ماذا عن حصة السوري من السمك؟

ماذا عن حصة السوري من السمك؟

اعتاد مصطفى في صغره على تناول وجبة سمك أسبوعياً. كان الباعة يجلبون أنواع مختلفة طازجة إلى ريف إدلب، حيث قضى طفولته إلى أن أصبح شاباً. يقول: “أبي يحب السمك وأنا أيضاً. لم تكن الأسعار تدعو إلى القلق في تلك الفترة”.
يقيم مصطفى في دمشق منذ سنوات، واظب على عادة شراء السمك مرة كل عدة أشهر، لكن مع تضخم الأسعار في السنوات الأخيرة، بالكاد يشتري كيلوغرامين في السنة. يضيف الطالب الجامعي البالغ من العمر أربع وعشرين عاماً لـ”صالون سوريا”: “مرت سنتان دون أن أتذوق طعم السمك، لا أفكر كثيراً بنوع الطعام، المهم أن يكون رخيص الثمن”.
ارتفعت أسعار الأسماك المنتجة محلياً بأنواعها في عام 2021. في أسواق محافظة اللاذقية بلغ سعر كيلو سمك (البوري) نحو 15 ألف ل.س (أربعة دولارات أمريكية)، و(لقز حفش) بين 20 إلى 25 ألف ل.س، و(الفريدي) بين 25 و30 ألف ل.س، و(الأجاج بلدي) 30 ألف ل.س (8.5 دولار)، بينما وصل سعر مبيع بعض الأنواع، مثل: (لقز رملي) إلى 110 آلاف ل.س (31 دولاراً) للكيلو الواحد.
تضاعف سعر سمك (البلميدا) ثلاث مرات تقريباً مرتفعاً من ثلاثة آلاف ل.س إلى عشرة آلاف ل.س للكيلو الواحد، ويعدّ من الأنواع الشعبية الرائجة بين المواطنين/ات، وبخاصة في محافظات الساحل السوري لانخفاض ثمنه بالمقارنة مع الأسماك الأخرى.
وبالنسبة لأسواق دمشق يباع كيلو سمك (أجاج) بـ 34 ألف ل.س، وسمك (لقز) بسعر 27 ألف ل.س (7.7 دولار)؛ أما سمك (سلمون: ترويت) فيباع بسعر 15 ألف ل.س لكل كيلو، وسمك (المشط) بـين 12 و16 ألف ل.س. وسمك (البوري) بـ 15 ألف ل.س. وسمك (زبيدي) بـ 40 ألف ل.س (11 دولاراً أمريكياً). وتختلف الأسعار حسب نوع السمك ومصدره بحرياً أو نهرياً.
ويبلغ نصيب الفرد من الأسماك المنتجة محلياً في سورية أقل من كيلوغرام واحد سنوياً، بحسب تصريحات لمسؤولين في “الهيئة العامة للثروة السمكية”، وهي الأدنى عربياً وعالمياً قياساً بالمعدل العالمي (20 كيلو غراماً)، بينما وصل نصيب الفرد في مصر إلى 19 كيلو غراماً تقريباً، بحسب تصريح رئيس “الهيئة العامة للثروة السمكية” المصرية خالد السيد في نيسان/أبريل 2020، طبقاً لموقع الهيئة الإلكتروني.
وبحسب بيانات “المكتب المركزي للإحصاء” تراجع الإنتاج الكلي للصيد البحري والنهري في سورية من 18 ألف طن في 2007 إلى أقل من خمسة آلاف طن في 2019 (بيانات أولية).
يشتهي حسن (رب أسرة يقيم في منطقة دمر بدمشق) أحياناً شراء أي نوع من السمك، وعلى الرغم من أن سعر بعض الأنواع منخفض، لكنه لا يثق بمصدرها؛ إذ تبدو من ملمسها غير طازجة إطلاقاً، كما أن الأسماك ليست متوفرة بشكل دائم، ولها أماكن بيع محددة في مركز مدينة دمشق، مثل: باب سريجة وشارع الثورة.
يقول حسن: “إن سعر ثلاثة كيلو غرامات من الأنواع اللذيذة التي تصلح للشوي يتجاوز 100 ألف ل.س (28.5 دولار). لا يمكنني في الحقيقة تحمل كلفة وجبة تشبع عائلتي ليوم واحد فقط”.
وشملت تقلبات الأسعار اللحوم الحمراء والبيضاء معاً، حيث وصل سعر كيلو الفروج في أسواق دمشق إلى ثمانية آلاف ل.س (دولاران أمريكيان)، وسعر كيلو لحم الأغنام إلى 30 ألف ل.س (8.5 دولار)، ولحم العجل إلى 24 ألف ل.س (سبعة دولارات)، ما حرم قسماً كبيراً، وبخاصة الفئات الهشة في المجتمع السوري من البروتين الحيواني.
وتعتمد سورية في إنتاج الأسماك على ثلاثة مصادر رئيسة: أولها الصيد البحري، وثانيها الصيد الداخلي في المياه العذبة، والمصدر الثالث هو المزارع السمكية عن طريق الاستزراع السمكي. بحسب كلام مدير عام “الهيئة العامة للثروة السمكية” السابق محمد زين الدين لـصحيفة “الثورة” المحلية في 2012.
ويذكر تقرير “حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2020” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” أن الإنتاج العالمي للأسماك بلغ حوالي 179 مليون طن في عام 2018، واستعمل 156 مليون طن من المجموع الكلي للاستهلاك البشري، ما يساوي معدل إمداد سنوي بحدود 20.5 كلغ للفرد الواحد.
وتشير “الفاو” في تقريرها “حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في العالم لعام 2018” إلى أن السمك يمثّل نحو 17 في المائة من البروتين الحيواني المستهلك بشرياً، حيث يوفر نحو 20 في المائة من البروتين الحيواني الذي يحتاجه أكثر من ثلاثة مليارات إنسان على وجه الكرة الأرضية، ويمثل السمك مصدراً مغذياً جداً، ويساعد بشكل خاص على مواجهة نقص المغذيات الدقيقة.
وتعاني الثروة السمكية في سورية من جملة تحديات أبرزها: الصيد الجائر واستخدام وسائل الصيد غير المشروعة، مثل: الصعق الكهربائي واستعمال السموم والتفجير بالديناميت. كما يواجه الصيادون ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم بما يمكنهم من تطوير مراكبهم وأدواتهم؛ إلى جانب جفاف المخازن المائية للمسطحات المائية، وعزوف بعض المربين عن تربية الأسماك لارتفاع التكاليف، بحسب تصريحات إعلامية سابقة لمسؤولين في الثروة السمكية وصيادين.
ومنحت “وزارة النقل” في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 أول ترخيص لإنشاء مزرعة سمكية عائمة على شاطئ جبلة بريف اللاذقية، ويمتد المشروع على مساحة 18 دونماً برية، و15 دونماً بحرية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 400 طن سنوياً.

كيف يستحم أهل دمشق؟

كيف يستحم أهل دمشق؟

بالكاد خرجت من فمه عبارة “مسا الخير”، بينما كانت الابتسامة هاربة من وجهه. هكذا كان حال “أحمد” عندما أتى الى لقاء أصدقاء له في مقهى شعبي على أطراف دمشق، رغم أنه معروف بطبعه المرح ونكاته الظريف.
الوجوم الطاغي على وجه الطالب الجامعي، أثار الفضول لدى أصدقائه لمعرفة ما به، وما الذي قلب حاله، إذ بادروا بعد جلوسه على الكرسي مباشرة إلى توجيه الأسئلة إليه لمعرفة ما به ومنها: “شبك يا رجل؟، حدا معكر مزاجك؟، حدا زعجك ؟ رحلك شي؟، حدا من العيلة صرلوا شي؟، بدك شي؟، روّق يا زلمة. انسى، صحتك بالدنيا”.
صمت الشاب وعدم رده على الأسئلة، أثار فضول أصدقائه أكثر لمعرفة ما به، ومع إلحاحهم عليه، رد “أحمد” بالقول، “الحياة صارت كتير زفت. كتير مقرفة. يا جماعة حتى الحمّام (الاستحمام) صار بالزور. صار حلما”، ويضيف: “مي مافي، وإذ جبت مي مافي كهربا ولا مازوت ولا كاز ولا غاز، وشلون الواحد بدو يتحمّم”، ويتابع: “يا جماعة صرّلي تلت (ثلاثة) أسابيع بلا حمّام. ريحتي طلعة وصرت استحي من الناس”.
أحد الجالسين على الطاولة، بادر للتخفيف عنه بالقول، “روّق يا زلمة. كلو متلك. صحتك بالدنيا (…) بدك تنسى الحمّام صار رفاهية ممنوعة علينا. نيالك يلي عم تلحق تشرب مي، نحنا مية الشرب مو لحقانيين، وبمية يا ويلاه عم نعبّي كم قنينة”.

قائمة طويلة
“الاستحمام” الذي يبدو أنه أُضيف إلى قائمة أساسيات كثيرة خرجت من استهلاك وعادات الدمشقيين، ومنها “الإنارة الجيدة، وكأس ماء بارد في لهيب الصيف، والشعور بالدفئ في شتاء برده ينخر العظام، وطبخة محترمة، وملئ بطونهم بالطعام، ومشاهدة حلقة من مسلسل تلفزيوني، وكوي بنطال أو قميص، وركوب تكسي ووو”. وتشير تصريحات الحكومة إلى أنها كانت تحسدهم عليها وتمنّ عليهم بها على اعتبار أنها “رفاهيات”، سبب خروجه الرئيسي هو حصول أزمة حادة في توفير المياه للمنازل عبر الشبكة الحكومية، وزياد طين معاناة الأهالي بلة، بسبب انقطاع التيار الكهربائي في معظم أحياء المدينة لفترة طويلة تصل ما بين 6 – 10 ساعات (حسب تصنيف الحي وطبيعة سكانه)، ووصله لساعة يتخللها عدة فترات انقطاع، تمتد كل واحدة ما بين 5 – 10 دقائق، وذلك في بلد كانت المياه فيه قبل عام 2011 تصل إلى المنازل على مدار اليوم ، وتلبية الطلب على الكهرباء فيه عند مستوى 97 في المائة، لتنخفض حاليا إلى مستويات غير مسبوقة وتصل إلى نحو 15 في المائة، بحسب خبراء.
الحكومة التي دأبت على تحميل العقوبات الغربية مسؤولية أزمات توفر مقومات العيش الأساسية للمواطن الذي صارت حياته كلها أزمات “خبز، بنزين، مازوت، كهرباء، غاز منزلي، مياه، دواء، مواصلات، متابعة الدراسة، ثلج وووو”، أعلنت منذ فترة بعيدة عن برنامج تقنين للمياه في دمشق وريفها، بحيث تضخها إلى المنازل في أحياء العاصمة بشكل يومي لمدة أربع ساعات تختلف فترتها من حي لأخر، على حين يتحدث سكان من ريف دمشق بأن المياه لا تصل إلى منازلهم إلا يوم واحد أو يومين في الأسبوع ولمدة ساعتين أو ثلاثة، وتحل الطامة الكبرى على الأهالي إن كانت الكهرباء التي لا يرونها إلا ساعة واحدة كل يومين أو ثلاثة مقطوعة في فترة ضخ المياه.

شكوى بحرقة
“أم سمير” ربة منزل ولديها بنت وطفلان، تشكو بحرقة من عدم وصول المياه إلى منزلها في الطابق الثالث من البناء الذي تسكن فيه بأحد أحياء دمشق الجنوبية، وتقول بحسرة لـ”صالون سوريا”: “احيانا بتجي الكهربا نص ساعة لما بيكون دورنا بالمي، و(حينها) الجيران بتتسابق على تشغيل الميتورات (مضخات المياه)، لتعبئة الخزانات ونحنا بنشغل الميتور بس ما بتطلع المي لعنا لأنو ضعيفة، ومنروح نترجى هاد الجار وهادك الجار لنعبي من عندون كم بيدون للشرب والطبخ ودورة المياه”.
“المصيبة أنو مع قلة الحمام صارت الأولاد تهرش بحالها، وتحك برأسها وتنق بدها تتحمم” على حد تعبير ربة المنزل التي تضيف، “ما عندي قدرة أعبي كل يوم من الصهاريج (500 ليتر بـ5 آلاف ليرة)، وكل أسبوع أو أسبوعين ببعت واحد على بيت عمو وواحد على خالتو أسمو ساكنين بالأرضي بتجي المي عندون والكهربا أحسن شوي من عنا، وبتحمموا على الماشي، وأنا بدبر راسي كمان عند خواتي”.
الحال عند “فريدة” وهي أم لأربعة أطفال، وتعيش في حي يقع غرب العاصمة، أفضل نوعا ما، ذلك أنها تقطن في الطابق الأرضي وتتمكن “بطلوع الروح” في فترة ضخ المياه من الشبكة الرئيسية إلى المنازل من تعبئة حوالي نصف الخزان، لكنها تشكو لـ”صالون سوريا” من عدم تمكن أفراد العائلة من الاستحمام في يوم واحد وتقول، “مازوت ما عنا لنحمي الحمّام، وبنص ساعة كهربا ما بتلحق المي تسخن ودوبا تفتر فتور، وبحمّم كل يوم واحد بسطل مي، والله وكيلك طول (فترة) الحمّام الولد يصيح من البرد، وبس بدو يخلّص ويروح يلف حالوا بحرام. يعني الواحد شو بدو يعمل بعين الله”.

اربع خناقات
“أم وليد” لم تجد حرجا في الإفصاح لـ”صالون سوريا” عما يحدث في منزلها بسبب قلة المياه وصعوبة الاستحمام، وتقول “كل يوم عم تصير أكتر من 4 خناقات بالبيت والصياح بيصل للسما على دور الحمّام (الاستحمام)، بين الأولاد وبينهم وبين أبوهم، كلون بدون يتحمّموا بنفس اليوم، وأنا بقول للكل: هيك ما بيمشي الحال لا في مي تكفي ولا في كهربا ولا مازوت ولا غاز نسخن المي”، وتضيف “واحد بتحجج أنو بدو يروح على الجامعة، ووحده بقول بدها تروح لعند رفقاتها البنات، والزلمة بقول خلو شوية مي مشان الوضوء، وبالزور لحتى يهدى الوضع، ويتحمّم صاحب النصيب”.
الوضع السابق لا ينسحب على كافة السوريين، الذين تؤكد منظمات دولية وأبحاث ودراسات أن 94 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، فالنسبة المتبقية تتكون من الأغنياء القدامى و”أمراء الحرب” و”أثرياء الحرب” و”حديثي النعمة” و”المسؤولين الفاسدين”، وهؤلاء من البديهي أنهم يمتلكون مولدات كهربائية ضخمة وبعضها وضع أمام الأبنية في الشوارع لأنه لا مجال لوضعها داخل المنزل بسبب ضخامتها، وهم يمتلكون النفوذ الكافي للحصول على الوقود اللازم لتشغيلها، وبالتالي الحصول على كميات الماء التي يريدونها في ساعات الضخ وتسخين المياه من خلالها والاستحمام ببرميل وليس بسطل ماء، هذا إن لم يذهبوا إلى حمامات السوق التي تصل فيها أجرة الاستحمام للشخص الواحد ما بين 10 – 15 ألف ليرة.

* الصورة من “فرانس برس” في 16 ديسمبر

مناطق السيطرة العسكرية في سوريا

مناطق السيطرة العسكرية في سوريا

تنقسم سوريا، البالغة مساحتها 185 كلم مربع، الى ثلاث “مناطق نفوذ”

واحدة تشمل ثلثي الاراضي، تحت سيطرة الحكومة بدعم روسي وايراني

الثانية، تشكل حوالى ربع المساحة، وتحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية -العربية بدعم من التحالف الدولي بقيادة اميركا

الثالثة، تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، وتضم حوالى 10 في المئة من مساحة سوريا، اي ضعفي مساحة لبنان

الحياة اليومية في دمشق… دون كهرباء

الحياة اليومية في دمشق… دون كهرباء

أصبحت الكهرباء الشغل الشاغل للناس. تتحكم في أبسط تفاصيل حياتهم، أعمالهم، زياراتهم ومواعيد نومهم واستيقاظهم. يعيشون يومهم وفق مزاجها الذي يتفنَّن في قهرهم وتعذيبهم وهدر وقتهم وطاقاتهم.
أزمة الكهرباء الحاضرة بقوة طيلة السنوات الماضية، تفاقمت في الآونة الأخيرة بشكلٍ كبيرٍ فكانت الأسوء على الإطلاق منذ بداية الحرب، إذ أصبح متوسط ساعات التغذية الكهربائية ساعة أو ساعة ونصف في أحسن الأحوال مقابل خمس ساعات قطع قد تزيد في بعض الأحيان.

مهن شُلَّت
ورشات الخياطة والنجارة والحدادة، المعامل والحرف والورش الصناعية وغيرها الكثير والكثير من المهن والأعمال كانت ضحية الإنقطاع الطويل للكهرباء الذي أدى لشلل بعضها وتوقف بعضها الآخر عن العمل بشكل نهائي، وهو ما أثَّر سلباً على أصحابها وعلى العاملين فيها حيث تراجع إنتاجهم بشكلٍ كبيرٍ أو فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.
النجار أبو طارق (54 عاما)، اضطرته أزمة الكهرباء للاستغناء عن ثلاثةٍ من عمال ورشة النجارة الخاصة به، ويحدثنا عن معاناته اليومية في العمل فيها: “طوال فترة العمل نحظى بساعة كهرباء في أحسن الأحوال، وهي لا تكفي للقيام بأي عمل يذكر، لذا تراجع عملنا بنسبة 70 % وبتنا نعتذر عن تلبية الكثير من الطلبات”. ويضيف : “نستعين أحيانا بمولدة كهرباء صناعية، لكنها لا تخدمنا بما يكفي وتحتاج للمازت الذي بات من الصعب تأمينه، وإن وجد في السوق السوداء فسيكلفنا الليتر منه نحو أربعة أو خمسة آلاف ليرة وهو ما يُحملنا نفقاتٍ إضافيةٍ تجعل عملنا غير مُجدٍ”.
الواقع ذاته أجبر الخياط أبو ربيع (47 عاما) على إغلاق ورشة الخياطة التي ورثها عن أبيه بعد انعدام الإنتاج وتفاقم حجم الخسائر، فقام ببيع ماكينات الخياطة وجميع محتويات الورشة التي كانت تؤمن عملاً لنحو سبعة عمال، ليتخلى بذلك عن تلك المهنة بشكل نهائي، ويفتتح دكاناً صغيراً يُجَنبه عناء الانتظار والتعب واللاجدوى.
الشاب سامر (39 عاما) صاحب مصبغة لغسل وكوي الثياب، بدوره حذا حذو أبو ربيع فأغلق المصبغة، التي أصبح العمل بها لا يعود عليه سوى بالتعب والخسائر واستياء الناس من أداء عمله وعجزه عن تلبية طلباتهم، ثم باع بعض محتوياتها ليسافر بثمنها إلى أربيل، علَّه يجد عملاً مجدياً يمكنه من عيش حياةٍ كريمة.

أزمة مياه خانقة
الإنقطاع الطويل للكهرباء أثَّر سلباً على عمل المضخات المركزية التي تضخ المياه من المصادر الرئيسية إلى الشبكات التي تغذي الأحياء والحارات وهو ما خلق أزمة كبيرة في وصول المياه إلى البيوت التي بدورها شُلّ عمل المضخات الخاصة بها، ما أجبر الكثير من الناس على نقل عشرات الغالونات من أماكن مختلفة إلى بيوتهم أو على شراء المياه من سيارات الباعة الجوالين لتعبئة خزاناتهم الفارغة، خاصة في المناطق المحيطة بالعاصمة وذات الكثافة السكانية الكبيرة كمدينة جرمانا، حيث تنتشر سيارات بيع الماء التي تمتد خراطيمها إلى خزانات الطوابق العليا وعليك أن تنتظر لساعات طويلة ليلبي الباعة حاجتك نتيجة الضغط الكبير عليهم، والذي أدى لارتفاع سعر برميل الماء بشكل كبير، وصل إلى نحو خمسة آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً مالياً إضافياً على الناس الذين بالكاد يتدبرون لقمة عيشهم.
ويحدثنا أبو ريان (58 عاما) أحد سكان مدينة جرمانا عن معانته مع تلك الأزمة، قائلا: ” لنحو عشرين يوماً لم تصل المياه الرئيسية إلى بيتي إلا فيما ندر، ورغم التقنين الكبير في استهلاك الماء نحتاج أسبوعياً لنحو خمسة براميل، وهي سعة خزاننا المنزلي، الذي اضطررنا خلال الأسبوعين الماضيين لتعبئته مرتين عبر شراء الماء من إحدى السيارات بتكلفة 50 ألف ليرة، وإذا ما استمر الحال على ذلك النحو فسنحتاج 100 ألف ليرة شهرياً لشراء الماء، أي ما يعادل نصف دخلي الشهري الذي أدفعه بالكامل إيجاراً للمنزل الذي أسكنه وعائلتي”.

الاستحمام والغسيل
“لكي نستحم علينا أن ننتظر ساعات طويلة وربما أياماً. لم يعد الأمر متاحاً في أي وقت، إذ بات أفراد عائلتنا يتناوبون على الاستحمام على مدار أيام الأسبوع، فساعة واحدة من الكهرباء لا تكفي لتسخين الماء في سخان الحمام، لذا نلجأ أحياناً لتسخين الماء بواسطة وعاء كبير نضعه على النار ونقنن في استهلاكه قدر الإمكان، وكثيراً ما نضطر أنا وبعض أبنائي الخمسة للذهاب إلى بيت أختي لكي نستحم هناك”. هكذا تصف أم فادي (61 عام) معاناتها التي تشبه معاناة معظم الناس الذين باتت الكهرباء تتحكم في أوقات استحمامهم بل وتحرمهم أيضاً من غسل ثيابهم، بعد أن أصبحت الغسالات شبه عاطلة عن العمل، وهو ما أجبر الكثير منهم على العودة إلى الطرق البدائية كحال أم فادي: “منذ شهرين وحتى الآن أغسل الثياب بشكل يدوي، أتذكر جدتي وألعن التطور والتكنولوجيا، فالغسالة الأوتوماتيكية تحتاج لأكثر من ساعة لتنهي غسل وجبة الثياب التي قد تبقى في داخلها لساعات طويلة وأحياناً لأكثر من يوم وهي مغمورة بالماء ومسحوق الغسيل ما قد يؤدي إلى تلفها السريع مع مرور الوقت”.
وإلى جانب ذلك تخلى معظم الناس عن كوي الثياب واستخدام المكنسة الكهربائية والخلاط وغير ذلك من الأدوات، فيما نسوا مشاهدة التلفاز الذي أصبح مجرد ديكور منزلي لا نفع له.

طبق شوربة عدس
نتيجة صعوبة توفير الغاز المنزلي يضطر كثير من الناس، لكي يطهو طعامهم، إلى استخدام الطباخ الكهربائي، ولكن الأخير بات يخذلهم في الآونة الأخيرة، لذا استغنوا عن تحضير كثيرٍ من الأطعمة التي يحتاج طهوها لوقتٍ طويل.
وتروي لنا ربة المنزل أم سعيد (47 عاما) معاناتها في تحضير طبق شوربة العدس: “وضعتُ طنجرة العدس على الطباخ الكهربائي عند الساعة الواحدة ظهراً، وهو موعد التغذية الكهربائية التي يُفترض أن تستمر لساعة ونصف، وقبل أن يسخن ماء الشوربة انقطعت الكهرباء بعد عشر دقائق من مجيئها، ثم مر الموعد دون أن تعود، فكان عليَّ انتظار موعد التغذية المسائية عند الساعة السابعة لأكمل تحضير الشوربة، لكن الكهرباء خذلتني مرة أخرى إذ لم تأتِ سوى عشرين دقيقة”. وتضيف: “بقي العدس في الطنجرة حتى الساعة الواحدة في انتظار موعد التغذية الليلية. وبعد ثلاثة عشرة ساعة من الانتظار المؤلم والتوتر نضجت الشوربة أخيراً عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يتكمن أطفالي الصغار، الذين ينامون باكراً، من تذوقها”.
المؤونة تغيب عن الثلاجات
حبوب البازيلاء والفول والحمص والذرة، اللحوم المتنوعة، ورق العنب، الكبب والبُرك، مشتقات الألبان، وغير ذلك من المؤونة التي تعتبر ثقافة سورية متوارثة تميز بها المطبخ السوري، والتي اعتاد الناس على تخزينها في ثلاجات بيوتهم لتوفر عليهم الكثير من الجهد والأعباء الإقتصادية، وتتيح لهم تحضير الأطعمة المتنوعة في أي وقت. تلك المؤونة لم تنجُ بدورها من لعنة الإنقطاع الطويل للكهرباء الذي أدى إلى تلف الكثير منها ليُجبر الناس على رميها في القمامة، بعد أن تعبوا في تحضيرها وأنفقوا الكثير من المال لشراءها. وتحت وطأة تلك الأزمة استغنى معظمهم عن الاعتماد على الثلاجة التي أصبحت شبه خاوية وتحولت لما يشبه الخزانة بعد عجزها عن التبريد، فباتوا يكتفون بشراء كميات قليلة من الأطعمة ليُحرموا بذلك من إحدى العادات التي لطالما كانت تُغني مطابخهم.

معاناة أخرى
يضطر كثير من طلبة الجامعات والمعاهد للذهاب إلى المكتبات والمقاهي، التي يتوفر فيها مولدة كهرباء، ليتمكنوا من الدراسة ومتابعة مشاريعهم التي تحتاج لاستخدام الكومبيوتر والدخول إلى مواقع الإنترنت، وهو ما حمَّلهم أعباءً جسدية ومادية إضافية تفوق طاقتهم. وفي الليل يُجبر بعضهم على الدراسة على ضوء الشموع أو الهواتف المحمولة في كثير من الأحيان، حالهم كحال معظم طلاب المدارس، فوسائل الإنارة البديلة التي تعمل بالشحن، لم تعد تفي بغرضها حيث ينفذ شحن البطاريات في أي لحظة.
وإلى جانب ذلك تحولت أغلب الشوارع إلى مكان للاختناق والتلوث السمعي حيث تكتظ الأرصفة بالمولدات الكهربائية التي يُشغِّلها بعض أصحاب المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية وغيرها، والتي تجعجع طوال الوقت لتصدِّع رؤوس المارة ويطغى ضجيجها على أحاديثهم وتخنقهم بدخانها الذي يلوِّث الهواء بكثافته. وفي الليل تغرق معظم الشوارع وخاصة الفرعية، في ظلمة دامسة، تجعلها موحشة ومخيفة في بعض الأحيان، وتجبرك على الإستعانة بضوء هاتفك المحمول أو بضوء القداحة كي لا تتعثر أو تصطدم بشيٍ ما في طريقك.
سنوات مرّت ومازالت أزمة الكهرباء الهاجس الأول لدى الناس الذين يعانون ويتذمرون وينفعلون وهم ينتظرون فرجاً كهربائياً ما، حتى بات أحد أحلامهم أن ينعموا بقسطٍ وفيرٍ من كهرباء مستقرة لا تخذلهم في كل وقت.

رحلة على طريق دمشق-القامشلي… وحواجزها

رحلة على طريق دمشق-القامشلي… وحواجزها

أكثر من 700 كيلو متراً، هي المسافة الفاصلة بين شمال شرق سوريا وجنوبها، لكن تلك المسافة ليست المعاناة الوحيدة لعابري ذاك الطريق الملتصقين بكراسيهم طوال الوقت، بل يضاف بينها ما يعانيه المسافرون براً من صعوبات فرضتها ظروف الحرب السورية وتبدل خرائط السيطرة بين أطراف الصراع.
اضطر علام (45 عاماً) وهو من مدينة القامشلي ومقيم في دمشق منذ حوالي العامين، للسفر إلى قريته في ريف القامشلي، ويقول لــ”صالون سوريا”: “خلال سفري شعرت وكأني غريب عن هذه البلاد بدءً من المعاملة السيئة على الحواجز وليس انتهاء بطرق تفتيش أقل ما يقال عنها تشبيحية” من حواجز المسلحين.

حواجز
تنتشر على طريق دمشق -القامشلي حواجز مهمتها “تشليح الناس وليس حمايتها”، بحسب إفادة علام، ويضيف، “أنَّ كل حاجز يتفنن في طريقة إذلال الناس وقهرها ناهيك عن مشقة الطريق وعناء ساعات السفر التي تصل لحوالي الــ 24 ساعة ذهاباً ومثيلتها إياباً”.
ويعاني مسافرون يسكنون في دمشق في تنقلهم إلى مسقط رأسهم في القامشلي وغيرها من مدن شمال شرق سوريا من -فرض الإتاوات عليهم ومن تعرض أمتعتهم الشخصية وما يحملونه من أغراض -للتفتيش من قبل حواجز الجيش السوري بشكل عشوائي يتلف أغراضهم وفقاً لعدد من المسافرين التقاهم “صالون سوريا”. وذكر الرجل الأربعيني أنَّ من بين أغراضه الشخصية التي تعرضت للتمزيق أثناء التفتيش من قبل أحد الحواجز “لحف وبطانيات” بحجة وجود شيء ما بداخلها. وقال: “لم يكلف العنصر نفسه حتى فتح الكيس وإلقاء نظرة عليه بل مزقه بسكين كانت بيده”. ويفيد بأن هذه الأغراض لها قيمة غاليه عنده كونها من تجهيزات عرسه منذ حوالي الخمسة عشر عاماً. لكن لا حول ولاقوه، وفقاً لتعبيره.

مضايقات
علام ليس حالة فريدة، بل هذا حال أغلب العابرين لهذا الطريق، فمنى ابنة مدينة الحسكة لم تنجُ من أسئلة عناصر حاجز أثريا عن سبب ذهابها لمدينتها، وتقول: “تولدي المسجَّل على هويتي مدينة دمشق” لكنها من سكان الرقة منذُ طفولتها حتى غادرت المدينة في العام 2013. وأضافت منى (33عاماً) وهو موظفة بنك خاص في دمشق لــ “صالون سوريا” بأنَّ “أخوها مسافر في الإمارات منذ العشر سنوات وطلب منها إحضار والدتها المقيمة في الرقة إلى دمشق بهدف ذهابها إلى دبي في زيارة لولدها”. وتقول بإنَّ من بين الأسئلة الموجهة لها تدخل في باب التحرش اللفظي والعنصري كــ “صبية حلوة متلك شو بياخدها على الرقة”.
وتذكر بحرقةً أنها لم ترَ والدتها منذ حوالي الثلاثة سنوات تجنباً للسفر إلى مسقط رأسها والمعاناة التي تحصل معها على طريق الرعب كما تصفه الشابة الثلاثينية.

اتاوات
أما خالد الشعيبي ورغم أنه يعمل قاضي في محاكم ريف دمشق بعد تخرجه من المعهد القضائي التابع لوزارة العدل فأن “حصانته القضائية لم تنجه من التفتيش والتفتيش”. يقول لــ “صالون سوريا”، ويضيف، “قام عنصر بتفتيش شنتاية لابتوبي وطلب مني تشغيله كي يرى ما يوجد بداخله”. وأفاد، بأنَّه شهرياً يسافر إلى الرقة ويتعرض لهذه المضايقات التي تختلف في طريق عودته إلى دمشق، إذ يضطر هنا لدفع (أتاوة) على بعض الأغراض التي بحوزته. ويقول لــ “صالون سوريا” ” في إحدى سفراتي جلبت معي تنكة زيت زيتون”، لكنَ العنصر قال له “الزيت ممنوع نقله بالبولمان”، وهي إشارةً إلى أن العنصر يريد “مصاري” بحسب تعبير القاضي الذي اضطر لدفع مبلغاً من المال 16 ألف ليرة”.
لا يختلف الواقع كثيراً على المقلب الآخر، حيث سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تنتشر حواجزها على طريق مناطق سيطرتها، ويقول الشعيبي لــ “صالون سوريا” “يمر سكان المنطقة الشرقية على حواجز قسد تقريباً بنفس إجراءات التفتيش وبعض المضايقات للشبان الذين هم في سن التجنيد”. ويؤكد، بأنَّ من يسافر من مناطق سيطرة دمشق وقيده المدني غير تابع للمنطقة الشرقية يحتاج إلى إجراءات روتينية وكأنك داخل إلى دولة أخرى، ومنها “الكفيل والشاهد” من أحد أبناء المنطقة.

طريق دمشق -القامشلي
في العام 2017 أُعيد فتح الطريق البري الوحيد الذي يصل مناطق شمال شرقي سوريا بالعاصمة، وذلك بعد سيطرة دمشق على أغلب المناطق الواقعة على طرفي الطريق والتي خسرتها في العام 2013.
ويشكل هذا الطريق البري منفذاً رئيسياً لأهالي الجزيرة للوصول للمحافظات والمناطق السورية الأخرى، إضافة للطريق الجوي عبر مطار القامشلي في الحسكة.
وتنطلق رحلات الحافلات من دمشق باتجاه القامشلي والرقة عبر طريقين لكل منهما، حيث يمر طريق دمشق -القامشلي من نقطة الانطلاق بدمشق عبوراً بحلب ثم القامشلي -قراقوزات، بينما يمر طريق دمشق -الرقة عبر أثريا وصولاً للطبقة ومنها إلى الرقة.

رحلة طويلة وغالية
قد تستغرق الرحلة من دمشق إلى القامشلي وبالعكس براً حوالي الـــ 18 ساعة، وقد تصل إلى 24 ساعة حسب ظروف الطريق وطريقة التفتيش على الحواجز والمعابر الواصلة بين بداية الخط ونهايته، على أنها كانت تستغرق حوالي الــ 9 ساعات قبل الحرب بالعام 2011.
وتبلغ قيمة التذكرة للشخص الواحد حوالي 32 ألف ليرة بحافلات رجال الأعمال و25 ألف ليرة بالحافلات العادية ويجتاز الراكب أكثر من 15 حاجزاً ونقطة تفتيش إضافة للحواجز الطيارة، أي غير الدائمة والتي تظهر فجأة على الطريق في حين كان سعر التذكرة قبل الحرب 500 ليرة.
بالمقابل، هناك من يسافر عبر الطائرة العسكرية التي تنقل بضائع مقابل 50 ألف ليرة وواسطة كي يحجز مكاناً. وهناك من يضطر نظراً لظروفه لدفع مبالغ مالية تتجاوز الـ 350 ألف ليرة للحصول على حجز طيران عبر شركة أجنحة الشام.

يوم في حياة عائلة نازحة في ادلب

يوم في حياة عائلة نازحة في ادلب

كثيراً ما نسمع عن قصص وحكايات وأوجاع لعائلات نازحة، تعيش في المخيمات ومراكز الإيواء، تفتقر لأبسط مقومات الحياة وأشكال الرفاهية في شمال غربي سوريا، معظمها قريبة من الحدود التركية، بعضها يقع في مناطق جبلية وعرة، ولكل عائلة نازحة في هذه المخيمات حكايتها وظروف معيشتها اليومية التي يطغى عليها مشهد الفقر والتقشف والبساطة.
“صالون سوريا” امضى يوماً مع احدى هذه العائلات في مخيم الأمل بالقرب من مدينة الدانا شمال إدلب، وضمن خيمة لا تتجاوز مساحتها الداخلية الكلية 10 أمتار مربعة. هنا يعيش أبو محمد (42 عاما) وزوجته وأولاده الستة الصغار، (نازحون من ريف حلب الجنوبي قبل نحو 5 سنوات)، حياةً بسيطة رغم مرارة العيش، لايملكون فيها أي شيء من تكنولوجيا العصر سوى بطارية صغيرة وسلك كهربائي معلق بلمبة صغيرة بقياس 12 فولتا، مربوطة بلوحة شمسية صغيرة مركونة على جدار الخيمة وموجهة بإتجاه الشمس لتحصل البطارية على الطاقة من أشعة الشمس يومياً.

خيمة… منزل
عملت الزوجة أم محمد ذات الثلاثين عاماً، على تحويل الخيمة إلى أشبه بمنزل صغير متواضع، فوضعت الغاز عند باب الخيمة من الداخل، وإلى جانبه بعضاً من أواني الطبخ البسيطة ضمن صندوق بلاستيكي (سحارة). وفي الجهة الثانية، وضعت قطعة خشبية مخصصة لوضع الأغطية والفرش بعد أن تستفيق أسرتها صباحاً، بينما فرشت أرض الخيمة بقطعة سجاد متهالكة وبعض الاسفنجات والوسائد، ومع كل صباح تبدأ الحكاية
أبو محمد، نزح من قريته بريف حلب الجنوبي قبل نحو 5 أعوام، عقب هجوم بري شنته قوات دمشق وإنتهت بالسيطرة على المنطقة حينئذ، ولجأ مع أقاربه إلى هذا المخيم، بالقرب من مدينة الدانا شمال إدلب، وحصل على فرصة عمل في أحد معامل الطوب (البلوك) في المنطقة.
مع ساعات الصباح الأولى من كل يوم (صيفاً وشتاءً)، يسيتيقظ وزوجته و أولاده (محمد 14 عاماً وحسن 13 عاما). فأبو محمد وأولاده يذهبون إلى وعاء مملوء بالماء عند باب الخيمة الخارجي، ويغسلون وجوههم. أما أم محمد، تُعد وجبة الإفطار مما توفر (صحن من الزيت النباتي وإلى جانبه صحن من الزعتر وبعض الأرغفة من الخبز وإبريق الشاي)، وأثناء تناول وجبة الإفطار يتمازحون ويضحكون ويتحدثون عن ما ينوون القيام به من أعمال خلال اليوم.
ومع إنتهاء تناول الطعام، كل منهم يذهب لإرتداء ملابس العمل والإستعداد للذهاب إلى العمل وسط أجواء من المزاح والضحك. فأبو محمد يسلك طريقه مشياً على الأقدام بإتجاه معمل الطوب. أما محمد وحسن يذهبان سوياً إلى واحدة من المدن القريبة (الدانا وسرمدا) بحثاً بين أكوام القمامة في شوارع المدن عن ما يستحق البيع من (مواد بلاستيكية ونايلون أو نحاس)، طيلة ساعات اليوم وحتى المساء، بينما أم محمد تبقى في الخيمة بإنتظار طفليها الصغيرين أن يستفيقوا من النوم لتعد لهم وجبة الإفطار ذاتها التي تناول منها زوجها وأبنيها، قبل الذهاب للعمل.

ام ومديرة
تقول أم محمد: “أعيش وأسرتي في المخيم منذ خمس سنوات إلى الآن نمطاً واحداً من الحياة لا غير، (إعداد الطعام والغسيل والجلي)، وغالباً ما أعده من طعام، يكون من المخصصات الإغاثية التي نحصل عليها شهرياً، (إما برغلاً أو عدساً أو معكرونة)، وذلك قبل الظهيرة. أما عند المساء أجلس مع جاراتي ونتبادل الأحاديث بالظروف المعيشية التي نعاني منها يومياً وأحاديث اخرى عامة، وبعدها أعود إلى خيمتي، وأعمل على تسخين الماء، ومع وصول زوجي وأولادي، أنهمك بتحضير الألبسة النظيفة لهم وإستحمامهم، وبعد ذلك نجلس جميعاً ونتاول العشاء، وبذلك يكون الظلام ملئ المكان، ونمضي ساعة أو أكثر نتبادل فيها الأحاديث، عن ما جرى معهم من أحداث أثناء العمل، وبعدها يذهب كل منا إلى النوم”.
وتفخر “أم محمد” بنفسها وترى أنها هي المسؤول الوحيد عن إدارة شؤون أسرتها في المأكل والمشرب والملبس والأشياء الأخرى التي تخص الأسرة، في الوقت الذي يمضي فيه زوجها بالعمل طيلة النهار وعلى مدار العام. وتقول: “عندما يعود زوجي من العمل يقوم بإعطائي ما جمعه من نقود خلال العمل بنقل الطوب في اليوم، وعادة يكون المبلغ بين 30 إلى 40 ليرة تركية، وكذلك أبنائي أيضاً فهم يقومون بشكل يومي بإعطائي ما تم جنيه من مال خلال عملهم في اليوم، بعد بيع ما تمكنوا من جمعه من أشياء (بلاستيكية ونايلون وخردة)، وأكون بذلك المسؤولة عن تدبير وإدارة شؤون الأسرة”.
وتضيف، “المرأة السورية وتحديداً النازحة مع أسرتها، تجد نفسها مسؤولة مباشرة عن أسرتها، فغالباً أرباب الأسر يذهبون للعمل منذ الصباح حتى المساء ليتمكنوا من جني النقود لإعالة أسرهم، وبذلك تلقى كامل المسؤولية في تدبير الأسرة من تربية وخدمات على عاتق المرأة، بينما سابقاً (قبل النزوح) كانت الحياة بالنسبة للمرأة أسهل بكثير، فالرجال يعملون في الزراعة والصناعة والتجارة في القرية التي نعيش فيها، وتكون ساعات العمل أقل بكثير من الآن، وهذا يخفف على المرأة أو ربة الأسرة الكثير من الأعباء في تربية الأطفال وتلبية متطلبات الأسرة اليومية، فمثلاً عندما يشكو أحد الأطفال من عوارض مرضية أو يصاب بضيق تنفس أو أي أذى، أذهب به إلى الطبيب ومن ثم إلى الصيدلية وجلب الأدوية، وأعود إلى الخيمة وأتابع العناية بحالته الصحية، فضلاً عن أنني المسؤولة عن شراء إسطوانة الغاز والأشياء الأخرى كالطعام والملابس، ومع ذلك لا أشعر زوجي بأي ضيق أو ملل، بل على العكس تماماً”.

حياة دون توقف
من جهته، قال أبو محمد: “منذ 5 أعوام وحتى الآن لا أذكر أنني تعطلت عن العمل يوماً واحداً، سوى أيام الأعياد، وبت أشعر مؤخراً بآلام وأوجاع في الظهر والمفاصل، نتيجة عملي المجهد، ولكن بالرغم من ذلك، لا أسمح للرغبة في التعطل عن العمل أن تنال مني، فذلك يعني أنني عرضت أسرتي للجوع والفقر أكثر، فعطلتي ليوم واحد قد يؤدي إلى فقدان إسطوانة الغاز في خيمتنا لأيام، أو لا تجد أسرتي ثمن ربطة الخبز أو ثمن الدواء فيما لو أصاب أحد أبنائي مرضاً، عدا عن متطلبات فصل الشتاء من وسائل تدفئة وغيرها، ومع ذلك أشعر في بعض الأوقات بحزن عميق، كوني لا أرى أولادي وزوجتي سوى ساعة أو ساعتين كل يوم قبل النوم، وفي اليوم التالي أذهب باكراً في الوقت الذي يكون فيها طفلين من أسرتي نائمين”.
ويضيف، “قبل النزوح كنت أملك حوالي 20 دونماً من الأرض الزراعية في بلدي، وأعمل في زراعية القمح والشعير والخضار سنوياً وأحصل في نهاية العام على مبلغ أستطيع من خلاله العيش وأسرتي بحال ميسورة جداً، بينما اليوم وفي ظل النزوح والمعاناة والمصاعب التي نواجهها يومياً من غلاء وغيره، يتطلب منا العمل يومياً دون كلل أو ملل لنؤمن قوت أسرنا ومتطلباتها”.
وأشار” تعرضت منذ عدة أشهر إلى كسور بأصابع قدمي نتيجة سقوط قطعة طوب عليها أثناء العمل، وبالرغم من الألم الشديد الذي أصابني حينها، إلا أنني تابعت العمل حتى نهاية اليوم، وأثناء عودتي إلى أسرتي عملت زوجتي على تضميدها بعد تدليكها بالماء الساخن والصابون، وفي اليوم الثاني عدت إلى العمل، وتحملت الألم لأيام”.
وختم “أحمد الله وأشكره أنه رزقني زوجة صالحة، حملت معي جزءً كبيراً من أعباء الحياة وتربية الأولاد في النزوح”.

خردة ونايلون
أما محمد وحسن، فتحدثا قائلين: ” فضلنا العمل على التعليم، فأحياناً لا يتمكن والدنا من جني نقود كافية لسد حاجتنا وتأمين ما يلزمنا في العيش، وكنا نعيش ظروفاً صعبة للغاية، ولذلك قررنا العمل بجمع الخردة والنايلون والبلاستيك المستعمل من كل مكان في المدن والقرى المجاورة للمخيم، وبيعها للإستفادة من ثمنها ومساعدة والدنا على كفاية الأسرة وتلبية إحتياجاتها اليومية”.
وأضاف محمد، “نذهب كل يوم صباحاً ونتجول في شوارع المدن بين الحاويات وأكوام القمامة بحثاً عن أشياء لها ثمن كـالنايلون والبلاستيك والنحاس والحديد، وفي نهاية اليوم نذهب بالأشياء التي قمنا بجمعها إلى أحد المراكز لشراء الخردة ونبيعها، ونحصل بالمقابل على ثمنها الزهيد الذي لا يتجاوز 20 ليرة تركية، ونعود بعد ذلك إلى المخيم”.
وزاد “هناك كثير من العائلات في المدن والقرى القريبة، لا تقوم برمي الأشياء غير اللازمة أو غير الضرورية في منازلهم بالحاويات إلا في المساء، ولذلك غالباً ما نتأخر بالعمل بحثاً عن تلك الأشياء، ونعود إلى المخيم بعد حلول الظلام”، لافتاً، “كثيراً ما نتعرض للإهانة والتهكم من بعض الأشخاص في الشوارع والأسواق، وآخرون ينظرون لنا بعين الاشمئزاز لمظهرنا وثيابنا المتسخة، فضلاً عن تعرضنا أيضاً لحوادث سير بسيطة، تنتهي بخدش في اليد أو القدم، وكلها تدعو إلى الإحباط والحزن والجلوس إلى جانب الرصيف لبرهة من الزمن ونحن ننظر إلى الناس والمارة، وسرعان ما نتجاوز تلك الحالة ونعود للعمل مجدداً بإصرار”. وأضاف، “أتمنى أنا وأخي أن يتوفر لوالدنا عمل أفضل من عمله الحالي، بأجور أكبر، قادرة على تأمين متطلبات عائلتنا، ونترك هذا العمل ونعود لمقاعد الدراسة في المدارس من جديد”.