مخيم اليرموك: أمل العودة يتبخر

مخيم اليرموك: أمل العودة يتبخر

طيلة أكثر من خمس سنوات مضت والعجوز السبعينية “أم. ش” لم تفقد الأمل بالعودة إلى منزلها في “مخيم اليرموك” للاجئين الفلسطينيين، لكن أصوات الانفجارات العنيفة المستمرة الناجمة عن حملة النظام ضد تنظيمي “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، في منطقة جنوب دمشق أطاحت بأملها وجعلته مجرد حلم.

العجوز الفلسطينية التي فضلت البقاء في بيتها بعد خروج المخيم عن سيطرة النظام، أجبرت على النزوح إلى بلدات ريف دمشق الجنوبي الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، إثر  سيطرة تنظيم داعش عليه، وتراقب حاليا باستمرار من على أحد أسطح الأبنية الغارات والصواريخ التي تستهدف المخيم.

وبلهجة فلسطينية مترافقة مع توتر كبير تقول العجوز: “راح .. راح.. خيّا ما بقي شي (لم يبق شيء).. ما بقي لا بيوت ولا شوارع.. راح المخيم…”، وتضيف “وين (أين) ترجع الناس.. وين (أين) تقعد خيّا على الردم…!”

وفي التاسع عشر من ابريل (نيسان) الجاري، وفي إطار مساع لتأمين دمشق ومحيطها، بدأ النظام وحلفاؤه حملة عسكرية لاستعادة المناطق الخارجة عن سيطرته في جنوب دمشق، واستهدفت مسلحي تنظيمي «داعش» و«هيئة تحرير الشام» في منطلق سيطرتهما، وذلك بعد إغلاق ملف وجود المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية لدمشق.

وتعتبر مناطق جنوب دمشق الخارجة عن سيطرة النظام مع منطقة القلمون الشرقي التي باتت مراحل تنفيذ اتفاقات التهجير لمقاتلي المعارضة في نهاياتها  آخر معقلين تسيطر عليهما المعارضة المسلحة و”داعش” و”تحرير الشام” في محيط العاصمة دمشق، بعد استعادة النظام وحلفائه السيطرة على معظم مدن وبلدات الريف الدمشقي وتهجير مقاتليها وأعداد كبيرة من سكانها.

وتشكل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في جنوب دمشق كتلة من البلدات والأحياء  متجاورة فيما بينها، منها ما يتبع إدرايا لمحافظة دمشق، ومنها لمحافظة ريف دمشق، وتسيطر على بعضها فصائل معارضة مسلحة، على حين يسيطر  تنظيمي “داعش”  و”تحرير الشام” على القسم الآخر منها.

ويسيطر “داعش” على كامل ناحية “الحجر الأسود” التابعة لمحافظة ريف دمشق وعلى أجزاء واسعة من “مخيم اليرموك” التابع لمحافظة دمشق ويعتبر المدخل الجنوبي للمدينة وعلى القسمين الجنوبي من حي “التضامن” والشرقي من حي “القدم”، بينما تسيطر فصائل المعارضة على منطقة بلدات “يلد” و”ببيل” و”بيت سحم”، التابعة إدارياً لريف العاصمة، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من العاصمة.

ومضات أمل

النازحون من تلك المناطق إلى أحياء سيطرة النظام في وسط العاصمة وأطرافها وإلى بلدات ريف دمشق الجنوبي الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، انتعش الأمل لديهم بالعودة إلى منازلهم  مع توقعات للنظام وحلفائه قبيل الحملة، أفصحت عنها قيادات في فصائل فلسطينية تقاتل إلى جانبه،  ومفادها أن المعركة هناك “لن تكون صعبة وستستغرق أياما معدودة فقط”، وأن ما سيحصل هو سيناريو مشابه لما حصل في مدن وبلدات وقرى الغوطة الشرقية من اتفاقات أفضت إلى تهجير مقاتلي المعارضة وعوائلهم إلى شمال البلاد، بعد أيام قليلة من بدء الحملة العسكرية هناك.                     

لكن مهلة 48 ساعة منحت ل”داعش” للخروج انتهت وبدأ النظام وحلفاؤه في التاسع عشر من ابريل (نيسان) الجاري قصفاً جوياً وصاروخياً ومدفعياً عنيفاً لتلك المناطق وهو مستمر حتى اليوم وينجم عنه بشكل يومي انفجارات عنيفة يسمع صوتها بوضوح في الأحياء المجاورة لمناطق سيطرة “داعش” و”تحرير الشام” من الجهة الجنوبية.

(س.م) من أبناء المخيم، وخلال تبادل للحديث مع أشخاص يقفون أمامه وإلى جانبيه، يركز بصره إلى أجواء المنطقة الجنوبية، ويشير إلى سحب الدخان والغبار الكثيفة التي تغطيها والمنبعثة من المباني في المخيم و”الحجر الأسود” من جراء استهدافها، ويقول بحسرة “لم يبق حجر على حجر”، لكن أحد من يتبادل الحديث معهم وفي محاولة للتعالى على جسامة ما يجري، يقول: “متل (كما) عمرناه في السابق بنرجع نعمروا.”

ذكريات

ويعتبر “مخيم اليرموك” من أبرز مناطق جنوب العاصمة الخارجة عن سيطرة النظام ويتبع إدارياً محافظة دمشق ويشكل بوابة العاصمة من الجهة الجنوبية، ويقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتصل مساحته إلى نحو كيلومترين مربعين. ويحده من الجهة الجنوبية “الحجر الأسود”، ومن الجهة الغربية حي “القدم” ومن الشرق حي “لتضامن” ومن الشمال منطقة “الزاهرة”.

وأنشئ “مخيم اليرموك” عام 1957 على بقعة زراعية صغيرة، ومع مرور الزمن تحول إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودول الجوار، وراح اللاجئون يحسّنون مساكنهم ويشيدون الأبنية الطابقية لتتسع للعائلات الكبيرة والمتنامية، وبات كمنطقة حيوية تستقطب السوريين من الريف للعيش فيها، لقربها من دمشق، ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه قبل الحرب الى ما يقارب 200 ألف لاجئ من أصل نحو 450 الف لاجئ في عموم سورية علما بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيما تتوزع على ست مدن.  حتى لُقّب ب”عاصمة الشتات الفلسطيني”.

وإلى جانب اللاجئين الفلسطينيين كان يعيش في “مخيم اليرموك” نحو 400 ألف سوري من محافظات عدة.

وتسارع التطور العمراني في المخيم في بدايات القرن العشرين وتحسنت الخدمات بشكل ملحوظ فيه، وتم افتتاح العديد من المراكز والمؤسسات الحكومية والأسواق التجارية لدرجة بات منطقة حيوية جدا أكثر من أحياء وسط العاصمة التي استقطب تجارها لفتح فروع لمحالهم التجارية فيه للاستفادة من الكثافة السكانية وجني أكبر قدر ممكن من الأرباح في أسواق باتت الأكبر والأكثر حيوية في العاصمة السورية.

وكان سوق شارع اليرموك الرئيسي للألبسة والأحذية والصاغة والمفروشات والمأكولات الجاهزة من أهم أسواق المخيم، حيث كانت العديد من محاله تفتح على مدار اليوم، بينما يعتبر سوقا شارع لوبية وصفد من أهم أسواق الألبسة الجاهزة، على حين كان سوق الخضار في شارع فلسطين من أكبر أسواق العاصمة ويؤمه الدمشقيون من معظم أحياء العاصمة.

وبمجرد الوصول إلى “مخيم اليرموك”، والدخول في شارع اليرموك الرئيسي  من مدخله الشمالي كان المرء يواجه سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه على الأرصفة لإيجاد مكان لها وتتقدم ببطئ كالسلحفاة، في وقت لا يختلف المشهد في سوقي لوبية وصفد حيث يبدو الشارعان والمحلات أكثر اكتظاظا، لدرجة أن الكثيرين كانوا يصفون المشهد هناك بـ”يوم الحشر”.

وإن كان سر الإقبال على أسواق “مخيم اليرموك” من قبل الباعة، هو استثمار الاكتظاظ السكاني الكبير فيها، بطرح البضائع بأسعار أقل مما هي عليه في أسواق أخرى وفق أسلوب “ربح أقل وبيع أكثر”، فإن إقبال  المواطنين عليها من كل حدب وصوب كان سببه تنوع المعروضات  وأناقة المحال والعاملين فيها والأهم من كل ذلك تدني الأسعار عما هي عليه في أسواق وسط العاصمة.

“اليرموك” الذي يحمل رمزية لحق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها عام 1948،  حلت النكبة به عندما أطلقت طائرات النظام  ثلاثة صواريخ عليه في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2012 حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه، وذلك عقب سيطرة فصائل “الجيش الحر” عليه.

وانتهى المطاف بالمخيم بسيطرة “داعش” على الجزء الأكبر منه في أبريل (نيسان) عام 2016 إثر هجوم عنيف على “تحرير الشام” في أماكن وجودها هناك ومحاصرتها في جيب صغير في غربه، بعد أن كانت الأخيرة انتهت بالتعاون مع “داعش” من وجود فصائل “الجيش الحر”.

ومع سيطرة “داعش” الذي يصل عدد مسلحيه في مناطق سيطرته بجنوب دمشق الى نحو 2000 مسلح على “اليرموك” نزح كثير من المدنيين من المخيم إلى مناطق سيطرة “الجيش الحر” في “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، ولا يتجاوز عدد الباقين فيه 4 آلاف مدني.

العديد من أهالي المخيم والتجار الذين كانوا فيه يستبعدون عودة الوضع إلى المخيم إلى ما كان عليه قبل الحرب، بعد كل هذا القصف والمعارك الجارية هناك، ويقول أحد التجار “الأمور تغيرت كليا… قد تمسح المنطقة بشكل كامل ويعاد بناؤها. الماضي بات ذكرى ليس إلا!”

معقل الدواعش 

وإن كان “مخيم اليرموك” من أهم المناطق في جنوب العاصمة التي يسيطر على أجزاء كبيرة منها تنظيم داعش، فإن  ناحية “الحجر الأسود” التابعة إداريا لمحافظة ريف دمشق، وتقع جنوب العاصمة، وتبعد عن مركز المدينة نحو 7 كيلومترات، تعتبر المعقل الرئيس له ذلك أنه يسيطر عليها بالكامل.

ويتركز حاليا قصف النظام وحلفاؤه على الناحية كونها تحتوي مراكز قيادات التنظيم ومقر إقامة معظم مسلحيه وغرف عملياته ومستودعات الذخيرة والمواد الغذائية.

وتحاذي الناحية من الجهة الشمالية القسم الجنوبي من “مخيم اليرموك”، ويحدها من الجنوب بلدة سبينة، ومن الغرب حي “القدم” الدمشقي، ومن الشرق بلدة “يلدا”، ووصل عدد سكانها قبل الحرب الى نحو 60 ألفاً، أغلبهم من نازحي هضبة الجولان التي نزحوا منها عام 1967، إضافة إلى خليط من كثير من سكان المحافظات السورية ومن اللاجئين الفلسطينيين.

وفي بداية الثورة، تم الإعلان عن تشكل فصائل مسلحة في “الحجر الأسود” تتبع لـ”الجيش الحر”، منها “لواء الحجر الأسود” و”صقور الجولان” وتكونت في غالبيتها من نازحي الجولان، ليطغى بعد ذلك حضور فصائل متشددة على حساب “الجيش الحر” الذي انتهى وجوده بتفكك مجموعاته أو الاندماج مع تنظيم “داعش”  أو “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام لاحقا).

وبسبب الصراع على النفوذ بين “النصرة” و”داعش” تمكن الأخير من طرد “النصرة” إلى “مخيم اليرموك”، وسيطر بمفرده على “الحجر الأسود” الذي بات معقله الرئيس في جنوب العاصمة.

جزءان من حيين

كما يسيطر “داعش” على العديد من الجادات في القسم الجنوبي من حي “التضامن” الدمشقي الذي يحاذيه “مخيم اليرموك” من الغرب وبلدة “يلدا” من الشرق والجنوب، بينما تحده من الشمال  منطقة “حي الزهور»”.

وسيطر “الجيش الحر” في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، على هذا الجزء من الحي  مما أدى إلى نزوح غالبية سكانه، على حين بقي الجزء الشمالي منه تحت سيطرة جيش النظام وميليشياته وشكل منطلقا للهجمات ضد الفصائل المعارضة في الجادات الجنوبية.

وكانت أعداد قاطنيه قبل بداية الحرب نحو 200 ألف ومعظهم من نازحي هضبة الجولان ومن محافظات أخرى.

وشكل المنحدرون من محافظات درعا ودير الزور وإدلب اللذين يتجمعون في الجادات الجنوبية من الحي ، نواة الحراك السلمي في عامه الأول. وعمد النظام إلى تدمير منازل الأهالي بشكل شبه كامل في حي زليخة التابع إداريا لبلدة “يلدا” ويحاذي الجادات الجنوبية من الحي من الجهة الشرقية.

وبعد سيطرة تنظيم داعش على القسم الأكبر من مخيم اليرموك أبريل عام 2016، قام أيضا بالسيطرة على الجادات الجنوبية من حي «التضامن»، بينما تراجعت الفصائل التي كانت توجد فيها إلى بلدات “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، حيث تسيطر فصائل إسلامية وأخرى من “الجيش الحر”.

إضافة إلى ذلك يسيطر تنظيم “داعش” على الجزء الشرقي هي حي “القدم” وهو من الأحياء الدمشقية العريقة، ويقع إلى الجنوب من العاصمة، ويحده شمالا حي “الميدان” وجنوبا بلدة “سبينه”، وغربا مدينة “درايا” وشرقا “الحجر الأسود”، بينما يسيطر النظام على القسم الغربي منه.

ويفصل بين القسمين طريق دمشق – درعا الدولي القديم، وسيطر “الجيش الحر” على معظم القسمين في بداية الثورة، إلا أن النظام تمكن لاحقا من استعادة السيطرة على القسم الغربي.

وسيطر التنظيم على القسم الشرقي من الحي في مارس (آذار) الماضي ، إثر هجوم شنه على قوات النظام بعد محاولاته السيطرة عليه  في أعقاب اتفاق «تسوية» مع الفصائل تم بموجبه تهجير المقاتلين وعوائلهم من الحي إلى شمال البلاد.

ومن ضمن مناطق الجنوب الدمشقي الخارجة عن سيطرة النظام منطقة بلدات “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، التابعة إدارياً لريف العاصمة، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من العاصمة، ويحدها من الشمال «مخيم اليرموك» و”حي التضامن”، ومن الجنوب منطقة “السيدة زينب” التي تسيطر عليها ميليشيات إيرانية، ومن الشرق غوطة دمشق الشرقية، ومن الغرب ناحية “الحجر الأسود”.

وتسيطر على هذه المنطقة التي تصل مساحتها إلى نحو أربعة كيلومترات مربعة، فصائل إسلامية وأخرى من “الجيش الحر”، ويتوقع أن تشهد احتمالاً مشابهاً لما حصل في كثير من المناطق من تهجير قسري للمقاتلين وعوائلهم.

سوريا في أسبوع، ٣٠ نيسان

سوريا في أسبوع، ٣٠ نيسان

إجلاء أخير قرب دمشق
٢٩ نيسان/ابريل

توصلت دمشق الى اتفاق مع فصائل معارضة لإخراج مقاتليها من جنوب العاصمة السورية قرب موقع شهد عملية لقوات الحكومة السورية ضد عناصر تنظيم “داعش”. وجاء الإعلان بعد أكثر من أسبوع على الهجوم لإخراج عناصر “داعش” من أحياء في جنوب العاصمة بينها مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. وأعلنت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) الأحد التوصل إلى اتفاق لإجلاء مقاتلي المعارضة وأفراد عائلاتهم من مناطق خاضعة لسيطرتهم شرق اليرموك.

وتحدثت عن معلومات عن التوصل لاتفاق بين الحكومة السورية والمجموعات المسلحة جنوب دمشق في بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم بضمانة الجيش الروسي. وذكرت أن “الاتفاق ينص على اخراج من يرغب بالخروج من المقاتلين مع عائلاتهم فيما تتم تسوية أوضاع الراغبين بالبقاء بعد تسليم أسلحتهم.” والاتفاق هو الأخير من نوعه ضمن سلسلة مشابهة سيطر النظام بموجبها على مناطق قرب العاصمة عقب انسحاب مقاتلي المعارضة.

وسيسمح اتفاق من هذا النوع في محيط يلدا للنظام بنشر قواته على الأطراف الشرقية لليرموك بعدما تقدمت وحدات أخرى نحو المخيم من الجهة الغربية، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأفاد المرصد أن 85 من عناصر النظام و74 مقاتلا من تنظيم الدولة الإسلامية لقوا حتفهم خلال عشرة أيام من المعارك في جنوب دمشق.

“الضامنون” الثلاثة
٢٨ نيسان /ابريل

انهى وزراء خارجية روسيا وتركيا وايران السبت اجتماعا لهم في موسكو استغرق بضع ساعات سادته اجواء توافق، وشددوا على اهمية محادثات استانة للدفع نحو تسوية سياسية للنزاع في سوريا.

وعقد وزراء الخارجية الروسي سيرغي لافروف والتركي مولود تشاوش اوغلو والإيراني محمد جواد ظريف اجتماعات ثنائية وثلاثية في موسكو، واكدوا في مؤتمر صحافي مشترك في نهاية هذه المحادثات على توافق وجهات نظرهم من الازمة السورية.

وترعى روسيا وإيران الداعمتان للنظام السوري، وتركيا الداعمة لفصائل معارضة سورية، محادثات استانة التي أتاحت خصوصا إقامة أربع مناطق لخفض التوتر في سوريا.

وقال لافروف إن “الحوار السياسي في استانة حقق نتائج” اكثر من المسارات التفاوضية الاخرى، مؤكدا ان محادثات استانا “تقف بثبات على قدميها” بفضل التعاون “الفريد” بين الدول الثلاث. وشدد لافروف على انه “لدى تركيا وروسيا وايران، رغم بعض الاختلافات، حرص مشترك على مساعدة السوريين.”

“اس-٣٠٠” و “براغماتية”
٢٨ نيسان/ابريل

صرح وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الجمعة في واشنطن أن وجود روسيا في سوريا لا يثير استياء إسرائيل لان موسكو طرف “براغماتي” يبقى من الممكن التوصل إلى اتفاق معه.

وقال ليبرمان ردا على أسئلة حول التحالف بين موسكو وطهران حاليا في سوريا، خلال منتدى نظمه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “من المهم أن نفهم شيئا وهو أن الروس لاعبون شديدو البراغماتية.”

وأضاف وهو نفسه من أصل روسي “إنهم في نهاية المطاف أشخاص منطقيون، ومن الممكن التوصل إلى اتفاقات معهم، ونحن نتفهم مصالحهم.” وأوضح أن “مصالحهم مختلفة للغاية عن مصالحنا، لكننا نحترم أولوياتهم، نحاول تفادي الاحتكاكات المباشرة والتوتر.”

وأدلى ليبرمان بتصريحاته بعد يومين على نشر موقع “واي نت” الإخباري مقابلة معه هدد فيها بمهاجمة منظومة الدفاع الجوي المتطورة الروسية من طراز “إس 300 ” التي تعتزم موسكو تزويد القوات السورية بها، في حال استخدامها ضد أهداف إسرائيلية.

ووقعت موسكو في 2010 اتفاقا مع دمشق نص على تسليمه بطاريات دفاع جوي إس 300 لكن دمشق لم تتسلم بعد هذه الصواريخ ولا سيما بسبب ضغوط إسرائيلية، حسبما أوردت صحيفة “كومرسانت” الروسية.

“مسرحية” في لاهاي
٢٧ نيسان/ابريل

 نددت ممثلو دول غربية عدة في منظمة حظر الاسلحة الكيماوية بما اعتبروه “مهزلة فاضحة” اعدتها روسيا، عندما حضر وفد سوري الى لاهاي ليؤكد بانه لم يحصل اي هجوم كيماوي على مدينة دوما قرب دمشق.

وحسب هذا الوفد السوري الذي اخذ الكلام امام ممثلين عن منظمة حظر الاسلحة الكيماوية في لاهاي بمشاركة السفير الروسي في لاهاي الكسندر شولكين، فإن الهجوم الكيماوي المفترض على دوما في السابع من نيسان/ابريل لم يكن اكثر من تمثيلية.

ونددت بريطانيا وبعدها فرنسا والولايات المتحدة وعدد اخر من دول الاتحاد الأوروبي بشكل واضح بمداخلات الوفد السوري. وقال السفير البريطاني لدى المنظمة بيتر ويلسون في بيان “ان منظمة حظر الاسلحة الكيماوية ليست مسرحا. ان قرار روسيا باستخدام المنظمة زورا يشكل محاولة جديدة لنسف عملها.”

من جهته وصف السفير الفرنسي لدى المنظمة فيليب لاليو مداخلة الوفد السوري ب”المهزلة الفاضحة” من اعداد النظام السوري “الذي يقتل ويستخدم الغاز ضد شعبه نفسه منذ اكثر من سبع سنوات.” وانتشرت صور عن دوما بشكل واسع يظهر فيها رجال ونساء واطفال وهم يرشون بالماء اثر الهجوم الكيميائي المفترض.

ومما قاله السوري خليل الذي قدم على انه طبيب من دوما خلال مؤتمر صحافي عقد في احد فنادق لاهاي مع عشرة اشخاص اخرين “قام مجهولون بزرع الفوضى ورش الماء على الناس (…) رأينا تماما بانه لم تكن هناك عوارض على الناس عن استخدام للسلاح الكيماوي.”

مصادرة أملاك المهاجرين
٢٧ نيسان/ابريل

قوبل مرسوم للرئيس السوري بشار الأسد، قضى بمصادرة أملاك اللاجئين السوريين، باستياء من الحكومة الألمانية.

وذكرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونج” الألمانية الصادرة الجمعة استنادا إلى بيانات وزارة الخارجية الألمانية أن الحكومة الألمانية تعتزم التشاور مع شركاء الاتحاد الأوروبي حول “كيفية التصدي لهذه الخطط  الغادرة” وجاء في بيان للوزارة: “بقلق كبير نتابع محاولات نظام الأسد التشكيك عبر قواعد قانونية مريبة في حقوق الملكية لكثير من السوريات والسوريين الفارين.”

وذكرت الوزارة أن نظام الأسد يحاول على ما يبدو “تغيير الأوضاع في سورية  على نحو جذري لصالح النظام وداعميه وتصعيب عودة عدد هائل من السوريين”. وبحسب تقرير الصحيفة، تحث الحكومة الألمانية على تبني الأمم المتحدة لهذه القضية، وجاء في بيان الوزارة: “ندعو داعمي نظام الأسد، وروسيا في المقام الأول، على نحو حثيث إلى الحيلولة دون تطبيق هذه القوانين.”

ووقّع الأسد مطلع نيسان/أبريل الجاري مرسوما يتيح  للحكومة السورية وضع خطط تنمية عقارية. ويلزم المرسوم مالكي المنازل بتقديم ما يثبت ملكيتهم للعقارات في غضون ٣٠ يوما، وإلا فإنهم سيخسرون ملكية هذه العقارات، وتصادرها الدولة. ومن الصعب على العديد من اللاجئين السوريين، الذين فروا من نظام الأسد، تنفيذ هذه القواعد حاليا.

تراجع المساعدات
٢٥ نيسان/ابريل

قال مارك لوكوك، منسق شؤون الإغاثة بالأمم المتحدة، الأربعاء، إن الدول المانحة تعهدت بتقديم ٤.٤  مليار دولار لمساعدة الشعب السوري والمنطقة خلال العام الجاري، في الوقت الذي تسعى فيه الأمم المتحدة إلى سد فجوة التمويل التي تصل إلى أكثر من  ستة مليارات دولار.

وشارك المؤتمر، الذي استضافه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في بروكسل، أكثر من ٨٠ وفداً رفيع المستوى بهدف حشد الدعم المالي لسوريا. وأشار لوكوك إلى أن الكثير من الدول المانحة الكبيرة، مثل الولايات المتحدة الأميركية، لم تستطع تأكيد تعهداتها بالنسبة للعام الجاري بسبب مسائل تتعلق بالميزانية الداخلية. وأوضح لوكوك أنه على الرغم من النقص في التمويل، “ليس هناك شك في أنه بدون عقد مؤتمرات كهذه وبدون التمويل الذي نضمنه، ستكون الأمور أسوأ بكثير.”

كما هدف المؤتمر، الذي تم تمثيل معظم القوى العالمية والإقليمية الرئيسية فيه ،إلى بث حياة جديدة في عملية السلام المتوقفة التي تقودها الأمم المتحدة. ودعت منسقة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إيران وروسيا، الحليفتين الرئيسيتين للحكومة السورية، إلى “ممارسة الضغط على دمشق، حتى تقبل الاجتماع على طاولة (المفاوضات) تحت رعاية الأمم المتحدة.”

وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسورية، ستيفان دي ميستورا، الذي يحاول التوسط من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي لإنهاء الصراع، إنه أيضا لم يتوقع حدوث انفراجة نتيجة للمؤتمر٫ لافتا الى ان المكاسب العسكرية للحكومة السورية لن تنعكس سياسيا على مائدة المفاوضات.

السوريون والسياسة: عندما سلّمنا غدنا إلى ماضينا

السوريون والسياسة: عندما سلّمنا غدنا إلى ماضينا

الجميع يتحدث عن الحلّ السياسي، جارتي وابنة خالي وبائع الشاورما والصيدلانية، المحلّل والمغنّية ولاعب كرة القدم. عندما كانت البيوت تنهار على رؤوس قاطنيها والقذائف المتفجّرة تمزج الاسمنت البارد باللحم الحي، قالوا: الحلّ سياسي. عندما دخلت المجاميع الطائفية من كل مرتفعٍ ومنحدرٍ لتتناحر على سنتمترات مقدسةٍ أو مراقد غامضة لموتى غامضين، قالوا: الحلّ سياسي. عندما انتقل الصديق الإيراني بفيض أعلامه وشعاراته، عندما أرسل الحليف الروسي الرصين طائرات السوخوي، عندما اقتطع حصّة لجنده يقيمون فيها ملاعبهم وباراتهم، قالوا: الحل سياسيّ. عندما أطلقت أميركا صواريخها المعدودة جيداً، عندما تدخّلت إسرائيل، عندما ارتعدت، عندما دخل الذئب التركي باتفاق سرّي، عندما تأمل الكرد، عندما هُزموا، عندما اتفقت ضباع الخليج، عندما اختلفت، عندما نمنا على حرير الــ (خلصت) واستيقظنا على صوف المؤامرة، عندما أصبحنا نشتري بالدولار خضارنا المزروعة على الشرفات وعلى أسطح عارية ونبيع أطفالنا وأخوتنا بالفرنك، عندما متنا خفافاً على مذبح الحرب الأهلية قالوا: لا حلّ إلا بالسياسة.

حسناً ما هي هذه السياسة التي صدعوا رأسنا فيها؟ وما هو هذا الحلّ السياسي الذي يقتنع الجميع بجدوى تناوله ساخناً ولا يفعل شيئاً لوضعه على الطاولة؟

بل ما هو العمل السياسي لشعبٍ يخاف من التلفظ بكلمات مثل رأي وحرية تعبير؟

في مُنْتَزَعٍ من صفحات التاريخ السوري، صفحة أو صفحة ونصف تدعى الوحدة السورية المصرية، ويطيب لمؤرخي العنجهية والتعنّت القومي وضع ما قاله الرئيس السوري شكري القوتلي آنذاك للزعيم المصري عبد الناصر، موضع الفخر والتبجّح: “أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعبا يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون في المائة من ناسه أنهم زعماء. ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة في المائة على الأقل أنهم آلهة.”

وفي مُنْتَزَعٍ آخر، غير بعيدٍ عن التاريخ الحالي، راجت تلك المقولة التي دوّخت الطيور في السماء والأسماك في البحر، المقنوصة من فيض الإيمان والمرفوعة على أنقاض الثقة بالنفس: “سوريا الله حاميها”.

إذن، لقد عرفنا ماذا تعني السياسة للحكّام، لكن لم نعرف بعد ماذا تعني للسوريين؟

اعتزل السوريون السياسة منذ أن قرّر النظام الوليد في 1963 أنها من أهم أسباب وجع الرأس وأن ممارستها تُورث أمراضا مستعصية أقلّها ألم المفاصل والسل وباقي الأمراض المرتبطة بالأقبية المعتمة والكرسي الألماني والدولاب وأنّ من الأفضل والحال كذلك أن يبتعد عنها السوريون إنقاذا لأعمارهم، ودخلت عندها القفص المحرّم وأصبحت ثالثة الأثافي.

السياسة في سوريا تعني ببساطة معاداة إسرائيل وأميركا والإيمان بأن الوحدة العربية حلّ مثالي لكوارث مثالية؛ وترديد الشعار كل صباح، الشعار الذي يعني أن لا أحد في المنزل وعلى الحبيب الإسراع لاقتناص الفرصة؛ ومعاداة الإمبريالية على المنابر والتحالف مع معطياتها سرّا، والتلويح بالاشتراكية في الأغاني وتوزيع الحصص على الشركاء المخلصين.

كان الحزبي بمرتبة عضو عامل يعتبر سياسياً، فما بالك بمن يصبح أمين شعبة حزبية. كانت قراءة الصحف الوطنية اليتيمة ومتابعة الأخبار اليومية تحيط المرء بشبهة (المعرفة) وهي تهمة جاهزة لوطن يتجهّز. كنت أعْتبر شيوعياً لأن لدي صديقات إناث، ومعارضاً لأني أخرج مع أختي إلى السوق ولا أركل قطط الشارع. هذه هي السياسة في سوريا، سياسة خلف السياسة بمئات الأميال، سياسة منتزعة من السياسة، معقمة منها، سياسة تحيي إنجازات الحكومة وتلعن أعداءها المختلفين حسب الظرف. كانت القرارات تصنع بعيداً، في كوكب آخر، في دمشق التي هي أبعد من المشتري؛ فشكّلت لنا التلفزيونات اللبنانية صدمة لغوية ثم اجتماعية فسياسية: كيف يتحدثون بملء الفم عن الحرية والطائفة والجنس، عن المظاهرات والإضرابات، كيف يعارضون الرؤساء بل ويشتمونهم والشتائم الوحيدة التي نستطيع تحمّل كلفتها هي الموجهة ضد الأهل والرب. وحتى اليوم ما زلنا بمنأى عن السياسة، متطهرين من دنسها، بالرغم من اندفاع مئات الآلاف من السوريين في حرب طاحنة وتشكيل تحالفات سياسية المخبر نفعية الجوهر، محلية وإقليمية، وانغماس الجميع حتى قحف رؤوسهم في الشأن العام إلا أنهم بعيدون عن السياسة بعد السلاحف عن سباقات (الفورمولا وان)، وأكثرهم بعداً عن السياسة هو أكثرهم تعاطياً واستخداماً لها في لهاثه اليومي.

الدين والسياسة، الثورة والسياسة، الدين والثورة

في الأحداث التي رافقت الحراك الشعبي السوري بداية 2011 بدا وكأن السوريين قد اهتدوا إلى اللعبة التي غابت عنهم قرابة أربعة عقود، وبدأوا بتحسّس مواطئ أقدامهم إيذاناً بدخولهم معتركاً كان ممنوعاً عليهم الدنوّ منه. بدا وأنهم قد فطنوا إلى طريق المصنع الذي تخرج منه مصائرهم مغلفة وتحوي مدة الصلاحية الممنوحة، لكنها أيام فحسب فصلتهم عن إعادة تسليم ما ظنّوا أنه حيواتهم ومستقبلهم، مستقبل الأولاد والأحفاد ربما، إلى الخطاب الإسلامي المتشنّج والخارج أصلاً للمفارقة-من رحم السلطة، أعادوا بيمين الزهد ما أخذوه بيمين الاعتراض، ووجدوا أنفسهم في معضلة صعبة التحليل والتركيب. كان النظام لعقود خلت يتحكّم بأرواحهم، يضع الكلام، جاهزاً على ألسنتهم، والمشاعر منجزة في أفئدتهم، فآثروا تسليم مصائرهم إلى الشيوخ وارتاحوا من عبء السياسة المقيت. فاجأتهم الحرية واحتاروا ماذا يفعلون بكلماتٍ مثل حكم محلي، حرية رأي، حقوق، مواطنة، فقاموا برميها في كثافة اللحى العفنة وارتاحوا. وكان النظام يدرك المآل الذي سيصلون إليه سريعاً، ربما كان يضحك في سرّه، إذ أنه يعرف ما الذي أنتجته معاهده لتحفيظ القرآن وتسميع الموت، يعرف ما وراء الأكمة وتحتها؛ فانتصر فوراً على مستوى الحجّة النظرية والرأي العام قبل أن يسحقهم على المستوى العسكري؛ فالمتمردون أصلاً حفروا قبورهم بآيات شيطانية وبقي على النظام أن يردمها فحسب.

وعندما بحث النظام عمن يشرح موقفه، عن سياسيين محترفين يتكلمون باسمه لم يجد؛ فاستعان بمتحذلقي الأخوة الأشقاء في لبنان ثم ببعض بقايا يساريي السبعينيات والثمانينيات ليكونوا ناطقين باسمه، لكن أولئك باللغة المتخشّبة الخارجة من مناشر الأخ الأكبر لم يستطيعوا شرح المشروح أصلاً؛ فاسْتُكمل الوقت المتبقي للعروض التلفزيونية بمطربين شعبيين وممثلين درجة عاشرة ولاعبي كرة قدم، وبقي فقط أن يأتي براقصات الملاهي الليلية ليتحدثن عن نظرية المؤامرة بشفاه البوتوكس وعلكة الشيكلتس.

سيمضي وقت قبل أن يفطن جمهور الموالاة للمأزق العميق الذي وضعوا أنفسهم فيه؛ فهم بدورهم سلّموا مصائرهم للعسكر، كان الخوف أكبر من أن ينكروه والتهديد بالذبح أعظم من أن يتغاضوا عنه؛ فسلّموا مستقبلهم ومستقبل أطفالهم للنجوم المرفوعة على الأكتاف. وأيضا ضيّعوا الفرصة التي جاءتهم لارتكاب فعل السياسة المكروه، ما أن شعروا بأنهم موضوعون في “الحسابات” حتى ارتعبوا وذهبوا إلى أقصى الاعتزال، اعتزال المستقبل وليس اعتزال مهنة الموالاة.

ربما سيتعلّم السوريون في نهاية المطاف أن لا أحد يبقى للأبد مشغولاً عن مصيره، لا أحد ينخطف إلى هذا الحد وينأى بروحه عن ترتيباتها، ربما سيقدّرون معنى الحوار والاختلاف، معنى الحقوق والواجبات. رغم أن لا شيء يوحي بذلك حتى الآن، إلا أنهم وإن تعلموها فسيكون بالثمن الأغلى في التاريخ.

الجيش الحر” من المظلة الجامعة إلى الفصائلية المائعة”

الجيش الحر” من المظلة الجامعة إلى الفصائلية المائعة”

اتسمت بدايات الثورة السورية بطابع مدنيّ سلميّ لا يمكن لأحدٍ إنكاره. الشهادات والمذكّرات التي دونّها ناشطون عن تفاصيل تلك المرحلة، تؤكّد أنّه خلال النقاشات والجدالات التي دارت بين النشطاء في أسابيع وأشهر الثورة الأولى، لم تلق فكرة العمل المسلّح قبولاً سوى لدى قلّة قليلة لا تكادُ تُلحظ في خضمّ ميل عام لدى الفئات الأوسع من شبّان وشابّات الثورة للتمسّك بسلميّتها. وقد تجسّد ذلك عبر ابتكارهم أشكالاً مختلفة للإفلات من قبضة المخابرات الحديدية، والتعبير عن الاحتجاج والعصيان المدني تأكيداً لاستمرارية الثورة.

غير أنّ توحّش أجهزة النظام القمعية في فضّ المظاهرات والاعتصامات السلميّة، ثم اتّباعها أسلوب اقتحام المدن والبلدات الثائرة، بما نتج عنه من تزايد كبير في أعداد الضحايا وتصاعد وتيرة الانتهاكات والمجازر المرتكبة بحقّ الأبرياء، أدّى بالعديد من الثائرين إلى محاولة الدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم في وجه الحملات الأمنية، بما توفّر لهم من أسلحة فردية خفيفة أو بنادق صيد لم يندر أنّ سوريين كثر كانوا يمتلكونها قبل الثورة. هذا جعل من البحث في سبل مقاومة بطش النظام والتساؤل حول مدى نجاعة الوسائل السلمية لإسقاطه حديثاً حاضراً بقوّة، دون أن يعني ذلك تبنّي “العسكرة” شعبياً وقتذاك، ولم تكن مظاهر العنف والحالات الأولى لحمل السلاح من قبل بعض المحتجّين أكثر من “رد فعل” محدود، ليس له أيّ طابع “عسكري”، لكن إلى حين.

اتّجه تطور الأحداث في منحىً آخر مختلف خلال أشهر قليلة، وخاصّة في أعقاب تعمّد النظام الزجّ بالجيش في مواجهة الشارع المنتفض، إذ أدّى ذلك إلى “فرار” أعداد متزايدة من الضبّاط والجنود ممن رفضوا توجيه أسلحتهم إلى المدنيين العزّل، فآثروا “الانشقاق” عن الجيش والانحياز إلى الثورة الشعبية، مؤكّدين عزمهم على حماية المظاهرات السلمية من قوّات الأسد. حاول بعض العسكريين المنشقّين تنظيم صفوفهم وإيجاد صيغة تجمعهم، فتشكّل “لواء الضبّاط الأحرار” (أعلن عنه المقدم حسين هرموش في حزيران/ يونيو 2011)، ثم تلاه تأسيس “الجيش السوري الحر” (أعلنه العقيد رياض الأسعد في تموز/يوليو 2011).

في تلك الأثناء كان التسميات التي تُطلق على أيام الجمعة (الموعد الأسبوعي الرئيسيّ للمظاهرات الشعبية) ما تزال من الأهميّة بمكان، فهي إذ حملت رسائل سياسية مرتبطة بتطوّر مجريات الثورة، ساهمت في التعبير عن مواقف المتظاهرين حيناً، ودفعت بها في اتّجاهات معينة أحياناً. وجرت الإشارة أوّل مرّة إلى العسكريين المنشقّين في “جمعة أحرار الجيش” بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2011. يعكس مضيّ عدّة أشهر على إعلان تأسيس “الجيش الحر” قبل إطلاق اسمه على إحدى جُمع المظاهرات مدى تطوّر الموقف تجاهه في أوساط الثورة وجمهورها؛ ويمكن القول إنّه تحوّل من الفتور النسبيّ في البداية نظراً إلى الإصرار على السلمية رغم نزيف الدم، إلى الانتقال نحو شيء من الإجماع تجاهه، وفق ما عبّرت عنه تسمية مظاهرات الجمعة في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011: “الجيش الحر يحميني”، وبعدها بستة أسابيع “جمعة دعم الجيش الحر”، ومثلها في 2 آذار/ مارس 2012 “جمعة تسليح الجيش الحر”.

مع تصاعد التأييد الشعبي للظاهرة الوليدة، وتنامي ظاهرة الانشقاق عن الجيش حتى بين الضباط من ذوي الرتب العالية (عميد، لواء)، اتّسعت رقعة المواجهات العسكرية ضدّ النظام، وخرج كثير من القرى والبلدات عن سيطرته، وبات “الجيش الحر” عنواناً عريضاً لا يندرج تحته العسكريون المنشقون فحسب، وإنما أصبح بإمكان أي مجموعة مسلّحة تقاتل النظام أن تضع نفسها تحت هذه التسمية الجاذبة. لاسيما وأنّ من عبّروا عنها وتحدّثوا باسمها في البدايات لم يخرجوا عن خطاب الثورة وشعاراتها الجامعة، من قبيل نبذ الطائفية والتأكيد على وحدة الشعب السوري والتطلّع إلى إقامة نظام ديمقراطي، على نحو ما أكّدته الوثائق التي أصدروها.

بدا أنّ أدواراً كبيرة تنتظر “الجيش الحر”، فبدأت الاتصالات من قبل جهات إقليمية ودولية، وظهرت أقنية للدعم على مختلف المستويات وجرت محاولات للتوسّع في عملية التنظيم ومأسسة العمل، لكنّ الدعم والتمويل جاءا بنتيجة سلبية، إذ سرعان ما دبّت الانقسامات والخلافات التي أرخت بظلالها على الواقع الميداني، فكلّ من الجهات الداعمة وجدت في هذا المعطى المستجدّ فرصةً للاستثمار وفق ما يخدم مصالحها، سواء كان استثماراً في مجموعات “الجيش الحر” نفسه، أو في فصائل ناشئة ذات توجّه إسلامي. فإنه ضمن تلك المعطيات، وبتحفيز من ممارسات النظام واستفزازاته ذات الصبغة الطائفية، تكاثرت الجماعات الإسلامية المقاتلة وانتشرت كالنار في الهشيم، حيث انجدلت إلى حدّ بعيد حالة العسكرة مع مشروع الأسلمة المستند إلى أرضيّة تبني جهات محسوبة على الثورة خطاباً دينياً طائفياً بدعم من قوى إقليمية، فضلاً عن جماعات متشدّدة أخرى كانت تراقب الوضع عن كثب وتتحيّن الفرصة الملائمة لكي تعلن عن نفسها صراحة، وتشرع في تنفيذ أجنداتها “الجهادية”.

أعراض التشرذم والانقسامات التي بدأت تظهر على “الجيش الحر” في النصف الثاني من عام 2012 وجدت صداها في المظاهرات وتسميات أيام الجمع، فحمل اثنان منها شعارات تعكس رفض الشارع لتلك الحالة، هما “جمعة بوحدة جيشنا الحر يتحقق النصر” في  17 آب/ أغسطس 2012، و”جمعة توحيد كتائب الجيش السوري الحر” في 28 أيلول/ سبتمبر 2012. لكنّ الرفض الشعبي وحده ما كان ليحول دون تفاقم فوضى السلاح والفصائلية المقيتة، وغاب اسم “الحر” كلياً عن تسميات الجمع في العامين الثالث والرابع للثورة (2013 – 2014)، بل إنّ “جيوشاً” أخرى حلّت محله في بعض جمع العام الخامس، حيث حمل يوم الجمعة 3 نيسان/ أبريل اسم “جيش الفتح” ومثله في 8 أيار/ مايو لكن بصيغة “جيوش الفتح”!

كل ما سبق يؤكّد وجاهة التقسيم المنهجي الذي يأخذ به كثير من الباحثين، للتمييز بين المرحلة الممتدة منذ تأسيس “الجيش الحر” وحتى أواخر عام (2012)، وفيها كانت التسمية تدلّ على جسم عسكريّ واضح المعالم إلى حدّ كبير، وبالتالي تنطبق فعلاً على كافّة الكتائب والألوية المنضوية تحت هذا الاسم. أما ما تلا ذلك من جهد عسكري مناهض للنظام، فالتسمية التي تعبّر عنه هي “فصائل المعارضة المسلحة”، “وتشمل مختلف الكتائب والفصائل والجيوش التي وجدت على الأرض السورية بعد عام (2012)”. و”الجيش الحر”، منذ ذلك التاريخ، لم يعد سوى تجمع أو تشكيل شأنه شأن بقيّة التشكيلات والمجموعات المسلحة المنتشرة ضمن غابة السلاح التي صارتها سوريا. سيرته تتكثّف في حكاية “الظاهرة المسلّحة” نفسها، وهي الطارئة أصلاً على الثورة السورية، حيث لم يكد يمضي عامٌ على نشوئها حتى راحت تسيّرها المصالح والأهواء، فنأت عن طابعها السوري العفوي الوطني والمستقل، وأمعنت الغرق في مستنقع من الاصطفافات الأيديولوجية والصراعات البينية، تحكمها ضروب من الارتزاق والخضوع والتبعية لإرادات الممولين من الأطراف الخارجية.

سيرة ذاتية لبلاد تموت

سيرة ذاتية لبلاد تموت

 حوار مع الروائي السوري مازن عرفة حول روايته الجديدة “الغرانيق” الصادرة في بيروت عن دار هاشيت أنطوان ـ مؤسسة نوفل في بيروت.

يبدأ مازن عرفة روايته الثانية “الغرانيق” بفصل عنوانه “البلدة” وهو يرسم بتؤدة معالم بلدته التي عاش فيها جلّ عمره، يرسم معالم بلدته بسردية كلاسيكية وهو يقول:

“أنا مواطن صغير، أعيش في بلدة متواضعة، تترامى بيوتها الكئيبة على امتداد سهل أجرد، تظلّلها الجبال الجرداء من الغرب …

ما زال بعض المسنين يتحدثون عن نهر غزير كان يسقي حقولاً خضراء واسعة وممتدة حتى المدى … اختفى فجأة، وكأنّ الأرض ابتلعته …”ص9

ومن يعرف الكاتب وبلدته “قطنا” في ريف دمشق، يستطيع أن يقرأ الكثير من التفاصيل التي تحيلنا إلى هذه البلدة، ابتداءً بالنهر الذي اختفى، أو “معسكرات جنود الثورة” في الجهة الغربية للبلدة، وصولاً إلى الكثير من التفاصيل المتعلقة بالأمكنة والأشخاص والحوادث، إلاّ أنّه لم يمنح هذه “البلدة” أيّ اسم، مكتفيا بأل التعريف فقط.

س1 – كيف اتّسعت هذه البلدة لمساحة البلد ككل “سوريا”، وكيف انفتحت الأحداث من خلالها لتشمل كل ما يجري أيضاً، وكأنك تكتب سيرة ذاتيه لبلاد تموت؟

ج1 – الكتابة بالنسبة لي هي استمرار للحياة، إذ كنت أشعر بأنّي أعيش سرديّة حكاية كبرى في بلد كان يعيش مخاضات التفجّر، وصولاً إلى انفجار “الانتفاضة السورية” التي وصفتها في “الغرانيق”، وما تلاها من أحداث كنت شاهداً مباشراً عليها في روايات قادمة… فأنا لم أغادر البلاد إلاّ في عام 2017، وأخلص بذلك للقول: “إنّ الرواية حياة، والحياة هي رواية”.

وبناءً على هذا، فليس المكان والزمان هما فقط المرتبطان بطريقة أو بأخرى بحياتي كرواية، بل والأحداث أيضاً، طبعاً بعد تحويرهم بما تتطلب تقنيات العمل الروائي كالفانتازيا والتداعيات والمونولوجات الداخلية وأحلام اليقظة، وهو جزء أساسي من تقنيّة السرد لدي، لذلك استخدمت ضمير المتكلم مع جميع أبطال روايتي، كأنّها سلسلة انفصامات لشخصيات متعددة تنطلق من جوهر واحد، هو هذا الإنسان الممزق في عالم يسوده الاستبداد العسكري والديني إلى درجة تهميشه وشعوره بفقدان أي معنى لحياته، فيتشظى إلى مئات الشخصيات.

وبلدتي الصغيرة هي نموذج لكل البلدات السورية التي “انتفضت” ضدّ الظلم والفساد، وبشكل خاص نموذج للبلدات التي تحيط بالعاصمة دمشق، إذ تتخذ أهميّة خاصة بسبب قربها من الجولان، ممّا جعلها منطقة شبه عسكرية منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث أخذت تتحول من بلدة ريفية صغيرة خضراء وادعة، فيها تنوّع سكاني ديني متسامح، إلى منطقة مواقع عسكرية، لم تلبث أن زحفت على أراضي الفلاحين وأخذت تلتهمها بدون حق، فكان يكفي حفر بضع حفر لدبابات وهميّة ويتم الاستيلاء على الأرض، وسرعان ما قامت المافيات العسكرية والمدنية السلطوية بسرقة الأراضي المستولى عليها باحتيالات على القانون، وتحوّلت إلى مزارع استجمام لكبار الضباط والمسؤولين، ممّا ولدّ نقمة داخلية لدى أصحابها.

المكان في “الغرانيق” هو بلدتي كنموذج للبلدات السورية، التي تحاصرها الجبال الجرداء من الغرب، التي دمّر أشجارها الكثيفة الفلتان من القوانين، وصحراء جرداء ممتدة إلى الشرق، ومواقع عسكرية ، أصبحت الآن مواقع للميليشيات الإيرانية والروسية، وما اختفاء النهر حقيقة إلاّ هو واقعة رمزية للحالة الجرداء التي وصلتها البلاد والأرواح.

الشرفة التي يقف عليها “البطل المثقف” هي شرفتي، والساحة أمامها هي التي كان يجتمع بها متظاهرو الانتفاضة أمامي، والبساتين ببيوتها الريفية القديمة هي التي كان يجتمع بها المنتفضون، والشارع الرئيسي في البلدة هو الذي أحرقه “الشبيحة” القادمين من إحدى “المساكن العسكرية” حولها، “أهالي البلدة” هم شخصيات شبه حقيقية تناولتها ببعض التحوير حسب متطلبات العمل الروائي فقط.

لذلك أقول: إنّ المكان ترك بصمته في الذاكرة والحكاية، و”الغرانيق” ذاكرة وحكاية بعد أن عملت السلطة على تدمير البيوت الريفية، وقلع أشجار الحقول من جذورها، وهي التي تعيش فيها من مئات الأعوام… “المرتزق الشبيح” لم يزرع لأشجار ولم يروها بدمه طوال أجيال، فماذا يهمه إن أضحت الحقول جرداء… والبلاد والأرواح جرداء تذهب إلى الموت.

س2 –  جاءت روايتك الأولى “وصايا الغبار” لترصد انكسار المشاريع الثورية من خلال الفساد السياسي الذي طال كلّ مكونات المجتمع والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قبل الانفجار، لكنك في “الغرانيق” تسعى إلى رصد انتقام تلك الديكتاتورية المعنّدة، وفق المصطلح الطبي، والتي قامرت على احراق البلد دون التخلّي عن السلطة، وساهمت بانتقال الثورة مع العسكرة والأسلمة والتطرّف إلى حرب أهليّة بظلال طائفية، تبدو آثارها المستمرة لأكثر من سبع سنوات خلت أبعد من حدود المُتخيّل والجنون.

فكيف لنص أدبي أن يرصد كل ذلك؟ ومن أين نبعت جذور هذا العنف؟ وما هي آلياته؟

ج2 – هذا العنف السادي الوحشي الحاقد الذي تتبادله مختلف الأطراف السورية فيما بينها، وبتنوعاتها الدينية والطائفيّة والإثنيّة والمناطقيّة، بلغ ذروته إثر المواجهة العنفية للنظام “العسكري الاستبدادي” ضدّ “الانتفاضة السورية”، التي بدأت “سلمية”، إلاّ أنّها سرعان ما “تعسكرت” كردة فعل على عنف النظام، ثم ذهبت إلى موتها مع “أسلمتها العنفية”… وكأنّ هذا العنف كان مختزناً في اللاوعي الفردي والجمعي، يتراكم بكثافة، وينتظر شرارة صغيرة ليتفجّر، ويُدمّر كل ما حوله، وقد تحوّلت البلاد إلى حرب أهليّة وحشيّة، سرعان ما أصبح أفرادها أدوات في صراعات إقليمية ودولية، وقودها الدم السوري على الأرض السورية.

هل كان هذا العنف نتاجاً تاريخياً لـ”العقلية الستالينية”، التي انتهجتها الأحزاب العقائدية، لبناء “نظام شمولي” يقوم على عسكرة المجتمع تمهيداً لعبادة الفرد “الزعيم الجنرال”؟

عاش أطفال سوريا تجربة العسكرة منذ نعومة أظفارهم، بدءاً بالتربية العقائدية في منظمة “طلائع البعث”، ومروراً بنظام “الفتوة العسكري” في المدارس الإعدادية والثانوية، إلى جانب منظمة “اتحاد شبيبة الثورة”، التي منحت علامات تفوق دراسي مؤهلة لدخول فروع مميزة في الجامعة بمجرد إجراء دورات عسكرية عقائدية، وصولاً إلى نظام “التدريب العسكري الجامعي”… دون الحديث عن عسكرة مظاهر الحياة المؤسساتيّة الإداريّة والثقافية في المجتمع السوري، وتحكم العسكر في مفاصل هذا المجتمع.

ألم يكن العنف نتيجة منطقية لسلطة العسكر التي استثارت ضدّها عنفاً إسلامياً مضاداً، محافظاً شرساً كامناً تحت الرماد، حيث أخذت الحرب الأهليّة الحالية في أحد مظاهرها شكل صراع طائفي ظهرت إلى السطح كوامنه من اللاوعي؟ صراع بين جيوش النظام الإنكشارية الخاصة، وبين الجماعات الجهادية العنفية باسم الإسلام، وإن كان بعضها بإشراف النظام ولمصلحته؟

أم كان هذا العنف نتيجة عقلية “الاستبداد الشرقي البطريركي” الموروث تاريخياً في اللاوعي الجمعي لأفراد المجتمع، بمفاهيم “البداوة” و”الغزو” و”السبي” و”النهب”، الذي يتمظهر حالياً باسم “التعفيش”؟

كل هؤلاء الأفراد المستبدون يشكلون تمظهرات للآلهة “الغرانيق”، الجميع مسكونون بالرعب، بدءاً من “الإله القائد”، مروراً بزعيم “القبيلة” أو “الطائفة” أو “العائلة”، وصولاً إلى رب الأسرة في المنزل… وكأن العنف يسري في الدماء.

أم يكون هذا العنف نتيجة “عسكرة إسلامية لا واعية”، واظب خطباء المساجد يومياً بالدعوة إليها باسم “الجهاد”، دعوة لجهاد عنفي بحد السيف، تتكرّر بلا نهاية على منابر المساجد وعبر وسائل الإعلام، في المناسبات الدينية أو بدونها. وهو جهاد عنفي غير موجّه ضدّ الخارج، بقدر ما هو موجّه ضدّ “الكفار في “ديار الإسلام”، أبناء الطوائف الأخرى، الذين لا تقبل منهم حتى “الجزية” مقابل حرية العبادة، كما تقبل من المسيحيين واليهود! هذه الدعوات “الجهادية” ترعرعت وتمأسست بحرية في ظل نظام يدعي “العلمانية”، وكان يستغلها لأهدافه الدعائيّة في الصراع مع “أعدائه الوهميين”. لكن السحر انقلب على الساحر بعد أن استشرى العنف في نفوس الجميع.

عندما أطرح هذه التوجهات الأربعة لأصول العنف المستشري في البلاد، والذي أوصلها إلى هذا الكم النوعي من الخراب والدمار، أجدها متضافرة معاً بطريقة أو بأخرى في بنائه، وهو ما كنت أفكر به لا شعورياً طوال الوقت في أثناء كتابة “الغرانيق”، وبالأحرى  ما كنت أفكر به بقدر ما كنت أعيشه في أثناء كتابتها، وأنا أقطن في بناء في بلدتي القريبة من العاصمة، وقد تحوّل هذا البناء إلى موقع عسكري محصن، والطابق الأوّل تحوّل إلى مكان اعتقال أوّلي ومركز تعذيب، فيما استقرّ في النهاية خط النار بين “النظام” و”المنتفضين” على بعد عدة كيلومترات.

هل يبرّر أو يفسر ذلك جرعة العنف الكثيفة في الرواية؟ وهل تكون مجرّد انعكاس لأجواء العنف المعمم من حولي؟

بدءاً من القسم الأول الذي يمثل زمناً مطلقاً لديكتاتورية عسكرية تنطبق على جميع الأمكنة بذروة رعبها “الكافكاوي” الذي تفرضه على مجتمعها، ومروراً في القسم الثاني بتاريخ سوريا المليء بانقلاباته العسكرية والتصحيحية والتطهيريّة والاستئصاليّة، العُنفيّة جميعها، والتي واجهها الناس بداية في لاوعيهم بمسحة من سخرية “الواقعية السحرية” و”أحلام اليقظة الجمعية”، حتى لحظة الوصول إلى درجة الانفجار الذي أضحى واقعاً، وصولاً إلى القسم الثالث المُتمثّل بأحداث “الانتفاضة السورية”، سواء بالعنف السلطوي الذي تمّت مواجهتها به، أو بعنف “أسلمتها” الذي تسلّل إليها وطغى عليها، وهو ما ترك البلاد في النهاية ممزقة، خراباً ويباباً، ومرتعاً لجيوش وميليشيات الغرباء.

س3 ـ نجح النظام بدعم الظاهرة الجهادية في سوريا والتي قضت على الثورة بسرعة حين قادتها إلى الأسلمة والعسكرة معا، وهو ما خطط له النظام، وكانت الأدوات الإسلاميّة جاهزة للعب هذا الدور، مع إعلان “الجهاديين باسم الإسلام” سعيهم لاستعادة خلافة رشيدة عبر قتل الناس.

أليس في ذلك مُخاتلة للماضي؟

ج3 – إذا أردنا الحديث عن الإسلام الآن، فعن أيّ إسلام نتحدث، إسلام “داعش والقاعدة” الدموي، أم “إسلام فتاوى الأصولياّت” التي تعيش في غربة عن عالمنا، أم “إسلام المشاريع الوهابية الصحراوية”، أم “إسلام المشاريع الشيعية” المريضة بهواجس تاريخ عابر، أم إسلام “الإخوان المسلمين” المرائين لأيّ نظام خارجي يدعمهم، أم “إسلام الصوفيين” المهادن لأي سلطة، أم “إسلام فقيه السلطان في الممالك والجمهوريات” المهادن للسلطات، أم “إسلام الطقوس” الممتزجة بالعادات الاستهلاكية المعولمة، أيّ إسلام نريد؟

هذه الإسلاميات تنتمي جميعها إلى الماضي، وتُقاد من قبل رجال دين مسكونون بأوهام الماضي حدّ المرض النفسي، لذلك هم موتورون، ويعيشون خارج التاريخ، وغالبا ما يدعمون الاستبداد وأنظمة الفساد التي تشبههم، والتي يعيشون في ظلها، ويتكاملون مع بعضهم في تخريب المجتمع، وذلك ما يشجّع تلك الأنظمة على دعمهم، والسماح لتنظيماتهم ومؤسساتهم بالانتشار، طالما كانوا في خدمتها، دون أن تسمح للتيارات الديمقراطية بالنمو، لأنها تشكل تهديداً لوجودها القمعي.

الإشكاليّة أنّ هذه الأنظمة تتوهّم القدرة على إبقاء القوى الإسلاميّة تحت سيطرتها، وأنّ المريدين سيأتمرون بأوامرها، لذلك انتعشت التيارات الدينية في ظلّ أنظمة تدّعي أنّها علمانيّة، بل كانت الدولة تشرف على تشكيل التنظيمات الجهاديّة خدمة لأهدافها، كما حدث مع إشراف النظام السوري على تجنيد الجهاديين، وإرسالهم إلى لبنان أولاً، ثمّ إلى العراق في زمن الاحتلال الأمريكي له.

التصفية الجسدية مع “الانتفاضة السورية” كانت بحق الناشطين المدنيين، حتى أنّ جثثهم لم تعد تسلم إلى أهاليهم، ومثال ذلك ناشطو داريا الذين كانوا يوزعون الورود وزجاجات المياه على رجال الأمن في أثناء التظاهرات، بالمقابل جرى الإفراج عن الإسلاميين، وبخاصّة المتطرّفين منهم، حتى يشكلوا تنظيماتهم الإرهابيّة، بعملية مقصودة ومُخطّط لها، والأسماء التي أفرج عنها من سجن “صيدنايا”، هي التي شكلت لاحقا “النصرة” و”جيش الإسلام” و”صقور الشام” على سبيل المثال، وهي معروفة بالوثائق والصور. هؤلاء الإسلاميون المتطرفون هم الذين قضوا على الانتفاضة السورية السلمية، بالتعاون مع السلطة العسكرية، والمستقبل سيكشف الكثير من الخفايا.

لذلك انتهت “الغرانيق” برؤية تَنبؤية عن تبادل الأدوار بين “الزعيم الجنرال” و”الأمير الإسلامي”، كوجهي عملة واحدة، وأعتقد أنّ رمزيّة “الغرانيق” تتجاوز الزمان والمكان المحدد، إلى زمان ومكان مطلق مفتوح في مجتمعاتنا العربية.

س4 – كيف تماهت شخصية “المواطن الصغير” بشخصية “المثقف” ومن ثم “الزعيم الجنرال” الساعي لتأبيد سلطته عبر ألف ليلة وليلة من القتل، وكيف نجحت الديكتاتورية كأي سلطة بتعميم ثقافتها ونموذجها في دواخلنا؟

ج4 – أشرت في البداية إلى تشظّي الإنسان المُهمّش والمُمزّق بين الاستبدادين العسكري والديني، هذا الإنسان تحوّل في سياق النص الروائيّ من شخصية عادية إلى نموذج معياريّ، يُمثل بمجموعه فئات مُحدّدة من المجتمع، فالمثقف الذي يقف على  شرفة “المسكن الذي كنت أسكنه في الواقع” ويراقب التظاهرات منها، فيه بعض مني، والشاب “الثوري العنيف” ذو الأصول الريفية الذي كان يقود التظاهرات، فيه بعض من شبابي في البلدة، ببساتينها وحقولها، و”الزعيم الجنرال” هو جزء من حلم يقظة مارسته وإن بشكله البدائي، ومارسه كثيرون مثلي، في مرحلة الانفجارات الثورية منتصف القرن الماضي. أمّا الشخصيات الأخرى فأنا أعرفها جيداً وعشت معها، ابتداءً من “فتاة الحلم التي تخترق الأزمنة”، مروراً بالفلاحين البسطاء الذين سرقت المافيات العسكرية أراضيهم، وصولاً إلى “شبيحة النظام”، و”الجهاديين الإسلاميين” الذين أعرفهم عن قرب واحتككت بهم أيضاً.

تلعب التداعيات النفسيّة والمونولوجات الداخلية وأحلام اليقظة، الفردية والجمعيّة، دوراً أساسياً في تقنية كتابة الرواية لدي ـ منذ روايتي الأولى، ومن ثمّ “الغرانيق”، إذ أنّه في ظلّ عنفٍ مُستمر وحشيّ من قبل نظام عسكري شرس ضدّ أفراد المجتمع، يحاصر عوالمهم الخارجية، فإنّهم يلجؤون كحل أوّليّ إلى عوالمهم الداخلية، إلى لحظة هروب من الواقع القاسي لصعوبة مواجهته مباشرة، ومن ثمّ الانتصار عليه عبر “أحلام اليقظة”، فيمارس كل واحد منهم “عنفه الحلمي” الهوليودي ضدّ العسكر، وأجهزة الأمن، ويزيحهم من الوجود التوهمي.

يقول بطل الرواية عن رجال الأمن: “كنت أتحين الفرصة في عتمة الليل، وأنا مختبئ في فراشي تحت اللحاف، كي أقنصهم أو أفجّر مراكزهم، بل وأعذبهم، كما يفعلون هم مع معتقليهم”.

“حلم اليقظة” هو تعبير هروبي عن عجز للإنسان، وتمزّقه في ظلّ رعب كافكاوي، يحاول أن يقاومه به، هو سمة إنسان العصر الحديث الهارب من ضغوط الحياة المعقدة، فكيف إذا تمثلت بقمع نظام عسكري مُستبد، يستمد جذور عنفه الوحشي من كل المصادر المتخلفة التي أشرنا إليها. والأقسى هنا، أنّ حلم الإنسان المقموع، قد يُخفّف توتره النفسي مؤقتاً، لكنه يقوده إلى موقف غرائبي، قريب من اللامبالاة وعدميّة “ألبير كامو”، فيتساءل البطل عن مواجهته الحُلمية مع رجال الأمن: “والمشكلة التي كانت تواجهني هي أنني إن قتلت واحداً منهم في الخيال، ازدادوا عشرة في الواقع”.

في القسم الثالث من الرواية، كان اندلاع “الانتفاضة السورية” تعبيراً عن مواجهة الواقع القاسي مباشرة، عبر الانتقال من “حلم اليقظة” الهروبي، لدى فئات واسعة ومختلفة من المجتمع، إلى الفعل الإيجابي عبر التظاهرات السلمية والاعتصامات في الساحات والدعوة إلى إسقاط النظام. ومن هنا كان أحد مظاهر أهميّة “الانتفاضة” هو في تعبيرها عن الخلاص من كوابيس الرعب لدى أفراد المجتمع بشكل واسع، والتي حاولت أنظمة القمع زرعها في النفوس لخمسين سنة خلت، والانتقال إلى الفعل الإيجابي.

ففي “ثورات الربيع العربي” لم يكن المهم فقط هو ذلك الفعل المادي بتحطيم تماثيل “غرانيق العسكر” في الساحات والشوارع، وإنمّا تحطيم تماثيلها المعبودة في العقول، وهو ما حاولت الأنظمة العسكرية زرعه خلال خمسين عاماً، ومعها انتهى الوهم المرتبط بالرعب الكافكاوي والإحساس بعدميّة التمرّد والثورة. هذا الخروج وهذا التحطيم كان التعبير الأهم عن “ثورات الربيع العربي”.

لكن العنف يستمر قضية مركزيّة في الرواية، فالصراع كان شديداً داخل “الانتفاضة”، بعد مرور عدة أشهر من انفجارها، بين الاتجاه السلمي الذي كان يدعو إلى التظاهرات السلمية والاعتصامات، ممثلاً بشخصية “الأستاذ فارس”، وهو نتاج الطبقة الوسطى المتعلمة، والمُتضرّرة من  تدميرها على يد النظام العسكري، من جهة أولى، فيما تمثل الاتجاه العنفي بشخصية “البطل” مجهول الاسم والهوية، كمُمثل لفئات واسعة من ذوي الأصول الريفية المتضررة من سرقة العسكر لأراضيهم، غير أنّ الرد العنيف لعسكر النظام و”شبيحته” باستعمال السلاح ضدّ المتظاهرين، أفسح مجالاً أوسع لبروز البطل العنيف، في محاولة يائسة للدفاع عن النفس، وتمثل ذلك برمزيّة إخراج خنجره القديم ومسدسه العتيق من محفوظات ذاكرته، وهذا ما حدث في الواقع.

سارت الأحداث في الرواية عن طريق الفانتازيا إلى نوع من التماهي الخفيّ بين شخصية “الزعيم الجنرال” العنيف، و”البطل من ذوي الأصول الريفية” العنيف أيضاً، بغض النظر عن النوايا الثوريّة لديه، في لعبة أقرب للواقعيّة السحرية، والتداعي النفسي، وسلسلة من الانفصامات الشخصية المرضيّة، بحيث بدت الشخصيتان وكأنّهما وجها عملة معدنية واحدة، بالتوازي مع انفصاميّة شخصية ثالثة، مثلت “المثقف الانتهازي” الذي يختبئ وراءهما، ويميل مع المُسيطِر منهما، فتحوّلت الرواية من مظهر بطل أحادي يتحدّث بضمير المتكلم، إلى سلسلة من الشخصيات المنفصمة، تتحدّث جميعها بضمير المتكلم نفسه، في تبادل للأدوار التي تتكامل وتتشابك، وهذا ما جعل الرواية تنفتح إلى احتمالات مُتعدّدة من النهايات بقدر تشعبات مظاهر العنف ومصادره.

س5 – كيف تنتقل الساديّة السياسية إلى ساديّة جنسية؟

ج5 – خَصَصْتُ في الرواية فصلين مهمين عن حكاية البطل الشخصية، المختلطة بتاريخ سوريا الخاص منذ خمسينيات القرن الماضي، سميت أحدهما “سادية سياسية” والثاني “سادية جنسية”، ومع أنّ الفصلين مكتوبين بنوع من الفانتازيا السحرية، ممّا يتطلب عملاً روائياً يسعى إلى متعة القراءة، والكتابة الساخرة من موضوعها، إلاّ أنّ خلف كتابتها كان يؤرقني سؤال عن البُنية النفسيّة والاجتماعية لواقعنا ومجتمعنا. كنت أفكر دائماً بالعلاقة بين الجلاد والضحيّة بشكل عام، وفي المعتقلات بشكل خاص، وأتساءل: مادامت الضحية تعترف للجلاد بما يرغب من أسرار، فلماذا يستمر بتعذيبها حتى الموت؟

ليس المهم من هو الجلاد، سواء كان من عسكر النظام أو من الجماعات الإسلامية، فالجلاد هو جلاد في النهاية، يتلذذ بالتعذيب بمتعة ساديّة غامضة، غير أنّ ساديّة التعذيب حتى الموت، كذبح الضحية بالسكين أو فرمها بجنازير دبابة أو صعقها بالتيار الكهربائي، أو تذويبها بالأسيد، أو تجويعها حدّ الموت وما شابه ذلك من عمليات، حيث يُصر الجلاد على التعذيب بعملية حاقدة، تطال الطرف الآخر وما يُمثله بآن معاً. إذ يعتقد انّه بهذا الفعل ينتقم من الفئة التي تنتمي إليها الضحية “الدين، الطائفة، العشيرة، الإثنيّة، الانتماء المناطقي…الخ”.

يتحوّل العنف الذي يندمج مع المتعة الجنسيّة إلى ساديّة مطلقة، وهذا ليس بغريب عن مجتمع العنف البدوي البطريركي المزروع في لاوعينا؛ مجتمع الغزو والسبي، فالعربي لا يقبل إلاّ أنّ يقتحم غشاء البكارة في ليلة عرسه إثباتاً لرجولته المفقودة،  ويفتخر علناً بـ”غزواته الجنسية”، والحوريات في الجنة الإسلامية هنّ أبكار، يتجدد غشاء بكارتهن بعد كل ممارسة جنسية، بينما المرأة العربية تفقد قيمتها الإنسانيّة بفقدان بكارتها، حتى بعد الزواج، كما أنّها محرومة من الاستمتاع في الجنة مع الحوريين، لأنّ العقل البطريركي لا يرضى أن تنام الزوجة مع حورييّ الجنة، فالإله يختار لها زوجاً واحداً.

هكذا تبدو حياتنا الشرقية مشبعة بالعنف والكبت الجنسي الذي يتفجر على سبيل المثال باغتصاب السجينات في معتقلات النظام، والسبايا في غزوات الإسلاميين، ويصل ذلك إلى اغتصاب الرجال وحتى الأطفال، إمّا لفظياً أو فعلياً، لينتهي هذا بموت الضحية، وهكذا تصبح متعة التعذيب بدون هدف سوى التعذيب متعة جنسية سادية.

تصوّر ذروة الساديّة في الرواية، بمشهد اغتصاب “الزعيم الجنرال” لضحيته وهي تنازع الموت، وينتهي فيها بلحظة موتها، في حين تبدو المتعة السادية لدى السجانين في دفن الجثث الجماعي، دون الاهتمام بوجود أحياء بينهم.

س6 – تنتقل بنا من متاهة “الزعيم الجنرال” إلى عوالم “دون كيشوت” الهزليّة، لنكتشف لاحقا طعم “المذاق المُرّ” الذي تحدّث عنه “نيتشه” لعمل كان هزلياً في زمنه، وأعتقد أنّ أيّ قارئ لهلوسات وكوابيس “الغرانيق” سيحس طعم المرار الذي تحدث عنه “نيتشه”!

ج6 – هي الفانتازيا السحرية، خيال مريض يُعشعش في دواخلنا، خيال مليء بالخرافة والأوهام، خرافة تغزو كل معتقداتنا وتصوراتنا، وتشكل حياتنا اليومية، تحيلنا إلى أشخاص مهووسين بالجنس، ومقموعين بالاستبدادين الديني والأمني، فنهرب من كلّ ذلك إلى أحلام اليقظة والأوهام، نعيش انفصامات مرضيّة غير متناهية، تشوّه الشخصيات والأحداث أيضا بشكل كاريكاتيري بالتأكيد، غير أنّ هذه الكوميديا التي تكبر داخل مساحة تراجيديا الموت، وفي أحلام اليقظة والهلوسات القاتلة للزعيم الجنرال، لن تفلح بكل ما فيها من الكاريكاتير بحجب طعم المرار الذي تحدث عنه “نيتشه”.

مازن عرفة ـ روائي وباحث سوري مواليد عام 1955 حائز على إجازة في الآداب، قسم اللغة الفرنسية من جامعة دمشق، ودكتوراه في العلوم الإنسانية ـ قسم المكتبات من جامعة ماري كوري (لوبلين، بولونيا). مؤلفاته “سحر الكتاب وفتنة الصورة” و”تراجيديا الثقافة العربية”، إضافة على رواية “وصايا الغبار”. رواية الغرانيق هي روايته الثانية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان ـ مؤسسة نوفل في بيروت في نهاية عام 2017.

عسكرة الثورة السورية والأخطاء القاتلة

عسكرة الثورة السورية والأخطاء القاتلة

يسير التاريخ إلى الأمام بشكل مستمر، إلا أنه يسير وفق خط متعرج كثيرا، وهذا ما سمح “لآل البوربون” بالعودة إلى حكم فرنسا، لكن الثورة الفرنسية انتصرت في النهاية، وربما نحتاج إلى أجيال كي نرى مآلات ما يحدث في سورية الآن، فالانتصارات العسكرية الآنية هنا أو هناك قد تشوش الرؤية، أكثر مما تصنع الحقائق، مع ذلك نحن مطالبون بدراسة الحدث في تعرجاته المستمرة، التي تصنع تاريخ السوريين اليومي والكارثي بآن معا.

فتعقيدات الحالة السورية لم تمكّن من وضع نهاية سريعة للنظام، على غرار ما حدث في تونس أو مصر، إذ كان هذا النظام مستعدا منذ البداية للحل الأمني، الذي لا يمكن أن يقوم إلا عبر استدراج العسكرة والتطرف الإسلامي، ولذلك بدأ منذ اليوم الأول يردد منولوج المؤامرة الإرهابية الهادفة إلى النيل من نظام تقدمي وعلماني وممانع للإمبريالية والصهيونية.

واستمر النظام في طرح هذه الديماغوجيا حتى نجح في تخليقها حقيقة واقعة، مستفيدا من كل المعطيات التي اشتغل عليها خلال عقود من الاستبداد، بِدءاً من الانقسامات العمودية في سورية، ومرورا بالتحالفات الإقليمية والدولية، وصولا إلى الاستفادة من العناصر الجهادية التي وظفها سابقا في العراق، حين أطلق سراح أكثر من ٦٠ معتقلًا من قياداتهم بتهمة التطرف والإرهاب، من سجن صيدنايا العسكري الأول، وصولا للكذب في تقديم المعلومات على طريقة “غوبلز”، وليست رواية “أحمد أبو عدس” المرتبط بكتائب “عبد الله عزام”، ومن ورائها “تنظيم القاعدة” بخصوص تفجيرات دمشق، وتهريب الفيديو المسجل لدى أجهزة الأمن السورية إلى مكتب الجزيرة في لبنان، ومن ثم إلى مركز الجزيرة الرئيسي في الدوحة ليبث من هناك، إلا واحدة من تطبيقات “اكذب .. اكذب حتى يصدقك الناس.”

غير أن أهم أدواته التي لعبت دورا في تخليق تلك الديماغوجيا واقعا عيانيا، تكمن في طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية من جهة وبين المؤسستين العسكرية والأمنية، اللتين استشرى فيهما فساد النظام وديكتاتوريته، وهو ما يَسّر له وساعده على التقدم باتجاه الحل الأمني، الذي سبق وأن اختبره في بداية ثمانينات القرن الماضي في أكثر من منطقة سورية، فكانت الأوامر جاهزة للوحدات العسكرية بإطلاق الرصاص الحي على أهالي درعا المطالبين بعودة أطفالهم الذين كتبوا بأصابعهم الصغيرة على أسوار مدارسهم عبارة “الشعب يريد اسقاط النظام”، مرورا بمشاهد انتهاك كرامة المدنيين العزل في قرية “البيضا” التابعة لمدينة بانياس الساحلية، وصولا إلى إطلاق النار على المعزين في “ساحة الساعة” بمدينة حمص، وليست هذه إلا بعض الشواهد التي تؤكد استعداد هذا النظام لارتكاب أفظع جرائم القتل والعنف، وتؤكد في الوقت ذاته طواعية المؤسستين العسكرية والأمنية لتنفيذ هذه المهام، وإطلاق النار على الشعب.

كمية العنف التي مارستها المؤسسة العسكرية، التي يطلق عليها في النشيد الوطني لقب “حماة الديار”، استفزت مشاعر البعض من العسكريين في البداية، الذين رفضوا إطلاق النار على أهاليهم من المتظاهرين السلميين، وتمّ فعلا توثيق الكثير من الحالات التي جرى فيها تصفية هؤلاء المجندين من قبل رفاقهم، بحجة عدم تنفيذ الأوامر العسكرية!  

وهنا بدأت ظاهرة الانشقاق عن مؤسسات الدولة ككل، وبشكل خاص المؤسسة العسكرية، وأخذت تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات الانشقاق المتتالية، التي يعلن فيها العسكريون أسماءهم وسبب انشقاقهم، وهم يرفعون بطاقاتهم العسكرية من أجل المصداقية، قائلين: وهذه هويتي!

الجيش الحر وظاهرة الانشقاقات

كانت ظاهرة الانشقاقات محكومة في بداياتها بطبيعة عفوية وفردية غالبا، كرد فعل على العنف المنظم ضد الناس المدنيين، حيث ترك أغلب المنشقين في البداية أسلحتهم وراءهم وكل ما يربطهم بالجيش، لكن تزايد عنف النظام قاد البعض منهم للتفكير بضرورة حمل السلاح لحماية أنفسهم أولاً، ولحماية المتظاهرين من أهاليهم وأصدقائهم وجيرانهم في الحي أو القرية، ممن خرجوا يطالبون بالتغيير والحرية والكرامة، إذ عاد أغلب المنشقين إلى حواضنهم الاجتماعية، يحمونها ويحتمون بها. خاصة في غياب أي مؤسسة بديلة يمكن للمنشقين أن يذهبوا إليها.

فهل من حقنا إدانة أولئك الأحرار الذين انشقوا عن جيش النظام كي لا يطلقوا النار على المتظاهرين السلميين؟ وإذا كان الجواب بالنفي وفق اعتقادي، فهل يعفينا ذلك من تقييم هذه الظاهرة ومآلاتها التي ذهبت بعيدا عن الأماني الطيبة لهؤلاء الأفراد؟

ولماذا عجزت كل الفصائل والكتائب العسكرية التي تشكلت في رحم الثورة، عن توحيد جهودها ومأسسة ذاتها بالمعنى العسكري والتنظيمي، كبنية موحدة في مواجهة النظام التي اتفقت جميعها على ضرورة إسقاطه؟

إشكالية الحالة السورية مقارنة بأغلب الثورات الكلاسيكية التي عرفناها سابقا، أن الثورة فعل إرادي ومنظم مسبقا، وليست عملاً عفوياً يحدث بالصدفة، حتى لو حكمت العفوية بعض مراحل تطور هذا الفعل، فهذه القصديّة أو الإرادويّة كانت موجودة في الثورة الفرنسية وفي الثورة الروسية أيضا، وحتى ما عرف لاحقا بثورات التحرر في فيتنام والجزائر وأنغولا وبعض دول أمريكا اللاتينية وصولاً إلى الثورة الفلسطينية، كان يوجد دائما مركز قرار سياسي منظم، يشرف على تشكيل جناح عسكري، حتى في تجربة الجيش الإيرلندي أو نماذج حرب المدن وتجربة “التوباماروس”، كلها تندرج في إطار “حرب التحرير الشعبية” أو ما يعرف بحرب العصابات، غير أن الحالة السورية كانت على النقيض من ذلك، إذ افتقدت منذ البداية إلى قيادة يمكن أن ترسم خططا وتضع برامجَ وتقود الثورة.

بلغ عدد حالات الانشقاق عن الجيش السوري حتى نهاية العام 2011م حوالي  22 ألف حالة انشقاق، إلا أنها كما أشرنا كانت محكومة بالعفوية والمبادرة الشخصية، كرد فعل ملتبس بالكثير من المشاعر الإنسانية والوطنية، وربما مشوبة بظلال من الأيديولوجيا والتمذهب أحيانا، لكنها بالتأكيد غير منظمة، حتى أن بعضهم بكى عندما تخلى عن بندقيته، وآخرون رفضوا تدمير السلاح، وربما لم يملك أغلبهم الوعي بأن انشقاقهم يشكل خطوة باتجاه تدمير إحدى أهم مؤسسات الدولة السورية/الجيش، وهذا جزء من سجال لاحق حول استقلالية الدولة عن النظام، فعملية الانشقاق عن الجيش، لم تتم لصالح مؤسسة بديلة، وإن سعت لاحقا بعض التنظيمات أو الجهات للاستفادة منها.

أولى حالات المأسسة ظهرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بالإعلان عن تشكيل “المجلس المؤقّت العسكري”، برئاسة رياض الأسعد، للعمل على إسقاط النظام، وحماية السوريين من القمع الذي يُمارس ضدّهم، ليظهر لاحقا “المجلس العسكري الثوري الأعلى” كنقيض للتشكيل الأول، قبل أن تتشكل “القيادة المشتركة للجيش الحر” في محافظات دمشق وحمص وحماه وإدلب ودير الزور، ثم تشكلت “القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية”، كإطار أوسع للجيش الحر،  لنفاجأ في كانون أول/ ديسمبر من العام 2012 بتشكل “هيئة القوى الثورية” من 261 ممثلاً عن الكتائب والفصائل وقادة الألوية انتخبوا “مجلس القيادة العسكرية العليا”.

خمسة تشكيلات عسكرية ظهرت وتلاشت خلال عام واحد تقريبا، مما يؤشر على أزمة هذه البنية غير المستقرة، وعجزها عن التوحد، فإضافة لما أشرنا إليه من غياب مركز قيادي موحد بالمعنى السياسي أو الوطني، تكشّف الدور الإقليمي والدولي لاستجرار ولاءات شخصية خارج أي مشروع وطني، عبر التمويل الذي يذهب مباشرة إلى قادة الفصائل والتشكيلات الميدانية، وليس إلى جهة مركزية يمكن أن تسعى لمأسسة هذه الظاهرة، والتي تراجعت كثيرا عندما بدأ المال الخليجي يركز على تمويل الفصائل والكتائب المتشددة إسلاميا، والتي لم تعترف بالمجالس العسكرية التي تشكلت فيما سبق، مثال الدور الذي لعبه “المحيسني” في تمويل لواء الفتح و”جبهة النصرة”، قبل أن يخرج من صيغتها الأحدث “هيئة تحرير الشام”، وأمثال “المحيسني” كثر بين ممولي الفصائل وشرعييها المتحكمين بها، والذين ساهموا بانزلاق هذه التشكيلات إلى الأسلمة والتطرف، وإن بدرجات مختلفة.

كما أن الانفصال بين القيادات العسكرية التي استقرت في تركيا بشكل عام، وبين الفصائل الميدانية التي تقاتل داخل سورية، غذّى الميل باتجاه الفصائلية، إضافة لتشرذم تلك القيادات والخلافات فيما بينها، حتى أنها انقسمت في إحدى المخيمات التركية إلى مجموعة العمداء ومجموعة العقداء، على سبيل المثال.

بالمقابل تبخرت كل وعود الغرب والإدارة الأمريكية بخصوص دعم الثورة، حتى أن اجتماع “أصدقاء الشعب السوري”، المنعقد في تونس بتاريخ 24/ 2/ 2012، للمساهمة بدعم الثورة السورية عسكريا، والذي قرر إنشاء غرفتي “الموم” في الشمال بإشراف تركيا، و”الموك” في الجنوب بإشراف الأردن، تكشف لاحقا أنه يهدف للرقابة، بشكل أساسي، على عدم وصول أي سلاح نوعي للفصائل خشية أن ينتهي بأيدي الفصائل المتشددة إسلاميا، حتى مشاريع تدريب بضع عشرات من المقاتلين التابعين لفصائل حصلت على حسن سلوك غير إسلامي، لم تشكل أي فارق ملموس طيلة حقبة الرئيس أوباما، لكنها حكمت بشلل المواقف الأوروبية وغيرها الداعمة لتغيير نظام الأسد.

تجارب الائتلاف الوطني للمساهمة في مأسسة الجيش الحر، لم تكن أفضل حالا من عجزه عن مأسسة ذاته، أو عجزه عن تبني مشروع وطني موحد للسوريين، لأن تركيا التي منحت للائتلاف وبعض قيادات المعارضة العسكرية مكانا آمنا، كانت حريصة “حتى أشهر مضت” على عرقلة كل استقلال لبنى ومؤسسات الثورة، من خلال رفضها إشراف أي من تلك المؤسسات شبه الرسمية كالائتلاف أو الحكومة المؤقتة أو الجيش الحر، على المعابر مع سورية، لأن ذلك يمكن أن يؤمّن لتلك المؤسسات دخلا وتمويلا يعفيها من تسول المساعدات، ويخرجها من الارتهان لرغبة وإرادة الممولين ومصالحهم الإقليمية.

في مداخلة للواء سليم إدريس قائد أركان الجيش الحر عام 2014، أمام “الهيئة العامة لائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، تتطرق فيها بإسهاب وأرقام حسابية تفصيلية، للكثير من الإشكاليات التي تتعلق بغياب جيش وطني، موضحا أن الخطط والتصورات والقوى البشرية كلها جاهزة، لكن لا يوجد أي تمويل يساعد على تحقيق هذا الهدف، مضيفا أن ما توفر من تمويل كان يذهب إلى الفصائل والكتائب التي تبيع الولاءات لمن يدفع فقط.

من درع الفرات إلى عفرين

انسحاب الإدارة الأمريكية من الملف السوري طيلة سنوات أوباما العجاف، انعكس سلبا على كامل المشهد السوري، فروسيا التي أعلنت البدء بسحب قواتها من قاعدة طرطوس، إثر تهديد أوباما بعيد ضربة الكيماوية في غوطة دمشق ديسمبر 2013، والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 شخص، جلهم من الأطفال والنساء، استعادت مواقعها بسرعة إثر صفقة تسليم مخزون النظام من السلاح الكيماوي، واكتسب بوتين شرعيةً ونفوذاً لم يكن يحلم بتحقيقهما في يوم من الأيام، حتى غدا اللاعب الأول في الملف السوري.

كما انتقل تنظيم P.Y.D من المسار الروسي إلى المسار الأمريكي، كوّن مليشيا “وحدات حماية الشعب/ “P.Y.G التابعة له، هي الفصيل الوحيد غير الإسلامي الذي يمكن أن يحمل مشروع إعادة ترتيب المنطقة، وفق ما بدأه باسم “الإدارة الذاتية”، لكن هذا التنظيم الذي بدأ مسيرة غير ديمقراطية، لم يُحسن التعامل لا مع الكرد ولا مع محيطهم المتنوع، ولم يستطع أن يكون حاملا لمشروع وطني يجمع حوله الكرد ومن ثم باقي المكونات السورية، فبقي رغم الديماغوجيا الكثيرة التي تقال بهذا الصدد،  فصيلاً منافسا للفصائل الإسلامية، ولم يكن رهانه على الكرد أو السوريين أو على الديمقراطية والمواطنة، بقدر ما كان على التحالفات البراغماتية والدعم الخارجي، هذا الدعم الذي تخلى عنهم بسهولة في معارك “درع الفرات” فهزموا في أعزاز وفي عفرين، وتل رفعت، حتى أنهم اضطروا للاستنجاد بجيش النظام دون جدوى، وما زال وضعهم في منبج رهن التفاهمات التي يمكن أن تحصل بين الإدارة الأمريكية وتركيا.

بالمقابل حملت تركيا عضو “حلف الناتو” العسكري مخاوفها بخصوص مشروع P.Y.D، وذهبت باتجاه الكرملين الذي رحب بالحليف الجديد، واعتبره مع إيران جزءا من أوركسترا “أستانا” التي سيضبط بوتين لاحقا إيقاعها في رسم مسارات التفاوض ورسم الخرائط في سورية، خاصة بعد معركة حلب التي شكلت هزيمة لخيارات العسكرة والفصائلية المرتبطتين بالتطرف الإسلامي، هذا التطرف الذي اشتغلت عليه قوى إقليمية عدة بمعنى التمويل والأيديولوجيا والتسهيلات اللوجستية، دون أن نغفل دور النظام في دعم هذا التطرف الإسلامي عبر استدعاء نقيضه من المليشيات الطائفية ومن كل الجنسيات، المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة.

إثر هزيمة حلب تقلصت بنى ما يُسمى “جيش حر”، بالعدد وبالمعنى النسبي والضيق لهذه التسمية، وتحديداً بعد التزام تركيا إلى جانب إيران وروسيا في مسار “أستانا”، الذي أعلنت تلك الفصائل رفضه بداية، لكنها عادت صاغرة للالتزام بالقرار التركي للمشاركة، وجرى في هذا السياق تظهير أسامة أبو زيد فجأة كناطق رسمي لتلك الفصائل وعراب لهذا المسار الجديد، الذي يجبّْ مسار جنيف التفاوضي من جهة، ويُبعد المستوى السياسي عن صنع القرار ليحل محله المستوى العسكري، لكن أبو زيد حين تلكأ بعض الشيء، وبشكل خاص فيما يخص التحضيرات لمؤتمر سوتشي، جرى استبداله في الجولة السابعة من ماراتون “أستانا” المتسارع بالسيد أيمن العاسمي ناطقا باسم الوفد والدكتور أحمد طعمة رئيسا له، وحين أرسل د. طعمة إلى مؤتمر “سوتشي” لم يتمكن من إكمال مشواره، وجاءت عبارته الأخيرة في مطار سوتشي معبرة عن واقع الحال، حين طلب أن تمثلنا تركيا في هذه المفاوضات!

قبضت تركيا سلفا من الروس والإيرانيين، ثمن مشاركة الجيش الحر في أستانا ولاحقا في سوتشي، حيث حصلت على تفويض في جزء كبير من شمال سورية، يمتد من إدلب إلى عفرين، وربما يصل قريبا إلى أعزاز، فيما رفضت الإدارة الأمريكية عقد هذه الصفقة لصالحها، وتعززت في الوقت ذاته عن الوقوف في مواجهتها حين عُقدت لصالح الروس، وأصبحت تركيا بذلك هي اللاعب الضامن في مؤسسات المعارضة السورية، الائتلاف والحكومة المؤقتة وإلى حد بعيد الهيئة العليا للتفاوض، وبقي عليها تطوير أداء ما بقي من الجيش الحر في رعايتها، وهي فصائل “درع الفرات”، التي فقدت الكثير من هيبتها في أستانا وسوتشي لاحقا، مما اضطر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإعادة الحيوية والاعتبار لهذه الفصائل، حين منحها في شهر شباط/ فبراير 2017 لأول مرة صفة “الجيش الوطني لسورية”.

وقد استجاب رئيس الحكومة المؤقتة د. جواد أبو حطب لهذه الإشارة، وبادر للإعلان عن تشكيل “الجيش الوطني السوري” إثر اجتماع بمقر القوات الخاصة التركية بتاريخ 24/10 /2017، بحضور كلاً من والي غازي عينتاب ووالي كلّيس، وقائد القوات الخاصة التركية وممثلي الاستخبارات التركية، وأعضاء الحكومة السورية المؤقتة، ونائب رئيس الائتلاف السوري المعارض، وقادة فصائل الجيش الحر المتواجدين في منطقة “درع الفرات”.

هذا الاجتماع الذي أعلن تشكيل “الجيش الوطني السوري” على مرحلتين، ووفق ترتيبات محددة من فيالق وفرق وألوية وكتائب، أعلن فيه أيضا، ولأول مرة، عن توحيد كل المعابر في منطقة “درع الفرات” وجمع كل وارداتها في خزينة موحدة تحت إشراف الحكومة السورية المؤقتة، لتوزع بشكل عادل على كل من الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية والجيش الحر، بعد أن انضبطت بشكل كامل بالإيقاع التركي.

وقد هدف هذا الاجتماع وكل مقرراته بالدرجة الأولى إلى منح الفصائل المشاركة في “درع الفرات” اليافطة الوطنية، لتبرير دخول تركيا إلى شمال سورية و”عفرين” تحديدا، لتصفية الحسابات التركية مع الكرد عبر البوابة السورية!

الأخطاء القاتلة

إن مجرد التفكير بعسكرة الثورة، في مواجهة نظام يملك ميزان قوى أفضل بالمعنى التنظيمي ومركزية القرار، إضافة للتفوق في نوعية التسليح والعتاد الحربي، ناهيك عن سلاح الطيران الذي يمكنه تغيير المعادلات القتالية، وخاصة بغياب توازن في التحالفات الإقليمية والدولية تدفع لتحييد هذا السلاح، إن مجرد التفكير بعسكرة الثورة وفق هذه المعطيات يشكل خطأ قاتلاً، ويمنح النظام تفوقا قتاليا بالضرورة.

فكيف إذا كان الأمر مع عسكرة فصائلية، عجزت كما رأينا عن توحيد نفسها أو حتى تنسيق جهودها، ولم تستطع أن تكوّن أي رؤية استراتيجية للصراع مع نظام مدعوم إقليميا ودوليا بشكل كبير، بل زادت من فصائليتها حين ربطتها بالمناطقية، فلم تتحرك الفصائل العسكرية في “الموحسن” لنجدة مثيلاتها في “دير الزور” مثلا! ولم يحصل العكس أيضا، ولم يتحرك جيش الإسلام في “دوما” لدعم أنبل فصائل الجيش الحر التي قاتلت وصدّت جيش النظام لسنوات، قبل أن يتمكن هذا الأخير من اقتحام “داريا” واحتلالها، بمساعدة المليشيات الطائفية.

يمكن التأكيد أنه باستثناء فصيل “وحدات حماية الشعب” الكردية، كانت كل فصائل الجيش الحر إسلامية إلى هذه الدرجة أو تلك، كما اتبعت أغلب الفصائل التكتيكات القتالية وأساليب الإدارة للمناطق التي دعيت محررة عبر المحاكم الشرعية ذاتها التي اتبعتها الفصائل الإسلامية المتشددة، وتعززت هذه الميول أكثر في ضوء تقاعس المجتمع الدولي وتخلي الليبراليات الغربية عن مسؤوليتها في حماية السوريين، ومساعدتهم على تأسيس بنى وطنية وديمقراطية للمعارضة السورية السياسية والعسكرية، مما شجع على ارتهان تلك الفصائل بسهولة أكثر إلى مصادر التمويل الخليجية، كما أدت سياسة الإدارة الأمريكية والغرب لتجفيف منابع دعم الجيش الحر وتسليحه، إلى هروب الكثير من مقاتليه وأحيانا فصائل كاملة باتجاه المنظمات الأكثر تطرفا وأسلمة كالنصرة وداعش اللتين تمتلكان مصادر تمويل وتسليح مستقرة.

غياب أي رؤية للاستراتيجية العسكرية عند فصائل الجيش الحر، بالتوازي مع غياب أي رؤية وطنية لديها، ساهم بانزلاق أغلبها في اتجاه الأسلمة والتطرف، مما أبعد كل الحلفاء المحتملين لثورة الشعب السوري، ونجح النظام ومعه روسيا بجر العالم كله، إلى فخ محاربة الإرهاب، التي غيرت بالضرورة من طبيعة الصراع كثورة شعب ضد الديكتاتورية، إلى حرب أهلية بين النظام وقوى الإرهاب، المصنفة الأخطر على العالم أجمع، بعدما ضربت في باريس وبروكسل وبرلين وفي باقي عواصم العالم.

غياب الرؤية الاستراتيجية لتلك الفصائل، شجعها أيضا على خيار تحرير البلدات والمدن عسكريا، إن لم يكن النظام قد استجرها لذلك، وأصبحنا نسمع عن مناطق محررة، لكنّ هذه الفصائل التي قادت عملية التحرير، عجزت عن تقديم بديل ديمقراطي لإدارة شؤون السكان، الذين ارتهنوا لعسف المحاكم الشرعية، وبطش وجور أمراء الحرب، مما ساهم بتدمير الحاضنة الشعبية للثورة، بالتوازي مع تحويل هذه المناطق المحررة إلى أهداف لقصف النظام وحلفائه، وتدمير هذه القرى والمدن وتهجير سكانها المدنيين، دون الاهتمام بالخيار التاريخي لحرب التحرير الشعبية، التي تضرب وتختفي كي لا يتم ضربها في ظل توازن قوى لا يمكن أن يكون في صالحها.

وقد اعترف جيش الإسلام قبل نحو عام من هذا التاريخ بخطأ احتلال المدن، لكنه لم يسع إلى تجاوز أخطائه قبل معركة الغوطة الأخيرة، التي دفعت ثمنها كل الفصائل المقاتلة، ويبقى الثمن الأكبر ما تكبده المدنيون في هذه المناطق، قتلا وتدميرا وتهجيرا.

لم يكن وضع “وحدات حماية الشعب P.Y.D” التي تنفرد بعقيدة أيديولوجية وقتالية غير إسلامية، إلا نسخة رديئة من الفصائلية التي افتقدت المشروع الوطني والرؤية الاستراتيجية، فالفصائلية لا يمكن أن تحمل مشروعاً وطنياً، وهذا المشروع لن تنتجه الأجهزة التركية مهما رفعت يافطة الوطنية، وسيبقى كرد سورية جزءاً من النسيج الوطني السوري، شاءت تركيا أم أبت، فالمشروع الوطني السوري هو الذي يمثل كل السوريين ويعبر عن طموحاتهم، باتجاه رؤية لمستقبل سورية تقوم على أساس دولة المواطنة والديمقراطية المتساوية.

وحركة التاريخ لن تعود 1400 سنة إلى الخلف، مهما ارتكست اليوم أو غداً.