بواسطة وداد سلوم | سبتمبر 4, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق آفاق. استطاعت فيها أن تكسب تعاطف القارئ ومشاعره، وأن توصل رسالتها عن معاناة الإنسان السوري عبر حرب طويلة كان لمدينتها النصيب الأكبر منها.
فعبر عشر قصص هي قوام المجموعة، تقدم صورة عن حياة الناس، ملتصقة بهموم المهمشين الذين يتلقون صدمات العالم في كل الأزمات؛ ممن فقدوا بيوتهم جراء القصف، وتعثرت حياتهم جراء الفساد ورجاله الذين يتاجرون بقضايا البشر ولقمة عيشهم في السلم والحرب، وما آلت إليه حياة السوريين في رحلتهم إلى اللجوء والمنافي، ومعاناة أولئك الذين علقوا في المكان، متغلغلة إلى العمق النفسي للإنسان الذي نجا من الموت لكنه لم ينجُ من الحياة، حيث تضيق الأزمة الاقتصادية الخناق على الناس، وتزيد آلام الفقد بالفقر وفقدان المأوى… وصولاً إلى تلك الكآبة الساكنة في وجوه العالقين تحت سقف الوطن، وقد انهار على أحلامهم وامتص حياتهم بلقمة العيش، حتى صار الناس، كما تقول في إحدى القصص، يتحركون ببطء وبأقدام ثقيلة، كأن الحياة تحولت إلى أوزان مربوطة بأجسادهم.
تقدم الهاشمي صوراً متنوعة ومتعددة من واقع المعاناة السورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال بأسلوب تهكمي ساخر يمنح المجموعة مسحة من الكوميديا السوداء، وكأن الكاتبة، إذ تتكئ على السخرية، تستعير أسلوب مدينتها حمص، المعروفة بالنكتة الحاضرة دوماً. والسخرية هنا محاولة لاستيعاب الواقع المجنون الذي ألقى بكل ما هو إنساني خلفه. فكما يقول فولتير: «السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب على أمره».
وبين الواقع المؤلم والخيال الخصب، وفي حبكة بسيطة تمزجها بالتهكم والسخرية، تقدم المفارقات الكاشفة عن قسوة الواقع وشدة الألم، بأسلوب رشيق وسرد شيق وماهر يمسك بعواطف القارئ ويهزها في الأعماق.
وإذ تصف الخراب المادي في المدينة والدمار، تتلمس الخراب النفسي والعاطفي لأولئك الذين يسكنونها، وما تخفيه الوجوه والابتسامات والملامح الجامدة.
تأخذ المجموعة عنوانها من قصة «محاولات إصلاح العالم»، في مقاربة لفكرة روبن هود. فالبطلة تحاول إصلاح الأمور في محيطها بحسب رؤيتها وفهمها لمنظومة الفساد والظلم القائمة، بعد أن خسرت والدها الذي اعتُقل بسبب تشابه الأسماء ولم يعد أبداً، وخسرت فرصة التعلم بسبب النزوح من جهة إلى أخرى هرباً من القذائف التي تمطر المدينة، كما خسرت الرجال الذين أحبتهم لأنها تعمل عاملة تنظيف. الأمر الذي سمح لها بأن تكون العنصر الخفي الذي يرى ولا يُرى، مما يتيح لها التصرف دون أن يشك بها أحد، خاصة في مكانين: الأول في مبنى إذاعة خاصة يديرها أحد رجال الطغمة المالية المتكسبة من تجارة المخدرات، والثاني في مشفى عام.
تفضح الكاتبة بنية المجتمع الفاسد الذي يتاجر فيه أصحاب النفوذ بكل شيء، من المخدرات والرقيق الأبيض إلى الأطفال. وبلغة رشيقة وسرد ممتع، تحمل القارئ عبر مفاجآت لا يتوقعها إلى تلك العوالم المظلمة حيث يكون الموت نعمة، وحيث تنقذ تلك الفتاة البسيطة كل ما تستطيع. لكن، في الحقيقة، لا يمكن للبطولة الفردية أن تكون حلاً، وقد لا تنجح دوماً، فبينها وبين الجريمة خيط رقيق قد يتحول فيه البطل إلى مجرم.
في قصتها الأولى «حياة مستعملة»، تنطلق من حكاية بسيطة مؤثرة لتقول لنا إنه في بلاد تنتهك حياة الفرد وخصوصيته، لا حياة حقيقية نختارها، بل إن أبسط الحقوق يتم اغتيالها، وتتحول الحياة إلى زمن علينا عبوره ولو بأسماء غيرنا. فهي ترث اسم أختها الميتة، وميلادها، وألعاب أخواتها. حتى إن لحظات الانفعال العاطفي والتعاطف صارت باهتة وفاقدة للشغف، أما القلوب فباتت باردة، بل كالمطاط الذي صار صلباً من دون ليونته التي أخذ منها اسمه، لكثرة الضغوط التي تطبق عليه. وترى أن كل عمليات التجميل لن تستطيع إخفاء الوجوه الميتة من الداخل.
الباب الثامن للمدينة
وفي قصة «تتسرب من سقف المدينة»، تصف الحي المدمر بفعل القصف، والأبنية التي سُرقت منها حتى قضبان الحديد، بينما تسكن البطلة وسط هذا الدمار. تخبرنا كيف تنشر ليلاً المشاعر المكبوتة مع الغسيل على السطح، وكأنها جنية طيبة آتية من الحكايات، إلى أن تقودها الصدفة إلى إنقاذ كاتب شاب من محاولة الانتحار، فتعده بنقل قصص الناس إليه ليكتبها؛ أولئك الذين تراهم في عملها البسيط في تغليف السكاكر، بعد أن فشلت في إيجاد عمل لها كمرشدة سياحية.
وتتحول معه إلى مرشدة سياحية تقوده إلى التعرف إلى المدينة وناسها. فكما تقول: للمدينة سبعة أبواب، والثامن هو الأهم، ألا وهو باب حكايات الناس.
تشبه السماء بسقف رُتقت ثقوبه بالنجوم اللامعة، بينما يرتق الناس ثقوب سقف حياتهم بالذكريات، ولهذا، حين تجف، تنزّ آلاماً جديدة.
الكوميديا السوداء والخيال الغرائبي
تتناول الهاشمي تلك الجوانب المسكوت عنها في خضم الأحداث، وهي ما تمارسه منظمات يُفترض أن تكون اليد التي تقدم المساعدة للناس، لكنها للأسف لا تتخلى عنهم فقط بعد مدة الاستعراض، بل تستغل قصصهم أيضاً.
ففي قصة «المسابقة العالمية» تعرّج على الإذلال اليومي الذي يتعرض له الضحايا في أماكن النزاعات على أيدي المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية، التي تقوم بتقليص المساعدات شيئاً فشيئاً بسبب الرصيد المحدود، بينما تتكاثر بؤر النزاع والحروب في العالم. وفي مفارقة مدهشة، تقدم حلاً ساخراً، وهو إجراء مسابقة عالمية بين نماذج من المعاناة في العالم لتحديد الأحقية في نيل المساعدات، ثم تحويل ذلك إلى مهرجان وتظاهرة عالميين يتبارى فيهما الضحايا بإبراز قصصهم وشدة معاناتهم لنيل المعونات.
وهذا كله سيكلف أموالاً باهظة كان من الأجدر صرفها على غذاء هؤلاء المحتاجين إلى لقمة العيش، في إشارة ساخرة إلى فساد هذه المنظمات ومتاجرتها بآلام الناس تحت الشعارات الطنانة. فكرة جريئة تقدمها في قالب من الكوميديا السوداء، وبتفاصيل مدهشة مدروسة بعناية.
يتخذ الفقد في قصص ليلى ألواناً عديدة مستوحاة من الواقع؛ فهو فرار من التجنيد تارة، أو موت بطلقة طائشة، أو فرار إلى حي آخر، أو مدينة أخرى، أو بلاد بعيدة. وكثيراً ما بقي في البيوت كبار السن يسلّون وحدتهم بتربية قطة، على سبيل المثال. وفي قصتها «ألف باء مياو» نرى كيف أجلست المعلمة قطها لتعلمه بدلاً من تلاميذها.
أما في قصة «جرعة كيف»، فتمزج الغرائبية والخيال بالواقع، حيث توزع الحكومة على المواطنين مكملات غذائية كالخبز، في إشارة إلى كيفية حقن الأدمغة بالأفكار التي تخدمها والسيطرة عليهم من خلالها، عقلياً وجسدياً، إذ تحولهم إلى أجساد منومة تدب على الأرض وتطلب المزيد من تلك المكملات وكأنها تدمنها.
حتى إنها تشير إلى فكرتها التي تؤمن بها، وهي قول كونديرا عن عدم أخذ العالم على محمل الجد لأننا فاقدو القدرة على تغييره. ففي قصة «حلوى السخرية» تتحدث عن فساد التعليم الذي حرمها من الدراسات العليا، ودفعتها حاجتها إلى الشوكولا لمقاومة خيبتها إلى فكرة صناعة الحلويات، محولة كتبها ودفاترها إلى وقود لفرن بدائي، تخبز عليه حلويات تسميها باسم الكاتب أو المبدع الذي أحرقت كتبه؛ فمثلاً «حلوى وليم» لأنها أحرقت مسرحيات شكسبير تحتها، أو حلويات شو، أو كيكة تشارلي، وهكذا.
وتستخدم مهارتها الأدبية لتضيف لكل خلطة طعماً مميزاً، وكأنها تعطي رأيها بالكاتب، مشيرة إلى تلك الذائقة التي تمنحها القدرة على ربط كل نوع أدبي بطعم ونكهة خاصين، في مهارة لافتة في انتقاء الفكرة، لن تجيدها إلا امرأة تتذوق الأدب بكل حواسها. وتطعم تلك المهارة بمكرها الخاص حين تجمع اسمها إلى كلمة تتأرجح بين اسم الكيك واسم السخرية بالإنكليزية: «ساركازيم»، ليصبح اسم معملها البدائي الصغير.
تمرر ليلى في سردها إشارات إلى حساسية أنثوية متدفقة تضاف إلى تلك المهارات، فتقول مثلاً: «هل يجب أن نحرق كل ما نحب كي ننضج؟».
في النهاية، اكتفت بأنها قد خدشت وجه القوانين في مدينة ذهب نصفها إلى الدمار، واستمرت.
أنسنة الحيوان والأشياء
حاولت الهاشمي أنسنة الأشياء، كما أنسنت القط الذي تعلم على يد المعلمة التي ربته، وكذلك في قصة «الصدأ»، حين تتحدث بصوت اللغم الذي نُسي في أحد الأبنية المدمرة وصار يتشهى الانفجار ولو بواسطة زلزال.
وفي قصة «حقيبة خفيفة» نرى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع. فأهل المدينة، حمص، احتفظوا دوماً بحقيبة خفيفة تحمل المستندات والحاجيات الضرورية في كل هروب، ومع تكرار ذلك ملّوا، وحين جاء الزلزال لم يهتموا، إذ تساوت الأشياء في قيمتها وضرورتها، ولم يعد لديهم ما ينقذونه سوى أنفسهم.
لا تعرف المرأة الوحيدة في القصة ما ستأخذه في الحقيبة، بينما يأتيها المخاض أثناء الزلزال، وترى أن أغلى ما لديها هو الجنين. تصور الهاشمي بطلتها تجلس في الحقيبة مع طفلها الذي أتى وسط السائل الأمنيوسي، وتطفو كروح غادرت مع سكان المدينة الذين يسبحون فوق بخار كأنه السائل الذي يحفظهم، في مجاز لحلم الولادة المنتظرة التي ستنقذهم.
قصص ليلى الهاشمي ممتعة؛ تحول الواقع السوداوي إلى مزحة، وتشد عواطف القارئ ومشاعره من أذنها في تشويق مستمر وسرد جميل ومؤثر، تحلق فيه من دون ترهل أو استفاضة، مطعمة سردها بلغة أدبية مميزة من دون أن يكون ذلك على حساب الفكرة أو الصياغة.
مجموعة تستحق الاهتمام والقراءة. ويُذكر أن للكاتبة روايتين قصيرتين: الأولى بعنوان «أربع تذاكر للهروب»، والثانية بعنوان «حمم باردة».
بواسطة عايدة جاويش | أغسطس 25, 2026 | Culture, Poetry, Reviews, بالعربية, مقالات
الجسد لغة للوجود
قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله امتزجت سيرتها بالقصيدة، وتحوّل ألمها الشخصي إلى سؤال يتجاوز حدود التجربة الفردية.
لم تكتب سنية صالح عن المرأة من موقع الدفاع عنها، بل كتبت من داخل تجربتها؛ من المكان الذي يتقاطع فيه ضعف الجسد مع الرغبة في الحرية، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. لذلك لم يبقَ الجسد في شعرها مجرد موضوع، بل أصبح العين التي ترى بها العالم، والجلد الذي تلمس به الأشياء.
من الجسد بدأت قصيدتها، لا لتروي سيرته، بل لتتلمس فيه معنى الوجود؛ في ألمه، ورغبته، وهشاشته، وفي ما يتركه الزمن عليه من آثار.
الجسد الذي وُلد في الهامش
لم يبدأ إحساس سنية صالح بالتهميش مع الكتابة أو المرض، بل ارتبط بلحظة ميلادها نفسها. ففي إحدى شهاداتها تقول إنها جاءت إلى العالم بعد وفاة شقيقها الذكر الوحيد: «وُلدتُ لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد، وكأنني جئت لأسدَّ فراغًا لا يُسدّ».
تكشف هذه العبارة عن بداية مبكرة في تشكّل وعي سنية بأنوثتها؛ فقد جاء حضورها إلى العالم في لحظة كان فيها غياب الابن الذكر هو الحدث الأثقل، وكأن وجودها ارتبط منذ البداية بفراغ لم يكن بإمكانها أن تملأه.
ومن هنا لم يكن التهميش عند سنية موقفًا اجتماعيًا طرأ عليها لاحقًا، بل خبرة مبكرة ارتبطت بموقعها كأنثى داخل الأسرة. غير أنها لم تحوّل هذه الخبرة إلى خطاب للدفاع عن نفسها، بل إلى سؤال أعمق عن ذاتها وحقها في أن تعرّف نفسها بنفسها.
أعباء الجسد
عاشت سنية صالح سنوات طويلة وهي تواجه أعباء الأسرة والمرض ومتطلبات الحياة، في الوقت الذي كان فيه الشاعر محمد الماغوط يرسّخ مكانته في المشهد الأدبي العربي. وهنا لا تعود المسألة مجرد علاقة زوجية، بل تصبح سؤالًا عن العمل الذي تقوم به المرأة خلف حياة المبدع، والذي لا يدخل عادةً في حساب الإنجاز الأدبي.
لم يكن الماغوط غافلًا عن دور زوجته، بل اعترف به بعد رحيلها في واحدة من أكثر كلماته إيلامًا، حين كتب:
«منذ ثلاثين سنة وأنتِ تحملينني على
ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملكِ بضع خطوات إلى قبرك».
هذه العبارة ليست اعتذارًا شخصيًا فحسب، بل اعترافًا متأخرًا بحجم الجهد الخفي الذي بذلته سنية؛ ذلك الجهد الذي لم يظهر في السيرة الأدبية ولم تسجله كتب النقد، رغم أنه، في تقديري، كان أحد العوامل الأهم في استمرار محمد الماغوط وإتاحة المساحة التي واصل فيها إبداعه.
غير أن أهمية تجربة سنية صالح لا تكمن في أنها ضحّت من أجل شاعر كبير، بل في أنها لم تسمح لهذه التضحية بأن تلغي صوتها. فقد ظل شعرها محتفظًا باستقلاله ورؤيته الخاصة، ولم يتحول إلى صدى لتجربة الماغوط أو امتداد لها. كانت تكتب من جرحها الشخصي ومن أسئلتها الوجودية، لا لتثبت حضورها في ظل شاعر آخر، بل لتبني حضورًا يخصها؛ حضورًا لا يحتاج إلى أحد كي يبرره.
صوت الجسد
إذا كشفت سيرة سنية صالح عن أشكال التهميش التي يمكن أن تحاصر المرأة، فإن شعرها كشف الكيفية التي أعادت بها تحويل تلك التجربة إلى رؤية شعرية. فما عاشته لم يبقَ مجرد سيرة شخصية، بل أصبح مادة للقصيدة، ومن خلال شعرها بدأ الجسد يستعيد صوته بعد أن ظل طويلًا موضوعًا تُسقط عليه نظرات الآخرين وأحكامهم.
لا يظهر الجسد في شعر سنية صالح بوصفه مساحة للجمال أو الإغواء، كما درجت عليه صور كثيرة في التراث الشعري العربي، وإنما بوصفه موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والألم والحرية. حين قالت: «جسد النساء مظلم وحزين… فليكن الليل آخر المطاف».
إنها لا تصف حالة نفسية عابرة، ولا ترسم صورة تشاؤمية للمرأة، بل تمنح الجسد وظيفة رمزية جديدة. فالظلمة هنا ليست ظلمة الجسد، وإنما ظلمة التجارب التي تراكمت فوقه، والحزن ليس صفة بيولوجية، بل أثرُ تاريخٍ طويل من الصمت والإقصاء. لا تقف سنية صالح عند حدود تشخيص الألم، بل جعلت امتلاك الصوت بدايةً للتحرر منه. ففي ديوان «ذكر الورد» كتبت:
«حاذري أن تنسي أنك ذاهبة
لتصرخي وترفضي
لا لتنحني».
لا يبدو الصراخ هنا فعلًا احتجاجيًا عابرًا، وإنما إعلانًا عن استعادة الذات. فالصوت، في عالم سنية صالح، ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل شرطًا من شروط الوجود؛ لأن الإنسان الذي يُحرم من الكلام يُحرم، في الوقت نفسه، من حقه في تعريف نفسه.
الجسد العابر إلى المستقبل
تصالحت سنية صالح مع جسدها عبر القصيدة، فأخرجته من حدود التجربة الفردية إلى معنى إنساني أوسع. لم يعد الجسد مجرد موضع للألم أو وسيلة للاحتجاج، بل أصبح وسيطًا تنتقل عبره خبرة النساء من جيل إلى آخر. ومن هنا تكتسب الأمومة في شعرها معناها الأعمق؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها وظيفة بيولوجية أو دورًا اجتماعيًا يكتمل به تعريف المرأة، بل بوصفها علاقة إنسانية تحمل ذاكرة طويلة من الألم والصمود، وتنتقل من الأم إلى الابنة، لا لتثقلها بما مضى، بل لتمنحها معرفة تساعدها على العبور. في قصيدتها «مليون امرأة هي أمك» تخاطب سنية ابنتها قائلة:
«شدّي جذعك إلى جذعي
أدخلي عظامك في نفق عظامي
ثم اسحبي
ما تبقى من جسدك واعبري».
تبدو الصورة قاسية للوهلة الأولى، لكنها ليست احتفاءً بالألم، بل بالقدرة على تجاوزه. فجسد المرأة لا يورّث الجراح، بل يورّث القدرة على احتمالها وتجاوزها. والعظام هنا ليست علامة على الضعف، بل دليل على قوة تشكّلت في مواجهة الألم.
موت الجسد
في سنواتها الأخيرة، دخل الجسد في شعر سنية صالح مرحلة جديدة. فبعد أن حمل ذاكرة التهميش، وأعباء الحياة، وخبرة الأمومة، وجد نفسه في مواجهة المرض. غير أن هذه المواجهة لم تدفعها إلى كتابة مراثي الذات، بل جعلتها أكثر اقترابًا من هشاشة الجسد وحدوده، ومن السؤال عما يبقى للإنسان حين يواجه احتمال الفناء.
عندما أُصيبت بالسرطان، لم تتعامل مع المرض بوصفه هزيمة شخصية، ولم تجعل القصيدة سجلًا للألم الجسدي وحده، بل حوّلته إلى تجربة تتقاطع فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الحلم.
من غرفتها في المستشفى بفرنسا، كتبت قصيدتها «اللؤلؤة»:
«أيتها اللؤلؤة،
نمتِ في جوفي عصورًا
استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء
ريثما يُنهي التاريخ حزنه».
هنا لا يظهر المرض بوصفه حدثًا طبيًا فحسب، بل يتحول إلى رحلة داخل أعماق الذات. فاللؤلؤة التي تكوّنت في الجسد ونمت في جوفه تصبح صورةً للقصيدة نفسها؛ شيءٌ يتكوّن في الداخل، وسط الألم، ثم يخرج منه إلى اللغة. ومن هذه النقطة يصبح الموت جزءًا من التجربة الشعرية، لا خاتمةً لها.
لم يكن الموت، في عالم سنية صالح الشعري، نقيضًا للحياة بقدر ما كان امتدادًا للأسئلة التي شغلتها منذ بداياتها. فقد ظل الإنسان، في نظرها، قادرًا على الاحتفاظ بحريته الداخلية حتى في اللحظات التي يعجز فيها عن تغيير واقعه. ولهذا كتبت عبارتها المعروفة:
«أعجز عن تغيير العالم
لكني أحتفظ بحرية الحلم».
وهكذا ظل الجسد، في تجربة سنية صالح، حاضرًا في محطات التهميش والحب والأمومة والمرض؛ لكنه لم يبقَ مجرد جسد يتلقى ما يحدث له. بل حوّلته الشاعرة، في كل مرة، إلى مادة للمعرفة والكتابة، وإلى مساحة تختبر فيها حدود الإنسان وقدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة شعرية.
بواسطة سالي علي | يوليو 26, 2026 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
في مسرحية “في انتظار غودو“، لا يقع الحدث الذي ينتظره الجميع. يمضي النهار، وتتكرر الحوارات، ويغادر الأمل ثم يعود، لكنّ غودو لا يأتي. لم يكتب “صمويل بيكيت” مسرحيته عن الحرب، بل عن الانتظار؛ عن تلكَ اللحظة التي يتحول فيها انتظارُ الغد من حالة مؤقتة إلى أسلوب حياة. وحين يطول الانتظار، لا يعود الإنسان يسأل متى سيتغير الواقع، بل يتكيف مع فكرة أنّ المستقبل قد لا يصل أبداً كما تخيله. وربما لهذا تبدو سوريا اليوم أمام تحدٍ يتجاوز انتهاء المعارك. فمع انحسار المواجهات العسكرية، والحديث المتزايد عن رفع العقوبات، وعودة الشركات، وخطط إعادة الإعمار، ما يزال كثير من السوريين ينظرون إلى الغد بحذر. ليست المشكلة أنهم لا يرون مؤشرات التحسن، بل أنهم لم يعودوا يثقون بسهولة بأنّ الزمن سيواصل السير في الاتجاه نفسه. فالحرب لا تترك وراءها مدناً مهدمة فقط، بل تترك علاقة مضطربة مع المستقبل، يصبح معها الاستقرار احتمالاً أكثر منه يقيناً.
تشيرُ تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ الاقتصاد السوري انكمش إلى أقل من نصفِ حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، ومع ذلك فإنّ الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تفسر وحدها المزاج العام. فالاقتصاد يمكن أن يبدأ بالتعافي بمجرد عودة النشاط والإنتاج، أما الإنسان فلا يتعافى بالسرعة نفسها، لأنّ ما تضرر خلال سنوات الحرب لم يكن الدخل وحده، بل الإحساس بأنّ الغد يمكن التخطيط له. كما تؤكد دراسات المجتمعات الخارجة من النزاعات أن آثار الحرب تستمرُ طويلًا بعد توقف القتال. فوقف إطلاق النار لا يعيد تلقائياً أنماط الحياة السابقة، ولا يعيد الثقة بالمؤسسات أو القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وتشير تقديرات البنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة إلى أنّ التعافي الاقتصادي كثيرًا ما يسبق التعافي الاجتماعي، لأنّ الأسواق تستطيع استئناف نشاطها بدافع الحاجة، بينما يحتاج الشعور بالأمان إلى تجارب متكررة تثبت أنّ الاستقرار أصبح قاعدة لا استثناء.
لعلّ أشد ما تفعله الحرب قسوة أنها تغيّر علاقة الإنسان بالزمن. ففي الظروف الطبيعية، يبني الناس حياتهم على افتراض بسيط: أنّ الغد سيكون امتداداً لليوم. أما في سنوات النزاع فيصبح هذا الافتراض نفسه محل شك. يتراجع التفكير البعيد، وتغدو الأولوية للنجاة من الأسبوع المقبل، أو حتى من اليوم التالي. ومع مرور الوقت لا يبقى هذا السلوك مجرد استجابة ظرفية، بل يتحول إلى عادة ذهنية تستمر حتى بعد زوالِ أسبابها.
في أحد مقاهي دمشق، كان الحديث يدور حول مشروعٍ صغير يخطط أحد الأصدقاء لإطلاقه. استمع الجميع باهتمام، ثم قال أحدهم بعد لحظة صمت: “استنى شوي، خلي الأمور تثبت”. لم يناقش جدوى المشروع ولا مصادر تمويله، بل علّق القرار كله على الزمن. وكأنّ المشكلة لم تعد في الفكرة، بل في السؤال الأعمق: هل يمكن الوثوق بأنّ الغد لن ينقلب فجأة على اليوم؟ لهذا في الأحاديث اليومية تتكرر عبارات مثل: “لسه بكير” و”خلينا ننتظر”، و”ما حدا بيعرف شو بصير”. قد تبدو كلمات عابرة، لكنها تعكس طريقة كاملة في قراءة الواقع. فالحرب علمت الناس أنّ الخطط قد تنهار بين ليلة وضحاها، وأنّ النجاح الحقيقي كان في القدرة على تعديل المسار بسرعة، لا في الالتزام بخطة طويلة. وما كان يوماً استجابة عقلانية لسنوات الفوضى قد يتحول اليوم إلى عائق أمام أيّ بداية جديدة.
الأمر هنا لا يتعلق بالتشاؤم بقدر ما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تحفظ أيضاً الإيقاع الذي عاشت عليه. سنوات الانقطاع المتكرر، في العمل والدخل والخدمات وحتى في المكان، تجعل الحذر يبدو أكثر حكمة من التفاؤل، لأنّ التجربة علمت أصحابها أنّ الاستقرار قد يكون مؤقتاً. وهكذا يصبح الزمن نفسه موضع اختبار دائم، ويغدو الانتظار خياراً يبدو أكثر أماناً من المبادرة. وهذه ليست خصوصية سورية. ففي البوسنة والهرسك، بدأت الأسواق وإعادة الإعمار تستعيدُ نشاطها بعد اتفاق دايتون بوتيرة أسرع من استعادة العلاقات الاجتماعية عافيتها، إذ احتاجت المجتمعات المحلية سنوات حتى تتجاوز آثار الانقسام. وفي رواندا، لم يكن النمو الاقتصادي بعد عام 1994 كافي لطي صفحة الإبادة الجماعية، بل رافقته جهود طويلة للمصالحة والعدالة المجتمعية، لأنّ إعادة بناء الإنسان استغرقت زمناً أطول من إعادة بناء الاقتصاد. وحتى في لبنان، ظل منطق الحذر حاضراً في السياسة والاقتصاد بعد انتهاء الحرب الأهلية وكأنّ الماضي بقي يقيس احتمالات المستقبل.
ومن هنا يمكن لنا فهم مفارقة الاستثمار. فكثيراً ما يُنظر إليه باعتباره أموالاً تبحث عن فرص، لكنهُ رهان على الزمن في جوهره . المستثمر لا يشتري الحاضر، بل يشتري ما يتوقع أن يكون عليه الغد. ولهذا لا تكفي الحوافز أو التصريحات لجذب رؤوس الأموال، إذا بقيت القواعد متقلبة، أو ظل المستقبل غامضاً. فكلما انخفضت القدرة على التنبؤ، ارتفعت كلفة القرار حتى لو بدت الفرص الاقتصادية واعدة. والأمر نفسه ينطبق على الناس. شراء منزل، أو افتتاح مشروع، أو العودة من اللجوء، أو حتى اتخاذ قرار بالزواج والإنجاب، ليست قرارات اقتصادية فحسب، بل رهانات على أنّ المستقبل سيكون أكثر استقراراً من الحاضر. ولذلك فإنّ إعادة بناء الاقتصاد لا تنفصل عن إعادة بناء الإحساس بأنّ الزمن عاد يسير بصورة طبيعية.
الحرب، إذاً؛ قد تنتهي بوصفها حدثاً عسكرياً وسياسياً لكنها لن تنتهي في وجدان الناس بالسرعة نفسها. واستعادة الحياة لا تتحقق بمجرد توقف القتال، إنما حين يصبح الأمن اليومي واقعاً وتستقر المؤسسات على قواعد واضحة، وتستعيد الخدمات والاقتصاد قدرتها على منح الناس ما هو أثمن من الدخل؛ القدرة على التخطيط.
في نهاية “في انتظار غودو“؛ يقرر الرجلان أن يغادرا، لكنهما لا يتحركان. ليست المشكلة أنهما لا يعرفان الطريق، بل أنّ الانتظار أصبح عالمهما الوحيد. وهذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب؛ أن لا يتحول الحذر الذي كان ضرورة للبقاء، إلى أسلوبٍ دائم في الحياة. سوريا الجديدة لن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُشيَّد، ولا بحجم الاستثمارات التي ستدخلها، بل باليوم الذي يتوقف فيه السوري عن انتظارِ استقرار الغد، لأنهُ أصبح يعيش استقرار اليوم. عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب انتهت حقاً، ليس في الخرائط العسكرية وحدها بل في الزمن الذي يحمله الناس داخلهم.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | يوليو 20, 2026 | Cost of War, Culture, بالعربية, تقارير, مقالات
يُقال إن رئيس اتحاد الكتّاب العرب الأسبق، الدكتور حسين جمعة، لم يكن يعترف بقصيدة النثر ولا يعدّها شعراً؛ فالشعر عنده كان ما نُظم على بحور الخليل فقط.
كان ذلك مجرد رأي، ورغم أنه كان يترأس مؤسسة ثقافية، فإنه لم يعمل على إقصاء من يكتبون قصيدة النثر، ولم يحارب هذا الجنس الأدبي الذي أثار نقاشات وتجاذبات كثيرة على مدى عقود.
ولم يكن هذا الرأي حكراً على الدكتور حسين جمعة، بل كان رأي كثيرين من أقطاب القصيدة التقليدية. وقد سبقه إليه الشاعر نديم محمد، الذي اتسم نتاجه بتجديد الصورة الشعرية. ورغم ذلك، عندما قرأ له الشاعر خير الله علي نصاً من قصيدة نثرية، قال: «هذا كلام أدبي جميل، لكن لا تقل لي إنه شعر».
القصيدة التقليدية والحديثة، سواء أكانت تفعيلة أم نثرية، والرواية والقصة، والفن التشكيلي والسينما، والدراما والمسرح، إضافة إلى الموروث المتراكم تاريخياً، كلها تشكّل مشتركاً ثقافياً إبداعياً لا ينتمي إلى فئة دون أخرى. لكن، في الفترة الأخيرة، ومع ما حدث في سورية، يبدو أن هذا المشترك أصابه الانقسام كما أصاب معظم فعاليات المجتمع السوري. ولم يقم هذا الانقسام على أساس نقدي أو إبداعي، بل على أسس أخرى.
اصطفاف ثقافي بمضمون سياسي
أوردنا ما سبق مثالاً على اختلاف الرأي في مسألة إبداعية نجم عنها نقاش وجدال امتدا لعقود، لكنهما لم يؤديا إلى اصطفاف كالذي نراه اليوم في الواقع السوري، والذي يبدو متماشياً مع الاصطفافات الأخرى.
يعكس الراهن الثقافي السوري الواقعين السياسي والاجتماعي، وهذا أمر معروف في هذا الشرق منذ زمن طويل، في ظل العلاقة المعروفة بين المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، والنشاط والفعاليات الثقافية من جهة أخرى.
كانت التغييرات التي اعترت هذا الواقع واضحة تماماً، سواء من حيث الفعاليات أو من خلال سمات الخطاب الثقافي المعتمد، الذي ينحو نحو الأصولية بما يوحي بأنه موازٍ للأصوليات الأخرى.
من المعتاد أن تعمد السلطة السياسية إلى فرض ثقافتها التي تؤسس لأيديولوجيتها وترفدها، وتصبح هذه الثقافة في علاقة تفاعلية مع مكونات السلطة. وهذا ما نراه بوضوح في سورية الآن، إذ يفرض ذلك على الثقافة المقابلة والمناقضة لها صبغة سياسية قد لا تكون تسعى إليها، ويضعها في موقع المعارضة ثقافياً وسياسياً.
ولا بد لهذا الاصطفاف من أن يفرض توتراً ثقافياً ذا أطياف سياسية واجتماعية، قد يصل إلى درجة رفض الآخر ثقافياً، والتقليل من شأن مبدعين معروفين، وإهمال المنجز الإبداعي على أساس التوافق أو عدمه، ووفق معايير تتجاوز الشللية المعروفة.
إقصاء إبداعي وثقافي
أسرّ لي مدير مركز ثقافي بأن هناك أسماء لمبدعين وكتّاب ممنوعين من اعتلاء منابر وزارة الثقافة بمختلف مؤسساتها. وأضاف أن هذا المنع قام على أساس علاقة مفترضة بالسلطة السابقة، تُفهم على أنها تأييد لها. كما أن هناك من لا يندرج ضمن هذا التصنيف، لكن ما يقدّمه من مادة ثقافية لا ينسجم مع توجهات وزارة الثقافة الجديدة.
ويؤكد ذلك غياب كثير من الأسماء التي كانت تساهم في الحراك الثقافي السوري، وبروز أسماء أخرى غير معروفة، وليس لديها منجز ثقافي معروف أو ذو قيمة قياساً بمن جرى تغييبهم. والسمة الغالبة على منجز هؤلاء هي التقليدية والالتزام بالكلاسيكية الشعرية بنمطها الأقرب إلى العصرين الأموي والعباسي، سواء من ناحية القاموس اللغوي أو المعالجة الشعرية لحالات سالفة تناولتها كثير من القصائد والنصوص.
ولا يقتصر ذلك على وزارة الثقافة، بل يتجاوزها إلى وزارة الإعلام ومؤسساتها، ولا سيما القنوات الإعلامية الوطنية، حيث يجري التركيز على أسماء معينة وجوانب إبداعية محددة، مع استثناءات قليلة. وينطبق الأمر أيضاً على قنوات أخرى مناصرة للسلطة، مثل تلفزيون سورية، الذي يبث برنامجاً عن الشعر يقتصر على الشعر الخليلي وعلى أسماء تنتمي إلى طيف واحد تقريباً.
في المقابل، هناك انكفاء طوعي لكثير من المبدعين والمثقفين الذين كانوا ينشطون في الفضاء الثقافي السوري، وابتعاد عن المشاركة والحضور في المؤسسات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية. ونلمس ذلك في ابتعادهم عن نشاطات المراكز الثقافية واتحاد الكتّاب العرب بفروعه الموزعة في المحافظات والمناطق السورية، وكذلك في غيابهم عن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولجوئهم إلى المقاهي الثقافية لإقامة نشاطاتهم، رغم ضيق هذه المقاهي وعدم ملاءمتها لمثل هذه الأنشطة من حيث المساحة والتصميم والطابع العام.
ولم يقتصر الإقصاء والانكفاء على النتاج الكتابي وحده، بل وصلا إلى فعاليات أخرى كالدراما. فقد عمدت نقابة الفنانين إلى إبعاد عدد من الفنانين الذين اتُّهموا بممالأة النظام السابق، بينما انكفأ فنانون آخرون واحتجبوا، وغادر بعضهم البلاد.
ثقافة واحدة أم ثقافات؟
يطرح السجال المحتدم على الساحة السورية حول شخصيات وأحداث تاريخية وقضايا ثقافية تساؤلاً مهماً: هل هناك ثقافة واحدة في سورية أم ثقافات متعددة؟
من الطبيعي أن يكون هناك تنوع ثقافي في بلد يقوم على التعدد الإثني، إذ يختلف الموروث الثقافي من فئة إلى أخرى. لكن يمكن لهذا التنوع أن يساهم ويتضافر ضمن نطاق ثقافة وطنية جامعة، وهو ما كنا نظن أنه موجود في سورية، إلى أن كشف الواقع السوري الجديد عن جدال حاد حول قضايا كنا نظن أن الاتفاق عليها والنظرة إليها قد أصبحا من المسلمات.
فقد أُعيد طرح قضايا مزمنة طُرحت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين انطلقت «النهضة العربية»، التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، مثل قضية إسلامية الدولة أم قوميتها ووطنيتها. لكن الفارق أن هذه القضايا لم تُطرح على أساس فكري تحرري وفي سياق نقاش وطني، بل في إطار إقصائي تعصبي ومتشنج.
كذلك عاد السجال والجدال حول شخصيات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي، وحول أحداث ومناسبات مثل عيد الشهداء وحرب تشرين عام 1973.
وعلى صعيد آخر، هناك نزوع إلى طمس رموز ثقافية ووطنية، من خلال استبدال تسميات منشآت وشوارع وهيئات بتسميات جديدة مرتبطة بشخصيات دينية تاريخية. ومن ذلك استبدال اسم ساحة العباسيين باسم «ساحة الزبير بن العوام»، في سياق خطة تهدف إلى تسمية بعض الميادين بأسماء المبشرين بالجنة، أو بتواريخ مناسبات لها صلة بالسلطة الجديدة.
ومن الأمثلة أيضاً استبدال اسم شارع «عبد المنعم رياض» باسم «18 نيسان»، وتغيير اسم جامعة تشرين إلى جامعة اللاذقية، واسم حديقة «6 تشرين» إلى «حديقة المشروع». علماً أن التسميات المستبدلة تُعد جزءاً من المشترك الثقافي والوطني، ولا تخص فئة بعينها.
ولا بد من الإشارة إلى أن استبدال تسميات مثل «الباسل» و«البعث» و«8 آذار» و«17 نيسان» أمر محق وضروري، شريطة أن تكون التسميات الجديدة ذات طابع وطني عام.
وثمة إجراء آخر يتصل بالجانب الثقافي، وإن كانت أهدافه تتجاوز ذلك، يتمثل في التغيير الذي طرأ على المناهج الدراسية، من خلال حذف أحداث وشخصيات واعتماد أخرى بما يلائم التوجه السياسي الجديد، بصرف النظر عن الأهمية الوطنية والتاريخية للأحداث المحذوفة، وعن مصداقية الشخصيات المستبعدة.
وقد أثار ذلك استفزازاً ثقافياً واجتماعياً لدى من نشأوا على احترام هذه الشخصيات وتقديرها، وشكّلت لهم تلك الأحداث مصدر فخر وطني وشخصي بحكم الانتماء.
وكانت النتيجة نشوء تباينات عمودية في الحالة الثقافية السورية، بعدما كانت التباينات أفقية تعود إلى الاختلاف في الرأي، لا في الموروث والتوجه والهدف والرؤية.
إن تقويض المشترك الثقافي الوطني هو ما أدى إلى هذه الحالة، إضافة إلى تبني أصناف معينة من النتاج الثقافي، وتسفيه أصناف أخرى وإسقاط القيمة عنها، فضلاً عن طمس معالم، وتغييب شخصيات وقامات ثقافية، واستحضار أخرى على أسس مختلفة، إلى حد باتت معه الثقافة السورية تبدو كأنها ثقافات متعايشة تارة، ومتعارضة تارة أخرى، لا ثقافة واحدة.
بواسطة باسم سليمان | أبريل 30, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
تناولت المدونة الأدبية السورية بكافة أنواعها ثيمة الحرب، حتى كادت أن تصبح نموذجًا للانشغال بأدبيات الحروب؛ وهذا لم يكن ليتحقق إلّا بعد خمس عشرة سنة من استمرار المقتلة، جماعيًا وفرديًا، حتى الآن. هذا الانغماس في محاولة كتابة سرد أدبي للمقتلة السورية، يتجذّر في رغبة لا شعورية عند السوري بتدوين شهادته؛ وخاصة إذا كان كاتبًا يرى نفسه معنيًا أكثر من غيره بهذا الأمر. يعود هذا الهاجس، إلى حدّ ما، إلى الحراك في عام 2011 والذي تحوّل إلى ثورة ضد النظام فيما بعد، ومن ثم إلى حرب بين النظام والمعارضة، حيث عمد كتبة التاريخ، من أطراف الصراع كافة، إلى رؤية أحادية تلغي الآخر السوري حسب اصطفافه؛ من موالاة أو معارضة وغير ذلك من تحيزات وتحزّبات وطوائف وأديان، فأصبح قول التجربة الفردية مقاومة ضدّ جميع أنواع الاستلاب. ومن هذا المعطى الواقعي ظهر الأدب المهتم بثيمة الحرب كحدّ وسط بين متطرّفين، وكأنه الفضيلة الأرسطية التي لم تعد تطمح إلى الحلم بإمكانية تغيير المجتمع السوري الذي تقطعت أوصاله بين موتى وأحياء، ومهاجرين ومقيمين، وأكثرية وأقليات تارة سياسية وتارة طائفية وتارة ثالثة إثنية، وإنّما تحاول إنقاذ الفرد مادام المجتمع بشكل كلّي قد أصابه التشظي والانحلال. ولقد تأكد هذا الجحيم المجتمعي على أيام النظام السابق، ومن ثم على أيام النظام الحالي المؤقت، فلم تتوقف المقتلة، لكن الذي كان مؤتلفًا خلال سنين الحرب، قبل وبعد سقوط النظام هو الرؤية الأحادية والإصرار على تنميط الآخر ومن ثم إلغائه، قد استمر، وكأن السوري لم يعد قادرًا على تعريف ذاته إلا بإلغاء سوري آخر. ومن هنا تأتي وسطية الأدب كآخر المحاولات في إمساك العصا السورية من المنتصف.
تأخذ رواية الشاعرة والصحفية السورية سوزان إبراهيم ” كمَن ينتعل قبرًا والصادرة عن دار ميزر السويدية لعام 2025″ هيئة عود جديد يضاف إلى حزمة العيدان السورية كوصية الأب لأولاده في الموروث الشعبي لعل شيئًا ما يمتنع عن الكسر، فلا يأتي العنوان في روايتها مجرد اشتهاء تسويقي، وإنّما كبوصلة دلالات تذكر القارئ وهو يغذّ السير في محكيها، بأنّه ينتعل قبرًا، ليخفف من وطأة إصدار الأحكام في إشارة لمقول المعري عن أن أديم هذه الأرض من الأجساد، فكيف إذا كان ما ينتعله و يصدّ عنه غلظة الأرض ليس إلا قبرًا.
الأثافي الثلاثة:
تقارب الرواية حيوات ثلاث إناث كخطوط سردية أساسية، ومن خلالهن تعيد سوزان قراءة الحرب وسنواتها وفق رؤية الفيلسوف والتر بنيامين، الذي يرى أن المدونة الرسمية للتاريخ ليست هي الواقع كما جرى حتى لو تتطابقا. لم تكن عودة جوليا من الموت ستنتج مصالحة حاضرها مع الماضي والمستقبل والدفع بها إلى الامتثال لحكمة الشاعر هوراس”عش يومك”، وإنما الإمعان بالتذكر، ومحاولة إيجاد نافذة للمستقبل على الرغم من أن جميع الجدران قد تهدمت. عندما استيقظت جوليا في المشفى من موت محقق على أثر تعثر صاروخ في بيتها عرفت بأن النهايات قد كتبت، لكن لربما هناك بدايات لم تنهِ بعد سباق الماراثون السوري بالموت. جوليا صحفية تعمل على رصد الحركة الأدبية والفنية في العاصمة وفي أحد المعارض التي أقيمت لاستذكار فاتح المدرس، تلتقي بآرام المصور والدليل السياحي، فينشب بينهما حراك من الحب.
إن اختيار سوزان لعملي كل من جوليا وآرام، كان المقصد منه اطلاعهما على أكثرية الجغرافيا السورية من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب. أما المعنى الكامن في ذلك فهو بأن الرواية تغطي سنوات عديدة من المقتلة السورية من بداياتها حتى سيطرة داعش على الشرق السوري وظهور احتمالات تقسيم سورية، وعليه نرى أن التقسيم يعني بتر الجسد السوري عن بعضه البعض؛ الممثل بكل من جوليا وآرام. لا تختلف فرح عن جوليا، فلقد قادها النزوح السوري الداخلي إلى التعرّف على عدة محافظات كالرقة ودير الزور والحسكة ودمشق، لكن كانت سياحة فرح الجهنمية في زمن الحرب، بينما جوليا كانت في زمن السلم. ومن خلال هذه المفارقة تصبح المقارنة بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، سيظهر حجم الفجيعة السورية. ومن مقلب آخر تؤدي شهادة فرح التذكرية إلى الكشف عن تحولات الثورة من كلمة حرية ومقابلها السجن، إلى الرصاصة ومقابلها المدفع، إلى الموت ومقابله الموت، حيث تصبح الحياة لعنة يجب وأدها. وفي تصادي مع سردية فرح يأتي محكي جوليا كنداء محوّر لقصيدة السياب في “أنشودة المطر”: (أصيح: يا سورية، يا واهبَة اللؤلؤ، والمحار، والردى! فيرجعُ الصَّدَى كأنَّـه النشيجْ: يا سورية، يَا وَاهِبَة المَحَارِ وَالرَّدَى … ). لقد غاب اللؤلؤ عن الصدى، فالشروخ الزلزالية في حمص لا يمكن ردمها، والغمامة الصفراء فوق الغوطة ليست أصفر فان غوخ، والأجساد التي دفعت في الأفران في عدرا العمالية ليست أرغفة خبز، وسواد المجزرة الذي ضرب شمال اللاذقية، ليس سواد الليل المليء بالنجوم، وصيحات “الله أكبر” لم تعد إعلانًا للتظاهر وإنّما للقتل.
لا يكتمل مثلث الإناث في رواية سوزان إلا بالضلع الثالث؛ الرسامة ومهندسة الديكور رؤى تلك الشابة التي استطاع رامي بحبه لها أن يضيف لونًا ثامنًا إلى ألوان الطيف، واستطاعت هي بريشة مصنوعة من وريد وشريان رسم الحب، فيتزوجان، مع أنهما من طائفتين مختلفتين سيتم تنميطهما في سردية الحرب السورية فيما بعد، لكن لسان حالهما يقول بلسان ابن عربي: “أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه”، إلى أن جاءت الحرب التي تشبه “مرآة زوزيما” والتي ما إن يقف أمامها الشخص، كما تقص الأسطورة، حتى تخبره بمضمون قلبه. لقد أكلت الحرب من قرابتهما، فتبنّى كل منهما ثأرًا وحزنًا، فألفى ما بينهما من الحب إلى الطلاق والصمت. تشبه نساء سوزان في الرواية الأثافي الثلاثة الذي كان العربي يقيم قدره عليها، وهي أقامت سردها على إناثها الثلاثة، لكن يقال بالمثل: “رماه الله بثالثة الأثافي” أي الموت؛ حيث رقصت نساء سوزان رقصة الحب والفراق، الموت والحياة على إيقاع الحرب السورية.
الأنوثة والذكورة:
كثيرًا ما يقال: ماذا لو رويت الحرب من وجهة نظر النساء؟ وهذا ما تلعبه سوزان في روايتها عبر شخصيات إناثها الثلاثة، لكن في المقابل كان هناك ذكور، ليسوا سيئين بالمعنى المباشر، لكن هناك خصاء وجودي يشوبهم. فعلى الرغم من استماتة آرام في حبه لجوليا إلا أنه لم يستطع أن يقنعها بأن تتزوجه بشكل رسمي، مع أنها تعيش معه العلاقة كاملة، ليس لأنها لا تحبه بل لأنها تخاف أن تصبح أمّا في زمن الحرب، وبالتالي الحرب تشوه الذكورة ويصبح دور الأب غير مقنع. وعلى نفس المنوال يتخلى خالد زوج فرح عن واجباته ليتركها تواجه الحرب والفقر والنزوح لوحدها، وكأنه لم يعد يستطيع أن يلعب الدور المفترض أن يلعبه. ويتصادى رامي مع خالد وآرام، فهو الآخر، أخذته التجاذبات السياسية الطائفية إلى أن انتهى حبه لرؤى. قد تكون سوزان مجحفة بحق الذكورة في روايتها، لكن لنتذكر أن المسرحي العظيم اليوناني أريستوفان في إحدى مسرحياته الساخرة من أثينا العقل وإسبارطة العضلات، فقد ذكر بأن النساء قررن عدم ممارسة الحب مع الذكور لإجبارهم على وقف الحرب. إذن، ليس هو تحيزًا جندريًا في الرواية، ففي الحرب يتحول الذكر بشكل روتيني إلى جندي أو معتقل أو مقتول أو قاتل، فيما تبقى الأنثى في الأعم الأغلب تمارس أدوارها الطبيعية من أم وابنة وأخت وزوجة، مع خضوعها للمعاناة المباشرة وغير المباشرة من الحرب من قتل وتشريد وسجن ونزوح وموت. وبالتالي هناك جانب كبير من الحرب يغفل إن لم يعط للأنثى الحق في سرد ذاتها؛ وهذا ما كن يفعلنه إناث سوزان إبراهيم في كمن ينتعل قبرًا.
أنتيغونيات:
قد تكون نساء “كمَن ينتعل قبرًا” مثل شخصية “أنتيغون” في مسرحية سوفكليس التي تواجه الملك كريون كي تدفن أخاها في أرض بلده، على الرغم من أن الحاكم اعتبره خائنًا، لكنهن يشبهن في الوقت نفسه نساء مسرحية يوربيدس “نساء طروادة” والتي تصور نساء المدينة وما حل بهن بعد الهزيمة. لقد قدمت تلك المسرحيات نهايات لأبطالها من الإناث، لكن سوزان تترك بطلاتها معلقات، بين ثنائيات القوة والضعف، الخوف والجرأة، الهزيمة والاستسلام.
رواية “كمن ينتعل قبرًا” كتبت بإحساس عالٍ حيث يذوب الواقع في دواخل الشخصيات، وتفيض كوامن الشخصيات على الواقع. لذلك نستطيع القول بأنّ شخصيات الرواية أمسكن العصا من المنتصف مع أن كل من حولهن كان متطرفًا من السياسة إلى الدين، ومن الحياة إلى الموت، ومن المجتمع ككل إلى الفرد المفرد، ومن الحب إلى اللاحب. ولربما هذا هو دور الأدب في الحروب بقدر ما يكون جريئًا، فهو لا يطلق أحكامًا، وكأنه مسيح آخر يقول: “مَن منكم بلا خطيئة…”.
بواسطة عماد الدين موسى | أبريل 25, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
يسعى الكاتب السوري علي نضال تفاحة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والواقع عبر أدوات فنية تتجاوز النماذج الكلاسيكية، مستنداً إلى تفكيك البنى السردية الجاهزة والانفتاح على أشكال كتابية تمزج التأمل الفلسفي بالتجريب اللغوي، في سياق تفاعلٍ واعٍ مع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية.
تعكس نصوصه حساسية عالية تجاه الأسئلة الوجودية والتغيّرات الاجتماعية والتوترات الثقافية، إضافةً إلى مساءلة المسكوت عنه والاقتراب من مناطق شائكة في التجربة الإنسانية، عبر لغة مكثفة تعمل على الصورة، بما يمنح كتابته طابعاً خاصاً في المشهد الروائي المعاصر.
يتحوّل السرد في روايته “هلوسات شرق أوسطية”، الصادرة عن دار مرفأ في بيروت (2025)، إلى أداة كشف داخلي تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، إذ تقوم الرواية على بنية مركبة تتداخل فيها مستويات الزمن وتتجاور فيها الذوات الساردة، ما يخلق فضاءً نصياً كثيفاً يتطلب قراءة متأنية لتتبّع تحولات المعنى ضمن هذا النسيج المتوتر.
تتحرّك أحداث الرواية ضمن سياق شرق أوسطي مأزوم، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع التجارب الفردية، ويتحوّل الواقع إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة. تبرز في هذا الإطار، شخصية “جود المنتظر” بوصفها محوراً أساسياً، تبدأ تجربته داخل السجن حيث يبطؤ الزمن وينكفئ الوعي على الذات، ثم ينتقل إلى فضاء آخر بعد الإفراج عنه، فيجد نفسه، أمام مشهد سياسي متحوّل يفتح احتمالات جديدة.
تتقاطع مسارات شخصيات أخرى مثل “جمان المصلوب” و”لمياء البتول”، فتتوزع الحكاية بين هذه الأصوات، ما يشكل صورة متعددة الأبعاد. تمثل جمان خطاباً عاطفياً مكثفاً قائم على التماهي والتخييل، بينما تقدم لمياء مساراً مختلفاً يرتكز على التجربة الجسدية والتحولات النفسية الناتجة عنها، ما يمنح الرواية طابعاً فسيفسائياً، حيث تتكامل الحكايات في تشكيل المعنى العام.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
تعتمد الرواية تقنية تعدد الأصوات، إذ تتناوب الشخصيات على سرد تجاربها، ما يخلق تنوعاً في زوايا الرؤية، ويرتبط هذا التعدد ببنية نصية قائمة على التشظي، ضمن شبكة من الأصوات المتجاورة والمتداخلة. حيثُ يتم الانتقال بين هذه الأصوات بانسيابية، مع احتفاظ كل صوت بخصوصيته اللغوية والنفسية؛ يميل جود إلى لغة تأملية تتداخل فيها المرجعيات الدينية مع التجربة الشخصية، بينما تتسم لغة جمان بكثافة عاطفية تميل إلى التكرار والتوكيد، وتأتي لغة لمياء محمّلة بالتفاصيل الحسية مع حضور واضح للبعد الجسدي.
يعزز هذا التنوع اللغوي ثراء النص ويمنحه قدرة على تمثيل مستويات متعددة من التجربة الإنسانية. يكتفي السرد هنا بتشكيل الأحداث عبر إعادة ترتيبها داخل بنية لغوية متوترة.
يحتل المكان موقعاً مركزياً في الرواية، إذ يتوزع بين فضاءات متعددة لكل منها دلالته الخاصة؛ يمثل السجن نقطة البداية حيث الانغلاق والعزلة والتكرار الزمني، مؤثراً في الشخصية وطريقة إدراكها لما يأتي بعده.
بعد الخروج، تتسع الجغرافيا لتشمل المدينة التي تظهر بمظهر مزدوج، يجمع بين الحيوية الظاهرية والتوتر الداخلي؛ الشوارع والمؤسسات والبيوت.. جميعها تشكّل خلفية تتحرك ضمنها الشخصيات، مع احتفاظ كل فضاء بخصوصيته.
يحمل البيت، خاصة في تجربة لمياء، دلالة مرتبطة بالذاكرة، حيث تتداخل فيه لحظات الحميمية مع الإحساس بالفقد، مانحاً المكان بعداً نفسياً ويجعله جزءاً من البنية الداخلية للشخصية. بهذا، يصبح المكان عنصراً دلالياً يشارك في بناء المعنى عبر علاقته بالشخصيات والأحداث.
الشخصيات وخصوصيتها
تُبنى الشخصيات في الرواية وفق منطق داخلي دقيق، حيث تحمل كل شخصية مجموعة تناقضات تشكّل هويتها. يظهر جود كشخصية مركبة تجمع بين البعد الديني والتجربة السياسية والوعي النقدي. فيما تقدم جمان نموذجاً مختلفاً، حيث يرتكز بناؤها على البعد العاطفي، مع حضور قوي للتخييل، يتجاوز خطابها الواقعي، ويتجه نحو تشكيل صورة مثالية، تقوم على التماهي مع موضوع الحب. بينما تتركز تجربة لمياء حول البعد الجسدي والتحولات التي تطرأ عليها. مقدّمة قراءة مختلفة للعلاقات الإنسانية وتأثير البعد الحسي في تشكيل القرارات.
يظهر الجسد في الرواية بوصفه عنصراً أساسياً في تشكيل التجربة؛ في مسار لمياء، يتخذ الجسد موقعاً مركزياً، حيث يتحول إلى محور لفهم الذات، وإعادة ترتيب الأولويات.
يرتبط حضور الجسد بالسياق والتحولات التي تمر بها الشخصية، إذ يتحول إلى وسيلة للتعامل مع الفقد وغياب الاستقرار، ما يطرح أسئلة عن العلاقة بين الجسد والهوية، وبين الرغبة والقرار.
تقول لمياء في أحد المقاطع: “أنا لمياء صاحبة الستة والعشرين ربيعًا، والتي كان جسدها قبل ذلك مجرد قوام جميل المظهر، وعلاقتها به سطحية جداً. عشتُ فيه، ومعه، ولم أعرفه جيداً. والآن أندم على تلك اللحظات، وأفرح أنني اكتشفته قبل أن أخسره”.
يفتح الاعتراف في المقطع السابق أفقاً واسعاً لقراءة الجسد بوصفه معرفة مؤجّلة، وتجربة تكتمل عبر الفقد، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة لفهم الذات ومعبر لإدراك هشاشة العلاقات الإنسانية.
تمضي الرواية في تفكيك الخطاب الأخلاقي، واضعة القارئ أمام أسئلة حادة تتصل بالرغبة والوفاء والخيانة والاحتياج، عبر لغة صريحة متوترة تنطوي على قدر عالٍ من الجرأة.
اللغة وتوتر التعبير
تتميز لغة الرواية بكثافة واسعة، حيث تتداخل المستويات التعبيرية ويكتسب السردية بعداً تصويرياً، مع ميل إلى التكثيف واستخدام التكرار لتعزيز الإيقاع. يعكس هذا التوتر طبيعة الموضوع ويتيح التعبير عن واقع متشظٍّ بلغة قادرة على احتواء هذا التشظي.
تتحرك الرواية بين الواقع والتخييل، إذ تتداخل الأحداث الواقعية مع عناصر أقرب إلى الهذيان، ما يقدم رؤية مختلفة للواقع تقوم على إعادة تشكيله من داخل الوعي.
تتحول الهلوسة إلى أداة سردية تمنح النص بعداً تأويلياً متعدد المستويات، فيما تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في إعادة تشكيل الحاضر وفهم الذات، محدثة حركة زمنية غير خطية تتجاور فيها الأزمنة داخل النص.
تعتمد “هلوسات شرق أوسطية” على تفكيك البنية التقليدية واستبدالها ببنية مفتوحة تقوم على التعدد، مانحة نص غنى دلالياً وقدرة على تمثيل واقع شرق أوسطي معقد، مع إنتاج المعنى من داخل حالة الاضطراب المستمرة.