عام 2009، نظمت مجموعة من الشباب السوريين حملة لمقاطعة شركتي الخليوي «سيريتل» و«ام تي ان» الوحيدتين في البلد، لإجبارهما على تخفيض الأسعار والرسوم الشهرية العالية رغم خدماتهما السيئة. انطلقت الحملة آنذاك عبر البريد الإلكتروني بسبب حظر «فايسبوك» و«تويتر» في سوريا، وكان الهدف منها الضغط لرفع الاحتكار عن هذا القطاع، وإدخال «مشغل ثالث» والسماح بالتنافس الحر، ووقف احتساب الدقيقة من الثانية الأولى. كما طالبت الحملة بوقف التنسيق بين الشركتين على صعيد الأسعار والعروض والخدمات، حيث باتت الشركتان «نسخة طبق الأصل» عن بعضهما البعض، ولا اختلاف بينهما إلا في الأسماء.
المشغل الثالث فجأة ضجت وسائل الإعلام عام 2010 بخبر إمكانية دخول «المشغل الثالث» إلى سوريا، لإنهاء الاحتكار في سوق الخلوي. تلقت وزارة الاتصالات آنذاك سبع عروض من شركات اتصالات عربية وأجنبية للحصول على رخصة للعمل على الأراضي السورية وهي: شركة «اتصالات» الإماراتية، والاتصالات السعودية «أس تي سي»، و«كيو تل» القطرية، وشركة «زين» الكويتية، و«تركسل» التركية، و«فرانس تيليكوم» الفرنسية، و«تي إي أم كو» الإيرانية. كانت الشركات الخليجية خصوصاً تتطلع للدخول إلى سوريا في تلك الفترة للحفاظ على استقرارها وحجم إيراداتها في ظل التباطؤ الاقتصادي بعد الأزمة المالية وتراجع عدد السكان، وخاصة أن سورية تعد من الدول الأخيرة في المنطقة التي ما زالت قادرة على استيعاب مشغلين جدد. لكن رغم نجاحها في الدول التي تعمل بها، لم تنجح أي من هذه الشركات في اختراق السوق السورية، وبقي المشغل الثالث حبراً على ورق.
«خمسة بالمئة» لأكثر من عشرين عاماً استحوذت شركتا «سيريتل» و«MTN» على السوق السورية بعقود طويلة الأجل قابلة للتمديد، بالشراكة مع المؤسسة العامة للاتصالات وفق نظام الـ «B.O.T». وطالما وجهت انتقادات لرجل الأعمال السوري رامي مخلوف الذي اتهم باحتكار الخليوي وكل قطاع الأعمال في سوريا، ومنع دخول أي شركة منافسة لشركاته إلا إذا حصل على نسبة معينة، ومن هذه الشركات «سيريتل» التي تهيمن على قطاع الاتصالات النقالة في سوريا. هذا في الماضي، أما اليوم فإن الرجل «خمسة بالمئة» كما كان يلقب انتهى في سوريا عملياً وتحوّل إلى داعية إسلامي محاصر وممنوع من السفر، بعد سيطرة الدولة على شركاته وجمعياته، بحجة تخلفه عن دفع مئات المليارات لخزينة الدولة. أما شركة «ام تي ان» فهي تسير على الطريق ذاته، بعد انسحاب الشركة الأم جنوب الأفريقية، وكلام رئيسها بأن «العمل في سوريا أصبح غير محتمل». وفا في هذه الأجواء عاد الحديث عن المشغل الثالث، الذي سيدخل قريباً تحت اسم شركة «وفا» حسب المتداول، وكما صرح وزير الإتصالات والتقانة إياد الخطيب فإن دخول الشركة الجديدة على الشبكة السورية بات قريباً يدخل المشغل الثالث بعد عشر سنوات من حرب طاحنة أتت على الأخضر واليابس، في ظل رداءة الخدمة وانقطاعها في مناطق كثيرة وتأثرها بـ تقنين الكهرباء ودمار الكثير من أبراج التغطية والمحطات. وهنا يقول وزير الاتصالات “أملنا كبير بمشغل وفا “الوطني” لتحسين الخدمات وواقع التغطية الخليوية في جميع أنحاء البلد”. وأطلق وزير الاتصالات تصريحاً عجيباً حد السخرية يقول فيه إن “شركات الاتصالات السورية في منافسة شديدة وليست جهة واحدة كما يظن الكثيرون”.
ما الفائدة؟ بغض النظر عمن يملك الشركة الجديدة ومن يقف وراءها من أشخاص أو دول، والأسئلة الكثيرة التي تدور حول طبقة الأثرياء التي تشكلت خلال الحرب وطبيعة الصراع بين أمراء الحرب والسلام. لكن ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الشركة للمواطن السوري من خدمات جديدة، وما هي الفائدة المباشرة لوجود مشغل ثالث، ولم يلمسها المواطن خلال 20 عاماً من تعامله مع شركتين لا ثالث لهما؟. ربما ترفد هذه الشركة سوق العمل بمئات الوظائف، وهي ميزة كان رامي مخلوف يحققها ويتباهي بتوفير آلاف الوظائف للسوريين برواتب عالية، فما هي الميزة الجديدة للشركة؟. رفعت شركتا الخليوي الأسعار بنحو 40 إلى 50 بالمئة خلال الأشهر الماضية، مبررة ذلك بالظروف والأوضاع الاقتصادية التي تمر بها سوريا، من حصار و”قانون قيصر”، وصعوبة الحصول على المعدات اللازمة لصيانة الشبكة، وكلفة ترميم المحطات التي تعرضت للتدمير. ولكن خلافاً لهذه المبررات حققت شركتا الخليوي أرباحاً كبيرة تصل إلى 400 مليار ليرة خلال السنوات الخمس الماضية فقط، وهو ما يدحض فكرة أن الشركتين تعانيان من الخسارة. من يصدق أن هذا القطاع يخسر في بلد تكلف فيه جمركة الهواتف الخلوية 30% من قيمة الجهاز، وبلد تدخل إليه آخر إصدارات الآيفون قبل دخولها إلى دول الخليج؟.
“تلاتة بواحد” لعل السؤال الذي يدور في ذهن المواطن السوري اليوم، هل يمكن أن يقدم المشغل الثالث أسعاراً أقل وخدمات أفضل من الحالية؟، مع أن الشركة حسب المتداول سوف تستخدم أبراج الشركتين القديمتين. تتنافس الشركات العالمية في تقديم الخدمات المختلفة للمشتركين بأسعار منافسة، ولكن في سوريا الأمر مختلف، رغم صدور قانون المنافسة ومنع الاحتكار عام 2008، والذي يفترض أن يطبق على كل الأنشطة التجارية والانتاجية والخدمات ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية، لكن هذا القانون لم يطبق في الكثير من القطاعات ومنها قطاع الخليوي خلال أكثر من عشرين عاماً، فهل يطبق اليوم بعد دخول شركة وفا على الخط؟. ربما نكون أمام ثلاث شركات مشغلة للخليوي في سوريا، تشبه الصحف الحكومية، تلاتة بواحد!.
الاتحاد الأوروبي سيكون «واقعياً»، وسينخرط باقتراح المبعوث الأممي غير بيدرسن «خطوة مقابل خطوة»، ومضمون القرار الأممي لدعم «التعافي المبكر» في مشاريع المساعدات الإنسانية، تحت سقف «الخطوط الحمراء» و«اللاءات الثلاث» الشروط الأوروبية، أي: لا مساهمة بالإعمار، لا تطبيع مع دمشق، لا رفع للعقوبات، قبل تحقيق تقدم بالعملية السياسية بموجب القرار الأممي 2254. هذه خلاصة الاجتماع الوزاري الأوروبي الذي عقد في بروكسل أول من أمس، لبحث الملف السوري، ذلك في أول لقاء من نوعه منذ بضع سنوات بترتيب من فرنسا التي تولت رئاسة الكتلة الأوروبية بداية العام لستة أشهر أخرى. وشارك بالاجتماع بيدرسن، بعد إجرائه سلسلة استشارات مع اللاعبين الإقليميين والدوليين في جنيف أو دمشق والدول المعنية، قبل تقديمه عرضاً مفصلاً عن المقترح في مجلس الأمن الدولي اليوم.
قراءة الواقع الاجتماع الوزاري تضمن نقاشات صريحة للمشهد السوري وتحولاته خلال السنوات الماضية، سواء بالجانب العسكري، حيث «يقف الصراع الآن رهن حالة من الجمود العسكري والاستراتيجي، مع عدم وجود حل عسكري في الأفق وعدم حدوث تحولات في الخطوط الأمامية» منذ مارس (آذار) 2020، و«وجود خمسة جيوش أجنبية بقوات لها في سوريا، حيث تنقسم إلى عدة مناطق نفوذ»، أو بالجانب السياسي الذي تضمن «فوز بشار الأسد في مايو (أيار) 2021 بولاية رابعة بعد انتخابات رئاسية جرى النظر إليها على نطاق واسع باعتبارها لم تكن حرة ولا نزيهة»، حسب قول مسؤول أوروبي في الاجتماع. وأشار إلى زيادة «القبضة الأمنية» في مناطق الحكومة. كما سمع الوزراء تقديرات رسمية من خبراء من أن «مستويات الفقر في سوريا تقترب من 90 في المائة، ويعاني 12.4 مليون شخص، أي 60 في المائة من السكان، من انعدام الأمن الغذائي. كما شهدت الليرة السورية انخفاضاً حاداً في قيمتها بالسنوات الأخيرة». وبالتزامن مع ذلك، «ارتفعت أسعار المواد الغذائية الآن 33 مرة عما كانت عليه خلال فترة ما قبل الحرب. وهناك ما يقدر بـ14 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات داخل البلاد، وأكثر عن خمسة ملايين شخص يفتقرون إلى المياه العذبة الآمنة أو الكافية في شمال سوريا. إضافة لذلك، خسر جيل كامل التعليم، وتعرضت المجتمعات للدمار».
أوضاع جديدة في موازاة ذلك، لوحظت بالاجتماع بعض الديناميات الجديدة، إذ إنه «بعد أكثر عن 10 سنوات من الصراع، اتخذت بعض الدول العربية في الفترة الأخيرة خطوات نحو التطبيع مع النظام. ورغم عدم وجود استراتيجية منسقة أو منظمة للتعامل مع سوريا، أوضح الشركاء العرب أن النهج الجديد ضروري، والانتقال من «تغيير النظام» إلى «تغيير السلوك». وتبقى مسألة إعادة قبول سوريا في جامعة الدول العربية موضع نظر، وتحظى بدعم علني من قبل عدد من الدول العربية التي تشعر بالحاجة إلى العمل بحزم أكبر لمواجهة تأثير الخارج، أي روسيا وإيران وتركيا». يضاف إلى ذلك، اقتراح المبعوث الأممي غير بيدرسن، مقاربة «خطوة مقابل خطوة»، للوصول إلى «اتفاق بين اللاعبين الدوليين والنظام السوري على خطوات تدريجية متبادلة وواقعية ودقيقة ويمكن التحقق منها، بحيث يجري اتخاذها بالتوازي للمساعدة في دفع العملية السياسية إلى الأمام بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2254». وأبلغ أحد الحاضرين المشاركين، أن بين العناصر الأخرى الجديدة التي تخص الملف السوري، أن أميركا أكملت الولايات المتحدة مراجعتها التي طال انتظارها لسياستها تجاه سوريا، حيث «حددت أربع أولويات، هي: المساعدات الإنسانية مع التركيز على التعافي المبكر، الحفاظ على الوجود العسكري، دعم وقف إطلاق النار، الالتزام بالمساءلة». كما برز اتفاق الروس والأميركيين على تمديد قرار المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» و«عبر الخطوط» في يوليو (تموز) الماضي، ثم تمديد القرار في مجلس الأمن قبل أيام.
مقاربة أوروبية وبعد مناقشات بين الوزراء، ذكر المشاركون أنه في 2017، تبنى الاتحاد الأوروبي «موقفاً قوياً بـوضع حد للحرب من خلال تحقيق انتقال سياسي حقيقي» في سوريا، وأن «المبادئ الأساسية لسياسة الاتحاد الأوروبي لا تزال صالحة وقائمة، وهي لا تطبيع، ولا رفع للعقوبات، ولا إعادة بناء إلى أن يشارك النظام في انتقال سياسي داخل البلاد في إطار قرار مجلس الأمن 2254». وإذ دعت بعض الدول مثل هنغاريا واليونان، إلى اعتماد سياسة أوروبية واقعية، جرى التوافق على ضرورة «الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي» و«عدم التنازل عن الموقف الجمعي الذي لا يزال صالحاً». عليه، كان الاجتماع الوزاري مناسبة لتجديد التمسك بـ«اللاءات الثلاث»، عبر إبداء استعداد الكتلة الأوروبية الانخراط مع «الوقائع الجديدة» التي تشمل «خطوة مقابل خطوة» والأولويات الأميركية الجديدة وخطوات التطبيع العربي، لكن دون التخلي عن «الخطوط الحمر». عليه، انخراط المسؤولون الأوروبيون مع بيدرسن في مناقشة «خطوة مقابل خطوة» التي قوبلت برفض علني من وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد. كما جرى الاتفاق في الاجتماع الوزاري على عقد مؤتمر بروكسل للمانحين باعتبار أن الاتحاد الأوروبي أكثر المانحين بـ25 مليار يورو، لتمويل المساعدات الإنسانية إلى سوريا و«التعافي المبكر»، لكن «شرط عدم وصولها للنظام»، إضافة إلى الاتفاق الجماعي على «الانخراط مع الدول العربية لـمنع التطبيع وإعادة دمشق إلى الجامعة العربية في شكل مجاني… ودون ثمن»، بل ظهر تحذير أوروبي من أن «التطبيع مع دمشق، يهدد الحوار بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية».
قوبل صدور التعديل المقترح على بعض مواد قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 17 الصادر عام 2012 المطروح للمناقشة أمام مجلس الشعب (البرلمان) بموجة غضب وسخط عارمين لدى أوساط السوريين عموماً، وللصحفيين خصوصاً، وذلك بما فيه من تقييد للحريات وشكل من أشكال الاستبداد. تحدث البعض عن تناقض القانون ومعناه الفضفاض الذي يفتقر إلى التفسير والشرح ويتناقض مع الدستور، في المقابل لا يعدم السوريين وسيلة إلا ويحاولون فيها التعبير عن انفعالاتهم تجاه هذه القرارات ليتحايلوا على هذا القانون عبر وسائل ملتوية لتفادي عقوبة السجن ودفع الغرامات المالية. وسام الجردي، مراسل في قناة “العالم”، يلجأ إلى نشر أخبار محلية على صفحته الخاصة على “فيسبوك” مرفقاً الخبر بكلمتين “أخبار بالكيلو” مع وضع أحد وجوه التعبيرية “إيموجي” التهكمية مناسبة للخبر المنشور، مطلقاً العنان للمعلقين. يقول لـ “صالون سوريا”:” أتبع طريقة نقل الخبر بحذافيره واقتباسات أصحابها دون التعليق عليه بسخرية، غير أن متابعي صفحتي يعلمون في قرارة نفسهم بحكم متابعتهم لي وفهم أسلوبي أنني أتهكم بشكل مبطن، فيفرغون ما في جعبتهم من مشاعر وآراء، لكني أحرص جيداً على مراقبة تعليقاتهم وحذف عبارات السباب والشتائم كي لا أتعرض للمسائلة وكذلك صاحب الشتيمة”. يتابع: “لا يمكن نكران وتجاهل دور وسائل التواصل الاجتماعي التي ينظر إليها على أنها تشكل مصدر تهديد لمناصب المسؤولين، هي منبر لكل صحفي وعامل في الشأن العام، وبناء عليه يجب إيلاه أهمية أكبر لها وليس إتباع سياسة تكميم أفواهنا، ويجب الفهم أن مهمة الصحفيين هي تسليط الضوء على نقاط الخلل والعمل على إيجاد حلول لها”، مطالباً “مشرعي القوانين بسن قانون خاص يدعى “من أين لك هذا؟” يحاسب المسؤولين على سرقة ونهب أموال السوريين، كما حصل مع رئيس مجلس الحكومة السابق عماد خميس الذي تعرض لعملية نصب حين دفع مبلغ مليار و250 مليون ليرة سورية مقابل شراء شقة في دمشق، ليتساءل السوريين: من أين له هذا المبلغ وهو مجرد موظف له راتب محدد، ليمر خبر حيازته هكذا أموال ضخمة مرور الكرام دون محاسبة”. ينتظر محمد سليمان، معد ومقدم برامج في قناة “الغدير”، قانون الإعلام الجديد الذي سيصدر قريبا، ويقول لـ “صالون سوريا”:” حسب الوعود أننا سنحاسب على قانون الإعلام الجديد وليس الجرائم الإلكترونية، ولكن هناك سؤالا، إذا صدقت الوعود لماذا صدر هذا التعديل المخالف للدستور أولاً والمخالف لمبادئ الحريات ثانيا، قبل صدور قانون الإعلام الجديد؟”. لا ينكر الصحفي الشاب أنه سيلجأ إلى أساليب جديدة بطرح المعلومة وإتباع سياسة الإسقاطات كي لا يكون عرضة للخطر بعد كل مادة ينجزها، وذلك حسب قوله.
قانون فضفاض يرى الجردي أن قانون الجرائم الإلكتروني ينصب في مصلحة المسؤول وليس المواطن، خاصة بالنسبة للصحفيين الذين ينتقدون أداء الحكومة وممارساتها الخاطئة وهذا أمر مخالف للدستور الذي يضمن حق مواطنيها بحرية التعبير، مضيفا: “أن هيبة الدولة تنقص كلما فقد أفرادها القدرة على تأمين قوته وأدويته ومستلزماته اليومية وليس حين يقوم بانتقاد أداء المسؤولين وأصحاب القرار، هذا القانون المعدل هو بمثابة قانون طوارئ إلكتروني بصيغة مبطنة”. المادة 24 التي تعاقب على الذم غير العلني إذا ارتكب برسائل خاصة عبر “الواتساب” و :الماسنجر” والتي وصلت عقوبتها إلى الحبس حتى ستة أشهر مع غرامة مالية حتى 200 ألف ليرة سورية تضع الصحفيين في خطر داهم وعرضة للاعتقال في أي لحظة. يوضح الجردي: “المادة المعدلة تحاسب النيات في حين قام أحدهم بالتلميح، فمثلا قد أكتب منشور صباح الورد يا حكومة، قد تُفهم أنها ذم بالرغم من أنها مديح، أو في حال تبادل رسائل على الماسنجر والواتساب تحتوي عبارات ذم”، يؤيده في الرأي سليمان الذي يصف القانون المعدل بـ “الفضفاض”، يقول:” القانون لا يحمل محددات معينة، ماذا يعني أن يكون هناك تهمة بوهن عزيمة الأمة أو إثارة الرأي العام، هذه التهم يمكن إسقاطها على أي شخص يريدون، لأنها فضفاضة وغير محددة الأوجه والمعالم”.
مفارقات عجيبة يصف المحامي عارف الشعال المواد المقترحة بـ “العجيبة جداً”، وأنه من المبكر أن نعرف أبعاد القانون كونه لم يصدر بعد ومازال مسودة، يوضح لـ “صالون سوريا”: “هناك ملاحظات جسيمة على المواد المقترحة للتعديل التي تحد من حرية الرأي وتخالف الدستور بشكل واضح”، منوهاً أن” المفارقة العجيبة في التعديل المقترح أنه بات جرم شتم الموظف وذمه أهون من انتقاده، فعلى سبيل المثال إذا وصفته بـالغبي فالعقوبة هي الحبس حتى سنة حسب المادة 376 عقوبات لأنه لفظي ينال من شرفه أو كرامته، أما إذا انتقدته قائلا بأنه مقصر ومهمل في عمله فستعاقب بالسجن حتى ثلاث سنوات وفق النص الجديد”. “مفارقة عجيبة”، يكشف عنها الشعال وهي “مساواة في العقوبة بين انتقاد موظف ينال من شرفه بعقوبة ذم رئيس الدولة وهي ثلاث سنوات، يقول متسائلاً:” هل يعقل أن تتساوى كرامة موظف عام مع كرامة رئيس دولة”. وسئل: من يقوم بسن قانون الجرائم المعلوماتية؟. يجيب الشعال: “حقوقيون في الدائرة القانونية في أحد الوزارات”، مضيفاً أن” التشريعات التقنية عموما بيسرقوها من شي قانون مقارن وبيعدلوا فيه حسب الواقع السوري”.
القاضي راضي يشير الشعال إلى نقطة يعتبرها في “غاية الخطورة” في المواد المقترحة للتعديل و”هي المادة 36 التي تسمح للنائب العام أن يحرك الدعوى العامة في جرائم النيل من هيبة الدولة أو النيل من هيبة الموظف والجرائم التي تقع على الموظف أو على الدولة حتى إذا لم يقدم المتضرر شكوى أو ادعاء شخصياً”، مردفاً “هذا يسمح للجهة الرسمية التي ينتمي إليها الموظف أن تدعي على الفاعل مباشرة، وبالتالي لا يمكن أن يستفيد الفاعل من إسقاط حق شخصي من الموظف إذا تصالح الفاعل معه ليستفيد من عذر مخفف أو قانون عفو عام”. لا يستطيع حسام، وهذا اسم مستعار، كف يده عن كتابة المنشورات التي تنتقد القرارات الجزافية التي تتخذها الحكومة السورية بين الفينة والأخرى، لكنه أخذ احتياطاته اللازمة بعد سماعه بمسودة القانون الجديد. يقول لـ “صالون سوريا”: “أسقط الواقع السوري المعاش على دولة الصومال، كي أفلت من العقوبة، كأن أكتب ارتفاع جرة الغاز أو رفع الدعم عن المحروقات في الصومال في إشارة واضحة إلى سوريا، لكن بذلك احمي نفسي وقد لا أحمي نفسي، لا أحد يدري ، ماذا يدور في خلدهم وأي قرارات فذة يخرجون بها”.
تحت “جسر الرئيس” في العاصمة السورية، دمشق، رصيف طويل يشغل زاوية ضيقة. هذا الرصيف، يضم آلاف الكتب، يتصدره أشخاص بائسون مضى عليهم الدهر. ” هنا تأسست الوحدة العربية، في هذا الشارع تماماً، لا ينفصل أحدنا عن الآخر، لكن لكل منا استقلاليته الخاصة”، بلهجة فراتية يرحب عبد الله حمدان (50 سنة)، صاحب إحدى المكتبات، بجملته السابقة، عندما علم أن هناك صحافة ستبدأ الحديث عن حاله والرصيف الذي يشغله لأكثر من عقدين، يسرد قصصاً عن هذه المكتبات، وما تبقى منها منذ خمسة عقودي. حمدان، خريج كلية الشريعة من مدينة دير الزور، وله أكثر من 14 مؤلفا تنوعت بين تاريخ وأدب، منها “تاريخ المسجمة والمشبهة في هذه الأمة”، تختص بالتكفير، وديوان شعر باللهجة الفراتية “صيحة عتاب”، لكنها غير معروفة لدى الجيل الجديد.
قراء وهجرة يروي حمدان، الملقب بـ “أبي زينب”، لموقع “صالون سوريا”، سر بقاء هذه المكتبات حتى يومنا على الرغم من ضعف رواد هذه الأرصفة الثقافية. يقول: “الفقراء من يقرأون. زباؤننا القراء من الطبقة الفقيرة ما قبل الحرب وبدايتها، إلا أن الحال تغير اليوم. أصبحت هذه الطبقة التي تشبهنا شبه معدومة، تسعى لكسب قوت يومها، كيف لشعب جائع أن يقرأ؟. أما الجيل الجديد، فاستبدل الإنترنت عن الكتاب”. ويضيف: “هجرة الشباب أثرت أيضاً على القراءة، أغلب المثقفين وطلبة العلم غادروا سوريا، أين هم الآن؟، ومن تبقى يستغل الإنترنت للبحث عن المعلومة ويكتفي دون الذهاب إلى مصدرها الأصلي”. “بات الإنترنت عاملاً مهما للتواصل وإيصال المعلومة، لكنه أداة العصر الرئيسية بين الناس وللاطلاع فقط على العلم، دون الاعتماد الكلي عليه، أما طالب العلم فيجب أن يعتمد على الطبعة الأساسية للكتاب لأنها تستقي المعلومة من مصدرها وإذا كان كتاب قديم يكون له تحقيق ويخرج المعلومة على أصولها ولا يمكن أن يؤخذ العلم جملة وتفصيلاً من الإنترنت” بحسب حمدان.
“بسطة” لبيع الكتب على رصيف تحت “جسر الرئيس” في دمشق
صحافيون على الرصيف بحر من الكتب يأخذك لزوايا عدة. رغم رداءة المكان والروائح الكريهة، هناك فن عشوائي من الكتب الممدودة على طول خط كامل زينت المكان بأكمله. يقف عند زاوية أخرى داخل هذا المربع رجل يضع شالاً بني اللون، يدعى “أبو مؤيد” وهو محمود حسن. كاتب صحفي بالشأن الفلسطيني بين عامي 83 و 95 يملك مكتبة رصيف تحت هذا الجسر، حال به الزمن إلى بيع الكتب هنا. يقول: “بدأت بالكتابة في صحيفة الثورة بقسم أدب الشباب خواطر وقصص قصيرة ثم انتقلت إلى العمل السياسي بالإعلام الفلسطيني الموحد في عدة مجلات وصحف منها “مجلة فتح”، “الهدف”، “السفير”، “النهار”، “الناقد” للراحل رياض الريس منذ 1986 حتى عام 1995″. يستذكر أبو محمود أيام الصحافة الأصيلة بروادها، دخل إلى سرداب ضيق، أخرج كرتونة مليئة بالجرائد وبدأ البحث عن مقالات قديمة، أعادنا بالزمن إلى سنة الــ1986 إلى بدايات انطلاقة الصحافي محمود حسن الذي أصبح الآن بائع كتب رصيف بدمشق، بدءاً من جريدة “الثورة” السورية ومقاله عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى”، إلى جريدة “النعيم” ومجلة “فتح”، وصحف أخرى، كما له أيضاً مؤلفين الأول “كتاب الحولة” دراسة جغرافية اجتماعية تاريخية لقرى سهل الحولة في فلسطين، ورواية “مدارج العشق”. توقف “أبو مؤيد” ابن مدينة صفد عن الكتابة بالإعلام الفلسطيني بعد انتقال مجلة “الهدف” الفلسطينية في العام 1987 إلى رام الله، وباعتباره فلسطيني سوري، مُنع من العودة لأنه يشمله حق العودة القديم وعندها بقي في دمشق واختار العمل في بيع الكتب على الرصيف لكي يبقى قريباً من الكتاب، بحسب ما قاله لصالون سوريا. أما عن تراجع القرّاء، فيرى أبو محمود أن السبب يعود لتراجع المبيعات نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي تسببت بنكبة إغلاق المكتبات وغلاء الطباعة ونقص اليد العاملة والأوضاع الاقتصادية، يقول: “نحن الآن غير قادرين على متابعة شراء الكتب يوجد قراء لا شك ولكن ليس باستطاعتهم شراء الكتب وهناك الكثير من القراء هاجروا.
وعود المحافظة خلال الجولة في هذا الركن الضيق تحت الجسر، التقينا برجل يدعى طارق الفاعوري (48 عاما)، من محافظة القنيطرة. خطاط يرتاد إلى هذه الأرصفة منذ عشرين عام، يعيد إحياء الكتب التراثية. يقول: “هذه المكتبات على قلتها في دمشق قياساً للقاهرة وبغداد، تقريباً مثل الماء للحياة، المكان هنا ملتقى لعشاق الكتاب وللفقراء تحديداً، أي من ليس لديه قدرة لشراء كتب جديدة فهذا المكان مناخ مناسب جداً، بأسعار رخيصة وكتب نادرة”. ويتابع “الإنترنت ضرورة حياتية للمعاصرين لكن النهضة العربية نهضت بدون إنترنت، بيمنا من جيل الإنترنت منذ عشرين عام حتى الآن لم يظهر لدينا اسم واحد مهم ولا اسم حرك شيء بالشارع العربي الثقافي، حتى على صعيد الصحافة لم يستطيعوا أيضاً، زمن أعلام الصحافة العربية كان الورق يتحدث ولكنه في طريقه للأفول”. قصة انتشار هذه المكتبات تعود لوزيرة الثقافة نجاح العطار (نائب الرئيس حاليا) التي كانت بمنصبها عام 1976 –2000 هي من أعطت الأمان لبائعي الكتب “مكتبات الرصيف”، بنظرها هؤلاء يجب أن يكونوا بأمان دون أي مضايقات، لأنهم يبيعون ثقافة الشارع”، بحسب ما قاله الفاعوري، مضيفاً: “بعد أن تركت منصبها من وزارة الثقافة تغولت المحافظة، واستطاعت حصرهم بهذه الدائرة، ومن يخرج منها فهو مطارد”. على الرصيف ذاته، تفصل عدة كتب بين أبو مؤيد عن “بسطة” جاره “أبو عبد الرحمن”. يحددها الجاران كجدا فصل، يعمل الأخير هذا المكان منذ 25 سنة خريج معهد أثار وشارك في عمل لوحات فنية مع العديد من الباحثين الأجانب في سوريا قبل الحرب. يقول: “للأسف لا يوجد قراء ما عم نستفتح بفرنك. رغم أننا نبيع بسعر أرخص، ولكن نحن شعب لا يقرأ، الفقراء لم يعد يرتادون هذه المكتبات رغم رخصها، ويتابع: “انظر إلى هذا المكان تأتيني أيام أبكي فيها على هذه الكتب المرمية هنا، وكل يوم وعود من المحافظة بإنشاء أكشاك ولكن فقط وعود، في كل العالم هناك مكتبات رصيف ونحن نطالب بأكثر تنظيم ونظافة. لو نحن لم نجلس بهذا المكان لكان خراباً”.
محل احذية بدل مكتبة “اليقظة” في دمشق
مكتبات عريقة غادرت قرب مقهى الهافانا بدمشق تغير مكان “مكتبة اليقظة العربية”، واستبدلت بمحل “اليمامة للأحذية”، بعد إقفالها عام 2014، وإعلان أصحابها انتهاء رحلة ثقافية دامت 83 عاما، داخل المكتبة سابقاً، فبدلاً من بيع العناوين والكتب التي أصدرتها المكتبة حل مكانها أحذية تواكب الموضة. يكشف سامي حمدان أحد أبناء مؤسسي المكتبة وبات الآن باع أحذية بدلاً من الكتب، سبب إغلاق المكتبة وتحويلها إلى محل أحذية. يقول لـ “صالون سوريا”: “المكتبة أغلقت عام 2014 بسبب قلة البيع والأزمة الاقتصادية الخانقة، وتحول الناس إلى الهواتف المحمولة والإنترنت، هذا التحول أنهى ظاهرة المكتبات والكتاب، المكتبة أسست عام 1939 طبعت حوالي 300 عنوان في سوريا”. في زاوية أخرى يجلس بالقرب من سامي ابن عمته سعدي البزرة”الذي اشترى المكتبة من آل حمدان وحولها إلى محل بيع أحذية عام 2014، يرى البزرة أن المحل التجاري يجب أن يحقق مبيعات كي يحقق المرابح. يقول: “المكتبة لا تعيننا على العيش، كل أخر سنة، علينا دفع ضرائب باهظة للمالية، وفواتير الكهرباء، الضرائب هي عامل أساسي كبير للإغلاق”. ويضيف: “في يومنا هذا الشعب لا يبحث عن الثقافة والقراءة بل عن لقمة العيش في ظل الوضع الاقتصادي، ومنها أيضاً هجرة العقول”، مؤكداً أن الغلاء ليس عاملاً أساسياً في إغلاق المكتبة لأنه شمل الجميع وليس الكتب فقط ولا حتى التكلفة الباهظة للطباعة هذا سبب ضعيف وعديم التأثير. في الوقت ذاته، نفى أن تكون الحرب هي السبب الرئيس في قفول هذه المكتبات، قائلاً: “الحرب لا تؤخر ولا تقدم، اليابان أكبر مثال وشعبها عاد بالقراءة، والثقافة وليس الشهادات المزورة، وأصبح أرقى شعوب العالم، والحكومة يجب أن تؤمن لقمة العيش والأساسيات كي يقرأ الشعب، هذه مهمتها وليست مهمتنا”.
مكتبة “نوبل” بعد اغلاقها
مكتبة “نوبل” الدمشقية ودعت قراءها العام الماضي، إذ كانت منذ سبعينات القرن الماضي، معلماً ثقافياً في دمشق. ملايين الناس اقتنوا منها كتباً ثمينة، قرار الإغلاق كان مؤلماً لأصحاب المكتبة ولفئة قليلة بل نادرة من القراء. تواصلنا عبر الهاتف مع السيد إدمون نذر شقيق جميل، كشف لـ “صالون سوريا” بأن سبب الإغلاق ليس الغلاء وعدم قدرة الطباعة. يضيف: “شقيقي جميل من قرر إغلاق المكتبة وسافر إلى كندا وليس خلاف ورثة كما يقال، زوجته مريضة في كندا وهو مقيم منذ 10 سنوات هناك وأنا فقط كنت أساعده في المكتبة، ففكر بإغلاق المكتبة والعودة إلى كندا، الأمور جيدة ولدينا قراءنا وهم موجودون”. مكتفياً بهذا الكلام. العديد من المكتبات السورية أغلقت أبوابها خلال الأزمة وليست فقط “نوبل” و “اليقظة”، سبقها مكتبة “ميسلون” التي تحولت إلى مركز صرافة، ومكتبة “الذهبي” في الشعلان التي تحولت إلى محل بيع فلافل.
تتسع مساحة العتمة. يصير للكلمات لون الأسى، لون اسود داكن وموجع. النهارات معتمة كالليل، والليل المتسلح بقمره كئيب وموحش، لم يعد يعني القمر شيئا لأحد، يذكر بالعتمة الجاثمة في البيوت وفي القلوب وفي محركات الآلات الضرورية لاستمرار الحياة اليومية. يبدو سؤال الفرح ترفا بلا معنى، ويبدو الاحتياج للتوازن مشروطا بالتصديق، أجل إلى أي درجة يمكن تصديق كل هذا التراجع اليومي المستمر والمتصاعد ليكرس الفقدان التام، فقدان أساسيات العيش، وكأن الحياة باتت قاب ومضة كهرباء او أدنى؟
مصالحة كهربائية اتصال هاتفي من صديقة طال غياب التواصل معها بقرار منها، لكنها اليوم تلح في الاتصال. بعد تبادل التحيات الخجولة والأسئلة الساخطة والموحدة والساخرة، تعلن برجاء حاسم، وكأن لا أحد غيري قادرة على تلبية حاجتها الماسة والمستعصية، تقول: “أخي مسافر إلى الشام بسيارة زميله لنقل حمولة تفاح إلى سوق الهال، سأرسل لك معه أمانة وأرجو ألاّ ترديني خائبة”. قبلت فورا، ابتسمت، وتبدل موقفي وفهمي لاتصالها. لا بد أنها رشوة مصالحة طيبة من مأكولات الضيعة، لإعادة العلاقة شبه المقطوعة إلى مجاريها الدافئة، قرص شنكليش! كمشة سليق أو هندباء برية، وكانت المفاجأة! كومة ثياب بيضاء متسخة، مطلوب مني غسلها وإعادتها مع أخيها ولو مازالت مبتلة. أذهلتني تلك المدعوة أمانة! والمرسلة كهدية تفوح منها رائحة الرجاء، لكني فرحت بوجبة الغسيل المتسخ التي أزالت ركام المكارهة القصدية، حتى لو خيبت أمالي المعقودة على نكهة ريفية محببة ومفتقدة. أوقات توفر الكهرباء سمحت لي بتنفيذ المهمة المطلوبة، خاصة أن الأخ الودود أوصل وجبة الغسيل المتسخة قبل موعد الكهرباء بدقائق، كما أن كبريائي احتفل بإعلان الصديقة بأنني قادرة، والأهم أنني راغبة بمساعدتها وتقديم أي خدمات ممكنة رغم قرارها بالجفاء. وأنا اصارع الوقت وحواسي ومشاعري متنقلة ما بين الساعة والغسالة، تمنيت لو يتأخر الأخ بقدر ما يسعفني الوقت لإنجاز المهمة وربما طي الملابس وتوضيبها رطبة في أكياس كبيرة ونظيفة.
ابنة ذكية ليالي الشتاء طويلة وباردة، تثقلها العتمة فتصير وحشية، تحار العائلة الصغيرة المكونة من خمسة أفراد في كيفية تمضية أوقاتها المشحونة بالغضب والعجز، تقول جويل: “تعوا نلعب لعبة الأسماء، يوافق الجميع رغم غياب الحماسة، يوافقون من شدة الملل والانكسار، فلنلعب إذن، كي يمر الوقت لا أكثر”. تصرخ جويل: “حرف ال ب”. تطلب اسم مدينة تبدأ بهذا الحرف، ثم اسم حيوان، وبعده اسم إنسان، ويليه اسم طعام. تضحك العائلة، تشعر جويل بالفخر. لقد حاربت العتمة باللعب، تستمر الألعاب وتتنوع، تتذكر الأم ألعاب الحارة، والنط على الحبل والقفز على الأدراج ولعبة بيت بيوت. تكتشف العائلة أن والدهم كان أمهر أولاد الحارة بلعبة الدحل، يسرد مغامراته ويضحك، يصف مهارة أصابعه بالإصابة المباشرة و شدة التحكم بالدحل ويضحك، والبنات كما أمهن مستمتعات، يعود الأب طفلا، يقول: “بس لو في كهرباء لقمنا بشراء الدحل واللعب به الآن”. يتبدل وقع الليل على أرواحهم وتصير الذاكرة حيوية ومبهجة رغم غرقها بالعتمة.
فقراء يشترون ضحكات على الفرش الإسفنجية الرقيقة يجلس العمال المياومون، أنهوا لتوهم وجبة يومهم، قدر كبير من حساء العدس المسلوق مع وريقات بصل أخضر اقتطعوها من حوش جارهم، يبلغ الضجر أشده، تهاجمهم طلبات عائلاتهم البعيدة، أرسلوا لنا مالا لنأكل، تطوف الحسرات في الفضاء، لدى الجميع رغبة بالصراخ لكن الصمت أبلغ وأكثر سطوة. يصرخ جابر: “مين يقاتل؟”. لا أحد يرد! “خلونا نتقاتل”. ويقبض على ذراع أيمن ويلويها، تدب الحمية في الرجال، يتصارعون ويضحكون، يضربون بعضهم بقسوة لكن بمودة، تتوقف الضحكات، تعلو وتيرة الضربات على الأجساد المتعبة، وكأنما يسددون اللكمات للقدر المر، للعتمة الخانقة، ينتبه محسن إلى أن توفيق يضربه بعنف مبالغ به، يصرخ به قائلا: “أنا محسن يا ول، أنا محسن مو الزلمة يلي أكل عليك تعبك اليوم”. تنطفئ جذوة النشاط العنيف، يصرخ بلال: “فلنوقف القتال، سنجوع من جديد ولا طعام لدينا”. يحل الصمت ويطبق على خناق الجميع، يفردون أغطيتهم الرقيقة والمتهالكة، يديرون ظهورهم لبعضهم وكأنهم هاربون من مواجهة غير معلنة ولا أحد يريدها، يتصنعون نوما يجافيهم من شدة البرد والجوع والعجز.
الاحتيال العاجز يتحايل البشر على الفقدان، يدربون عيونهم على المزيد من العتمة، يشتري سامر مصباحا على البطارية يوضع على الرأس كي يتمكن ابنه من الدراسة، سيتقدم هذا العام للشهادة الثانوية، لا إمكانية للدراسة في غرفة الجلوس حيث تجتمع العائلة حول مصدر الدفء الوحيد والمتبدل حسب توقيت الكهرباء، في غيابها يتم تشغيل مدفأة الغاز أو مدفأة المازوت حسبما يتوفر وللضرورة القصوى، وفي حال ثبات درجات الحرارة ما فوق الخمسة عشرة درجة فلا داعي لأي نوع من التدفئة، يتجول البشر وكأنهم رجال الأسكيمو وقد ارتدوا كامل عتادهم من الألبسة لمواجهة البرد، سترات خاصة وسميكة للبيوت ، تلبس وفاء سترة زوجها لأنها مبطنة بالفرو، دافئة لكنها تعيقها عن الحركة، ويلف رامي وفادي بطنيهما بملاءة صوفية رقيقة، الإبداع مطلوب، ويسخر الإبداع من اسمه هنا، فرط التكيف يعني هروبا من الموت بردا او انفجارا من شدة العتمة والقهر.
ثوب جديد تتلقى سما دعوة كريمة وجميلة من والدتها، تعوا تحمموا، عنا كم ليتر مازوت لمدفأة الحمام. تلبي الدعوة ولسان حالها عاجز عن الشكر، تأخذ معها كمية من الكشك وكيلو ونصف من البطاطا وبرتقال، تقول لأمها سننام عندك الليلة خوفا من المرض بعد الاستحمام، ترحب الأم بذلك، تطهو سما الكشك كوجبة ليلية يعززونها بشقف من الخبز المحمص، يتضاعف الدفء في تلك الليلة، ينام الأطفال مبتسمين، تقول الأم لابنتها: كلما توفر لي مازوت للحمام جيبي ولادك وتعي تحمموا، تشكرها سما بحرارة، لكنها تردف قائلة: مصروف المواصلات مرهق وتأمينها أصعب، أتمنى أن نقدر على تكرار المجيء! تعتذر سما عن تقصيرها تجاه أمها الوحيدة، وتعتذر الأم عن عجزها عن دعم ابنتها المسؤولة عن عائلة كاملة تستنزف كل طاقتها وقدراتها المادية والجسدية والنفسية ليستمروا بالبقاء. في ظل كل هذا الغياب لأساسيات الحياة، يغرق الناس في حالة من الاستنزاف لقواهم وقدرتهم على التواصل والتوازن، باتت الحاجات اليومية كابوسا ضاغطا وقاهرا، ومن المؤلم أن الأطفال يعلنون وبصراحة بالغة: نريد أن نرحل إلى بلاد تتوفر فيها الكهرباء! ويتساءلون ببعض الأمل، هل ستضيف منظمة الهجرة واللاجئين بندا إضافيا لقبول طلبات اللجوء وهو انعدام الكهرباء مما يعني انعدام الحياة، فيفوزون بفرصة للعيش على حدود الإنسانية.