بواسطة Hasana Saqbani | فبراير 21, 2021 | Cost of War, Reports, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا”المعاناة اليومية في سوريا“
تعد السنة الأخيرة من أسوأ الأعوام اقتصادياً التي مرت على سوريا خلال سنوات الحرب مما زاد من تأزم الوضع المعيشي لمعظم الأسر، ووصول نسبة الفقر إلى 90 في المائة مع انعدام فرص تحسين دخل الأسرة والارتفاع الفاحش في الأسعار. أدى هذا الوضع إلى لجوء الكثير من النساء إلى بيع شعرهن أو شعر بناتهن بسبب الحاجة المادية لتغطية نفقات الاحتياجات الأساسية من توفير المازوت للتدفئة أو مستلزمات المدارس أو بسبب الحاجة لتأمين دواء وعلاج أو حتى لتوفير الطعام.
فاطمة أم لثلاث فتيات، واحدة منهن من ذوي الاحتياجات الخاصة وتحتاج إلى علاج ودواء بشكل مستمر؛ أجبرتها الظروف الاقتصادية السيئة إلى بيع شعر ابنتها البالغة من العمر 10 سنوات. وتقول السيدة الثلاثينية: “اضطررت لقصه وبيعه لأحضر الطعام والدواء لها ولأخواتها، وبسبب اضطراري للمال قبلت بيعه بثمن بخس رغم أنه كثيف وطبيعي منسدل لأسفل ظهرها، في البداية لم تقبل المسؤولة في مركز الحلاقة والتجميل شراءه بسبب العروض الكثيرة التي تأتيها من قبل النساء لبيع شعرهن، وعندما رأته وافقت على شرائه ولكن بمبلغ زهيد.” وتضيف بحرقة: “لو كان في حقيبتي ثمن ربطة خبز لما قمت ببيعه حينها.”
قبل عامين كانت تجارة الشعر الطبيعي في سوريا تقتصر على البيع والشراء في صالونات الحلاقة والتجميل وبشكل محدود. أما في الفترة الأخيرة مع تزايد عروض بيع الشعر بشكل كبير، أصبح هناك من يعمل في بيع وشراء الشعر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي حسب “هادي” الذي يملك صالون للحلاقة النسائية في المزة والذي أضاف: “خلال السنة الأخيرة زاد بيع الشعر بشكل كبير، سابقاً كان يعرض علي شراء الشعر قرابة السبع مرات في الشهر، أما خلال السنة الأخيرة فقد بلغت عروض البيع نحو 50 مرة شهرياً من مختلف المحافظات عبر الصفحة الرسمية للمركز.”
ويشير “هادي” أنه في بداية العام الدراسي ومع تزايد المصاريف بالنسبة للعائلات السورية تزامناً مع الظروف الاقتصادية المنهارة في البلاد، تزايد بشكل ملفت عدد النساء اللواتي يعرضن شعر بناتهن للبيع، ومعظمهن كان يبيع شعر ابنته ليشتري لها المستلزمات الدراسية من قرطاسية وغيرها. ويشارك “هادي” إحدى القصص الإنسانية التي صادفته: “في بداية العام الدراسي زارتني سيدة تطلب قص شعر ابنتها البالغة من العمر 9 سنوات لبيعه. عندما بدأت في القص، بدأت الفتاة بالبكاء وقالت لوالدتها أنها سوف تشتري بكل المبلغ أغراض المدرسة، لتبدأ السيدة بالتحدث عن ظروفها المادية وحاجتها للمال وعدم وجود معيل مع الارتفاع الفاحش بالأسعار مما اضطرها لبيع كل أغراض منزلها وما تملك”.
يُباع الشعر الطبيعي بالغرام، ويختلف سعر الشراء حسب نوع الشعر، ويتراوح سعر الغرام من 200 إلى 400 ليرة شراء من صاحبة الشعر، و يباع أيضاً بالغرام من 3000 إلى 3500 ليرة سورية ( 1 دولار). أقل وصلة شعر يبلغ سعرها في السوق 700 ألف ليرة سورية (230 دولاراً) وقد تصل للمليون ليرة (330 دولاراً) في الصالونات التي تقع في الأحياء الراقية.
تشتري الوصلة من صاحبة الشعر بين 70 – 100 ألفاً وتباع بين 700 ألف إلى المليون حسب وزنها وطولها، والطلب الكبير يكون على شعر الأطفال لأنه يكون كثيفاً وغزيراً ويكون طبيعياً غير معرض لصبغ أو حرارة السيشوار، وعلى أساس ذلك يقدر نوع الشعر كنخب أول أو ثاني أو ثالث.
كان يعتمد في سوريا في صنع وصلات الشعر أو الباروكات على الشعر المستورد من الهند والبرازيل الذي يخضع لمعالجة ويقوى ويصبح صالحاً لمدة سبع سنوات؛ بينما الشعر المحلي لا يخضع لمعالجات مما يجعل استمراريته لا تتجاوز السنتين في حال تم الاعتناء به. وبسبب الظروف الراهنة وصعوبة استيراد الشعر من الخارج، وحتى في حال الاستيراد فبعد الجمركة يصبح ثمن وصلات الشعر مرتفعاً جداً مما يقلل الطلب عليها. لذلك ومع انتشار ظاهرة بيع الشعر أصبح الإقبال على الشعر المحلي أكبر حسب أحد العاملين في تجارة الشعر الطبيعي مع الإشارة إلى نوعية الشعر السوري الممتازة وانخفاض سعره مقارنة بالمستورد.
مع ازدهار تجارة الشعر الطبيعي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من المجموعات والصفحات العامة لعروض البيع والشراء، تحوي منشورات بيع الشعر الطبيعي وأغلبهم لفتيات صغيرات ترفق مع صورة لشعر الفتاة قبل قصه ويطلب تسعيره، مع إرفاق عبارات مثل “جاهز للقص عند طلب الزبونة” أو تنشر صور لضفائر شعرهن مقصوصة لإيجاد السعر الأفضل. تقول سناء (40 عاماً) والمقيمة في جرمانا في ريف دمشق، والتي عرضت شعر ابنتها للبيع مع إرفاق صورة لضفائر شعرها الذهبي الطويل: “عرضت شعر ابنتي للبيع لأجمع لها المبلغ اللازم لإجراء عمل جراحي في العين اليمنى ولم أكن أرغب بقبول المساعدات المادية من أحد، لتبدأ التعليقات السلبية والشتم من بعض الناس دون الالتفات لسبب وراء ذلك”.
يدير هذه المجموعات أشخاص يعملون كصلة وصل بين البائع والشاري، وجد هؤلاء مهنة جديدة تدر عليهم دخلاً إضافياً. فمثلاً (هدى “22 عاماً” التي تدرس في كلية الهندسة المقيمة في منطقة “دف الشوك” في ريف دمشق) أنشأت مجموعة على الفيسبوك تشتري من خلالها الشعر الطبيعي وتبيعه، وجدت من خلالها مردوداً مادياً يساعدها على تغطية نفقاتها الجامعية، وتشرح الشابة: “بعد شراء الشعر والاتفاق على المبلغ، نقوم بمعالجة الشعر وحبكه ليصبح جاهزاً لنقوم ببيعه.”
تشير الشابة إلى أن انتشار بيع الشعر الطبيعي سبب ارتفاع السعر التي تحصل عليه صاحبة الشعر عما قبل السنتين الماضيتين، لأن النساء أصبحن يعرفن أن الشعر يباع بالغرام بينما قبل ذلك كانت السيدة تبيع شعرها بالجدولة كاملة بمبلغ معين، فأصبح سعر وصلات الشعر مغرياً نوعاً ما للنساء اللواتي يعانين من ضائقة مالية.
بواسطة Ibrahim Hamidi | فبراير 19, 2021 | Cost of War, News, غير مصنف
الكشف في روسيا عن تفاصيل جديدة عن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، المعروف باسم «كامل أمين ثابت»، بينها صور نادرة له في أحد شوارع دمشق، و«تصادف» تجسسه وإعدامه مع وجود عميل لـجهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) في العاصمة السورية ومغادرته إياها سنة إعدام كوهين في 1965، طرح أسئلة عن الدور الذي تلعبه موسكو حالياً في إعادة رفاة الجاسوس من دمشق، تلبية لطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الرئيس فلاديمير بوتين.
معروف أن كوهين تعرف على الملحق العسكري في السفارة السورية في الأرجنتين، أمين الحافظ الذي عاد إلى دمشق في 1962 وأصبح رئيساً بعد تسلم حزب «البعث» الحكم في 1963. (الحافظ نفى قبل سنوات، حصول لقاء بينهما). وكان كوهين، دخل البلاد باسم كامل ثابت أمين قبل عودة الحافظ، وأقام في حي السفارات في دمشق ونسج شبكة علاقات مع النخبة السورية، حصل تضارب حول عمقها وأهميتها، إلى حين كشف أمره وإعدامه في منتصف 1965.
كوهين، الذي كان يطلق جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (موساد) عليه «رجلنا في دمشق»، نسجت حول دوره قصص كثيرة، تناولت أهمية «معلومات» عن تحركات عسكرية للجيش السوري في الجبهة نقلها إلى تل أبيب، عبر بث إشارة ورموز من منزله قرب مقر القوى الجوية السورية وسط دمشق، إضافة إلى دوره في ملاحقة «نازيين» كانوا يقيمون في العاصمة السورية.
كما تعددت الروايات حول كيفية الكشف عنه، بينها وصول معلومات من الاستخبارات المصرية أو احتجاج سفارات مجاورة لمنزله بسبب تشويش على إرسالها. ورجح خبراء سوريون دور اللواء أحمد السويداني، رئيس الأركان لاحقا، خصوصاً أنه «شكك في كوهين من اليوم الأول، وكان له دور محوري في اعتقاله والكشف عن هويته». كما تداول آخرون قصصاً عن دور لخبير إشارة سوفياتي وسيارة رصد سوفياتية في «ضبطه بالجرم المشهود»… قبل محاكمته من صلاح الضلي ثم إعدامه علناً في ساحة المرجة، رعم «مناشدات» قادة غربيين.
كتب عن كوهين الكثير في العقود الأخيرة، كما أن «نيتفلكس» أنتجت مسلسلاً عنه باسم «الجاسوس»، لكن قناة «روسيا اليوم» باللغة الإنجليزية، قدمت فيلماً تضمن عناصر جديدة تنشر للمرة الأولى. الفيلم يتضمن الكثير من الوثائق والصورة، وتبدأ القصة بالحصول على فيلم من محل لبيع القطع الأثرية في سانت بطرسبرغ، تضمن صوراً لشوارع دمشق.
مفتاح القصة، أن الفيلم تضمن صورا لشخص يسير في أحد شوارع دمشق، يعتقد أنه «شارع 29 أيار» الذي أصبح لاحقاً مقرا للمركز الثقافي السوفياتي/الروسي. هذا الشخص هو إيلي كوهين. من هنا، تنطلق القصة المثيرة، خصوصاً لدى البحث لمعرفة الشخص الذي صور الفيلم عبر الوصول إلى أقاربه. تبين، أن الشخص هو بوريس بوكين، حيث تخبر إحدى قريباته أنهم باعوا شقته وأثاثها بما في ذلك الكاميرا والفيلم. ولدى التحقق في سجلات وزارة الدفاع، تبين أن بوكين حصل على ثلاث ميداليات من «النجمة الحمراء» وهو كان تخرج من كلية عسكرية سوفياتية وتخصص في الإشارة والاتصالات.
كان لافتا تزامن وصول بوريس وإيلي إلى دمشق. المثير أنه بين تقارير التجسس التي أرسلها كوهين عبر الترميز السري، واحد عن وصول 150 خبيرا عسكرياً سوفياتياً في لحظة كان الصراع الغربي – السوفياتي على سوريا في خواتمه لصالح موسكو بعد وصول «البعث». والمثير أيضاً، أن «الموساد» علم بوصول بوريس إلى دمشق. هنا، كان الطرفان يلاحقان النازيين في ظلام العاصمة السورية.
وتضمن الفيلم أيضاً، مقابلة مع سيرغي ميدفيدكو ابن ليونيد الذي كان «صحافياً، وربما جاسوسا» أيضاً في شوارع دمشق. ويعرض الفيلم لقطات إعدام كوهين ووضع جثمانه في الكفن من زوايا تصوير من سطح بناية تطل على المرجة، ربما تعرض للمرة الأولى، حيث يتذكر سيرغي كيف ركض أحدهم إلى منزلهم في دمشق للقول إن كوهين «أعدم، أعدم».
كوهين ألقي القبض عليه بعد تعقب إرسال الشيفرة من سيارة متخصصة جاءت من الاتحاد السوفياتي. من غير المعروف ما إذا كان بوريس لعب دورا في الكشف عنه. لكن المثير أن مهمته في دمشق انتهت مع إعدام الجاسوس الإسرائيلي… وعاد إلى موسكو. بعدها بقيت سوريا في المحور السوفياتي رغم التغييرات في موسكو.
في العقود السابقة، كانت دمشق توازن بين الغرب والسوفيات – الروس. وفي نهاية 2015، تدخل الجيش الروسي في سوريا وأقام قاعدتين عسكريتين. حالياً، باتت موسكو توازن بين دمشق والعواصم الأخرى، وتتوسط في ملفات كثيرة. ويقيم بوتين علاقة خاصة مع إسرائيل. نتانياهو يريد توظيفها في إعادة رفاة كوهين كما حصل مع جندي إسرائيلي قتل في لبنان في 1982 وأعيد رفاته بوساطة الرئيس الروسي في بداية 2019.
ونقل عن ضابط رفيع سابق في دمشق، قوله إن رفات كوهين «كان مكانه يتغير كل أسابيع». أما الضلي رئيس المحكمة، فقال لي في 22 مارس (آذار) 2004 إن كوهين «كان مدفوناً بعد إعدامه في كهف على طريق الديماس لكن بعد فترة أخذ الرفات ودفن في مكان آخر غير معروف» وأن أغلب من يعرف أين دفن «تسرح من الجيش أو ذهب أو ترك منصبه».
*من “الشرق الأوسط”
بواسطة Soltan Salit | فبراير 17, 2021 | Reports, غير مصنف
أعادت الحادثة الأخيرة التي حصلت مع الشيخ حكمت الهجري في السويداء طرح العديد من الأسئلة عن دور الزعامات الدينية (متمثلة بمشيخة العقل) في السويداء ومدى تأثيرهم في المجتمع، وكذلك عن طبيعة علاقتهم بالسلطة الحاكمة وفروعها الأمنية. وكان الشيخ حكمت الهجري قد تعرض لإساءة وكلام بذيء من رئيس فرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية عندما اتصل به الشيخ للتوسط والإفراج عن معتقل لدى الأجهزة الأمنية في محاولة لاحتواء الخلاف وحل المشكلة وخصوصاً بعد أن قام أقارب الموقوف بقطع الطريق واحتجاز بعض العساكر والضباط للضغط على الأجهزة الأمنية والإفراج عن قريبهم. لم تكن حادثة التوقيف التعسفي بالجديدة وكذلك الأمر بالنسبة لرد فعل أقارب الموقوف، فكثيراً ما تكررت هذه الحادثة في السنوات الماضية نتيجة لحالة الفوضى والانفلات الأمني التي تشهدها المحافظة، لكن الجديد في القصة هو الإساءة المباشرة التي وجهها رئيس فرع الأمن العسكري للشيخ الهجري ضارباً بعرض الحائط مكانة الشيخ الاجتماعية والدينية وما يمكن أن ينتج عن ذلك من ردود فعل لدى مجتمع السويداء، في مشهد يذكرنا بما حصل في درعا ببداية 2011 عندما أهان “عاطف نجيب” وجهاء درعا في حادثة تُعد سبباً مباشراً لاندلاع الاحتجاجات يومها.
انتشر الخبر بسرعة في المدينة، وبدأت ردود الفعل الغاضبة تظهر علناً من خلال تجمع بعض الحشود في قرية قنوات أمام منزل الشيخ الهجري والمطالبة برد الاعتبار له، بالإضافة لحالة الاستنكار الكبيرة التي شهدتها المدينة رافضة ما حدث ومطالبة بمحاسبة رئيس الفرع وإقالته من منصبه والاعتذار الرسمي من الشيخ مهددين بتصعيد الموقف. بالإضافة لقيام بعض الأشخاص بتمزيق صور الرئيس في بعض الشوارع والساحات كرد فعل أولي على ما حدث.
بدورها أدركت السلطة في دمشق خطورة الموقف وخصوصاً بعد أن اجتمع في مضافة الشيخ الكثير من وجهاء المدينة وقادة الفصائل المحلية مطالبين بعدم السكوت عن الإهانة، بالإضافة لاستغلالهم الفرصة للحديث عن مسؤولية السلطة عن تردي الأوضاع المعيشية والخدمية في المدينة وحالة الانفلات الأمني الكبيرة التي تشهدها السويداء. وكانت واضحة حالة الاحتقان والاستياء الكبيرة التي وصل إليها المجتمع، فما كان من السلطة إلا أن بعثت بوفود رسمية لمنزل الشيخ الهجري كان على رأسها المحافظ وقائد الشرطة وأمين فرع حزب البعث في المدينة لامتصاص غضب الشارع وحل المشكلة والاعتذار له.
ولاحتواء المشكلة قامت الأجهزة الأمنية بالإفراج عن المعتقل الذي حدثت المشكلة بسببه. وسرت أنباء غير مؤكدة عن اتصال رئيس الجمهورية بالشيخ للاطمئنان عليه والتأكيد على اللحمة الوطنية في موقف اعتبره البعض اعتذاراً رسمياً من أعلى هرم السلطة. كما انتشرت إشاعات عن إقالة العميد لؤي العلي من منصبه لكنها لم تؤكد أو تنفى حتى الآن، ونتيجة لذلك أصدر الشيخ الهجري بياناً أكد فيه على انتهاء المشكلة وحلها وشكر فيه من وقف بجانبه من أبناء المدينة.
فعلت الحادثة فعلها في مجتمع السويداء، وأثارت موجة ردود متباينة حولها سواء من خلال المواقف الصريحة أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي. وأدت إلى طرح الكثير من الأسئلة عن دور رجال الدين والزعامات التقليدية وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة.
بعض الآراء كانت حادةً جداً وغاضبة من رد فعل الشيخ على الموضوع، فبحسب رأي مجدي (موسيقي وفنان تشكيلي، 53 عاماً) فقد اعتبر أنها “لا ترقى أولاً إلى موقف الناس الداعم له وثانياً أظهرت الشيخ بموقف الضعيف الذي يبحث عن رد اعتبار له من ضابط في الجيش متناسياً حجم مركزه ومكانته الاجتماعية”. ويضيف مجدي موضحاً بأن الموقف برمته عار على الشيخ وعلى كافة الهيئة الدينية في المدينة: “فالكرامة لا تتجزأ أبداً ولا يمكن اختصارها بإهانة لفظية من ضابط أحمق، وكأن ما يجري في عموم المدينة من فلتان أمني وفقر وانتشار الجريمة والجوع وغيرها من المشاكل لا تعنيهم ولا تعني كراماتهم بشيء، الأجدى أن يكون الموقف لحفظ كرامة الناس التي هُدرت في طوابير الذل والجوع لا أن تختزل بموقف شخصي كهذا”. ويتابع قائلاً: “لذا يبدو من الواضح جدا أن موقف الشيخ الهجري ليس إلا محاولة لرد الاعتبار وأن تضخيم الحدث كان مقصوداً لتأديب الضابط المسيء، وهذا ما يفسر تراجعه السريع عن موقفه ودعوة الناس للملمة الموضوع بعد أن حصل على حقه على حسب قوله”.
إلا أن هناك من يرى الأمر من زاوية مختلفة تماماً، ويعتقد هؤلاء أن الموقف برمته كان مدبراً ومقصوداً من قبل الجهات الأمنية التي افتعلت كل القصة كبالون اختبار لمعرفة ردود أفعال الناس في السويداء ومدى تماسكهم. يخبرنا (عامر36 عاماً) وهو أحد الشيوخ الشباب المقربين من الهيئة الدينية العليا: “الشيخ الهجري هو أكثر الشخصيات الدينية قرباً من السلطة، وما حدث كان لتسليط الضوء عليه أكثر وكسب تعاطف الناس معه لتقوية مكانته ودوره في السويداء، وأن الموقف ليس إلا استعراضاً مقصوداً لقوة ونفوذ الشيخ الهجري الذي يعتبر نفسه شيخ العقل الأول للطائفة الدرزية، وتكريسه كواجهة أساسية على حساب باقي الزعامات الدينية والتقليدية ولا سيما بعد أن تكشفت العديد من الخلافات داخل المؤسسة الدينية ذاتها في أكثر من ملف وقضية كالموقف من حركة رجال الكرامة مثلاً وقضية توزيع المساعدات الخارجية التي جاءت من دروز لبنان وفلسطين وغيرها من القضايا التي عمقت الخلاف والتنافس بين الزعامات الدينية.” ويضيف أن السلطة قد: “تقصدت أن تظهر ضعيفة وخاضعة على غير العادة في محاولة لتخفيف الاحتقان المتزايد في شارع السويداء اتجاهها وتفريغه في قضية الشيخ الهجري، وهذا ما دفع الحكومة أيضاً لطرح تسوية للمتخلفين والفارين من الخدمة العسكرية في المحافظة، والتي كان من أهم شروطها التعهد بعدم التظاهر ضد الدولة في ذات الوقت التي تحاول فيه تهدئة الأوضاع قبل الانتخابات الرئاسية في الصيف القادم”.
يحكم العلاقة بين الزعامات الدينية التقليدية وبين السلطة الحاكمة العديد من البروتوكولات المحددة والواضحة، ولطالما عبر الناس عن ذلك بوصفهم الشيخ بأنه قوي وذو حضور مميز أو إنه ضعيف لا قيمة له ولا موقف. وغالباً ما كانت تبنى هذه التقييمات على مدى قرب الشيخ من السلطة أو من الناس فالشيخ القوي هو من يقف مع أهله ومجتمعه بوجه استبداد السلطة الحاكمة والعكس صحيح، لذا لا يزال المجتمع يحتفظ بذاكرته الجمعية لقصص ومواقف الزعامات الدينية والتقليدية فيما مضى ويتغنى ببطولاتها وشجاعتها. وهو بالضبط ما يفسر حالة النكوص الكبيرة التي تحدث للمجتمع في الأزمات التي تلم به مطالبة شيوخ العقل بأخذ دورهم في المجتمع وخاصة عندما لا يوجد بديل لهم من الشخصيات المدنية أو السياسية.
حاول شيوخ العقل في السويداء بناء موقف محايد ووسطي مابين المجتمع من جهة والسلطة من جهة أخرى وخصوصاً خلال سنوات الحرب الماضية وما رافقها من تعقيدات كثيرة في موقف السويداء ابتداءً من مشكلة المتخلفين عن الخدمة العسكرية وانتهاءً بالمشكلات الأمنية والاقتصادية الحادة التي تعيشها المدينة اليوم. فلطالما عرف عن المؤسسة الدينية سياسة مسك العصا من الوسط ومحاولة الحفاظ على استقرار الأوضاع في المدينة ما أمكن وتجنب الصدام المباشر مع السلطة، ولكن يبقى السؤال الأهم إلى أي مدى نجحوا بتحقيق ذلك فعلاً!
أخيراً لا بد من القول أن كثيراً من الناس في السويداء قد أصيبت بالإحباط جراء ما أفضى إليه الحل النهائي للمشكلة في الوقت الذي كان الجميع يعول على الموقف ويلتف حول الزعامات الدينية كمحاولة ولو يائسة لتغيير الحالة المزرية التي وصلت لها المدينة لكن على ما يبدو إن للشيخ حكمت حسابات أخرى شخصية وضيقة وبعيدة عن هموم الناس.
بواسطة Hiam Karm | فبراير 16, 2021 | Cost of War, Reports, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا“
صار مألوفاً في الآونة الأخيرة أن تكثر في شوارع دمشق المكتظة بالمارة ملصقات على الجدران تحوي إعلاناتٍ من قبيل “مريض يحتاج متبرعاً بكلية زمرة دم A+”، مع وضع أرقام هواتف علنية للتواصل، أو إعلاناتٍ لمواطنين يبدون استعدادهم للتبرع بأعضائهم. هذه الوفرة في الإعلانات تتجاوز الحاجة الطبيعية للتبرع بالكلى لتصل إلى مستوىً آخر يتعلق برواج تجارة الأعضاء في سوريا.
بعد سنواتٍ من الحرب، بات معظم السوريين يصارعون من أجل البقاء بعد دمار اقتصاد بلادهم والتدهور المتسارع للأوضاع المعيشية يوماً بعد يوم، حيث لاتتناسب الأجور والرواتب مع المصاريف، مما اضطرهم إلى ضبطٍ صارمٍ للنفقات. وقد حصلت انزياحات كبيرة للطبقة الوسطى باتجاه خانة الفقر، فبات أكثر من 93 بالمئة من السوريين في حالة فقر وحرمان ومايقارب 60 بالمئة يعيشون في حالة فقر مدقع، وفقاً لتقرير الأمن الغذائي في سوريا لعام 2019 والذي أنجزه “المركز السوري لبحوث السياسات” بالتعاون مع “الجامعة الأمريكية في بيروت”؛ كما يواجه نحو 700 ألف طفل سوري خطر الجوع بناءً على أحدث تقريرفي العام المنصرم لمنظمة “أنقذوا الأطفال”. وقد أصبحت الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أشخاص، تحتاج إلى 732 ألف ليرة شهرياً لتغطية حاجيات الاستهلاك الأساسية، وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء في نهاية عام 2020 لتتضاعف بنسبة 192% خلال العام ذاته.
ومع تردي الخدمات الصحية والطبية، اضطر العديد من الفقراء إلى بيع ممتلكاتهم بتأمين تكاليف العلاج؛ يقول الدكتور فراس الضمان، الطبيب المقيم في مدينة السلمية: “هذا قهر كبير! تمَّ استدعائي إسعافياً إلى منزل أحد المرضى، وهو موظف متقاعد، المفاجأة المؤلمة أنَّ الغرفة التي يستلقي فيها المريض كانت لا تحتوي سوى حصير قديمة وحيدة مع كرسي بلاستيكي وطربيزة صغيرة قديمة؛ هم كل الأثاث الموجود في غرفة الاستقبال التي يعيش فيها المريض وعائلته؟! الموظفون السوريون يبيعون أثاث بيوتهم كي يحتفظوا بكراماتهم في الوقت الذي يبيع فيه المسؤولون السوريون كراماتهم لِيحتفظوا بأثاث بيوتهم و مكاتبهم ؟!”
لكن بعد الأثاث، ماذا يتبقى للبيع من أجل التداوي وإكمال حياة سُدَّت كل سبل الخلاص فيها! هل أصبح قدر السوري أن يأكل من لحمه ودمه؟ هذا هو حال زوجين سوريين عرضا كليتيهما للبيع في أواخر عام 2020، وفقاً لصحيفة البعث الرسمية، قبل أن يتم حذف التحقيق بعد أيام من نشره. وبحسب التقرير فإنّ تجارة الأعضاء باتت رائجة جداً في البلاد نتيجة الفقر وغياب الرقابة، وذكرت الصحيفة أنّ عاملاً مياوماً تعرّض منزله للدمار نتيجة المعارك في حرستا بريف دمشق، ثم انتقل مع عائلته إلى منزل للإيجار، واضطر لبيع كليته بمبلغ 30 مليون ليرة سورية، ليجري عملية قلب مفتوح لابنه، وتسديد الديون المتراكمة عليه؛ وسرعان ما قامت زوجته بدورها بعرض كليتها للبيع بالمبلغ ذاته لتتمكن العائلة من شراء منزل صغير وسيارة يعمل عليها الزوج.
بالإضافة إلى الإعلانات الطرقية، تتيح منصات التواصل الاجتماعي إمكانية بيع وشراء الأعضاء البشرية؛ علا ابراهيم وغسان ابراهيم من درعا، والدان للطفلتين، شهد وآية، المصابتين بفقدان حاستي السمع والنطق، وتحتاجان لزراعة حلزون في الأذن، بكلفة 40 مليون ليرة سورية لكل طفلة، ولم يجدا مساعدة من الجمعيات الخيرية، ما دفعهما لعرض كليتيهما للبيع على مجموعات الفيسبوك المتخصصة بالبيع والشراء. يقول والد الطفلتين غسان: “عندما تعيش مع طفلتيك وتنظر إلى الأطفال من حولك وهم بحالة صحية جيدة، تقول في نفسك ماذا أريد من نفسي، أنا عشت عمري لأمنحهن الحياة ولتعيشا حياة سليمة وطبيعية مثل أي طفل سليم.”
تتيح الصفحات الخاصة على الفيس بوك الفرصة للمحتاجين والمهتمين بيع الأعضاء البشرية؛ لتحتل دمشق وبعدها ريف طرطوس المرتبة الأولى من حيث نسبة المعلنين عن بيع الكلى من خلال هذه الصفحات خلال النصف الأول من العام المنصرم في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، في حين تنتشرإعلانات بيع مشابهة على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بمناطق الشمال السوري حيث يعرض من خلالها الشبان عضواً أو أكثر من أجزاء أجسامهم لقاء مبلغ مالي بسيط.
إحدى الصفحات تحمل إسم “إعلانات بيع الأعضاء_البشرية”، كان آخر تحديث لها في نيسان الماضي أبلغت فيه متابعيها أن العرض فاق الطلب، لكن عروض بيع الكلى استمرّت في التعليقات، وتراوحت أعمار العارضين بين 25 و47 عاماً، ونسبة العروض من قبل الذكور تفوق مثيلاتها من قبل الإناث.
كتب شخصٌ يُدعى “جمال” يبلغ من العمر 34 سنةً، أنه يريد بيع كليته أو حتى كبده، مؤكداً أن صحته ممتازة وبحسب الصفحات المخصصة بتجارة الأعضاء البشرية على الفيسبوك، يتراوح سعر الكلية الواحدة بين 60 – 70 ألف دولار خارج سوريا (نحو 175 مليون ليرة سورية) وهذا السعر بحسب تسعيرات شهر شباط الماضي، أي أنه من المرجح بأنه قد ارتفع كثيراً، بينما يتراوح السعر داخل سوريا، بين 10 آلاف و20 ألف دولار وفق سعر الصرف (30 – 60 مليون ليرة فقط) بحسب سعر الصرف في السوق السوداء، أي 3000 ليرة لكل دولار.
لايقتصر هذا التفاوت في السعر على استغلال حاجة سوريي الداخل بل يمتد ليطال اللاجئين في دول الجوار؛ حيث نشرت قناة (سي بي إس) الأمريكية مؤخراً تقريراً مصوراً، التقت خلاله عدداً من اللاجئين السوريين الذين تعرّضوا لعمليات نصب واحتيال بعد بيع أعضائهم لشبكات الإتجار بالأعضاء مقابل مبالغ لم يتم دفع سوى نصفها. في فيلمها المعنون بـ (بيع الأعضاء للبقاء على قيد الحياة) أجرت القناة الأمريكية تحقيقاً شمل منشوراتٍ على الفيسبوك تعرض أموالاً للاجئين مقابل الكلى والأكباد، مشيرة إلى أن التحقيقات قادت إلى اكتشاف قصص مأساوية عن عمليات بيع الأعضاء يديرها سماسرة أتراك وأن شبكات الإتجار بالأعضاء لا تزال تعمل على نطاق واسع وتتاجر بمعاناة اللاجئين السوريين الذين يعيشون في ظروف سيئة ويتعرضون للاستغلال. فيما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) في تحقيقٍ آخرٍ إلى أن الأطباء يجرون العمليات الجراحية في منازل مستأجرة تم تحويلها إلى عياداتٍ مؤقتة. ولم يكن لبنان بعيداً عن هذه “التجارة الرائجة”، فمنذ عام 2013 نشرت مجلة “ديرشبيغل” الألمانية تقريراً عن قيام مجموعات مختصة بإقناع الكثيرمن اللاجئين السوريين ببيع أعضائهم مقابل مبالغ زهيدة جداً، ووصل ثمن “الكلية” -على سبيل المثال- إلى سبعة آلاف دولار أمريكي فقط، وغالباً ما كان اللاجئون يقومون ببيع أعضائهم من أجل شراء بعض مستلزمات الحياة اليومية.
يعاقب القانون السوري تجارة الأعضاء بالحكم بالسجن والأشغال الشاقة وبدفع غرامات مالية، في حين أن التبرع بالأعضاء مجاناً متاح، كما أنّ زرع الكلى ضمن المشافي الخاصة ممنوع، بينما يُسمح به في المشافي الحكومية وسط إجراءاتٍ مشددةٍ تتعلق بتحليل الأنسجة وموافقة لجنة خاصة وقاضٍ شرعي؛ لكن الفساد المستشري في مفاصل الدولة يتيح لتجار الأعضاء البشرية تسهيل المعاملات، تحت غطاء التبرع الذي يتيحه القانون.
تجارة بيع الأعضاء البشرية، وخاصة الكلى، ليست جديدة، لكن الحكومة تصمت عنها؛ وهي وإن صرحت في إعلامها، نظراً لأن حجم الظاهرة أقوى من نفيها، فإنها تلقي المسؤولية على دول تقول إن هدفها التآمر على النظام الحاكم بكل الوسائل. فقد كان آخر حديث رسمي عن تجارة الأعضاء في سوريا عام 2015 عندما كشفت وزارة الداخلية، عن ضبط حالات تجارة بالكلى على الصعيد الداخلي والخارجي، وأن سوريا أصبحت من دول المنشأ بجرائم الاتجار بالأشخاص، بعدما كانت من دول العبور، حسب تصريح معاون وزير الداخلية حسان معروف. ومنذ بداية 2015 حتى نيسان 2016، تم توثيق أكثر من 18 ألف حالة اتجار بالأعضاء البشرية في سوريا بحسب رئيس قسم الطب الشرعي في جامعة دمشق حسين نوفل، و أشار نوفل إلى أن عدد حالات الإتجار بالأشخاص، التي تم ضبطها في العام 2014، بلغت نحو ألف حالة، معظمها لشبكات تعمل خارج البلاد، وتتواصل مع سوريين في الداخل. وفي منتصف عام 2015 أعلن نقيب أطباء سوريا،عبد القادر الحسن، عن فصل خمسة أطباء وإحالتهم إلى التأديب لتورطهم في تجارة أعضاء البشر.
كما كشفت صحيفة ديليميل البريطانية عن اعتماد تنظيم داعش في سوريا والعراق على الاتجار بالأعضاء البشرية لتمويل نشاطاته، كما قام التنظيم بتجنيد أطباء أجانب لاستئصال الأعضاء الداخلية، ليس فقط من جثث مقاتليها، وإنما أيضًا من الرهائن الأحياء ومن بينهم أطفال، ووفقاً للصحيفة يتم تهريب الأعضاء إلى بلدان مجاورة من بينها تركيا قبل أن تباع لأوروبا وغيرها، لدرجه أن هناك أكثر من 13 ألف فرنسي ينتظرون متبرعين، فالقرنية بفرنسا تباع بـ 1170 يورو وأما القلب 1050 والكلية 2500 يورو.
وغالباً ما يتم تهريب الكلى عبر الحدود، كما يتم تهريب القرنيات أو غيرها، أو يقوم هؤلاء بالاتفاق مع زبائن عرب لزرع الكلية ضمن سوريا، وهي مسموحة لكن دفع الرسوم يكون بالقطع الأجنبي، إلا أن هذه العمليات توقفت نتيجة إجراءات كورونا، ولذلك يتم البيع لمتلقي محلي وبسعر منخفض لا يلبي طموح المتبرعين.
بينما اختار البعض الموت الرحيم لإنهاء حالة الذل والتشرد بدلاً من الموت البطيء، تبدو خيارات السوريين حالياً متراوحةً بين قعر الفقر وقعر القبر. وتكثر القصص اليومية المشابهة لقصة رجلٍ مقيم في حي جنوب الثكنة في مدينة حماه، حيث أقدم على محاولة حرق نفسه وزوجته وأولاده بجرة غاز قبل أن يتدخل بعض الشبان وينقذوه؛ باعت هذه العائلة كل ما تملك لبناء غرفة على سطح أحد الأبنية ليعيشوا فيها، لكن تم هدمها على أنها مخالفة بناء. لا تمتلك الحكومة السورية حلولاً اقتصادية لمأساة الشعب الذي تحكمه، وهي لا تأبه للمواطن السوري إن باع أعضاءه أو حرق نفسه، وتصمت راضية عن هذه الحلول طالما لا تمس بقاءها في السلطة، تاركة السوريين، الذين كانت سبباً في أزمتهم، ريشة في مهب الريح ؟
بواسطة Mohammad Wawi | فبراير 15, 2021 | Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا“
رغم أن قسماً كبيراً من البشر حول العالم يعشقون فصل الشتاء، ويفضلونه على بقية فصول العام، إلا أن جزءاً من المواطنين السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة واللاجئين منهم في المخيمات باتوا يربطون هذا الفصل بالمعاناة في ظل البرد وبالحرمان من الدفء.
وبعد انقضاء شهري كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)، واقتراب فصل الربيع، تمضي عائلات سورية ليالي صعبة كلما انخفضت درجات الحرارة، وتساقط المطر أو تشكل الجليد. ينتظر عابد من سكان “معضمية الشام” بريف دمشق، وصول رسالة تعبئة مازوت من شركة “تكامل” تزوده برقم للتواصل مع الموزع، إلا أنها لم تصل رغم تسجيل طلبه منذ أيلول الماضي. وعن تجربته يقول عابد: “كرهت كل ما يتعلق بالشتاء، خصوصاً عند تشكل موجات الصقيع، حصلت العام الماضي على 200 ليتر وفق دفعتين، في كل دفعة 100 ليتر، الأولى في كانون الثاني والثانية في آذار (مارس)، ادخرت منهما 75 ليتراً، بدأت استعمالها بتقشف وحذر شديدين خلال موسم الشتاء الحالي”. ويضيف “لم تكن عائلتي تشعل المدفأة إلا ساعة أو ساعتين كحد أقصى ليلاً؛ خشية نفاد كمية المازوت، ومعظم المساء كنا نلتحف بالبطانيات ونرتدي ثياباً سميكة درءاً للمرض”.
وأعلنت شركة “محروقات” في آب (أغسطس) الماضي عن استمرارها بتسجيل البطاقات وتوزيع مادة مازوت التدفئة لموسم شتاء 2020-2021، عبر البطاقة الإلكترونية العائلية بمعدل 200 ليتر لكل عائلة للدفعة الأولى في جميع المحافظات، على أن يتم توزيع الدفعة الثانية بكمية 200 ليتر بعد استكمال الدفعة الأولى. وتدير شركة “تكامل” مشروع البطاقة الذكية (الإلكترونية)، وهو يهدف إلى أتمتة توزيع المشتقات النفطية وغيرها من المواد والخدمات على العائلات والآليات في سورية، وهو مشروع عائد لوزارة “النفط والثروة المعدنية”. كما أعلنت مديرية فرع دمشق لشركة “محروقات” بأنه سيتم بدء توزيع مادة مازوت التدفئة مع دخول شهر أيلول (سبتمبر) 2020.
وتتطابق معاناة عابد مع آلاف الأسر السورية التي لم تحصل على مخصصاتها من مازوت التدفئة حتى الآن، ما يضطر بعضها للاحتيال على البرد عن طريق وسائل تدفئة أخرى، كالمدافئ التي تعمل على الغاز المنزلي، لكنه حل غير مجد، خاصة في الأرياف، إذ أصبحت مخصصات كل أسرة سورية أسطوانة غاز كل شهرين تقريباً، كما أن الأفضلية للطبخ وتسخين المياه خلال البرد، وهي في كل الأحوال لا تكفي لأكثر من عدة أسابيع تبعاً لعدد أفراد الأسرة وحجم الاستهلاك.
ويعتمد كثير من المواطنين على المدافئ الكهربائية، لكن الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي وعدم الالتزام ببرنامج التقنين المعتاد وهو رسمياً أربع ساعات قطع مقابل ساعتي وصل في ريف دمشق مثلاً، ما يعني أن ساعات التغذية، بحسب البرنامج، هي 8 ساعات، إلا أن الواقع يخالف ذلك، مع التعطل المستمر في الشبكة الكهربائية، وغياب عدالة التوزيع بين المناطق، بين دمشق وريفها مثالاً، وقد تحصل بعض البلدات والمدن على أقل من ساعتين أحياناً.
وتشتري بعض العائلات ممن تملك قدرة مالية أفضل الحطب للتدفئة، إذ تراوح سعر طن الحطب في بعض المحافظات ما بين 80 إلى 130 ألف حسب النوع والجودة. وتحتاج العائلة، حسب عدد الأفراد وكمية الاستهلاك، إلى ما بين 3 إلى 5 طن، بسعر يتجاوز 500 ألف ليرة سورية، وهي أسعار لا تتناسب كلياً مع متوسط الأجور، الذي يقترب من 60 ألف ليرة سورية في القطاع الحكومي.
وأطلقت “وزارة النفط والثروة المعدنية” منتصف شهر كانون الثاني (ينانير) من العام الجاري خدمة الرسائل النصية القصيرة لتوزيع مادة مازوت التدفئة في محافظتي دمشق وريفها. وأوضحت الوزارة، في بيان صحفي نقلته وكالة “سانا” للأنباء الحكومية، أنه سيتم إرسال رسالة نصية من الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (محروقات) إلى الرقم الشخصي للمواطن المعني يتم من خلالها إعلامه بدخول طلبه ضمن جولة التوزيع. وتتضمن الرسالة اسم سائق الصهريج ورقم جواله ليتمكن مالك البطاقة الالكترونية من التواصل مع السائق بشكل مباشر لاستلام مخصصاته. وأكدت الوزارة أن التوزيع حالياً محصور بطلبات البطاقات التي لم تستلم الدفعة الثانية من الموسم السابق وسيتم الانتقال بعد تنفيذ هذه الطلبات للطلبات الجديدة وبحسب أقدمية التسجيل.
ومع تأخر الحصول على مخصصات مازوت التدفئة المدعوم سعرها من الحكومة السورية، لجأت إسراء من سكان منطقة ركن الدين بدمشق إلى شراء حاجتها من المادة عبر “السوق السوداء”. ويبدو أن الفرق السعري كبير، إذ يبلغ سعر ليتر المازوت المدعوم 185 ليرة سورية تقريباً، في حين وصل سعر الليتر في “السوق السوداء” إلى 1300 ليرة سورية في حال توفره، مع وجود مخاطر قانونية على البائع والمشتري للتلاعب وبيع مادة مدعوم سعرها من الدولة بحسب القوانين السورية.
وكشف مصدر في شركة محروقات لتلفزيون “الخبر” المحلي منتصف كانون الثاني من العام الجاري، أنه “بلغت نسبة توزيع مادة مازوت التدفئة في مدينة دمشق 18% من مجمل الطلبات التي سجلت على المادة”. وبين المصدر أن “انخفاض الكميات الواردة من مادة المازوت أدى إلى انخفاض توزيع طلبات مازوت التدفئة إلى 35 طلباً في اليوم الواحد بدمشق، بينما كان يتم توزيع 68 طلباً باليوم الواحد العام الماضي”.
وقال مصدر في محافظة ريف دمشق لموقع “أثر برس” المحلي بداية شباط (فبراير) الجاري، إن عدد البطاقات التي وزعت مازوت التدفئة عليها بلغ 175 ألف بطاقة، من أصل 653 ألف بطاقة صادرة عن ريف دمشق”، أي بنسبة أقل من الثلث، مشيراً إلى أنه في حال استمر التوزيع بهذا البطء فسنحتاج إلى عشرة أشهر لانتهاء توزيع الدفعة الأولى من مخصصات المازوت. وأضاف أنه يصل إلى ريف دمشق يومياً نحو 36 طلب مازوت، يوزع منها بحدود 20 إلى 22 طلباً للتدفئة، أي بحدود 500 إلى 600 ألف ليتر يومياً وما تبقى لباقي القطاعات، مبيناً أن عملية التوزيع مستمرة لتحصل كافة الأسر على مستحقاتها. ووزعت لجان المحروقات الفرعية في بعض المحافظات مثل درعا وحلب 100 ليتر فقط لكل عائلة في محاولة إسعافية مع صعوبة توزيع 200 ليتر فوراً.
بعد أشهر من الانتظار بفارغ الصبر، وصلت رسالة نصية إلى أحمد من سكان منطقة الكسوة بريف دمشق، ليتواصل مع الموزع في منطقته، وبالفعل حصل على 200 ليتر دفعة واحدة، يقول أحمد مبتسماً في حديثه الخاص معنا: “أنا محظوظ فعلاً، لكنني اضطررت إلى بيع 100 ليتر منها، بسبب تردي وضعي المعيشي، ومرض طفلي”.
وصرحت أكجمال ماجتيموفا ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، في حزيران (يونيو) من العام الماضي، إنه وبعد تسع سنوات من الصراع المسلح، يعيش أكثر من 90 بالمئة من سكان سوريا تحت خط الفقر البالغ دولارين في اليوم بينما تتزايد الاحتياجات الإنسانية. بحسب ما نقلت وكالة “رويترز” للأنباء.