياسات وانسداد أفقها التاريخي.

باريس، كانون الأول/ديسمبر 2017

ملاحظة: أجريت  بولا الخوري المقابلة مع الجغرافي فوا بالفرنسية وترجمتها إلى العربية.

للمزيد حول الدراسة والخرائط، بإمكانكم زيارة الموقعين التاليين، بالفرنسية والإنكليزية:

http://bit.ly/2CUeOf6

http://bit.ly/2BooSIG

نشر هذا المقال بنائا على شراكة مع جدلية.

سوريون في السودان: على سيرة الهجرة واللجوء

سوريون في السودان: على سيرة الهجرة واللجوء

يفرض الوجود السوري في السودان الكثير من الأسئلة، ليس أوّلها تاريخ العلاقة بين البلدين وآفاقها أو بتعبير آخر القواسم المشتركة، عندها يقفز الكثير من السياسي ليحتلّ المشهد، أو العناوين والمنشيتات العريضة، في حين يُكشَف عن واقع آخر يقاسيه السوريون في هجرتهم إلى السودان. حيث لا تبقى تلك النظرة المطمئنّة إلى التاريخ والآفاق على حالها على الرغم من كثرة القواسم، بل وزيادتها عن حدّها أحياناً، إذ لابدّ من وضع الهجرة اليوم في سياق مسبباتها الأولى، أي الحرب السورية المستمرّة منذ سبعة أعوام.

تعددت محطات الهجرة السورية، بل والتهجير أيضاً، دولُ الجوار كانت الأقرب لكنها لم تكن الأرحم ولا الأفضل، قضى لاجئون سوريون حاولوا العبور إلى تركيا، واقتحم الجيش اللبناني مخيمات للاجئين سوريين، وتحوّل مخيم الزعتري في الأردن لأكبر كارثة لجوء في المنطقة، في حين أغلقت دول الخليج حدودها ولم تستقبل لاجئاً واحداً، ولم تسقط شرط التأشيرة عن السوريين حتى في هذا الظرف الاستثنائي! عند هذا الشرط الأخير، أي التأشيرة، يبرز السبب البيروقراطي الذي يشرح لماذا توجّه السوريون إلى السودان؟ فهو البلد العربي الوحيد، بالإضافة لعدّة بلدان قليلة غير عربية، لم يشترط على السوريين التأشيرة حتى يدخلوا أراضيه. إذن تضافرت العوامل في الأعوام السابقة، بين الحرب والسياسة من جهة، وبين العبور المحفوف بالموت إلى أوربا وتحوّل المتوسط إلى كابوس ثقيل ينضاف إلى كوابيس الحرب السورية، وبين السفر الآمن إلى بلد آمن (السودان)، وعدم قطع الصلة نهائياً مع إمكانية العودة إلى سوريا. كلّ ما سبق يُساعد في وضع اليد على واقع حال أكثر من مئتي ألف سوري، (في إحصاء تقديري غير رسمي)، موجودين حالياً في السودان.

الأشقياء، الحظّ عدوّنا

محمد، مازن، وعمار، (أسماء مستعارة) ثلاثة طلاب سوريين أنهَوا دراستهم الجامعية في جامعة دمشق، كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية (الهمك) عام 2015، يقول محمد: “الطلاب في دول برا تحتفل بالتخرّج الجامعي ثم تبدأ مباشرة بتأسيس حياتها العملية والأسريّة، أمّا نحن فشوفة عينك، ادخرنا كل ما نملك ودفعناه ثمن تيكت طيارة، وها نحن نحتفل هنا بهذا الطقس اللطيف” في إشارة منه للحرارة الشديدة في مدينة الخرطوم التي تبلغ أكثر من 40 درجة مئوية. المجموعة التي بدأها محمد وصديقاه لم تمرّ عليها سنتان من الزمن حتى توسّعت، فبلغت أكثر من ثلاثين شابّاً تتشارك كلّ مجموعة منهم بيتاً أو شقة، يراوح عدد المجموعة الواحدة بين الستة أو العشرة أشخاص، لكن تبقى مجموعة الواتساب التي أسسها محمد، وأطلق عليها اسم الأشقياء أو (يلي مالو حظ لا يتعب ولا يشقى) هي الرابط الأساس بينهم، يتقاسمون من خلالها أخبار الوفود حسب تعبير محمد، ويقصد بهم الشباب الجامعيين الذين لفظتهم البلاد بعد أنِ استنفذوا كلّ وسائل التأجيل عن الخدمة الإلزامية في الجيش السوري.

يحقّ للطلاب الجامعيين في سوريا، التأجيل السنوي عن الخدمة الإلزامية سنتين عن كلّ سنة جامعية، وفي ظلّ واقع الحرب المدمّرة تحوّلت مواسم أو فترات السَّوْق كما يتمّ تسميتها في شُعَب التجنيد إلى أشباح وكوابيس ثقيلة تطارد الفئة الشابّة، التي ما إن تُنهِ الدراسة الجامعية (أي مبررات التأجيل) حتى تبدأ مباشرة بالبحث عن وسيلة للسفر خارج سوريا، ومن هنا لم يكن أثر الحرب بشعاً وتنكيلياً بالمناطق التي قصفتها الطائرات وحرثتها البراميل، أو المناطق التي احتلّتها قوى إسلامية متشددة فقط، فالبلاد كلّ البلاد صارت مرهونة بمظاهر العسكرة التي اجتاحت المجتمع، بالبدلات المموهة وبنادق الكلاشنكوف الملقّمة برصاص غير طائش أبداً، وأخيراً موضوع حديثنا هنا: الشباب المرهون بوقته وجسده لصالح شعبة التجنيد!

في تتبّع سيرة الأشقياء، لا نقف على محمد ومجموعته فقط، فبين صالونات الحلاقة السورية التي باتت تنتشر في أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، وبين مطاعم المأكولات الشامية والحلبية، ستظلّ تجدُ شباباً سوريين تدور على ألسنتهم أحاديث الهمّ الثقيل وأسئلة عن الوقت الذي قضيته هنا؟ ومع من تسكن؟ ومن أين أنت في سوريا؟ (على ما يحمل السؤال الأخير في طيّاته الكثير من ردّات الفعل تبدو أحياناً على الوجوه وأحياناً أخرى على الألسن) الذي يدلّ على أنّ السوريين لم يحملوا أمتعتهم فقط في هجرتهم، بل تعدّوها إلى انتماءاتهم السياسية، ومواقفهم من النظام والمعارضة، والحرب المشتعلة بينهما أيضاً. في حين يبقى المتداول الأكثر شيوعاً على ألسنة هذه الفئة، هو تلك العلامة الكلامية، وكأنها مواساتهم الكبرى التي تقرّب بينهم مهما كان اللقاء قصيراً أو عابراً: “جيش ما؟  أليس كذلك”.  

من جهتها تعلن السفارة السورية في الخرطوم، عن مواعيد سنوية معيّنة لما يُعرَف بسندات الإقامة، الأمر الذي يُمكّن جلّ فئة الشباب هذه من استصدار سند إقامة يسمح لهم من خلاله بالعودة إلى سوريا لمدّة ثلاثة أشهر فقط دون أن يتم سوقهم للجيش، (يستنكف بعض الشباب المُعارِض هذه الممارسة، ويعتبرونها رضوخاً لسياسات نظامٍ يعارضونه!) بمعنى آخر سند الإقامة هو تأجيل محدود للمغتربين، لكنّ أهمية السندات الأساسية بالنسبة للحكومة لا تتشكل من كونها فرصة لعودة بعض الشباب إلى سوريا، بل من اعتبارها شرطاً أساسيّاً من أجل دفع البدل النقدي لإسقاط الخدمة الإلزامية عن المغتربين، ومقداره 8 آلاف دولار. هذا الروتين كان يسمُ حياة الشابّ السوري من قبل الحرب، كيف يسافر؟ وإلى أين؟ والمدّة المشروطة التي سيقضيها (أي أربع سنوات) حتى يتمكّن بعدها من دفع البدل، إذ لا يُقبل دفع البدل النقدي من غير قضاء هذه المدّة، ولا مؤشرات على إقرار مشروع البدل الداخلي إلى الآن. هذا الهمّ قديم عند الشباب السوري، لكنّه لم يكن ليظهر إلا بشكل محدود، فلا أحد كان يفكّر مجرّد التفكير بأنه لن يلتحق بجيش بلاده يوماً ما.

من هنا يتّضحُ أنّ أبرز سمة للوجود السوري في الخرطوم، هي غلبة الطابع الشبابي، بل الذكوري، التي تشكّل النسبة الأغلب، ليس همُّ العمل هو ما يجتذبهم، بقدر همّ الحرب والموت هو ما يدفعهم ويلفظهم خارجاً؛ إذ ليست فرص العمل في السودان بالتنوّع أو بالسهولة المتوقّعة، بالعكس تماماً إنّ معدّلات البطالة مرتفعة حتى بين الشباب السوداني أصلاً، وبالتالي فرص العمل محصورة في إطار المهن التي يخلقها السوريون بأنفسهم، والتي تنتمي إلى كل ما هو يدوي أو حرفي كالمطاعم أو الحلاقة أو نجارة الألمنيوم، هذه المهن وإن كان يقوم عليها أربابها، إلا أنّها تستقطب الشباب العاطل عن العمل بالضرورة كونها هي المتاح الوحيد لهم حتى لو كانوا خرّيجي جامعات، من غير أن توفّر لهم مرتّبات قد لا تتعدى شهرياً أكثر من ٨٠ إلى ١٠٠ دولار، ما يجعل حلم البدل النقدي بعيداً وغير مطروح أساساً، وهنا كما يقال يكتفون من الغنيمة بالإياب، فبعد معاينة سوق العمل في السودان على حقيقته وقسوته، يحاول الكثيرون قتل الوقت فقط، أو المسارعة لاستصدار سند الإقامة، (حتى المعارض منهم أحياناً) فإمّا أن يعودوا إلى سوريا ليتخّلفوا هناك عن الخدمة الإلزامية، أي في مناطق لا تسيطر عليها القوات الحكومية تمام السيطرة، ولا تخضع لقرارات شعبة التجنيد، أو يعودوا أدراجهم نحو دول الجوار لبنان بشكلٍ أساسي إن تعذّر دخولهم إلى سوريا، في الحالتين هم أشقياء… وأعداءٌ للحظّ.

لجوء أم مواطنة

لم تتوقّف التسهيلات البيروقراطية والسياسية التي قدّمها السودان للسوريين على إسقاط شرط التأشيرة أوّلاً، بل إنّ عاملاً أبرز بات يجتذب السوريين للقدوم إلى الخرطوم، وهو الحصول على الجنسية السودانية واستصدار جواز سفر سوداني، الأمر الذي عاد ببعض الأريحية ليس فقط على شريحة واسعة من فئة الشباب المذكورة أعلاه، بل تعدّاهم إلى فئة العائلات السورية. هنا يجب أن نحدد طبيعة الوجود السوري من ناحية قانونية، وكيف يمكنُ تعريفها وماذا تبقّى من لجوئهم أو تعريفهم كلاجئين طالما بإمكانهم أن يكونوا مواطنين في هذا البلد الذي “لجأوا” إليه؟ لكن قبل التدقيق في المصطلحات حقوقياً وقانونياً، تساعدنا طريقة وصول السوريين إلى السودان ومقارنتها بوصول آخرين إلى أوربا أو نزوحهم إلى مخيمات اللجوء في الداخل والجوار، تساعدنا في فهم الإطار العام لهذا الوجود، حيث يكفي السوري أن يقطع تذكرة بما يقارب ٢٠٠ دولاراً، حتى يستقلّ طائرة من الخطوط الجوية السورية، تنقلُه من دمشق إلى الخرطوم، أو في حالات أخرى من بيروت إلى الخرطوم، وبالتالي نحن هنا أمام عملية دخول إلى الأراضي السودانية  نظامية وقانونية لا يترتّب عليها أي مخالفة، وهي حركة أيسر بما لا يقارن مع تبعات الموت في المتوسط وقطع الحدود بين تركيا والاتحاد الأوربي.

من جهة ثانية فإن الخطاب الرسمي للحكومة السودانيّة يركّز على مقولة ضيوف لا لاجئين، وبغض النظر عن الإشكاليات السياسية والاجتماعية (السودانية ــ السودانية) المترتّبة على هذا المفهوم، لكن علينا أوّلاً ألا نقفز من فوق ظواهر الأشياء، فلا السوريين حُجزت حريّتهم في مخيّمات مُهينة للكرامة الإنسانية، ولا مُنعوا من حقّ العمل أو التعليم، ولا حوصرت حركتهم بمواقيت معينة أو حظر تجوّل، بالرغم من بعض الدعوات السودانية التي تعاني من جهل قانوني مدقع تطالب الحكومة بحجز السوريين في مخيّمات! وهذه دعوة لا تملك أي مسوّغ قانوني لها ولا بأيّ شكل، بالرغم ممّا يعانيه السودان من حروب داخله أو في جواره (كالحرب المشتعلة في دولة جنوب السودان)، ونزوح الكثير إلى الشمال حيث المخيّمات بالفعل. القياس الشكلي هنا بين الوجود السوري والجنوب سوداني يفتقر للكثير من المقوّمات التي تمكننا من اعتباره مقارنة أساساً.

سهيل، مهندس من دمشق وربّ أسرة، عَمل في الإمارات لأكثر من 15 عاماً، عندما عاد إلى سوريا كانت “الأحداث” كما يسميها في بدايتها، “عالخليج ما فينا نرجع حملت حالي أنا وزوجتي والولاد وجينا على السودان، أنا طلّعت جنسية من سنتين وصار فيني أرد أرجع عالخليج، وروح وأجي، والولاد كفوا تعليمهم هون.”  استطاع سهيل وهو رجل خمسيني من تأسيس مصدر دخل ثابت له بعد أن ربط بين عمله بالعقارات في الخليج مع عمله بالسودان، توسّعت أشغاله بعد أن أصبح مواطناً سودانياً وصارت حركته أسهل بين أكثر من دولة خليجية، بالرغم من أنّ الجواز السوداني الذي حصّله ليس أفضل حالاً من السوري في حقيقة ترتيبه، لكنّ الحرب السورية وتأثيرها الإقليمي، وخاصّة مع دخول دول خليجية على خط الصراع المسلّح، وقرار الجامعة العربية القديم بخصوص تعليق عضوية سوريا، كان وبالاً على كل السوريين دون استثناء، حيث يحلم الكثير من الشباب السوري في الخرطوم باستصدار جواز سفر سوداني لا لشيء إلا للتوجه فوراً نحو إحدى الدول الخليجية. استقرار سهيل في السودان لأكثر من خمسة أعوام مكّنه بسهولة من استصدار الجنسية، التي يُشترط للحصول عليها إقامة لستة أشهر فقط، ولم تكلّفه “المعاملة” كما يقول أكثر من ٥٠٠ دولار.

على العكس من سهيل، يعيش عبدالله واقعاً مزرياً ومختلفاً، فهو الآخر متزوج وعنده زوجة وأربعة أولاد يعيشون معه في الخرطوم لكنّه صُدم بواقع سوق العمل فيها يقول: “ما قدرت أصمّد أكثر من شهرين بعدين بديت المصايب وصفينا بالشارع كلنا، أنا والمرا والولاد. بصعوبة ومن بين المتسولين والمتسوّلات، رضي عبدالله بالحديث عن رحلته التي بدأت مع اجتياح داعش للحجر الأسود، حيث كان يقطن، وتحوّلها لمعقل أساسي للتنظيم الإسلامي المتشدد، نزح بداية إلى إحدى المدارس داخل مدينة دمشق، ثمّ سمع من مُقرّبين عن أنّ السفر إلى السودان غير مكلف وأنّ فرص العمل متوافرة، بيد أنّه لم يعد قادراً على تدبّر أمره عندما اكتشف أنّ أجرة منزل في الخرطوم ليست أقل من ٢٠٠ دولار، في حين أنّ سقف الأجور لعامل مثله لا يتجاوز ١٠٠ دولار، عندها لم يجد بُدّاً من النزول إلى الشارع ليتسوّل هو وجميع أفراد عائلته، في ظلّ غياب كامل لأي منظّمة أممية تُعنى بشؤون السوريين في الخرطوم، وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة كبيرة في أنّ عدم تحديد وضع السوريين كلاجئين والاعتماد فقط على الآلية النظامية التي وصلوا بها إلى السودان تعفي الحكومة السودانية من تحمّل مسؤولياتها الحقيقية بالتنسيق مع المنظمات الدولية لوضع حدّ لهذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تتوسّع وتنتشر بين هذه الفئة تحديداً، دون أيّ حلول جدّية!  بالمقابل تحرص الشريحة العظمى من السوريين في السودان على عدم تصنيفهم كلاجئين من قبل المنظمات الأممية، لأنّ هذا لن ينعكس إيجاباً عليهم على الإطلاق بالعكس سيتم سحب جوازات سفرهم منهم، ويعطون بطاقات لجوء لن يتمكنوا بعدها من العمل أو السفر، وتحدّ من حركتهم، وأقصى ما يمكن أن يتلقوه من مساعدات هي مرتّب ٢٠٠ دولار شهرياً فقط، ويعتبرون أنّ بعض المتسوّلين لا يشكلون ظاهرة ولا فئة إنما مجرّد أشخاص امتهنوا هذه المهنة ولا يرغبون الإقلاع عنها!

لا حلول أهليّة لمشاكل بيروقراطية

يتميّز اللاجئون السوريون في الدول العربية عن نظرائهم الذين وصلوا أوربا بأنهم لا يثيرون شهيّة الاستقصاء الصحفي، ولا أسئلة الاندماج والهويّات، في إعلام يتصدّره خطاب الخصوصية الثقافية ومراكز أبحاث مهووسة بتنميط الناس حسب أديانهم وثقافاتهم، مع ذلك فإنّ المشكلات الاجتماعية أو السلوكية الناجمة أو المترتبة على هذا الشتات قلّما تجد (في الحالتين) من يقرأها إلا ضمن هذا الإطار، أمّا على سويّة شعبية فيتراوح التعاطي بين قيم التغني بالكرم ومحاباة الضيوف من جهة، أو بين العداء والتشكك بهؤلاء الغرباء من جهة أخرى.

تبقى المشكلة الأكبر في هذه الأنماط الإعلامية والنخبوية التي تعزل المهاجرين عن واقعهم، من منطلق (هكذا تتطلّب المهنة)، في حين يغرق السوري ويتخبّط بمشاكل يوميّة قد يكون حلّها يسيراً ولا تُكلّف أكثر من معاملة حكومية، بيد أنّ البيروقراطية التي يخضع لها المهاجرون السوريون، ليست هي بيروقراطية المعاملات الرسمية والروتينية في الدولة، بقدر ما تحمل معها بُعداً سياسياً خطيراً، وهنا تجد أنّ الواقع السوري في السودان هو الأقل معاناة من حيث حرية الحركة وقيود العمل (فرض لبنان نظام الكفالة على دخول السوريين إليه، وهذا أيضاً نشّط الهجرة نحو السودان ولو مؤقّتاً).

بالمقابل صار الوجود السوري أكثر ارتباطاً وتأثُّراً أيضاً بالظرف الاقتصادي المفروض على الدولة ذاتها، أي السودان. فالبلد يعاني حصاراً اقتصادياً وعقوبات منذ قرابة العشرين عاماً، ولو سبرنا آراء السوريين عن رفع العقوبات مؤخراً، فالكل سيبادر بالحديث إيجاباً ويأمل أن رفعها سيحسن من ظروف العمل ويقوّي الاقتصاد؛ فالعقوبات شيء مجحف وسيّئ بالضرورة، لكن بعد أن رُفعت العقوبات شهد الجنيه السوداني انهياراً سريعاً من ١٨ جنيه للدولار الواحد، إلى الثلاثين، وهذا سرعان ما أثّر على أسعار العقارات المستأجرة، والمواد الغذائية، في حين يتمّ النظر إلى السوريين أنّهم أحد عوامل هذا الغلاء دون أن يتأثروا به كونهم يمتلكون سلفاً العملة الصعبة، ويدخلونها إلى البلد، ولا يسكنون إلا الأحياء الراقية في العاصمة!.

أخيراً، وبالرغم من تراكم المشاكل في واقع السوريين الذين فُرضت عليهم الهجرة، والتي تبدو أنها مشاكل مصاغة ضمن بنود قانونية داخل بلدهم أولاً، ثم في البلدان التي هاجروا إليها، فإنّ الحلول بالمقابل تعاني من الارتجال والفرز الذي يُركّز على شرائح منهم، ومشكلات مثيرة إعلامياً كالاندماج في أوروبا وخلافه. وكما تُرك الداخل السوري لحلّ مشكلاته في إطارها الأهلي بعيداً عن القانون وسيادة الدولة يسير الخارج السوري في ذات الطريق، مع غياب المشاريع الجديّة والحلول التي يجب أن تقوم عليها دول ومنظمات أممية، ولو أنّ شيئاً من هذا لا يلوح في الأفق القريب.

Anger in Damascus Over Sochi’s Closing Statement

Anger in Damascus Over Sochi’s Closing Statement

Neither Damascus’ participation — with a delegation of about 1,200 people — nor the boycott of the opposition High Negotiations Committee of the Sochi peace talks were not enough to change the outcome of the conference, as the active negotiations were going on in rooms and side tracks without Syrians, where the three “guarantor” countries — Russia, Iran and Turkey — agreed with the United Nations to formulate a closing statement, with each country nominating 50 members to the constitutional committee to be blessed by the international envoy Staffan de Mistura, resembling a tripartite division of the future Syrian constitution.

The Syrian government delegation could not take responsibility for the failure of Sochi, which was overseen by President Vladimir Putin ahead of the presidential elections on March 18. Damascus was angered by the conference’s results, one of the manifestations of which was that all the official and loyalist media in the Syrian capital published the closing statement without its introduction or political summary, and distorted the official document agreed upon by the guarantors’ statement.

According to information obtained by Asharq al-Awsat, Sochi’s results were achieved before the beginning of the conference, as marathon talks were held between Russian Foreign Minister Sergey Lavrov and United Nations Secretary-General Antonio Guterres at the end of last week, after the opposition High Negotiations Committee decided to boycott the conference. The United Nations tied its participation to a series of conditions, including that the conference was limited to a single session without forming institutions or committees, or repeating the scenario of the series of Astana meetings, in addition to the international envoy deciding the references, names and mechanisms of the constitutional committee process and selecting its members from a list submitted by the three guarantor countries, while also approving the 12 political principles which de Mistura had prepared and the head of the government delegation, Bashar al-Jaafari, had refused to discuss in the previous two rounds of Geneva talks.

The positive surprise was that the agreement between the United Nations and Moscow was realized. Attempts were made to change the text of the draft agreed upon but they did not succeed, especially when de Mistura raised the possibility of pulling out the morning of the opening. Therefore, in practice the objections and demands from members of the delegation coming from Damascus and the boycott of members of the armed groups and their return from the Sochi airport to Ankara did not have an impact, as the Turkish delegation undertook to speak in the opposition’s name, while Tehran and Moscow spoke for Damascus.

The Iranian news agency IRNA and the official Syrian news agency SANA yesterday published a closing statement for Sochi according to their interpretations, with the statement devoid of the introduction and summary which discuss a mechanism for forming the constitutional committee. SANA reported that “it was agreed that the ratio in the committee to discuss the current constitution was three supported by the government and three for other parties, with the committee comprised of 150 members, delegates to the Syrian-Syrian National Dialogue conference, with a chairman, his deputy and the secretary-general selected from the composition of the committee.” According to SANA’s interpretation, committee members shall take “a majority vote about the need for assistance from experts by way of offering consultation to the committee members.”

SANA also altered the closing statement, reporting that “it stressed the importance of preserving the army and armed forces and that it carry out its duties in accordance with the constitution, including protecting the national borders and people from foreign threats, and to fight terrorism to protect the citizens, wherever required, and for security and intelligence institutions to focus on preserving national security and working in accordance with the law.” The official document of the Sochi conference stipulated “building a strong army based on efficiency and carrying out its duties in accordance with the constitution” and that “the national security and intelligence agencies work to protect the country’s security in accordance with the principles of rule of law and protecting human rights according to the text of the constitution and the law, and the use of force must be limited to authorization from the relevant state institutions.”

This position reflected anger in Damascus at the results of the conference, for which officials tried to place red lines before participants traveled from the Syrian capital to the Russian resort city, compared with Iranian silence and partial publishing of the closing statement. A Western official said that Tehran “surprised those in attendance by accepting the statement in Sochi” before pointing to the Iranian media publishing the Damascus interpretation of the statement.

In contrast, Ankara announced its satisfaction with the conference’s results through a call between presidents Putin and Recep Tayyip Erdogan. The Turkish Foreign Ministry also issued a statement on its results and the “constructive approach.” A Turkish official said: “The most important results of the conference were the call for establishing a constitutional committee and selection of a group composed of 150 nominees for this committee, as the Turkish delegation which had been authorized to represent opposition groups that did not attend the conference submitted a list of 50 nominees in consultation with the opposition.” It is expected that de Mistura will form the constitution committee “seeking proportional representation of the opposition” and Ankara “will closely monitor the process of establishing the constitutional committee as a guarantor for the opposition.”

Western countries which participated as observers are monitoring the coming phase and the extent Moscow fulfills the results of the conference and uses its influence over Damascus and Tehran, which want to buy time until after Putin’s election on March 18 for Moscow to officially present a list of 150 nominees to de Mistura in order to begin his process of selection 45-50 members from the list of the guarantors, experts and politicians from abroad.

[This article was republished translated and edited by The Syrian Observer]

كلفة النزيف السوري

كلفة النزيف السوري

في كل مرة يتم الحديث فيها عن كلفة الحرب في سوريا، تظهر أرقام مخيفة حول حجم خسائر سوريا نتيجة الحرب. لذا فإن الحديث عن تكلفة أي حرب لا يمكن أن يكون مجرد عملية حسابية، إذن ان الحرب لا تقتصر على حساب كلفة دمار البنى التحتية والقطاعات الانتاجية والاقتصادية،  إنما تشمل تكاليف الحرب الخسائر البشرية والمجتمعية.

رغم وجود عدد من الاحصاءات والدراسات التي تقدر كلفة الحرب في سوريا، فان إيجاد مؤشر قياسي لتحديد الكلفة بشكل دقيق يكاد يكون شبه مستحيل نتيجة استمرار الحرب والصراع، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على حياة الناس ومعيشتهم. مع ذلك فإن فهم جوهر كلفة أي حرب وحجمها أمر ضروري للغاية لتحديد الاحتياجات الأولوية، ولإعداد خريطة لإعادة الإعمار التي يمكن البدء فيها عند ظهور أول مبادرة للاستقرار والسلام.

قد يكون حساب كلفة الحرب أمر بغاية التعقيد إذا ما اقتصر الأمر على طرح رقم كلي لمجموع أضرار الحرب، لكن يجب أن لا ننسى عند الحديث عن الكلفة بأن تكون النظرة شاملة وعامة تشمل أضرار الممتلكات والقيمة الاقتصادية المفقودة للقتلى أو المعوقين في الحرب، وتكاليف الاضطرابات الاقتصادية في زمن الحرب. وعلى عكس ذلك، فإن التكاليف “السلبية”  أي المكاسب الاقتصادية الناجمة عن الحرب – هي عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحديد تكاليف الحرب،  ولا نغفل أن جزء من التكاليف سينقل إلى الأجيال المقبلة على  شكل رسوم فائدة على ديون الحرب، وعادة ما تستمر هذه الرسوم لفترة طويلة بعد أن تفقد الديون هويتها في مجموع الدين الوطني، في فئة مماثلة هي تكاليف المعاشات التقاعدية والمكافآت للمحاربين القدامى والرعاية الطبية للمتضررين من الحرب.

كما أن فاتورة أي حرب لا تقتصر على تكلفة الدبابات والطائرات وغيرها من الأسلحة المشاركة في الحرب بل يوجد أيضاً تكاليف يصعب تقديرها مثل العلاج الطبي والنفسي لتأهيل الجنود والمدنيين الذين أصيبوا خلال الحرب، إلى جانب الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف عجلة الصناعة والتجارة والزراعة؛ وضياع سنوات من التعليم وفقدان عدد كبير من القوى العاملة التي كانت تشكل يوماً من الأيام أساساً اقتصادياً هاماً لنمو سوريا، نتيجة وجود نسبة كبيرة من فئة جيل الشباب ضمن الهرم السكاني لسوريا.

استناداُ إلى ما جاء قي في آخر تقرير صادر عن البنك الدولي قدر فيه حجم الخسائر في سورية بنحو 226 مليار دولار أميركي، شملت تلك الخسائر التي ذكرها التقرير إلى حد كبير تفاصيل عدد القتلى وحجم الدمار وتقدير كلفة الأضرار البشرية والمادية ، وما ذكره التقرير من أرقام طالت جميع القطاعات البشرية والاقتصادية يكاد يشكل رقماً مرعباً للأجيال القادمة التي ستتحمل جزء من تسديد فاتورة هذه الحرب.

من جانب آخر، تغفل بعض التقارير والاحصاءات الاقتصادية المتعلقة بحساب كلفة الحرب ، حساب خسائر الرأسمال البشري والمادي الذي تم تهجيره، حيث شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة هجرة كبيرة لرؤوس الأموال البشرية والمادية، على صعيد فئة الشباب خسرت سوريا نسبة كبيرة من القوى العاملة الفتية، منهم من قتل ومنهم من هجر لنجد أن غالبية القطاعات والمؤسسات العاملة تعاني من نقص لليد العاملة وللعقول الشابة. اذ خسر المجتمع  والاقتصاد السوري كوادر عديدة، أنفق عليها مبالغ كبيرة لإعدادها وتأهيلها، يضاف إليها خسارة دورها في إعادة الإعمار مستقبلا.

ولأن لكل خسارة أثرها على المجتمع نجد أن  الخسائر البشرية ترتب عليها مشكلات اجتماعية، تتعلق بوجود توازن بين عدد الذكور والإناث في المجتمع السوري، ما سيترتب عليه فقدان عدد من الإناث لفرصة الزواج، ما سيساهم بانخفاض عدد الولادات.

 من جانب آخر  دفع الأطفال ثمنا باهظا لهذا النزاع، حيث قتل مابين ٢٠ ألف طفل، جراء الأسلحة المتفجرة، أما الناجون من الأطفال فقد خسر أكثر من مليوني طفل فرصة التعليم نتيجة عدم ذهابهم إلى المدرسة، إضافة لوجود ٥.٧ مليون طفل بحاجة إلى المساعدة التعليمية. بالطبع لا تقتصر حاجة الأطفال للتعليم فقط بل هم بحاجة إلى رعاية نفسية للتعافي من سنوات إراقة الدماء التى شاهدوها. كما يحتاج الوالدان إلى الدعم المادي والمعنوي أيضا، فعندما يغرق الوالدان أكثر فأكثر في الفقر، تزداد المخاطر بالنسبة للأطفال ويضطرون للعمل ، تباع البنات في الزواج، ويحتاج الأهل إلى الاعتماد على عمل الأطفال، وهذه كارثة مستقبلية بالنسبة للجيل القادم.

في حرب مثل الحرب السورية،  لايمكن أن نتجاهل حساب كلفة تحطيم منظومة القيم العامة، التي يتطلب إعادة تكوينها الكثير من الجهد والوقت لاسيما وأن مفرزات الحرب خلقت طبقة من الناس يستسهلون العنف، والسرقة والخطف والغش والقتل. لعل كلفة هذه القيم ستخلق مظاهر مجتمعية غير طبيعية تحمل مورثاتها للاجيال القادمة لتكون بمثابة القنبلة الموقوتة المعدة للانفجار في أي وقت مستقبلاً.

كذلك واجهت سوريا أزمة انعكست على اقتصادها تمثل بهجرة مادية خارج سوريا، فقد تم نقل الكثير من المصانع والرساميل إلى الخارج، وهي بحسب أقل التقديرات لا تقل عن نحو ٥٠ مليار دولار. وهذه الهجرة مازالت تشكل تحدياً للأطراف المتنازعة في كيفية جذبها وإعادتها للداخل السوري بعد انتهاء الحرب، خاصة وأن عدم وجود استقرار واضح في سوريا سيؤخر من عملية إعادة الإعمار مستقبلاُ.

أما بالنسبة الى الأرقام المتعلقة بالخسائر البشرية، فان عدد القتلى من مختلف الأطراف لا يقل عن ٧٠٠ ألف قتيل، عدا عن عدد الجرحى المعاقين نتيجة الصراع لذين لا يقل عددهم عن نحو ١.٢ مليون شخص. هنا لابد أن نحتسب تعويضات شركات التأمين على حالات الوفاة في الحوادث، فقد كانت قيمة تعويض شركات التأمين قبل الأزمة تعادل ٧٥٠ ألف ليرة ماقيمته  ١٥ ألف دولار، بينما تبلغ قيمة التعويضات حالياً ١.٢٥ مليون ليرة أي ما يقارب ٢٥٠٠ دولار، إن وجود مثل هذه الفجوة بين قيمة التعويضات سابقا وحالياً سيطرح إشكالية حول القيمة الفعلية التي ستدفعها شركات التأمين للتعويض على حالات الوفاة، والتي يتوجب أن تبقى قيمتها تعادل ١٥ ألف دولار.

من الناحية العسكرية، نجد أن خسائر سوريا كانت فادحة في صفوف الجيش من قتلى ومصابين وجرحى ومفقودين، عدا عن عدد الانشقاقات بصفوف الجيش، وبالتالي فإن كلفة تعويض الجرحى والمصابين من الجيش مكلفة بشكل كبير وطويلة الأمد وهي أضعاف كلفة القتلى، وبالتالي ستجد سوريا صعوبةً في إعادة بناء جيشها مستقبلاً خاصة بعد الاستنزاف الذي تعرض له طوال سنوات الحرب. إلى جانب ذلك نجد أن ما تم بناءه خلال العقود السابقة من معدات عسكرية أسلحة وطائرات ومدرعات قتالية، كانت أسعارها بالسابق غير مكلفة فان الحرب ادت الى خسائر إضافية لا يمكن إنكارها حين إعداد فاتورة الحرب، فقد خسرت سوريا آلاف المدرعات ومئات الطائرات، ان اعادة بناء تلك المعدات مستقبلا سيكون مكلفا خاصة وان الاسعار لم تعد منخفضة.

بالحد الأدنى لو فرضنا أن سوريا بحاجة الى ١٠٠٠ مدرعة ودبابة لإعادة تشكيل  ثلاث فرق عسكرية مستقبلا، ووفق الأسعار الحالية نجد أن قيمة المدرعة تعادل ٥ مليون دولار وبحسبة بسيطة نجد أن سوريا بحاجة إلى ١٠٠٠ مدرعة مايعادل قيمتها ٥ مليار دولار. أما سلاح الجو لو فرضنا أن سوريا بحاجة لـ ١٠٠ طائرة حديثة فإن كلفة كل طائرة تعادل مابين ٢٠ إلى ٢٥ مليون دولار كأقل تقدير، وبالتالي فإن كلفة ١٠٠ طائرة تساوي ٢٠٠ مليار دولار، مع العلم أن الطائرات السورية هي من الجيل الثالث، يضاف لذلك ماخسرته سوريا من طيارين تكلفت بتدريبهم.

عطفا على كل ماسبق مهما حاولنا تفصيل كلفة الحرب، لكن لا يمكن أن ننكر حقيقة صعوبة اختصار كلفة النزيف السوري بأرقام  خاصة وأنه من المجحف عد وحصر  دماء السوريين  بمبلغ مادي أو برقم.

حين يخسر السوريون أمنهم ووطنهم، يصبح الحديث عن أي كلفة سواء كانت عسكرية أو اقتصادية لا قيمة لها  في حسابات السوريين الذين ضحوا بدمائهم ثمناً  لحياة حرة وكريمة.

سوريا في أسبوع، ٥ شباط

سوريا في أسبوع، ٥ شباط

سوتشي ينتج لجنة دستورية برعاية أممية!
4 شباط (فبراير)

أثار “مؤتمر الحوار الوطني السوري” في مدينة سوتشي الكثير من الجدل حول أمكانية انعقاده ودوره في الوصول إلى مدخل لاتفاق سياسي.

اذ قاطع عدد من قوى المعارضة الاجتماع بما فيها “الهيئة العليا للمفاوضات”٫ وانسحب من المطار وفد من فصائل المعارضة المسلحة الذي حضر بـ “تشجيع” آنقرة وفوض الوفد التركي بتمثيله في المؤتمر. كما شارك المبعوث الأممي الخاص ستيفان دي ميستورا في المؤتمر. وانتقدت الولايات المتحدة وفرنسا المؤتمر وحضر بعضها بصفة مراقب. وظهر أن التوافق الروسي  – التركي ساهم في عدم انفراط عقد المؤتمر.

خلص المؤتمر إلى اصدار بيان ركز على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة السورية ووفد معارض واسع التمثيل، ذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية وذلك وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254، وسيشرف دي ميستورا على اللجنة الدستورية. وركز البيان على أن “سوريا دولة ديمقراطية غير طائفية قائمة على المواطنة المتساوية”، مشدداً على استقلالِها ووحدتها شعباً وأرضاً. كما ركز البيان الختامي على القيام بانتخابات ديمقراطية حتى يقرر الشعب السوري مستقبل بلده.  

وكانت الحكومة السورية قد رحبت بنتائج المؤتمر. وأشارت وزارة الخارجية أن المؤتمر يشكل خطوة هامة في المسار السياسي وأساساً لأي مفاوضات مقبلة. وبالرغم من مقاطعة “الهيئة العليا” للمؤتمر بسبب انحياز الجانب الروسي المشرف على المؤتمر لجانب النظام، بالإضافة للخشية من أنه محاولة للالتفاف على دور الأمم المتحدة في جنيف، فان رئيس “الهيئة” نصر الحريري رحب بمخرجات المؤتمر شريطة أن تتوافق مع قرار مجلس الأمن وضمان عملية الانتقال السياسي في سوريا.  

بدا ان هناك تنسيقاً وثيقاً  اذ عبر الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان عن رضاهما عن نتائج مؤتمر سوتشي في مكالمة هاتفية بينهما. وفي تناغم مع الموقف الروسي من التسوية في سورية، تراجعت تركيا عن إصرارها على رحيل الرئيس بشار الأسد، وأعلنت أن عليه الرحيل «في مرحلة ما»، مشددة على أولوية «انتقال سياسي» يؤدي إلى دستور جديد وانتخابات.

رويترز، الجزيرة، الشرق الأوسط، الحياة

“غصن الزيتون” غير الخاطفة
4 شباط (فبراير)

استمرت عملية “غضن الزيتون” التي تشنها تركيا بالتعاون مع فصائل في المعارضة السورية على منطقة عفرين التي تسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية. ولا تبدو المعارك تسير إلى حسم سريع فالتقدم التركي بطيء ولا اختراقات كبرى حتى الآن. لكن العملية أدت حتى الآن إلى قتل المئات بينهم مدنيون بحسب وكالة انترفاكس. وذكر مدير المستشفى الرئيسي بمدينة عفرين الأربعاء إن الإمدادات آخذة في التناقص في المستشفى الذي استقبل 48 قتيلا و86 جريحا منذ بداية الهجمات. (رويترز)  

وقال إردوغان إن الجيش التركي “بدأ السيطرة على الجبال… ويتقدم حالياً نحو عفرين”، في إشارة إلى قرب انتهاء العملية. وذكرت وكالة الأناضول للأنباء أنه بهذا الهجوم يبلغ عدد قتلى الجنود الأتراك سبعة السبت في إطار عملية “غصن الزيتون”. وبذلك ترتفع الحصيلة الاجمالية لخسائر الجيش التركي الى 14 قتيلا مما يشير إلى المواجهات الشرسة خلال العملية. (فرانس برس)

معركة سراقب… وإسقاط مقاتلة روسية
3 شباط (فبراير)

فرانس برس، الشرق الأوسط

تتقدم قوات النظام بشكل متسارع باتجاه مدينة سراقب حيث تمكنت القوات من السيطرة على مدينة أبو الضهور بعد السيطرة على المطار العسكري واتجهت نحو مدينة سراقب وسيطرت خلال الأيام القيلة الماضية على العديد من القرى والبلدات.

وتعرضت مدينة سراقب لقصف عنيف مما أدى إلى ضحايا بين المدنيين إضافة إلى استهداف مستشفى عدي في المدينة الأمر الذي أدانته الأمم المتحدة.  وقال بانوس مومسيس منسق الشؤون الإنسانية الإقليمي للأمم المتحدة المعني بالأزمة السورية أن هذه كانت المرة الرابعة في عشرة أيام، التي تسببت فيها ضربات جوية في أضرار هيكلية كبيرة بمستشفى في سراقب.  وأوضح مومسيس، أن العام الماضي شهد 112 هجوماً موثقا على منشآت صحية في سوريا، فضلا ًعن 13 هجوماً على الأقل حتى الآن خلال 2018.

في إطار هذه العملية،  قُتل طيار روسي السبت بعدما اسقطت مقاتلته في محافظة ادلب شمال غربي سوريا، وإثر اشتباكه مع عناصر من الفصائل الاسلامية المعارضة على الأرض فيما أعلنت هيئة تحرير الشام مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة. وأعلن الجيش الروسي اثر اسقاط المقاتلة انه قصف “بأسلحة فائقة الدقة” المنطقة التي سقطت فيها الطائرة مؤكدا انه قتل “اكثر من 30 مقاتلا من جبهة النصرة” خلال هذه الضربة.

“الكيماوي” مجدداً
3 شباط (فبراير)

(رويترز)

قال مسؤولون أميركيون بارزون يوم الخميس إن الحكومة السورية ربما تكون في مرحلة تطوير أنواع جديدة من الأسلحة الكيماوية وإن إدارة الرئيس دونالد ترامب مستعدة للقيام بعمل عسكري مجددا ضد قوات الحكومة السورية إذا اقتضت الضرورة لردعها عن استخدام هذه الأسلحة.

وقال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن الحكومة السورية استخدمت مراراً غاز الكلور كسلاح. وقبل ذلك بيوم قالت واشنطن إنها مستعدة لبحث اتخاذ إجراء عسكري إذا اقتضت الضرورة لردع الحكومة السورية عن شن هجمات بأسلحة كيماوية.

ونفت وزارة الخارجية السورية السبت اتهامات أمريكية بأن قواتها استخدمت أسلحة كيماوية في الغوطة الشرقية قرب دمشق ضد المعارضين الذين يسيطرون عليها قائلة إن الاتهامات أكاذيب لا دليل عليها. واتهمت موسكو واشنطن بالعمل لـ “شيطنة” دمشق و “افشال الحل السياسي”.

وكانت الإدارة الأميركية السابقة اعتبرت أن استخدام السلاح الكيماوي “خط أحمر”، وهددت بضربة عسكرية بعد استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة 2013، ونجم عن الضغط تسليم السلاح الكيماوي السوري إلى منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية في عامي 2013 و2014.  وتجدد قضية الكيماوي بعد استخدامه في خان شيخون وعلى إثرها قامت الإدارة الأمريكية الحالية بتوجيه ضربة عسكرية لمطار الشعيرات العسكري في حمص.   

ويبدو ان “الخط الأحمر” يشمل فقط السارين وليس الكلور، بحسب مسؤول أميركي.

Anger in Damascus Over Sochi’s Closing Statement

محاصصة «الضامنين» للدستور السوري… وغضب في دمشق من سوتشي

لم تغير مشاركة دمشق بوفد من نحو 1200 شخص ولا مقاطعة «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة لـ«الحوار الوطني السوري» في سوتشي من نتائج المؤتمر، ذلك أن التفاوض الفعلي كان يجري في غرف وممرات جانبية بغياب السوريين، إذ إن الدول «الضامنة» الثلاث، روسيا وإيران وتركيا، اتفقت مع الأمم المتحدة على صيغة البيان الختامي، وعلى أن تقوم كل دولة بترشيح 50 عضواً إلى اللجنة الدستورية على أن يباركها زيادة أو نقصاناً المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الأمر الذي هو أشبه بـ«محاصصة ثلاثية» للدستور السوري المستقبلي.

دمشق التي لم تستطع تحمل مسؤولية إفشال «سوتشي» الذي رعاه الرئيس فلاديمير بوتين قبل انتخابات الرئاسة في 18 مارس (آذار) المقبل، «غاضبة» من نتائج المؤتمر، وكان أحد التجليات أن جميع وسائل الإعلام الرسمية وموالين لدمشق نشروا البيان الختامي من دون مقدمته وخلاصته السياسية وحرفوا الوثيقة الرسمية المتفق عليها بيان «الضامنين» الثلاثة.

بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن نتائج «سوتشي» أنجزت قبل بدء المؤتمر ذلك أن مفاوضات ماراثونية جرت بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نهاية الأسبوع الماضي بعد قرار «هيئة المفاوضات» المعارضة مقاطعة المؤتمر، إذ إن الأمم المتحدة ربطت مشاركتها بسلسلة من الشروط بينها أن يقتصر المؤتمر على جلسة واحدة من دون تشكل لجان مؤسساتية وتكرار سيناريو «مسلسل اجتماعات آستانة»، وأن يقرر المبعوث الدولي مرجعية وأسماء وآليات عملية اللجنة الدستورية واختيار أعضائها من قائمة تقدمها الدول «الضامنة» الثلاث، إضافة إلى إقرار المبادئ السياسية الـ12 التي كان أعدها دي ميستورا، ورفض رئيس وفد الحكومة بشار الجعفري البحث فيها في الجولتين السابقتين من مفاوضات جنيف.

المفاجأة الإيجابية، كانت أن ما تم الاتفاق عليه بين الأمم المتحدة وموسكو تحقق. جرت محاولات لتغيير مسودة البيان المتفق عليه لكنها لم تنجح، خصوصاً عندما لوح دي ميستورا بالانسحاب صباح الافتتاح. بالتالي، لم تؤثر عملياً الاعتراضات والمطالبات من أعضاء الوفد القادمين من دمشق، ومقاطعة ممثلي الفصائل المسلحة وعودتهم من مطار سوتشي إلى أنقرة، إذ إن الوفد التركي تكلف الحديث باسم المعارضة، فيما تحدثت طهران وموسكو باسم دمشق.
لوحظ أن وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) و«وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) نشرتا أمس البيان الختامي لـ«سوتشي» وفق تفسيرهما، إذ إن البيان خلا من المقدمة والخلاصة التي تتحدث عن آلية تشكيل اللجنة الدستورية. وأفادت «سانا» بأنه «تم الاتفاق على أن تكون النسبة في لجنة مناقشة الدستور الحالي ثلثين تدعمهم الحكومة، وثلث للأطراف الأخرى، لمناقشة الدستور الحالي حيث تتكون اللجنة من 150 عضواً هم مندوبون لمؤتمر الحوار الوطني السوري – السوري، ويتم اختيار الرئيس ونائبه وأمين السر من تكوين اللجنة». وبحسب تفسير «سانا»، يتخذ أعضاء اللجنة «القرار بالأغلبية حول ضرورة المساعدة من خلال الخبراء بطريقة تقديم المشاورات إلى أعضاء اللجنة».

كما لوحظ أن «سانا» عدلت في البيان الختامي، إذ ذكرت أنه «شدد على أهمية المحافظة على الجيش والقوات المسلحة، وأن يقوم بواجبه وفقاً للدستور بما في ذلك حماية الحدود الوطنية والشعب من التهديدات الخارجية ومكافحة الإرهاب حماية للمواطنين، حيثما يتطلب ذلك. وإن تركز المؤسسات الأمنية والاستخباراتية على الحفاظ على الأمن الوطني وتعمل وفقاً للقانون»، علما أن وثيقة المؤتمر الرسمية لـ«سوتشي» نصت على «بناء جيش قوي يقوم على الكفاءة ويمارس بواجباته وفق الدستور»، وأن تعمل «أجهزة الاستخبارات والأمن القومي لحماية أمن البلاد وفق مبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان بحسب نصوص الدستور والقانون، ويجب أن يكون استخدام القوة مقتصراً على تفويض من مؤسسات الدولة ذات الصلة».

وعكس هذا الموقف «غضباً» في دمشق من نتائج المؤتمر الذي سعى مسؤولون إلى وضع «خطوط حمراء» له قبل سفر المشاركين من العاصمة السورية إلى المنتجع الروسي، مقابل صمت إيراني ونشر مجتزئ للبيان الختامي. وقال مسؤول غربي إن طهران «فاجأت الحاضرين بقبول البيان في سوتشي»، قبل أن يشير إلى نشر وسائل إعلام إيرانية تفسير دمشق للبيان.
كما أن مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة حسين جابري أنصاري التقى شخصيات من المعارضة السورية في سوتشي وسط أنباء عن استعدادات إيرانية لعقد مؤتمر مماثل لـ«سوتشي» في طهران.

في المقابل، أعربت أنقرة عن الارتياح لنتائج المؤتمر عبر اتصال الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان. كما أن الخارجية التركية أصدرت بيانا بنتائجه و«الطريقة البناءة». وقال مسؤول تركي: «أهم نتائج المؤتمر الدعوة إلى إنشاء لجنة دستورية واختيار مجموعة تتألف من 150 مرشحاً لهذه اللجنة، إذ قدم الوفد التركي الذي منح تفويضاً بتمثيل جماعات المعارضة التي لم تحضر المؤتمر، قائمة تضم 50 مرشحاً بالتشاور مع المعارضة». ومن المقرر أن يشكل دي ميستورا اللجنة دستورية «تبحث عن التمثيل النسبي للمعارضة»، وأنقرة «سترصد عن كثب عملية إنشاء اللجنة الدستورية كضامن للمعارضة».

عليه، تترقب دول غربية شاركت كـ«مراقب» المرحلة المقبلة ومدى وفاء موسكو بنتائج المؤتمر وممارسة نفوذها على دمشق وطهران اللتين تريدان شراء الوقت إلى ما بعد انتخابات بوتين في 18 مارس، كي تقدم موسكو رسميا قائمة الـ150 مرشحاً إلى دي ميستورا كي يبدأ عمليه في اختيار 45 – 50 عضواً للجنة من قائمة «الضامنين» وخبراء وسياسيين من خارجها.

وبدأت عواصم غربية تبحث كيفية المواءمة بين «الوثيقة الخماسية» التي صاغتها واشنطن وحلفاؤها، وتضمنت تفاصيل المرجعية السياسية للعملية الدستورية، وصلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء، وطابع النظام السياسي السوري من جهة، ووثيقة سوتشي التي رعتها موسكو و«الضامنين» التركي والإيراني من جهة ثانية، على أن تكون الورقة المبنية الجديدة من الوثيقتين مرجعية سياسية لعمل اللجنة الدستورية.

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»