تُعنى مجلة صالون سوريا الإلكترونيّة في الوقت الراهن بإعداد ملفّ يتناول حياة السوريين اليوميّة، ويتكوّن هذا الملف من موادّ صحافيّة يقدّمها باحثون من مختلف الاختصاصات، وستكون المنهجيّة المُعتمدة ذات أبعاد ميدانية استقصائيّة من أجل استطلاع آراء عينات من الناس من مختلف الشرائح الاجتماعية؛ ذلك من أجل الكشف عن آليات مقاومة الظروف القاهرة من انقطاع للتيار الكهربائي أكثر من عشرين ساعة في اليوم في غالبية أنحاء سوريا، والنقص الكبير في مياه الشرب، وتوقّف المواصلات بسبب فقدان الوقود، والنضوب الشديد في المحروقات، ومعاناة سوء التغذية، والتعرّض للبرد القارص، وغياب الخدمات الطبيّة والصحيّة، وإلى ما هنالك من ظروف لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً؛ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
أصبح الإنسان السوريّ ضحية لحصارين: داخلي وخارجيّ؛ غير أنه استطاع التكيُّف مع أوضاع لا يمكن أن يوجد ما هو أسوأ منها في العالم الآن، من هنا جاءت المواد الصحافية من أجل التعمّق في فهم كفاح شعب بأكمله من أجل الانبعاث من الرماد، ولذلك جاءت محاور الملف على النحو الآتي:
أولاً-استقصاء آراء عينات من المجتمع السوري في أسباب معاناتهم الدامية أكثر من عقد من الزمان؛ ثانياً-استطلاع وجهات النظر فيما يتعلّق بابتكار أساليب إنقاذية للحياة على مستويات مختلفة؛ ثالثاً-البحث عن تحديد خطر التأثيرات النفسية المرضية في الأطفال بسبب قسوة الظروف الحياتيّة: التوحّد-السايكوباتية-النرجسيّة-اضطراب الشخصيّة الحدّيّة وإلى ما هنالك؛ رابعاً-اكتشاف طرق تأمين الطعام والشراب والعلاج والتدفئة والنظافة الشخصيّة والعامة، وكل ما يتصل بالحياة اليومية؛ خامساً-دراسة الواقع التربويّ بأبعاده المختلفة؛ سادساً-تحليل سوية التعليم الجامعي بمرحلتيه الدنيا (الإجازة) والعليا (ماجستير ودكتوراه). سابعاً-البحث في واقع العمال والفلاحين والحرفيين؛ أخيراً-استقصاء آراء العاطلين عن العمل.
“بكتب اسمك يا حبيبي عل الحور العتيق، وبتكتب اسمي يا حبيبي ع رمل الطريق”. في دمشق يبوح عشاق بعشقهم على جدران المدارس، ليبقى البوح سنوات لا يمكن إزالته ولا أحد يريد.
هل أجمل من كلمات مراهقين/ات يجرّبون العشق في بداياته. تصوير: رهادة عبدوش
الأمهات أشبه بوطن نحلم به، وطنا يجمع أبناءه من شتات، ويضمد جراحهم، ويحميهم. وطنا يساوي بين جميع أبنائه، يسهر على راحتهم، يوفر كل أسباب الحياة الكريمة لهم. وطن يستمع لأبنائه ويضمن حريتهم، يخاف عليهم لا يخيفهم، وعندما يكون الوطن بخير تكون الأمهات بخير . “الوطن ليس بخير”، وأمهاتنا لسن بخير. القضية السورية، ترمي بأعبائها على كاهل الأم السورية أكثر أي فئة أخرى، لقد دفعت الأم السورية ثمن لجوء ونزوح أبنائها في مختلف أرجاء المعمورة، وأصبح حلمها لم شملهم، فقدت الأمهات أبنائها بالحرب والاعتقال والتغييب ألقسري، وتقضي وقتها في البحث عنهم وتنتظر عودتهم مهما طال الزمن. الأمهات المعيلات لأبنائهن وما أكثرهن، بعد فقدان معيل العائلة يقضين أيامهن، بالبحث والعمل لتامين لقمة عيش أبنائهن. لن يجد الأبناء روابط أقوى وأوثق من الانتماء لأمهن، ومع ذلك تحرم الأم في وطن مثل سوريا من حقها في منح جنسيتها لأبنائها، في حال تزوجت من جنسية غير سورية، أو تزوجت من رجل مجهول الجنسية، حتى لو اختارت سوريامكانا للعيش وليس وطن وزوجها، وأيضا في حال وفاة الزوج، وبعد الطلاق حتى لو كان الأبناء في سن الحضانة ولها حق حضا نتهم، يحرمها القانون السوري حق منح جنسيتها لأبنائها، وما لذلك من مصاعب وتبعات قانونية على تسجيل الأبناء في المدارس وعلى عملهم ومستقبلهم. ما يزيد من أعباء معيشتهم ومعاناة إضافية لأمهن؟
ضغوط واضرار قبل عام 2011 كانت الأمهات المحرومات من منح جنسيتها لأبنائها تقتصر على النساء المتزوجات من جنسية أخرى، وكانت إعدادهن قليلة، عارضت المنظمات النسائية ومنظمات حقوقية، تحت ضغط الامهات المتضررات قانون الجنسية المعمول به، وطالبن بتغيير القانون الذي يحرم الأمهات منح جنسيتها لأبنائهن، وكانت حالة المتزوجة من جنسية غير سورية وتعيش في سوريا هي وأولادها، أكثر المتضررات، وقد فشلت مطالبتهن بتغيير هذا القانون التمييزي، الذي ينتهك حقوق المرأة، ويتعارض مع حقوق الإنسان. بعد 2011 حيث انتشرت ظاهرة زواج السوريات من جنسيات الدول التي لجئن إليها، وكانت أعدادا كبيرة منهن قاصرات وخضعن لعقود زواج لا تستوفي الشروط القانونية، منها عدم تسجيل عقد الزواج بشكل رسمي، وفي حال وقوع الطلاق غالبا يتولد عن هذا الزواج أولاد ، ولصعوبة وبسبب من التكاليف الباهظة لرفع دعوى تثبيت زواج و نسب في بلدان اللجوء، في هذه الحالة الأطفال مهددين بانعدام الجنسية، وفي حال عودة الأم إلى سوريا، سوف تواجه صعوبة مرافقة أبنائها لها، حيث أنهم لم يكتسبوا جنسية أبيهم غير السوري، والقانون السوري لا يمنح الأم حق منح جنسيتها لأبنائها. إن حل هذه المعضلة تقع على عاتق الأمم المتحدة، ممثلة بالمنظمات التي تعمل بين اللاجئين، وضرورة تشكيل هيئة تعنى بوضع آلية لتسجيل واقعات الولادة ومنح نسب وجنسية للأطفال تلحق بالأم ريثما يعود اللاجئين، حتى تتم تسوية الحالات التي طرأت بعد اللجوء منها واقعات الزواج والنسب والجنسية. والحالة الأخرى التي انتشرت في الداخل السوري أثناء الحرب، حالة زواج سوريات من مقاتلين أجانب، خاصة في مناطق سيطرة “داعش” و “القاعدة” وفق عقود شرعية غير مسجلة، في أكثر الحالات يتم كتمان اسم الأب الحقيقي وجنسيته والتعامل باسم وهمي أبو فلان. وفي حالة وفاة الزوج او طلاقه او مغادرته سوريا، لن تتمكن إلام من تسجيل أولادها قانونيا ولا تستطيع منح جنسيتها لأبنائها، ويتم تسجيلهم مكتومي الجنسية ، تعمل المنظمات الإنسانية المنتشرة في مناطق شمال شرق والشمال السوري على إعطاء مايثبت نسب الأطفال لأمهم، لغاية تقديم خدمات التعليم والمعونات الإغاثية دون أن تكسب الأم الحق القانوني يمنح جنسيتها لأبنائها. ويتعرض الأطفال الابائهم من دواعش لكثير من التنمر ونكران المجتمع، وتاثير ذلك السيء على معنويات الام المعيلة وعلى الاولاد.
قانون تمييزي في العودة إلى قانون الجنسية السوري الذي يحرم الأم من منح جنسيتها لأبنائها، فهو قانون تمييزي بكثير من مواده : لكن ما يهمنا في هذا المقال هو التمييز ضد المرأة الام وحرمانها من منح الجنسية السورية لأطفالها. وفق مارود ما في المادة الثالثة من قانون الجنسية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 267 لعام 1969: لى أنه يعتبر عربياً سورياً: أ ـ من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري. ب ـ من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانوناً . ج ـ من ولد في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما، ويعتبر اللقيط في القطر مولوداً فيه وفي المكان الذي عثر عليه فيه ما لم تثبت العكس . د ـ من ولد في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية . هـ ـ من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية ولم يكتسب جنسية أخرى ولم يتقدم لاختيار الجنسية السورية في المهلة المحددة بموجب القرارات والقوانين السابقة . منافشة وضوء على المادة الثالثة : في الفقرة أ : حيث يعد الشخص عربياً سورياً حكماً من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري. أي الأخذ بحق الدم من جهة الأب فقط وبالتالي فإن جنسية الطفل تحدد تبعاً لجنسية أبيه. وينتقص من حق المرأة منح جنسيتها لأبنائها . الفقرة ب من المادة الثالثة: يعد سورياً حكماً من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه، أي منح الجنسية السورية بناء على حق الدم والإقليم معاً في حالة كانت الولادة في سوريا من أم سورية ولم يثبت نسب الطفل إلى أب شرعي ، لا يؤخذ بهذه المادة عادة لمن تزوجت من داعشي لأنها لا تقبل هي ولا أهلها ولا حتى المجتمع ان يكون الأب غير شرعي حيث تأخذ معنى ولد من الزنا. كما تمنح الجنسية، أيضاً للطفل بناء على حق الإقليم فقط في حالة كان المولود من أبوين مجهولي الجنسية ، أي حالة الطفل اللقيط وحالة المولود في سورية ولم يكتسب بصلة البنوة جنسية دولة أخرى. الفقرة ج من المادة الثالثة. نشير إلى ان الفقرة ج من المادة الثالثة: إن الجنسية تمنح لمجهول النسب إذا ولد في سوريا، أي الولد اللقيط و ولكن القانون لا يمنحها للأم السورية إذا تزوجت من غير سوري. وبناء عليه فإن حالة الأم التي ولدت أطفالها خارج سوريا ، في دولة لا يمنح الجنسية بالميلاد على إقليمها، يؤدي ذلك إلى انعدام جنسية المولود، وفي هذه الحالة القانون السوري يرفض ثبوت الجنسية السورية ، حتى لو كان الأب مجهول الهوية أو عديم الجنسية. هذه السياسة التمييزية في القانون السوري تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث جاء في المادة 15 منه : على أن كل فرد له الحق في الحصول على جنسية ، ولا يجوز حرمان أحد من جنسيته بطريقة تعسفية. وعليه يجب أن تصاغ المادة الثالثة وتعدل على الشكل التالي: 1ـ حيث يعد عربياً سورياً حكماً من ولد في القطر أو خارجه من أب سوري أو من أم سورية. ويجب تعديل الفقرة ب من المادة 3 لتصبح على الشكل التالي: 2 ـ تمنح الجنسية حكماً لمن ولد لأم سورية داخل أو خارج سوريا ولم يثبت نسبه إلى أبيه قانوناً أو من ولد لأم سورية وأب مجهول الجنسية، أو لا جنسية له ، بحيث تشمل هذه الفقرة جميع أطفال الأم السورية. ختاماً، فان المشرع السوري لم يعدل قانون الجنسية الذي ينتهك حقوق المرأة،، بل تحفظ على بنود من الاتفاقات الدولية ، مراعاة لقانون الجنسية القائم: هذا ما جرى عليه موقف الحكومة السورية من اتفاقية سيداو حين صادقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” في عام 2003 لكنها تحفظت على عديد من المواد الجوهرية للاتفاقية منها الفقرة الثانية من المادة التاسعة من الاتفاقية المتعلقة بحق المرأة في منح جنسيتها لأبنائها. هذا التحفظ جاء لاعتبارات موضوعية، ولمخالفتها الشريعة الإسلامية ، وإن الأخذ بأسباب شرعية في معرض تطبيق الجنسية وفق اعتبارات المشرع السوري هو خلط بين حق النسب والجنسية رغم اختلافهما، النسب في المفهوم الشرعي يعود للأب نتيجة الزواج الشرعي، وما يمنحه القانون من القوامة على المرأة، أما الجنسية فهي أوسع وأشمل ، أنها تتعلق بالانتماء والمواطنة، والإقامة ، وتلعب الاعتبارات الإنسانية والسياسية دوراً كبيراً في منح الجنسية ، وليست محصورة بمؤسسة العائلة التي هي بحاجة أيضا لتغيير التشريعات التمييزية. سحر حويجة
على باب المنزل امرأة مع طفلتيها، صممت كيسا قماشيا ثنائي الجيوب. في يد كل طفلة كيس، والجيوب مخصصة لمواد محددة، ترجوك المرأة أن تضع ما تيسر لك او ما ترغب في إيداعه في كل جيب. بوجه يبتسم رغما عنه، وبلغة منكسرة وصوت خافت تقول المرأة: “كل عام وأنتم بخير! ساعدونا لجمع مونة رمضان يا أهل الخير”. جيب للأرز وآخر للسكر وثالث للبرغل ورابع للبقول. وفي يد الأم، كيس قماشي كبير للمعلبات او للكعك والخبز وسواها. يبدو أن الطفلتين قد تدربتا على مهامهما بشكل جيد، تستلمان ما يعطى حسب محتوى الكيس المحمول بيد كل طفلة، تفرغان المحتويات الممنوحة في الجيب المخصص، لا تبتسمان ولا تنبسان بحرف. هما هنا من أجل مهمة محددة، وإن جرب أحدنا تقديم قطعة بسكويت أو حلوى لهما، تنتظران أمرا من والدتهما لأخذها. يبدو المشهد وكأنه فيلم قصير مبتكر، دراما تلفزيونية محبوكة بإبداع وحرفية عالية. هل يمكننا التجرد من البؤس الماثل والمكثف أمامنا؟ هل يمكننا الحكم على جودة المشهد وكأننا حكام فنيون متخصصون؟ لن نفاجأ بتلك المخيلة التسولية المرتبة، تنظيم دقيق وفائق لطلب الحاجات الأساسية! ليس مهما أبدا أن تصدق المرأة، تقول في نفسك حتى لو كانت تريد بيع ما تحصل عليه، فلتبعه وتشتري دواء أو تدفع إيجار البيت!!! كل شيء بات معدوما ويتعثر الحصول عليه.
سؤال الفقر لم يعد سؤال الفقر مؤرقا ولا مدعاة للخجل، يشعر السوريون والسوريات، بل وفي حقيقة الأمر هم لا يشعرون، بل يعانون من فقر شديد ومن حياة أشبه بحياة التسول، وكل الاحتيالات المكشوفة حول تبادل الموجود كل حسب حاجته هو مدعاة للقهر الشديد، لأنه اعتراف صريح وواضح بمدى إلحاح الحاجة وضحك على النفس بأن عين العقل هو تطبيق نظرية التبادل السلعي ولو كانت ممعنة في هشاشتها وقلة فعاليتها. تتضافر العوامل الداخلية والخارجية لتزيد من استحالة توفير الحدود الدنيا من أساسيات العيش للسوريين والسوريات، بلد منهك وفساد معمم وموارد شحيحة، لا كهرباء ولا دواء إلا لمن يملك مالا وفيرا وغير متعوب فيه كما تصفه الغالبية، أي أنه مال أسود تحصل من تجارة سوداء، بمواد تستجلب القتل والقهر والتجويع وتسرق كل ما هو متاح ولو كان ملكا صريحا وصحيحا للآخر بالقوة والبلطجة في ظل غياب شبه تام للقانون. كما أن كل الواردات والمساعدات من الأهل والأصدقاء خارج الحدود لم تعد كافية لدفع إيجار البيوت أو تكاليف إقامة لليلة واحدة في أحد المشافي الخاصة. وهذه المدينة وناسها وأهلها ألا يستحقون الكتابة عنهم خارج عملية الإنكار المزمنة لكل هذا القهر والتجاهل والموت المنظم وكأنه العملية الأكثر انتعاشا، كيف لمدينة بكل هذا الحضور والعوز أن تُشطب من قوائم الأخبار والمتابعات الإعلامية؟
موطئ “دعسة” على موقف الباصات ينتظر كثيرون موطئا لدعسة قدم في أي حافلة متهالكة أو باص يتدلى الناس منه كأحشاء لفظها بطنها. يأتي مازن حاملا لفافة فلافل بيده. إنها الساعة السادسة مساء والجوع قد استفحل في المعدة الخاوية. يحاول مازن دعوة صديقه لمشاركته الطعام، علامات التردد واضحة عليه، وكلما جدد الدعوة لصديقه، كلما أحكم قبضة يده على اللفافة، لكن صديقه الجائع مثله وربما أكثر، يقترح حلا! يخاطب صديقه قائلا: “اقسم اللفافة بيننا، نسكت جوعنا حتى نصل بيوتنا وأعطيك نصف ثمنها”. يوافق مازن بسرعة، يبدو أن خطة صديقه “الذكية” ستوفر عليه ألفا وخمسمائة ليرة ثمن نصف السندويشة التي شعر وهو يسدد ثمنها بالندم، لكن الجوع أقوى وأشد غلبة من الندم. وحده الرحيل هو الحلم المشترك للجميع، يسعون إليه حتى في الأحلام. يبيعون البيوت وما تبقى من أراض هي تركة الآباء ووصيتهم الباقية للأبناء، الرحيل لا السفر، فلا أحد يفكر بالعودة، والجميع قد قطع حبل السرة مع هذه البلاد وحان وقت الانفصال النهائي عنها حتى بالذاكرة. يقول سعيد المقيم في فرنسا، نسيت كل شيء، كل التفاصيل. كان يسخر من عبارة “ريحة البلد غير”، ويضيف: “لولا صوت أمي على الهاتف الجوال لنسيت اسم البلاد واسم شارعنا وعنوان بيتنا”. في سوق الخجا المشهور ببيع حقائب السفر، ازدحام غير موجود إلا على أفران الخبز ومحطات الوقود. يتذمر الناس من غلاء أسعار الحقائب، بعضهم يرغب بحقيبة صغيرة لكن لا تتضرر بالماء، تعرف أن موسم الرحيل بالبلم قد بدأ، ـتشعر بالغرق بدلا عنه، وآخر يريد حقيبة رخيصة لكنها كبيرة، ويقول: “هي سفرة يتيمة لن أعود بعدها ولن أسافر إلى أي مكان حتى أحصل على الجنسية”. خبرة السوريين والسوريات بالسفر وطرق اللجوء وكلفة السفر وأرقام المهربين واسعة جدا، أوسع من خبرة مؤسسات سياحية أو أمنية مختصة. والبلد الهدف محدد قبل بداية الرحلة ولا تراجع عنه، لدرجة أن الشخص الحالم الواقف امامك على أرض لا يريدها، يعرف عن وجهته المقصودة أكثر بكثير مما يعرف عن هذا البلد الذي أجبره كما يقول على هجرانه ونسيانه فور مغادرة الحدود. اللافت أن أساليب جديدة يبتدعها السوريون للجوء الآمن تجد طريقها للتداول خاصة بين الشباب والشابات، كأن تطلب شابة من قريب لها الزواج منه حتى تصل أوروبا وهناك يتم الطلاق مقابل منح أهله قطعة أرض متنازع عليها بينهم وبين أهلها.
الصقيع فاقمت أزمة الصقيع الأخيرة من شجون وآلام السوريين. تعرفوا فعلا إلى معنى الموت بردا، يكتب أحد الشباب على صفحته: “إذا مت من البرد، لا تدفنوني، أحرقوا جثتي علني أشعر بالدفء قليلا”. وتقول إحدى السيدات متسائلة: “هل سنحاكم عند موتنا كأهل العز والغارقين في نعيم الدفء؟”. وتضيف: “عليهم إرسالنا إلى الجنة فورا للتعويض عن كل القهر الذي عشناه”. البرد في حضور العتمة يشبه الاستلقاء في قبر مفتوح، يزيد اتساع فتحته من لسعة الصقيع ويفاقم غياب المحروقات من لسعات الشعور الغامر بالظلم والحرمان. السوريون والسوريات على موعد مفتوح مع الصقيع في ظل غياب أي بارقة أمل، أو أي تحسن ملحوظ مرتقب لتحسين فرص نجاتهم من براثن موت يصطادهم يوميا جسديا ونفسيا، لدرجة أنهم يطالبون فصل الصيف بالقدوم فورا، وكأنه الكائن الأكثر عطفا عليهم والأكثر دراية بأحوالهم القاهرة لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئا إلا عبر الاستنجاد بالطبيعة العاجزة أصلا عن التحكم في مجريات حياتها. وهذه المدينة وأهلها ألا يستحقون تدوين تاريخ كل هذه القروح! علّ جرحا منها يشفى أو يبقى الجسد المتقرح عصيا على النكران والهجران؟ سلوى زكزك دمشق 16 آذار 2022
في أحد أحياء دمشق، هناك منزل تفوح منه رائحة العراقة التي عرفت بها البيوت العربية، بيت شهد ولادة وانطلاقة واحد من أهم شعراء سوريا والوطن العربي. انه بيت نزار قباني في حي مئذنة الشحم في دمشق القديمة، الشاعر السوري الذي جعل منزله بما فيه من أشجار ونباتات وحيوانات حاضراً في الكثير من قصائده. ولد نزار قباني بدمشق عام 1923، وكان جده أبو خليل القباني أحد رواد المسرح السوري والعربي، بينما عمل والده توفيق بائع سكاكر. أما والدته فائزة أقبيق، فهي ابنة عائلة دمشقية عريقة. ويقول قباني في كتابه قصتي مع الشعر: “يوم ولدت في 21 آذار 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء”. لكن، “هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة، إني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر وإنما أظلم دارنا”. بهذه الكلمات وصف الشاعر نزار قباني بيته، الذي استند إليه في العديد من القصائد خلال مسيرته الشعرية.
يوضح الباحث التاريخي علي المبيض لوسائل إعلام سورية أن نزار استند في شعره إلى مرتكزين أساسيين: هما الأم والبيت، حيث غرق في وصف مسقط رأسه، لدرجة أنه لم ينس القطط والبحرة وشجرة الياسمين وغيرها. ويقول نزار: “شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا”. وحتى عندما خاطب نزار والدته بقصيدةٍ من مدريد بعنوان “خمس رسائل إلى أمّي”، ذكر بيته الدمشقي. اذ يقول: “صباح الخير من مدريد.. ما أخبارها الفلّة؟ بها أوصيك يا أمّاه.. تلك الطفلة الطفلة.. فقد كانت أحب حبيبة لأبي.. يدلّلها كطفلته.. ويدعوها إلى فنجان قهوته.. ويسقيها.. ويطعمها.. ويغمرها برحمته”. ويبين المبيض أن قباني ربط الفل برسائله إلى والدته ويقول: “تصويره لنبتة الفلّة الموجودة في بيته القديم، يعكس علاقة تبادُلية وعاطفية وثيقة.. شاعر يتحدَّث إلى والدته وهو على بُعد آلاف الكيلومترات ومع ذلك يسألها عن الفلّة”. ومن الياسمينة وشجرة النارنج والبحرة والبوابة وغيرها، أخرج قباني قصائد عديدة مليئة بالحس الدمشقي البيتوتي، أضفت الكثير على مكانته الشعرية. رغم بيع المنزل وسفر نزار قباني خارج سوريا لفترات طويلة، استمر بزيارته مسترجعاً ذكرياته أيام طفولته ومتمعناً بالأشياء التي كان يتغزل بها في أشعاره. ويقول صاحب المنزل حالياً محمد نظام: “ولد نزار وترعرع في هذا المنزل حتى المرحلة الجامعية، ثم انتقل مع أهله لمنزل آخر قريبٍ منه”. وأوضح نظام أن البيت بقي على حاله، خاصة أشجار الياسمين والكباد والليمون والنارنج، التي كان نزار يتحدث عنها بقصائده. في عام 1968، اشترى السوري عباس نظام المنزل الذي ولد فيه نزار، وإلى اليوم لايزال يعرف بمنزل نزار قباني، ولكن لا توجد أي مقتنيات له. ويضم المنزل باحة الدار والبحرة التي تغنى بها نزار، والفسحة السماوية والقاعة الصدفية، والليوان والعديد من الغرف. ويروي صاحب المنزل، أن نزار زاره بإحدى المرات وجلس عند طرف البحرة، عندها تقدمت قطة وجلست في حضنه، قال: “ربما عرفت أنني كنت من سكان هذا البيت”. وتقول إحدى القصص إن نزار كان يحاول فتح شقته في مدريد، فأخرج مفتاح منزله في دمشق القديمة بدلاً من المفتاح الصحيح.
لا يمر أسبوع دون أن يزور العديد من السوريين وبعض السياح منزل نزار قباني، بغرض مشاهدته والاطلاع على تفاصيله والربط بينه والقصائد. وتوجد لافتة أمام باب المنزل كتب عليها “هنا سكن نزار قباني”. كما يشهد المنزل في بعض الأوقات فعاليات ثقافية واجتماعية تجريها جمعيات مختلفة، إضافة إلى تصوير المسلسلات. ويؤكد صاحب المنزل أنه مفتوح أمام عشاق نزار وجميعهم محل ترحيب، مبيناً أن عدد الزوار قد انخفض مع بداية الحرب في البلاد. ويضيف: “يأتي الناس لمشاهدة البحرة والأشجار وغيرها من الأشياء التي كتب عنها نزار، ويسألون عن التغييرات التي طرأت على المنزل ولن نغلقه أمام أحد واللافتة تؤكد ذلك”. قبل سنوات عرضت عائلة نظام بيت نزار قباني للبيع، والذي يقدر عمره ما بين 400 إلى 500 سنة. وسبق أن افتتحت وزارتا السياحة والثقافة في سوريا المنزل ووثقته عام 2015 بعد أن كان هناك اختلاط بينه وبين منزل آخر قريب منه يعود أيضاً لعائلة القباني، واعتبر المنزل مكاناً سياحياً وثقافياً لشخصية معروفة، لكنه يبقى مسكناً له ملكية خاصة. ويقول محمد نظام: “أتمنى أن يشتريه شخص قادر على الاهتمام به، ويشعر بالقيمة المعنوية الموجودة في المنزل، فنحن لا نشتري جدراناً بل ثقافة”. وسيبقى منزل نزار قباني شاهداً على قصائده، كيف لا، وهو يرقد بالقرب منه إذ دفن في مقبرة الباب الصغير عام 1998، كما أن كلماته حاضرة في الأذهان دائماً، وهي: “الذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون”.