بواسطة عامر فياض | ديسمبر 4, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد تحول الثورة السورية إلى حربٍ دمّرت البلاد وقتلت مئات الآلاف، غادر جزءٌ كبير من السوريين المنتمين للثورة البلاد، طلباً للنجاة وبحثاً عن حياة جديدة، فيما آثر جزء آخر البقاء لاعتبارات عديدة. وطوال سنوات الحرب أثارت العلاقة بين جزء كبير من سوريي الداخل والخارج جدلاً كبيراً، كان يتفاقم في كل حدثٍ أو مناسبة، ليتم تبادل الاتهامات وتوزيع أدوار الوطنية. اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد، وعودة كثير من السوريين المحسوبين على الثورة إلى البلاد، خلال الأشهر الماضية، عاد الجدل مجدداً، رغم فرحة معظم سوريي الداخل بعودتهم.
سياحة ثورية
يرى جزء من السوريين الذين لم يغادروا البلاد طوال سنوات الحرب، أن معظم من عادوا، بعد سقوط النظام البائد، أتوا كزائرين يدفعهم الحنين والاشتياق، وليسوا كأبناء وطنٍ، يرغبون في المساهمة في بناء سوريا التي حلموا بها ورفعوا لأجلها شعارات الثورة في عام 2011. كما أصيب جزء آخر بخيبة أمل بعد عودة بعض المعارضين البارزين في الثورة، إذ اكتفوا بزياراتٍ استعراضية لأبرز معالم العاصمة، كانت أقرب إلى “السياحة الثورية”، وكان هدفها الظهور الإعلامي والتقاط الصور، فيما اقتصرت معظم نشاطاتهم على الجلوس في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين العائدين، كمقهى الروضة. وبدل أن يحاولوا الاقتراب من الحياة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري ليروا جزءًا من معاناته ويحاولوا أن يشاركوه ببعضها، كانوا يعيشون حياةً مترفة لا تشبه حياة أغلب السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ أقام الكثير منهم في الفنادق أو البيوت الفاخرة ضمن الأحياء الراقية.
“كانت سعادتي لا توصف بعودة صديقي الذي لم أره منذ نحو عشر سنوات، كنت مستعداً لاستقباله في بيتي، خلال زيارته لدمشق، لنستعيد التفاصيل والذكريات التي جمعتنا في السابق، لكنني فوجئتُ بأنه قد حجز في أحد الفنادق ليقيم فيها طوال فترة زيارته، وعند لقائي به شعرت أنني أمام شخصٍ آخر، لا يشعر بشيءٍ من معاناتنا وأوجاعنا”. هكذا يصف الفنان التشكيلي طارق (46 عام) لقاءه بصديقه العائد من أوروبا، مضيفاً: “ورغم أنني كنت عاطلاً عن العمل، نتيجة الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد، وبالكاد أجد ثمن علبة سجائر، لم يُبد صديقي أي تضامن أو تعاطف معي، على الرغم من أن المبلغ الذي أنفقه في إحدى سهرات البار كان يكفيني ثمن طعامٍ لأسبوع، والمبلغ الذي كان يدفعه كإيجار يومي لغرفتة في الفندق يعادل إيجار بيتي المتواضع لشهر. كل ذلك جعلني أشعر بشرخٍ كبير في علاقتي معه، وبالمقابل مازالت علاقتي بأصدقائي، الذين لم يغادروا سوريا طوال الحرب، تزداد عمقاً، إذ كنا وما نزال سنداً لبعضنا، نحفّز بعضنا على التطور والإنجاز، ونتقاسم الفرح والحزن وما في جيوبنا من نقود”.
ذاكرة جديدة وانتماء جديد
طوال سنوات الحرب، كان معظم المنتمين للثورة من الذين لم يغادروا البلاد، لا يخرجون من محافظاتهم أو حتى مدنهم وقراهم إلا فيما ندر، بقوا محاصرين بذكريات الثورة، يستذكرون تفاصيلها الجميلة فيما بينهم، وبقيت أحلام بعضهم تتعلق بواقع البلاد وسقوط نظام الأسد وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي، وبالمقابل كثير ممن غادروا البلاد أصبح لديهم حياة جديدة وأحلام مختلفة وبعيدة عن الواقع السوري، بل تعودوا على نمط مختلف من العلاقات الاجتماعية، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي، وتحول بعضهم إلى شخصيات غريبة، لا تشعر بأي حنينٍ إلى البلاد وما فيها، ولا تُشبه ما كانت عليه خلال الثورة.
تحدثنا المدرّسة رشا (45 عام) عن لقائها بعددٍ من أصدقائها الذين عادوا إلى سوريا، بعد غيابهم عنها لسنوات: “بعد عودتهم تفاجأت (أنا وأصدقائي الذين لم يغادروا البلاد) بهم وتفاجؤوا بنا. كنا ننتظر منهم الكثير ونطالبهم بأن يكونوا مثلنا، لكننا اكتشفنا أنهم تغيّروا بشكلٍ جذري، أصبح لديهم حياة بعيدة عن نمط حياتنا. ببساطة هم لم يعيشوا خوفنا وظروفنا المعيشية الصعبة، إذ كنا طوال السنوات الماضية نضيّع أيامنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش، ونقاوم الموت بشتى السبل ونبذل كل طاقتنا لنتكيَّف ونتأقلم مع ظروف الحرب ونحافظ على شيءٍ من توازننا العقلي والنفسي”. وتضيف: “كنا فقط ننتظر منهم شيئاً من العزاء والمواساة، وأن يلاقونا بلهفةٍ واشتياق أو على الأقل بنوعٍ من الحنين إلى ماضينا المشترك، لكننا، وللأسف، اكتشفنا أننا وحدنا من يحتفظ بذكريات الماضي، الذي تجاوزوه وصنعوا بدلاً عنه ذاكرة جديدة، فباتوا ينظرون إلى ذكرياتنا المشتركة كنوع من الفلكلور، بل بات ذكر ذلك الماضي بالنسبة لهم غير مُحبّبٍ، ربما لأنه يُشكل لهم عبئاً وحساسية تتعلق بخروجهم من البلاد”.
من جهته يرى الموظف والناشط السياسي عمار (40 عام) أن جزءًا كبيراً ممن عادوا إلى سوريا قد تغير انتماؤهم الوطني وأصبح لديهم بطاقات أمان، كونهم يحملون جنسياتٍ أخرى أو إقاماتٍ تخوّلهم العودة إلى بلدانهم البديلة متى شاؤوا، لذا “تجدهم يتحدثون من برجهم العاجي وبكثيرٍ من المثالية والطوباوية، ولديهم الكثير من الوقت لكي ينظرّوا ويتثاقفوا، ويقدموا لنا الاقتراحات حول آليات بناء الأوطان وتطوير الإنسان، دون أن ينظروا عن قرب إلى الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني الحقيقي للبلاد الممزّقة، والتي بإمكانهم مغادرتها بمجرد نفاذ ما يملكونه من أموال، بينما نحن لا نملك أي خيارٍ للخروج منها في حال اخترنا ذلك، وليس لدينا أي انتماءٍ إلا إليها” بحسب عمار الذي يضيف: “بعض أصدقائي الذين عادوا كانوا يتذمرون من كل شيء يرونه، يتذمرون من الازدحام في الشوارع وتراكم القمامة حول الحاويات، ومن انقطاع الكهرباء والماء، وفوق ذلك كانوا ينظرون إلينا بفوقيةٍ وتعالٍ، ويتحدثون طوال الوقت عن الفوارق بين بلادنا وبلدان إقامتهم في أوروبا وغيرها، ويذكروننا بأننا نعيش في بلادٍ متخلّفة ومُعدمة، بعيدة عن التطور ولا تصلح للحياة البشرية، وكأنهم بذلك يبررون قرار خروجهم منها ويرون فيه انتصاراً، ويتهموننا، نحن الذين آثرنا البقاء لأسباب وطنية، بالغباء لأننا لم نغادر البلاد”.
تصدر المشهد السياسي وتولي المناصب
يرى جزء كبير من المعارضين والمنتمين للثورة، ممن لم يغادروا البلاد، أنهم، ورغم ما عانوه من خطر الموت والاعتقال، ورغم الثمن الكبير الذي دفعوه نتيجة بقائهم، لم يُنصفوا كما يجب بعد سقوط النظام البائد، بل تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي والثقافي، وهو ما يؤكده الناشط المدني تمّام (44عام) حيث يقول: “معظم الذين عادوا بعد السقوط تصدروا المشهد الثقافي والسياسي، فور عودتهم، وكأنهم فاتحون، أقاموا في العاصمة ليبقوا على مقربة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وعلى تماس مباشر مع وسائل الإعلام، وراحوا يعقدون الندوات والاجتماعات لكي يسرقوا الأضواء، بينما كان بعضنا عاجزًا عن تدبير تكاليف المواصلات لكي يذهب إلى الفعاليات والمحاضرات، بل كنا أحياناً نستدين النقود لكي نؤمن ثمن المواصلات”. ويضيف” جزء كبير من معارضة الفنادق الذين أساؤوا لأهداف الثورة ونهبوا الكثير من الأموال باسمها، عادوا كالأبطال لينظّروا على الشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب في أسوأ شروط الحياة، ويقدموا له محاضرات عن المواطنة والعدالة، وليثبتوا وجودهم على الأرض ويحصلوا على المناصب السياسية والثقافية”.
وحول تولي المناصب والحصول على فرص العمل يقول : “جزء كبير من المعارضين البارزين ارتموا بأحضان السلطة فور عودتهم وراحوا يتملقونها، ليحصلوا على المناصب، ناسين أنهم كانوا ثواراً ومعارضين للسلطة السابقة. وإلى جانب ذلك، ثمة جزء ممن استغلوا الثورة لسنوات، وعاشوا على مكتسباتها، وعملوا مع المنظمات المشبوهة، حتى صار هدف بعضهم هو الحصول على التمويل فقط، عادوا بعد السقوط ليقتنصوا فرص العمل مع وسائل الإعلام والمنظمات الممولة أو قاموا بالحصول على تمويلات من مصادر مختلفة لإقامة بعض الورشات الشكلية، حول المواطنة والعمل المدني، وتنظيم بعض الفعاليات الاحتفالية، ليحققوا بذلك مزيداً من الدخل دون أي جهدٍ فاعل يذكر، بينما نحن الذين عملنا طوال الحرب كمتطوعين في الإغاثة والعمل الإنساني، مازلنا نعيش في ظروف معيشية واقتصادية متردية”.
على الرغم من الآراء السابقة لا يمكننا أن ننسى بأن جزءاَ كبيراً ممن خرجوا من سوريا خلال الحرب أُجبروا على ذلك نتيجة معارضتهم الشرسة للنظام، ونتيجة تدمير بيوتهم وموت أقاربهم، وتعرضهم للتهديد المباشر بالقتل، وخشيتهم من الاعتقال، كما أنهم دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة خروجهم، فعاشوا لسنوات في المنافي وحُرِموا من رؤية أحبتهم وعائلاتهم ومن إمكانية زيارة بلادهم، بل حرموا حتى من وداع من فارق الحياة من أحبتهم، كما حُرم جزء كبير منهم من حقوقهم المدنية وتمت مصادرة أملاكهم من قبل النظام البائد، لذا يشعر بعض هؤلاء بأنهم الثوار الحقيقيون وأصحاب الانتصار الحقيقي، ولهم الأحقية بتصدر المشهد السياسي والثقافي وتولي المناصب والحصول على فرص العمل.
بواسطة عمر الشيخ | ديسمبر 2, 2025 | Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: “من وين حضرتك؟” فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها الولاء فكرةً عسكريةً تُلقَّن، والذاكرة نشرةَ أخبارٍ واحدة، والقانونُ هيكلاً يقف على ساق الأمن. كلّ تفصيل صغير في الحياة اليومية كان يضيف شرخاً جديداً في المرآة، حتى صرنا نرى أنفسنا شظايا أكثر من كوننا شعباً واحداً.
في الصفوف الأولى من المدرسة، كانت الدولة تقول للطفل أنت “رفيق طليعي، ابن الحزب القائد”. كان الكتاب يعرّف الوطن من خلال اسم الرئيس، ويقدّم صورة القائد على أنها أعلى من الجغرافيا والتاريخ معاً. في ساحة المدرسة، يُرفَع العلم، لكن العيون معلّقة بصورةٍ على الجدار. ينسى التلميذ اسم الدرس، ولا ينسى الشعار المحفوظ: “قائدنا إلى الأبد…”؛ ينسى التاريخ الدقيق للثورة السورية الكبرى، ولا ينسى تاريخ ميلاد الرئيس أو تاريخ “حركته التصحيحية” أو ميلاد حزبه الحاكم!
في هذا الجو، يستبدل الطفلُ، من دون أن يدري، معنى الانتماء: لا يعود الوطن مكاناً يسكنه الناس، بل شخصاً يُخشى الخروج من صفّه. عند النقطة التي يُستبدَل فيها السؤالُ بالنشيد، يتكسّر أوّل ضلعٍ في معنى المواطنة.
بعد سنوات، حين يكبر ذلك الطفل ويقف في طابور خدمة العلم، يكتشف أن مؤسسته العسكرية ليست بوتقةً جامعة كما قيل له، بل ذراع حكمٍ تتحرك بمنطق الثقة السياسية والولاء. الشاب القادم من قريةٍ مهمّشة في الشرق يلاحظ سريعاً أن زميله “المضمون” يترقّى أسرع، وأن الأوامر التي تُقال بصوتٍ عالٍ في قاعة التدريب لا تُكتب دائماً في اللوائح، بل تُهمَس في غرفٍ جانبية. هكذا ينتقل الشاب من الإيمان بأن الجيش يحمي الوطن إلى شعورٍ غامض بأن الجيش يحمي نظاماً-عصابة، وأن مكانه في هذه المعادلة يتحدد بحسب أصله و”ضمانته” لا بحسب كفاءته.
في اللحظة التي يشعر فيها أن أقوى مؤسسات الدولة منحازةٌ لا محايدة، تتصدّع الرابطة الوطنية من جديد؛ يغدو الانتماء إلى الوحدة العسكرية أو الفرع الأمني أقوى من الانتماء إلى الراية العامة، ويصير الحديث عن السيادة كلاماً مهدّداً، لأن السلاح لم يعد على مسافةٍ واحدة من الجميع.
في الخلفية، تُعاد كتابة ذاكرة البلد على نارٍ هادئة. كتاب التاريخ، نشرة الأخبار، الخطب الرسمية، كلها تروي الحكاية ذاتها؛ منتصرٌ واحدٌ لا يُهزم، عدوٌّ واحدٌ يتربّص بنا، وشعبٌ واحدٌ سعيد بقيادته. حدثٌ مثل مجزرةٍ في مدينةٍ صغيرة يُمحى من الكتب، فيما تُضخَّم معركةٌ في خارج الحدود لتصير علامةً على العبقرية التاريخية للحاكم.
في بيتٍ ما، يجلس أبٌ علويٌّ يروي لابنه خوفه القديم من أن تتحوّل أي هفوة سياسية إلى تهديد وجودي للطائفة. في بيتٍ آخر، في مدينةٍ سنّية كبيرة، تروي أمٌّ لابنتها عن أخيها الذي اعتقل في الثمانينيات ولم يعد. في قريةٍ كردية في الشمال الشرقي، يحكي جدٌّ عن لغةٍ مُنعَت من المدرسة وعلمٍ لم يُسمح له أن يُرفع. كل بيتٍ يكتب تاريخاً موازياً، لا يجد مكاناً له في الكتاب الرسمي.
لا تعترف الدولة بهذه الذاكرات المتوازية، ولا تسمح لها بالالتقاء. تترك الجروح مكشوفة بلا عدالة انتقالية ولا اعترافٍ متبادل. وهكذا يتحوّل البلد إلى أرشيف من الحكايات السرّية؛ أجيال تسلّم أجيالاً وصايا مكتوبة بالحذر والمرارة.
أمام نافذة الموظف، يأخذ التشقّق شكلاً آخر. المواطن الذي يحمل أوراقه كاملة، ويقف في الطابور منذ ساعات، يكتشف أن ملفه لا يتحرك إلا حين “يتعرّف” على شخصٍ يعرف شخصاً. القانون موجود، لكنه لا يعمل إلا حين يُرفَق بورقة توصية، أو مكالمة من مسؤول، أو مبلغٍ يغيّر اتجاه التوقيع.
كل معاملةٍ لا تُنجَز إلا بوساطة هي درس إضافي في معنى الهوية؛ أنت لست مواطناً متساوياً أمام القانون، بل زبون في “كشك دولة”؛ تُعرَّف بحسب قربك من الشبكة لا بحسب حقوقك. تتحوّل الهوية الوطنية من بطاقةِ مواطنةٍ إلى بطاقةِ تعريفٍ إلى مكتب المتنفّذ: “فلان ابن فلان، من طرف فلان”.
في الاقتصاد، تتخذ الهشاشة شكلاً أكثر قسوة. في الثمانينيات، يحفظ دفتر التموين حياة عائلاتٍ كثيرة لكنه يشدّ الحبل حول عنق الولاء؛ الخبز والزيت والسكر مشروطةٌ ببقاء “الوضع مستقرّاً”. في الألفية، يتحوّل الشعار إلى “اقتصاد سوق اجتماعي”، لكن المعنى الحقيقي يُكتَب في مكانٍ آخر؛ خصخصة انتقائية لصالح دائرة ضيقة من رجال الأعمال المتصلين بالعائلة الحاكمة.
شابٌّ من ريف حلب يهاجر إلى المدينة بحثاً عن عمل، فيجد المصانع الصغيرة تغلق أبوابها، فيما تتضخّم مشاريع كبرى في يد قلّة. مزارع في الحسكة يرى القطن والقمح يتأرجحان بين سياسات شراءٍ مجحفة وجفافٍ لا يلقى استجابة. في الأحياء الفقيرة حول المدن الكبرى، تنمو أحياءٌ عشوائية تحمل شوارعها أسماء أملٍ لا يتحقّق؛ “شارع الوحدة”، “حارة الإخلاص”، لكن الواقع فيها يقول شيئاً آخر.
تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عادةً أعصاب أي هوية وطنية. يصبح الشعور العام أن الدولة ليست بيتاً مشتركاً، بل شركة مغلقة تبيع الخدمات لمن تريده شريكاً وتترك الآخرين على الباب.
ثم تأتي الحرب لتستخدم كل هذه الشقوق القديمة كوقودٍ جديد. ما إن تهتف حناجر في درعا وحمص ودوما “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، حتى تُستخرج من الأدراج أقدم الأسلحة؛ التطييف، التخوين، تخويف الأقليات، واستدعاء أشباح الماضي. يُطلق سراح متشددين من السجون، وتُترك لهم الساحة كي يلوّثوا مشهداً كان يمكن أن يبقى مدنياً سياسياً.
في حيٍّ مختلط، يسقط أول قتيلٍ في حادثةٍ غامضة: رصاصةٌ في جنازة، شتيمةٌ مكتوبة على جدار مسجد، اعتداءٌ على موكبٍ ديني. تتكاثر الإشاعات أسرع من الحقائق، ويصبح الجارُ “تفصيلاً طائفياً” لا شخصاً من لحمٍ ودم.
مع الوقت، تتكاثر البنادق خارج الجيش. تُنشأ ميليشيات محلية، لجان شعبية، فصائل ثورية، تشكيلات عقائدية، مجموعات مدعومة من الخارج. لكل بلدةٍ علم، لكل طائفة علم، ولكل شارع رايةٌ صغيرة. على الحواجز، لا يُسأل السوري فقط عن هويته الشخصية، بل عن لهجته و”منطقه” ومظهره. ومع دخول الفاعلين الإقليميين والدوليين، تتعلّق مناطق كاملة بضامنٍ خارجي؛ هنا منطقة “تحت حماية” دولةٍ إقليمية، وهناك أخرى تحت جناح تحالفٍ آخر. خريطة الولاءات تتحوّل إلى فسيفساء نفوذ، لا دولةً واحدة.
في قلب هذا الخراب، يولد اقتصاد ظلّ؛ حصارٌ يغذّي التهريب، معابرُ تُنبت “أمراء حرب”، وإتاواتٌ تُدفع على كل شاحنةٍ وكل كيس طحين. يكتشف الناس أن الأمان والخبز والدواء صاروا يُشترون لا من الدولة، بل من حامل السلاح الأقرب. حتى صناعة المخدّر، التي تُنسب في سردياتٍ كثيرة إلى دوائر داخل السلطة، تغدو علامةً على موت العقد الاجتماعي؛ الولاء لم يعد إحساساً بالانتماء، بل صفقةً يومية تُبرَم مع من يملك القدرة على الأذى.
عند عتبة عام 2024، يتبيّن كل ذلك دفعةً واحدة. نصف الشعب بين لجوءٍ ونزوح، اقتصادٌ يزفر، مؤسساتٌ تحوّلت إلى أصداف فارغة. وحين تسقط قبضة الحكم في 8 كانون الأول/ديسمبر، لا يجد النظام من يموت لأجل بقائه. لا تندلع معارك شرسة دفاعاً عن “القائد”، بل تنفتح مخازن الذاكرة.
في دمشق، تُرفَع راية الاستقلال التي حُوصرت لعقودٍ في صورٍ قديمة. في الشرق، ترفرف الألوان الكردية في ساحات لم تكن تُرى فيها من قبل. في الجنوب، تحضر رموزٌ درزية، وفي الساحل، تظهر تشكيلات مسلحة تتقوقع في القرى بحثًا عن “ضمانة”. لا يولد “كيان علوي” بالمعنى الكامل، لكنه يُطرَح علناً بوصفه احتمالاً؛ مجرّد تداول الفكرة على هذا النحو يكفي لنعرف إلى أي حدّ تهتّك المشترك، وإلى أي حدّ صار الحديث عن التقسيم أقلّ فظاعةً من استمرار الوضع السابق.
تأتي المرحلة الانتقالية بعناوين جديدة؛ إعلانٌ دستوري، حكومةٌ مؤقتة، وعودٌ باللا مركزية، لجان حوار، مؤتمرات مصالحة. لكن الأرض التي تسير عليها هذه العناوين رخوة؛ حساسيات تمثيلٍ بين مكوّناتٍ تشعر أن أحداً لم يسمعها من قبل، اشتباكات ظلّ بين فلول القديم وأمراء الحرب الجدد، ودولٌ خارجية تختبر قدرتها على تعطيل كل خطوةٍ لا تخدم مصالحها.
ومع ذلك، يحدث شيء مختلف؛ يعود مئات الآلاف من اللاجئين إلى الداخل، لا بدافع الثقة الكاملة، بل لأنهم تعبوا من حياة الانتظار. في الأحياء التي كانت مهدّمة، تُفتح مدارس مؤقتة، ويقف أستاذ تاريخ في منتصف الفصل ويسأل طلابه: “كيف تحبّون أن نروي هذه السنوات؟” للمرة الأولى، لا يقدّم الكتاب إجابةً جاهزة، بل يفتح الباب لأسئلةٍ صعبة.
السؤال اليوم لم يعد: ماذا فعل بنا الماضي؟ بل: ماذا يمكن أن نفعل بهذا الماضي كي لا يبتلع المستقبل؟ كيف نعيد بناء هويةٍ سياسيةٍ لا تُقصي الذاكرات ولا تستدعيها كسلاح؟ كيف نكتب عقداً اجتماعياً لا يحتاج المواطن فيه إلى “واسطة” ليكون مواطناً؟ كيف نسمح للمحليّة أن تزدهر: لغةً، وثقافةً، وإدارةً، من دون أن تتحوّل إلى محميّات مغلقة ترفع كلٌّ منها علمها الصغير في مواجهة علمٍ أكبر؟
ترميم الهوية هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل مشروعٌ سياسيّ ملموس. يعني قبل كل شيء إعادة بناء المؤسسات بحيث تقطع رزق الزبائنية. قضاءٌ يملك ميزانيته وأدواته، يستطيع قاضٍ فيه أن يحكم ضد جهازٍ أمني من دون أن يُنفى إلى محافظةٍ نائية. وزارة داخلية مدنية تقود شرطةً موحّدة، لا عشرات الأجهزة التي يتوه بينها المواطن. جيشٌ مهني، لا أداة حكم.
يعني أيضاً عدالة انتقالية لا تكتفي بالشعارات؛ لجان حقيقةٍ تستمع علناً إلى شهادات الضحايا، تسمي الأشياء بأسمائها، تُفرّق بين المسؤولية الفردية والجماعية، وتكتب ضمانات عدم التكرار في الدستور والمناهج والسجون. ليست العدالة هنا ثأراً، وليست عفواً شاملاً يغسل كلّ شيء؛ هي محاولةٌ لتثبيت ذاكرةٍ عادلة، لا ذاكرة منتصرة.
ويعني أخيراً لا مركزيةً رشيدة؛ بلدياتٌ تعرف شوارعها بأسمائها لا بأسماء المتنفّذين، ومحافظاتٌ تملك حصةً حقيقية من مواردها، تستطيع أن تقرر خطّة ماءٍ أو كهرباء من دون أن تنتظر توقيعاً من العاصمة على كل تفصيل. لكن هذه اللامركزية لا تُترك سائبة كي تتحول إلى “فدراليات مزاجية” السيادة، والدفاع، والعملة، والموارد السيادية تبقى في مركزٍ واضح، والرقابة المتبادلة تمنع أن تتكرر تجربة “أقاليم غنيّة” وأخرى منسيّة.
سنَعرف أننا نسير في الطريق الصحيح ليس من خلال بيانات الحكومة، بل من مشاهد صغيرة في اليوم العادي؛ يوم يقف مواطنٌ بسيط في محكمةٍ محلية ويعترض على مخالفةٍ مرورية، فيجد قاضياً يحكم له ضد شرطيٍّ متجاوز، ولا يحدث له شيء بعد ذلك. يوم يقرّر رئيس بلديةٍ أن يبدأ إصلاح شبكة الصرف الصحي في حيٍّ لم يصوّت له، لأن الحاجة هناك أكبر. يوم تبثّ نشرة أخبارٍ عامة تقريراً نقدياً عن وزارة سيادية، من دون أن يتهم المذيع بالخيانة. يوم يفتح الناس كتاب تاريخٍ جديد فيجدون فيه المأساة السورية مرويةً بوصفها مأساة وطنية مشتركة، لا “معركة انتصر فيها طرفٌ على طرف”.
في تلك اللحظات، سيشعر السوري أن القانون يعمل فعلًا في حياته اليومية؛ أن بإمكانه اللجوء إليه كمسار واضح لحماية حقه، لا كنصّ يردَّد في المناسبات. وستبدو العدالة أداةً لتنظيم المسؤوليات والحقوق بين الضحايا والمرتكبين، لا وسيلةً لزيادة نفوذ الغالب. أما اللامركزية فستُفهَم بوصفها طريقةً لتحسين الإدارة وتقريب القرار من الناس، مع الحفاظ على وحدة الكيان السياسي واحترام تعدّد المجتمع.
الانهيار السوري لم يأتِ من حادثةٍ واحدة، إنه تراكم طويل حوَّل مؤسسات الدولة إلى أدوات سيطرة، وأضعف ثقة الناس بكل ما هو “عام”. إعادة بناء الهوية الوطنية تعني، في جوهرها، تصحيح هذا الخلل؛ قانونٌ يُطبَّق على الجميع بلا استثناءات، مؤسساتٌ تعمل وفق قواعد معلنة لا وفق الاتصالات الشخصية، وذاكرةٌ جماعية تعترف بكل الضحايا وتمنع تكرار الانتهاكات.
المطلوب ليس معجزة، بل معيارٌ واضح يمكن القياس عليه؛ هل يستطيع المواطن تسجيل ابنه في المدرسة من دون توصية؟ هل يحصل على عدّاد كهرباء من دون رشوة؟ هل يُحاسَب مسؤول كبير لأن عقد اتصالاتٍ وقّعه أضرّ بالمال العام؟ عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة متاحة في الواقع اليومي لا في الأمنيات، يمكن للاسم “السوري” أن يستعيد معناه كاسم يضمّ الجميع، لا كإشارة إلى طائفة أو منطقة أو شبكة نفوذ.
نحن نعرف اليوم، من خلال التجربة، كيف تآكلت الهوية الوطنية؛ مدرسة تُقصي السؤال من الصف، قانون يُطبَّق بانتقائية، اقتصاد يوزّع المنافع على قلة، وإعلام يتجاهل ذاكرة الناس وآلامهم. وبالمقدار نفسه نعرف العناصر التي يمكن أن تساعد على ترميمها وهي: تعليمٌ يفسح مكاناً للنقد والسؤال، منظومة قانونية تعيد للحقّ اسمه، اقتصاد يربط المنفعة بالمصلحة العامة لا بالقرب من السلطة، وإعلام يقدّم حكاية هذا المجتمع بكل تناقضاته بدل أن يختزلها في رواية واحدة.
في لحظةٍ ما، إذا سارت هذه المسارات في الاتجاه الصحيح، لن يكون سؤال السوري على بوابة الدولة عن طائفته أو منطقته، بل عن موقعه كمواطن وما له من حقوق وما عليه من واجبات. عندها يقترب الشعار الذي تكرّر كثيراً حتى فقد معناه من أن يستعيد محتواه الفعلي: “سورية للجميع”.
بواسطة أوس يعقوب | نوفمبر 27, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
ينتمي كتاب “عدنان المالكي.. رسائل من السجن”، الصادر أخيراً، عن “محترف أوكسجين للنشر” في مقاطعة أونتاريو بكندا، إلى “أدب السجون السوري”، وهو الأول من سلسلة “أرشيف أوكسجين” التي أطلقها المحترف لتعنى بالذاكرة، وتناهض النسيان والتغييب والإخفاء، متّخذةً من الأرشيف منطلقاً نحو اختبار التواريخ والوقائع والذكريات، وفق إملاءات الحاضر والمستقبل، وربما جراء الحنين. بحسب الناشر.
الكتاب الذي نستعرضه هنا، صدرت طبعة أولى يتيمة منه في عام 1960، ويُعدّ بمثابة وثيقة استثنائية متّصلة برسائل كتبها العقيد السوري الشهيد عدنان المالكي (1919-1955) أثناء اعتقاله إبّان حكم الرئيس أديب الشيشكلي (1909-1964) لسورية، بعد اتّهامه بمحاولة قيادة حركة تمرّد للانقلاب على الشيشكلي الذي حكم سورية في الفترة ما بين عامي 1953 و1954.
تضيء رسائل المالكي على ملامح من هذه الشخصية المفصلية في تاريخ سورية المعاصر، وقد كتبها العقيد الشهيد أثناء اعتقاله في “سجن المزة” العسكري اعتباراً من 6 نيسان/ابريل 1953، كما يرد في الرسالة الأولى من هذا الكتاب، بينما خلت الرسائل الأخرى من تواريخ كتابتها وقد استمرّ اعتقال صاحبها مدّة سبعة أشهر، وحين اُطلق سراحه اُحيل إلى التقاعد، وليعود إلى مهامه بعد تنحي الرئيس أديب الشيشكلي عن الحكم في 25 شباط/ فبراير 1954.
تشكّل رسائل المالكي مصدراً أولياً نادراً يسلّط الضوء على فترة حرجة من تاريخ سورية السياسي. وهي توثّق جوانب إنسانية وسياسية قلّما نجدها في السرديات الرسمية. كما تتيح للباحثين الاطّلاع على مواقف وتفاصيل من داخل تجربة الاعتقال قبل هيمنة حزب البعث. وهي على حدِّ تعبير الناشر “قطعة من التاريخ، من الحنين إلى الآمال العريضة والمترامية”.
كتب المالكي مجموعة هذه الرسائل مادّة الكتاب إلى والدته أثناء فترة اعتقاله، ساعياً في ملمح من ملامحها إلى طمأنتها عليه وعلى شقيقه رياض (شريكه في تجربة السجن) رغم تعرّض هذا الأخير لتعذيب وحشي، إذ يقول في الرسالة السادسة: “قبلاتي الوافرة لأياديك الطاهرة ولأيادي سيدي الوالد المعظم ولوجنات الأشقاء مقرونة بالإعجاب المستديم بمثاليتكم النادرة وبجرأتكم وإيمانكم مما يجعلنا دائماً أقوياء في أعمالنا وتصاريحنا مخلصين للوطن التعيس الذي هو بأشدّ الحاجة لعائلات مثلكم تغذي أبناءها الروح السامية لرفع شأنه. وأما بعد فإنني أوجه إليكم عتاباً صغيراً كما ألوم نفسي في نفس الوقت، وأعاتبكم لأنكم شغلتُم بالَكُم على الحبيب رياض بينما أكدت لكم بأنه بتمام الصحة وبأن مرحه يدهشني حيث لم أكن أعرفه مرحاً لهذه الغاية وإذا كان لم يرسل لكم كتابه فلا شك لأنه لم يكن يفكر بأنكم أصبحتم طماعين. والحق عليّ لأنني أصبحت أكتب إليكم أكثر من كتاب في الأسبوع الواحد ولذلك ضاربت على رياض. وعلى كلٍّ إنني لست نادماً على ذلك فسأتابع تحاريري كلما سنحت الفرصة مهما كثُر عددُها ولكن إياكم أن تشغلوا بالكم إذا تأخر أحدنا عن ذلك، وأقسم لك بأن رياض يتمتع بصحة جيدة جداً وأنني أسمع ضحكاته ونوادره طيلة النهار وربك حميد أن مدير السجن المعروف بغلاظته أظهر له العطف من أول يوم من دخوله السجن وهما متفاهمان تماماً وهو غير حردان وغير منرفز مطلقاً والرقابة طبيعية ولا يهمه شيء سوى خدمة الوطن وراحتكم، وأقسم لكم بأن كل شكوككم في غير محلها تماماً. لقد أعجبتني الكلمة المأثورة التي قرأتموها في جريدة “الزمان” وهي الحقيقة بعينها، وإذا كنا نضحك دائماً وغير مهتمين بالسجن فلإيماننا القوي بأن المستقبل لنا ومن زرع يحصد وإليكم هذا البيت من الشعر:
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ
- ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا
بالنظر إلى فحوى رسائل العقيد الشهيد عدنان المالكي، يمكننا القول: إنها درس في الصمود والنقاء؛ فهو يقول في واحدة منها “لا يمكننا التنازل عن مبادئنا ولو أعطونا رتب الدنيا ومال العالم كله”.
كما أنه يمكن وصف هذه الرسائل، بأنها ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا، وهي بالضرورة ستقود القرّاء إلى عالم العقيد المالكي ما بعد إطلاق سراحه.
وضع ناشر الكتاب، الكاتب والروائي السوري زياد عبد الله، مقدّمة مطولة عمل فيها على استقصاء عوالم المالكي وملابسات اغتياله حين أطلق عليه جنديٌّ سوري الرصاص بينما كان يرعى مباراة في كرة القدم في دمشق بين فريق الجيش السوري وخفر السواحل اللبناني، وكان حينها معاوناً لرئيس الأركان العامة، والمنعطف الذي شكّله هذا الاغتيال في تاريخ سورية. كذلك صاغ بالتواريخ والوقائع اعتماداً على العديد من المراجع، والمذكرات والشهادات والصور الفوتوغرافية المتّصلة بالمالكي واغتياله، ما له أن يكون سرداً شديد التوثيق تارة، وسرداً متخيلاً لوقائع حقيقية تارة أخرى، كما لو أننا حيال فيلم وثائقي عن العقيد المغدور.
صياغة مقدّمة الكتاب جاءت مختلفة عن السائد بحمولتها “سرداً متخيلاً لوقائع حقيقية”، عبر إعادة سرد اليومين الأخيرين (21–22 ابريل/ نيسان 1955) من حياة المالكي بأسلوب سردي شديد التوثيق، ولتغوص بعدئذٍ عميقاً في شخصيته ومشروعه في إبعاد الجيش السوري عن الحزبية والتبعية السياسية، ثم في تناول تبعات اغتياله، إلى أن تُختم بالبحث في أسباب اعتقال المالكي (سبب هذه الرسائل) وفق روايتَي شقيق المحامي رياض المالكي والصحافي البريطاني باتريك سيل.
يذكر المحامي رياض المالكي (شقيق العقيد وشريكه في تجربة السجن)، بخصوص ملابسات تناقل تلك الرسائل وتسريبها من “سجن المزة”، أن عدنان “كان الضابط الركن المجاز، بحكم الشعبية التي له في أوساط العسكريين، والتي استطاع الحصول عليها بسرعة في أوساط السجانين أيضاً، قد توصل إلى تنظيم شبكة للمراسلة بين معظم المعتقلين داخل السجن. وامتدّ نشاط الشبكة إلى خارج السجن حيث كانت الرسائل تأخذ طريقها إلى ذويه، ومنهم إليه وإلى أخيه”. يضيف رياض: “وقد أفاد بعض المعتقلين من هذه الوسيلة وتمكّنوا بواسطتها من إيصال الرسائل الى أسرهم، حتى ولو كانت تقطن بعيداً عن العاصمة وفي أقصى الشمال. وكان أهل الضابط وأخيه يوافونهما بأخبار البلاد وأحوالها السياسية، ويرسلون لهما أحياناً بعض المنشورات الموزعة في أوساط الجماهير وفي صفوف طلاب الجامعة، والتي يجدر بمن يودّ الإحاطة بأحوال البلد، في تلك الحقبة المظلمة القاسية، الرجوع إليها واستخلاص العبرة منها والتأمّل في تبدل المفاهيم، وتقلب بعض البشر، وحتى العقائديين منهم”.
- تفاصيل وملابسات اغتيال العقيد.. سرد متخيل
نقتطف من مقدّمة الكتاب، سرد عبد الله المتخيل عن يوم 22 نيسان 1955، الذي وقعت فيه حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، والتي ورد فيها:
- دمشق – الجمعة 22 نيسان 1955
العقيد جالس على كنبته المعتادة، يرتشف قهوته الصباحية. لا أحد في البيت، لقد مضى الجميع وكـذلك فعل أخوه المحامي ووالداه إلى “الحمّة”. يتردّد في قراءةِ الملف المرسل من سويسرا، فهو يشعر بانقباضٍ شديدٍ، ولا بدّ أن قراءته ستزيد انقباضَه. يضعُه جانباً.
كأنّ فؤادي في مخالبِ طائرٍ إذا ذُكرت ليلى يشدّ به قبضاً
يخرج عليه هذا البيت لمجنون ليلى، فيتّصل بخطيبته.
تمتدّ المكالمة بينهما زمناً طويلاً. وعَدَها بأنه سيأخذ إجازةً في بحرِ الأسبوع ويقصد صيدا، وسيرتِّبان كلّ شيء متعلّق بالزفاف.
تنتهي المكالمة ولا يفارقه الانقباض.
يستمع إلى الراديو. يقرأ الملف. يكتب ملاحظات ويتوصّل إلى إجراءاتٍ وخطواتٍ شديدة الدقة سيتبعها بدءاً من الغد.
ينصت إلى نشرةِ الأخبار، وما إن تنتهي حتى يصدح المذياع بأغنيةِ زكية حمدان. تأخذه الأغنية بعيداً، يطرب لها، تحرِّرهُ من الانقباض، ويردِّدها وهو يحلق ذقنَه ويُجهِّز نفسَه للتوجه إلى الملعبِ البلدي.
يعاوده الانقباض: “أرى سلمى بلا ذنب جفتني… وكانت أمسِ من بعضي ومنّي…” يكتفي بمطلع الأغنية. تعاوده ذكرياتٌ كثيرة، من طفولته، تعيده إلى “الشاغور” وبيت أهله القديم، “سأزوره بعد المباراة”.
يصل الملعب. يترجل من سيارته شارداً، لا يرى الجنودَ بل يسمع خبطاتِ أقدامهم وهم يؤدّون له التحية بعد أن يتجاوزهم، فيعود إليهم ويُبادِلهم التحية.
يصعد درجاتِ المنصة، تلتقي عيناه بعينَي رقيبٍ بالشرطة العسكرية من حرّاس المنصة، يجد فيهما شيئاً مقلقاً، يزيد من انقباضه لدرجة الغثيان، يقول الرقيبُ بصوتٍ مرتجفٍ مؤدّياً التحية:
– احترامي سيّدي.
يتوجه نحوه المقدّم عبد الهادي معانقاً، وما إن يخرج من بين ذراعي المقدّم حتى يعانقه العقيدُ جمال، فيسترد نفسه المرِحة، ويفارقه الانقباضُ برؤيةِ صديقيه وقد مرّ زمنٌ طويلٌ لم يرهما، يقول:
– هلا هلا بقادة اللواء السادس…
تعلو ضحكاتُ العقيد، وهو يصافح هذا ويعانق ذاك، ويتعرّف على اللواء قائدِ مصلحةِ خفر السواحل المصرية، ثم يأتي قائدُ الأركان والسفير المصري، يشكره هذا الأخير على قدومِه.
يأخذ العقيدُ مكانه في مقعدٍ يتوسّط الصف الثالث والأخير في المنصة. يُعزف النشيدان السوري والمصري، وفي تمامِ الرابعة تبدأ المباراة.
ما هي إلا دقائق وأثناء هجمةٍ لفريق خفر السواحل على الفريق السوري، وأعين الجميعِ تتابعها، يُسمع دويُّ طلقين ناريين. ينبطح جميعُ مَن في المنصة أرضاً، وحين يحاول البعضُ النهوضَ، يُدوِّي طلقٌ ثالث.
يسود صمتٌ ممض، ومن ثم يعلو الصراخ، ويُرى العقيدُ مترنحاً على مقعده، مضرّجاً بدمائه، وخلفه رقيبُ الشرطة العسكرية مضمّخاً بدم العقيد، هنيهاتٌ ويلقى الرقيب مصرعه.
هنا، ينتهي سرد عبد الله المتخيل، وفي تعليق له على هذه الحادثة يلفت الكاتب والناشر السوري، إلى أنه “تتعدّد الروايات بخصوص الرقيب في الشرطة العسكرية يونس عبد الرحيم الذي اغتال العقيد عدنان المالكي، “منها ما يقول: إنه قتل على الفور من عناصر الحماية الأخرى المتواجدة في المنصّة، ومنها ما يقول: إنه انتحر”.
- المالكي.. سيرة ضابط قُتل مرتين
في الفترة التي أعقبت سقوط النظام البائد وهروب بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تبع ذلك من حالة انفلات أمني مؤقّتة شهدتها العاصمة دمشق، تداول السوريون على منصات التواصل الاجتماعي خبر استهداف تمثال عدنان المالكي بالرصاص وتخريب متحفه القريب في حيّ المالكي وسرقة محتوياته، وقد لقي خبر إصابة التمثال بعدد من الطلقات النارية التي طاولت عينيه ووجهه، فشوّهت معالمهما، كما أحدثت ثقوباً متعدّدة في قبعته وصدره استنكاراً واسعاً من أوساط سوريّة عامة، لكنّ الجيل الشاب من أبناء سورية الجديدة راح يتساءل من هو عدنان المالكي، صاحب التمثال والمتحف؟
وُلد الضابط السوري عدنان شمس الدين المالكي عام 1919، في حيّ الشاغور بدمشق، من عائلة كبيرة تعود أصولها إلى الحجاز. والده شمس الدين كان تاجراً معروفاً وأحد ممولي الكتلة الوطنية في زمن الانتداب الفرنسي، بينما جده الأكبر، يوسف، كان مفتي المذهب المالكي بدمشق في القرن الثامن عشر. نشأ المالكي في بيئة غنية بالتراث الديني والثقافي، ما شكَل جزءاً كبيراً من شخصيته وتوجهاته المستقبلية.
عقب تخرجه من الكلية العسكرية في حمص عام 1939، برتبة مرشح ضابط، التحق المالكي بـ “جيش الشرق” الفرنسي وخدم في قطاعات مختلفة. وعُيّن مدرباً في الكلية الحربية، فأظهر قدرات تدريبية عالية ونشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه، الأمر الذي أثار قلق القادة الفرنسيين، فوضعوه تحت الرقابة الشديدة، إلا أن حماسه الوطني لم يهدأ بل زاد. كان يذكّر الجنود دوماً أن الجيش للوطن، مما أكسبه احترام وتقدير زملائه ومرؤوسيه.
في عام 1945، انشق المالكي عن “جيش الشرق” تلبية لدعوة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، أثناء العدوان الفرنسي على العاصمة السورية. حكمت عليه السلطات الفرنسية بالإعدام، لكنه ظلّ متوارياً عن الأنظار حتى صدور العفو عنه.
بعد ذلك، انضم إلى الجيش السوري عند تأسيسه في 1 آب/أغسطس 1945، وساهم في وضع الأنظمة العسكرية وتعريبها، ليكون أحد المؤسّسين الحقيقيين للجيش العربي السوري، وبدأ مسيرته نحو المجد العسكري، ليصبح واحداً من أبرز الضباط في تاريخ سورية الحديث، وأحد الأركان الأساسية في بناء المؤسّسة العسكرية السورية الحديثة.
شارك المالكي في حرب فلسطين الأولى عام 1948 كقائد لسرية مشاة، حيث أظهر شجاعة استثنائية وقيادة حكيمة، حيث قاد السرية في معركة حاسمة ضدّ العصابات الصهيونية، ونجح في احتلال تل مشرف على مستوطنة “مشمار هايردن” اليهودية على الطريق الذي يربط مدينة صفد الفلسطينية بدمشق غربي جسر بنات يعقوب. وقد جاء هذا الإنجاز رغم إصابته بجروح بليغة في رأسه، فتم نقله إلى المستشفى للعلاج، ولكن بمجرد تعافيه عاد إلى ساحة المعركة ليواصل الدفاع عن وطنه، مما أظهر مدى تصميمه وشجاعته في الميدان.
عُيّن المالكي لاحقاً قائداً للفوج الثامن، وهو فوج حديث التشكيل والتدريب، وقاد هذا الفوج في الدفاع عن الجبهة اللبنانية. كان له دور كبير في فك الحصار عن الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، حيث ساهم في توفير الدعم العسكري واللوجستي الذي كان ضرورياً لفك هذا الحصار. وبفضل قيادته الحازمة وشجاعته، تمكن الفوج الثامن من التصدّي للهجمات الصهيونية وتحقيق الانتصارات في عدّة معارك.
نال المالكي تقديراً كبيراً عن دوره البطولي في حرب فلسطين، وحصل على العديد من الأوسمة منها وسام الاستحقاق السوري ووسام الإخلاص ووسام جرحى الحرب والوسام الحربي.
كما منحه الرئيس اللبناني بشارة الخوري وسام الاستحقاق اللبناني، تقديراً لدوره في الدفاع عن الجبهة اللبنانية وتعزيز العلاقات السورية اللبنانية.
وبحسب مراقبين سوريين، فإن حادثة اغتيال العقيد السوري المغدور الشهيد عدنان المالكي، الذي كان مأمولاً له، فيما لو لم تنل منه الرصاصات التي أتته غدراً، أن يلعب دوراً محورياً في تاريخ سورية الحديث، تبقى قضية من القضايا المثيرة في تاريخ سورية، فهذه الحادثة التي مرّت ذكراها الـ 70 قبل فترة وجيزة (22 نيسان 1955) لطالما اعتُبرت مفصلية لجهة سيطرة الجيش على الحياة العامة في سورية التي كانت قد خرجت قبل عام واحد فقط من عهد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، والصراع بين القوتين السياسيتين الناهضتين آنذاك: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، حول التحكّم في الأجهزة. وقد أدّى اتّهام الأول بتهمة التخطيط وتنفيذ العملية إلى تدميره بشكل كامل واستبعاده من المشهد السوري لعقود لاحقة. فيما بدأ حكم البعث الذي جثم على صدور السوريين ومارس بحقهم أشدّ أنواع التعذيب والعنف والتنكيل والقتل حتى إسقاطه في تشرين الأول/ ديسمبر 2024.
بواسطة باسم سليمان | نوفمبر 18, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
ما إنْ تقرأ عنوان رواية/ نوفيلا: (ليلة السكاكين، لعروة المقداد والصادرة عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل لعام 2025) حتى تتداعى لذاكرتك: “ليلة السكاكين الطويلة” في ألمانيا الثلاثينيات التي أمر فيها هتلر بتنفيذ مجموعة من الاغتيالات بحقّ خصومه من الحزب النازي. حقيقة، ليس من رابط فعلي، حتى لو لويت أعنّة المعاني، بين ليلة السكاكين الطويلة وليلة السكاكين لعروة المقداد، لكن هناك نيات وأفعالًا نازية تواطأ عليها أهل القرية، فمن هنا جاء الشبه. لقد اتفق كبيرهم ابن فهد مع السلطة في العاصمة، وكل فرقاء الحرب على تصفية ابن سلامة؛ فأوكلوا لعصابة بنات آوى اغتيال (ابن سلامة) بأشنع الطرق كي تتطهّر القرية والبلاد من ذكراه، ويتوقّف وجوده عن فضح خيانتهم للثورة وارتهانهم لمصالحهم.
من هو ابن سلامة؟ هو يتيم ربّته أمّه برموش عينيها، لكن من أين جاءه اللقب؟ لقد رفضت أمّه التقاليد والأعراف، وخرجت عن قيودها، فنذرت نفسها لتربية ابنها، رافضة طالبي الزواج ومشتهيها من الذكور بالحرام، مغلقة سمعها عمّا وصفتها النساء به من نعوت مقذعة، فتارة يقلن عن ابنها، ابن فلان، وتارة ابن علتان. وللحقيقة لم يكن إلّا ابن أبيه الذي مات مبكرًا، وانتقامًا من أمّه، أنكر أهل القرية نسبه لأبيه وكنّوه بأمّه، استحقارًا، لأنّها تمرّدت على تقاليدهم البالية! لقد كانت طهارة سلامة وأخلاق ابنها تقضّ مضجع أهل القرية، وعندما عصفت الحرب بالقرية وما جاورها في البلاد، تصدّى ابن سلامة لعصابات الأمن وأنقذ فتاة من محاولة اغتصابها، فقاتلهم من منزل إلى منزل، ومن المسافة البعيدة والقريبة والمسافة صفر.
ودارت رحى الحرب والهدنات ونسيت بطولات ابن سلامة، بل اختلط ذكراه بمن اتهمه، بأنّه كان أحد أسياد هذه الحرب، أو أنّه أحد الثوار الذين انتفضوا بوجه الظلم، أو أنّه مجرد مرتزق محظوظ لتنسب إليه تلك الصفات الثورية. لقد مضت خمس عشرة سنة عندما عاد ابن سلامة، والبلاد هي البلاد، لم ينتهِ القتل والخطف والتهجير، لكن بعد عودته أفزع أصحاب السلطة والتاريخ الكاذب وأقلق الأساطير والخرافات التي تعتاش عليها هذه القرية، لذلك قرّر بعضهم قتله، فيما صمت الآخرون.
ولأنّ الحكاية يجب أن تُحكى، فهناك دومًا شاهدٌ؛ وشاهدنا في هذه الرواية؛ هو الراوي الذي لا يتذكّر من ابن سلامة إلّا لحظة دخوله إلى بيتهم وهو يناور ويتخفّى عن عناصر الأمن، فيعطي قطعة من الحلوى للطفل الخائف، الذي سيصبح الراوي فيما بعد، وكان في الثامنة من عمره آنذاك. كبر الراوي في زمن الحرب وأصبح مدرسًا في قريته وفي لحظة برزخية، رأى ابن سلامة/ الأسطورة/ الواقع/ الوهم، عائدًا إلى بيته، فخرج إلى دروب القرية وشوارعها يصرخ: عاد ابن سلامة، عاد ابن سلامة!
لقد قتل ابن سلامة بأشنع الطرق؛ ولكي نفهم لماذا قُتل رمز الطهارة والثورة، رجع الراوي القهقرى إلى بدايات تشكّل قريته التي أقيمت على سهل، تراكمت مدنه فوق بعضها البعض، من رومانية ومسيحية وإسلامية. هذه القرية كانت منقسمة طبقيًا بين الذوات والعوام، يتولى حكمها ربيب سلطة العاصمة، وحدث أن سيطرعليها أحد الزعران الذين تنافسوا على حكمها منذ نشأت، وهذا الأزعر يُدعى فهد، حيث استطاع أن يلعب بالبيضة والحجر، ويثبت على سدّة المخترة، بعد أن سلبها بالمكر والعنف والدهاء، فأصبح من الذوات وترك طبقة العامة المحتقرين خلفه، وعندما حان الزمن ليورث ابنه، لا أملاكه فقط، بل سلطته أنفذه إلى العاصمة ليستمع للأستاذ؛ ذلك الرجل الغامض الذي لا يدين إلّا بدين السلطة، فعلّمه كيف يكون ثوريًا ورجعيًا، حسب ما تقتضي الظروف وتبدّل المصالح والولاءات. رجع ابن فهد سيدًا على القرية وعندما قامت الثورة أو الحرب الأهلية، فكلٌّ يطلق عليها التسمية التي تتوافق مع ميوله! لعب ابن فهد لعبة أبيه بالبيضة والحجر، فيدٌ مع السلطة، ويدٌ مع المجرمين، ويد ثالثة مع رجال الدين، يرضي هذا، وينتقم من ذاك ويقتل هذا وذاك. لقد كان ابن فهد يتمنّى في دخيلته أن يكون له تاريخ ابن سلامة، لكن من أين له ذلك! فلا أفعاله ولا أخلاقه، ولا نواياه، تتفق أن يكون له ذلك التاريخ، وإذا كان مايرغب به من المحال، فليصنع تاريخًا من الأكاذيب، ولا يكون ذلك إلّا في قتل ابن سلامة، لتنتهي المقارنة وتخلص له زوجته ساجدة.
الحبّ القاتل:
أغلق الأمن الطرق المؤدية إلى القرية بالاتفاق مع ابن فهد، وتقرّر أن تُرتكب المجازر في القرية، لتكن عبرة لمن تجرأ على مواجهة السلطة. كان ابن سلامة عائدًا من عمله عندما مُنع من الدخول إلى القرية، لكنّه ابن هذه الأرض وهو أدرى بشعابها، فتسلّل إلى داخلها، وهناك رأى عناصرًا من الأمن يستعدون لإعدام مجموعة من الشباب، فهجم عليهم وقتلهم وأنقذ فتاة من الاغتصاب. تقع الفتاة في حبّ ابن سلامة، لكنّها تنتهي كزوجة لابن فهد، تحقد على كلّ حبّ ودقّة قلب. وعندما عاد ابن سلامة إلى بيته تسلّلت إليه، لكنّه خيّب عواطفها وشهواتها، ورغبتها أن تتسلّط عليه، فأصرت أن يقتله زوجها. هكذا توافقت المصالح بين بنت العائلة الدينية وابن عائلة المال على قتل ابن سلامه، ووافقهم في ذلك المخبرون ورجال الدين وعصابة ابن آوى التي تعمل في بيع المخدرات، وكأنّ ابن سلامة عدوهم الوحيد، مع أنّ هؤلاء هم من ارتكب القتل باسم السلطة، وهم من سهل الانتقام أهل القرية باسم الدين وهم من أفقر البلاد. ومع ذلك خضع لهم أهل القرية، ووافقوهم عندما قرّروا قتل ابن سلامة الذي تحدّى أصنامهم وكسرها، وكأنّ هذه القرية لا تعرف معنى الحياة، إلّا بالعبادة لشخص الحاكم كائنًا من يكن.
عاد ابن سلامة بعد خمس عشرة سنة! لا أحد يعرف لماذا عاد؟ فمنهم من خمّن، بأنّه رجِع ليشعل ثورة بوجه السلطة القديمة الجديدة! ومنهم من فهم، بأنّه عاد للانتقام! ومنهم من… ! لكن ابن سلامة لم ينبس ببنت شفة، فهل عاد ليموت بعدما رأى الثورة تأكل أولادها وتنتج ديكتاتورًا آخر؟ أم أنّه عاد ليموت في مسقط رأسه بشكل طبيعي أو يُقتل على يد من دافع عنهم من أهل القرية، من المخبِر، إلى رجل الدين، إلى والد الراوي الرعديد، وجدّة الراوي الثائرة التي علّمت الراوي سرد الخرافات والأساطير؟ فهكذا قرية لا يمكن أن يكتبها علم التاريخ، لأنّها خارجة عن منهجه وأحكامه؛ خاضعة للعنات قديمة وأرواح هائمة وآمال كالأشباح، فلا تكتب إلّا بالأساطير والخرافات، فهل عاد ابن سلامة ليدفع الراوي/ المدرِس ليسرد قصته، كي تكتمل الحكايا وتخبأ في صدور الأجيال القادمة كأساطير وخرافات؟
الرمز والإشارة والإيماء:
لا تحدّد الرواية أرضًا، ولا شعبًا، ولا حاكما معينًا، مع أنّه من خلال الإشارة والإيحاء من الممكن إسقاط رموز وأحداث الرواية على سورية بكل بساطة، بما أنّ كاتبها سوري. وفي الوقت نفسه لا يحدّد زمنًا، فمن الممكن أن تكون في هذا العصر أو الأسبق منه، أو اللاحق له، لكن المدّة التي حدّدها الراوي في بداية الرواية لعودة ابن سلامة إلى قريته بعد خمس عشرة سنة من يوم أصبح ثائرًا، تشير إلى سنوات الحرب السورية ما قبل السقوط وما بعده. لم يكن ابن سلامة عندما قام بثورته منتميًا سياسيًا ولا دينيًا، فكل ما أراده إنقاذ أهل قريته وتلك الفتاة ساجدة التي صاقب وجودها في القرية في ضيافة صديقة لها، مع أنّ ساجدة من عوائل الذوات الدينية التي تتقاسم مع عوائل المال والسياسة السلطة في هذه البلاد، وكأنّ ثورة ابن سلامة تقول، لا يعنيني إلّا الإنسان، مهما كان منبته أو منشأه أو ميوله! ألم تكن هذه شعارات الحراك السوري في أوائل خطواته ومن بعدها انحرف يمينًا ويسارًا. إنّ تطور شخصية ساجدة من فتاة تنتسب إلى عائلة دينية، إلى عاشقة مجنونة لابن سلامة، إلى زوجة براغماتية لابن فهد، يعدّ من أفضل الأمثلة على الانحرافات التي أصيبت بها الثورة، لقد فجّر انقاذ ابن سلامة لها ثورة الحبّ/ الحرية فيها، وعندما لم تحصد من هواماتها العاطفية إلّا السراب تحوّلت إلى وحشٍ لا يعيش إلّا على القسوة. كذلك أهل قريته والثوار ورجال السلطة والمال والدين كلّ منهم ذهب وراء مصالحه الخاصة، وكأنّهم لم يهتفوا يومًا للحرية والعدالة والمساواة. وعندما أيقظتهم عودة ابن سلامة إلى القرية من انتصاراتهم المزيفة أرادوا قتله، فكأنّ لكلّ منهم ثأره الخاص معه، حتى هؤلاء الذين لم يعايشوا بداية الثورة أو الحرب، فلقد رأوا عودته إعادة للتاريخ، فنبذوه، مع أنّه بعد رجوعه لم يبرح بيته، وكأنّه يعلن خيبته، حتى ممّا خرج لأجله في الماضي.
كان الراوي شاهدًا على كل تلك الأحداث، وسببًا بمقتل ابن سلامة، فلو أنّه صمت عن الإعلان عن عودته، لكان نُسي مع الكثيرين الذين طحنتهم الحرب، فأهل قريته نساءون مادام النسيان يخدم مصالحهم وذاكرتهم قوية لأجل مصالحهم. سدّد الراوي دينه لابن سلامة، لأنّه تسبب في موته بدون قصد، فجمع أشلاءه، بعدما قطّعنه بنات آوى إربًا إربًا، ومن ثم دفنه في أحد وديان القرية الأسطورية. لكن الأفظع من ليلة السكاكين، كان بأن اجتمعت القرية وأقامت تأبينًا عظيمًا لأجل ابن سلامة! ومن ثمّ دفنوه في تابوت خاليًا من جثمانه، أمّا الأعجب، فقد كان ظهور ولد حليق الرأس بين جموع المشيعين صارخًا: “حرية، حرية” وغاب بعدها بين البيوت والأزقة. لم يعد ابن فهد مهدّدًا بزوال سلطته، أمّا ساجدة فأوغلت بجنونها، وعاد كاتب التقارير إلى تقاريره، وإمام الجامع إلى خطبه، وبنات آوى إلى جرائمهم، بعد أن دفنوا ابن سلامة، وكأنّ لا ثورة قامت، ولا حربًا طاحنة دارت رحاها يومًا هنا. يغادر الراوي قريته إلى المنفى في شمال هذه الأرض، ولسان حاله يقول: “ظل وجه ابن سلامة لا يفارقني، وبقيت صرخته يوم قُتل تزأر في روحي وتُؤجج رغبة داخلي بالانتقام والثأر، لكن ممّن سأثأر؟ من نفسي الجبانة التي لم تحرك شيئًا طوال تلك السنوات، أم من بنات آوى؟ أومن العائلات ذات النسب؟ من ابن فهد؟ من ساجدة؟ من الأستاذ؟ من المدن والحضارة؟”.
قد تكون نوفيلا عروة المقداد من أوائل الروايات التي تتناول الحرب في سورية بعد السقوط. وهنا تكمن ميزتها، بأنّها لم تعد ترى مآلات الثورة طهرانية أبدًا، فالنظام قد سقط، وما يحدث في سورية الآن، يحتاج إلى سردٍ لا يكتفي بتمجيد الثورة، وإنّما نقدها بشدّة، لكي لا تصبح مقولة: من كثرة ما وقع الشعب السوري في الحفرة ذاتها؛ أصبحت قبرًا له.
بواسطة دعد ديب | نوفمبر 16, 2025 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
“الشعب” تلك الكلمة المقدسة التي ناءت بما حُمّل عليها من معان ومسؤوليات، وما يقابلها من مفردات بذات المعنى، “الشعب الذي يعرف طريقه”، الحشد الجماهيري أو “الجمهور”، البوصلة التي تنتهي عندها غايات السياسيين والمفكرين وما يتغنى به البعض من أنه نبض الحقيقة وصوت الشارع الصارخ بالحق وما إلى ذلك. هـذه الكلمة تُعالج بشكل مختلف في كتاب جديد لنبيل ملحم صادر هذا العام يأتي بما يناقض هذا المفهوم ويفكك بنية وسلوك الجمهور” ذاك الحشد الذي لا يرى ويحلل عميقًا تحولاته متنقلاً بين الأدب والسياسة وعلم الاجتماع بروح الروائي الذي يستحضر ما ثبت في ذاكرته الخصبة من نتاجات سابقيه.
يستند بداية إلى كافكا في نص “المحاكمة” ففي قلعته تكون السلطة غير مرئية ويكتشف وجودها من آثارها وسطوتها غير المباشرة وحتى الأدوات التي تستخدمها لا تدرك الغاية من سياساتها ومع ذلك تلتزم هذه الفئة بالتعليمات لأنها تكون بحسب ظنها من واقع الضرورة أو دافع البقاء فحالة الغياب للسلطة يخلف هالة من القداسة حولها.
منذ البداية يحاول تفكيك نظام الطاعة الذي يحكم الألوف المؤلفة من الناس، بسؤال حساس ما لذي يجعل القطيع قطيعاً من دون سوط، فالطاعة هنا ليست نقيض الحرية بل يمكن أن نسميها استراتيجية البقاء، فهذا الحشد يعمل كداعم قوي للسلطة غير المرئية حيث الاغتراب والعزلة والخوف يمهد الأرضية للطاعة والصمت واللامبالاة ما يجعله تربة خصبة لمفهوم “الجمهور القاتل”، وقبل أن يوضح مفهوم هذا الأخير يستعرض بعض النماذج من النازية للفاشية وصولاً للتطرف لدى الإسلام السياسي تلك التي حملت خطاب الكراهية مما أعطى شرعية للعنف الاجتماعي في مراحل صنع العدو فقد صعدت النازية الكراهية ضد اليهود والسلاف والغجر وكذلك الفاشية حين نفت أي صفة حضارية عن الأفارقة والتمجيد العنصري للذات عبر الأسطرة التاريخية لجد ماثل بالأذهان للعصر الآري الذهبي وأيضاً إحياء التاريخ الإمبراطوري لروما، فخطاب الكراهية يأتي من خلال شيطنة الآخر عبر الدعاية والبروباغندا، فالدعاية النازية هي التي حشدت الشعب وراء الفكرة القاتلة خلف مشروع عنصري قاتل وقول وزير خارجيتها الشهير غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” حيث اللعب على العاطفة لا العقل فالحشود تعامل بالشعارات لا بالعقلانية، ومن خلال هذه المقارنة يحاول تفسير متى يتحوّل الجمع إلى وحش؟ ومتى ينقلب التصفيق إلى أداة قتل؟
إن خطورة التماهي مع السكوت والإجرام بوصفه أمراً طبيعياً تكمن في أن الجمهور القاتل لا يكتفي بالطاعة بل يتماهى مع الطاغية طارحاً السؤال المتجدد لماذا يقدس الناس طاغية مثله، ماهي دوافعهم!
في بيئة الخوف المزمن يبرز الناس ميلاً للتعاطف مع الجلاد الذي يحب أن يطرح نفسه كأب ورمز للاستقرار، ففي حالة الفراغ الأيدلوجي السياسي يميلون للتشبث بمن يظنونه منقذاً. وهناك البعض منهم ممن يعتبره تجسيداً لرغباتهم المكبوتة في الانتقام والسحق، إذ إن سورية تحولت بالقوة إلى ماهي عليه، فهي كانت دولة ناشئة فيها أحزاب وحياة سياسية ونقابات في فترة الخمسينات، والطغمة مسخت الوطن على صورة الزعيم، ففي عهد هتلر كان الطبيب النازي جزءًا من منظومة نازية لها فلسفة بينما الطبيب السوري الذي مارس التعذيب والتنكيل والقتل في زنازين الأسد كان يدور في فراغ أيدلوجي قوامه الطاعة والامتثال لقوة عليا، ولم يكن المقتول معارضاً دائماً بل يمكن أن يكون سورياً صامتاً عن التمجيد، وبين القاتل والمقتول امتدت سورية في خرابها.
يؤكد صاحب “خمارة جبرا” بأن السوريين لا يعرفون بعضهم وهو يربط ما سبق مع الحالة السورية اليوم وقد فشلت دولة الأسد في بناء مواطنة صحيحة، إذ يجري الآن أسلوب شيطنة العلويين فهم ” نصيريون كفار”؛ والدروز” زنادقة وكفار باطنية” والأكراد “انفصاليون وعملاء للغرب، وحتى يشكك بانتمائهم لسوريا بالتالي إعادة إنتاج خطاب الكراهية من خلال التحريض الطائفي في خطب الجوامع والدروس الدينية بل هناك مشاهير من الدعاة والقنوات مثل “صفا والوصال” تبث سمومها باستمرار ويصبح تدريجياً الخطاب المتشدد سلطة تشريعية وإقصائية تبرر وتمنهج القتل ويصبح العنف والقتل واجباً شرعياً يجند لها وسائل الإعلام كافة من تلفزة وسينما وصحافة ومناهج دراسية للأطفال وخوارزميات الفيس بوك واليوتيوب تنتصر للفعل المثير مما جعل مشاهد القتل تنتشر بسرعة كبيرة، مع ما يقابلها من تفعيل الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني،مثال الدرزي الذي سب النبي وتبين بعدها إنه مغرض ولكن ما يراد منه قد تم، كما يتم الترويج لدعاية مضللة كتهجير الكرد للعرب أو تصوير الدروز كعملاء لإسرائيل دون أن يشار للأسباب التي دعت البعض لذلك وتكبير المشهد دون حاجة لإعمال العقل والتفكير. والغريب أن يشهد الجوار علاقات سمحة مع إسرائيل رغم الموت في غزة ولا يستفز المشهد أحداً ومن هنا تفسر مجازر العلويين ومجازر الدروز وخطف النساء، ومن الغريب أن يستغرب البعض هذه الحالة والشروط مستوفاة لوجودها، وحالات سبي الايزيديات وسبيهن ماثلة للاعين بذات الايدلوجية.
هناك شخصيات قاتلة لها جمهور قاتل دون أن تمسك بالسلطة ممثلة بالحركات الراديكالية خارج الدولة مثل الإسلام الجهادي الـذي يمثل الإله عبر القتال والتكفير في خطاب تزييني للموت (أسامة بن لادن) مما أسس لسيكولوجية الانتحاري الذي يموت لأنه يحب فكرة التمجيد المرضي للموت الاستشهادي.
كذلك شهوة العنف لدى “أبو مصعب الزرقاوي” الذي وصف بأنه “شخصية حدية ذات نزوع سادي” حيث يبرز القتل والذبح والتصوير وكأنه فعل تطهري والتكفير هوية له، ففي حين اعتمد الزعيم الجهادي على سلطة العقيدة والانتماء العقائدي الأممي والجمهور كمنفذ لواجب إلهي في حين اعتمد الزعيم القومي على سلطة الدولة والجهاز الأمني وعلى الانتماء الوطني وعلى الشعب كمطيع.
وقد صنع “بن لادن” جمهوره القاتل باعتماده على مظلومية إسلامية كونية (فلسطين والبوسنة- العراق الحجاز) واستثمر في الرموز العاطفية الكبرى (القدس كربلاء الأندلس) في تمثل فكرة الولاء والبراء حيث التقارب والمودة مع إخوة الدين وإعلان البراءة والتنصل من أعداء الدين، لأن توجيه الغضب ضد العدو له ميزتان إحداها جنسية حيث الحور العين والثانية روحية تأمل برضا الرب، ولكن الزرقاوي أنتج جمهورًا أشد دموية وتطرفًا لأنه يقوم على قتل الشيعي والعلماني والمسيحي والمسلم المرتد ومسرحة القتل عبر التصوير والنشر والتلذذ بالقتل وهذا ما كان في سلوك تلامذته في مجازر الساحل والسويداء وعشرات المجازر قبل استيلائهم على السلطة.
يعرف غوستاف لوبون الجمهور في ثلاث حالات الجمهور الغبي والقاتل والمهدور فالأول جمهور تحكمه العاطفة لا العقل. يقول لوبون: “الجماهير لا تفكر بل تقاد” فهي عفوية وساذجة وتصفق وتهتف وتستجيب لرموز السلطة ولكنها قابلة للتحول السلمي وتحتاج لمن يقودها ومن هذه المقارنة يحلل لوبون أن الساذج عندما يعطى شحنة لاهوتية أو أيديولوجية دموية يتحول من جمهور غبي إلى جمهور قاتل.
فالجمهور القاتل معبأ ومؤدلج دينياً لأن يفجر ويذبح متحولاً إلى أداة سلطة وموجه للعنف ويخلق من نفسه قائداً أو قاتلاً.
وهناك تفصيل آخر هو الإنسان المهدور: فالإنسان العربي يعيش مهدور الكرامة والحق والرأي متعرضًا للقمع السياسي والإفقار الاقتصادي وإلى التهميش النفسي، لهذا يتحول إما لسلبي خانع أو ينفجر في عنف هدام قد يكون عنفًا دينيًا أو ثورة، فالإنسان المهدور يعيش اغتراباً وخوفاً وفقدًا للكرامة لأنه ضحية منظومة هدر مستمرة لذا فهو قابل للانفجار أو للانسحاب مما يهييء لتحوله إلى جمهور قاتل، يتجاوز وضعه عبر القتل في إثبات الذات مستعيداً كرامته فيها، حيث العنف عقيدة لا أداة والخلاصة في ذلك أن الجمهور القاتل هو الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد حيث يقضي بضربة واحدة عدوه وتاريخه وماضيه، وهو جمهور لا فرادة له فهو بلا عقل يقوده يقين وكل يقين قاتل لأنه على الضد من فكرة المواطنة، فالهدر والتعبئة يقودان إلى الجريمة المقدسة.
يعود الملحم إلى واقع الحراك الذي انفجر بسوريا في 2011 وكيف تناسل الرد الطائفي من بعضه مع دعم وتهيج الجوار لجزء من هذا وجزء من ذاك، بين الخليج العربي وتركيا وبين إيران وروسيا، فالطائفية لم تدمر اللحظة الثورية بل أنتجت السوريين كغرباء عن بعضهم وبات أنتم ونحن صيغة متداولة بين أصدقاء الأمس. فالطائفية وظفها النظام والمعارضة وقعت في فخها ودول الجوار صبت الزيت على نارها وعليه سقط شعار الشعب السوري واحد.
كل ضحية مهيأة لتقوم برد فعل عنفي وتتحول من ضحية إلى جمهور قاتل فهي تعيد إنتاج نفسها من عقدة المظلومية، والأمر ليس محصوراً بالراديكالية الإسلامية بل هناك تحول للأقليات الضحايا إلى جمهور قاتل مثلاً مشاركة الميلشيات الدرزية بالحرب اللبنانية،–هجوم الأرمن على قرية الأذريين في قرة باخ، وبعض المجازر بحماة قام بها علويون من منطلق طائفي.
ولهذه الأقليات شروط لتحولها إلى القتل الجمعي تأخذ شكلها عندما تتحول المظلومية إلى خطاب سياسي يومي إذ سرعان ما تتحول إلى ماكينة لإنتاج جمهور قاتل وأحياناً يلعب الخوف من الإبادة للقيام بفعل استباقي وخاصة عند تشكل ميليشيات لحماية الأقليات قد تتحول لأدوات قتل خارج سياق الحماية وخاصة إذا استقوت بالتحالف مع دولة قوية.
لقد نشأت سورية عمارة هشة كنتاج للقوى العالمية ووريثة فشل الدولة العثمانية وتاليها فشل الدولة الوطنية، والسؤال هل يمكن لسورية أن تبنى على أساس غير طائفي؟
نبيل الملحم في كتابه يلامس مفاصل حساسة ويفكك واقعاً حلوله شائكة ويطرح أسئلة حرجة مثل كيف نتجنب هذا السقوط في فخ الكراهية والقتل، ربما نقارب ما قالته حنا أرندت:” إن ما يحمي الإنسان من الانخراط في القتل ليس الخوف من القانون بل القدرة على التفكير الأخلاقي” لذا هل نستطيع إعادة تربية المجتمع على الأخلاق؟
أسئلة صارخة برسم الضمير الأخلاقي لمن يريد لسورية أن تنهض من جديد.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | نوفمبر 12, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…
يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:
العلاقة من منطلق الزمان
ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.
تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.
تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.
بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز.
علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين.
في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار..
من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.
العلاقة من منطلق المكان
لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”
علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.
المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.
يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.
في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي.
في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.
تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.
العلاقة من منطلق الشخوص:
الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور. قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل.
بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.
تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.
علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين.
نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.
قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية.
هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.
تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.