قبيل نشوب الحرب السورية، كانت البلاد تتجه بمنحى تصاعدي فيما سمي حينها بمرحلة النمو الاقتصادي وازدهاره، لا سيما مع انتقال البلاد من نظام الاقتصاد الاشتراكي إلى نظام اقتصاد السوق الاجتماعي. اعتبر حينها الاقتصاد السوري مثالاً للدول النامية في المحيط، حيث ارتكز على الزراعة والصناعة الخفيفة وبدرجة أكبر على النفط، وبلغت قيمة الناتج المحلي في عام 2010 نحو 60 مليار دولار. إلا أن ذلك انهار تباعاً مع كل يوم تقدمت فيه الحرب بعد 2011، حيث فرضت حزمة عقوبات اقتصادية متتابعة عزلةً على سوريا تعادل أضعاف الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرض إبان فترة الثمانينات، وصولاً إلى قانون قصير الأخير الذي دخل حيز التنفيذ في السابع عشر من حزيران/يونيو الفائت.
المعركة الأخيرة
يذكر تقرير البنك الدولي عن تبعات الحرب والخسائر الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا: “أن خسائر الاقتصاد السوري بلغت نحو 226 مليار دولار، وذلك بسبب دمار البنى التحتية والخسائر البشرية الفادحة، خلال الحرب المستمرة”، ويرد في التقرير أن أكثر من ثلث الكتل السكنية قد دُمر بشكل كامل، وأن أكثر من نصف المستشفيات والمستوصفات قد دُمر بشكل كامل أو جزئي. هذا عدا عن فقدان السوريين لنحو نصف مليون وظيفة سنوية، ما جعل نحو 6 من 10 أشخاص يعيشون في فقر شديد، إضافة إلى أن 3 من كل 4 أشخاص لا يعملون، أي ما يعادل نحو ثمانية مليون سوري عاطل عن العمل.
تؤكد كثير من الآراء الاقتصادية أن سبيل العودة الوحيد يكمن في تحويل أو إعادة الاقتصاد إلى إنتاجيته التصديرية قبل عشرة أعوام، وذلك يتم عبر بناء أسس ومواثيق واضحة للمستثمرين، ولاحقاً، فتح باب التنافس الشريف ضمن ميزات تعددية تستطيع البلاد تقديمها على صعيد التجارة. إلا أن الأمر يبدو أصعب بمراحل مما كان عليه قبل الحرب، فاليوم يسيطر تجار الحرب على البلاد، ويتقاسمون ثرواتها دون حسيب أو رقيب، خصوصاً أن سورية فقدت عدداً يقدر بالآلاف من المصانع والمعامل الإنتاجية، وتدهورت بالضرورة قيمة إنتاج القطن والقمح لأسباب عدة ومعها آليات توليد الكهرباء، واستخراج النفط، وبدرجة موازية الجسور وعموم البنى والسكك الحديدية. وتقدر مصادر اقتصادية أن خسائر الحرب في الثلثين الأولين من الحرب تعادل تريليون دولار.
وتحاول الحكومة عبر تصريحاتها إعطاء أهمية خاصة لحركة إعادة الإعمار، على اعتبارها حلاً إنقاذياً لوضع البلاد عموماً، فلا تدخر جهداً عبر وزرائها في الحديث عن خطة اقتصادية شاملة ستنطلق قريباً. فعلى سبيل المثال كان محافظ حمص قد رفع مشروعاً متكاملاً للحكومة عن خطة إعمار شاملة لمدينة حمص وسط البلاد، والتي دمرت الحرب أكثر من نصفها، مشروع مضى على تقديمه نحو خمسة أعوام، وحتى الآن لا حراك فعلياً على الأرض ولا شيء ينذر ببدء الإعمار، إلا تصريحات فقدت مصداقيتها دون رجعة.
ترى بعض الآراء الاقتصادية المتواترة خلال الفترات الماضية أن من أهم الصعوبات التي واجهت الصناعيين في إعادة بناء ترميم الاقتصاد هو تنامي نفوذ طبقة تجار الحرب وانعدام الرؤية التنموية الحكومية وعدم وجود أي خطة حقيقية لتعافي المنشآت الصناعية المتضررة وإصدار قرارات تفضل التجارة على الصناعة والإنتاج، وهذا خطير جداً لأنه يحول البلد إلى بلد استهلاكي فقير بدل أن يكون إنتاجياً في طور النمو والازدهار وخاصة بعد الحرب، مع التأكيد على أن أكبر الكوارث لا تكمن في هجرة رؤوس الأموال وحسب بل وفي انعدام الثقة الاستثمارية الخارجية والداخلية وعدم وجود أي جهد أو مساع حقيقية لترميمها.
إذاً، فمن الجلي أن الاقتصاد السوري انهار بصورة قد تبدو لا رجعة عنها في الأمد المنظور، والسياسات الحكومية (الاستجدائية – التشليحية) توحي بهذا، فليس من الصعب مراقبة العمل الحكومي واستخلاص نتائج لا تحتاج تركيزاً عالياً، ولا حتى تحتاج متخصصاً اقتصادياً، إذ يكاد لا يمر شهر دون أن تطرح حكومة البلاد على مواطنيها حلاً اقتصادياً تَسِمهُ بالإنقاذي، وكان آخر هذه الاجتهادات قراراً صدر في بداية الأسبوع الثاني من تموز/يوليو الحالي، قضى بفرض ما سماه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالإتاوة – أخذ المال عنوةً دون وجه حق). قضى القرار بإلزام كل سوري أو من في حكمه بدفع مبلغ 100$ أمريكي بمجرد دخوله إلى سوريا، ليتم تصريفه من البنك المركزي وتالياً، يكون المواطن قد فقد 50% من قيمة العملة قياساً بالسوق السوداء. وتساءل مدونون عن الهدف من استثناء الأجانب من تصريف هذا المبلغ بالسعر الرسمي الذي صار يعادل نصف سعر السوق السوداء، وراح آخرون للتساؤل عن شرعية إجبار السوري الذي ذهب ليجلب أغراضاً من لبنان أو ذهب لرؤية طبيبه وعادوا في نفس اليوم أو اليوم التالي، وحتى لو بعد أيام، وكذلك حال الطالب السوري، فلماذا يجب على هؤلاء دفع هذا المبلغ، في بلده متوسط الراتب الشهري فيه لا يتعدى 25$؟
تحدث الباحث محمد صالح الفتيح في تدوينة له متسائلاً عن كيفية تأمين النقد الأجنبي المستخدم لدعم الاستيراد الذي ترفض الحكومة التخلي عنه؟، مكملاً: “لماذا لا يتم إيجاد حلول أكثر فاعليه له، فقرار إلزام القادمين بصرف 100$ على الحدود بالسعر الرسمي هو أحد هذه الإجراءات التي تهدف لضمان استمرار المستوردات، علماً أنه غير حيوي”.
المعركة الأولى – طوشة الستين
في ستينيات القرن التاسع عشر اندلعت حرب أهلية خلفت مجازر راح ضحيتها أكثر من 50 ألف سوري وقتذاك، وتمثلت بثورة الفلاحين على الإقطاعيين، وتالياً، الصراع العشائري–المذهبي، وانتهت بتدمير أكثر من 500 قرية، وكوارث اقتصادية لا تحصى، وانتهت بتدخل أممي عاجل عبر لجنة دولية.
كانت الشام وقتذاك ترزح تحت الاحتلال العثماني، وكانت دمشق رائدةً عالمية في انتاج البروكار والحرير الطبيعي والصناعي، وكانت تلك الصناعات في حينه، تعادل أهمية النفط في يومنا هذا، وهذه الصناعات أسهمت في ازدهار شامي غير مسبوق على مستوى الدول آنذاك، قبل أن تشتعل الحرب وتحرق معها كل معامل الإنتاج هذه، في صراع درزي–مسيحي ابتدأ في لبنان وحط رحال دماره في دمشق.
كانت هذه الصفعة الأولى للاقتصاد السوري في التاريخ الحديث، أما الصفعة الثانية فقد بدأت في عام 2011، وما بين الانهيارين بلد يحاول الوقوف، وفي كل مرة تقص هاتان القدمان بفتنة، أو حرب، أو صراع، أو انفجار.
تبنّى مجلس الأمن الدولي السبت قراراً لتمديد آليّة إدخال المساعدات الإنسانيّة عبر الحدود إلى سوريا، لكن مع تقليص جديد للآليّة فرضته روسيا على الدول الغربيّة.
وبعد أسبوع من الانقسامات وعمليّة تصويت هي السابعة، تبنّى المجلس بغالبيّة 12 صوتاً من أصل 15، مقترحاً ألمانيّاً بلجيكيّاً ينصّ على إبقاء معبر باب الهوى على الحدود التركيّة في شمال غرب سوريا مفتوحاً لمدّة عام، بدلاً من نقطتَي عبور كانتا مستخدمتَين في السابق.
وامتنعت ثلاث دول عن التصويت هي روسيا والصين وجمهورية الدومينيكان، بحسب دبلوماسيّين.
وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس “إنه خبر سار لملايين السوريين (…) أنّ مجلس الأمن تمكّن أخيراً من الاتّفاق على اقتراحنا التوافقي”.
وقالت إستونيا، عضو المجلس، إنّه من أصل أربع نقاط عبور العام الماضي لم يبق حاليًّا سوى معبر واحد “في حين أنّ هناك ملايين الأرواح المعرّضة للخطر في شمال غرب سوريا”. بدورها نددت بلجيكا “بيوم حزين آخر لهذا المجلس وخاصة للشعب السوري”.
وخلال مؤتمر عبر الفيديو بعد التصويت، تحدثت روسيا عن “نفاق” ألمانيا وبلجيكا في إجراء المفاوضات. وطلبت الصين من جهتها، من ألمانيا عدم إعطائها دروسًا.
وكان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس دعا في وقت سابق السبت روسيا والصين في تغريدة إلى “الكف عن عرقلة التسوية”.
ومع انقضاء التفويض الأممي الجمعة نتيجة عدم الوصول إلى اتفاق طوالَ أسبوعٍ شهد محاولات فاشلة، سلمت ألمانيا وبلجيكا المكلفتان الشق الإنساني من الملف السوري في المنظمة، مقترحا نهائيا ينص على إبقاء نقطة عبور واحدة إلى سوريا بدل نقطتين.
ويشمل هذا الحل مقترحا عبرت عنه روسيا قبل عدة أسابيع لإلغاء نقطة باب السلام التي تؤدي إلى منطقة حلب شمال سوريا.
ولإنقاذ جزء من الآلية، اضطر الغربيون إلى التراجع عن “الخط الأحمر” الذي وضعوه سابقا والمتعلق بإبقاء نقطتَي عبور. وقد فرضت روسيا بذلك رغبتها على الغربيين في هذا الملف.
وتسمح آلية الأمم المتحدة بإيصال المساعدات للسوريين بدون موافقة دمشق.
الفيتو الـ 16
11 تموز/يوليو
استخدمت روسيا والصين مساء أمس، حق النقض (الفيتو)، للمرة الثانية خلال أسبوع، ضد قرار لمجلس الأمن الدولي، لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا من معبرين حدوديين مع تركيا، لمدة ستة أشهر أخرى.
واعتبر مراقبون أن ذلك يعني أن روسيا ترهن مصير إغاثة السوريين بقبول شروطها وتتضمن الاكتفاء بمعبر واحد بدلاً من اثنين، والطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقديم تقرير شهري عن أثر العقوبات الاقتصادية على الوضع الإنساني في سوريا.
وبعد انتهاء التصويت أمس، على القرار الألماني – البلجيكي، يمكن أن تطلب روسيا تصويتاً جديداً على مسودة قرارها أو الدخول في مفاوضات مع أميركا والدول الغربية على مشروع قانون توافقي لتمديد القرار الذي انتهت ولايته أمس، ويمس حياة نحو أربعة ملايين شخص شمال غربي سوريا.
واستخدمت روسيا والصين الثلاثاء حقّ النقض ضدّ مشروع القرار الذي يمدد لعام الموافقة للأمم المتحدة، مع المحافظة على المعبرين الحاليين: معبر باب السلام المؤدي إلى حلب، وباب الهوى نحو إدلب.
وهذه الإجراءات المحددة للأمم المتحدة تسمح بتجاوز الحصول على أي موافقة من دمشق لنقل المساعدة الإنسانية في مناطق لا يسيطر عليها النظام.
وكانت روسيا التي تعتبر أن القرار ينتهك السيادة السورية، فرضت إرادتها على الأمم المتحدة في يناير (كانون الثاني)، بانتزاعها خفضاً كبيراً في آلية المساعدات عبر الحدود التي باتت تنص على نقطتي عبور بدلاً من 4 نقاط، ولستة أشهر بينما كانت تمدد سنوياً منذ تطبيقها في عام 2014.
“المستنقع السوري”
10 تموز/يوليو
أظهرت مواقف مسؤولين أميركيين أن واشنطن تخيّر موسكو بين عقد «صفقة كبرى» حول سوريا تتضمن تنفيذ ستة شروط فيها تنازلات داخلية وجيوسياسية، وبين زيادة كلفة «المستنقع السوري» بالنسبة إلى روسيا.
وتتضمن الشروط الستة «توقف دمشق عن دعم الإرهاب، وقطع العلاقات العسكرية مع إيران وميليشياتها، والتوقف عن الأعمال العدائية ضد الدول المجاورة، والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل، وأن تغير الحكومة السورية الوقائع على الأرض بطريقة تسمح للنازحين واللاجئين بالعودة بشكل طوعي، ومحاسبة مجرمي الحرب». ويعتقد مسؤولون أميركيون أن الروس قادرون على التأثير على دمشق، وأن ضغط واشنطن يرمي لدفع موسكو للانخراط في تفاوض جدي حول تنفيذ الشروط الستة، وإلا فإن الخيار الآخر أمام روسيا هو «الغرق في المستنقع السوري».
إلى ذلك، أعرب الرئيس السوري بشار الأسد، خلال لقائه رئيس هيئة الأركان الإيراني اللواء محمد باقري أمس، عن «الارتياح» لتوقيع اتفاقية التعاون العسكري بين دمشق وطهران.
على صعيد آخر، أطل رامي مخلوف، ابن خال الأسد، مجدداً بعد صمت دام أسابيع، منتقداً «الإجراءات التعسفية» ضده، ومحذراً متابعيه من التعليق كي لا يتعرضوا للاعتقال من أجهزة الأمن. وقال على صفحته في «فيسبوك»: «أين القوانين؟ أين الدستور الذي يحمي هؤلاء الأبرياء؟ هل أصبحوا إرهابيين ليحتجزوا لأسابيع دون وجه حق».
اتفاق سوري – إيراني
9 تموز/يوليو
وقّعت الحكومتان في سوريا وإيران، أمس، اتفاقاً عسكرياً لتعزيز الدفاعات الجوية لنظام دمشق. وأعلن وزير الدفاع السوري علي عبد الله أيوب، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري، التوصل إلى «اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة في البلدين الصديقين».
وشدد باقر على أن الاتفاق «سيعزز إرادتنا (…) لمواجهة الضغوط الأميركية»، وفق ما أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني، بينما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن أيوب، قوله إن «التعاون الثنائي العسكري والأمني، نوعي ومستمر ويشمل جميع الجوانب».
ويأتي هذا الاتفاق المفاجئ لينسف سيناريوهات تحدثت عن محاولات موسكو لجم تمدد طهران في سوريا عسكريا واقتصاديا، حماية لمصالحها هناك وإرضاء لإسرائيل. كما يأتي تزامنا مع تعاون روسيا وتركيا في كل من الملفين السوري والليبي.
في هذه الأثناء، سارت موسكو خطوة إضافية نحو توسيع هوة التباينات مع الأمم المتحدة حول الوضع في سوريا، عبرتوجيه انتقادات قاسية لتقرير أعده خبراء تابعون للأمم المتحدة عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خلالالشهور الأخيرة، في عدد من المناطق السورية. ويأتي ذلك غداة استخدام موسكو وبكين حق النقض في مجلس الأمن،لمنع تبني قرار بتمديد دخول المساعدات الإنسانية (تنتهي مساء الجمعة) عبر معبرين حدوديين شمال سوريا.
اغتيالات غامضة
8 تموز/يوليو
شهد الأسبوعان الأخيران في سوريا مقتل 8 عسكريين في ظروف غامضة، كان آخرها الإعلان عن مقتل نزار زيدان، قائد ميليشيا تابعة للفرقة الرابعة في قوات النظام يوم الاثنين. ويحمل 5 من الذين تم اغتيالهم رتبة عميد، ويحمل اثنان رتبة عقيد، وبينهم من تمت تصفيته بالرصاص أمام منزله أو في مكتبه. ونُفذت أربعة من تلك الاغتيالات في دمشق وريفها.
واستهدفت هذه الاغتيالات مقربين من ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري. في يوم السبت الماضي، تعرض العقيد علي جنبلاط، وهو مرافق لماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة، إلى القتل قنصاً بالرصاص، أمام منزله في منطقة يعفور. كما اغتيل رئيس فرع المخابرات الجوية بالمنطقة الشرقية (دير الزور، الحسكة، الرقة) العميد جهاد زعل، مع عدد من مرافقيه، ليلة السبت – الأحد، باستهداف غامض لسيارة كان يستقلها مع مجموعة من مرافقيه وعناصره على أوتوستراد دير الزور – دمشق. وهو مقرب من «الحرس الثوري» الإيراني.
تمدد روسي
7 تموز/يوليو
أرسل الجيش الروسي في الساعات الأخيرة، قافلة ضخمة إلى دير الزور، حيث تنشر إيران فيها ميليشياتها وتعتبرها «ممراً» لها إلى سوريا من العراق.
وذكرت شبكة «دير الزور 24»، أن «رتلين عسكريين روسيين دخلا إلى دير الزور، قادمين من ريف الرقة»، مشيرة إلى أنّ حوالي 60 سيارة عسكرية، بينها شاحنات كبيرة، دخلت إلى معسكر الطلائع في دير الزور، في وقت أفاد معارضون بدخول رتل عسكري روسي ثالث، ضم ما يقرب من 30 سيارة عسكرية، إلى المدينة أمس.
وأشار معارضون سوريون إلى أنها المرة الأولى التي يدخل فيها رتل عسكري ضخم إلى هذا العمق في دير الزور، وسط أنباء عن «تصاعد التوتر» بين ميليشيات طهران وفصائل تدعمها موسكو في هذه المنطقة، علما بأن قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا، تسيطر على التنف، المعبر الآخر بين سوريا والعراق.
ويأتي التمدد الروسي، بعد أيام من زيارة قائد «فيلق القدس» في «الحرس» الإيراني إسماعيل قاآني، خليفة قاسم سليماني، إلى دير الزور.
على صعيد آخر، قتل 44 عنصراً من قوات النظام و«داعش» في اشتباكات عنيفة في ريف حمص، جرت خلال اليومين الماضيين، تخللتها غارات روسية، حسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
This video is part of the Commonsense on Syria series providing the opportunity for a broad audience to engage with incisive analysis and important perspectives about Syria and U.S. “regime-change” wars. This session, featuring Jadaliyya co-editor Omar Dahi and Tima Kurdi, author of The Boy on the Beach: My Family’s Escape from Syria and Our Hope for a New Home, discusses internally and externally displaced Syrians.
[This article was originally published by Jadaliyya on 10 July, 2020.]
من المعروف في الحروب أن الثقافة والفنون هما أول من يتضرر وآخر من يتعافى. وقد دفعت الثقافة في سوريا ثمناً باهظاً من الخسائر الناجمة عن الحرب الطويلة وتبعاتها الاقتصادية، والتي لم تُلحق أذاها بمصادر الثقافة ومنتجيها ومروجيها فقط، بل طال أذاها القارئ أيضاً.
وقد أجهزت المعارك التي اندلعت في البلاد على الكثير من دور النشر والمكتبات والمطابع ومستودعات الكتب وغير ذلك، فعلى سبيل المثال تعرض مقر دار الجندي ومستودعاتها في الغوطة الشرقية لأضرار كبيرة، فيما أُحرق المستودع الرئيسي لدار الحصاد ونهبت وخُرِّبت مطابعها إلى جانب خسارتها لكميات كبيرة من الورق ومعدات الطباعة وغيرها. كما لحق الدمار أيضاً بمستودعات مكتبة النوري العريقة في منطقة حرستا، وهذا مجرد غيضٍ من فيض.
وخلال سنوات الحرب تبدلت هوية عشرات المكتبات فتحولت لمقاهٍ ومحلات تجارية أو لجأت لبيع القرطاسية والألعاب والهدايا لتقاوم الإفلاس، فيما تراجع حجم الإنتاج والتوزيع في دور النشر، التي باتت تواجه عقبات كبيرة تهدد استمرارها، وذلك نتيجة عوامل عديدة منها: ارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة والتجليد بشكل خيالي. وتوقف الكثير من المطابع عن العمل. وصعوبة تسويق الكتاب، نتيجة غياب المعارض وتراجع نسبة المبيعات. إلى جانب ذلك حُرم الكثير من الناشرين من المشاركة في المعارض الخارجية لصعوبة الخروج من سورية ولعجزهم عن تحمل نفقات السفر والشحن، فيما أغلقت بعض الدول أبوابها في وجههم، فحرموا بذلك من تسويق إصداراتهم.
حلول بديلة
نتيجة للظروف والعوامل السابقة لجأت وتلجأ معظم المكتبات إلى بيع النسخ المزورة لبعض الكتب التي تحقق مبيعات جيدة. وعند الاطلاع على الكتب المعروضة في بعض المكتبات أمكنني ملاحظة حجم التزوير بسهولة، بدءاً من الغلاف، المصنوع كيفما اتفق، ونوعية الورق الرديء، مروراً بالطباعة، التي تختلف سماكتها وقتامتها بين صفحةٍ وأخرى وسطرٍ وآخر، وليس انتهاءً بالحجم الضئيل للكتاب مقارنة بالنسخة الأصلية منه. ويحدثنا غسان (45 عام)، صاحب مكتبة عامة في مدينة جرمانا تحفل بعشرات الكتب غير الأصلية، عن هذا الأمر: ” نتيجة عجز معظم المكتبات عن شراء النسخة الأصلية للكتب الرائجة وصعوبة إدخال بعضها إلى سوريا تكتفي باقتناء نسخة واحدة من كل كتاب لتقوم بتصويرها أو إعادة طباعتها”. ويبرر البائع ذلك الأمر بقوله: ” النسخة الأصلية التي قد يصل سعرها إلى أكثر من عشرة آلاف ليرة، تباع النسخة المزورة منها بنحو ثلاثة أو أربعة آلاف، وبذلك نستطيع نشر شيء من الثقافة وتزويد القارئ ببعض الكتب الهامة وتعويض بعض الخسائر”.
وعلى الرغم من أن الكتب المزورة قد ترأف بحال القارىء إلا أنها لا تحقق له الفائدة والثقافة المطلوبتين، فهي إلى جانب كونها رديئة الطباعة وسطور صفحاتها متقاربة وكلماتها صغيرة وشبه متلاصقة، نجد أن حجم الاختصار الكبير فيها، والذي يحذف صفحات بأكملها وأحياناً فصولاً، يجعلها تفقد قيمتها الفكرية والثقافية وتسيء لعقل القارئ.
تراجع نوعية ومضمون الكتاب
خلال السنوات الأخيرة بات واضحاً حجم التراجع والتبدل الكبير في النوعية والمضمون الفكري والثقافي والمعرفي للكتب المطروحة في الأسواق، حيث يطغى على معظم المكتبات والبسطات حضور الكتب الدينية والترفيهية وكتب الأبراج، إلى جانب بعض الروايات الاستهلاكية الرائجة ذات العناوين المطروقة والتي لا تغني ولا تطور عقل القارئ. ويلخص أحمد(50 عاماً) ، صاحب مكتبة عامة في الحلبوني، سبب ذلك بقوله: ” أصبحت سوريا خارج حركة الثقافة العالمية ما أبعد القارئ عن مواكبة أحدث إصدارات الكتب القيمة والمميزة والتي تحظى باهتمام وانتشار عالمي، فهي لا تصل إلينا إلا نادراً وذلك نتيجة ارتفاع سعرها، بعد انخفاض قيمة الليرة السورية، وصعوبة استيرادها وضعف إمكانية الترجمة والطباعة وغياب كثير من المترجمين المميزين عن الساحة السورية”.
وتضطر كثير من دور النشر اليوم لنشر كتب سطحية لا تحظى بأي قيمة فكرية لكتَّابٍ لا يمتلكون أي موهبة أو إبداع وإنما يمتلكون المال فقط، وذلك لتتمكن من الاستمرار. ويقول أحمد الذي يعمل لصالح إحدى دور النشر (فضل عدم ذكر اسمها) : “كنا نُخضِع أي مخطوطٍ لتقييم دقيقٍ ونرفض نشره ما لم يكن قيماً وجديراً بالنشر ولكن اليوم تضطر الدار لنشر أي كتاب. وقد كنا سابقاً ندعم الكثير من التجارب المبدعة والجادة لبعض الكتَّاب بنشرها على نفقتنا الخاصة ومن ثم تحصيل تكاليف النشر بعد بيع المنشورات في حفلات التوقيع والمعارض، أما اليوم فقد باتت معظم دور النشر عاجزة عن دعم أحد”. وبحسب أحمد، ثمة عامل آخر أسهم أيضاً في تراجع مستوى منشورات دور النشر وهو “خسارة البلاد للكثير من كتابها وأدبائها ومفكريها الذين غادروها، فباتت نتاجاتهم تُنشر في الخارج بعيداً عن متناول يد القراء في سوريا”.
من جهته يشتكي أبو نديم (62 عام)، بائع بسطة كتب تحت جسر الرئيس، من غياب مصادر الكتب القيمة والثمينة التي كانت تمدُّ البسطات بالعناوين النوعية، حيث يقول: “لم يعد هناك أي مصدر نرفد به بسطاتنا، فالمكتبات المنزلية القيمة التي كنا نشتريها لم يعد لها أي وجود اليوم. فيما انعدم وجود معارض الكتب التي كانت توفر لنا عروضاً جيدة تمكننا من شراء كميات كبيرة بسعر الجملة. أما دور النشر التي كانت تمدّنا بالكتب القديمة وبعض الإصدارات الرائجة فقد أصبحت اليوم عاجزة حتى عن توفير الكتب لنفسها”. ونتيجة لهذا الواقع “أصبحت بسطات الكتب المستعملة اليوم تقتني أي كتاب بصرف النظر عن مضمونه الفكري والمعرفي وذلك لتتمكن من مواصلة عملها”. بحسب أبو نديم.
قبل الحرب كان معرض دمشق للكتاب يمثل المصدر الغني والرئيسي للقارئ الشغوف باقتناء الكتب والبحث عن العناوين الفريدة بنُسخها الأصلية التي كانت تتدفق من كل حدب وصوب إلى المعرض الذي كان يستضيف آنذاك نحو 300 دار نشر عربية وعالمية. لكن تلك الحقبة الذهبية اختفت تماماً منذ العام 2012، حيث توقف المعرض لمدة أربع سنوات. ورغم إعادة افتتاحه في العام 2016 إلا أنه لم يعد لما كان عليه في الماضي، وعن ذلك يحدثنا أبو نديم الذي زار المعرض في دورتيه الأخيرتين: “غابت عن المعرض عشرات دور النشر العريقة والنوعية فيما فردت معظم أقسامه لدور نشر تجارية ذات صبغات إيديولوجية ودينية كبعض دور النشر اللبنانية والإيرانية وغيرها، فيما بدا واضحاً حجم التراجع، كماً ونوعاً، في مستوى المنشورات داخل أجنحة دور النشر السورية، لذا لم يحظَ المعرض باهتمام يذكر من قبل القراء الذين لم يجدوا فيه ما يرضي ذائقتهم “. يذكر أن معظم الأصدقاء الذين زاروا المعرض يشاطرون أبو نديم وجهة النظر ذاتها.
واقع البلاد يؤثر على عادات القراءة ونوعيتها
الوضع النفسي العام، القلق والتوتر وضغوط الحياة اليومية التي أفرزتها الحرب وتبعاتها، التفكير في الحدث السوري وتحليله والدخول في دهاليزه السياسية، هي عوامل كان لها آثار سلبية كبيرة على عادات القراءة التي تحتاج إلى تركيزٍ كبيرٍ وذهنٍ صافٍ وراحةٍ نفسية، وهو ما لم يعد في متناول القراء. ونتيجة لذلك بات الكثير منهم يبتعد عن قراءة الكتب الفكرية والثقافية والعلمية وغيرها ليتجهوا لقراءة الكتب الخفيفة والسهلة والتي لا ترهق عقولهم ولا تحتاج لتفكير كبير، كبعض الروايات والقصص البسيطة. ويحدثنا غسان عن نوعية الكتب التي يُقبل عليها القراء في مكتبته: “تحظى الروايات السلسة كرويات أحلام مستغانمي وباولو كويلو ودان براون وإليف شفق، بأعلى نسبة مبيعات، فبمعدلٍ وسطي نبيع شهرياً نحو 60 رواية منها، فيما نبيع نحو 20 كتاباً في التراث والدين، ومقابل ذلك لا تحقق كتب الفكر أو النقد أو الفلسفة أو التاريخ سوى مبيعات هامشية لا تكاد تذكر”.
وقد تغيرت اهتمامات بعض القراء الذين توجهوا، في محاولة للهرب من ضغوط الحياة، نحو علوم الطاقة واليوغا والتأمل والاسترخاء فباتوا يقرؤون الكتب المتعلقة بتلك العلوم التي استقطبت الكثير من الناس خلال الحرب. فيما انشغل قراء آخرون بتعلم لغات وثقافة بعض البلدان الأوروبية التي يحلمون أو ينتظرون السفر إليها، فجاء ذلك الانشغال على حساب الوقت المخصص للمطالعة.
من جهة أخرى تخلى البعض عن عادة القراءة ليستبدلها بمشاهدة المسلسلات والأفلام والبرامج الوثائقية التي لا تحتاج لجهد ذهني كبير، من بينهم المدرس فراس (42 عاماً) الذي كان مهووساً بالمطالعة ويمتلك مكتبة ضخمة. وعن سبب ذلك يقول: “لنحو شهرين لم أقرأ سوى 50 صفحة من الكتاب الذي كنت أطالعه، فبمجرد أن أقرأ بضعة أسطرٍ منه أشرد بعيداً، لأغرق بالتفكير في المستقبل الغامض والوضع الاقتصادي المعدم وعجزي عن تأمين ثمن سجائري، لهذا قل شغفي بقراءة الكتب وفقدت شيئاً من المتعة فبت أبحث عن شيء مسلٍ ينسيني واقعي كمشاهدة الأفلام وممارسة بعض الألعاب الترفيهية”.
الكتاب الذي كان في ما مضى يقع في قمة الأولويات تراجعت أهميته ليصبح نوعاً من الكماليات، وبات شراؤه حلما بعيد المنال عند كثير من الناس، ففي ظل تدهور الواقع المعيشي والغرق في مستنقع اليأس والمجهول والعجز عن تأمين أبسط متطلبات الحياة يصبح شراء الكتاب نوعاً من الترف والبذخ، فالثقافة لا يمكنها أن تصبح بديلاً عن الخبز.