بواسطة فريق الترجمة في صالون سوريا | يونيو 30, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مترجم, مقالات
إعداد: ماجي مايكل- وكالة رويترز
ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا
لا تنتظروها، لن تعود“، هذا ما قاله شخص اتصل بالواتساب لعائلة عبير سليمان في الحادي والعشرين من أيار\مايو، بعد مرور بضع ساعات فحسب على اختفائها من شوارع مدينة صافيتا السورية. قال خاطف عبير سليمان، بالإضافة إلى رجل آخر عرّف عن نفسه كوسيط، في مكالمات ورسائل لاحقة إن الفتاة البالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً سيتم قتلها أو الاتجار بها كأمَة إذا لم تدفع عائلتها فدية قدرها خمسة عشر ألف دولار. وفي التاسع والعشرين من أيار\ مايو، تلقت العائلة مكالمة هاتفية من عبير من الرقم نفسه الذي استخدمه الخاطف، ويحمل رمز الاتصال الدولي العراقي، وقالت: “أنا لست في سورية. جميع اللهجات التي أسمعها حولي غريبة.”
اطلعت وكالة رويترز على المكالمة التي سجلتها العائلة، علاوة على نحو اثنتي عشرة مكالمة ورسالة أرسلها الخاطف والوسيط، الذي كان يستخدم رقماً سورياً.
تُعد عبير واحدة من بين ما لا يقل عن ثلاث وثلاثين امرأة وفتاة من الطائفة العلوية في سوريا – تتراوح أعمارهن بين١٦ و٣٩ عاماً – اختُطفن أو فُقدْن هذا العام في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط بشار الأسد، بحسب شهادات عائلاتهن. فقد أدى سقوط الرئيس الذي كان يُخشى منه على نطاق واسع في كانون الأول\ ديسمبر، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية، إلى ردّ فعل غاضب ضد الطائفة المسلمة التي ينتمي إليها، حيث قامت فصائل مسلحة تابعة للحكومة الحالية بشن هجمات على مدنيين علويين في معاقلهم الساحلية في آذار\مارس، ما أسفر عن مقتل المئات.ومنذ شهر آذار\مارس، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بسيل متواصل من رسائل ومقاطع فيديو نشرتها عائلات النساء العلويات المفقودات، ناشدت فيها كلّ من يستطيع تزويدها بأي معلومات عنهن، وتبين أن حالات جديدة تحدث بشكل شبه يومي، بحسب مراجعة أجرتها رويترز، والتي لم تعثر على أية تقارير منشورة عن اختفاء نساء من طوائف أخرى.
قالت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا لرويترز إنها تحقق في حالات اختفاء واختطاف مزعومة لنساء علويات، بعد ارتفاع عدد البلاغات هذا العام. وأوضحت المتحدثة باسم اللجنة، التي أنشئت عام ٢٠١١ للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بعد اندلاع الحرب الأهلية، إن اللجنة سترفع تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فور الانتهاء من التحقيقات.
عائلة عبير سليمان اقترضت من الأصدقاء والجيران وجمعت مبلغ الفدية البالغ خمسة عشر ألف دولار، وقامت بتحويله إلى ثلاثة حسابات في مدينة إزمير التركية يومي ٢٧ و٢٨ أيار\ مايو، من خلال ٣٠ حوالة تراوحت قيمتها بين ٣٠٠ و٧٠٠ دولار، بحسب ما أفاد قريب لها لرويترز، وأطلعها على إيصالات التحويلات. وبعد تسليم كامل المبلغ كما طُلب منهم، انقطع التواصل تماماً مع الخاطف والوسيط، وتم إغلاق هواتفهم، بحسب القريب. ولا تزال عائلة سليمان تجهل مصيرها حتى الآن. وأظهرت مقابلات مفصلة مع عائلات ست عشرة من النساء والفتيات المفقودات أن سبعاً منهن يُعتقد أنهن تعرضن للاختطاف، حيث تلقت عائلاتهن طلبات فدية تراوحت بين ألف وخمسمائة ومائة ألف دولار. وقد أرسلت ثلاث من المختطفات – بينهن عبير – رسائل نصية أو صوتية لأسرهن تفيد بأنهن نُقلن خارج البلاد. أما التسع الأخريات، فلا يُعرف أي شيء عن مصيرهن. وأفادت عائلاتهن بأن ثماني من بين الست عشرة المختفيات أعمارهن دون الثمانية عشرة عاماً. وراجعت رويترز نحو عشرين رسالة نصية ومكالمة ومقطع فيديو من الضحايا المزعومات وخاطفيهن، بالإضافة إلى بعض إيصالات تحويل الفدية، لكنها لم تتمكن من التحقق من جميع تفاصيل روايات العائلات، أو من هوية الأطراف المسؤولة عن الاستهداف أو دوافعها.
حدثت جميع حالات الاختفاء الثلاث وثلاثين في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، المدن التي تحتوي على كثافة سكانية علويّة. عاد نحو نصف المختفيات إلى منازلهن منذ ذلك الحين، إلا أن جميعهن، مع عائلاتهن، رفضن التعليق على ملابسات ما جرى لهن، والسبب هو خوف معظمهن على سلامتهن. وقالت معظم العائلات التي تحدثت معها رويترز إنها شعرت بأن الشرطة لم تأخذ بلاغاتها على محمل الجد، وإن السلطات لم تُجْرِ تحقيقات كافية. ولم ترد الحكومة السورية على طلب للتعليق بشأن هذه القضية.
أحمد محمد خير، مسؤول الإعلام في محافظة طرطوس، رفض الادعاء بأن العلويين مستهدفون، وقال إن معظم حالات النساء المفقودات تعود إلى “مشاكل عائلية، أو أسباب شخصية” لا إلى اختطاف، دون أن يقدم دليلاً على ذلك. وأضاف: “النساء إما يُجْبرن على الزواج ممن لا يرغبن به فيقررن الهرب، أو أحياناً يرغبن في لفت الأنظار فيختفين.” كما حذّر من أن “الادعاءات غير الموثقة” قد تثير الذعر والفتنة، وتهدد الاستقرار الأمني.
بدوره، ردد مسؤول الإعلام في محافظة اللاذقية تصريحات مشابهة، قائلاً إن الكثير من الحالات سببها هروب النساء مع عشاقهن، وتختلق العائلات قصص اختطاف لتجنب الوصمة الاجتماعية. أما مسؤول الإعلام في محافظة حماة، فقد امتنع عن التعليق. من جانبه، رفض أحد أعضاء لجنة تقصي الحقائق التي شكّلها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع للتحقيق في المجازر التي استهدفت علويين في المناطق الساحلية في آذار\ مارس، التعليق على حالات اختفاء النساء. وكان الشّرع قد ندد بسفك الدماء على أساس طائفي، واعتبره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد الممزقة، متعهداً بمحاسبة جميع المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة إن لزم الأمر.
اختُطفت في طريقها إلى المدرسة
قال الناشط الحقوقي السوري يامن حسين، الذي يتابع حالات اختفاء النساء إن الحالات وقعت في أعقاب أحداث العنف في آذار\ مارس. وبحسب علمه، لم يُستهدف سوى العلويين، بينما ما تزال هوية الجناة ودوافعهم غير معروفة. ووصف حسين شعوراً عاماً بالخوف يسود بين أبناء الطائفة العلوية، الذين يتبعون فرعاً من الإسلام الشيعي، ويشكّلون نحو عُشر سكان سوريا ذات الغالبية السنية. وأضاف أن بعض النساء والفتيات في طرطوس واللاذقية وحماة أصبحن يمتنعن عن الذهاب إلى المدارس أو الجامعات خوفاً من الاستهداف، قائلاً: “لدينا، بلا شك، مشكلة حقيقية وهي استهداف النساء العلويات بعمليات اختطاف. إن استهداف نساء الطرف المهزوم هو أسلوب إذلال استخدمه سابقاً نظام الأسد.”
على صعيد آخر، أُجبر آلاف العلويين على مغادرة منازلهم في دمشق، فيما تعرّض كثيرون منهم للطرد من وظائفهم وللمضايقات على الحواجز من قبل مقاتلين سُنّة موالين للحكومة. وأظهرت مقابلات مع عائلات النساء المفقودات أن معظمهن اختفين في وضح النهار، أثناء قيامهن بمهام يومية، أو أثناء تنقلهن عبر وسائل النقل العامة.
زينب غدير، إحدى أصغر المختفيات
تبلغ من العمر ١٧ عاماً، اختُطفت في طريقها إلى المدرسة في قرية “الهنادي” بريف اللاذقية يوم ٢٧ شباط\فبراير، بحسب أحد أقاربها، الذي قال إن الخاطف تواصل معهم برسالة نصية هددهم فيها طالباً عدم نشر صورها على الإنترنت. قال الخاطف في رسالة من هاتف الفتاة في نفس يوم اختفائها: “ما بدي شوف ولا صورة، والله العظيم، لأبعتلكم دمها.”
وأضاف قريبها أن زينب أجرت اتصالاً هاتفياً قصيراً مع العائلة، قالت فيه إنها لا تعرف أين هي، وإنها تعاني من ألم في معدتها، قبل أن ينقطع الخط. وحتى الآن، لا تعلم الأسرة ما حلّ بها.
خزامى نايف، وهي أم لخمسة أطفال، اختطفها في الثامن عشر من آذار\ مارس في ريف حماة خمسة رجال قاموا بتخديرها لإفقادها الوعي لبضع ساعات وفقاً لقريب لها ذكر ما قالته بعد عودتها. وقالت العائلة إنها بقيت محتجزة لمدة خمسة عشر يوماً، بينما تفاوض الخاطفون معهم إلى أن دفعوا ألف وخمسمائة دولار مقابل إطلاق سراحها. وبعد عودتها، تعرضت لانهيار نفسي حاد. وبعد أيام من اختطاف نايف، اختُطفت دعاء عباس (في التاسعة والعشرين من عمرها) من أمام منزلها في مدينة سلحب بريف حماة، حيث قام مهاجمون بإدخالها إلى سيارة كانت تنتظر بالخارج، بحسب أحد أقاربها الذي شهد الواقعة. وأضاف القريب أنه لم يتمكن من تحديد عدد الخاطفين، أو إن كانوا مسلحين، وأضاف أنه حاول ملاحقة السيارة بدراجته النارية، لكنه فقد أثرها.
ثلاث علويات أبلغت عائلاتهن عن فقدانهن هذا العام على وسائل التواصل الاجتماعي – لا تشملهن قائمة رويترز التي تضم ثلاثاً وثلاثين حالة – عاودن الظهور، ونفين أنهم اختُطفن. إحداهن، فتاة تبلغ من العمر ست عشرة سنة من اللاذقية، نشرت مقطع فيديو قالت فيه إنها هربت بمحض إرادتها لتتزوج رجلاً سنياً. لكن عائلتها نفت روايتها، وقالت لرويترز إنها اختُطفت وأُجبرت على الزواج منه، وإن السلطات الأمنية أمرتها بالادعاء بأنها ذهبت طوعاً لحماية خاطفيها. لم تتمكن رويترز من التحقق من صحة أي من الروايتين. ولم يرد متحدث باسم الحكومة السورية ولا سلطات اللاذقية على الاستفسارات. أما الحالتان الأخريان اللتان عاودتا الظهور، فهما امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً وفتاة تبلغ الثانية عشرة من عمرها. قالت الأولى لقنوات تلفزيونية عربية إنها سافرت بمحض إرادتها إلى مدينة حلب، بينما قالت الثانية إنها ذهبت إلى دمشق. ومع ذلك، أوضحت المرأة البالغة أنها تعرضت للضرب في شقة على يد رجل قبل أن تتمكن من الفرار.
ذكريات مؤلمة من زمن تنظيم الدولة الإسلامية
هيمنت الطائفة العلوية في سوريا لعقود على النخبة السياسية والعسكرية في البلاد تحت حكم عائلة الأسد. لكن الرحيل المفاجئ لبشار الأسد في كانون الأول\ديسمبر مهّد الطريق أمام صعود حكومة جديدة بقيادة “هيئة تحرير الشام”، وهي تنظيم سني نشأ من رحم تنظيم كان مرتبطاً سابقاً بتنظيم القاعدة. وتسعى الحكومة الجديدة إلى دمج عشرات الفصائل المتمردة السابقة – بينها مقاتلون أجانب – ضمن أجهزتها الأمنية، لسدّ الفراغ الذي خلّفه انهيار منظومة الدفاع التابعة للنظام السابق.
ذكرت عدة عائلات اختُطفت منهن نساء المفقودات أنها، ومعها كثيرون من أبناء المجتمع، يعيشون في رعب من سيناريو كارثي يُخشى أن يواجه فيه العلويون مصيراً مشابهاً لما تعرض له أبناء الطائفة الإيزيدية قبل نحو عقد على يد تنظيم الدولة الإسلامية. فبحسب الأمم المتحدة، فإن تنظيم الدولة – وهو تنظيم جهادي سني – أجبر آلاف النساء الإيزيديات على العبودية الجنسية خلال فترة رعب أعلن خلالها قادته إقامة “خلافة” امتدت على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وتطارد كوابيس مماثلة عائلة نغم شادي، وهي شابة علوية اختفت هذا الشهر، كما قال والدها لوكالة رويترز. نغم، البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً، خرجت من منزل العائلة في قرية البياضية بمحافظة حماة في الثاني من حزيران\ يونيو لشراء الحليب ولم تعد، بحسب ما روى والدها شادي، الذي وصف انتظاره الطويل المؤلم لأي خبر عن مصير ابنته. وأضاف أن عائلته كانت قد اضطرت إلى مغادرة منزلها السابق في قرية مجاورة بتاريخ السابع من آذار\مارس، خلال موجة العنف التي استهدفت العلويين.
قال بألم وحسرة: “ماذا بوسعنا أن نفعل؟ سنُسلّم أمرنا لله.”
بواسطة وداد سلوم | أبريل 29, 2024 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
كانت المرأة حاضرة دوما في الأدب والفن عبر التاريخ ولا شك أن ما عانته من معاملة الجنس الأدنى الملوث بدمه والمرتبط بالخطيئة الأولى والطرد من الجنة وارتباط الإغواء بجسدها والمتع الدنيوية المرفوضة دينياً، سيترك صداه في الإنتاج الأدبي والفني سواء العالمي أو العربي، الذي تفاوت في تناوله لقضية المرأة بين التسليع والاستهلاك وبين نقد الصورة التي قيدتها عبر التاريخ منذ فقدت مكانتها الاجتماعية كأم عظمى لها قدسيتها وتدور حولها الحياة.
“نعاس”
رافقت الاستكانة والاستلاب حياة المرأة لتغدو كائناً يقوم بالواجبات المنوطة به دون نقاش مستهلكة طاقتها، حتى تفقد ذاتها وأحلامها وشغفها بالحياة ، كما في الرواية القصيرة “نعاس” للكاتب الياباني هاروكي موراكامي فالبطلة تشعر أنها تعيش حياة ليست حياتها وفي لحظة من تراكم الضغوط و الإرهاق تعي ما فقدته وما تفقده بشكل يومي ومستمر وترفضه. يعبر موراكامي عن لحظة الوعي هذه بحلم تراه البطلة، حيث يقوم عجوز بإلقاء الماء عليها، فتستيقظ وكأن حياتها الحالية المستسلمة إنما هي حالة إغماء يجب أن تصحو منها، تستيقظ ولا تعود قادرة على النوم بمعنى أنها لن تعود للحياة السابقة أبداً، فهي تستيقظ ليس من النوم فقط بل من حالة الاستهلاك والاستلاب اليومي وفقدانها ذاتها أمام عبء الواجبات الزوجية والأسروية، وحيث نرى كيف يتحول الانسان ( رجلاً أو امرأة) أمام الضغط الاقتصادي إلى روبوت لكن الحياة تمضي في هذه الأثناء دون عودة . تستيقظ البطلة ولا تعود قادرة على النوم لتستعيد حياتها التي تحب فتعود مثلا للقراءة التي انقطعت عنها بعد الزواج وتتناول الشوكولا المحرمة بالبيت لأنها تسوس الأسنان فزوجها طبيب أسنان ثم تبدأ بالخروج في نزهات ليلية بالسيارة دون أن تخبر أحداً وكأنها تسرق حريتها ومتعتها وهذه النزهات التي يقود موراكامي بطلته إليها ليست سوى التعبير عن علاقتها بالخارج الذي يتمسك بسلبها النور فهو يريدها في الظل دوماً وفي الخوف أيضاً. إنه الخارج المجتمع الذي نرى أنه لن يترك البطلة تكسر حدوده وتتجاوزه بسهولة، إذ تتعرض في إحدى النزهات لمحاولة السطو على سيارتها من شبان يتجولون ليلا بحثاً عن فريسة وتنتهي الرواية بمشهد مفتوح في إشارة لاستمرار هذا السعي من قبلها ( البطلة) واستمرار قتله من قبل المجتمع .
“ميثاق النساء” و”أقفاص فارغة”
أما حنين الصايغ الروائية اللبنانية في روايتها الأولى “ميثاق النساء” الصادرة عام 2023 فقد تناولت الاضطهاد والظلم الاجتماعي الذي تعيشه المرأة الريفية في بيئة دينية ملتزمة بحكم سلوك الأقليات في بلد عانى من حروب أهلية على أساس طائفي لفترة طويلة، وحيث تتواشج الأحكام الاجتماعية مع التعاليم الدينية والعادات الريفية السائدة مكبلة النساء بالحرمان من أبسط الحقوق كالتعليم. لكن بطلتها، تدرك أن المواجهة والعلم طريقها للتحرر من ربقة الواقع ولتحقيق أحلامها واتساع أفقها ومنح نفسها فرصة الإبداع والتطور الذي تريده أن يفتح آفاقاً ليس لها فقط بل لابنتها أيضاً.
وهذا ما تلتقي به مع الشاعرة الدكتورة فاطمة قنديل في روايتها الأولى “أقفاص فارغة” الحائزة على جائزة نجيب محفوظ عام 2022 أي أهمية التعليم الذي يصبح وسيلة لتحقيق الذات والاستقلالية وطريق لتحقيق الحلم بهما.
فأقفاص فارغة وهي سيرة ذاتية للكاتبة التي قامت بنبش ذاكرتها دون احتراس أو خجل ودون أن تهاب الآخر أو معاييره الاجتماعية تحدثنا عن معاناتها منذ الطفولة بما يرخيه عالم الكبار على عالمها ويؤثر في خياراتها فهي الفتاة التي حرمت من غرفة خاصة بها لأن الأولوية كانت للذكور بالاستقلال وكيف تعرضت للتحرش، وكيف أمضت زمناً طويلا في مسامحة الآخرين وغفران أخطائهم بحقها مما سمح لهم باستغلالها تحت تأثير العاطفة والعرف الاجتماعي وحتى على الصعيد الشخصي، أذعنت للحب فقبلت أن تكون زوجة ثانية، لتتلقى الصدمة مرة تلو الأخرى لكنها نهضت من جديد فأتمت تعليمها ونالت الدكتوراه في النقد الأدبي وأسست لحضور أدبي عالمي كشاعرة نالت الجوائز رغم محاولة أخوتها التصغير من نجاحاتها و إنجازاتها.
في رواية قنديل نرى المجتمع الذكوري المتناقض بين سعيه للتطور وبين أحكامه التي تحرمه من قوة بشرية وإنسانية (النساء) جديرة بالاعتراف بمساهمتها وحضورها، معرية عفن العلاقات الاجتماعية القائمة على ازدواجية المعايير وانهيارها أمام المصلحة والنفعية التي تسربت إلى أكثر العلاقات حميمية تحت الضغط الاقتصادي وانهيار الطبقة الوسطى في مصر. ونرى تناقض الذكر وتمزقه النفسي بين النكران وممارسة سلطته على أخته وخضوعه لزوجته فالمعايير مزدوجة بل متناقضة وتخضع لسلطة القوي مما يفقدها أخلاقيتها الحقيقية. لنلمس كيف تعيد الأسرة دوماً إنتاج الظلم على العنصر الضعيف وهو المراة.
ولعل التغيير يأتي من الأفراد، فحين تقرر تغيير المكان دون ترك عنوانها تقطع علاقتها بالماضي وترمي أقفاص الذاكرة لتتحرر من ذاتها القديمة وبذاتها المدركة والواعية لقيمتها وحقيقتها وتصبح ما تريد.
خيط البندول لنجاة عبد الصمد
ليس من السهل أبداً أن ترمي معايير المجتمع دفعة واحدة وتتخلص من أحكامه التي يحاسب بها المرأة، كحكم العانس أو العاقر، نعم إنه الخارج الذي لن تستطيع المرأة تجاوزه بسهولة خاصة حين يطعنها بأنوثتها أو أمومتها. كما في رواية خيط البندول للكاتبة السورية نجاة عبد الصمد الصادرة عام 2023 فالبطلة تريد طفلاً لا تمنحه لها الطبيعة لتقع تحت سطوة الحرمان من أعز ما تملك (الأمومة) فتبدأ رحلتها في محاولات طفل الأنبوب المتكررة دون جدوى، وتتعطل حياتها المهنية ومشاريعها وأحلامها وينعكس الفشل مرة تلو أخرى على علاقتها بزوجها وبذاتها وبالآخرين، لم تكن الرغبة بالحمل ذاتية وحسب، بل هي اجتماعية أيضاً فالمرأة تخشى احتمال رفض المحيط لها إذ تفقد وظيفة أساسية ( الأمومة) وقد تكرس ذلك في اللاوعي الجمعي.
وللمفارقة إنها الأمومة نفسها التي تصبح جريمة ومأساة عند فتاة مراهقة تتعرض للاغتصاب فتنجب طفلا غير شرعي. ورغم أنها لأبوين متفهمين وواعيين إلا أنها تخاف وتخفي الأمر عنهما إذ إن الحدث أكبر من استيعابه من قبلها، لا شك أن تجربة الاغتصاب تجربة مريرة على المرأة وخاصة على فتاة صغيرة مراهقة. تقوم الكاتبة بوصف هذه التجربة التي إن لم تدمر حياة الفتاة فستترك أثرها واضحاً على حياتها. من آلام الولادة إلى تلك المشاعر الجامحة والمتناقضة التي تعيشها الأم الطفلة بين الرفض والتمني بين الشفقة والقسوة. في لحظة منفلتة من كل الحسابات حين يحتقن ثدياها بالحليب وتلح الرغبة بإرضاع الطفل الذي لا ذنب له إذ تغدو مشاعر الأم ناراً تكوي جوفها وأحشاءها، وفي هذه الإضاءة تجعلنا عبد الصمد ندرك ضغط غريزة الأمومة على المرأة الذي يجعلها تتحمل كل أنواع القهر في حياتها مقابل أن لا تخسر أبناءها في مجتمعات لا يقف القانون فيها إلى جانبها أبداً.
لا تتوقف الكاتبة عند تجربة الحرمان من الأمومة وضغطها على المرأة بل تأخذنا إلى ما يمارسه المجتمع عليها بأكثر من شكل فالأم التي خسرت زوجها ستتزوج من أخيه رغم أنها ترفضه نفسياً وروحياً حفاظاً على شرف العائلة وأولادها وتحت ضغط العرف الاجتماعي.
في خيط البندول تمزج نجاة بين دورها كروائية ومهنتها كطبيبة. فتخبرنا عن أهمية التوعية والثقافة الجنسية للجيل الشاب لتوجيه طاقاته ومنحه الوعي اللازم للجسد واحتياجاته وخاصة الفتيات من اجل ثقافة صحية وتفكيك خيوط الأزمات النفسية التي ترافق النساء إذ يحملن اغترابهن عن جسدهن مدى الحياة في المجتمعات الشرقية، بينما شاهدت هي حين درست الطب في روسيا كيف أن الفتيات اللواتي يخضعن لدورة الإسعافات الأولية مثلاً، يتم تدريبهن على الفحص النسائي كأي فحص طبي آخر.
وتتابع بتطعيم سردها بمعلومات من تاريخ الطب لنرى اضطهاد المرأة قديماً ففي القرن الثامن عشر في أوربا، كانت المرأة ممنوعة من إكمال تعليمها أو مزاولة بعض المهن كالطب ما اضطر الطبيبة البريطانية مارغريت آن بكلي لانتحال شخصية خالها المتوفي في مقتبل العمر لتستطيع إكمال تعليمها ثم ممارسة الطب باسم الطبيب جايمس باري إذ تنكرت بلباس رجل لمدة اثنين وخمسين عاماً. عملت خلالها في الجيش البريطاني في الهند وفي جنوب افريقيا وأجرت أولى العمليات القيصرية وتابعت ترقيتها في أوربا وكندا باسم الخال جايمس حتى أصبحت كبير الجراحين والمفتش العام للمستشفيات العسكرية، إلى أن توفيت فاكتشف أمرها على يد الخادمة وكانت الفضيحة، إذ اتهمت بانتحال اسم ورتبة ضابط بريطاني رغم كل ما قدمته وفعلته عبر تاريخها المهني والإنساني.
ربما لا يستطيع الأدب تغيير الواقع لكنه يستطيع المساهمة في بناء الوعي والتنوير بتقديم النموذج الإيجابي وتسليط الضوء عليه وكشف القضايا المسكوت عنها وتعرية الظلم والقهر اللذين تتعرض لهما النساء. في مجتمعات ما زالت بحاجة لتمكين الإنسان وانتمائه الوطني والمدني والقانوني وخصوصاً المرأة عبر الحث على التغيير الجذري في البنى الاجتماعية الراعية لكل هذا.
بواسطة هيفاء بيطار | أبريل 21, 2024 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
لم أستطع أن أخفي دهشتي حين قرأت المجموعة الشعرية “مثل الماء لا يُمكن كسرها” للشاعرة السورية فرات إسبر، فالنص مدهش وغني بالتجربة الإنسانية للمرأة في علاقتها بذاتها وبالعالم حولها، ويعبر عن صوت المرأة الحرة الشجاعة والمبدعة، صوت الأم والعانس والأرملة والعاشقة. أعتقد أن هذه المجموعة الشعرية المتميزة لم تأخذ حقها من الدراسة والنقد، ففيها تقدم الشاعرة نموذجاً لشعر المرأة يتخطى الخطوط الحمراء ويتحداها ويناقضها في مفهومها الإجتماعي والديني. هناك مقطع توقفت عنده طويلاً: على قدمي ركع الرجال، أعطنا عشبة جلجامش، عندنا نساء شبقات، من الندى يرغبن بالكثير، وبحيضهن تخضر الأرض .هذه العبارة (بحيضهن تخضر الأرض) هي ثورة على القيم والأفكار والمعتقدات الاجتماعية والدينية التي تعد المرأة في فترة الحيض مدنسة وكأن قيمتها الإنسانية هبطت. لكن فرات تربط الحيض بالحياة، تخضر الأرض كأن الحيض نسغ يمتزج بدم المرأة، كنسغ الشجر الذي يُعطي الحياة للأغصان .
في مقطع آخر: “قالوا لنا أنت له وهو لك
وخُتمنا بخاتم أحكامهم
شهود زور وقعوا على ورقة
ختموها بخاتم الحاكم بأمر الله
زينوا لنا الفرح والموت والحب.”
-رابعة العدوية امرأة كانت تنام تحت عباءة الرغبة وتصرخ في جلد الرجل شهوة وفي جسد المرأة شهوات. كنت النهر وأنا ضفتاه والعابرون هم الحصى في جسدي. كنت تشبه الليل وأنا أشبه الموسيقى. كنتً تُشبه الموت وأنا أشبه الحياة لذلك لم أخلق لك ولم تُخلق لي “.
في مقطع بعنوان عانس: “دخل عليها الشجر والنهر والورد والندى، قالوا لها: جئنا لننام في سريرك لنعلن الولاء لك. غنت لها الأٌقمار، الطيور هاجرت إليها، الجبال ركعت عند قدميها – هتفوا لها: بريء رحمك لم يمسسه الرجال.”
وفي مقطع بعنوان أمومة تقول: “عندما نهضت الأمومة بكل جبروتها وصرخت: أولادي خرجوا من رحمي، شربوا من دمي. إنني أراهم يتخبطون، لا أنا منهم ولا هم مني. امرأة من بعدها قالت : قديماً كان الإنسان وقبله كان الإله–وقبلهما كانت المرأة ولأن الجميع خرج من رحمها لذلك يرجمونها بالحجارة.”
الأمومة كما تُعبر عنها الشاعرة فرات إسبر قوة ونعمة، والرحم الذي يخلق الحياة يثير النقمة لدى رجال يريدون المرأة خاضعة ويتحكمون بها، لكن المرأة هي الأصل وهي تخلق الحياة، وقد بين العلم أن الكون كله يُشبه الرحم.
في داخل المرأة عدة نساء، كأن روح المرأة أرواح داخل جسدها: “وأنا حارسة الكلمات على إيقاعها أرسمك قاتلاً مُحارباً شهيداً وبكل ألوانها. أرسمك خائناً وعاشقاً ومرتداً ولكنك في بيت شهوتي تكون واحداً وأنا امرأة عبرت وأخرى تأتي وثالثة تولد ورابعة في مخاض وخامسة في وأد وسادسة في قفص وسابعة في تابوت وثامنة في عقد زور وتاسعة مُقيدة وأنا التي عبرت – اسمعني اسمعني بلغة الطير ولغة الحجر ولغة الماء ولغة الريح أنا عابرة الأكوان مع الوجع.”
سيدة التعب
استوقفتني عبارة (سيدة التعب) وكأن التعب من مزايا وصفات المرأة خاصة في عالمنا العربي، فالمرأة هي العطاء بلا حدود وهي من تنجب الأطفال وتربيهم وهي تعتني بالزوج وبالأهل حين يمرضون أو يصلون إلى أرذل العمر، لكن، ومن خلال تجربتي الحياتية أيضاً، لا يحق للمرأة أن تتعب، وإذا تعبت تُلام وتُتهم بالتقصير وأحياناً بالجنون. في مقطع رائع بعنوان “مثل الماء لا يمكن أن تُكسر” تقول: “صديقتي التي ماتت، لا تشبه النساء، يداها قاسيتان وبشرتها جافة، تُشبه الغبار، إنها غبارية اللون، لا تحب العطور، ذات يوم حلمت أنها تسبح في بحيرة الورد ولكنها استيقظت فجأة لترى نفسها في كومة من غبار.” وفي نهاية المقطع تقول: “ذات يوم جربت عطر النساء، صديقتي التي لا تشبهني لا تُحب العطور، هي سيدة التعب، صديقتي التي تشبهني كانت أنا، ومن يومها قررت أن أغيب معها في الغبار.” نلاحظ تكراراً كثيراً لكلمة غبار ولامرأة من غبار، فالغبار لا قيمة له وقلة من تلاحظه، وهو بلا لون مميز أو رائحة. ولقد أبدعت فرات إسبر في وصف المرأة بأنها امرأة من غبار لأنه لا أحد يحس بها وبوجع روحها وبتعبها وبأحلامها وتوقها للحرية، لتكون ذاتها، إنها دوماً المُلحقة بالآخر، كينونتها في خدمة الآخر وفي العطاء بلا حدود دون تذمر أو تعب، هي في الحقيقة كأنها كائن خفي لا أحد يراه على حقيقته، لا أحد يحس أنها متساوية تماماً مع الرجل وأن لها طموحاً وأحلاماً وشغفاً، عليها أن تكتفي فقط بعبارة (الجنة تحت أقدام الأمهات) في هذه الحالة وحدها تكون لها قيمة وتُقدس، لكن الجنة ليست تحت أقدام المبدعات اللاتي يتعرضن للاعتداء ويُتهمن بالأنانية وسوء السمعة والاسترجال، وكم من نساء يعجزن عن التعبير عن مشاعرهن وأحلامهن، كم من نساء يكدن ينهرن من التعب لكن المجتمع الذكوري زرع في نفوسهن منذ أن كن طفلات أن غاية المرأة هي الخدمة، خدمة الأسرة وأنه ممنوع عليها أن تتعب لذا تشعر أنها تعيش وهي تُخفي ذاتها الحقيقية داخل روحها، تلك الذات تُصبح صديقة المرأة تناجيها وتُفضفض لها عن تعبها. مؤثرة وعميقة تلك العبارة (صديقتي التي تشبهني كانت أنا ومن يومها قررت أن أغيب معها في الغبار).
ويبقى الحنين إلى الوطن موجعاً كالحرق، ففي مقطع بعنوان بيتنا تكتب فرات ابنة مدينة جبلة: “آه يا بيتنا غادرك الأحبة واحداً واحداً والآخر غاب ولم تزل هناك أم تعد العشاء وقلبها لى الباب –وأب يقول تأخر المطر والأحبة لم يقرعوا الباب وما زلنا سنين انتظار. يا بيتنا ألا يزال الدرب نفسه والحارة القديمة، سوق جبلة العتيق، قلعة الرومان، نادي المعلمين، ومدرستي الثانوية؟ لملم الدمعَ يا هدب، صار بحيرة، والمراكب ما أوصلتني إلى الشط البعيد، في غفلة تُهت بحلمي وأيقظني قرع باب، أيقنت زائراً قد طل في غربتي يسأل عني، ما كان ذاك غير صوت ريح وأنين مطر.”
تُعبر فرات إسبر عن الخوف بكلمات قليلة تبدو بسيطة لكنها عميقة وتُلامس شغاف الخوف، في مقطع بعنوان “البيت الذي اسمه الخوف” تكتب: “أنا وأنت هنا بين هذه الجدران وبيت كبير لا يُمكن أن أصف أسراره ! على بابه يقف الخوف. هل ترى هذا الشباك العالي ذا الأقفاص؟ – والرجل الحارس يراقبنا.–أتراه. كيف يحدق؟ من داخل هذه الجدران أكتب إليك أنا وأنت ولا أحد سوانا. أنا وأنت كانوا ثلاثة، كانوا أربعة وكنا كثيرات أنا ونفسي، أنا ونفسي أكثر من اثنتين ولكن في قفص واحد.
انظر. ..انظر
هذه الشجرة تشبهني تماماً وهي تموت“.
في مقطع آخر: “تسألني اليوم لماذا أنت حزينة؟ كانت الرصاصات تخترقني والقناص الذي وراء الباب وكل الذين سقطوا أمامي كانوا أنا. أنا اليوم أسألك من أنت؟ أنت لا تدري وأنا لا أدري ولكن لا بد من سؤال.”
تكتب فرات إسبرعن الحب بطريقة صوفية شاعرية، لا تستعمل كلمات تعبر عن الشهوة والرغبات، يبدو وصفها للحب أشبه بمن يصف رحيق وردة أو نسمة عليلة كأن الحب حالة وجدانية أو كأن الحب كوشاح من نور يُغلفنا. في مقطع بعنوان “كل الأضواء مطفـأة إلا ضوء قلبي إليك” : وردة الحب كم بتله لديك، كم ساق؟ أمنا الأرض مغمورة في الحب وباقي الكواكب من غيرتها تنام! شك نساء وغيرة وهذا السفر الطويل لن يلحق بالأيام. بتلات الزهر سكرى. – هل تذهب معي الليلة إلى تلك المملكة التي يسمونها الحب، التي يسمونها الموت، وأنا بها من السحر مس جنون.”
في مقطع آخر تقول: “احملني على ظهرك يا ضوء قلبي، أنا بيت الأمنيات التي لا ! يستجاب لها. أنا العجوز التي لم تلحق الحلم وما زلت تسألني: أتريدين الصعود إلي أم أنا أهبط إليك؟”
ومن مجموعة أوراق من دفتر الورد اخترت الورقة الأولى:
“إلى وجه أمي الذي ضاع مني، إلى حبها الذي لم أستطع اللحاق به، إلى قدميها عاريتين أول الظهيرة ويديها المتعبتين قبلتي، أنا المرأة التي كنت مثلها.”
الورقة الثالثة: “الوردة التي ذبلت لم تكن في حديقة كانت في وجع النسغ، في حزن التراب.– لم تقف عند باب ولم تسأل النجم عن مدار.”
ومن مقطع تأملات امرأة : “كل الذين أحبهم ماتوا، وكل الذين لا أحبهم ماتوا، وها أنا في غابة الموت أهيم. الكراهية طائر أسود اللون يختلس النظر إلى قلبي يريد أن يقنص بذور الحب منه. – الحب طائر بلا أجنجة وحده يحلق عالياً في السموات، وحده يعرف أسرار اللغة وفك أزرارها. جسد تتقاسمه العشائر، قلب مصلوب في جدران الجسد. نحن في الماضي، نحن في الحاضر، نحن في وجع المستقبل. من خلف نظارتي أراقب الكون، أرى بشراً من كل ألوان الطيف، من خلف نظارتي أراقب ذاتي، أرى ما لا يراه أحد، رغبة في الحب ورغبة في الزوال. –أعرف أنني لم أفرح، أعرف أن الفرح لن يأتي، وسأغلق الأيام على حزنها.”
فرات إسبر شاعرة متميزة، هي تحكي عن المرأة الكونية الخلاقة القوية، والعاشقة المخذولة، لكنها حرة وتكسر القيود وتتحدى الأطر التي يسجنونها فيها. حين قرأت ديوانها “مثل الماء لا يُمكن كسرها” كنت أقرأ العالم كله من خلال رؤية امرأة تتقن الغوص في معاني الحياة والحب والموت والرغبة، هي ترسم بالكلمات عالمنا والوطن والأم والحبيب والأبناء والغربة، والأرض التي تخون أحياناً كالبرق. وأحب أن أختم بعبارة كتبتها فرات: “العمر زنزانة نعزف فيها أناشيد البقاء.”
بواسطة رهف حبوب | ديسمبر 4, 2023 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
أنظر إلى ابني الأصغر الذي لا يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، وأفكر فيما واجهتهُ خلال الساعات الماضية فقط. كان شاهداً على نوبة جديدة من نوبات جنون زوجي الهمجية. زوجي الذي ضربني وطردني من المنزل برفقة أبنائي الاثنين، أكبرهما لم يتجاوز بعد عامه الثاني، هذا ما تقوله السيدة (ا.ع) من ريف دمشق لـ “موقع صالون سوريا”.
تخبرنا تلك الأمّ عن المعاناة التي تكابدها بينما تفكر في علبة الحليب التي لن تكفي أكثر من يومين، ثمّ؛ وبعد ذلك يجب أن تعود إلى جحيم الزوجية بسبب عدم قدرتها على إعالة طفليها، تقول: “الحليب مقطوع من الأسواق، ولو توفر فإن كلفته تبلغ حوالي 75 ألف ليرة سورية، ولا أملك منها حتى خمس ليرات!”.
ومع وجود صعوبات معيشية لدى عائلتها، يستحيل بقاؤها مع طفليها في بيتهم، على الرغم من محاولات الاحتواء والاحتضان التي يبديها الأهل، لكن هذه المرأة تشعر أنها تشكل عبئاً عليهم: “أدرك أنني سأعود إلى زوجي بسبب الحاجة إلى علبة الحليب تلك”.
تخبرنا السيدة (ا.ع)، وهي في أواخر العشرينات اليوم، كيف درست في كلية التجارة والاقتصاد في جامعة دمشق، وتعرّفت هناك على زوجها من خلال أصدقاء مشتركين. وتؤكد في حديثها لـ “موقع صالون سوريا” أنها عاشت قصة حبّ جمعتها مع زوجها لسنوات “إلا أن ما حدث بعد الزواج لم يكن بالإمكان التنبّؤ به. عمل زوجي على عزلي عن أصدقائي، ثمّ دفعني لترك العمل من أجل الاعتماد عليه كلّياً من الناحية المعيشية. ربّما يُعتبر هذا السلوك أمراً عادياً بالنسبة للعديد من الأزواج، لكنّه في الحقيقة عبارة عن تكتيك يعتمده الشخص المُعَنّف للتأكد من أنّ زوجته لن تستطيع تأمين حياتها وحياة أبنائها خارج جدران سجنها المنزلي”.
تتالت الأيام ومعها تصاعد خطابه العنيف من سُباب وإهانة مستمرة، ثمّ تصعّد إلى عنف جسدي كبير، وقد يصل أحياناً إلى التهديد بالقتل! وفي كل مرة تخرج (ا.ع) من منزلها، تعرف أنّها ستعود بعد أيام، لأنها لن تستطيع العيش دون أطفالها الذين باتوا سلاح الابتزاز الأشهر في يد الزوج.
تقول: “لا أستطيع العيش دون أطفالي، مجرّد الفكرة تجعلني أتمنّى الموت قبل حدوثها. هذا ما يجعلني مستمرة في هذه الحياة رغم عدم وجود أيّة مقومات للحياة أصلاً”، وتضيف: حتى وإن قرّرت أن أترك زوجي، فإلى أين الرحيل؟ إلى أهلي الذين يعانون من أجل لقمة العيش؟ ومن سيحميني منه حين يحاول انتزاع أطفالي مني؟ بصراحة لا أثق بتنفيذ القانون الذي ينصّ أن لي الحق في الحضانة، حالياً، وذلك لأنّه -بحسب تجارب شاهدتها- يمكن تطويع القانون بالرشاوى.
وتختتم هذه الأمّ التي فطر الخوف على أبنائها، قلبها قصّتها وهي تؤكّد أنّ “مشوارها ليس سهلاً. إنّي أودّ تجنّب شرّ زوجي ليعيش أطفالي، ولست أعرف كيف يمكن أن أجد حلاً بعيداً عن ذلك الجحيم الذي يفترض به أن يكون جنّتي على الأرض..”.
ما البديل!
صدى قصة (ا.ع) يصل إلى مدينة حلب، حيث تأتي قصة السيدة (ك.ج)، التي تواصل معها “موقع صالون سوريا” للحديث عن تجربتها القاسية في العودة إلى زوجها بعد هجره لها لأكثر من عام بسبب التعنيف الذي تتعرض له.
تروي السيدة الثلاثينية (ك.ج) كيف عاشت مع زوجها لسنوات تتنقل بين المدن السورية بسبب ظروف الحرب والنزوح، في محاولة لإيجاد مدينة آمنة، لعلّهم يستطيعون بناء حياتهم فيها.
تقول: “مع مظاهر عودة الحياة إلى مدينة حلب، قرابة العام 2020، عدتُ مع زوجي إلى هناك، لكنّ طِباعه تغيّرت، وبات أكثر عنفاً وصداميّةً، حتّى وصلتْ به الحالة في أحد الأيام إلى طردي من المنزل مع ابني إلى الشارع، منتصف اللّيل دون أيّ سبب!”
وتشير السيدة (ك.ج) إلى الوقت العصيب الذي قضته في السفر من حلب إلى منزل أسرتها بريف دمشق، لتعيش معهم فترة انتظار زوجها أن يأتي، أن يرسل إليهم بعض المال على الأقلّ، لكنّ الأيام مضت ولم يعد الزوج، لأنّه قرر أن “يبدأ صفحة جديدة دون أن يكون لابنه وزوجته مكان فيها”.
تقول: “في تلك الأوقات كنت أعمل لساعات طويلة في عيادة طبيب، أنظّم المواعيد وبعض أعمال السكرتارية، لكنّ الراتب لم يكن يكفي سوى أجرة مواصلات! كنت أدور في حلقة مفرغة من العمل غير المأجور تقريباً، ناهيك عن الحالة التي يعيشها ابني بعيداً عن أبيه، وكذلك بعيداً عني-أحياناً كثيرة بسبب انشغالي بالعمل”.
وتضيف: “دفعني اليأس أخيراً إلى التواصل معه ومحاولة استمالته لإعادتنا. بالرغم من أنني لم أفعل شيئاً يتطلب عقابي أو نبذي أو حتى هجر ابنه بتلك الطريقة، وما صدمني حقاً أنه كان يريد الزواج بامرأة أخرى. تطلّب الأمر مني إقناعه حتى أعادني إلى هذا المنزل الذي لا أطيق العيش فيه مع زوج هجرني، وكاد أن يتزوج غيري. ما دفعني إلى العودة هو الحاجة المادية فقط، فأنا لا أحمل شهادة جامعية أو حرفة، وعشت أيامي إمّا معتمدة على عائلتي أو على زوجي، مادياً. ومع سوء الوضع المعيشي اليوم، بات من المستحيل استئجار بيت وتربية ابني وحدي، حاولت، ولم أستطع تأمين اللوازم الأساسية لحياتنا”.
وتختم السيدة (ك.ج) حديثها لـ “موقع صالون سوريا” بالقول: “لقد رأيت كثيراً من الفيديوهات والمنشورات على وسائل التواصل، عن سيدات يطلبن من النساء استجماع قوتهن والعيش بكرامة ورفض العودة إلى الزوج السيء، لكن ما تغفل عنه تلك الفيديوهات هو طرح ما هو البديل؟ كيف لي أن أعيش؟ لا يوجد منازل تقدم رعاية للسيدات الهاربات من العنف المنزلي أو المطلقات الباحثات عن فرصة ثانية بالحياة”.
تشكّل تلك القصص، جزءاً من آلاف السرديات الأخرى عن بلد نهشتها الحرب والفقر منذ سنوات، ولم يكن ازدياد حالات العنف الجسديّ والنفسيّ والجنسيّ ضدّ النساء، سوى أمر طبيعيّ في بلد يقبع أكثر من نصف سكانه تحت خطّ الفقر، بحسب تقديرات أممية. إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة التي دفعت بدورها لنمو العنف داخل الأسر السورية.
لقد تمّ توثيق نحو عشرة آلاف حالة عنف ضد النساء في سوريا عام 2022 منها ثلاثة آلاف حالة عنف جسديّ، إضافة إلى نحو ألف حالة اغتصاب أو محاولة اغتصاب وذلك بحسب تقديرات منظمة “العفو الدولية”.
في وقت أشارت الأرقام الرسمية الصادرة عن “المركز الوطني للصحة والإحصاء في سوريا” أن 20% من النساء في سوريا تعرضن للعنف الجسديّ خلال حياتهن، و15% تعرضن للعنف الجنسي. بينما أشارت الأمم المتحدة إلى تعرض النساء والفتيات النازحات في جميع أنحاء سوريا للخطر بشكل خاص، لأن النزوح جعل النساء أكثر عرضة للعنف، بعد أن فقدن الكثير من وسائل الحماية التقليدية، مثل الدعم الأسريّ والمجتمعيّ.
ماذا يفعل القانون؟
وللوقوف على الجانب القانوني حول تلك القصص، تواصل “موقع صالون سوريا” مع رهادة عبدوش، وهي محامية سورية وناشطة في قضايا المرأة. والتي أخبرتنا بدورها أن السبب الأساسي في نمو تلك الظواهر هو “عدم قدرة القانون حالياً على حماية النساء وخاصة المعنفات، بسبب وجود الكثير من الفجوات التي تسهّل العنف وترسّخ التمييز ضدّ المرأة. لأن قانون الأحوال الشخصية مكتوب على أساس دينيّ (…) ويميز في العديد من مواده بين النساء والرجال”.
ومن بين تلك المفارقات القانونية تقول رهادة: “إعطاء الولاية للذكر فقط وليس للمرأة والطلاق بالإرادة المنفردة (الطلاق الإداري). إضافة إلى حرمان المرأة السورية من منح جنسيتها لأولادها، وزوجها. تزويج القاصرات، وواجب الطاعة المفروض على المرأة، وغيرها من المواد. كما تُعَاقَب المرأة بعقوبة أشدّ من الرجل في حالة الزنا، فيما يتمّ تخفيف عقوبة المغتصب في حال تزوج من ضحيته”.
وركّزت رهادة في حديثها على “فجوات قانون العقوبات السوريّ” التي يمكن استغلالها لترسيخ العنف ضدّ النساء وضمان استمراريته من قبل معنفيهم. تقول: “قانون العقوبات السوريّ لا يحتوي على قانون خاص يتعلق بالعنف الأسريّ أو مواد تحمي النساء منه، بالإضافة إلى عدم وجود بيت للحاضنة أو نفقة للأطفال ترعاها أو تشارك بها الدولة. إضافة إلى عدم وجود آلية تراقب إعطاء الإرث للنساء”.
وقد وجهّت رهادة مع العديد من الناشطات النسويات والحقوقيات، دعوات إلى سنّ قانون خاص بالعنف الأسريّ يحمي النساء ويسهّل آلية الوصول إلى النساء المعنّفات. وإيجاد أماكن أو منشآت خاصة لحماية النساء المعنفات، على أن تكون تلك الأماكن آمنة تشرف عليها الدولة والجهات المختصّة والمجتمع المحليّ.
مصادر:
بواسطة وداد سلوم | نوفمبر 14, 2023 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
قليلات النساء اللواتي عملن في الإخراج السينمائي، وخاصة في سوريا. يبرز اسم هالة العبد الله بينهن، وهي التي تميزت بالفيلم الوثائقي، كما كانت عضوة في لجان تحكيم عدة مهرجانات سينمائية. كان فيلمها الأول بعنوان “أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها” وقد منع عرضه في سورية ولم يظهر للمشاهد إلا في عام 2021 حين تم طرحه في اليوتيوب تحية للشاعرة السورية دعد حداد. وقد تحدثت عن منع الفيلم وعن السينما السورية، بشكل عام في هذا اللقاء:
– تقولين في فيلمك الطويل الأول” أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها”: “أردت ان أحقق أفلامي في بلدي سوريا، وليس في الغربة، ولكن بعد 25 سنة؛ عندما رأيت أن عمر الخمسين يقترب والعودة إلى البلاد تبتعد، تنبهت إلى أن مشاريع افلامي تتراكم فوق ظهري وأن الوقت قد حان للتخلص من هذا الحمل “. بعد سبعة أفلام طويلة وثلاثة قصيرة إلى أي حد تشعرين بذلك التخفف؟ أم أن المشاريع تتوالد أكثر مما يتيح الزمن تحقيقه؟
– كنت يومها -عام ٢٠٠٦- أقصد تلك الأفلام التي تراكمت منذ بداية الثمانيات، أي خلال 25 سنة من عملي في السينما على أفلام الغير. ولم أتمكن من إعطاء الوقت لأفلامي الشخصية، وبالتالي ازداد ثقل هذا الحمل من بقاء مشاريع الأفلام في مخيلتي وعلى أوراقي وفي ملفاتي. وحتى من كان منها له وجود بصري كنت أؤجله في منتصف الطريق لكي أعمل على أفلام الآخرين.
كانت مشاركتي معهم تشكل لي متعة، وأهمية وغنى كما لو كنت أنجز أفلامي الشخصية.
المهم في الأمر أن هذا الفيلم جاء يحمل كل تلك الأفكار والمشاريع التي رغبت في تحقيقها وتركت الوقت يمر دون أن أنجزها، فأشرت لها بطريقة ما في الفيلم واعتبرت أمام نفسي أن هذه الإشارة كانت كافية. والحقيقة كان هذا نوعاً من الخديعة من طرفي للمخرجة في داخلي، إذ أوهمتها بأن هذه الأفلام؛ قد أخذت حقها مع أنها لم تتحقق كاملة، بل فقط مررت على ذكرها باختصار شديد. بفضل هذا الوهم خففت من ذلك الحمل الذي كان على كتفي وصنعت فيلماً أنا سعيدة به اليوم.
ما تغير بعد إنجازي لهذا الفيلم، هو علاقتي وطبيعة إحساسي بمرور الزمن. ففي عمر الخمسين قمت بنقلة حقيقية مع فيلمي الطويل الأول هذا، بعدها صار طعم الزمن مختلفاً جداً. صار لدي إحساس أنه يسبقني، وأنني يجب أن أركض خلفه، وأركض وأنا أصنع أفلامي. هكذا أضحيت ألهث لأستطيع تحقيق كل ما أفكر به وأرغب بإخراجه للنور. اليوم أشعر أن روحي مكتظة بالمشاريع التي علي أن أحققها ولن أسمح لنفسي بعد الآن أن أهدر الوقت كما فعلت في الماضي.
–نال فيلمك هذا جوائز عالمية، وشارك في مهرجانات عدة، لكنه منع في سورية ما السبب برأيك؟ وهل عرضت لك أفلام أخرى في سورية؟
– كان عرضه الأول عام ٢٠٠٦ في مهرجان فينيسيا، وكان الفيلم الوثائقي السوري الأول الذي يُعرض في مهرجان دولي، عمره تقريباً سبعون عاماً. رفرف يومها العلم السوري بين أعلام الدول المشاركة، وكان لذلك أثر عاطفي ووجداني علي. مُنع الفيلم في سوريا بطريقة مباشرة جداً وبعيداً عن اللف والدوران كما يحدث عادة بقرارات الرقابة غير المعلنة. كان عرضه مقرراً في سينما الكندي في دمشق، برعاية السفارة الإسبانية ضمن نشاط تنظمه المخرجة المصرية أمل رمسيس، لعرض مجموعة أفلام، حوالي (12) فيلماً، لمخرجات أفلام ناطقة أو مترجمة للإسبانية، لكن طرفاً يمثل السلطة السورية طلب من الملحق الثقافي الإسباني عدم عرض فيلمي، وأن حضوري للعروض الأخرى غير مسموح به ومنع يومها أيضاً، على ما أذكر، فيلم مكسيكي من المجموعة. وتم بشكل رسمي طلب إزالة عنوان الفيلمين من كتالوج هذا النشاط السينمائي بالإضافة لمنعي من التواجد في صالة العرض. فارتأت منظمة التظاهرة توقيف كل العروض مع إعلان السبب الحقيقي للصحافة بكل وضوح.
أتساءل حتى اليوم؛ ما سبب منع بوح بعض النساء عن تجربتهن وآلامهن وأحلامهن؟ كيف يمكن أن يكون ذلك مؤذياً لهيبة الدولة؟ الحقيقة لا أعلم!
لقد تكرر هذا الأمر مع أفلام أخرى كثيرة، مثل فيلم لعمر أميرلاي، بعنوان (الحياة اليومية في قرية سورية) وقد نظمتُ له عرضاً منذ عدة أشهر بمرسيليا، ونحن اليوم في عام ٢٠٢٣ والفيلم مازال حتى اليوم ممنوعاً في سوريا، رغم أنه أنجز عام ١٩٧٣ أي منذ خمسين سنة!
-ما حجة في منع فيلم ما، وبعد كل هذه الزمن؟
فيلم يحكي عن واقع أشياء غير متخيلة أو غير مخترعة، بل من صلب حياتنا وهو لم يفعل سوى تسليط الضوء عليها.
إنهم يخافون من الحقيقة ويعملون على أن تبقى في العتمة. الرقيب هو من يحدد ما على المتفرج أن يرى ويقول: “أنا بعرف شو لازم تشوف وشو ما لازم تشوف “! هذه الرقابة الغبية التي ما زال يطبقها حتى اليوم نظام القمع في بلادنا!
أما عن الشق الثاني من سؤالك حول عرض أفلام أخرى لي في سوريا فلم يحدث على ما أذكر سوى عرض فيلم وحيد هو «هيه! لا تنسي الكمون» ِ وذلك ضمن نشاطات داخل المركز الثقافي الفرنسي.
-هناك كثير من السوريين، وخاصة الشباب لا يعرفون هالة العبد الله، ما تأثير ذلك عليك. إلى أي حد يؤلمك ذلك؟
–الحقيقة أنا غير معروفة في سوريا لا لجيل الشباب ولا للكبار أيضاً وهذا الشيء لا يفاجئني وبالتالي لا يؤلمني ولا أقوم حتى بالتساؤل عن ذلك. لأنني أولاً على دراية بالوضع العام للبلد ومن هم تحت الأضواء فيه. وثانياً لا يعنيني أن أكون معروفة أم لا، في حال أنك تقصدين مقارنتي بنجوم المسلسلات. لا رغبة لدي بالبحث أو انتظار أو ترقب شيء اسمه الشهرة. ما يعنيني في الحقيقة؛ هو أن يكون كل إنسان في سوريا له الحق بمشاهدة الفيلم الذي يريده، أن تكون الحرية كاملة لكل الشباب، والصبايا، والكبار والصغار، للاطلاع على جديد السينما العالمية وأنواعها، وعلى أفلام المخرجين السوريين أيضاً. ما يهمني وأتمناه أن يكون هناك تواصل لي وعلاقة حقيقية مع الجمهور. وأن تتمكن السينما الوثائقية من الوصول لكل الناس. هذا شيء نفتقده في سوريا بشكل ممنهج ومقصود. ومن هنا أعتبر نفسي، متل أي مخرج آخر للأفلام الوثائقية، محرومة من حق التواصل، مع جمهور يهمني كثيراً، ليس بهدف الشهرة والنجومية، بل لأني أصنع أفلامي من أجله أولاً وقبل أي طرف آخر. قلبي يتلهف للقائه وكل ما يتمناه دوماً هو أن أستطيع عرض أفلامي له في سوريا.
–فيلمك الطويل الوثائقي الأول الذي نتحدث عنه صور بالأبيض والأسود أتساءل لماذا؟ ألأنه ينبش في الذاكرة/الماضي؟ أم لأنه يصطاد في ماء العلاقة مع الذات حيث تحديد الأشياء بدقة لا لبس فيها ولا تلوين؟
– الحقيقة؛ بعد مرور سنين طويلة على صناعة فيلم “أنا التي تحمل الزهور الى قبرها” ما زال يثير فضولي حتى الآن، تفسير المتفرجين والأصدقاء، لخيار الأبيض والأسود في هذا الفيلم، وكيفية تلقيهم له. أستمتع بالاطلاع على ذلك، كما تأثرت جداً الآن حين عرفت تفسيرك له من خلال طرحك للسؤال حول هذه النقطة، لكن الحقيقة كان ذلك لأسباب أخرى.
صنع الفيلم بطريقة مغايرة لما هو متداول عادة. إذ لم تكن له فترة تصوير محددة، ولم أكتب له نصاً مسبقاً، فقد كان فيلماً يصنع عند توفر الوقت، وأثناء مشاركتي بأفلام الآخرين ويتأثر بالتالي بحسب اللحظة المتاحة للتصوير بالإضافة لرغبتي بالمغامرة الفنية، وبالرغبة بكسر القيود، والقوالب المتعارف عليها، في الفيلم الوثائقي. لقد تم تصويره في أكثر الأحيان، بطريقة عفوية وارتجالية، و بمعدات تصوير متنوعة، ليس بنفس الكاميرا ولا بنفس الضوء أو الأوقات ولا مع نفس الأشخاص، كان لدي مواد منوعة جداً، ومختلفة عن بعضها البعض، وكنت أحياناً كثيرة، أنا من يصور بشكل اضطراري (فلم تكن هذه مهنتي) ثم في بعض الفترات ساعدني بالتصوير عمار البيك. كانت كل المواد المصورة ملونة، وليست بالأسود والأبيض. وخلال المونتاج، الذي امتد لفترة طويلة، كنا نتناقش دوماً حول تنافر مواد الفيلم؛ من الناحية التقنية والبصرية وحين انتهينا من المونتاج -وكان الفيلم بالألوان- برزت هذه المشكلة بشكل أكبر.
حينها وبعد نقاش طويل بيني وبين عمار، بحثنا كيف يمكن أن نوّحد كل هذه المواد المبعثرة فنياً وزمنياً ووجدانياً، وقررنا أن نجرّب رؤيتها بالأبيض والأسود. حين حولنا الفيلم للأبيض والأسود أحسسنا بالوحدة البصرية التي نريدها، وصار هناك نوع من الألفة بين اللقطات، وفي نفس الوقت وجدنا أن الأبيض والأسود، بالإضافة لتخفيفه الكثير من المشاكل، أضفى نوعاً من الإحساس بالماضي وبالذكريات وبالنوستالجيا، ما أدخل على الفيلم شيئاً من الدفء والحنان أيضاً، وهكذا اعتمدنا أخيراً خيار الأبيض والأسود.
– كتبتْ دعد حداد بتفرد “بلاغة الألم” فهل أردتِ حين تقولين: أريد لدعد أن تكون ملكة الفيلم كشف تلك البلاغة لدى شخصياتك أيضاً؟ أم استخدمت نفس البلاغة بربط التجارب والمواضيع مع بعضها وحيث يتجلى القهر الذي يتركه مرور الزمن؟
– حين أعمل على إنجاز أفلامي، أكرر لنفسي ما سأقوله لك الآن، وهو مثال لإيماني العميق بعملي: أشعر كأني أرمي خيوطاً باتجاه المتفرج، وأحب أن يمسك كل شخص بطرف الخيط الذي يختاره، و يسحب الفيلم نحوه، وبذلك أشعر أن المتفرج صار شريكاً معي بصناعة الفيلم، وهذا ما أريده لكل أفلامي، أي أن يكون هناك لكل متفرج قراءته الخاصة. كأننا أمام مبنى من عدة طوابق؛ وكل متفرج يختار طابقاً له ويستقر فيه: الطابق الأول، الطابق الثاني، بلكون بدون بلكون، شبابيك بدون شبابيك الخ…
له الحرية باختيار ودخول المكان الذي أحبَه، أو لمسه أو حتى تخيله. هذا شيء يفرحني كثيراً؛ أن تحرّض أفلامي الناس على أن تتخيل شيئاً آخر مختلفاً، بعيد أو قريب من الشيء الذي أعنيه كما تفعلين أنت بأسئلتك الآن.
بالنسبة لدعد حداد كملكة للفيلم، ومع أنني أحبيت كثيراً ما قلتيه في سؤالك حول هذا الأمر، لكن الذي حصل أنني أثناء التصوير قلت بعفوية مطلقة في لحظة ما بالفيلم أنني أريد لدعد حداد أن تكون ملكة لفيلمي. جاء هذا من إحساسي بكم الظلم الفظيع الذي عاشته دعد حداد، سواء من المجتمع، أو من الرجال الذين أحبتهم وخذلوها حين لم يقدّروا هذا الحب. في الفيلم أو خارجه تمنيت لو أستطيع ضمها ضمة كبيرة لقلبي وأقول لها: أنت جميلة جداً وحساسة جداً، أنت جريئة ومحبة وقوية. كنت أريدها أن تعرف أنها جديرة بأن تكون ملكة، ملكة الأحاسيس والمشاعر، ملكة الجرأة في الكتابة، ملكة الِشعر. بهذا المعنى قررت أن أطوَبها ملكة على فيلمي. لأنها تستحق ذلك ولم تأخذ حقها من الحياة.
– اختيارك العنوان وإنهاء الفيلم بقصيدة ثم نشاهد في الفيلم لوحات يوسف عبد لكي إلى أي مدى ترين السينما حالة ثقافية يمكنها جمع هذه الفنون؟
– الحقيقة إن وصول الفيلم للمتفرج مكسب كبير لأي مخرج. بالنسبة لي أؤمن أن السينما؛ هي وسيلة تعبير تساعدني لقول ما أريد وتسليط الضوء عليه. وعلى تخفيف الضغط الذي يخنق روحي. أقاوم من خلالها، الوقوع والاستسلام لخيبات وصعوبات الحياة. إضافة لكل ذلك، تأتي أهمية السينما من وجهة نظري بأنها تجمع كل أِشكال الفنون ففي السينما سرد، ورواية، وجمال بصري له علاقة بالتشكيل واللوحة. في السينما شغل على الضوء، والصورة والحركة، وعلاقة مع ممثلين أو شهادات أشخاص يبوحون ويعبرون عن أنفسهم، وهناك المؤثرات الصوتية والموسيقى، وتطويع الأغاني لخدمة دراما الفيلم. فعلاً السينما تجمع كل أنواع الفنون بلحظة واحدة. حتى انتقاء عنوان الفيلم أو النهايات التي نسميها “الجينيريك” هذه الأمور التي نختار حلولاً لها في الغرافيك أوالخط أو الأرشيف، تأتي من عالم فني مختلف لتغني الفيلم، حتى ولو جاءت كإضافات في اللحظات الأخيرة.
في نفس الوقت فإن الفيلم، يمثل فسحة من الحرية لكل أنواع الفنون لتتداخل مع بعضها وتجتمع وتأخذ مكاناً لها بزاوية ما منه، فتكون منسجمة أو متناقضة مع ما يليها أو ما يسبقها. قد تفتح له طريقاً أو تتغلب عليه وتدفعه الى الوراء. يتم هذا الفعل علناً او سراً بشكل بنّاء أو هدّام. هذا الجانب البديع والغامض في السينما هو الطاقة السحرية التي تنطلق من فيلم ما باتجاه المتفرج فيلمسه بفضلها ويستمتع به ويدخله الى قلبه.
– كانت أفلامك واقعية ووثائقية وتناولت مواضيع شتى من السياسة إلى الاجتماعي والعائلة وماذا في ذهنك من قضايا جديدة؟ وهل في بالك إخراج فيلم روائي وما المانع؟
– لأنني صرت بعيدة عن سوريا، ولم أتمكن من زيارة بلادي منذ اثني عشر عاماً، سواء لفترة قصيرة أو طويلة، لم أعد أسمح لنفسي بالحديث عن الواقع السوري. لأنني أشعر أني أضحيت بعيدة بعض الشيء رغم أني أتابع كل المستجدات وتغيرات الواقع، وأتلمس عن بعد نبض البلاد دوماً. ولكن لم أعد أجد لدي المصداقية حالياً للعمل على فيلم وثائقي عن الوضع في الداخل السوري.
بجميع الأحوال منذ فترة أجد نفسي ميالة للعمل على قضايا النساء بشكل عام. هذا ما يشغلني حالياً وسأحاول أن أعمل عليه أكثر.
بالنسبة للسينما الروائية، فأنا منذ سنتين تقريباً أحضّر لمشروع فيلم روائي قصير، وأتأمل أن أتمكن من إنجازه قريباً. فهو جاهز للتصوير، ولكني أنتظر الحصول على التمويل اللازم لتغطية الحد الأدنى من احتياجات الفيلم المادية. أتشوق لخوض تجربة جديدة شخصية لها علاقة بالسينما الروائية، خاصة أنني عملت كثيراً مع مخرجين آخرين على أفلامهم الروائية، وكان لي فيها تجربة مهمة تعلمت منها الكثير.
– أخرجتِ فيلماً عن المخرج السوري عمر أميرالاي رغم أنك عملتِ مع غيره من مخرجين سوريين لا يقلون أهمية عنه فلماذا هو بالتحديد؟
– عندما أصنع فيلماً عن شخص ما أو شخصية ما، فليس لأنه أهم شخصية أو أهم فنان في العالم، ولكن لأن هناك نداء ورغبة تغليان في أحشائي، هناك فضول وثقة بأنه ستكون هناك نتيجة إيجابية، ودخول لأماكن كانت مغلقة لدى هذه الشخصية، وأنني سأتمكن من تسليط الضوء على أماكن عاتمة في أعماقه. هكذا أعمل على مواضيعي التي أتناولها في مشاريعي، سواء كانت شخصية أو موضوع عام. فليس الأمر هو مقارنة بين أحد وآخر من حيث الأهمية أو القوة، بل قصة مزاج ورغبة وشعور بالضرورة، وهذا ما يولد في أعماقي دون أسباب موضوعية. إضافة إلى أن عمر أميرلاي هو صديق زمن طويل، وهو مخرج سوري لديه حوالي 25 فيلماً مواضيعها مرتبطة بالحرية، وبالموقف الاجتماعي والسياسي الواضح مع العدالة، وضد الظلم والاضطهاد و90 بالمائة منها ممنوع. كان لعمر مواصفات مختلفة عن الآخرين من الناحية الموضوعية، لكن في الحقيقة حين أرغب بصناعة فيلم لا تكون دوافعي موضوعية، بل تكون فعلاً دوافع داخلية وشخصية بحتة.
– ما رأيك بواقع السينما في سوريا حالياً؟
ــ أفضل أن أقول السينمات بالجمع لوجود حالات متنوعة من الإنتاج السينمائي ظهرت بعد الثورة السورية. ففي الداخل السوري هناك إنتاج سينمائي رسمي يصفق للسلطة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويدعمها ويقف ضد من عارضها وقاومها. وهناك نوع آخر يمكننا وصفه بالضبابي، هم أولئك الذين لا يعلنون موقفاً سياسياً واضحاً، فيصنعون ما يسمى سينما حيادية وهذا ما أسميه هروباً من مواجهة الحقيقة. وهؤلاء لهم أعذارهم إذ ربما هم لا يملكون الطاقة أو الرغبة بتحدي السلطة.
ومن جهة أخرى وفي الصف المقابل فمن المؤكد، أن هناك الكثير من المشاريع والأفلام الاحترافية التي تطبخ على نار هادئة في سوريا. وستظهر في يوم من الأيام إلى النور وسيكون فيها نفَس مختلف جميل وجريء ومتميز. لا بد أن هذا سيحصل في السنين القادمة.
بالنسبة للوجه الآخر للسينما التي ظهرت بعد الثورة، فهناك كثير من المحاولات للتعبير عن المعاناة اليومية التي يعيشها الشعب السوري، إن كان تحت القصف أو في سجون النظام أومن الظلم والقمع في كل تفاصيل الحياة أوعن أنواع الموت، والهلاك أثناء محاولات الهروب الى المنافي. وهناك أيضاً الكثير من الأفلام التي تتأمل المستقبل، وتعرض وسائل المقاومة والتحدي. ويمكن أن نرى في كل هذا الإنتاج السمعي البصري، روحاً تجريبية ومغامرة ورغبات قوية لدى الجيل الشاب، بأن يستخدم وسائل التعبير هذه ليقول كلمة الحق، ويدافع عن العدالة والحرية. ولكن ليس بالضرورة أن تملك هذه الأفلام قيمة فنية متميزة أو سينمائية عالية. وفي هذا السياق لا يمكن أن نتجاهل دور وأهمية وجرأة هؤلاء الأشخاص الذين قاموا بإخراج أفلام وثائقية سجلوا فيها لحظات العنف التي طبقها النظام السوري على كل من رفع رأسه وصوته ضده. هؤلاء الذين غامروا بحياتهم وهم في سوريا كي يسجلوا الواقع، وينشروا الحقيقة رغم إدراكهم لإمكانية دفع الثمن غالٍ. منهم من كان محترفاً ومنهم من كان يصوّر بعفوية وارتجال، دون أية معرفة أو خبرة مهنية. منذ بداية الثورة ولد هذا النوع من الإنتاج البصري السمعي الذي سمحت لنفسي بأن أطلق عليه تسمية سينما المؤلف الوثائقية، رغم ما تخلل هذا النوع من بدائية سينمائية في بعض الأحيان.
من جهة أخرى ظهر نوع آخر من الإنتاج السينمائي في دول الجوار أو في أوروبا، نضج وصار له وجود وهوية واضحة، عن طريق التدريب والاطلاع والمعرفة والتجربة فانتشرت مجموعة كبيرة من الأفلام، التي فرضت نفسها بفضل قيمتها السردية والسينمائية العالية، رافقت الثورة عن بعد وساندت الشعب السوري في مطالبه بالحرية والكرامة. وأخيراً هناك نوع من الأفلام التي صنعها بعض المخرجين السوريين في الخارج، وهي تميل لاستعراض العضلات ومداعبة الغرب، إما بهدف الحصول على دعمه التمويلي أو للانتشار في أوروبا ودخول المهرجانات.
للأسف أنها نجحت في سرقة الأضواء وأنا أعتبرها نوعاً من السينما الانتهازية التي تسلقت الثورة ثم أدارت لها ظهرها. ورغم أنها وصلت أحياناً لمبتغاها ونالت جوائز وشاركت في مهرجانات مهمة. ولكنني شخصياً لا أعوّل على هذا النوع ولا أثق به. هذا للأسف طريق مُغرٍ ويفتح الشهية على محاولة اقتناص الفرص. وكم أتمنى من الشباب أصحاب المواهب المتميزة، أن لا يتورطوا في تجارب انتهازية مثلها.
– هناك تجارب سينمائية سورية شابة تحصد جوائز هل تتابعين هذا الجيل الشاب وما يفعله ورأيك بهذه التجارب؟
– من واجبي أن أتابع وأرافق بحرص وجدية إنتاج الجيل الشاب. يعنيني هذا الأمر، لأنه يمثل مستقبل السينما السورية أولاً. وثانياً لأنه يمنحني طاقة منعشة، ورغبة أكبر لأعمل على أفلامي الشخصية. لدي يقين بأن هناك إنتاج جديد يكبر وينضج مع هذا الجيل. أحرص لأن أتفاعل معهم ونتبادل تجاربنا سواء الذين في الداخل، حيث أرافقهم عن بعد وأساندهم في مشاريعهم في مراحل الكتابة، أو أثناء الإخراج، وكذلك الأمر لمن هم في الخارج بالإضافة لأني أشرف أيضاً على دورات تدريبية لهم. حيث أتعامل منذ سنين طويلة باهتمام ومثابرة مع هذا الأمر، وقد منحته الكثير من وقتي وجهدي وتجربتي. وأنا سعيدة ومؤمنة بعمق الفائدة المتبادلة بيني وبينهم. أما عن الجوائز التي يحصلون عليها فلا أتوقف عند هذا الموضوع طويلاً. لا أؤمن بأن الجائزة تعطي قيمة حقيقية للفيلم فقيمتها إعلامية ولحظية وبراقة. قد يكون الحصول على الجائزة منعشاً للمخرج، ويحفزه على العمل ويعطيه الحماس، وهذا جانب إيجابي خاصة حين يكون للجائزة مصداقيتها وليس فيها مسايرة أو دعم سياسي. لا أنكر ذلك طبعاً ولكن يجب أن لا ننسى أن إقرار الجائزة له علاقة بمجموعة محدودة من الأشخاص، يحكّمون الفيلم ويتفقون على منحه الجائزة، في لحظات تتعلق بالمزاج والذوق وكمية ونوع الأفلام المتنافسة معه. المشاركة بالمهرجانات هي فرصة جميلة للقاء المخرج مع متفرجين من ثقافات وأذواق متنوعة ولمتابعة سينما بلاد أخرى وخوض نقاشات غنية تبلور الرؤية السينمائية وتصقلها. ولكن هذا لا يستدعي أبداً الهوس بالسعي خلف المهرجانات واختبار عدم المشاركة بها أمر مأساوي.
– هل تنتظرين معي أن ينجز أحد ما فيلماً عن هالة العبد الله وأن تكون ملكة فيلمها؟
– بالتأكيد لا أنتظر ولا أسعى لذلك أبداً. إن حدث مستقبلاً تجربة من هذا النوع، وتمّ ذاك التماس الداخلي بيني وبين مخرج أو مخرجة ورغبوا أن يعملوا فيلماً عني، فلن يكون لدي مانع، ولكن بشرط أن أشعر بوجود هذا النداء الجواني لدى الشخص الذي سيصنع الفيلم عني. مثل النداء الذي يحرضني أنا حين أعمل أفلامي حول الآخرين.
إن رغبتُ يوماً أن تكون دعد حداد ملكة لفيلمي، فلأنها كانت إنسانة شاعرة رقيقة وحساسة، عانت بشكل هائل من ظلم واضطهاد الرجل والمجتمع لها وكانت جريئة ومقدامة برفضها لا عدالته، وعدم خضوعها لكل هذا، فعاشت على الهامش ودفعت ثمن ذلك غاليا. دفعت حياتها ثمناً لتفردها وحريتها ولعدم انصياعها لهذا المجتمع.
ولكل هذا أحببت أن أنّصبها ملكة على فيلمي. ولكنه أمر غير وارد بالنسبة لي ولا يمكن أبداً أن أقارن نفسي بها.