شتاء قاس يفاقم مرارة نازحي شمال سوريا

شتاء قاس يفاقم مرارة نازحي شمال سوريا

نزح مليون سوري من ريفي إدلب وحلب خلال ٧٥ يوماً. تزداد يوماً بعد يوم معاناتهم خلال هروبهم من الموتإلى المجهول مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في شمال غربي سوريا.

نسير على صوت بكاء وصراخ الأطفال والنساء وصوت انقضاض الطائرات الحربية الروسية وغاراتها وقذائفالمدفعية وراجمات صواريخ النظام وتحت جنح الظلام، في مشهد يطغى عليه الخوف والذهول خرجت وأسرتيوأحفادي، بهذه الكلمات تحدث أبو منذر بعد نزوحه من سراقب شرقي إدلب. وأضاف: “تلك الليلة كانت أقسى وأصعب ليلة مرت بحياتي، حيث سرت حينها وأفراد أسرتي مشياً على الأقدام أحمل أحد أحفادي إلى جانب هم لاتحمله جبال العالم. همنا الوحيد ومئات الأسر من مدينتنا حينها هو الابتعاد عن أبنية المدينة التي باتت هدفاً مباشراً لكل أنواع أسلحة النظام والروس خوفاً من الموت.

عدد من السيارات الفارغة لمتطوعين كانت في انتظارهم، على أطراف المدينة وقاموا بنقلهم دون اصطحاب أي شيء من الحاجات، نحو منطقة الدانا القريبة من الحدود التركية ولجأنا إلى هذا الجبل القريب منها، بضيافة أسرة نازحة من ريف حلب الجنوبي كانوا أيضاً قد استقبلونا دون معرفة سابقة وأقمنا عندهم لثلاثة أيام ريثما قدمت لنا إحدى المنظمات الإنسانية خيمتين وعدداً من فرشات الإسفنج وأغطية، فيما قدمت لنا منظمة أخرى سلة تحوي مواد غذائية. وقال أبو منذر: أتمنى العودة إلى منزلي ومدينتي التي عشت فيها سنوات عمري الستين إلى جانب أبنائي وأحفادي بأقرب وقت، ولكن دون أن يكون نظام الأسد حاكماً لسوريا.

على بعد أمتار من مكان خيمة أبو منذر، تقيم أم إبراهيم في خيمة متواضعة لجأت إليها مؤخراً وأبناؤها هاربة من قريتها تل الطوقان شرقي إدلب بسبب القصف وعمليات النظام العسكرية. لم تستطع إخفاء حزنها وقلة حيلتها على تحمل أعباء الحياة في ظل النزوح لا سيما أنها فقدت زوجها قبل عام بسبب القصف على قريتها وعبرت عن ذلك ببضع كلمات قائلة: أرجو من الله أن لا يطيل علينا هذا الحال حيث لا دفء ولا مال أعين أسرتي به على تكاليف الحياة سوى سلة غذائية شهرية من إحدى المنظمات بالكاد تكفينا أنا وأسرتي لمدة شهر ريثما تأتي الأخرى. وأضافت أنها في هذه الظروف ليس بإمكانها تأمين حتى ألبسة شتوية لأبنائها الخمسة الذين لا تتجاوزأعمارهم العاشرة. وبدل أن يتلقوا التعليم يقومون بشكل يومي بجمع أكياس البلاستيك وبعض أعواد القش كوقود للتدفئة ليلاً.

لجأ أبو ممدوح”  مؤخراً إلى جبل حزرة بمحيط مدينة الدانا وعن تجربته يقول: “هذه المرة هي الثانية التي أنزح فيها، حيث كانت المرة الأولى قبل 3 سنوات حين نزحت وأسرتي من قريتي بريف حلب الجنوبي ولجأت إلى قرية كفر حلب بريف حلب الغربي مصطحباً قطيعا من الأغنام كنت قد عملت على تربيته لسنوات طويلة حتى وصل بنا المطاف إلى هذا الجبل الوعر حيث لا أعشاب ولا مراعي للقطيع مثل الكثيرين غيري من أبناء بلدتي واجهوا ذات المصيرمؤخراً. وأضاف أنه يفكر حالياً ببيع قسم من قطيعه للتخفيف من كلفة إطعامه الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الأعلاف في ظل انعدام المراعي في مثل هذه المناطق الجبلية وبذلك يكون قد خسر نصف قطيعه مقابل إنقاذ النصف الآخر للأيام المجهولة.  

 خيام في العراء

مع تدفق آلاف النازحين من مناطق ريف إدلب وغرب حلب وعدم قدرة المدن شمال سوريا على استيعابهم، باتت الجبال القريبة من الحدود التركية الملاذ الآمن والأخير أمام النازحين.

سامر الحسين ناشط في المجال الإنساني والتوثيق، قال بأن الخيار الأخير أمام النازحين هو اللجوء إلىالمناطق القريبة من الشريط الحدودي التركي باعتباره منطقة آمنة إلى حد ما بنظرهم. وأشار إلى أنه تم إنشاء ما يقارب 30 مخيماً جديداً للنازحين في مناطق دارة عزة وحزرة والدانا ودير حسان وعقربات وكفرلوسين وكلبيت وبابسقا وباب الهوى الحدودي وسرمدا أوت ما يزيد عن سبعة آلاف أسرة. وأضاف أن عددا من الأسر هي بالأصل كانت نازحة من ريف حماة وغيرها من المناطق السورية ضمن مخيمات بريف إدلب الشرقي وريف حلب الغربي، وعندما لجأت إلى هذه الجبال جلبت معها خيامها وأقامت مخيمات فيها، بينما النازحون من أبناء تلك المناطق واجهوا ظروفاً صعبة لعدة أيام ريثما قامت بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية بمد يد المساعدة لهم وتقديم الخيام وبعض المستلزمات الإنسانية والحياتية لهم كالطعام وخزانات مياه.

نزح “أبو خالد” مؤخراً من منطقة معرة النعمان إلى مخيم جديد في جبل البردغلي القريب من الحدود التركية  ويشارك تجربته: “لم يكن بالحسبان الظروف الصعبة التي نواجهها الآن في هذا المخيم قاسي الطبيعة والصخور وكنا قد اخترنا هذا المكان لتلافي مشاكل غرق الخيام في أرض مستوية وذات تربة كثيفة نتيجة الأمطار والسيول التي أغرقت مخيمات كثيرة. وأضاف أن” إنشاء المخيمات العشوائية وسط الجبال دون البدء بتنظيمها بطرق وشوارع قبل وضع الخيام يشكل صعوبة بالغة أمام النازحين من حيث تأمين الخدمات مثل تأمين مياه الشرب والمستلزمات الحياتية الأخرى، وغالباً ما نقوم بحمل جالونات مياه الشرب لمئات الأمتار إلى خيامنا لعدم وجود طرق تسهل علينا ذلك بسبب الصخور ووعورة الجبال”. وأوضح “بينما نستفيد الآن من جمع مياه الأمطار ببعض الأواني وأسقف الخيام للاستعمالات المنزلية كالغسيل والجلي، وكنا قد ناشدنا عدة منظمات بتقديم المساعدة لشق الطرق إلى أن الاستجابة ما زالت ضعيفة بحجة عدم توفر الكلفة المالية لذلك”. 

 موت من البرد

الناشط الإعلامي محمود الإدلبي، قال إن 8 مدنيين بينهم أطفال ماتوا بسبب البرد وموجة الصقيع في مخيماتالنازحين السوريين ونتيجة استخدام وسائل تدفئة غير صحية نظراً لغياب وسائل التدفئة الصحية كالحطب وارتفاعأسعار الوقود، بينهم عائلة كاملة (أب وأم وثلاثة أطفال) ماتوا إختناقاً بسبب استنشاقهم الدخان السام المتصاعد من المدفأة نتيجة استعمال البلاستيك المستعمل كوسيلة تدفئة داخل الخيمة في أحد المخيمات العشوائية غرب مدينة سرمدا، وتوفي 3 أطفال آخرين تتراوح أعمارهم بين السنة و 3 سنوات في مخيم أطمة نتيجة تعرضهم للبرد الشديد وإصابات في الرئتين في مخيم أطمة الحدودي شمال إدلب“.

مصعب القاسم مسؤول في مركز مخيم كفرلوسين الطبي، قال بأن تدفق آلاف النازحين بشكل مفاجئ تزامن مع موجة برد قاسية وصقيع وانخفاض كبير بدرجات الحرارة وصلت في الأيام الماضية إلى 7 تحت الصفروانعكس ذلك على صحة النازحين بسبب اعتمادهم على وسائل بدائية وغير صحية في التدفئة والطبخ كالبلاستيك والأحذية المستعملة وغيرها وانبعاث الدخان السام منها داخل الخيام، ما تسبب ذلك بحالات مرضية كبيرة بين الأطفال وتحديداً الرضع منهم، تمثلت بالتهاب القصبات والرئتين وضيق بالتنفس. وأضاف القاسم: بشكل يومي تردنا عشرات الحالات المرضية للأطفال النازحين إلى المركز ومراكز أخرى نقدم لهم الإسعافات الأولية كـالرذاذ والأكسجين والعلاج الوقائي ضد الالتهاب، إلا أن ذلك ليس حلاً مثالياً لتلافي الأمراض بين النازحين ونتخوف من ارتفاع نسبة المرضى إلى حد ليس بوسعنا تغطيته وتقديم العلاج اللازم لهم.

تشير الإحصائيات الأخيرة بحسب ناشطين محليين إلى أن عدد النازحين في مناطق الشمال السوري يتجاوز مليوني شخص من مدن دمشق وريفها وحماة ودرعا وحمص وأرياف إدلب وحلب يتوزعون في مخيمات ضمن مناطق حدودية مختلفة وعدد كبير من النازحين يقيمون في المدارس والمساجد وأبنية قيد الإنشاء غير صالحة للسكن. ووفق الأمم المتحدة، فإن النزاع السوري تسبب بأكبر أزمة لجوء في العالم منذ الحرب العالمية الثانية مع فرار5.5 مليون شخص من البلاد ونزوح أكثر من 6.6 مليون داخله.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان” بأن أعداد النازحين في حلب وإدلب تخطت حاجز المليون شخص، وذلك بعد اتساع رقعة العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام وروسيا.

  

أهالي محافظة إدلب، بين سندان الوصاية التركية ومطرقة الحل الروسي

أهالي محافظة إدلب، بين سندان الوصاية التركية ومطرقة الحل الروسي

لم تعد مشاهد النزوح الجماعي السوري هرباً من الموت تلفت أنظار وسائل الإعلام الغربي أو استنكار قادة العالم، لقد أضحى السوريون رهينة لمصالح اللاعبين الأساسيين بكل ما تحمل الكلمة من فجاجة وقبح. منذ ديسمبر2019   نزح أكثر من مليون شخص من مناطق ومدن محافظة إدلب في أكبر موجة نزوح منذ تسع سنوات، حيث هربت آلاف العائلات من مناطق القصف والقتال من مدينتي معرة النعمان وسراقب وما حولهما، تبعها تدّفق آلاف أخرى من مدنِ وبلدات الريف الغربي لمدينة حلب باتجاه مناطق درع الفراتوغصن الزيتونحيث سيطرة الجيش والحكومة التركية.

لكن لا مكان للهاربين من الموت، البرد قارص، وآلاف العائلات مبعثرة على طرقات المدن وأطراف البلدات، حيث يبيت معظمهم داخل الشاحنات والسيارات التي تضيق بركابها وما تحمله من متاع، ومن كان محظوظاً ويحمل قليلاً من المال دفعه مقدماً لإيجار بضعة أشهر بأسعارٍ لم تشهدها تلك المنطقة سابقاً. ما يزيد من قتامة المشهد غياب المجالس المحلية والمنظمات الإغاثية تماماً عن هذا المشهد المهول، فلا مراكز إيواء أو حتى رغبة بتقديم مكانٍ مخصصٍ لإيواء النازحين، وحدهم المتطوعون من الأهالي ومن الناشطين بعيداً عن منظماتهم ومجالسهم المحلية التي تخشى على تمويلها وتراخيص عملها في المنطقة التي تهيمن عليها منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية آفاد” (AFAD)، هم وحدهم من يناضلون في محاولةٍ لتلبية الاحتياجات التي أصبحت محصورة في إيجاد أماكن لنصب الخيام. أحد النازحين المسنين يشتكيلا يسمحون لنا بأن ننصب الخيام في تلك المناطق، يدّعون بأنها أراضي تركية، ويتابع بحرقة ما أعرفه بأن هذه أراضي سورية وليست تركية، ويكتب قائد فريق ملهم التطوعيعلى حسابه الشخصي على الفيسبوك للأسف نحن لا نملك من أمرنا شيء، هناك قرار بعدم إقامة مخيمات في مدن شمال سوريا، بدون ضغط من أعيان هذه المدن لحماية أهلنا من المناطق النازحة. مدراء المنظمات يخافون على تراخيص منظماتهم، مدراء المجالس المحلية يخافون على مناصبهم، قادة الفصائل نحن ممنوعون من إقامة مخيمات علي أراضينا!“ 

في المقابل يستنفر الجيش التركي ويزيد من تدفق عتاده وجنوده لرسم حدود جديدة داخل محافظة إدلب مدّعياً بأنها حدود متفق عليها مع الروس ضمن مذكرة سوتشيفي 17 أيلول 2018، بينما تظهر ملامح تصادم بين الجيشين السوري والتركي غداة قصف سوري لقاعدة تفتناز الجوية مما أودى بحياة خمسة جنود أتراك، يقابله إسقاط مروحية للجيش السوري بواسطة صاروخ محمول على الكتف من قبل عناصر نقطة المراقبة التركية قرب بلدة دارة عزة بحسب التصريحات الروسية.

هناك غضب تركي واضح، تُظهره وسائل الإعلام التركية مع تصريحات نارية للمسؤولين الأتراك، حيث هدّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية واسعة في سوريا، إذا لم ينسحب الجيش السوري من المناطق التي سيطر عليها مؤخراً إلى خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، فالحل بحسب إردوغان يتمثّل “بانسحاب النظام إلى الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات. وإلا فإننا سنتعامل مع هذا قبل نهاية فبراير“.
لم تكتفي الحكومة التركية بالتصريحات، فهي تعلم بأن الجيش السوري يتقدم بشكل يومي في ريف حلب الغربي وبالتالي لن تتمكن من إجباره على التراجع حتى لو توقف القتال، لذا فقد أرسلت الكثير من القطع العسكرية والجنود ليتمركزوا في ريف حلب الغربي وخاصة في محيط مدينة الأتارب، أكبر مدن ريف حلب الغربي، والتي يحاول الجيش السوري التقدم ليفرض سيطرته عليها.

لكن ما سبب كل هذا الغضب التركي؟ ولماذا تحاول روسيا خرق تفاهمها بحسب الرواية التركية مع تركيا؟

 يعلم الروس جيداً وكذلك النظام السوري بأنّ تركيا تملك كل خيوط اللعبة في محافظة إدلب، وبالتالي بدون توافق تركي فلا حل نهائياً في الشمال، ولذلك كان الروس واضحين جداً بالتقارب مع الأتراك واغتنام حادثة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 لتحقيق ذلك، على الرغم من التوتر الذي حصل إبان إسقاط المقاتلة الروسية بواسطة قوات الدفاع التركية في 24  نوفمبر 2015.

 لم يستطع الجيش التركي أن يتجاوز الحدود إلى الداخل السوري عندما كان الملف السوري بيد واشنطن، فلا حجة المنطقة الآمنة أو فكرة حظر الطيران، ولا حتى محاربة داعش سمحت للجيش التركي بالتوغل في الأراضي السورية ناهيك عن السيطرة على بعض المدن الحدودية والعبث فيها، وحده التوافق مع روسيا مكّنهم من ذلك ولا يزال، هي منافع متبادلة، فتركيا لديها أمنها القومي المهدد من تنامي قوة الأكراد في شمال سوريا، وروسيا لديها خارطة الحل المنحازة إلى جانب النظام السوري، ولا يمكن تحقيق كلا الأمرين إلا بالتوافق بين هاتين الدولتين، ولذلك كانت مؤتمرات أستانا أكثر فاعلية من كل مؤتمرات جنيف التي سعت إليها ونظمتها الأمم المتحدة.

 هذا التوافق الروسيالتركي القائم على المنافع المتبادلة، والذي بدأ بتبادل مناطق للسيطرة، ثم تطمين الجانب التركي فيما يخص أمنه القومي من خلال إعادة تفعيلاتفاقية أضنة بضمانة روسية، ناهيك عن سيطرة الجيش التركي على منطقتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي شرق الفرات، بدأ يصطدم بتعنتٍ تركي واضح بعد العملية العسكرية للجيش السوري في جنوب محافظة إدلب، والتي انتهت بالسيطرة على مدينة خان شيخون الاستراتيجية. حاول الجيش السوري حينها بدعمٍ روسي التوجه شمالاً نحو مدينة معرة النعمان ولكن الجيش التركي تحرك مسرعاً لوضع جنوده وعتاده جنوب مدينة معرة النعمان لإرغام الجيش السوري على التوقف، ليظهر الروس سخطهم عن طريق استهداف مقاتلة روسية لشاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان، ولكن الرتل التركي تابع طريقه بعد توقف قليل ليؤكد على تماسك موقفه في سبيل وقف تمدد الجيش السوري عند هذا الحد.

بعد سيطرة الجيش السوري على مدينتي معرة النعمان وسراقب، بدأ الجيش بالتوغل في منطقة ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الأتارب، محاولاً الوصول نحو معبر باب الهوى الحدودي ليضع بذلك أغلب مدن وبلدات محافظة إدلب خلف ظهره في محاولة لإعادة السيطرة عليها بعد قطع خط إمدادها، لكن يبدو بأن الحسابات التركية مختلفة عن الحسابات الروسية المستعجلة لإنهاء ملف إدلب بشكل كامل.

لقد تعاملت الرئاسة الروسية بطريقة مراعية للمخاوف التركية حين قبلت بأن يكون الحل شرق الفرات أولاً قبل ملف إدلب، وذلك بعد قمة طهران الثلاثية في نهاية عام 2018، والتي نتج عنها تحركات عديدة لحل ملف شرق الفرات انتهى بانسحاب آني للقوات الأمريكية في أكتوبر 2019تاركةَ المجال مفتوحاً أمام دخول الجيش السوري ليتمركز في مناطق محددة في شمال شرق الفرات، وكذلك الجيش التركي ليسيطر على منطقتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين، وأيضاً انطلاق محادثات بين الجانب الكردي مع النظام السوري لحل ملف شرق الفرات والميليشيا الكردية. لكن يبدو بأنّ المخاوف التركية لا زالت موجودة على الرغم من ذلك، فالجيش الأمريكي عاد ليتمركز في أماكن تواجده السابقة في شرق الفرات من جديد، ولا نتائج حقيقية في الملف السياسي المتداول بين النظام والأكراد، وربما هذا يدعو تركيا لعدم التفريط بمحافظة إدلب، فهي كما وصفها الرئيس التركي في قمة طهران الثلاثية إن مستقبل منطقة إدلب لا يتعلق بمستقبل سوريا فقط، وإنما يتعلق بمستقبل تركيا أيضاً، وبالأمن والاستقرار في تركيا، وبالتالي لا وقت للتنازل والمساومة، وغالباً هذه فرصة تركيا الأهم في تاريخها لضمان أمنها القومي المُهدّد من شمال سوريا وبشكل نهائي، ويبدو بأنها عازمة عليه.

 وأيضاً هناك أمر آخر، ويبدو من الممكن البحث فيه، فمن الواضح بأن التوافق الروسي التركي في سوريا يصطدم باختلاف مواقف كلا البلدين في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني بكامل ثقلها وإلى جانبها قطر وإيطاليا، حتى أنها سمحت بتدفق مقاتلين سوريين من الفصائل السورية التابعة لها للقتال إلى جانب حكومة السراج في معركة الدفاع عن العاصمة طرابلس، في حين تقف روسيا خلف المشير خليفة حفتر إلى جانب كل من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا.

صحيح بأن الرئيسين الروسي والتركي اتفقا على وقف إطلاق نار في ليبيا، ولكن يَبدو بأنّ المشير حفتر قد تمرّد على القرار الروسي حين رفض التوقيع على الهدنة في موسكو ليستمر في القتال دون توضيح الأسباب الحقيقية إن كانت حركته تمرّد فعلي على القرار الروسي أم أنه بتوافقٍ ضمني معها. كل ذلك يشير إلى أن محافظة إدلب قد تكون منطقة موجعة للضغط على روسيا لتلبية مصالح تركيا سواء شرق الفرات أو في ليبيا، وبالنسبة لروسيا فإنّ إعادة السيطرة على كامل محافظة إدلب تعني بداية طي الملف السوري، خاصة بأن لجنة إعداد الدستور السوري قائمة والانتخابات الرئاسية على الأبواب.

 في النهاية كلا البلدين يملكان الكثير جداً من المصالح المشتركة، والتي تجعل من تقاربهما أكبر بكثير من احتمال تباعدهما كما يأمل بعض السوريين، هي فقط مصالح تستنزف حاضر ومستقبل السوريين بعيداً نحو مكان وزمان قد لا يتسع لهم حتى لنصب مخيم إيواء داخل حدود بلادهم.

 

Syria in a Week (10 – 17 February 2020)

Syria in a Week (10 – 17 February 2020)

The following is a selection by our editors of significant weekly developments in Syria. Depending on events, each issue will include anywhere from four to eight briefs. This series is produced in both Arabic and English in partnership between Salon Syria and Jadaliyya. Suggestions and blurbs may be sent to info@salonsyria.com.

Restricting Sales

16 February 2020

A decision by the Syrian government has come into effect obligating citizens wishing to buy real estate or cars to pay for them in total or in part through banks; a move seen by experts to be aimed at stimulating the bank sector and reducing tax evasion.

Decision number 5 issued by Prime Minister Imad Khamis stipulates that “public entities legally commissioned with holding various real estate and car ownership records will not certify sales contracts (…) unless they are accompanied by proof of payment (total or partial) through a bank account of the owner.”

This new law coincides with increased government legal procedures against all who carry out transactions not using the Syrian pound, which witnessed record lows in recent weeks. The exchange rate in the black market exceeded one thousand Syrian pounds for one dollar, whereas the official exchange is rate is four hundred and thirty-four to the dollar.

The decision obligates citizens to open bank accounts in a country where banknotes are prevalent in commercial transactions and bank exchanges are practically absent.

The central bank has also approved a proposal to raise the bar for residential mortgages by three folds i.e. from five million to fifteen million Syrian pounds, and two folds for house renovations i.e. from two million for four million Syrian pounds.

The United Nations estimated the cost of reconstruction in Syria to be around four hundred billion dollars in 2018.

Analysts attribute the recent rapid “collapse” of the pound to the economic crisis in neighboring Lebanon, where Syrian businessmen deposited millions of dollars in banks that have recently imposed severe restrictions on withdrawal transactions amid an acute liquidity crisis.

Inevitable Victory

15 February 2020

Russian Foreign Minister Sergey Lavrov said on Saturday that Syrian President Bashar al-Assad’s victory in Idlib governorate, the last opposition stronghold in Syria, is “inevitable”.

For months, the Syrian government has been engaged in a military operation, with Russian air support, in the governorate of Idlib, northwest of Syria, where Tahrir al-Sham (previously Nusra) holds control, alongside other opposition and jihadist factions.

Turkey established twelve observation posts in Idlib under a ceasefire and de-escalation agreement reached in 2018 between Ankara, which supports opposition factions, and Moscow.

Bloody battles between Turkish and Syrian forces have left fourteen Turkish soldiers dead in recent days and sparked an exchange of accusations between Moscow and Ankara.

“War of Words”

15 February 2020

Turkey responded on Saturday to Russian accusations of failing to abide by the 2018 agreement, insisting that it has carried out its responsibilities in Idlib, the last major stronghold for militant rebels in Syria.

“Observation posts were established and the (Syrian) government should have stayed outside this area. Russia and Iran should have guaranteed that it stayed outside. Turkey also had responsibilities which it has fulfilled,” Tukey’s Vice President Fuat Oktay told the NTV news station.

Turkey and Russia have engaged in a war of words regarding Idlib, as the Syrian government -with support from Moscow- has intensified its offensive in the northwest, which has killed hundreds of civilians.

The Russian defense ministry said earlier this month that Turkey does not distinguish between “moderate opposition rebels and terrorists.”

The death of fourteen Turkish soldiers in Idlib by Syrian government bombardment led to increased tensions.

Downing of Two Helicopters

14 February 2020

A helicopter for the Syrian army was downed on Friday northwest of Syria and its crew were killed, in the second instance of its kind this week, amid escalating tensions between Ankara and Damascus, which has continued its advance against jihadists and opposition factions.

Syrian government forces, with support from their Russian ally, have carried out an offensive in northwest Syria since December of 2019 against the last stronghold for jihadists and opposition factions, despite warnings by Ankara.

The National Front for Liberation adopted the downing of the helicopter on Friday.

The Syrian Observatory for Human Rights reported the deaths of the pilots and that their bodies were found.

Turkish authorities did not immediately comment, whereas the Anatolia news agency mentioned the incident without giving any details.

Soleimani’s “Shadows”

14 February 2020

Israeli airstrikes against “Iranian positions” in Damascus and its surrounding have left seven people dead including four from the Iranian Revolutionary Guard, in a step that was considered as a chase after the “shadows” of the leader of the Quds Force of the Revolutionary Guard Qassem Soleimani, who was assassinated by Washington in early January.

Tel Aviv is “now more convinced that Russia is not capable of controlling Iran’s influence in Syria, so, it decided to intensify the bombardment despite Moscow’s reservations,” a Western official told Asharq al-Awsat newspaper.

Armenian Genocide

13 February 2020

The Syrian parliament unanimously declared that the killings of Armenians between 1915 and 1917 by the Ottomans is a genocide, as the tensions between Damascus and Ankara intensify after confrontations in northwest Syria.

In a statement, the parliament announced that it “condemns and acknowledges the mass killings of Armenians by the Ottoman state in the early twentieth century.”

Current Syrian territories are considered one of the most prominent arenas for Armenian massacres. Historians say that Ottoman authorities forced them to walk vast distances through the desert and then put whoever survived in detention camps.

There was a memorial in Deir Azzor (east of Syria) for the genocide of Armenians, but ISIS militants destroyed it.

Bitter Displacement

13 February 2020

The offensive by the Syrian government, with support from Russia, against the last major stronghold of opposition factions has led to the displacement of more than eight hundred thousand people since December, the United Nations said on Thursday.

“Of the more than eight hundred thousand displaced people in northwest Syria since 1 December 2019 and up to 12 February 2020, it is estimated that sixty percent are children,” said the office of the UN High Commissioner for Human Rights.

Idlib and parts of the adjacent Aleppo governorate are home to around three million people, half of whom have been already displaced from other parts of the country. In recent years, this region has turned into a sanctuary for people fleeing or those who were evacuated from other parts of Syria that were previously under the control of the opposition. With the offensive in Idlib, these people have nowhere to flee to.

The UNHCR office estimates that around eighty-two thousand people are sleeping in the open.

Opening Arteries

12 February 2020

Government forces are expanding their deployment along the Aleppo-Damascus international road in northwest Syria in order to guarantee its security after taking full control over it for the first time since 2012, according to the Syrian Observatory for Human Rights on Wednesday.

Government forces launched a wide offensive in December with Russian support in Idlib and neighboring areas controlled by Tahrir al-Sham (previously Nusra) and other less influential opposition factions.

The offensive is focused on the southern countryside of Idlib and the adjacent western countryside of Aleppo, where the M5 international road passes, which connects Aleppo with the capital Damascus and passes through major cities such as Hama and Homs all the way to the southern border with Jordan.

After weeks of bombardment and battles, government forces have completely taken over the international road for the first time since 2012, the year in which opposition factions started to expand in Syria.

“Neutralizing” Syrians

10 February 2020

Turkey said that it “neutralized” one hundred and one Syrian soldiers in retaliation to Syrian bombardment that killed five Turkish soldiers in northwest Syria.

This information has not been independently confirmed.

The ministry added that Ankara continued the bombardment of Syrian positions on Monday.

Five Turkish soldiers were killed and five others injured at a previous time when Syrian forces targeted Turkish positions in Idlib governorate northwest of Syria.

Eight other Turkish soldiers were killed in the previous week as a result of Syrian bombardment.

 

انهيار الليرة السورية يعصف بشتاء السوريين\ات

انهيار الليرة السورية يعصف بشتاء السوريين\ات

داخل محل لبيع الملابس المستعملة وسط مدينة القامشلي تتأمل “رغد زكي” ما يُعرض فيه من أحذية وألبسة شتوية قديمة متنوعة الأحجام، وتقف حائرة في انتقاء ما يناسب أطفالها الخمسة من كسوة الشتاء وتشكو: “لم نعد قادرين على إكساء أولادنا من محلات الألبسة الجديدة بسبب الغلاء والأزمة الاقتصادية بعد انهيار الليرة السورية أمام العملة الأجنبية (الدولار) فأسعار الثياب والأحذية الجديدة ارتفعت ثلاثة أضعاف مقارنة مع أسعار العام الماضي”.

وتقف إلى جانبها الشابة العشرينية  “روشن” ممسكة بزوج حذاء أسود تتفحصه لتتأكد أنه يستحق السعر الذي قدره البائع لها بـ 8آلاف ليرة سورية وتعلق: “شراء قطعة من (البالة) ذات جودة عالية، أفضل من شرائها من المحلات الجديدة التي أغلبها بضاعة صينية لا تتميز بالجودة العالية، إضافة لأسعارها الباهظة التي تقدر بين بـ15ألف ليرة سورية إن كانت بمواصفات متوسطة الجودة”.

أسعار الغذاء

في بدايات شهر كانون الأول الفائت وصل سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار لـ 950، وسط تداول احتمالات عن وصول سعر الدولار إلى ألف ليرة.

وفي جولة بالأسواق لتفحص أسعار بعض الخضروات، فقد وصل سعر كيلو البطاطا إلى300  ليرة  وكيلو البندورةإلى 700 ليرة وكيلو الموز إلى 1400 ليرة، وتجاوز سعر كيلوغرام اللحمة الـ 7000 ليرة بدل ال4000 ليرة.

وبحسب التجّار فقد زاد سعر كيلو السكر من 400 ليرة إلى 550. وشملت موجة الغلاء مواد غذائية أخرى، حيث زادت بمقدار الضعفين أسعار زيوت الطعام والأرز والأجبان والعدس والبيض، وهي من أساسيات الغذاء السوري.

ولم يقتصر تأثير ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على ارتفاع أسعار الألبسة والمواد الغذائية والمحروقات بل وصل لمواد البناء مما أدى لعرقلة الحركة العمرانية التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا؛ فبحسب المكاتب العقارية ارتفعت أسعار تأجير وبيع الشقق السكنية والمحلات التجارية  للضعفين.

تقليص الاحتياجات الضرورية 

وتعاني سوريا نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، وترتفع  في السوق السوداء  قيمة الدولار على نحو متزايد، وهو ما يتسبب في ارتفاع الأسعار ودفع المواطنين لتقليص احتياجاتهم الضرورية.

وعلى سبيل المثال، قرر “ابراهيم سعد” ( عامل في خياطة الملابس النسائية) تقليل احتياجات عائلته الغذائية كحلول لمواجهة غلاء السلع، لكنه ينوه “على الرغم من ذلك لم نسلم من العجز والديون الثقيلة.”

ولا يختلف حال “أحمد” (سائق سرفيس عمومي لخط قناة السويس) إذ يشكو تدهور وضعه المعيشي، ويؤكد أنه يصرف نصف دخله اليومي على بنزين سيارته، بينما يسخر الباقي لمصروف عائلته المكونة من سبعة أشخاص والذي لا يغطي ربع احتياجاتها الضرورية كما يوضح.

وتقول “سمية غانم” (زوجة حلاق رجالي في مدينة الحسكة وأم لأربعة أبناء) إن فاتورة تسوقها ارتفعت من 100 ألف ليرة سورية إلى 200 ألف  وتضيف: “اضطررتُ لاختصار الكثير من الحاجات، وتخليتُ عن شراء المعلبات كالسردين والتونة والمربى، واستبدلتُ بعض أنواع الصابون ومستحضرات النظافة التي كنت أستخدمها بأنواع أرخص”.

الإدارة الذاتية ترفع أجور موظفيها

و بعد ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء البضائع والمستلزمات الرئيسية للحياة في الأسواق، أعلنت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا رفع أجور الموظفين لديها خلال اجتماع عقدته الهيئة الرئاسية للمجلس التنفيذي مع هيئة المالية في 27 من تشرين الثاني (نوفمبر)، ويبلغ عدد موظفي الإدارة نحو 220 ألف موظف بين مدني وعسكري.

وبحسب القرار فإن الزيادة وُزعت على ثلاث شرائح: الأولى تخص الفئة التي تتقاضى 80 ألف ليرة وما دون، وستكون الزيادة بنسبة 35% من الراتب. أما الشريحة الثانية فتخص الفئة التي تتقاضى من 81 ألف إلى 100 ألف ليرة، وسوف تكون الزيادة بنسبة 25% من الراتب. والشريحة الثالثة: تخص الفئة التي تتقاضى 101 ألف وما فوق، وستكون الزيادة 15% من الراتب.

ومع ذلك، فإن الزيادة بعيدة عن تلبية مطالب الأسرة السورية المتوسطة نتيجة لارتفاع الأسعار والانخفاض الحاد في قيمة الليرة السورية.

وقام بعض التجار بإغلاق متاجرهم عن طيب خاطر بسبب الفوضى في أسعار الصرف وأسعار الدولار، حيث أن الأسعار ارتفعت بالفعل عشرة أضعاف منذ بداية الحرب السورية إلى الآن. فالحرب التي دخلت عامها التاسع هدمت الاقتصاد السوري وأوقفته بشكل شبه كامل، وتسببت في كارثة إنسانية مهولة للسوريين.

وبلغت الموازنة السنوية بحسب تقارير اقتصادية لعام 2019 خمسة مليارات دولار بعد أن كانت 17 ملياراً في 2011، وهي موازنة تعجز عن سداد رواتب موظفي الدولة.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب بلغت 400 مليار دولار، إضافة إلى أن 9 ملايين سوري أصبحوا عاطلين عن العمل.

وأشار الخبير الاقتصادي “يونس السعيد” أن الناتج المحلي للبلاد سجل منذ بداية الأزمة والحرب خسائر بقيمة 226 مليار دولار، مشيراً إلى أن نسبة 67% من القدرة الصناعية دُمرت بالكامل، وتحولت سورية إلى بلد مستورد للمحاصيل الزراعية بعد أن كان مصدر لها. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن سوريا بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار من أجل إعادة تحريك الاقتصاد.

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

يختبر السوريون منذ حوالي الأسبوعين حرباً من نوع مختلف، كانوا وكأنهم ينتظرونها، لكن ليس من موقع المرحّب، بل من موقع العالم بمسيرة الأحوال التي تعني لهم اقتراب موت كان مؤجلاً، لكنه الآن انحرف بسرعة حادة وجنونية وبات لصيقاً بهم ومشرفاً على اختناقهم ومتدخلا ًبنهايتهم الموجعة.

المحال التجارية مغلقة، وجوم حاد في قسمات الوجوه العابرة، والجميع مشغول بمتابعة أسعار الدولار الذي حلّق عالياً ويبدو أنه مصرٌّ على بلوغ الذرى دون تهيب أو تردد.

في الحافلة العامة الصغيرة يدور حديث واحد (حديث الأسعار الجديدة)، ويطوف رعب واحد (الرعب من تغول التجار ومن فشل أي تدخل حكومي)، يجمع ما بين قلوب الجميع ويوحد ترقبهم الحذر لدرجة القلق الوجودي الحاد وسؤال البقاء من عدمه.

اعتاد السوريون على الاعتراض بالسخرية من أحوالهم البائسة بدلاً من لغة الصمت أو الفعل المهدد لسلامتهم الشخصية، لكن ردود الفعل الساخرة هذه المرة اكتست بالمرارة وبالتعاطف شبه العام مع اللبنانيين في مخاض ليرتهم العسير، في صيغة نقلت فرح السوريين بالثورة اللبنانية وخوفهم على أشقائهم في حالة خاصة كسرت الحساسية المعهودة والاتهامات المتبادلة.

واعتادت السياسات الحكومية على التهديد والوعيد للتجار الصغار والتهديد بعقوبات رادعة وقاسية. وسارت دوريات المراقبة التموينية لتخالف بأرقام كبيرة الباعة الذين لم يضعوا لوحة للتسعير أو ممن لم يظهروا فواتير نظامية، مما دفع الباعة للتوقف عن البيع وإغلاق محالهم خوفاً من الغرامات التي يعجزون عن سدادها وكي يأخذوا وقتهم ويتلمسوا طبيعة السوق الراهنة وحالة الأسعار أولاً فأول في حالة يسمونها اللوحة الواضحة خوفاً من خسارات محققة، لدرجة قال لي صاحب أحد محال السمانة بأنه يخاف من بيع أية مادة ولو بربح إضافي خوفاً من اضطراره لشرائها مجدداً بسعر لا يقدر عليه، وإن قدر على شرائه ومن ثم بيعه فلن يحقق له ربحاً يكفي معيشته وحاجاته الضرورية. أي أن هامش الربح تضاءل بصورة مرعبة وباتت محصلة الأرباح لا تفي بأبسط الاحتياجات. وتجدر الإشارة إلى أن الباعة السوريين يصفون حالة الكساد بتعبير (إننا نأكل رأسمالنا)، بمعنى أنهم مضطرون للإنفاق من قيمة رأس المال الفعلية التي يجب أن تبقى مصانة لشراء البضائع وليس للإنفاق.

للمرة الأولى أيضاً طفا على السطح تعاطف غير مسبوق بين الباعة وخاصة باعة الخضار وبين عامة السوريين. كنت شاهدة حين منح بائع الخضار سيدة ثلاث رؤوس من القرنبيط مجاناً، وكل ما فعلته بعد شكره بأن وجهت السطح العلوي للرؤوس نحو أسفل الكيس لأنها مصابة بالسواد نتيجة قدم قطافها وببعض البقع العفنة خجلاً من تعليق الجوار أومن المارة بأنها قد اشترت نفايات الخضار وما لا يصلح للطعام البشري.

رتبت مها خزانة المونة في حالة هيستيرية، قسمت كل ما لديها ليكفيها ثلاثة شهور، قسّمت الأرز بكأس الشاي وكذلك العدس والبرغل، أما زيت الزيتون فقررت أن تستعمل منه ملعقة واحدة لكل طبخة. الخوف الأكبر كان فيما يخص ما تمتلكه من مازوت شحيح للتدفئة (في ظل تقنين حاد طال الكهرباء)، إضافة لقلة حبات الدواء التي لن تكفيها لآخر الشهر مما دفعها للتخلي عن شراء اللحم ودفعت ما كان مرصوداً له لشراء علب دواء في حركة استباقية خوفاً من ارتفاع متوقع وغير قابل للمهادنة بأسعار الأدوية الدائمة الموصوفة لمعالجة الأمراض المزمنة.

كل ما فعلته الحكومة لتطمين السوريين هو إعلانها عن توفر سلة غذائية تحتوي على خمسة كيلوغرامات من السكر وثلاثة من الأرز و ثلاثة من البرغل وعبوة زيت نباتي سعة ليترين وعلبة سمن نباتي سعة كيلوغرام واحد وكيلو من الحمص وكيلو من العدس وكيلو من الشعيرية وربطتي معكرونة بمبلغ مقداره عشرة آلاف ليرة. لكن وعلى الرغم من أن كافة الأصناف المذكورة هي من الدرجة الثانية ومتدنية الجودة، إلا أن أعداد السلة المذكورة تبخرت بسرعة فائقة ولم يستفد منها إلا من تتوفر بين يديه العشرة آلاف وواسطة نقل سهلة أو مجانية، أي وبصريح العبارة فإن المستحقين الفعليين لهذه السلة لم يستفيدوا منها لضيق ذات اليد ولتعثر وصولهم إليها.

تخلى البعض عن عادة شرب القهوة بعد أن وصل سعر كيلو القهوة المهيّلة إلى خمسة آلاف والقهوة بدون هيل وفي المحال الشعبية إلى ثلاثة آلاف ومائتي ليرة، والبعض توقف عن التدخين نهائياً. أما التوقف عن تناول اللحوم فقد وصل إلى حده الأعلى في مسيرة طويلة تمتد منذ سنين بعيدة تدّرج عبرها السوريون من الشراء بالكيلو وصولاً إلى الشراء بمبلغ مقطوع مقداره خمسمائة ليرة فقط وهي لا تكفي ثمناً لمائة غرام من اللحم المدهن ومن النخب الثالث.

لكن الصورة الأشد قتامةً تكمن في ترافق هذا الارتفاع الهائل مع قدوم فصل الشتاء وغياب الكهرباء في ظل عملية تقنين تصل إلى غياب كامل للكهرباء لمدة ست عشرة ساعة يومياً مترافق مع غياب شبه كامل  للمحروقات وخاصة المازوت والغاز بالأسعار النظامية. هذا الوضع يعني أن السوق السوداء باتت هي المجال الوحيد أمام السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والتي تتضاعف فيها أسعار كافة المواد دونما حسيب أو رقيب، لابل وعلى سبيل المثال لا الحصر يتوفر المازوت وبصورة علنية ومستجر مباشرة من المصدر الرسمي للتوزيع ولكن بسعر مضاعف تماماً للسعر الرسمي المعلن عنه.

يفتقد السوريون الراحة حتى في قسمات وجوههم ويخافون من ارتفاع سعر الخبز المدعوم من قبل الدولة، ويدب الهلع في نفوسهم من مجرد التفكير بأنهم سيفقدون نصف أرغفتهم التي تحشو بطونهم وبطون أطفالهم إن تم رفع سعر الخبز أو نقص عدد الأرغفة في الربطة، لا شيء يرعب السوريين أكثر من خطر فقدانهم لخبزهم اليومي، يقول أجود لابنه: “من اليوم وطالع رغيف بزيت وزعتر أو بلبنة والرغيف الثاني حاف.”

فكيف إذا عرفنا أن الزيت المرافق للزعتر هو الزيت النباتي وبأن اللبنة مغشوشة وممزوجة بالنشاء ليشتد قوامها. ولقد كنت شاهدة عيان على تخلي شاب يعمل مياوماً في سوق باب سريجة عن سندويشته الثانية التي اعتاد أكلها في وجبة الغداء نظراً لارتفاع سعر السندويش عامة. يبدو أن السوريين يتدربون بشكل متتال على إدارة أمعائهم الخاوية بتقنين عجيب يستهلك طاقتهم على مواصلة العيش ويفتك بقوتهم وبأسباب بقائهم.

يتضامن السوريون في الحد الأدنى المتاح، لكن الأفق غامض وداكن السواد، وما تعجز عن امتلاكه لا يمكنك تقاسمه مع غيرك وإن كان ابنك. ارتفاع سعر الدولار وضبابية أشكال التدخل الرسمي للجم الآثار المدمرة لهذا الارتفاع يسم الحاضر والقادم بالخشية حيال إمكانات العيش في صلب احتياجاته الأساسية.

أمام دكان بيع الفلافل يقترب فتى على عربة مدولبة من أذني قائلاً لي في طريقة تشبه الهمس وكأنني قريبة مباشرة له: “تشتريلي سندويشة فلافل معك؟”. نعم أشتري له اليوم وبكل تضامن وبكل رضى، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن احتياجات أخرى كاللباس أو الدوا؟ وأين أهله؟ أين يسكن؟ وكم من الوقت والمال يحتاج لشراء أو تركيب ساقين اصطناعيين؟ أو هل سيذهب إلى المدرسة أم أنه سيبقى في عرض الطريق متروكاً لكل العبث؟

تترافق الأزمة الحادة التي خلقها ارتفاع الدولار مع هشاشة بالغة في الوضع الاقتصادي بشكل عام، تتجاوز الجمهور الأكثر فقراً، لتلامس أصحاب الورش الصغيرة التي توقفت عن العمل وسرحت عمالها وكما يقولون قطعت برزق عائلات بأكملها، حتى أن بعض المعامل المتوسطة قد أجبرت موظفيها على أخذ إجازات من عملهم للعجز الحاصل في السيولة وفي تأمين المواد الأولية التي يتم الحصول عليها بالدولار فقط.

العجز الساطع إن صح التعبير، يهيمن على البنية الهشة فيخلع عنها ما كان يعتقد البعض أنه ركائز داعمة في مسيرة تحصيل ما يلزم من أجل عيش غير كريم لكنه أقوى من الموت أو الانهيار. الطمأنينة في غياب مضطرد ومخيف، والحياة تبدو مجرد ترتيب لما تبقى من الوقت، والموت متدفق كالسيل بالجلطات والسكتات القلبية والأغلبية تمشي وهي تكلم نفسها وكأنها شريك العمر الأوحد.