لماذا أرسل بوتين مبعوثه وجنرالاته للأسد بمهمة سرية؟

لماذا أرسل بوتين مبعوثه وجنرالاته للأسد بمهمة سرية؟

المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، الذي يتردد على دمشق كثيراً، قام و«جنرالات كبار» بزيارة سرية إلى العاصمة السورية نهاية الأسبوع الماضي، والتقى الرئيس بشار الأسد. فلماذا لم تعلن موسكو ودمشق عن هذه الزيارة؟

حسب المعلومات المتوفرة، السبب المباشر كان له علاقة بانعقاد اجتماع اللجنة السورية في جنيف وكيفية ترميم الفجوة بين دمشق وموسكو. والسبب الأعمق، له علاقة بثبات تفاهمات إدلب وتعزيزها بترتيبات ميدانية لوقف التدهور العسكري جنوب سوريا وشمالها الشرقي، خصوصاً مع تسلم إدارة الرئيس جو بايدن وقرب «استحقاق» الانتخابات الرئاسية السورية منتصف العام، الذي تدعمه روسيا وتريده «منعطفاً» بعلاقة دمشق والخارج.

تطابق «الضامنين»

بعد لقائه الأسد في دمشق، توجه لافرينتييف إلى جنيف لمتابعة أعمال «الدستورية» ولقاء الطرفين الآخرين لـ«ضامني» آستانة، والمبعوث الأممي غير بيدرسن. كان لافتاً «مدى التطابق» بين «الضامنين» الثلاثة، روسيا وإيران وتركيا، خلال اجتماعهم في جنيف. تقييم المتحدثين الثلاثة لأعمال «الدستورية» كان واحداً، مفاده ضرورة الاستمرار في عملها رغم البطء وعدم تحقيق اختراق، وضرورة التمسك بـ«هذا الإنجاز السياسي» ورفض فرض أي برنامج زمني من الخارج على هذه «العملية، وهي ملكية سورية وبقيادة سورية». ليس جديداً التقارب بين روسيا وتركيا، لكن الجديد كان قرب التقييم التركي من قراءتهما. الاعتقاد السائد لدى دبلوماسيين غربين، أن الفجوة تضيق بين الأطراف الثلاثة مع تسلم الرئيس بايدن وقناعتهم أن فريقه داعم لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي بقيادة «وحدات حماية الشعب» الكردية.

قبل اجتماع «الضامنين» الثلاثة، حصل كل طرف على قراءة لنتائج الجولة الخامسة لـ«الدستورية». 5 أيام، كانت أشبه بـ«ندوة ثقافية» بين نشطاء وخبراء ومحللين، و«ليس تفاوضاً سياسياً». وفد الحكومة، كان يقول إنه «قبل الدخول في صياغة الدستور» لا بد من إجراء مزيد من «النقاش والإعداد» حول السيادة وحدودها والرموز الوطنية والعروبة وعلمانية الدولة واللامركزية الإدارية والموقف من «الاحتلالين التركي والأميركي». رئيسه أحمد الكزبري قدّم ورقة خطية بهذا المعنى هي نسخة مختصرة من ورقة قدّمها بالدورة السابقة. وفد «هيئة التفاوض» المعارضة، الذي فقد ممثلي «منصتي» القاهرة وموسكو، كان مستعداً للدخول في صياغة مبادئ الدستور والاتفاق على آليات العمل للجولات المقبلة. ورئيسه هادي البحرة، قدّم ورقة لـهذه «المبادئ».

المبعوث الأممي غير بيدرسن كان يراقب هذا الخلاف، ونقله إلى «الضامنين». لأول مرة اقترب بيدرسن، المعروف باختيار كلماته بدقة، من تحميل وفد الحكومة مسؤولة الفشل. قال علناً إنه أصيب بـ«خيبة» وإن الكزبري لم يقبل مقترحات البحرة. وكان لافتاً أن بيدرسن لم يعلن في ختام الجولة الخامسة موعد الجولة المقبلة بداية مارس (آذار)، لأنه يريد «ممارسة بعض الضغط» على موسكو ودمشق للوصول إلى «صفقة كاملة»، تتضمن موعد الجولة المقبلة، وآليات العمل وصياغة الدستور، وآلية التنسيق بين الكزبري والبحرة.

ترتيبات عسكرية

لافرينتييف، القادم من دمشق ولقاء الأسد، كان يتابع الفجوة السورية والتقارب الثلاثي. يعرف أن فرنسا تدفع لإعلان وفاة «اللجنة الدستورية». يعرف أن إدارة بادين ستدفع لـ«شرعنة سياسية» لحلفائها الأكراد، هو يعرف أن ضغوطاً تمارس على بيدرسن لفتح بوابات أخرى لتنفيذ القرار 2254. كان يتوقع أن «تلعب دمشق شكلياً بطريقة أفضل»، وكان هذا أحد أسباب زيارته لدمشق. لكن أغلب الظن، هناك أسباب أخرى يريدها الجيش الروسي وجنرالاته، تخص أموراً ميدانية.

خطوط التماس ثابتة في إدلب بفضل تفاهمات موسكو وأنقرة، لكن هناك 3 ملفات ميدانية ساخنة حالياً؛ درعا، السويداء، الحسكة. بالنسبة إلى الملف الأول، الخاص بالوضع في غرب درعا، سعى ضباط قاعدة حميميم بالتوسط بين «لجنة التفاوض» المحلية و«الفرقة الرابعة» بقيادة اللواء ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، للوصول إلى صيغة تحول دون اقتحام عسكري لطفس. جرت جولات وتأجلت المهلة برعاية روسية للوصول إلى صيغة في منطقة تخص التفاهمات الأميركية – الروسية التي وافقت عليها إسرائيل في منتصف 2018. تفاهمات ساهم مسؤولون في إدارة باراك أوباما بصوغها والتمهيد لها، هم الآن في إدارة بايدن.

يتعلق الملف الثاني بالوضع في السويداء. ليست المرة الأولى التي يحصل توتر في هذه المحافظة ذات الغالبية الدرزية. لكن اللافت هذه المرة هو خروجه إلى العلن بالتفاصيل، تسريبات من أن رئيس فرع الأمن العسكري العميد لؤي العلي «وجّه إساءات» للزعيم الروحي للدروز بهجت الهجري. وتسريبات أخرى حول مطالبة الأخير بـ«اعتذار رسمي» وإقالة العلي، وعدم اكتفائه باعتذارات من مسؤولين محليين. اللافت، هو تسريب حصول اتصال بين الأسد والهجري. لم يعلن الخبر رسمياً من دمشق، لكن مواقع تواصل اجتماعي موالية لدمشق، أعلنت مساء الأحد، أن «السيد الرئيس اطمأن على صحة سماحة الشيخ الهجري، وأكد على اللحمة الوطنية وأن المسيء لا يمثل إلا نفسه». وأشارت إلى «إقالة العلي وتكليف العميد أيمن محمد بدلاً منه».

لم تعلن هذه التفاصيل رسمياً، لكن مصادر محلية في السويداء أشارت إلى بعد أوسع من التفصيل المحلي. هناك اعتقاد أن «مرونة دمشق وتظهير التوتر، جاءا بجهد روسي، يرمي إلى استمالة أهالي السويداء وفصائلها المحلية لإبعادهم عن إيران و(حزب الله) اللذين يعملان على الانتشار في أطراف المدينة». وهناك اعتقاد دبلوماسي، أن هذا يمس الصورة الأوسع الخاص بالعلاقة بين واشنطن وموسكو وتل أبيب والملف الإيراني.

أما الملف الميداني الثالث، فيخص التوتر شمالاً. قوات «الإدارة الذاتية» تحاصر «المربع الأمني» التابع لدمشق بالحسكة. قوات الحكومة ترد بمحاصرة جيوب الطرف الآخر في حلب، وخطوط في القامشلي. ضباط قاعدة حميميم، أيضاً، دخلوا على الخط. حققوا بعض الاختراقات التي تخص تبادل إطلاق موقوفين من «قسد» وقوات الحكومة، لكن الاستعصاء لا يزال قائماً لأنه يخص الصورة الأوسع، العلاقة بين موسكو وواشنطن وأنقرة، بعد وصول بايدن الذي يضم فريقه مغرومين بالأكراد، ومجروحين من روسيا، ومشككين بتركيا.

حسب اعتقاد مسؤولين غربين، هذه العناصر هي على الطاولة السورية – الروسية، وبعضها بحث خلال زيارة لافرينتييف، في وقت ظهرت أصوات أميركية تدعو لـ«انخراط مشروط» عبر مقاربة «خطوة من دمشق مقابل خطوة من واشنطن». دمشق التي تسعد للانتخابات الرئاسية تواصل تصعيد الخطاب ضد «قسد» من جهة، وضد العقوبات الغربية من جهة ثانية، وترمم علاقتها مع «حلفائها القدامى» من جهة ثالثة؛ حيث لوحظ إعلانها لتفاصيل اتصال وزير الخارجية فيصل المقداد بنظيره الصيني وانغ يي، و«إدانة الإجراءات الاقتصادية القسرية المفروضة بشكل غير شرعي».

**تم نشر نسخة من هذا المقال في «الشرق الأوسط».

افتتاحية: “صالون سوريا” وسنة ٢٠٢١

افتتاحية: “صالون سوريا” وسنة ٢٠٢١

لا شك أن الوضع العالمي الناجم عن تفشي وباء “كوفيد ١٩” ألقى بظلاله على الصحافة الإلكترونية والمطبوعة، خاصة في منطقتنا العربية. وتأثر موقعنا، ”صالون سوريا“، بهذه الظروف العامة، ما أدى إلى خفوت نشاطه وتعليق استقبال مواد جديدة من كتاب وصحفيين في الفترة القصيرة السابقة. لكن، مع بداية العام الجديد يعود إلى قرائه، ويواصل تسليط الضوء على الشأن السوري بمختلف جوانبه واشكالياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الظروف التي فرضها تفشي الوباء، وصعوبة التنقل بين البلدان، والأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا ودول الجوار، أثرت على عمل كثير من المنظمات بينها ”صالون سوريا“. وفي ضوء هذه الأوضاع الصعبة، سيجْمعُ “صالون سوريا” بين نشر مواد مدفوعة الأجر ضمن حدود متاحة وبين مواد تُنْشر على أساس تطوعي. ولا شك أن العمل التطوعي عامل مهم يُسْهم في استمرارية المنابر الإعلامية، ومنها ”صالون سوريا“ الذي لا يتحيّز لأي طرف، بل يبحث عن الحقيقة ويدافع عن القيم والتطلعات والمصالح المشتركة بين السوريين في مختلف مناطقهم وخلفياتهم واتجاهاتهم، كونه منبرا مفتوحا للنقاش الجاد والمسؤول ومعنياً بالمساهمة في بناء مستقبل سوريا والسوريين بعيداً من مصالح آنية ضيقة أو إرادات خارجية.

سيُشرْع موقع ”صالون سوريا“ على الفور باستقبال ونشر مواد ومقالات جديدة ونصوص أدبية. ويرحب فريق “صالون سوريا” خصوصاً بمواد تغطي قضايا تمس الواقع السوري الحالي كالتدهور الاقتصادي وانهيار الليرة والأزمة المعيشية الخانقة التي تؤثر على حياة السوريين وتحرمهم من حقوقهم في حياة حرة كريمة يتحقق فيها الأمن الغذائي والسكني والصحي. وسيلقي “الصالون” الضوء على الأوضاع في مختلف المناطق السورية بكافة أطيافها السياسية ومشاكلها الداخلية والخارجية.

سيعيد فريق “صالون سوريا” تنظيم سلسلة من “الطاولات المستديرة”، التي ستركز على قضايا المرأة السورية وتلوث البيئة والتغير المناخي والسموم المتخلفة عن انفجار الذخائر على الأرض السورية وتأثيرها في غذاء السوريين وحليب الأمهات، والواقع الحالي لتفشي فيروس “كورونا”، وتردي الوضع الصحي في المستشفيات بسبب الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي والافتقار للأدوية والتجهيزات الطبية وعوامل أخرى. كما سيدعو الموقع الكتاب إلى تحليل الدور الأميركي والروسي والتركي والإيراني والأوربي وغيره في القضية السورية من خلال تحليل طبيعة هذه الأدوار وأهدافها ومراميها البعيدة.

تكتسب مناقشة هذه الملفات، بُعداً إضافياً حالياً مع اقتراب الذكرى السنوية العاشرة لبدء الأزمة السورية.

يعود موقع ”صالون سوريا“ إلى قرائه من جديد، مشدداً على التعويل على الروح التطوعية للكتاب وعلى أن هذه المنصة، منبر كل قلم معني بالشأن العام، وبسوريا كدولة مواطنة وقانون.

في ظل هذه الظروف التي تزيدها قتامة احتمالات تفاقم السلالات الجديدة من “كورونا”، يصبح الإعلام ضرورة ملحة تقتضي تضافر الجهود كلها، لمد عمر الصحافة الجادة والهادفة.

أزمات المعيشة في ارتفاع وصبر المواطن في انخفاض

أزمات المعيشة في ارتفاع وصبر المواطن في انخفاض

تستمر أزمة البنزين في الداخل السوري لتدخل شهرها الثاني، مشهد الازدحام لا يبدو أنه انخفض أو سينخفض في الأيام القليلة المقبلة، إذ صار من الواقع بما لا يدعو للقياس أكثر من مرةٍ، أن معظم الكازيات تشهد ازدحاماً مطابقاً ليومها السابق، وهناك طوابير وصل بعضها إلى ثلاثة كيلومترات، ما يحتم على السائق في أحيانٍ الانتظار لـ48 ساعة لتعبئة المادة في سيارته المحدودة لثلاثين ليتراً فقط لا أكثر، وبتباعد زمني عن التعبئة السابقة يكون أسبوعاً على الأقل. ورغم أن هذا الارتجال الحكومي حمل معه وعداً للسوريين بأنهم سيلحظون انخفاض الازدحام، ولكن ذلك لم يحصل حقاً، الطوابير ازدادت، ساعات الوقوف ازدادت، التعب ازداد، الغضب ازداد، الصبر وحده انخفض، انخفض وبدأ يحمل معه غضباً واضحاً على ملامح الناس، في المحطات، في الأسواق والطرقات، على اعتبار أن الأزمة التي بدأت من البنزين لن تقف بتأثيرها عنده، بل كان للأسعار التي ارتفعت فجأة في أسواق الهال حديث آخر.

أسئلة مشروعة

حاولت – ولا زالت – الحكومة السورية الارتجال في إيجاد الحلول، هذا إذا ما تم اعتبار أنه قد تم تحليل المشكلة وتشريحها لفهمها قبل الإدلاء بالتصاريح والبدء بتنفيذ استراتيجية لم تجد نفعاً، سيما مع التصريحات التي تأخذنا لتقول أن مصفاة بانياس تنتج معظم الحاجة السورية، وبأنها بعد العمرة ستنتج بزيادة عما سبق تصل إلى 25%، ما يقودنا نحو السؤال الملح، لماذا العمرة في هذا الوقت!.

هذا السؤال أجابت عنه وزارة النفط ومعها مؤسسات المحروقات، بأن ما يحصل الآن هو عمرة دورية، فالمصفاة وصلت لمرحلة قد تخرج فيها عن الإمداد ما لم يتم إجراء العمرة/الصيانة لها، وحالاً، وهنا السؤال، لماذا حالاً! أجابت الوزارة لماذا، ولكنها غابت تماماً وغيبت أجهزتها عن الإجابة الكاملة، أو حتى الشرح لماذا لم تتم العمرة سابقاً، وهي سبق وأن أسلفت أن آخر عمرة كانت في عام 2013، إذن، كان أمام الوزارة سبع سنوات كاملة لإجراء العمرة، يتخللها عاما 2014/2015، وفي هذين العام كان يمكن القول أن البلد غارقة بالمادة دون تسجيل أي نقص ولو طفيف بمستوى الإيراد والتحضير، فيما راح ناشطون يدونون أسئلتهم المتمحورة حول الجزئية ذاتها، متسائلين لماذا لم تجرى هذه العمر في الربع الثاني من العام الجاري!، على اعتبار أن البلد حينها كانت في مرحلة حظر الحركة والتجول، ما جعل الحاجة إلى المادة أقل بكثير قياساً بأي وقت آخر، وكانت المادة متوافرة في السوق دون أي ازدحام، ما يضعنا مجدداً في موضع المنتظر للإجابة من حكومة عينها لا تملك الإجابة، وإن ملكتها، فهي ستخبئها لا لأنه ثمة هدف سياسي من الأمر، بل سبب وراثي تكتسبه الحكومات السورية في الهرب من المواجهة بالمعلومة، وإن كانت صحيحة، سيما أن كل ما تفعله صار ثقيلاً على صدر المواطن غير المتقبل لأزمات تخلق عقب أزمات، إذ لا يكاد يخرج السوري من أزمة حتى تتلقفه أزمة أشد وطأة. فهناك أيضاً أزمة الخبز التي دخلناها في هذه الأيام مع البطاقة الذكية، البطاقة عينها التي جاءت لتنظم توزيع البنزين والخبز والسكر، فخلقت أزمة، ذاتها الآن ستتكفل بموضوع الخبز، والتي نجحت في أن تنقل الازدحام من نوافذ الأفران إلى (دكاكين) المعتمدين، ففي دمشق وطرطوس صار هناك طوابير جديدة للخبز، الخبز أي المادة الرئيسية في حياة المواطن.

مشاهد مكررة

أبو سامي، سائق سيارة عمومية، لليوم الثاني ينتظر دوره على محطة وقود حكومية، ويقول عن تجربته: “بنطر يومين لعبي، بروح بشتغل 3 أيام، برجع بنطر يومين على الكازية، وهيك، صرلي شهر، يعني فيك تقول قضيت شي 10 أيام من أصل 30 يوم بالشهر وأنا نايم ع لكازيات، وعلى اجا الصهريج وما اجا، عطل الفرد ولا اشتغل، خناقة مع اللي وراك من ضيقة خلاق العالم، دفشة صغيرة للي قدامك لأنو خلص بنزين سيارتو، هيك مقضيينها”.

وكذلك كان حال الأسبوعين الأولين مع مفتاح وهو أيضاً سائق عمومي: “أول فترة كنت انطر متلي متل هالعالم، بس ما بقى وفت معي، صرت روح اشتري بنزين حر الغالون بـ40 ألف، وبرفع أسعار طلباتي أربع أضعاف وبعرف أنو بيصير رقم فلكي وكبير ع لمواطن بس اللي مضطر بيطلع وأريح الي ما نام ع دوار الكازيات”.

السوق السوداء

علماً أن الحكومة تدعم مواطنيها ب100 ليتر بنزين بسعر 250 ليرة سورية لليتر الواحد، وتقدم له 100 لتر إضافية غير مدعومة بضعف سعر المدعوم، وكان نشط سوق البنزين السوداء بحضور وكثافة عالية على الطرقات الدولية، ومداخل المدن، ليسجل سعر الغالون الواحد (20 ليتر)، 40 ألف ليرة سورية، قياساً ب5 آلاف ليرة سورية للغالون المدعوم، أي بزيادة ثمانية أضعاف عن سعره داخل المحطة، ويرجع أمر توافر البنزين في السوق السوداء لعاملين، الأول نتيجة التلاعب في محطات الوقود وتوفير بنزين سري يتم بيعه إلى الخارج، والثاني عبر التهريب من المنافذ غير الشرعية بين سوريا ولبنان، وفي الحالتين لم تنفذ أي حملة من قبل الشرطة لمكافحة الظاهرة على الطرقات العامة، والتي تعرض بضاعتها على طرفي الطريق.

سوق الهال يحتاج البنزين

انعكست أزمة البزين على قطاعات أخرى، أبرزها أسواق الخضار، التي ارتفعت أسعارها مع انقطاع المادة، نظراً لأن المادة التي تمر من الفلاح إلى سوق الهال إلى المحال المنتشرة، تمر بمرحلتين من النقل، كل مرحلة تكلف أكثر من قبل على اعتبار أن بعض هذه السيارات تعمل على البنزين، وهو بالضرورة ما خلق ارتفاعاً بالأسعار لينعكس على الأسواق التجارية أيضاً، وعلى كل شيء يتم أو سيتم نقله باستخدام السيارات، وضمنها أجور النقل بين المحافظات، وفي المحافظة ذاتها.

وعود ناقصة

وعدت الوزارة أن ينتهي ترميم مصفاة بانياس خلال الثلث الأول من تشرين الأول المقبل، على أن تعود المصفاة لمد المحافظات بالتوريدات التي انخفض معظمها إلى النصف، دون أن يكون هناك ذكر لمصفاة حمص الرديفة لبانياس، والتي بدورها تحتاج عمرةً أيضاً. وبدون أن تتحدث الوزارة عن الأمر، فهي تضع المصفاة أمام احتمالين، إما عمرة مفاجئة أو نقص جديد في التوريدات ولو كان في وقت بعيد نسبياً، إلا إذا تم ربط الانتاجية بصورة كاملة بمصفاة الساحل واعتمادها بالتوريد التام إلى الداخل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سوريا في الوضع الراهن تنتج نحو ربع حاجتها من المشتقات النفطية يومياً، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة سيما مع استمرار تطبيق بنود عقوبات قيصر التي تحظر الاستيراد في سوريا.

قراءة في قرارات الحكومة السورية المخالفة للقانون والدستور

قراءة في قرارات الحكومة السورية المخالفة للقانون والدستور

إن الحريات السياسية والمدنية هي حقوق قانونية، تضعها الدول بقوانين وتكفل تنفيذ هذه القوانين،  وتضمن حق الأفراد في حماية الدولة، من تدخل الحكومة، أو من تدخل الأفراد الآخرين عن طريق القضاء.  أغلب دساتير الدول الحديثة تشير في نصوص عامة إلى هذه الحقوق. جاء في الدستور السوري لعام 2012 في الباب الثاني تحت عنوان “الحقوق والحريات وسيادة القانون” التأكيد على حقوق: المواطنة وسيادة القانون والمساواة وتكافؤ الفرص وحق التقاضي وعدم رجعية القوانين، وعدم إبعاد المواطن عن وطنه، وحرية التنقل، وحرية الاعتقاد، وحق العمل، وحق التعلم وحرية الرأي والاجتماع والتظاهر والدفاع عن الوطن ودفع الضرائب والرعاية الصحية والرقابة الشعبية على السلطة. في المقابل على السلطة أن تمارس دورها وفقاً لقواعد الحق التي يتضمنها الدستور، وفي حال مخالفة السلطة للقوانين والدستور، هناك حق للمواطن بالمقاومة والرفض والاحتجاج.

لكن عندما تكون السلطة محصورة في يد فئة خاصة وراثية أو مالية أو طائفية، فإن هذه الفئة سوف تفرض على غيرها واجب الطاعة العمياء، وتعطل الدستور وتسخره لخدمة بقائها الدائم في السلطة، وتعمل على سن القوانين التي تعارض الدستور، وتقيد الحريات اللازمة للمجتمع التي تمكنه من الدفاع عن حقوقه. هكذا ممارسات تعبر عن إن السلطة المطلقة ضارة ضرراً مطلقاً، سواء على من يمارسها أو على من يخضع لها، حيث السلطة تعتبر نفسها غاية بحد ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة.

 الوضع السوري في انحدار مستمر نحو الهاوية، ومازال النظام يدافع عن وجوده واستمرار سياساته المعادية لشعبه والمتحدية للقرارات الدولية الداعية إلى ضرورة الإسراع في الحل للخروج من المستنقع الذي وصلت إليه الأزمة السورية، خاصة بعد العقوبات الاقتصادية بموجب قانون قيصر، والذي تزامن مع دعم مشروط من حليفه روسيا، وتراجع الحليف الإيراني عن دعم النظام بسبب عقوبات عليه وأزمة اقتصادية يعاني منها. كل ذلك أدى الى انهيار العملة السورية، وارتفاع الأسعار الجنوني، حيث اتخذت الحكومة السورية مجموعة من القرارات الارتجالية غير القانونية التي تضمن رفد خزينتها بالأموال. وإن كانت غاية الحصار والعقوبات هي دفع النظام لتغيير سياسته، والقبول بالحل السياسي، وحماية المدنيين، فإن النظام وطوال سنين الأزمة عمل على نقل عبء الأزمة وتبعاتها وتحميلها الى المدنيين بشكل كامل.

مثال على ذلك ظاهرة التعفيش، التي تم تعميمها في أرجاء سوريا، وفق قرار سلطوي، حتى لو لم يكتب؛ فكان يتم الاستيلاء علانية على كل ما تحتويه الأحياء من بضاعة في المخازن وتجهيزات المنازل، و الحديد والألمنيوم ومن ثم يتم فرزها ونقلها بشاحنات منها ما يذهب إلى معامل يديرها ضباط أو تجار لإعادة تدويرها، ومنها ما يذهب إلى مخازن ويعاد توزيعها الى الباعة على أنها جديدة. أما الأجهزة المستعملة والقديمة، فتذهب إلى أسواق سُميت أسواق التعفيش، تباع عبر وسطاء إلى عاملين على بسطات وهكذا أمن التعفيش عملاً لكثير من المواطنين أغلبهم مهجرين، وأمن دخلاً إضافيا للعساكر الذين ساهموا بالتعفيش، ودر أرباحاً على الضباط وشركائهم من التجار الذين يسوقون ويديرون معامل، ساهمت بتغطية نفقات ورواتب وعلاوات للدفاع الوطني، خاصة الفرقة الرابعة التي تدير معامل خردة الحديد المستولى عليها. لكن بالمقابل تركت شرخاً وولدت قهراً في المجتمع عند أصحاب الممتلكات، وحولت المعفشين إلى مجموعات وعصابات  تمتهن جرائم سرقة المواطنين، على أنها من حقهم.

إن قصة الغلاء الفاحش، الذي بدأ قبل تطبيق عقوبات قانون قيصر نتيجة تدهور العملة السورية أمام الدولار، بسبب الفساد المستشري، وبسبب الأزمة في لبنان، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بعد تقنينها وتوزيعها عبر البطاقة الذكية، التي  وضعت المواطن السوري أمام خيارات صعبة لا تحتمل بأن يقضي يومه في انتظار دوره أمام الأفران والمؤسسات ومحطات الوقود، لتأمين جزء من حاجاته وشراء الباقي بالأسعار الحرة، التي تدر أرباحاً طائلة على النظام والتجار، والتحكم بالسلع حسب الطلب، حيث ارتفع سعر الدخان الوطني أضعافاً حتى تجاوز أسعار الدخان الأجنبي، بعد أن زاد الطلب عليه لرخص سعره، وتحول الدخان الوطني إلى مصدر دخل هام، يتم تسليمه للموالين من التجار والباعة، وتذهب حصص قليلة لمراكز بيع الدخان.

جرى كل ذلك مع بقاء دخل المواطن ثابتاً، بل على العكس هناك فئات واسعة خسرت أعمالها نتيجة إغلاق الكثير من المصالح لفقدان المواد وأسواق التصريف وضعف الاستهلاك. إن النظام يتعامل مع الشعب السوري على أن كل عائلة لديها مغتربين في الخارج عليهم دعم أهاليهم في سوريا. الحقيقة أن أغلب العائلات في الداخل السوري يعتمدون على عائدات مالية تأتي من الخارج والنظام يستفيد من هذه العائدات لرفد الخزينة بالعملة الصعبة خاصة بعد منع التداول بغير الليرة السورية.  لكن النظام لا يعنيه، حال العائلات التي لا يوجد من يدعمها في الخارج وهم نسبة كبيرة من الشعب السوري، تركها النظام لمصيرها، عرضة للتشرد والتسول والموت جوعاً ولممارسة أعمال غير قانونية مثل ترويج المخدرات، بيع الأعضاء، والدعارة.

 ولعل القرار الأكثر جدلاً والذي تم نقده والمطالبة بإلغائه آو تعديله، قرار رئيس الحكومة حسين عرنوس الذي يفرض على كل سوري ومن في حكمه، تصريف 100 دولار أمريكي عند دخولهم إلى سوريا.   قرار أثار العديد من الأسئلة أهمها تتعلق بالمواطن الذي يعيش في سوريا ويسافر لزيارة الأقارب أو رحلة او طلباً للدراسة أو العلاج، ويعود إلى بلده ولا يملك عملة صعبة، وعليه سوف يجبر على شراء مائة دولار من السوق السوداء، وصرفها بالسعر الذي حدده المصرف المركزي أي خسارة نصف قيمتها.

 هذا القرار أثار تساؤلاً آخر عن مخالفته للقانون والمرسوم رقم 3 لعام 2020 الذي ينص على منع التعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات. وظهرت آثار القرار عندما تقطعت السبل بمئات السورين، على الحدود السورية اللبنانية، الذين ليس بمقدورهم دفع المبلغ، و لا هم قادرون على العودة من حيث أتوا، وتم تسميتهم العالقين، على لسان مدير الهجرة والجوازات النمير ناجي الذي قال: “السوري الذي لا يسمح له بالدخول، اسمه عالق، أي يبقى على الحدود يمارس حياته كالمعتاد، ويتناول طعامه وشرابه، أمامه خيار واحد هو الاتصال بأحد ذويه أو أصدقائه ليحضر له الـ100 دولار، فيقوم بتصريفها ومن ثم الدخول إلى بلده”. إن هذا التصريح يحمل رسائل عديدة عن تدني قيمة المواطن السوري الفقير، والاستخفاف به وبحياته وتركه عرضة للابتزاز والتشرد ودفعه للموت جوعاً أو قهراً، أمام أعين العالم، في صورة يندى لها جبين البشرية دون خجل.  وهذا ما يشكل درساً قاسياً للمواطن الفقير يدعوه لأن يفضل الموت حيث هو على العودة الى وطنه. هذا القرار يمنع اللاجئين الفقراء في دول الجوار من العودة؛ وقد تستغل الدول التي تستقبلهم هذا القرار بإعطائهم المبلغ وتسفيرهم.  كما سيمنع هذا القرار السوريين من المغادرة وبالتالي عائدات الدخول لن يكون لها قيمة كبيرة على خزينة النظام. وهو قرار يخالف الدستور وفق ما جاء في المادة الثامنة والثلاثون:

1 ـ لا يحوز إبعاد المواطن عن الوطن، أو منعه من العودة إليه.

2 ـ لا يجوز تسليم المواطن الى أي جهة أجنبية.

3ـ لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها إلا إذا منع بقرار من القضاء المختص.

 وظهرت أصوات داعية الى رفع دعوى إلغاء ضد هذا القرار الإداري الظالم: لمخالفته الدستور والقانون. ما هو التكييف القانوني لقرارات الحكومة التي تخالف القانون؟

 المبدأ العام أن أعمال الحكومة تخضع لرقابة القضاء، على أساس وجود قواعد صارمة تلتزم الإدارة في تطبيقها، لكن حتى لا يتم غلّ يد الإدارة، قرر الفقه والمشرع منحها امتيازات وقدراً من الحرية يتسع حسب الظروف تحت تسمية: السلطة التقديرية، الظروف الاستثنائية، والحرب، تسمى أعمال السيادة تطبقها سوريا التي أخذت بالنظام القضائي الفرنسي، على الرغم من عدم وجود معيار قاطع لتعريف أعمال السيادة. إذن لاعتبارات خاصة بعض تصرفات الحكومة لا تخضع للقضاء لأن سلامة الدولة فوق القانون. القوانين المعمول فيها في سوريا نصت عليها وترك أمر تحديدها للقضاء والاجتهاد القضائي. لذلك درج القضاء رفض اختصاصه للنظر في موضوع يتعلق بأعمال السيادة باعتبارها خارجة عن ولاية القضاء إطلاقاً وهذا ما نص عليه مجلس الدولة ونص عليه قانون السلطة القضائية في المادة 26: “ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة او غير مباشرة بأعمال السيادة.”

إذن لو نظرنا إلى قرار الحكومة النابع من المصالح الخاصة للنظام، والذي يعارض الدستور والقانون، في حال تم طلب إلغائه قد يوصف أمام القضاء بأنه من أعمال السيادة وقد صدر لأسباب سياسية، في ظروف استثنائية لمواجهة العدوان والحصار. مهما كانت الأسباب والذرائع فإن أمر تعديله ضرورة لجهة حصره على الأقل بالمغتربين الحاصلين على إقامة في دول الاغتراب أو إلغاءه.

إن الظلم الذي يمارس على الشعب السوري من قبل النظام، بنقل عبء الأزمة وأعباءها وتحميلها للشعب، في اتجاهين الأول: تأمين سبل معيشته من دون دعم وحماية الدولة، الذي يدفعه لطلب المساعدة والارتزاق والأعمال غير المشروعة، والتفكير ليل نهار بتأمين لقمة عيشه للبقاء على قيد الحياة. والاتجاه الثاني دعم النظام للبقاء والاستمرار في السلطة من خلال الطاعة نتيجة الخوف، ورفد وتمويل خزينته.

المؤونة في سوريا أصبحت ترفاً

المؤونة في سوريا أصبحت ترفاً

تنهمك في شهر أيلول أيادي ربات البيوت السوريات في إعداد المؤونة، ويسبق هذه العملية أسابيع طويلة من التحضير وخطوات كثيرة، تبدأ بشراء أطنان من أكياس الطماطم والخيار وأوراق الملوخية والبازلاء والفول الأخضر وسواها، مروراً بنزع القشور عنها ثم جمعها وتجميدها. ولمن لا يعرف بيت المؤونة، فهو عبارة عن ركن، يشترط أن يبنى في منطقة أخفض من باقي أرجاء المنزل، على أن يكون بارداً وغير مشمس، يُتخذ كمستودع لتخزين الطعام، تحفظ فيه شتى أنواع المأكولات الشتوية. ويتصدر المكدوس، طليعة هذه الأطعمة التي تُوضع على موائد العائلات السورية ولصنعه، يتوجب على النساء سلق كميات هائلة من الباذنجان بما يتناسب مع أعداد أفراد الأسرة، وتلطيخ أيديهن في خليط ممزوج من الفليفلة الحمراء الحارة وقطع الجوز المفروم، إلى أن تستشعر أصابعهن الناعمة طعم الخريف.

اعتاد السوريون في مطلع شهر أيلول من كل عام على ممارسة هذا الطقس الجماعي كعادة شعبية منذ عقود عديدة، فيبدأون باقتناء بعض البقوليات والخضار والفواكه وتخزينها في الثلاجة حديثاً، وبيت المؤونة سابقاً، لتناولها في فصل الشتاء. غير أن موجة الغلاء الأخيرة حالت دون قدرة البعض على تموين الطعام، لاسيما أنه جاء بالتزامن مع افتتاح المدارس وشراء الحاجيات الضرورية، ما شكل عبئاً إضافياً على كاهل الأسرة السورية.

ما أن تطأ قدمك أسواق الخضار في العاصمة دمشق، حتى تلمس الفرق الشاسع في الأسعار للصنف الواحد، بحجج الجودة والمصدر.  تساوم أم إبراهيم بحدة على سعر كيلو الفليفلة الحمراء المفرومة الذي وصل سعره إلى 6000 ليرة، متفاجئة بفارق الأسعار بين سوق وآخر لا يفصل بينهما سوى شارع واحد. تقول للبائع بصوت مرتفع: ”لسا من شوي شفتو أرخص من هيك، 3500 ليرة وأنظف من هاد،  كتير غالية هيك”. وما أن تتقدم بضعة أمتار حتى يتناهى إلى سمعك صوت بائع آخر يضيف ألف ليرة أخرى على صنف الفليفلة، وعند السؤال عن سبب الزيادة يجيب بثقة: “نخب أول، لا مثيل له في السوق، أتحداكِ أن تشتري مثله”، والأمر ينسحب على الجوز والباذنجان والبقوليات وغيرها.

تصف أم إبراهيم الأعباء المادية والمصاريف الإضافية  التي سببها إعداد المكدوس في شهر المونة (أيلول) قائلة: “أنفقت قرابة 100 ألف على تحضير 40 كغ من المكدوس، هذا المبلغ يعد باهظاً بالنسبة  لصنف واحد من أصناف المؤونة، أي يعادل قرابة راتب شهرين، هذا ما لم نتحدث عن الأنواع الأخرى، لكن لا يمكن الاستغناء عن هذا الطبق اللذيذ  في فصل الشتاء، فهو أساسي على مائدتنا.”

سياسة الاستبدال

تتجه صفاء إلى خيار أقل كلفة في محاولة منها لتقليص نفقات المونة واستثمار مواهبها التي اكتشفتها مؤخراً في الترشيد الاقتصادي التي أصبحت مجبرة على استخدامها في ظل ارتفاع مكونات طبق المكدوس، خاصة الجوز، إذ تلجأ إلى استبدال حشوة فستق العبيد عوضاً عن الجوز المفروم، وعن ذلك تقول: ”وصل سعر كغ الجوز إلى 16 ألف ليرة، وفي أماكن أخرى بلغ 25 ألف، لذلك استغنيت عنه نهائياً، واستبدلته بفستق العبيد، كبديل اقتصادي، طعمه لذيذ لكنه لا يعادل طعم الجوز، أفضل من لا شيء“. بينما ذهبت ولاء لخيار أكثر كلفة بقليل وهو استخدام  ثمرة اللوز، عوضاً عن الجوز: “فثمنه مقبول مقارنة بالأخير، فالكيلو الواحد يبلغ 4000“. بينما تضيف سيدة أخرى: “الحمد الله، ولادي مابحبو المكدوس، وفروا علي كتير مصاري”. فيما اتبعت العديد من الأسر السورية سياسة “النصف” عبر تقليص الكميات المعتادة والاكتفاء بكميات محدودة.

من جهتها، لم تصرف رجاء (معلمة في الصف الابتدائي) ليرة واحدة على تحضير المكدوس والسبب حسب قولها: “تملك عائلة زوجي شجرة جوز وأرض زراعية يزرعون فيها جميع أنواع الخضار ومنها الباذنجان ،أخذنا حصتنا، ما كنت سأعد المكدوس لو أنني سأصرف عليه مالاً.” وتضيف مازحة: “لو بقدر بيع الجوز، كنت بعتو، حقو هلق تقريباً 25 ألف”.

كورونا ترفع الأسعار

فعلت كورونا ما لم تفعله سنوات الحرب التسع في سورية، فلم تشهد البلاد مسبقاً غلاءً فاحشاً بالأسعار كالتي تعيشه الآن والذي يطال كل نواحي الحياة دون أن يقتصر على جانب واحد. يعقب شاب (رفض مشاركة اسمه) على هذا المشهد الغارق في الواقعية: “كلفة مؤونة هذا العام مضاعفة عن العام السابق، دوبلت الأسعار على خلفية كورونا بمبررات واهية كضعف الإنتاج مقابل زيادة الطلب، لاسيما مادتي الجوز والزيت إلى جانب الحصار الاقتصادي على البلاد”. بينما حذفت أم جبير فكرة مؤونة الشتاء هذا العام من قائمتها لصالح تأمين المستلزمات  الدراسية لأطفالها الأربعة، تقول السيدة: “كان علي الاختيار بين شراء القرطاسية وملابس المدرسة وتخزين الطعام لفصل الشتاء، تعليم أولادي أهم، سنعتمد هذه السنة على المحاصيل الشتوية في غذائنا”.

الكهرباء تفسد مؤونة السوريين

مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي لساعات متواصلة في كافة المحافظات السورية، تسبب هذا الوضع بإفساد المؤونة وتكبد السوريين لخسائر مالية لم تكن في حسبانهم، كأم خالد التي أفرغت حمولة ثلاجتها من فول وبازلياء وبامية وملوخية والتي تقدر بحوالي 200 ألف ورمتها في القمامة بعد أن تُلفت بسبب غياب الكهرباء لفترات طويلة، بينما اضطرت لينا إلى استخدام المؤونة المخزنة من لحوم وخضار وطبخها كي لا تفسد.