الرمضان الدمشقي والرمق الأخير

الرمضان الدمشقي والرمق الأخير

تعيش دمشق وأهلها واقعاً مأساوياً في تفاصيل الحياة المعيشية واليومية؛ واقعا معاشاً يتكثف في سرديات متطابقة ومروية على ألسنة الجميع.

رمضان شهر الصيام، هو شهر الطقوس الخاصة والاحتفالية وشهر الأعباء الاقتصادية المضاعفة، خاصة بسبب ما تحتاجه المائدة الرمضانية من تنوع وزيادة في أعداد الأطباق ومحتوياتها لتعويض الصائمين عما فقدوه في ساعات صومهم الطويلة، أو تلبية للطقس الاجتماعي والروحاني والذي يحمل في طياته بعداً دينياً، وهو وصل صلة الرحم وخاصة في الدعوات العائلية على موائد الإفطار.

رمضان، هو شهر التحضيرات المسبقة وخاصة في تموين المواد الغذائية كالأرز والبرغل واللحوم والزيوت والسمن والبهارات والخضار والعصائر والوجبات المحضرة مسبقاً، مثل الكبب والرقائق والفطائر وعصير الليمون والبرتقال وشراب التمر هندي والعرقسوس. والآن وببساطة ووضوح متناهيين يمكن القول: إن كل شيء قد تبدل، كل شيء وصل إلى حد الزوال.

تُشير بعض الإحصاءات الاقتصادية إلى أن الأسعار هذا العام قد زادت بمعدل 120 مرة عن عام 2011. وبينما يعتقد البعض الآخر أن حجم التضاعف مبالغ به، إلا أن الكثيرون يؤكدون بأنه وبغض النظر عن نسبة الزيادة، فإن الوضع الاقتصادي والحالة المعيشية لهذا الموسم الرمضاني بلغت حدود العجز التام عن تأمين الوجبات اليومية الأساسية للسكان. ولاحظ الكثيرون بأن التكافل المعتاد كشكل أصيل من أشكال التآزر المجتمعي وخاصة في شهر رمضان، مازال عاملاً داعماً لموائد رمضان ولو بصورة ضئيلة جداً وتتضاءل باستمرار وبشدة.

لكن الحال الآن بات متطابقاً مع المثل الشعبي القائل: (الميت لا يجر ميتاً)، بمعنى أن العاجز لا يمكنه تقديم أية خدمة لعاجز آخر.

تضافرت الأزمات مجتمعة لتجعل من الواقع المعيشي واقعاً غير قابل للعيش ولا حتى لتصديق الحال الذي وصلت إليه المعيشة اليومية بكافة تفاصيلها مع انتشار جائحة كورونا. إضافة إلى أزمة غياب المحروقات (وخاصة الشح البالغ في مادتي المازوت والبنزين لدرجة تعطلت معها المواصلات العامة والخاصة)، مما أدى إلى فقدان البعض وخاصة سائقي سيارات الأجرة والحافلات العامة لأعمالهم. هذه الأزمات أدت إلى فقدان الدخل المادي الذي تستند عليه كثير من العائلات لتأمين طعامها اليومي. هذا عدا عن أن بعض العمال المياومين أيضاً قد تعذر وصولهم لأماكن عملهم، ولابد من الإشارة إلى أن بعض معلمي الحرف قد توقفت أعمالهم أيضاً بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى مراكز بيع المواد الأولية اللازمة لإنجاز أعمالهم، إما بسبب ارتفاع كلفة النقل أو لعدم وجود المواد المطلوبة أو للارتفاع الحاد بأسعارها مما يدفع الناس لوقف كل أعمال الصيانة أو الكساء المطلوبين.

كما أن أزمة المحروقات قد أعاقت عملية نقل وجبات الإفطار للمستفيدين منها والمحضرة والمقدمة من قبل بعض الجمعيات التي درجت ولسنين متتالية على تأمينها لعدد محدد من العائلات أو الأشخاص. وأعاقت صعوبة تأمين مادة الغاز نشاط المطابخ الجوالة أو المعدة خصيصا لتأمين وجبات للصائمين في شهر رمضان فتوقفت عن إعداد الوجبات  بصورة نهائية، ودفع بعض الجمعيات للاكتفاء بتوزيع مواد عينية جافة مثل الأرز والعدس والبرغل بدلاً من تقديم الوجبات المطبوخة، ولكن لعدد محدود بسبب ارتفاع الكلف بصورة كبيرة وعجز هذه المبادرات عن تأمين ممولين أو داعمين كما كان يجري في السابق.

واضطرت بعض الجمعيات لتوقيف مبادراتها الخيرية بشكل كامل قبل بداية شهر رمضان لتعذر تنفيذ برامجها المعتادة، مما تسبب في عجز كامل أصاب حركة التوزيع الاعتيادية. وقدّر أحد المصادر الإعلامية عدد الوجبات التي كانت تقدم سابقاً في العام الماضي بخمس وعشرين ألف وجبة، لكنها توقفت كلها بسبب أزمة المحروقات وارتفاع أسعار المواد المكونة لهذه الوجبات. هذا عدا عن توقف المساعدات المادية أو العينية لمزودي هذه الوجبات، كما أن بعض الجمعيات أوقفت نشاطها في عدد من المدن وحصرته في المدن التي يتوفر فيها الدعم ولا يتجاوز عددها مدينتين وهما دمشق وحلب.

يبدو المشهد التعاضدي العام عاجزاً ومتقشفاً، أما عن المشهد الخاص ضمن البيوت فالحالة صادمة تماماً، وعبارة العجز المطلق تبدو توصيفاً وحيداً لا شريك له.

 تتشكل وجبة سحور بعض العائلات من الخبز والشاي فقط، والغالبية أوقفت وجبة السحور بصورة نهائية، خاصة بعد الارتفاع الصارخ لأسعار مكونات وجبة السحور مثل البيض والألبان والأجبان، فقد كان سعر البيضة الواحدة حتى نهاية العام الماضي لا يتجاوز الـ125 ليرة، أما الآن فقد وصل سعر البيضة الواحدة إلى 250 ليرة. وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع سعر البيض شكل ضربة قاصمة لمحتويات وجبات الفطور حتى قبل حلول شهر رمضان، خاصة في ظل التركيز على ضرورة تناوله بصورة مستمرة ويومية، ليس فقط لتزويد جسم الصائم بالقيمة الغذائية المطلوبة، بل كوقاية وكعامل معزز للمناعة في مواجهة الانتشار المرعب لجائحة كورونا. وارتفع سعر الكيلو الواحد من الجبن الأبيض غير المغلي إلى ثمانية آلاف ليرة، أي أنه وبعد تحضيره في البيوت ليصبح جاهزا للأكل سيفقد نسبة من وزنه وبالتالي سيرتفع سعره الفعلي، ولذلك وصل سعر كيلو الجبنة المغلية والجاهزة للأكل الفوري إلى ما بين العشرة آلاف ليرة والأحد عشر ألفاً. أما الجبنة الحلوم والشلل فقد تراوح سعر الكيلو الواحد ما بين 11 الف ليرة وحتى الـ14 الف ليرة، وقد وصل سعر أحد أنواع الجبنة إلى عشرين ألفاً. هذا عدا عن ارتفاع أسعار جبنة الدهن الشعبية والتي تُباع بالأوقية أو في علب صغيرة. كذلك تضاعف سعر جبنة القشقوان حيث وصل سعر الكيلو الواحد منها إلى ثمانية عشرة ألف ليرة رغم سوء مكوناتها وافتقادها للصلابة والجفاف المطلوبين لتستحق اسم القشقوان كمنتج وكجودة.

 لابد من الإشارة إلى أن سبب التفاوت في الأسعار والذي نلاحظه بوضوح ليس بسبب الجودة أبداً، بل بسبب المكان الجغرافي الذي تُباع فيه هذه المواد، وحسب طبيعة نافذة البيع، محل صغير، مول كبير، سوق شعبي، مؤسسة تعاونية. كما أن المواد المغلفة يرتفع سعرها بذريعة التغليف مع مغريات لم تعد تعني شيئاً للسوريين مثل التعقيم والنظافة واسم الشركة المنتجة.

أما الحليب واللبن واللبنة فقد باتوا حلماً صعب المنال وقد وصل سعر علبة اللبن التي لا يتجاوز وزنها في أحسن الأحوال ثمانمائة غرام إلى ألف وسبعمائة ليرة، أي أن السعر الفعلي للكيلو يصل إلى ألفي ليرة، هذا عدا عن تراجع الجودة والكثافة المطلوبة، نتيجة خلط الحليب بالماء. أما اللبنة والتي تعتبر البديل الأكثر شعبية عن الأجبان فهي نوعان، نوع يسمى كريمة ويقال إنه مخلوط بالنشاء ليحقق الكثافة المطلوبة، وهي الأكثر مبيعاً رغم معرفة السوريين بأنها مغشوشة وينخفض سعرها مائة أو مائتي ليرة عن السعر المتداول وهو ثلاثة آلاف وخمسمائة حتى ثلاثة آلاف وثمانمائة ليرة عند الباعة الجوالين وخاصة  الباعة النساء، لكنها تكون معرضة للتلوث في الشارع والأسواق الشعبية. أما النوع الثاني وهو اللبنة البلدية التي وصل سعر الكيلو الواحد ما بين 4500 و5000 ليرة، فقد قل الطلب على شرائها، ويشكو السوريون من فقدانها للكثافة المطلوبة وبالتالي يكون وزنها مختلطاً بالماء مما يجعل كلفة الكيلو الجاف والمتماسك أغلى. أما اللبنة الناشفة والمحولة إلى كرات فقد باتت حلماً مستحيلاً، لارتفاع سعرها الذي يصل إلى 7500 ليرة للكيلو الواحد عدا عن أن طريقة حفظها تتطلب غمرها بزيت الزيتون الذي تحول لغصة بالغة يصعب  معها على السوريين حتى ذكر اسمه بعد أن وصل سعر الكيلو الواحد منه إلى الاثني عشر ألفاً عند شرائه بالجملة أي بصفيحة يبلغ وزنها ستة عشر كيلوغراماً. أما بالفرط أي بالكيلو الواحد أو بالعبوة الموضبة فقد وصل سعر الليتر إلى أربعة عشر ألف ليرة لليتر الواحد.

تشكو الموائد الرمضانية هذا العام من نقصان حاد في مكوناتها وخاصة الفول المدمس والفتات المصنوعة من الحمص والطحينة، عدا عن النقص الحاد في اللحوم، وإن كان نقص اللحوم هو نقص بات أصيلاً في الطبخات السورية إلا أنه هذا العام وخاصة خلال شهر رمضان الحالي فقد وصل سعر الكيلو الواحد من لحم العجل الى اثنين وعشرين ألفاً، أما لحم الخروف فقد وصل إلى حدود الثمانية وعشرين ألفاً للكيلو الواحد وكيلو ليّة الخروف وصلت إلى خمسة عشر ألفاً. وقد سعى السوريون لاستخدام اللية بدلاً من اللحم لأنها أقل سعراً وطمعاً في استعمالها كبديل عن السمن فقد ارتفع سعر كيلو النوع النباتي منها إلى ضعفين ونصف هذا العام، أي من أربعة آلاف ليرة وحتى العشرة آلاف للكيلو الواحد؛ لذلك يلجأ السوريون لشراء السمن بالأوقية. أما اللحمة فيتم شراؤها بمبلغ مقطوع قد لا يتجاوز الألفي ليرة أي حوالي الـ37 غراماً فقط، تخيلوا هذه الكمية هي لطبخة لأربعة أشخاص أو أكثر بواقع قد لا يتجاوز 8 أو 9 غرامات لكل شخص. ويبدو لزاما علينا ذكر الحالة المرضية من سوء التغذية المنتشرة والتي نلاحظها على الوجوه والأجساد بالعين المجردة والتي يمكن وصفها بما يشبه الجائحة.

تقتصر موائد الإفطار على نوع واحد، طبخة هزيلة بلا لحوم وإن توفر اللحم فقد يكون لحم دجاج للملوخية مثلاً لكن بربع الكمية المعتادة. كل شيء فقد نكهته الأصلية وتضاءلت فائدته الصحية، حتى عتبة الشبع تضاءلت وباتت في حدودها الدنيا. وقد درجت عادة جديدة وهي طبخ البرغل بقانص الدجاج بسبب رخص ثمنها، لكنها تحتاج تنظيفاً شديداً وطعمها لا تستسيغه الغالبية كما أنه بلا أية فائدة صحية، لكنه يتوفر على بعض الدسم فيعطي بعض الشعور الواهم بالاكتفاء.

 في ظل ارتفاع غير مسبوق بأسعار الخضار، وخاصة مكونات السلطة والفتوش والتي تعتبر ركناً أساسياً في موائد الإفطار، فقد بلغ سعر جرزة أو ربطة الفتوش خمسمائة ليرة، أي عشرة أضعاف سعرها في رمضان المنصرم، وكيلو الخيار البلاستيكي وصل سعر الكيلو منه إلى الألفي ليرة.

 اعتاد السوريون منذ حوالي العامين، على شراء الخضار بالقطعة، لكن هذا العام تخلى السوريون قطعياً عن شراء الكثير جداً من المواد الأساسية وخاصة مكونات وجبات الطعام ووجبات الإفطار في رمضان، فبدلاً من الليمون يستعملون ملح الليمون. وتخلوا عن شراء الفليفلة الخضراء لأن سعرها وصل إلى ثلاثة آلاف ليرة للكيلو، قد يتمكنون من شراء قطعتين تفرم مع السلطة بدلاً من اكلها مرافقة للطعام وهو تقليد دمشقي أصيل، وذلك توفيراً في عدد الحبات التي يتوجب شراؤها لتكفي أفراد العائلة.

أما الحلويات وخاصة ما يتم صنعه خصيصاً في شهر رمضان وتعيش منها أسر بكاملها كعمل موسمي مربح اعتادوا على إنتاجه خلال هذا الموسم تحديدا، مثل الناعم والمعروكة والنهش والمغشوشة والحلويات المحشوة بالقشطة، فقد شهد انتاجها كما شراؤها تراجعاً كبيراً لارتفاع كلفتها الذي تسبب بارتفاع أثمانها رغم تقليص هامش أرباحها رغبة من الصناع والباعة بتيسير أعمالهم والحفاظ على مهنتهم وتأمين سيولة ضرورية لهم مهما باتت قليلة وغير كافية.

تحتضر الطقوس الرمضانية بفعل الهشاشة الاقتصادية والفقر العام وغياب الدعم الذي أحاق وأصاب حسب تصريحات أممية الثمانين بالمئة من الشعب السوري.

 إن الاحتضار الأصعب والأكثر شمولية وتوسعاً هو احتضار السوريين والسوريات الطويل في مواجهة أصعب أزمة معيشية تعصف بهم وتهدد رمقهم الأخير، احتضار نفسي ونمطي، والأكثر إيلاماً هو تردادهم لعبارة: (الله يجيرنا من الأعظم)، وكأن الأعظم لم يأتِ بعد، أو كأنه يكشر عن أنيابه في وجوه السوريين والسوريات ويقول لهم انتظروا الويلات القادمة.

الخبز الذكي” و الليبرالية الجديدة الحمقاء”

الخبز الذكي” و الليبرالية الجديدة الحمقاء”

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

يرتبط مفهوم الأمان تاريخياً بالنسبة للعائلة السورية بشرط لازم وواجب وهو تأمين الخبز. وظلت عبارة “تأمين الخبزات” مزروعة في وجدان كل رب أسرة عندما يعود إلى منزله بعد انتهاء عمله. وليست من قبيل الصدفة أن يأخذ الارتباط اللفظيّ بين الأمان والتأمين ارتباطاً وجدانياً، ولن نكون مغالين إذا قلنا ارتباطاً وجودياً. وعندما يصبح هذا التأمين مهدَّداً، تظهر كل أعراض عدم الأمان من خوف وقلق ورعب يهدد الوجود نفسه.
عندما تجد بضع حبات من القمح في جرة تعود إلى ما قبل التاريخ، عندما تشاهد رجل يزيح كسرة خبز يابسة عن الطريق كي لا تدوسها الأرجل، عندما تراقب امرأة وهي بكامل الولع تلف الخبز، تعرف مدى القداسة (التي لن تكون دينية بالضرورة) بل قداسة إنسانية لهذا المنتج الإنسانيّ: الخبز.

لأجيال عديدة ظلت هذه البلاد زراعية الهوية الاقتصادية، وتنتج ما يكفي شعبها، وتصدر ما يزيد عن حاجتها، وشكل القمح المحصول الاستراتيجي للدولة. لكن المتتبع والمعايش لما يحصل في سورية اليوم من نقص حاد في المحصول وصعوبة تلبية حاجة الشعب من الخبز يدرك كم فقدت هذه البلاد من هويتها.
في الفقرات التالية سنحاول ربط الماضي بالحاضر من خلال الأرقام الإحصائية لإنتاج القمح في سورية معتمدين على إحصائيات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في سورية وأرقام منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة، لا لنعمق المأساة بل لنكشف حجمها، متتبعين حركية المحصول والقرارات المتعلقة به.

اقتصاد السوء الاجتماعي

في عام 2006 وفي خطوة وصفها الاقتصاديون بـ” المتسرعة” أو “غير المدروسة”، جرى تبديل شامل في سياسة الدولة الاقتصادية. وتم الانتقال من اقتصاد مركزيّ موجَّه يعتمد على الخطط الخمسية إلى ما دعي بـ اقتصاد السوق الاجتماعي. كانت الخطوة ارتجالاً وتحولاً مفاجئاً نحو الليبرالية الاقتصادية وتحرير الأسواق، صفق لها البنك الدوليّ!
وبسرعة وُزّعت الامتيازات حسب الولاءات، وأُسّست الشركات القابضة ذات الصيغ العائلية، وبدا الانفتاح براقاً وواعداً! وأصبح الاستثمار في المشاريع السياحية والخدمية هو الموجة الجديدة. وغزت مشاريع الفنادق مراكز المدن ومشاريع القرى السياحية والفلل تلال دمشق وأخواتها. كان المنظر باهراً على أتوستراد حرستا ووزعت السيارات بالتقسيط. بينما هُمشت الزراعة والصناعات المرتبطة بها، وأغرقت الأسواق بالصناعات الصينية الرخيصة متدنية الجودة، في حين ساهم انتشار البضاعة التركية في تهميش البضاعة الوطنية. هُجرت الحقول وزادت الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون، وانتقلت سورية من بلد زراعيّ إلى بلد متحوِّل اقتصادياً. إن كلمة متحول لا تعني التغيير نحو الأفضل أو انتهاج تعددية اقتصادية، بقدر ما تعني انتهاج سياسات مصلحية يلعب فيها الامتياز والولاء الدور الأساسي. إنها تعني غياب النظام الاقتصادي وغياب الهوية. لم تتم خصخصة القطاع العام بل تم تأسيس قطاع خاص جداً كانت غايته الوحيدة على ما بدا إحداث شلل في القطاع العام وتهميشه وإفقاره. لقد تم إغلاق المعامل الوطنية المرتبطة بالزراعة، فأغلق معمل السكر في تل سلحب بسبب الخسائر وتراجع إنتاج الشوندر السكري تدريجياً والآن لم تعد حماه تنتج أي حبة شوندر سكري بعد أن تم إيقاف زراعة الشوندر السكري نهائياً بقرار حكومي. وأغلقت معامل الكونسروة في درعا والورق في دير الزور، ومعامل الصابون وأقلام الرصاص في دمشق، وتركتْ الدولة الساحةَ لطبقة صناعية طحلبية همها فقط الإثراء على حساب موت القطاع العام أو تمويته.

“وقمح..”

مهما قيل عن القمح السوري بأنه قمح قاس، يبقى أكثر طيبة من متخذي القرارات وصانعي السياسات الاقتصادية في هذا البلد القمحيّ بامتياز. يمتاز القمح السوري بـ”كبر الحبة وتشعب السنبلة والهيئة البلّورية واللون العنبري الأصفر وتأقلمه بشكل واسع مع البيئات المختلفة لحوض البحر الأبيض المتوسط بنسبة 60% قمح قاس و 40% قمح طري” وذلك حسب الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.

ومع التحول الاقتصادي جاء موسم 2007-2008 فقيراً بالأمطار ومنذراً بالجفاف، إذ سجلت محافظة الحسكة هبوطاً حاداً في معدل الأمطار بلغ 121.7 ملم بانخفاض 100ملم عن المعدل السنوي، علماً بأن الحسكة تقدم 60% من المحصول القومي للقمح في سوريا. وسجلت دير الزور معدل 56.3 ملم بانخفاض 90 ملم عن المعدل السنوي . وسجلت حماه 284 ملم بانخفاض بلغ 90 ملم.
وبالتزامن مع موسم الجفاف، قامت الحكومة في نيسان 2008 برفع سعر المازوت من 7 ليرات للتر إلى 25 ليرة، وقامت بتحرير سعر السماد. وبات المازوت يوزع عن طريق القسائم التي آذنت بظهور ظاهرة الطوابير في سوريا. وأدت هذه القرارات مع موسم الجفاف إلى نزوح عدد كبير من الفلاحين إلى المدن وهُجرت الحقول. بلغ إنتاج القمح في ذلك الموسم 2.1 مليون طن بانخفاض 2 مليون طن عن الموسم السابق. بررت الحكومة رفع سعر المازوت لسد العجز في الميزانية، لتعود وتخفض سعر اللتر 5 ليرات في بداية 2009.
سجل الموسمان التاليان معدل هطول مطري جيد، ووصل إنتاج القمح موسم  2011 إلى 3.9 مليون طن. في عام 2014 ضربت سوريا موجة جفاف جديدة متزامنة مع نقص المازوت وانقطاع الكهرباء وانعدام الأمن مما شكل صعوبة كبيرة في وصول الفلاحين إلى أراضيهم. وحسب تقرير منظمة الغذاء والزراعة FAO في 23 كانون الثاني 2013″45 % من الفلاحين لا يستطيعون الوصول” وسجل الموسم انخفاضاً قياسياً في إنتاج القمح بلغ حسب تقديرات المنظمة 1.3 مليون طن، قدرته الحكومة السورية بـ 1.7مليون طن.
ورغم الموسم المطري الجيد في 2015 فلم يتجاوز المحصول 2.4 مليون طن بعجز قدره 900 ألف طن عن الحاجة السنوية. وسجل تقرير الـ FAO في 23 تموز 2015 بأن “9.8 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي.”
وسجل عام 2016 ارتفاعاً طفيفاً بمعدل الإنتاج بلغ 2.9 مليون طن، ليعود وينخفض إلى مستويات قياسية في الأعوام اللاحقة (2017: 1.8مليون طن؛ 2018: 1.2مليون طن؛ 2019: 1.2مليون طن)، لتبدأ مسألة استيراد القمح الروسي الأقل جودة من القمح السوري وتبدأ أزمة الخبز بالظهور.

خبز ومازوت وقهر

في نيسان 2020، أُدخل الخبز على نظام البطاقة الذكية، بعد شهر على ظهور أزمة الخبز. عللت الحكومة الأزمة بعدة أسباب: عدم إرسال روسيا لكميات القمح المتفق على شرائه (بلغت كمية القمح المستوردة من روسيا 1.3 مليون طن عام 2017 و1.1 مليون طن عام 2019)؛ انخفاض كمية القمح المسلمة للدولة من قبل الفلاحين (بلغت كمية الحبوب المسلمة إلى الحكومة 500 ألف طن عام 2017؛ 1مليون طن 2019؛  500ألف طن 2020)؛ ضبط الاستهلاك المحليّ بحجة أن الطحين يهرب إلى المخابز الخاصة والسياحية ومعامل المعكرونة وإلى مربي الحيوانات بسبب نقص مادة العلف وإلى دول الجوار، والذي يشير إجمالاً إلى حجم الهدر والفساد في مؤسسات الدولة نفسها.
على نظام البطاقة الذكية، قدرت وزارة التجارة الداخلية حصة الفرد بـ 19.5كغ شهرياً، وقسمت الأسرة السورية إلى أربع شرائح حسب عدد أفراد الأسرة المسجلين على البطاقة (1-2  شخص ربطة واحدة يومياً، 3-4 أشخاص ربطتين يومياً، 5-6أشخاص ثلاث ربطات يومياً، 7 أشخاص وما فوق أربع ربطات يومياً). لقد أدت كل العمليات الفنية من استخراج بطاقة ومن ثم تعديل البيانات العائلية إلى أزمة طوابير أضيفت إلى الأزمة الأساسية وبات المواطن السوري من طابور إلى طابور وأعيد إلى نقطة الصفر ولم تنجح البطاقة في حل الأزمة بل أصبح القهر ملازماً لكل خطوة.
في عامي  2011و2012 كان سعر ربطة الخبز 15 ل.س وتزن 1800غ بـ 8أرغفة. ارتفعت في 2013 إلى 19ل.س، بينما بيعت في المناطق المحاصرة بأرقام تراوحت بين  600إلى 2500 ل.س. في الشهر السابع  2014ارتفع السعر إلى 25 ل.س وفي الشهر العاشر 2015 إلى50  ل.س. في حين ارتفع سعر لتر المازوت إلى 135 ل.س وسعر أسطوانة الغاز إلى 1800 ل.س.
في الشهر السادس 2016 أعلنت الحكومة ارتفاع سعر المازوت إلى 180 ل.س للتر وأسطوانة الغاز إلى 2500 ل.س في حين كان سعر صرف الدولار  470 ل.س.
واعتباراً من منتصف عام 2019 سيبدأ سعر الليرة بالهبوط أمام الدولار بوتيرة متسارعة وبحلول آذار من عام 2020تم رفع سعر ربطة الخبز من  50إلى 75 ل.س ونقص وزنها إلى 1100غ. لتعود وترتفع في تشرين أول من نفس العام إلى  100 ل.س مع كيس نايلون. كان ذلك السعر على البطاقة فقط ويحتاج المواطن إلى الوقوف ساعات طويلة في الطابور، مما أدى إلى ظاهرة بيع الخبز الحر، حيث تباع الربطة أمام الفرن مباشرة ب 500 و750 ل.س. ترافق ذلك مع وصول سعر ليتر المازوت بالسوق السوداء إلى 1200 ل.س ومع ذلك التدهور السريع في الخدمات من قطع جائر للكهرباء وعدم العدالة في توزيع المازوت على البطاقة وذل “تأمين الخبزات” وغلاء فاحش في الأسعار مع وصول سعر صرف الدولار إلى    4000 ل.س، بات المواطن السوري بعيد جداً عن نقطة الصفر المعيشي وأصبح تحت الصفر بدرجات. لقد أصبحت الأزمة مستدامة.

عام القمح

مع وصول الوضع المعيشي إلى مستويات متدنية، وارتفاع الأسعار غير المسيطر عليها والمتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار، بقي مستوى الدخل ثابتاً أو مجمداً عند حدوده الدنيا، وبات المواطن السوري يشعر بالضياع وهو يستسلم لكارثة تحدق به من كل الجهات. ليست تلك الأرقام التي أوردناها مجرد أرقام، هي واقع يعيشه السوري بكل تفاصيله العشرية. إن العجز الحكومي والفساد الحكومي في سوريا ظاهرةٌ تدرَّس.
ومع ذلك تطلق وزارة الزراعة، في حملة دعائية وإعلامية، على موسم 2020-2021عام القمح معلنة بأنها تخطط لزراعة 1.8 مليون هكتار من القمح، وحددت سعر شراء القمح بـ 450 ل.س للكغ مع مكافأة تسليم 100 ل.س لكل كغ. ثم عادت في آذار 2021 لترفع سعر الشراء إلى  800ل.س لكل كغ.
ويبدو أنه من المستحيل الوصول إلى الأرقام القديمة 4 مليون طن مثلاً؛ فالحسكة وأراضيها والرقة وريفها وريف حلب وريف إدلب وجزء من ريف حماه خرجت من الناتج النهائي لمحصول القمح ولا يمكن تعويضها وسهل الغاب تحول إلى زراعة التبغ ليلبي نهم معامل الدخان العائمة قبالة الساحل السوري. ويبدو أن أسعار الخبز في طريقها للتحرير، فقد خرجت مديرة التخطيط والتعاون الدولي في المؤسسة العامة للمخابز بتصريح لجريدة الوطن في 10 آذار 2021لتقول:”إن بيع الخبز المدعوم يعتبر من الصعوبات التي تعرقل العمل وتسبب خسائر مالية للمؤسسة” مبررة ذلك بأن المادة “مسعَّرة اجتماعياً”!
هذا المصطلح لا يحتاج إلى تفسير. إن عملية الخنق جارية ومحاصرة للمواطن في أعز ما يملك، أي كرامته، التي باتت هي المستهدفة. والسوق السوداء هي التي تحكم.

 

من فكرة صغيرة إلى مشاريع كبيرة: حكاية مخبز القرية

من فكرة صغيرة إلى مشاريع كبيرة: حكاية مخبز القرية

لا يمكنك أن تعبر المكان دون أن تستوقفك رائحة الخبز اللذيذة التي تنتشر على طول الطريق منبعثةّ من مخبزٍ صغيرٍ في قرية نائية لكنه يخفي خلفه قصة نجاح كبيرة بطلاتها نساءُ قرية سهوة بلاطة في ريف السويداء.

بدأت الحكاية باقتراحٍ بسيطٍ بين مجموعة من الصديقات لإنشاء صندوق خيري صغير يجمع التبرعات من نساء القرية بمبالغ زهيدة لا تتجاوز 200 ليرة من كل امرأة لمساعدة من كنّ في حاجةٍ لبعض الدعم وبخاصة تلك النسوة اللواتي فقدن أزواجهن ولا يوجد من يعيلهن ويعيل أسرهن، إلا أنّ الفكرة العفوية تطورت إلى اقتراحٍ بإنشاء مشروعٍ صغيرٍ يؤمن عملاً ودخلاً لأولئك النسوة عوضاً عن تقديم مساعداتٍ محدودة لهن. تعددت الاقتراحات وتراوحت بين تأسيس ورشة خياطة وتطريز أو مركز تجميل وغيرها، لكن تم الاتفاق أخيراً على إنشاء مخبزٍ لصنع خبز الصاج الذي تشتهر به السويداء، وما إن طرحت الفكرة على مستوى القرية حتى تحمس لها الجميع وبخاصة من أبناء القرية المغتربين في الخارج وقدّموا لها الدعم المالي الكافي لشراء المعدات والمستلزمات الأساسية للبدء بالمشروع.

لم أتمكن، لأسبابٍ خاصة، من لقاء أي من المسؤولات في الجمعية، لكني استطعت لقاء بعض الشبان في القرية والذين تجمعني بهم معرفة سابقة، أخبرني أحدهم، مفضلاً عدم ذكر اسمه، عن بعض التفاصيل فيقول: “بدأ العمل في المخبز بعد فترة قصيرة من طرح الفكرة وتجهيز المكان والمعدات، وأصبح يُنتج الخبز بجودة ونوعية ممتازة مراعياً المعاير الصحية والطبيعة من خلال تأمين أفضل أنواع القمح والاهتمام بجودة الإنتاج والنظافة والتسويق الجيد أيضاً، واليوم وبعد مرور 6 سنوات على إنشائه نجح المشروع بشكلٍ ممتاز واستطاع تأمين عملٍ ودخلٍ ثابت لأكثر من 20 امرأة في القرية ولبعض الشباب أيضاً الذين تولوا عمليات تسويق المنتج خارج البلدة”.

 لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فقد أنشأت الجمعية صندوقاً لتقديم الدعم لطلاب الجامعات والمدارس بشكلٍ شهري وبمنتهى السرية حفاظاً على قيمة العمل ومنعاً من التسبب بأي إحراجٍ لمن يتلقى المساعدة. وبحسب سليمان (25 عاماً) وهو أحد شباب القرية المتطوعين في المشروع ” فإنّ إمكانيات صندوق دعم الطلاب محدودة في الوقت الحالي ولا يمكن أن يتكفل الصندوق بكامل المصاريف المادية للطلاب المحتاجين، إلا أنّ المبالغ المقدمة تشكل دعماً لا بأس به للأسر محدودة الدخل وخاصة إذا كان فيها أكثر من طالب في الجامعة، المهم في المبادرة هو التشجيع على العلم وإيصال رسالة للطلاب بأن هناك من يقف بجانبكم ويشجعكم”.

 ونتيجة ً للأرباح الجيدة التي أتت من المخبز والجهود المبذولة من أهل القرية لإنجاحه، فقد أثمر المخبز عن تطوير مجموعة أخرى من المشاريع الصغيرة كان أولها إنشاء أقسامٍ جديدة فيه لإنتاج الفطائر والحلويات الشعبية (لزاقيات ومرشم وغيرها) والتي لاقت رواجاً ونجاحا ًكبيراً، بالإضافة إلى إقامة مشروعٍ صغيرٍ لإنتاج الأجبان والألبان بحيث يساهم في خلق فرص عملٍ جديدة وتسويق المنتج المحلي بأسعارٍ جيدة.

 ومن إنجازات جمعية النساء الخيرية في السهوة أنها قامت بمبادرةٍ بالاشتراك مع أهل القرية لإلغاء إحدى العادات الموجودة في المجتمع والتي تقوم على تقديم وجبات الطعام في مناسبات العزاء والتي عادةً ما يقوم بتقديمها أقرباء الميت أو جيرانه واستبدالها بوجبة طعام يقدمها المخبز، مخففاً بذلك الكثير من الأعباء المادية على الناس وخصوصاً في ظل الأوضاع الصعبة التي يمر فيها الجميع.

ومنذ عامين تقريباً توسع نشاط الجمعية ليشمل إنشاء حديقة للبلدة ومشتلاً زراعياً في قطعة أرضٍ كانت مهملة قبالة المخبز. كما شرعت الجمعية مؤخراً بمشروع جديد وهو إنشاء معملٍ لتجفيف الفواكه في القرية مستفيدة من توفر الفواكه المحلية وتنوعها، حيث ساهم المشروع في تسويق الفواكه المحلية ومساعدة الفلاحين وتأمين المزيد من فرص العمل لشباب وصبايا البلدة.

ما حققته هذه الجمعية الصغيرة من نتائج تجاوز نجاح المشاريع والمبادرات التي أنشأتها على المستوى المادي ليصل إلى خلق حالةٍ من التعاون والتكاتف الاجتماعي في القرية وتعزيز قيم العمل الجماعي والتشاركي، حيث غدت الجمعية مشروعاً شخصياً لكل فردٍ من القرية يحاول دعمها بما يستطيع.

 أخبرني عمر (24 سنة، طالب جامعي) عن مدى تأثير الجمعية في تشجيع المبادرات الطوعية والعمل الجماعي في القرية فيقول “نجاح جمعية النساء شجعنا نحن الطلاب على إقامة مبادرات جديدة بيننا، فقمنا بحملات تنظيف لشوارع البلدة ومحيطها، كما قمنا بإنشاء فرقٍ لحراسة الحراج في القرية لمنع عمليات التحطيب التي انتشرت بشكل كبير في السنوات الماضية، بالإضافة لحملات التشجير في محاولة لإعادة الغابة كما كانت سابقاً، هذا عدا عن الدورات التعليمية المجانية التي قمنا بها لتدريس بعض المواد لطلاب المدارس وخصوصا لطلاب الشهادة الإعدادية والثانوية”

  أدى تفاقم الأزمة الاقتصادية مؤخراً وانعكاساتها السلبية على الحالة المعيشية للناس وارتفاع الأسعار الجنوني إلى مجموعة من المشكلات التي باتت تهدد عمل الجمعية وقد تؤدي إلى توقف عملها، حيث بات من الصعب تسويق المنتجات كما كان في السابق، الأمر الذي انعكس على إيرادات الجمعية وقلص أرباحها للحد الأدنى، مما دفع الجمعية إلى الاعتماد على التبرعات من أبناء القرية لسدّ بعض الثغرات المالية والإيفاء بالتزاماتها. وبحسب فيديو منشور على صفحات شبكات الأخبار في السويداء، قام المركز الإذاعي والتلفزيوني بزيارة المخبز مؤخراً وأعدّ تقريرا مصوراً عنه حيث تحدثت إحدى المسؤولات عن أبرز الصعوبات التي تواجههم حالياً والتي تتمثل بالتسويق وارتفاع أسعار بعض المواد، حيث يبلغ الإنتاج اليومي للمخبز بين 60إلى 80 كيلو من الطحين، ويطمحون لزيادة الإنتاج فيما لو توفرت فرص تسويق جيدة إلى خارج البلدة.

هناك محاولات اليوم في أكثر من قرية بالسويداء لتعميم هذه المبادرات، والتركيز على دور المنظمات المدنية والخيرية المحلية لتخفيف آثار الحرب وانعكاسها على الجميع، سيما مع تفاقم وطأة العقوبات الاقتصادية وتفاقم الفساد والاضطرابات الإقليمية التي أثرت على تدفق السيولة المالية من المغتربين، وحتى وإن كانت النتائج أقل من التوقعات المرجوة، إلا أنها تبقى تجربةً مهمة وذات قيمة كبيرة تسهم في دعم المجتمع والحفاظ على تماسكه.

كورونا في اللاذقية

كورونا في اللاذقية

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

منذ إعلان فيروس الكورونا كوباء عالمي، ظل الإعلام السوري ينفي وجود أيه حالة إصابة به، رغم أن لبنان أعلن عن إصابات بفيروس كورونا واتخذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشار الفيروس، بينما وزير الصحة السوري وهو طبعاً طبيب أعلن أن لا إصابة بفيروس كورونا في سوريا وبأن الجيش السوري البطل قضى على الفيروسات والجراثيم! وبذلك حول علم الطب إلى مادة القومية التي يدرسها طلاب سوريا في المدارس والجامعات. لكن النظام اضطر فجأة إلى اتخاذ إجراءات وقائية من فيروس كورونا، أحس بالحرج وبشيء من الخجل، فدول العالم كلها أعلنت عن إصاباتها بفيروس كورونا ما عدا سوريا. وأعلن النظام السوري إغلاق المدارس والجامعات ودور العبادة والمقاهي والأراجيل ( لكنه لم يغلق أبداً أي من محلات بيع الدخان ومعسل الأراكيل!). وجاء إعلانه بإيقاف النقل العام (باصات الدولة الكبيرة) والميكروباصات التي تنقل المواطنين من قرى اللاذقية إلى مركز المدينة.

ولأنني على إحتكاك يومي مع الشارع السوري وأتكلم مع مختلف شرائح المجتمع سأنقل صوت أخوتي السوريين في اللاذقية، و لكن قبل نقل معاناة السوريين في اللاذقية في زمن كورونا يجب الإشارة إلى القوانين التي أصدرتها الحكومة السورية بشأن كورونا؛ ففي مجال المحاكم والقضاء وبناء على قرار وزارة العدل رقم 5708م يتوقف العمل في المحاكم السورية حتى تاريخ 16 – 4 – 2020. إلا في الحالات الإسعافية كبعض القضايا الجنائية. ومعظم المحامين توقف عملهم في مكاتبهم التي يداومون فيها بعد الظهر من الساعة الخامسة ألى الثامنة أو التاسعة لأن المواطن مضطر أن يلتزم الحجر في المنزل تمام الساعة السادسة. وإن كان من أهل القرى المجاورة القريبة من اللاذقية فعليه أن يلتزم الحجر في منزله الساعة الثانية ظهراً لأن المواصلات بين اللاذقية والقرى المجاورة أو المناطق البعيدة تتوقف. أما بالنسبة للمدارس فاتخذت الحكومة السورية قراراً بإغلاقها حتى 16 نيسان، ولكنه قرار قابل للتمديد حسب تفشي فيروس كورونا. ويبقى الطلاب بدون مدرسة وبدون علم. ولأن فكرة التعليم عن بعد التي تطبقها معظم الدول (ومنها بعض المدارس والجامعات في لبنان) غير ممكنة في سوريا؛ فمعظم الطلاب يعيشون تحت خط الفقر ولا يملكون لاب توب في بيوتهم، وهم بالكاد يعيشون على الخبز والشاي. القرار الأهم الذي التزمت به الدولة بشكل جدي للغاية هو إصدار مرسوم بتغريم كل مواطن يخرج من بيته بعد الساعة السادسة مساء، والغرامة تترواح بين 50 ألف وبين 100 ألف ليرة سورية. وقد شهد محامي صديق تطبيق تلك الغرامة أمامه وإصرار الشرطي رغم توسل المواطن المروع من الجوع أنه لا يملك هذا المبلغ؛ لكن استطاع الإتصال ببعض الأصدقاء ليؤمنوا له مبلغ المخالفة مئة ألف ليرة.

إنها قمة المهزلة والظلم حقاً أن تجد في كل شوارع اللاذقية خاصة عند صرافات قبض الراتب وعند مراكز توزيع المساعدات الغذائية حشداً من السوريين المتلاصقين يزيد عددهم عن 400 شخص أو 500 بانتظار توزيع الراتب، وترى سوريين يبيعون الخضار والفاكهة والبطاطا في سوزوكي. وفي الأحياء الشعبية مثل قنينص وفي ساحة مديرية التربية ترى بسطات كثيرة وعلاقات ثياب على حامل معدني تبيع الأبسة المستعملة أي البالة. كل هذا لا يعني الدولة السورية لا يهمها بشيء بل المهم هو الحجر التام الساعة 6 في المنزل . أما بالنسبة لأهل القرى والمناطق المجاورة والبعيدة نسبياً عن مدينة اللاذقية؛ فقد انتظر بعضهم ساعات حتى حان دوره في قبض الراتب لكن من سوء حظهم إنتهى الدوام وقاربت الساعة الثانية وربعاً ظهراً فقالوا لأهل القرى عودوا غداً. البعض انتابه حالات هستيرية حقيقية لدرجة أن رجلا في السبعين من عمره هده من التعب والوقوف بانتظار الراتب أخذ يلطم وجهه ويلعن حياته ويقول كل انتظاره من أجل راتب تقاعدي 18 ألف ليرة وبأنه دفع نصفها في المواصلات. الكل يتساءل (وأنا منهم) هل حقاً الحكومة السورية حريصة على صحة المواطن السوري! وحين ترى تلك الحشود في النهار وحتى الساعة 2 ظهراً متلاصقة لساعات بانتظار ربطة خبز أو كيس رز ألا ترى خطر كورونا! ومعظم هذه الحشود في ساحة 8 آذار وقرب مخفر الشيخ ضاهر حيث توجد مراكز توزيع (مخفر الشيخ ضاهر – ومشفى الأسد الجامعي) ألا تعنيها صحتهم قبل الساعة 2 ظهراً؟  أقسم لي بعض الموظفين أنهم انتظروا أكثر من 8 ساعات حتى قبضوا رواتبهم، لأن الجوع كافر ولأن الموت من الجوع أخطر وأكثر من الموت بكورونا. أما الأصرار على أن يُغرم المواطن السوري الذي بالكاد يسد جوع أولاده بالخبز بـ 100 ألف ليرة أو خمسين ألف ليرة ( حسب مزاج الشرطي ) إذا وجد خارج منزله بعد الساعة 6 والإصرار على هذه الغرامة فهو برأيي باب للنصب واضح ولا يمكن تفسيره بطريقة أخرى! الآن أصبحت حياة المواطن تهمكم بعد الثانية ظهراً؛ فتحبسونه في البيت بدون كهرباء (حيث بلغ انقطاعها 5 ساعات متواصلة) وبدون ماء ساخن.

 كما أصدرت الحكومة السورية قراراً بمنع التنقل بين مدينة اللاذقية والقرى المحيطة بها بعد الساعة الثانية ظهراً؛ وكلنا نعرف أن ريف اللاذقية بأسوأ حالة ولا توجد فيه خدمات طبية أبداً. لنفرض أحد هؤلاء المواطنين أصيب بجلطة قلبية أو انفجار في الزائدة الدودية أو نوبة ربو وكلها حالات تستدعي الإسعاف السريع ما يعني وجوب أن يكون المريض في غرفة العناية المركزة خلال عشر دقائق، فكيف يتصرف أهل القرى؟ سألت فقالوا لي هناك خطوط ساخنة يتصل بها المواطن وهذه الخطوط الساخنة لا تجيب! وإذا حدثت معجزة وردت على شكوى المواطن فإن اتخاذ الإجراءات اللازمة لإسعاف المريض تستغرق وقتاً يكون فيه المريض قد انتقل للحياة الأخرى. أما الغلاء الفاحش فأمر لا يُصدق إذ يومياً يزيد سعر كل السلع الاستهلاكية مئات الليرات، أصبح كليلو البطاطا بـ 1200 ليرة وكيلو اللحم بـ 15 ألف ليرة وكيلو ليمون الرتقال بـ 1200 ليرة وكيلو ليمون الحامض بـ 1600 ليرة. حتى البصل سعر الكيلو 1000 ليرة. ورواتب الاحتقار هي ذاتها 30 أو 40 دولاراً في الشهر. والتموين لا يبالي ولم يشهد أحد أن التموين حاسب تاجراً على زيادته للأسعار. أترك لأخوتي السوريين الذين التقيهم كل يوم التعبير عن حالتهم.

عامر: التقيت بعامر، 40 سنة أستاذ للمرحلة الإبتدائية حين كان يقف في طابور لأكثر من 300 مواطن سوري (رجال ونساء ومجندون) عند بوابة مؤسسة استهلاكية في شارع 8 آذار؛ سألته: ماذا تنتظر؟ أيه مادة سيوزعون؟؛ فرد بغضب لم يستطع إخفاءه: الخبز. وأشار إلى شاحنه عملاقة ممتلئة بربطات الخبز، وقال لي: عيشة كلاب يا محلى الأفران. صحيح كنا نقف طوابير على باب الأفران لكن كان هنالك شيء من تنظيم، كان هناك (على باب الأفران) ثلاثة كوات أو نوافذ: نافذه للرجال وأخرى للنساء وثالثة للعساكر (الجنود)؛ لكن الدولة السورية أرادت أن تخفف الضغط على الأفران واحتكاك الناس ببعضهم فأقامت مراكز لتوزيع الخبز وغيرها من المواد كالسكر والرز وزجاجة الزيت النباتي وكما ترين الازدحام على مراكز التوزيع أكثر بكثير من الازدحام على الأفران. عامر طاش صوابه من الغضب ولعن ذل العيش وقال لي: أصبح الخبز رديئاً جداً، غير مخبوز بشكل كاف. سألت عن السبب أحد العاملين في الأفران فقال لي بأنهم يفتقدون للمازوت ولا يكفي المازوت الشحيح لإنضاج الخبز فتخرج الأرغفة قبل أن تنضج.

هذا المشهد، أي إزدحام الناس الكبير (أكثر من 300 شخص) على أبواب المؤسسات الإستهلاكية أو مراكز توزيع المعونات نراه في كل زوايا اللاذقية، وتبدو إجراءات العزل كإغلاق المدارس والجامعات والمقاهي كنكتة. فمقابل مخفر الشيخ ضاهر في اللاذقية الملاصق لثانوية جول جمال التي تحولت إلى خرابة وثكنة عسكرية هنالك أيضاً مركز توزيع معونات كالسكر والأرز ويحتشد المئات من السوريين بأجساد متلاصقة لاستلام المعونات على البطاقة الذكية، بينما كل المقاهي المجاورة مُغلقة بقرار حكيم من الدولة السورية بمنع التجمعات حفاظاً على صحة المواطن من فيروس كورونا!

وداد: هي أم لأربعة أطفال التقيتها تصرخ وتبكي في صيدلية، المسكينة فقدت أعصابها لأنها قصدت أكثر من عشر صيدليات بحثاً عن دواء للغدة الدرقية؛ فهي مصابة بفرط نشاط الغدة الدرقية والدواء مقطوع (مثل الكثير من الأدوية الرئيسية). تحدثتُ إليها وحاولتُ مواساتها ونصحتها أن تلجأ إلى مشافي الدولة عسى يؤمنون لها الدواء، واعتقدت أن الدواء متوفر في المشافي، قالت لي: لا تواخذينني، أشعر أنني امرأة شريرة صرتُ أضرب أولادي بقسوة ثم أندم وأبكي والسبب أنني منذ ثلاثة أشهر لا أتناول دواء فرط نشاط الغدة الدرقية فهو مقطوع، وهذا يسبب لي تسرعاً في القلب ورجفة في الأيدي وعصبية شديدة. وأضافت بأن كل الصيدليات التي قصدتها وعدتها أن تؤمن لها الدواء، لكن كل صيدلي أعطاها سعراً مُختلفاً. ويشتكي العديد من السوريين في اللاذقية الذين التقيتهم من جشع الصيادلة وكيف يتحكمون بسعر الدواء ويضاعفون سعره حسب مزاجهم ولا أحد يحاسبهم.

فواز: 44 سنة محامي عديم الضمير مُرتش وبارع في الكلام، تجمعني به معرفة قديمة، اعترض طريقي بوقاحة وأراد أن يمنعني من التقاط صور لحشد من المواطنين في اللاذقية ينتظرون توزيع السكر؛ فتحديته وقلت له بأي حق تمنعني من التقاط الصور! قال: أنت تشوهين صورة بلدك وعيب عليك نشر الغسيل الوسخ! ذكرني كلامه بخطاب الأجهزة الأمنية. كلهم مولعون بعبارة (عيب نشر الغسيل الوسخ). قلت له بسخرية: المفروض أن تدافع عن شعبك لأنك محامي والمحامي يدافع عن الحق و…. لم يتركني أكمل صرخ بوجهي: أتسمين هذا شعباً هؤلاء حمير وبقر تأمليهم كيف يقفون كالقطيع بانتظار ربطة خبز أو كيس سكر. وهؤلاء البقر والحمير غير مدركين خطورة فيروس كورونا وسيتسببون لنا بكارثة في حال انتشر الوباء! امتصصت غضبي بالسخرية منه وقلت له: عجيب كيف تصف شعبك بالحمير والبقر. تأكد هؤلاء يعرفون تماماً خطر فيروس كورونا ويعرفون تماماً أنهم يعرضون حياتهم للخطر لكنهم مضطرون، وعلا صوتي: هل تعرف معنى (مضطرون)، لأن أعلى راتب في الدولة السورية 30 دولاراً وأقصى راتب 50 دولاراً، لذا هم مضطرون لتحمل الذل واحتمال الإصابة بمرض كورونا المميت لأنهم وأطفالهم جياع . أنت وأسيادك لم تجربوا شعور الجوع فالجوع كافر. وكان “محامي الشعب” قد وضع صورة على صفحته على الفيس لرجل يبدو كبدوي يلبس رداء أبيض وبيده عصا وبجانبه حمار يجره غصباً إلى الزريبة وكتب تحت الصورة هكذا تضطر الدولة السورية للتعامل مع الشعب السوري الحمار في اللاذقية بأن تجبره على الحجر في المنزل. قلتُ له بمناسبة الصورة لو أن الدولة السورية تحب شعبها وحريصة أن تحجره في المنزل كي لا يصاب بالأمراض لكانت أعطته راتباً على الأقل 400 شو إسمو (أي دولار لأن اسم الدولار في سوريا الشو اسمو واسم الكورونا ذات الرئه) وكل شيء في هذا الوطن له اسمان. قال لي: يا للعار تشوهين صورة مدينتك وتنشرين صوراً بشعة ومهينة عنها. قلت له: معك حق الحقيقة موجعة. ومن هذا الحبق شتلات كما يقولون ومثل المحامي عديم الضمير هناك كثيرون مثله. لا أحد يجرؤ على كتابة أو قول: أية إجراءات عزل هذه وحجر الناس في بيوتها وإغلاق المدارس والجامعات الخ، والناس يحتشدون بالمئات على أبواب مراكز توزيع المعونات الإستهلاكية!

أحمد: 30 سنة يسكن في قرية قرب اللاذقية ويعمل في البناء (معلم باطون)، أي أنه يضطر أن يخرج من بيته كل يوم ومدخوله من المال يومي، في اليوم الذي لا يعمل به لا يقبض مالاً. كان في حالة نفسية شبه منهارة وهو يقول: كيف سألزم المنزل! يجب أن أعمل كل يوم لأطعم أطفالي، لو أن الدولة تعطيني (وأمثالي) تعويضاً بدل حجرنا في البيت ثم إن قريتنا (كمعظم القرى) ليس فيها الحد الأدنى من الخدمات، وأي إجراء ظالم ولامنطقي منع المواصلات! والميكروباصات من القرى إلى اللاذقية، افرضي انتابنتي جلطة قلبية! ماذا أعمل! لا قدرة لدي لأطلب تاكسي لا أملك المال! كيف سيتم إسعافي، وأنت تعرفين الجلطة القلبية تُميت بدقائق إن لم يتم إسعافها. ماذا يفعل أبناء القرى وقد عزلوهم في بيوتهم ولا توجد أية خدمات صحية ولو اضطروا لأسباب كثيرة صحية وخدمية أن يسافروا إلى اللاذقية فلا توجد مواصلات! لو أنهم يعقمون الميكروباصات المهترئه وحالتها مزرية ولا يسمحون إلا لثلاثة أشخاص بركوبها يكون هذا حلاً معقولاً، أما أن يحجرونا في منازلنا ويقطعون المواصلات بالكامل فهذا يعني أن نموت مما يمكن أن نتعرض له .

سالم: موظف في مؤسسة المياه لا يلتزم بالحجر الصحي على الإطلاق. يقصد كل يومين سوق الخضار المركزي في اللاذقية ويدخل إلى دهاليزه الداخلية وهي عبارة عن دهاليز أو أزقة ضيقة جداً موغلة في القذارة وسخام الزبالة وتتراص فيها بسطات الباعة الذين يبيعون الخضار والفاكهة واللحوم وغيرها من المواد الغذائية بأسعار أرخص قليلاً من الدكاكين الأنيقة. سالم يقضي كل يوم ساعتين في تلك الدهاليزليشتري مثلاً كيلو البطاطا بـ 900 ليرة بدل ألف ليرة في الدكاكين الأنيقة، مصعوقاً من ارتفاع الأسعار الجنوني حيث صار سعر كيلو الليمون الحامض 1600 ليرة سورية، وسعر البيضة 70 ليرة سورية وسعر كيلو اللحم 14 ألف ليرة سورية، وهو لا يشتري اللحم أبداً وأولاده لم يذوقوا اللحم منذ سنتين كما قال لي. يعرف سالم أي خطر يحدق بصحته في دهاليز سوق الخضار المركزي في اللاذقية، وهو ليس فقط خطر الكورونا بل خطر كل أنواع الجراثيم والفيروسات لكنه مضطر أن يشتري من هذا السوق القذر ليطعم أطفاله كي لا يموتوا من الجوع. يسأل سالم أين التموين؟ أين جمعية حماية المستهلك! هل هنالك حقاً جمعية لحماية المستهلك!

طفل سوري لا يزيد عمره عن خمس سنوات، يعتلي حاوية قمامة طافحة بالزبالة وينكش فيها بحرية. أرجوه أن ينزل، فلا يبالي بي، أغويه بالمال فلا يبالي؛ حواليه عدة قطط تنبش معه في القمامة في شارع 8 آذار أي مركز اللاذقية ومعظم حاويات القمامة الثلاث المتلاصقة المتخمة بالزبالة عند الباب الخلفي لمشفى الأسد الجامعي الذي تحول إلى المشفى العسكري وتحول المشفى العسكري الكبير إلى مركز لتركيب الأطراف الاصطناعية للمتضررين من الحرب. وقد شهد معظم سكان اللاذقية الشاحنة العملاقة وقد امتلأت بكل أنواع الأطراف الاصطناعية ولم يكلف أحد نفسه أن يغطيها بقماش. منظر هذه الشاحنة أوهن الشعور القومي للمواطن السوري إلى الحضيض؛ شعر كل من شاهدها أن مصيره قد يكون إنساناً معطوباً تهتم به الدولة وتهديه قدماً اصطناعية أو يداً اصطناعية أو عيناً زجاجية ترأف به كي لا يرى وحشية الواقع. طفل الزبالة نراه في كل مكان وفي معظم الحاويات. الموجع أنه في كل بلدان العالم حتى في لبنان الشقيق فإن حاويات الزبالة تكون مبطنة بأكياس خاصة من النايلون السميك وحين إفراغها يتم استبدال كيس الزبالة بكيس جديد نظيف؛ ما عدا في سوريا (اللاذقية) حاويات الزبالة مُقرفة ويفرشها سخام من القذارة وهي مستودع نموذجي ومثالي لتكاثر كل أنواع الجراثيم والفيروسات. المؤلم أن ترى عاملاً في اللاذقية موظفاً في البلدية على الأرجح يرش الشوارع بمادة معقمة الله أعلم ما هي، ويتطاير رذاذ المادة المعقمة فوق سخام حاويات الزبالة، وحول الحشد من 300 سوري أجسادهم متلاصقة بانتظار توزيع معونة غذائية! لوحة جميلة بوجعها، أعلى درجات المرارة والسخرية تعقيم الحشد الشعبي. ومن الضروري أن نذكر أن محلات بيع الدخان وكل أنواع معسل الأركيلة لم تُغلق ولم يُتخذ قرار بإغلاقها. ومن المهم أن نذكر أن الحشد الشعبي على أشده عند كوات الصرافات الآلية لقبض الراتب، وبأن بعض المصارف الخاصة اتخذت إجراءات وقائية بأن يدخل مواطن واحد فقط إلى المصرف وثمة موظف يلبس قفازات ويضع كمامة على أنفه وفمه يقيس حرارة المواطن ويرش في يديه مادة معقمة، لكن حشد المواطنين عند باب المصرف كبير ولا توجد أيه مسافة أمان بين شخص وآخر. وحين صرخ بهم موظف المصرف ابتعدوا قليلاً عن بعضكم، أجاب أحد المواطنين لو ابتعدنا كل منا عن الآخر مسافة مترين لوصل الرتل إلى أستراليا. وأخيراً ولأن شر البلية ما يضحك فقد أخبرني زملائي الصيادلة أن الشعب السوري بحالة لهاث لتموين السيتامول (دواء ضد الصداع)، هستيريا تموين السيتامول تدل على أن الكثير من السوريين انعطب تفكيرهم من المعاناة كما لو أن السيتامول سيقيهم من آلام رأس قادمة في زمن العزل.

 مسكين يا شعبي ألم تشعر بالصداع إلا في زمن كورونا فتعلقت بقشة اسمها سيتامول؟