بواسطة Ibrahim Hamidi | مايو 3, 2020 | Reports, غير مصنف
قال المبعوث الرئاسي الأميركي ومسؤول الملف السوري جيمس جيفري، إن بلاده تدعم «في كل الطرق الممكنة»، دبلوماسياً ولوجيستياً، الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية في سوريا، لافتاً إلى وجوب خروج جميع القوات الأجنبية التي لم تكن موجودة قبل 2011 بما فيها التركية والايرانية والأميركية باستثناء الروسية.
وقال جيفري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن الاعتقاد أن الانخراط مع دمشق يُبعدها عن طهران «فكرة جنونية. بادئ ذي بدء، تملك إيران مواطئ أقدام شديدة الرسوخ في الدولة السورية وداخل المجتمع السوري»، لافتاً إلى أن دولاً عربية كثيرة «لن تكون على وفاق أبداً مع رجل مثل (الرئيس بشار) الأسد. يمكنهم الزعم بأنهم يستطيعون النأي به بعيداً عن المدار الإيراني، لكنني أرى أن هذا غير ممكن على الإطلاق».
وأكد المبعوث الأميركي أن بلاده ستواصل فرض العقوبات على دمشق، و«نؤيد سريان العقوبات على النظام السوري حتى قبوله بالحل السياسي»، موضحاً: «العقوبات الاقتصادية تزيد من سوء الأوضاع على دائرة الشخصيات المقربة للغاية من رأس النظام، وهذا ما نحاول على الدوام الوصول إليه. ونريد أن نوضح لتلك الشخصيات الأمر بأنه لا مستقبل واضحاً أمامهم إذا استمروا في دعم وتأييد الأسد. وحري بهم ممارسة الضغوط من أجل الانتقال السياسي».
وأشار إلى أن الحملة الإعلامية الروسية الأخيرة على دمشق دليل على أن موسكو تدرك أيضاً أي نوع من الحلفاء موالون لها في سوريا في الآونة الراهنة. وعدّ إدلب «قلعة المعارضة» ولن تعود إلى سلطة دمشق قريباً.
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» هاتفياً مساء أول من أمس (الخميس):
>دعنا نبدأ بالسؤال عن فيروس «كورونا»… هل يمكن أن نعرف تقديرك للوضع في سوريا؟ أيضاً، رفض الجانب الروسي في مجلس الأمن مجدداً مطلب إعادة فتح معبر اليعربية بين العراق وسوريا لإيصال مساعدات إنسانية، ما تقييمكم لذلك أيضاً؟
– بدايةً، نحن نتابع تطورات انتشار وباء «كورونا» في جميع أرجاء سوريا. ونتابع الموقف من ثلاث زوايا مختلفة، في الشمال الشرقي من البلاد حيث نستطيع رصد الموقف عن كثب، وفي الشمال الغربي كذلك، حيث نعتمد على المعلومات التركية، وبالطبع في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام التي لا نحصل منها على المعلومات أو التقارير الوافية أو الكافية. ليست لدينا بيانات كاملة عن مناطق النظام فيما يتصل بالوباء. ونعتقد أن هناك أعداداً كبيرة من حالات الإصابة، لكنها خارج معايير القياس المعروفة، ولا نرى انتشاراً كبيراً للوباء في مناطق الشمال الغربي(في ادلب) من البلاد في الآونة الراهنة، لكن مع الكثير من الناس المختلطين معاً، وفي ظل الدعم الطبي المتهالك للغاية، لا سيما أن القوات الروسية والسورية تعمدت قصف أغلب المستشفيات والمراكز والمنشآت الطبية في المنطقة، أصبحت الأمور هناك من أكبر بواعث القلق لدينا.
سمعنا بإصابتين في المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا، لكننا لم نشهد حتى الآن انتشاراً كبيراً للوباء، حيث تُفرض معها قيود على السفر والتنقل داخل وخارج البلاد، على خلاف الإيرانيين الذين نعتقد بأنهم تسببوا في انتشار الوباء داخل مناطق النظام الحاكم منذ البداية. لذلك فإن آثار الانتشار هناك كانت محدودة، ولكن يمكن لذلك الوضع أن يتغير في أية وقت. ويساور الأمم المتحدة القلق بشأن تلك الأوضاع، وكذلك منظمة الصحة العالمية، فضلاً عن القلق الذي يعترينا بشأنها أيضاً.
وتفرض القوات الروسية والنظامية السورية أوضاعاً أسوأ للغاية من خلال منع نقل ووصول الإمدادات الطبية المهمة إلى تلك المناطق التي لا يسيطر عليها نظام الأسد، مما أسفر عن تفاقم الأوضاع هناك. إنه خطأ الأسد، إنها جريمته في تدمير بلاده وعدم الاهتمام بشعبه، وهو يرتكب المزيد من الأخطاء إزاء تلك المناطق غير الخاضعة لسيطرته حيث يواصل رفض إيصال المساعدات إليها، على الرغم من أنها مسئوليته على اعتبار نظام حكمه هو الكيان السيادي داخل سوريا كما يزعم.
>هل تعتقدون أن شيوع الوباء الراهن من شأنه تهيئة الأجواء لتجديد قرار مجلس الأمن الخاص بالمساعدات عبر الحدود الذي صوّتت ضده الصين وروسيا نهاية العام؟
– لابد ان يحصل في يوليو (تموز) المقبل تجديد قرار مجلس الأمن رقم 2504. ونحن نأمل أن توافق روسيا – على الأقل – على تجديده بشأن نقطتي العبور الحدودي في الشمال الشرقي. ونحن نصر إصرارا أكيدا على ذلك الأمر، كما نود افتتاح معبر حدودي جديد لخدمة منطقة الشمال الشرقي. فكما تعلمون أنه جرى منع معبر الربيعة الحدودي من إدراجه في القرار الجديد بواسطة روسيا والصين، وذلك هو السبب في إصرارنا على تجديد القرار.
– العقوبات
>كما تعلمون خلال الأسابيع، ومنذ بداية انتشار الوباء في البلاد، تلوم دمشق وموسكو العقوبات الأميركية والأوروبية إزاء عدم توفير المواد الإنسانية والطبية؟
– لا علاقة لانهيار النظام المالي في لبنان بالعقوبات الصادرة عن الحكومة الأميركية، ولا بد أن ذلك كان له أبلغ الأثر على نظام بشار الأسد. ثانياً، بكل صراحة، فإن سوء إدارته الواضحة هي السبب الثاني في تردي الأوضاع الاقتصادية على النحو المشاهَد في سوريا. ثالثاً، هناك حقيقة مفادها أن سوريا لا تزال في حالة حرب أهلية مفتوحة، وأن بعض المناطق المهمة المعروفة بالإنتاج الزراعي ومنتجات الطاقة لم تعد خاضعة لسيطرة النظام في الآونة الراهنة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك حتى قبول الأسد بالتسوية السياسية المتفق عليها. وهذا هو السبب الحقيقي في الكم الهائل من الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها، والتي تؤثر على الشعب السوري بأسره. وعقوباتنا الاقتصادية لا يتم فرضها أبداً على المساعدات الإنسانية أو الإمدادات الطبية، إذ يمكن لتلك المواد التدفق بحرية. كما أننا نتخير العقوبات الاقتصادية بعناية فائقة ونوجهها لاستهداف رموز النظام الحاكم وليس المواطن السوري العادي.
>في الشهر المقبل، موعد تجديد الاتحاد الأوروبي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، ماذا قلتم للأوروبيين؟
– نؤيد هذه القرارات بشدة، ونؤيد سريان العقوبات على النظام السوري حتى قبوله بالحل السياسي. ونرى في الأفق بصيصاً من الأمل في قرار وقف إطلاق النار على المدى الطويل في محافظة إدلب، وقبول النظام السوري لأجندة الأعمال المشتركة أو للجنة الدستورية في جنيف. ولم يكن لتلك الأمور أن تحدث من دون الموقف الصارم المتخذ من جنب المجتمع الدولي، سواء كان ممثلا بالأتراك في إدلب أو بكافة جهودنا المتضافرة في الإبقاء على العقوبات الاقتصادية. ولذلك، فإننا سعداء للغاية بمداومة الاتحاد الأوروبي على فرض العقوبات من جانبه.
>لكنّ هناك سوريين يلومون العقوبات لمعاناتهم؟
– لا يمكنني مساعدة أي شخص بعد مرور ما يقرب من عقد كامل من التعرض المستمر لإرهاب نظام الأسد بأن يستمر في تصديق وتأييد الأسد وتكذيب المجتمع الدولي بأسره.
>هناك سوريون يلومون العقوبات وهناك دول عربية بدأت بالانفتاح على دمشق وعدّت «كورونا» مدخلاً لذلك. ما موقف أميركا؟
– هذا سؤال يكتنفه الكثير من الغموض بسبب عدم تحديد البلدان العربية المقصودة. وأفكر في بعض البلدان العربية، مع عدم رغبتي في الإفصاح عن المسميات علنا، ولكننا نعرفهم جيدا، ونحن على تواصل مستمر معهم. ونحن ننظر في أمرين مهمين: أولا، أن هذه التواصلات منعدمة الأثر والنتيجة. وثانيا، هم لن ينالوا أي شيء من الأسد. ولقد رأينا إحدى هذه البلدان، ويمكنني ذكر اسمها نظرا لتداول وسائل الإعلام الأمر سابقا، إذ أعادت الإمارات الاعتراف الدبلوماسي، ولم تحصل على شيء في المقابل من جانب الأسد. وأعتقد أنه بالكاد أعرب عن امتنانه وشكره لهم. وأعلم تماماً أنهم لن يتمكنوا من تغيير دفة سياساته، كما أعلم أنهم لن يتمكنوا من تقويض سياستنا.
واعتقد أن بعض الشخصيات في المنطقة يحملون أفكاراً مغلوطة، ورغم وجودي المستمر عبر مختلف المنافذ الإعلامية الرسمية، فضلاً عن أحاديث الرئيس دونالد ترمب، ووزير الخارجية مايك بومبيو، المتكررة حول الأزمة السورية وإدلب، يظنون أنه ربما هناك سياسة أميركية أخرى لا أعرفها تسمح لنا بعقد الصداقات مع نظام الأسد. لا وجود لمثل هذه السياسة على الإطلاق. ولن يكون هناك مجال لوجودها من الأساس. ولم يكن هناك وجود لمثل هذه السياسة حتى في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما السابقة.
>في هذا الصدد، ما الذي تتوقعونه من القمة العربية المقبلة، إذ يعمل الجانب الجزائري الآن على قدم وساق لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية؟
– هذا سؤالنا الذي نطرحه على جامعة الدول العربية: ما الذي تغير منذ اتخاذ الجامعة العربية قراراها تجميد عضوية الحكومة السورية في عام 2012؟ هل سقط عدد من القتلى الآن أقل ممن سقطوا في السابق؟ نعتقد أن الرقم الآن يصل إلى نصف مليون مواطن عربي في سوريا. وهذا ليس من الأمور المشجّعة على دعوتهم مجدداً للانضمام إلى الجامعة العربية. هل امتثل النظام السوري لأي من دعوات الأمم المتحدة للمصالحة؟ كلا، لم يفعل.
ما هي النسبة المئوية الفعلية للسكان السوريين الذين جرى طردهم من منازلهم أو هم اضطروا إلى الفرار منها بسبب قمع النظام في عام 2012 عندما اتخذت الجامعة العربية قرارها المشار إليه؟ ربما بلغت النسبة 5 إلى 10% من إجمال تعداد السكان في سوريا، لكن، كم تبلغ النسبة الآن؟ لقد وصلت إلى 50%.
حريٌّ بالجامعة العربية أن تطرح على نفسها سؤالاً: هل لديها – كجهة حوار – بلدانا بصفتها الرسمية أو لديها – كجهة حوار – أناس يمثلون تلك البلدان؟ ذلك لأن شعب هذه الدولة، سوريا، قد برهنوا مرارا وتكرارا عن شجاعتهم وبسالتهم والتزامهم منقطع النظير بفرار نصف السكان من تحت عباءة نظام الأسد.
– إيران
>يعتقد بعض البلدان العربية أنه من خلال عودة الحكومة السورية إلى عضوية الجامعة العربية ربما يؤدي ذلك إلى إبعاد سوريا عن إيران، فما رأيكم في ذلك؟
– يا لها من فكرة جنونية. بادئ ذي بدء، تملك إيران مواطئ أقدام شديدة الرسوخ في الدولة السورية وداخل المجتمع السوري. وهي ليست بمثل السوء الذي يمثله «حزب الله» في لبنان أو الميليشيات الشيعية في العراق، لكنني أعلم بمجريات المثالين المضروبين تماماً لا سيما الحالة العراقية، لكنه أمر مثير للكثير من القلق. وليس لدينا نحن فحسب، وإنما نعلم أنه يثير بواعث القلق لدى النظام السوري والجانب الروسي كذلك. هناك ميليشيات جرى تشكيلها، وتمويلها، وتجهيزها من الحكومة الإيرانية وتتلقى أوامرها المباشرة من طهران. هناك مزاعم متداولة، ولم أقف على تأكيد أي منها، ولكنها تتعلق بجهود نشر المذهب الشيعي على حساب المذهب السني في سوريا. وتعلمون جيدا تاريخ العشائر في جنوب العراق إبان السنوات الأولى من القرن الماضي. وتلك الأمور من المجريات المعتادة في منطقة الشرق الأوسط، ولا أستثني الإيرانيون منها.
والأمر الآخر الذي يستحق تفكير الناس وتأملهم أن سوريا هي من البلدان التي شهدت وحشية النظام تجاه شعبه، وذلك من الأمور المريعة، حتى عند مقارنتها بما يجري في فنزويلا أو كوريا الشمالية. ولا يعرف النظام إلا وسيلة واحدة فقط، وهي ذبحُ شعبه وإرهابُه، لا سيما المواطنين السنة من أبناء الشعب السوري.
والآن، فهل يعتقد أحد أنه سيغيّر من سياساته أو وسائله؟ من جهة، يمكن الاعتقاد أن الأسد ربما يغير من تحالفه مع إيران، ولا اعتقد أنه سوف يفعل ذلك، ولكنه أمر ممكن من الناحية النظرية. ولكن هل يعتقد من أحد أنه سوف يغير من أسلوب حكمه، أو أن الشعب السوري سوف يقبل بهذا الحاكم القاتل لأبناء شعبه مرة أخرى؟ كلّا البتة. إنه يحكم دولة شمولية وحشية ومروعة للغاية. وأين هي الدولة التي على استعداد لإقامة الشراكة مع نظام وحشي مثل النظام السوري؟ لا نعلم سوى دولتان هما روسيا وإيران. ونحن لا نعتقد أن دول الخليج العربي والبلدان العربية الأخرى ستكون على وفاق أبداً مع رجل مثل الأسد. يمكنهم الزعم أنهم يستطيعون النأي به بعيداً عن المدار الإيراني، وإنني أشكك في ذلك تماما. هل سوف توفر هذه البلدان القوات البرية، أو قوات حزب الله، والميليشيات الشيعية المستقدمة من أفغانستان وغيرها من الأماكن للحيلولة دون إقدام العرب السنة والعديد من الطوائف الإثنية في قوى المعارضة من الهجوم على نظام الأسد؟ كلا، إنهم لن يبلغوا هذا الحد، ولا اعتقد أنهم سوف يدعمون نظاما بقدر السوء الذي يمثله نظام بشار الأسد. ولن يتحملوا مسؤوليته. إنه أمر ينبغي على إيران وروسيا القيام به.
– غارات إسرائيل
>في الآونة الأخيرة، شنت إسرائيل الكثير من الغارات الجوية حول دمشق، وعلى طريق دمشق – بيروت السريع في تدمر. فما رأيكم في ذلك؟
– تدعم الولايات المتحدة الجهود الإسرائيلية في تأمين الدفاع عن الذات. إذ تواجه إسرائيل تهديداً وجودياً مستمراً من جانب إيران. ولقد قالوا (الايرانيون) مراراً وتكراراً في غير مناسبة إن مهمتهم تتمثل في تدمير إسرائيل. ولإيران في سوريا وجود كثيف، وتمرر من خلاله الأسلحة بعيدة المدى إلى «حزب الله» التي تستخدم في تهديد أمن إسرائيل. ونعرف على الأرجح عنصرين من العناصر الموالية لإيران داخل سوريا، ولدى إسرائيل الحق في اتخاذ ما يلزم من إجراءات إزاء ذلك، مع توخي العناية والحذر من الخسائر البشرية السورية، وهو الأمر الذي تراعيه إسرائيل، ومن ثم، فإننا نواصل دعمهم وتأييدهم بأي طريقة ممكنة.
>ما نوع الدعم المقدم لإسرائيل من طرفكم؟ هل هو سياسي أم لوجيستي؟ عبر قاعدة التنف العسكرية قرب حدود العراق؟
– إننا نوفر الدعم المطلوب لكي تتخذ إسرائيل التدابير الفعالة للدفاع عن نفسها، ومن خلال حماية نفسها فهي تحمي كافة البلدان المجاورة لنظام الأسد: مثل الأردن، وتركيا، والعراق، ولبنان.
>صرح وزير الدفاع الإسرائيلي مؤخراً بأن هدف الجهود الإسرائيلية هو إنهاء وليس تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا. فهل تعتقدون بإمكانية تحقيق هذا الهدف؟
– تتمحور سياستنا حول ضرورة مغادرة القوات الإيرانية للأراضي السورية كافة، جنبا إلى جنب مع كل القوات العسكرية الأجنبية الأخرى التي دخلت البلاد في أعقاب عام 2011، وهذا يشمل الولايات المتحدة. ايضا (اسرائيل) إن كانت كافة التقارير الواردة صحيحة بشأن القوات الجوية الإسرائيلية، التي تتضمن القوات الإسرائيلية، كما قد تتضمن القوات التركية كذلك.
>وماذا عن القوات الروسية؟
– دخلت القوات الروسية الأراضي السورية قبل عام 2011، وبالتالي، فإنهم مستثنون من ذلك. ولقد دخل الجميع إلى سوريا بعد اندلاع الحرب. فإذا كان هناك حل سياسي للحرب، مع زوال التهديدات التي تواجهها البلدان المجاورة مثل إسرائيل وتركيا من الأوضاع الراهنة في سوريا، نعتقد أنهما سوف يكونان على استعداد للسماح بعودة الأوضاع إلى طبيعتها في البلاد، وبقدر اهتمامنا بالأمر هناك، فإن هدفنا يكمن في عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وهذا يعني مغادرة، من بين أمور أخرى، القوات الموالية لإيران من الأراضي السورية كذلك.
– تغيير السلوك
>قلتم في وقت سابق إن العقوبات الأميركية قيد العمل والتنفيذ، وإن هناك مؤشرات تثبت ذلك، فما تلك المؤشرات؟
– على اعتبار عدم الكفاءة الإدارية التي يتسم بها النظام الذي يمتاز بامتصاص الدماء حرفياً ومجازياً فيما يتعلق بسحب الأموال، والسلع، والممتلكات من الشعب السوري مع إدارة نظام مالي واقتصادي بالغ السوء والفساد، ولكنهم لا يجيدون المحافظة على وحدة البلاد ومن ثم جذب الاستثمارات الأجنبية إليها، لقد ألحقوا الكثير من الأضرار بأنفسهم. فمن يرغب في استثمار أمواله في بلاد يحكمها الأسد؟ ولقد تعمدوا تدمير البنية التحتية الداخلية تماماً، وأجبروا الكثير من الأطباء، وأصحاب الكفاءات والمهارات الأخرى على الفرار من البلاد.
ومن الصعب الحكم على الأوضاع هناك مع النظر إلى الهبوط غير المحدود للعملة السورية (بلغت 1300 مقابل الدولار الأميركي) ومزاعم أولئك الذين يحاولون دعم النظام بأنهم خسروا ما قيمته 244 مليار دولار أي ما يساوي 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري بأكمله، خلال السنوات القليلة الأخيرة بسبب الحرب.
ومن الصعب أيضاً القول ما الذي يتعلق بتصرفات النظام السوري التلقائية وما يتصل منها بالعقوبات الدولية المفروضة عليه. وأستطيع القول بصفة عامة إنه فيما يتعلق بالاقتصاد السوري فإن الأمر يرجع بالكامل إلى ما فعله النظام السوري في نفسه. إن العقوبات الاقتصادية تزيد من سوء الأوضاع على دائرة الشخصيات المقربة للغاية من رئيس النظام، وهذا ما نحاول على الدوام الوصول إليه. ونريد أن نوضح لتلك الشخصيات الأمر بأنه لا مستقبل واضحاً أمامهم إذا استمروا في دعم وتأييد الأسد. وحريٌّ بهم ممارسة الضغوط من أجل الانتقال السياسي في سوريا.
>قلتم من قبل إن العقوبات الدولية ستجبر دمشق على تغيير سلوكها. كيف؟
– نعتقد أن الأمر يتعلق بالجمع بين مختلف الأدوات والوسائل: نسبة الـ50% من الشعب السوري الذين غادروا البلاد، وحرمان الدولة من مواردها السكانية المهمة، أو من أغلب هذه الموارد، والمساحات الشاسعة من الأراضي غير الخاضعة لسيطرة النظام الحاكم، ومن غير المرجح عودتها تحت سيطرته مرة أخرى بسبب القوى الخارجية الكبيرة والنافذة على الأرض، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. والهجمات المدمرة التي تستهدف الإيرانيين والسوريين من الجو (الغارات الجوية الإسرائيلية) الأكثر عدائية وفعالية، ونقص المساعدات الدولية في جهود إعادة الإعمال الداخلية، ونبذ وإقصاء النظام السوري من جانب جامعة الدول العربية ومن جانب الاتحاد الأوروبي كذلك.
نحن نعتقد أن هذه الصيغة ستدفع النظام السوري في خاتمة المطاف إلى السعي وراء التسوية المتفاوَض بشأنها بين مختلف الأطراف المعنية، عوضاً عن الاستمرار في السعي وراء الانتصار العسكري الموهوم من دون تسوية تُذكر، وذلك ما يستمر النظام السوري في فعله حتى الآن.
– إدلب
>قلت من قبل إن إبقاء النظام بعيداً عن إدلب هو من الأهداف الاستراتيجية، أليس كذلك؟
– نعم، هذا صحيح تماماً.
>وقلتم أيضاً إنكم تريدون من تركيا محاربة الجماعات المتطرفة في إدلب؟
– أجل، نريد ذلك فعلاً. ولدينا إشارات تفيد بأنهم يفعلون ذلك، وبفعالية كبيرة.
>كيف يمكنكم الجمع بين هذين الهدفين في الوقت نفسه؛ إبقاء إدلب خارج سيطرة النظام مع محاربة الجماعات المتطرفة هناك؟ وما رأيكم في الاتفاق التركي – الروسي بشأن إدلب؟
– أعتقد أن الاتفاق سيستمر وفق استمرار الضغوط التركية المتواصلة على «هيئة تحرير الشام». ولا نعتبر «هيئة تحرير الشام» تشكل تهديداً مباشراً للقوات الروسية في سوريا فحسب كما يزعمون، بل إنها تشكّل تهديداً لنا جميعاً نظراً لأنها جماعة إرهابية، وهي تهديد أيضاً لقوى المعارضة السورية المعتدلة في إدلب، وهذا من بواعث القلق الحقيقي لدينا. ولا نرى من سبب أو عذر أو مبرر لشن هذا الهجوم (هجوم النظام السوري على إدلب) أو لكي يبدأ مرة أخرى. وعلى منوال مماثل، فإننا نرحب بالتعامل التركي المستقل مع «هيئة تحرير الشام». وهم ملتزمون بذلك اعتباراً من سبتمبر (أيلول) 2018، وكذلك في الاتفاق الجديد المشار إليه، وهذا أمر جيد.
>وهل تعتقدون أن الاتفاق لا يزال قائماً؟
– أعتقد أنه سيكون مستمراً خلال الشهور القليلة المقبلة على أقل تقدير.
– شرق الفرات
>دعنا ننتقل بالحوار إلى شمال شرقي سوريا حيث توجد القوات الأميركية. لقد لاحظنا في الآونة الأخيرة أن الجانب الروسي يرسل المزيد من القوات العسكرية إلى هناك، وأنهم سيطروا على قاعدة القامشلي العسكرية، ويواصلون الاقتراب من المواقع العسكرية الأميركية هناك. فما تقديركم للأوضاع في تلك المنطقة؟
– لدى الجانب الروسي وحدات من الشرطة العسكرية خفيفة التسليح. وهم يواصلون الانتقال في دوريات من 3 أو 4 أو 5 مركبات، وأحياناً ما يذهبون إلى هنا أو إلى هناك، ولكن لا وجود لقوات عسكرية روسية حقيقية وكبيرة على الأرض. وليس هناك ما يسمى الاحتلال الروسي، وينسحب الأمر نفسه على الحكومة السورية، باستثناء بعض القواعد العسكرية القليلة في القامشلي ومدينة دير الزور، ليس لهم وجود حقيقي على الأرض هناك. ربما بعض المواقع المتقدمة مع تسيير بعض الدوريات الراكبة. إن القوات المنتشرة على الأرض بأعداد كبيرة تبلغ عشرات الآلاف من القوات هي «قوات سوريا الديمقراطية»، وهم شركاؤنا في مواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي.
>في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحدث الرئيس دونالد ترمب عن سحب القوات العسكرية الأميركية من شمال شرقي سوريا، ولا تزال القوات الأميركية منتشرة هناك حتى اليوم. فإلى أي وقت أنتم باقون؟
– سيستمر وجودنا هناك حتى الانتهاء تماماً من مهمتنا العسكرية إلحاق الهزيمة الكاملة بتنظيم «داعش».
>هل يمكننا القول إنها مهمة عسكرية مفتوحة هناك؟
– لا يمكنني تأكيد عبارة «مفتوحة المدة»، ولكن أود تأكيد فقط ما ذكرته آنفاً.
>ما الذي سوف تقولونه لحلفائكم من «قوات سوريا الديمقراطية» مقدماً قبل الانسحاب؟
– الانسحاب الكامل من شمال شرق سوريا ليس على جدول أعمالنا راهناً، ذلك لأننا لم نشهد حتى الآن الهزيمة الدائمة لتنظيم «داعش».
– روسيا
>بالعودة إلى العلاقات الحالية بين واشنطن وموسكو. هناك محادثات متداولة بين بعض المسؤولين الأميركيين والروس في كل من واشنطن وموسكو وفيينا. فأين نحن من هذا السياق؟ وهل مقاربة «خطوة – خطوة» لا تزال قائمة والتنفيذ؟
– كما تعلمون، لدينا مستويات متعددة من المحادثات مع الجانب الروسي، ولكننا نلتزم الصمت الدبلوماسي إزاء تلك المداولات. مع استثناء وحيد عندما سافر الوزير مايك بومبيو إلى منتجع سوتشي الروسي للاجتماع مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، ومع الرئيس فلاديمير بوتين، وللمناقشة بشأن الأوضاع في سوريا، وللحديث حول جهودنا للوصول إلى التسوية السياسية هناك. ولقد طرحنا الأمر برمته أمام الرئيس بوتين والسيد لافروف، ثم عقدنا مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع السيد لافروف، وكل هذه المجريات معروفة ومسجلة.
>ماذا عن الانتقادات الإعلامية الروسية الموجهة ضد دمشق؟
– نعتقد أن روسيا تدرك جيداً ما يجري في سوريا. ونعتقد أن روسيا تدرك أيضاً نوع الحلفاء هو الرئيس(السوري) بشار الأسد. ونعتقد أن تلك الأمور تتحدث عن نفسها.
>هل تعتقدون أن هناك ما يعكر صفو الأجواء بين موسكو ودمشق؟
– أعتقد أن الأوضاع تتحدث عن نفسها كما قلت آنفاً. أنت صحافي، وعندما تكتب مقالات فأنت تريد من الناس قراءة ما كتبت، أليس كذلك؟
>هل تصدق ما يُكتب؟
– إذن، صدّق ما هو مكتوب في الصحف.
>هل تواصَل الجانب الروسي معكم بشأن نفس الأمور؟
– نحن لا نشارك تفاصيل المداولات والمبادلات الدبلوماسية مع محاورينا الروس الأعزاء.
– انتخابات
>نعلم أن التقرير الصادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وجّه اللوم إلى النظام في دمشق بشأن هجوم على اللطامنة في ريف حماة في عام 2017، ونعلم كذلك أن دمشق نفت علاقتها بهذا الهجوم. فما هي في رأيكم الخطوة التالية على هذا المسار؟
– ترفع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية نتائج التقارير إلى مجلس الأمن الدولي، ولقد كانت تقارير مأساوية للغاية، ولم يكن الحديث يتعلق بقوات النظام السوري من حيث استخدامها للأسلحة الكيميائية فحسب، وإنما من حيث أن قرار شن الهجمات الكيميائية قد اتخذ لدى أعلى المستويات في الحكومة السورية.
وفي الأثناء ذاتها، يتعامل مجلس الأمن الدولي كذلك مع مجلس التحقيق في الأمم المتحدة، والذي خلص إلى أن النظام السوري، والقوات الروسية بدرجة من الدرجات، ضالعين في استغلال تمرير منظمة الأمم المتحدة لإحداثيات منشآت الإغاثة الإنسانية المدرجة على قوائم عدم الاستهداف العسكري، وبرغم ذلك وجهت ضدها الهجمات المتعمدة.
إننا نرى الأمم المتحدة، من زاوية السيد مارك لوكوك رئيس مكتب تنسيق الشئون الإنسانية في الأمم المتحدة وحتى السيد غوتيريش الأمين العام بنفسه، إذ يتحدثان بعبارات صريحة وصارمة عن المخاطر الإنسانية الناشئة عن إغلاق المعابر الحدودية من العراق ثم من تركيا، فضلا عن فشل النظام السوري في السماح بنقل السلع الإنسانية إلى المناطق المتضررة. ونرى المحاكم الألمانية التي تلاحق نظام الأسد لدعاوى التعذيب التي طالت العديد من المواطنين السوريين. ولقد انتهى الحال بهؤلاء المواطنين وقضايا التعذيب في ألمانيا مع الدعاوى المرفوعة أمام القضاء الألماني.
وهذا مجرد غيض من فيض كافة جهود المساءلة التي نبذلها، رفقة المجتمع الدولي ومختلف وسائل الإعلام في الكشف – وتلك هي الكلمة التي أفضلها: الكشف عن عن الإفلاس الأخلاقي الصارخ الذي يتسم به النظام السوري الحاكم، وتلك الجهات وثيقة الصلة به.
>ماذا عن عملية السلام تحت إشراف الأمم المتحدة؟ سمعنا غير بيدرسن –المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا– يقول إنه قد تمكن من إبرام اتفاق بين الحكومة والمعارضة بشأن جدول أعمال اللجنة الدستورية السورية؟
– أدلى السيد بيدرسن بدلوه في ذلك. ونحن ندعم جهوده بلا أدنى شك، بل نسبة 150 في المئة. كما نؤيد دعوته لإطلاق النار على الصعيد السوري بأكمله. ونؤيد أيضاً جهوده المستمرة في البناء على الاتفاق وفقاً لجدول الأعمال المتفق عليه. وهي من الخطوات الصغيرة، ولكنها خطوة مهمة للغاية على مسار المضي قدما.
>هل تعتقدون أنه من الواقعي في الآونة الراهنة الحديث عن إجراء الانتخابات الرئاسية الجديدة في سوريا تحت رعاية وإشراف منظمة الأمم المتحدة في عام 2021 المقبل؟
– نحن نعتقد أن الانتخابات هي من الأمور الصحيحة. وإذا عقد الأسد الانتخابات الرئاسية خلال العام الجاري أو في العام القادم، فلن يحظى بأي مصداقية دولية تُذكر. وستُقابل بالرفض التام من جانب المجتمع الدولي. ومن شأن المجتمع الدولي مضاعفة جهوده لإجراء الانتخابات التي تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة. وهذا هو الطريق الوحيد إلى الأمام على هذا المسار. وهذا ما تؤيده حكومة الولايات المتحدة الأميركية. إن السياسة التي نتبعها ثابتة ولن يطرأ عليها أي تغيير. وإنني أتطلع إلى العمل مع مختلف وسائل الإعلام، والأصوات، والجهات الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط من أجل الدعوة للحل السياسي ولإنهاء أعمال العنف والقتال داخل سوريا.
>هل ترون الانتخابات الرئاسية أمراً واقعياً؟
– يعتقد بعض الناس أنه أمر لا يتسم بالواقعية. ولا أعلم لماذا. لكن قبل عامين كان الناس يظنون أنه من غير الواقعي التفكير بأن آخر قلعة من قلاع المعارضة المسلحة في إدلب سوف تصمد لفترة طويلة من الزمن. وهذا هو حالها بعد مرور العامين المذكورين (هي صامدة) واعتقد بعض الناس أنه من المحال إجراء المحادثات بين الجانب السوري والمعارضة وممثلين عن الحكومة السورية أو الاجتماع سويا في جنيف. ولقد أجريت المحادثات المشتركة بينهم بالفعل. لماذا لا تثقون بأننا لا نتابع هذه السياسة فحسب، إذ نعتقد أنها تحمل إشارات النجاح، كما نعتقد بأنها تملك الإمكانات لإبرام الاتفاق الأكثر نجاحا في المستقبل.
**تم نشر نسخة من هذا المقال في «الشرق الأوسط».
بواسطة طارق علي | مايو 3, 2020 | Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
خرجت ولم تعد، هذه الجملة ليست محاكاة لفيلم يحيى الفخراني الشهير في ثمانينات القرن الماضي، بل هذا توصيف دقيق لرحلة سراب خارج أبواب منزلها، الأبواب التي لطالما ظلت موصدة في وجه أحلامها الكبرى، أحلام على شاكلة العيش حرة، وحرةُ بالمفهوم المشرقي عامة تعني للمجتمع ضياعاً للأخلاق، أما من وجهة نظرها فتعني امتلاكها لمفاتيح الحياة كما تشاء هي، لا الآخرون.
الفتاة العشرينية ضاقت بها الحياة ذرعاً مع أسرة متحجرة خلف باب بيت لا يعلم حال من بداخله إلا سكانه، سكانه الكثر على قلتهم، وجود ماجد ـالأخ الأكبر لسراب– حول حياتها إلى جحيم، فالأخوة المتباعدون صاروا قريبين من بعضهم كما لم يحدث منذ أيام الطفولة. يوميات الحجر الأولى مرت ثقيلة ومشبعة بالقسوة، تلك القسوة التي يصطلح أنها نوع من التعنيف القائم على النوع الاجتماعي.
القصة بدأت حين استمع ماجد خلسة لمكالمة ليلية عاطفية بين سراب وحبيبها السري (أمام عائلتها على الأقل)؛ فهي تنتمي لبيئة متوسطة الحال والثقافة على حد سواء، مكالمة ما بعد منتصف الليل تركت في وجهها أثر لكمة أحاطت بعينها، لكمة غيرت معها مفاهيمها للحياة الأسرية الخانقة، ولاحقاً، وليومين متتاليين ظلت عرضة للإهانة والتقريع والشتم. تقول سراب عن تجربتها: “لستُ من أولئك الذين يقبلون الإهانة، أنا ممتلئة بالحرية، الحرية التي تجعلني أطابق المثل القائل: تموت الحرة ولا تأكل من ثدييها”. وتضيف: “لم يكن هناك خيار آخر، لا بد من ترك المنزل ولو كان بطريقة الهرب”، كان ذلك في أواخر آذار، وبعد أقل من أسبوعين على بداية الحجر المقيت، على حد وصفها.
الفتاة الشامية الصغيرة تقطن عند صديقتها بعد الحادثة، لا أحد من أهلها يعرف أين هي، وهي ترجح أنهم أبلغوا الشرطة عما يبدو أنه حادثة اختفاء، وهي لا تبالي، فأثر اللكمة آلم روحها، لا جسدها، الحب ليس جريمة واكتشافها لمدى العنف المحتمل لدى ماجد جعلها تُعيد حساباتها بكل ما يتعلق بالأسرة ومفهومها، على حد تعبيرها.
التعارف الأسري
لا يمكن القول أن البيئة السورية الاجتماعية متمازجة ومتصالحة مع نفسها، وليس المكان هنا ملائماً للخوض بما فرضته الحرب من تغيرات اجتماعية طرأت على يوميات الأسر السورية، وليس من اللائق إرجاع الأمر لتبدل الظروف المعيشية عامة، فالأمر برمته يتعلق بالأمزجة التي طفت على السطح بكل وضوح، لتفرض معها تبايناً غير مدروس وأقله غير صحي في بيئة غير سوية.
ليست المشكلة في الأسرة بتكوينها المعرفي كنواة صغرى لبيئة كبرى، إنما المشكلة بالتباين الواقع بين أسرة وأخرى، الأمر الذي زاده الحظر وضوحاً، فبدل أن ينشغل أفراد الأسرة بيومياتهم المتعبة في الخارج، صاروا –حرفياً– منشغلين بيوميات بعضهم داخل المنزل، الأمر لا يبدأ بانتقاد الطعام، ولا ينتهي بمواعيد الاستحمام، مع المرور على الشكل والأسلوب والحديث وساعات النوم؛ فتجد الأب قد اكتشف فجأة أن ابنه ينام كثيراً، ويستيقظ في الظهيرة مثلاً، وهنا أحالت القاعدة كل الموجودين إلى متقاعدين بلا عمل بحكم الضرورة، ما يحيلنا إلى النكتة العربية التي صارت عرفاً، بأن الأب يصعب عليه أن يجد أحداً بلا عمل في المنزل؛ فعلى الجميع أن يعمل كخلية نحل في إصلاح أي شيء معطل، كل شيء، بدءا من الأشياء التي لا تعمل، وانتهاء بالأشياء التي تعمل، على طرافة الموقف، ولكنه ولد ضيقاً، يوماً بعد يوم صار غير محمول، يقول مازن (مهندس زراعي): “لا يعقل أن يوقظني أبي في السادسة صباحاً لأصلح معه سماعة الاستحمام، هي تعمل أصلاً، مشكلته أنها توزع الماء بشكل دائري، وهو يريده مخروطي، يعتقد أنني مصممها الأساسي، حقيقة لا توجد مشكلة في الحمام، المشكلة فقط أنه لم يهن عليه أني نائم بلا عمل”.
اكتشاف الذات
انطلاقاً من المقولة “تسعة أعشار العافية اعتزال الناس”، كان اكتشاف الناس لذواتهم، فالحظر فرصة جدية للغاية لجلوس الناس مع أنفسهم، في محاولة لمراجعة سير حياتهم في سنين مضت، بل وربما التركيز على اتخاذ قرارات لطالما كانت مؤجلة، وربما مستبعدة.
وحتى أنها فرصة جوهرية لاكتشاف الآخرين من أهلهم، الآخرون وهم المبعدون عن بعضهم قسراً بحكم ضراوة ظرف الحياة في الخارج، إذ فجأة تجد نفسك أمام أخ جديد، أخت جديدة، أب وأم غيرتهما سنون الحياة الأخيرة.
وليد أصابه الذهول حين رأى رسومات أخته هبة، لم يكن يعرف مسبقاً أن عاماً واحداً صقل موهبة أخته وجعل منها رسامة جميلة، يقول وليد: “آخر ما توقعته أن أرى رسوماً بهذا الجمال”، ويضيف :”منذ أشهر ربما لم أدخل غرفة هبة، لم نكن نلتقي أساساً، فطبيعة عملي تحتم عليّ العودة متأخراً للمنزل، والمغادرة باكراً، صدمت بحق بما أصبحت تصنعه، صارت غرفتها أقرب لمعرض احترافي”. وعن ذهوله يكمل: “حقيقة صدمني مظهر الغرفة واللوحات المعلقة فيها، أنا فخور جداً بما تعمل، وسعيد أكثر أنه صار هناك متسع من الوقت لأجالسها وأسمع منها عن هواجسها بالفن الذي ظل مستتراً داخل عقلها في كل هذي السنين من الاغتراب الذاتي عن أنفسنا”.
يوميات الحب حازت على نصيبها أيضاً، ليس في السلبية فقط، بل بالجانب الإيجابي أيضاً، لميرا قصتها مع الحب، قصتها التي أرادت بكل ثقة أن تبوح بها، ربما كان وضع الأسرة الاجتماعي لاعباً أساسياً في تكوين فكرة المكاشفة، فهي تريد أن تكون حقيقية مع أهلها، بل أن الحظر واشتياقها لحبيبها الذي لم تعد تراه شجعاها لإخبار أهلها، تقول: “انتظرت اجتماع المساء أمام التلفاز لأظفر باهتمام الجميع، وأخبرتهم عن رائد، حبيبي للعام الثاني على التوالي، صارحتهم بكل شيء، وكنت أثق منذ البداية أنهم أكثر انفتاحاً من رفض الأمر، أخبرتهم عن علاقتنا وعن نيته خطوبتي وعن كل شيء يتعلق به”. ردة فعل العائلة كانت هادئة ومتقبلة للموقف، بل وقرروا التعرف عليه، وأكثر من ذلك، خرقوا الحظر به، فصار زائرهم الوحيد في يوميات الحظر الطويلة، لأكثر من أسبوعين على التوالي، حتى اليوم، وكذا تحول اللقاء من المطاعم والمقاهي إلى داخل المنزل الممتلئ بأهله، وبذا كانت ميرا محظوظة، على خلاف معظم بنات جيلها، البنات المكبلات بأهلهن وأسوار منازلهن، داخل الحظر وخارجه.
اختلافات عقائدية
من الترف في مكان الحديث عن التموضع السياسي بعد عشرة أعوام من الحرب، فالمواقف حقيقة قد حسمت منذ عام الصراع الأول، ولكن الانفتاح السياسي الفردي أقله جعل من السوري أكثر قدرة على الانتقاد وإبداء الرأي، وكما في كل أسرة هناك مواقف عديدة حيال كل الأمور الحياتية، وكذا السياسية، فسمير استفاق فجأة على اعتراضه أن أخاه مؤيد شيوعي، سمير لا يحب الشيوعيين، يقول مؤيد: “أخي لا يحب الشيوعيين، وليس لديه سبب، وربما لا يعرف عنهم شيئاً، لكنه لا يحبهم فقط”. الخلاف سرعان ما تطور بين الشقيقين ليتحول إلى عراك يقض مضجع المنزل بأسره، فسمير الذي لم يحسم موقفه الحزبي رغم بلوغه عامه الثلاثين، إلا أنه صار أكثر امتعاضاً من تقبل آراء أخيه الانتقادية حيال عمل الحكومة السورية، بل راح يخونه غير مرة، موعزاً كثرة الانتقاد لتدبيرات خارجية تلوث عقول الشباب. وهو ما يرفضه مؤيد بالمطلق، والمهم بالأمر أن الشقيقين على شفا حفرة من فراق ايديولوجي غير مفهوم المعالم قد يحيل علاقتهما المبينة على وحدة الدم إلى نزف الدماء، ذلك حقيقةً ما توقف عن الحصول بين السوريين منذ سنوات طويلة.
الطلاق، أبغض الحلال
“لن أكمل معه يوما واحداً، إنه نزق ومتهور وغير محتمل”، تقول هيام عن زوجها، وتكمل: “لولا الحظر ولولا أن المحاكم مغلقة لخلعته حالاً دون تردد، أنا انتظر افتتاح المحاكم أريد الطلاق”. وترفض هيام أن تعلل سلوك زوجها بظرف الحجر الذي يؤثر نفسياً على الجميع، بل ترى أن حياتهما معاً صارت ضرباً من جنون، وتشكر الحجر الذي أتاح لها فرصة التفكير الملي في قرار الابتعاد.
تقول: “كانت حياتنا لا بأس بها، بالكاد نلتقي بالليل بحكم عمله الطويل خارج المنزل، وأنا كنت مشغولة طوال الوقت بحكم عملي كمُدرسة، أما الآن فقد اتضح كل شيء، لا يمكن أن نكمل سوياً في كل هذا التباين اليومي بالتصرفات”. قصة هيام التي تنتظر طلاقها تشبه قصص عشرات السوريين، ولكن الجيد في قصتها أن زوجها مقتنع أيضاً بالطلاق، فهو الآخر اكتشف استحالة استمرار حياتهما الزوجية معاً، رغم أنه لم يمض إلا عام على زواجهما.
الحظر الذي ألزمنا منازلنا جعلنا عراة أمام أنفسنا، جعلنا نعيش في مساحة لولبية تخلق داخلنا أفكاراً لطالما ظلت مستترة خلف حجاب اللاوعي، جعلتنا أكثر قرباً من أرواحنا، أكثر إدراكاً لأحلامنا، أقل تقبلاً لواقعنا، وأكثر تمسكاً بما نريد.
داخل كل أسرة سوريّة هناك حكاية فريدة، لا أحد سعيد بالمطلق، الجميع بدأ يكتئب ولو بدرجات، هذا ما ستلحظه من حديثك مع كثر، إلا أن ما يعول عليه هو القادم بعد الخروج من المنزل والعودة للحياة الطبيعية، فهل ستعود الحياة على شاكلة الفيلم الايطالي “perfect strangers”، الذي يتحدث عن سبعة أصدقاء قدامى متزوجين، يجتمعون ويذهبون لتناول العشاء، وهناك يقررون فجأة بأنهم سيتشاركون جميعاً في محتويات الرسائل البريدية والمكالمات، بحيث تصبح جميعها متاحة أمام بعضهم البعض، لكن هذا يجعل النقاب يسقط عن الكثير من الأسرار، لتتحول الأمسية إلى عراك وخيانات وخلافات وخسارات، لنجد في نهاية الفيلم حين نزول الجميع من منزل المضيف، اقتراب كل زوجين من بعض وسيرهم معاً متناسين كل ما حصل تماماً، مخططين لموعد السهرة القادم.
بواسطة Basileus Zeno | أبريل 29, 2020 | غير مصنف
جدل بين لاجئين سوريين حول “الحلم الأمريكي” في زمن الكورونا
قبل أيام، في إحدى المجموعات المهمة المعنية بموضوع اللجوء والهجرة، وجّه أحد الأعضاء في الصفحة “شكراً لأمريكا” بسبب تحويل مبلغ له ولعائلته ضمن حزمة المساعدات الحكومية للمؤهلين خلال أزمة فيروس كورونا حيث حصل وشريكته على مبلغ 2900$، تتضمن 2400$ للزوجين ($1200 للفرد)، و$500 لطفلتهما أمريكية المولد. وتابع قائلاً، رغم أنه ليس مواطناً أمريكياً إلا أنّ أمريكا استقبلته وعائلته ودعمتهم مادياً مثل أي مواطن أمريكي ودون تمييز وقت الأزمة.
عند هذا الحد، يبدو التعليق عادياً، وخاصة وأننا نعيش في أزمة اقتصادية وصحية كارثية وأي مساعدة قد تحل أزمة آنية. لكنّ التعليقات على بوست المشارك أغرقت في المديح والتطنيب وتضخيم الإيجابيات لتشطح إلى تجميل حتى أسوأ أشكال الظلم والاستغلال، بما فيه شكر المستشفيات والجامعات التي زعم بعض المعلقين أنها مفتوحة بكل إنسانية للجميع في الولايات المتحدة!
ولم تتوانى العديد من الردود، التي كانت تسخر من التجارب السيئة والمُذلة للسوريين في الخليج وسورية على سبيل المقارنة، عن تصدير أوهام ورسم صور وردية لا أساس لها من الصحة، ولم تخلو المشاركات من إبراز النزعة الطبقية الفوقية والأنانية التي تختزل أثر بنى الاستغلال والعنصرية بتجربة فردية معزولة تُسوّق على أنها ناجحة، حيث يُقارن فيها الفرد مدى سوء أحواله القانونية والاقتصادية في الخليج، وسابقاً في سوريا، ومدى تحسنها وتطورها بعد فترة قصيرة من وصوله.
هذا الشكل من الخطاب النيوليبرالي السائد بين العديد من المهاجرين واللاجئين السوريين في الولايات المتحدة، خاصة من أبناء الطبقة الوسطى وميسوري الحال كما لاحظته خلال بحثي الميداني ومقابلاتي التي أجريتها لأطروحتي الدكتوراه، يتملّص من أي حس بالمسؤولية الجماعية والتضامن مع المُستغلين والمهمشين، ويلوم الفقراء على فقرهم وكأنهم عالات على المجتمع لا يبذلون جهدا ًكافياً للخروج من الثقب الأسود الذي ولدوا فيه أو انتهوا إليه لأنّ كل شيء ممكن في أمريكا وأوروبا، كما لا تفوتهم فرصة دون شتم اليسار والاشتراكية في ردة فعل على خطاب النظام السوري “النيوليبرالي” والممانعة!
يعكس هذا الخطاب قوة الإيديولوجية النيوليبرالية وقدرتها على إعادة إنتاج للذوات الضامنة لاستمرارها من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى يُظهر مدى انعزال بعض المهاجرين واللاجئين السوريين، الذين غادروا مع عائلاتهم من سورية أو كانوا أصلاً مغتربين في بلدان أخرى (خاصة في دول الخليج) واختاروا اللجوء إلى بلدانٍ أفضل لغاية الحصول على الجنسية، عمن تبقى من السوريين ضمن البلد يصارعون البقاء؛ ويؤيد العديد من هؤلاء استمرار الحرب العبثية ولا يُخفون احتقارهم لمن لا يثورون ضد النظام في هذه الظروف، كما يدعمون فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية رغم عدم نجاعتها في إسقاط أي نظام وآثارها الكارثية على الناس العاديين.
لهذا الخطاب أثران سلبيان على الأقل
الأثر الأول، إحباط المتابعين للصفحة، وهم بالآلاف، والعديد منهم سوريون يعتمدون على هذه الصفحات المتخصصة كمصدر للمعلومات ومشاركة التجارب وينتظرون فرصة لم الشمل بأحبتهم المقيمين في الولايات المتحدة أو غيرها، وهم في انتظار مؤلم لمرحلة انتهاء معالجة أوراق لمّ الشمل. كما يوجد العديد من الأعضاء الذين مازالوا محاصرين في سوريا ويحلمون بمغادرة جحيم الحياة هناك، ولم يستطيعوا ذلك لأسبابٍ تتعلق بالفقر أو الخدمة العسكرية أو الخوف من خسارة الممتلكات أو السن أو الإصابة، بالإضافة إلى الملايين ممن علقوا في دول الجوار يعيشون خوفاً وجودياً من الترحيل أو العنصرية، سيما في لبنان وتركيا، والتي أدت إلى تفشي ظاهرة العمالة الرخيصة المستغّلة ودفعت البعض إلى الانتحار أو التعرَض للقتل.
الأثر الثاني، يساهم هذا الخطاب، بتغذية الخطاب النيوليبرالي الرسمي هنا، والذي يقوم على تهميش دور البنية والقاعدة الاقتصادية ونمط الإنتاج وعلاقات الاستغلال غير المحدودة في إنتاج شروط حياة الناس وهيكلتها، كما يتغاضى عن الهيمنة التاريخية للبيض وتحكمهم حتى بالهندسة الديمغرافية لأصوات الناخبين عبر نسج شبكة من القوانين التي تضمن إعادة إنتاج النظام إلى جانب إيديولوجيته: “الحلم الأمريكي.”
يحلو لهؤلاء ترديد أنّ “أوباما أسود” كدليلهم على المساواة أمام القانون الأمريكي وأنّ كل شيء ممكن هنا للمجتهدين، وخلال أحاديثهم قد يشرحون لك بفخر أنهم لا يسكنون في “أماكن قذرة” أو “خطرة” كما سمعت مراراً، وكأنّ مجرد وجود سكان سود في المنطقة (X) هو سببٌ مباشر لانتشار الفقر وسوء الخدمات وتدني مستوى المدارس، والأسوأ أنّ بعضهم مازال يشير إليهم بوصفهم “زنوجاً” (Nigger) وقد يدعوك لأكل حلوى “رأس العبد”.
المؤسف أنّ العديد من الكتابات الأكاديمية التي تتناول اللاجئين تساهم بنزع أنسنتهم عبر الإفراط بأنسنتهم، فبالكاد تجد مثلاً كتابات تصور النزاعات بين اللاجئين أنفسهم، من حيث التمييز الطبقي أو الطائفي أو الجندري أو الديني أو العرقي. على العكس، نجد مثلاً في الحالة السورية، كتلة متماسكة لا ملامح لها من اللاجئين والنازحين السوريين، “جميعهم” هربوا من جرائم النظام وتجمعهم قضية عادلة ومأساة المنفى وخسارة الوطن والحلم المسروق.
لولا أني أعيش في أمريكا منذ 8 سنوات، أمضيتها في الجامعات بين أوهايو وماساتشوستس، وتنقلت في العديد من الولايات، لظننت من قراءة المديح بالنظام الأمريكي العادل أني أعيش في “حلم أمريكي”. مما لا شكّ فيه أنّ أمريكا تحتوي العديد من المزايا الإيجابية التي تتيح للفرد استثمار طاقته وخبرته وتدعم البحث والتطور العلمي، وتجربتي الشخصية إيجابية في هذا المجال، عدا عن فرص العمل الواسعة بالمقارنة مع غيرها من الدول والدعم والنقد البنّاء، بالإضافة إلى المبادرات المنظمة العديدة التي تقاوم الممارسات والقوانين العنصرية وتعمل دون كللٍ لتحسين حقوق الإنسان دون تمييز مستفيدة من هامش الحرية الكبير، ولكن للأسف يتم تصوير واقعٍ مثالي مختلفٍ يستند إلى مبالغاتٍ ومعطيات غير دقيقة.
قد تبدو بعض المعلومات التي سأطرحها في هذا المقال بديهية بالنسبة للأمريكيين وغير الأمريكيين المقيمين فيها، إلا أني ارتأيت توضيحها لقراء اللغة العربية من موقع المسؤولية وخاصة تجاه الباحثين بيأس عن خلاص من أوضاعهم في سوريا ومناطق اللجوء والنزوح المجاورة وهم يسمعون رواياتٍ وردية زائفة تشبه روايات المجرمين من المهربين الذين كانوا يعدون الهاربين على السواحل التركية بيختٍ سياحي وبضعة ركاب قبل زجهم في قارب تتوقف نجاة ركابه المحشورين كالسردين على الصدفة، وهو في طريقه إلى “الجنة الموعودة” عبر اليونان. لن أتناول في هذا الرد مسألة احتلال العراق وتحطيمه ولا القواعد العسكرية وانتهاكات القوانين الدولية ولا العقوبات الاقتصادية التي تدمر حياة الناس العاديين، ولا تؤثر بأية أنظمة، ولا مسألة دعم أنظمة عنصرية ومحافظة بمساعدات وأسلحة (كتلك التي تفتك باليمنيين)، ولن أناقش محاولة إزالة الفلسطينيين المحاصرين من الوجود وإرغامهم على الاستسلام في “صفقة العصر”، فقد باتت هذه المسائل للأسف مجرد قضايا ثانوية وخطاباً متخشباً، بل أصبحت هذه الإجراءات مرحباً بها علنا ًمن قبل البعض طالما أنها تؤذي “أعداء الثورة” أو “الأنظمة الدكتاتورية” أو “ميليشيات الطوائف الأخرى”.
معطيات من “الكابوس الأمريكي”
أولاً، بالنسبة للمبلغ فهو يُصرف لمرة واحدة للذين تنطبق عليهم الشروط وحسب، وقد يبدو للمقيمين خارج الولايات المتحدة الأمريكية أنه مبلغ كبير، لكن القدرة الشرائية لهذا المبلغ لا تكفيك كعائلة لأكثر من شهر ونصف، وحسب المنطقة التي تسكن فيها (أجرة شقتي مثلاً 1560$ في الشهر دون الفواتير)؛ كما أنه ليس “منحة كريمة” من حق الجميع كما تمّ الزعم، وإنما لدافعي الضرائب حصراً، وينبغي أن يكون الدخل السنوي للمؤهل تحت عتبة محدّدة، وكأنّ فيروس الكورونا يُميّز بين دافع ضرائب ومواطن ومهاجر “غير شرعي”. وبالمناسبة، لا يمكن للرأسماليين أن يُفوتوا فرصة تفوتهم دون العيش كعلقات تمتص الثروة على حساب الموت والكوارث، فقد صاغ الجمهوريون ثغرة قانونية مكنت نحو 43000 ألف مليونيراً مسكيناً ممن دخله يزيد عن مليون دولار سنوياً من الحصول على 1.7 مليون دولار مساعدة، أي أنّ ما يعادل 82٪ من الفوائد المالية لهذه المنحة ستكون لصالح الأغنياء.
ثانياً، قد لا يعلم معظم المقيمين خارج الولايات المتحدة، أو من ينعمون بحياة أسهل في ظل أنظمة الرفاه الاجتماعي، أنّ الجامعات والمشافي “غير مجانية” في أمريكا، وهناك سيطرة مافيوية من قبل “البيغ فارما” وشركات التأمين على القطاع الصحي وأسعار الأدوية الجنونية (مثلاً سعر جرعة الأنسولين في كندا $25، بينما نفسها في أمريكا حوالي$300 بعد أن كانت حوالي $100 قبل عشر سنوات)، بفعل سيطرة اللوبيات على العديد من أعضاء الكونغرس ودور الشركات الكبرى في صياغة بعض القوانين التي تعود بالأرباح على الشركات الخاصة،(من ضمنها أيضاً مؤسسات السلاح والشركات الأمنية الخاصة التي تكسب من خلال عقود لسجن الموقوفين في سجون خاصة)، عبر جهود جيوش من المحامين الذين يعملون بالتنسيق مع أعضاء في مجلس الكونغرس والشيوخ لضمان قوننة مصالحهم وحمايتها.
تكمن المفارقة أن ما يُطلق عليه في التقارير الحكومية ومنظمات الشفافية بأنه “رشوة” عند ممارساتها في دول العالم الجنوبي، يطلق عليه هنا اسم “لوبي” أو جماعات المصالح Interest Groups، وهي رشوة أيضاً لكنها ممأسسة. هذه الشركات الربحية التي انتعشت كالفطور، خاصة بعد سلسلة من القوانين النيوليبرالية في عهد رونالد ريغان، باتت جزءاً أساسياً من الأزمة التي نعيشها اليوم، والتي تفاقمت إثر أكثر من 40 عاماً من سياسات منهجية استهدفت تجفيف القطاعات العامة من مواردها، وإعفاء الشركات الكبرى من الضرائب، فأمازون مثلاً دفعت مبلغ صفر دولار كضرائب فيدرالية في العام 2018، في حين حققت أرباحاً وصلت إلى 11.7 بليون دولار.
على صعيد الاستثمار في القطاع الصحي والطوارئ، كان ترامب على سبيل المثال، لا الحصر، قد أمر بسحب مبلغ 271 مليون دولار من قطاعات فدرالية، من ضمنها مبلغ 155 مليون دولار من صندوق الإغاثة من الكوارث التابع للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، وذلك بهدف تمويل مراكز اعتقال تسمح باحتجاز 50 ألف مهاجر وطالب اللجوء.
أمريكا هي البلد الصناعي الديمقراطي المتقدم الوحيد الذي لايوفر لمواطنيه تأميناً شاملاً باعتباره حقا ًمن حقوق الإنسان (وكان هذا المحور الأساسي في نشاط المرشح الاشتراكي الديمقراطي بيرني ساندرز وحملته الانتخابية التي أوقفها بسبب نجاح تحالف الديمقراطيين الرأسماليين في مؤسسة الحزب الديمقراطي ودعمهم لترشيح جو بايدن للحفاظ على النظام القائم). كما لا توجد إجازة مرضية مدفوعة مكفولة من الدولة، حتى في أوج الأزمة، وإنما الموضوع متروك حسب رغبة صاحب الشركة وعقد العامل أو منصبه. مؤخراً تظاهر عشرات العمال في شركة أمازون العملاقة في نيويورك وديترويت وشيكاغو وخرجوا من أماكن العمل معترضين على إهمال توفير الشروط الصحية وعدم منح إجازة مرضية او اختبارات لفيروس الكورونا، وتسبب تسريب حول فضيحة فصل أحد العمال من نيويورك، بسبب اعتراضه على سلوك الشركة الرافض لتحسين الشروط الصحية في المراكز أو توفير اختبارات للعمال حينها، إلى إحراج الشركة، حيث أظهر التسريب اجتماع مجلس الإدارة بحضور جيف بيزوس ودرسوا كيفية تشويه سمعة العامل العاق لمحاربة حراك النقابات المطالبة بتحسين ظروف العمال.
أما على صعيد قطاعي التعليم والصحة “الإنسانيين”، بحسب وصف بعض المعلقّين السوريين، فإنّ معظم الأمريكيين غارقين في الديون للجامعات والمستشفيات، ولم تبقى غير مدارس الأطفال لم تتم خصخصتها بالكامل، مع وجود مشروع لذلك. تُقدّر الإحصاءات عدد الأمريكيين المديونين بسبب قروض الدراسة الجامعية بـ45 مليون أمريكي، كما يموت على الأقل 45000 ألف أمريكي سنوياً بسبب عدم قدرتهم على شراء تأمين صحي. ولطرح مثال حول كارثية النظام الصحي ووحشيته تجاه الفقراء، خاصة في ظروف انتشار وباء الكورونا، تُقدّر فاتورة تكلفة العلاج في المستشفى لمن ليس لديه تأمين بين $42,486 – $74,310 وقد تدفع نفس الفاتورة كذلك إذا اعتبرت شركة تأمينك المستشفى الذي عالجك خارج نطاق شبكتها، وستتدفع الآلاف من الدولارات كجزء من فاتورة محتملة تقدّر بين 21,936$ – 38,755$ حتى لو تمت معالجتك من قبل مزودي خدمة صحية ضمن نطاق الشبكة (موضوع التأمين معقد، ولكن لا يتاح للطبقة العاملة والوسطى تأمين لا يُدفعهم أي مبلغ من جيوبهم الخاصة).
ماذا عن القانون وقوة المؤسسات والعدالة؟ بالنسبة لموضوع أنّ الجميع متساوين أمام القانون، هذا صحيح نسبياً لكنه غير دقيق ولا يأخذ بعين الاعتبار تحيّز القانون ضد السود، ويتجاهل أن الولايات المتحدة تحوي أكبر عدد معتقلين بالنسبة لعدد السكان والمساحة في العالم متفوقة على الصين والهند وروسيا والفليبين، بحيث لو جمع الـ 2.2 مليون معتقل بالغ في مدينة لكانوا ضمن سكان أكبر عشر مدن في الولايات المتحدة. العديد من القوانين سُنّت أساساً لاستهداف السود واللاتينيين، بما فيها “تجريم” الماريغوانا لعقود طويلة، وإبقائهم في ظروف فقر من حيث الخدمات بحيث لا تتوافر لديهم فرص تؤهلهم لارتقاء السلم الاجتماعي وتحسين أوضاعهم الاقتصادية سوى التجارة “غير الشرعية” و “غير المرخصة”. كما تحمي العديد من القوانين رجال الشرطة من المحاسبة حتى عند ارتكابهم جرائم قتل، غير مبررة وموثقة، بحق مواطنين سود مما أدى تفجر حركات احتجاج من حين لآخر أثمرت عن تشكيل حراك قاعدي قوي عام 2013 بات يُعرف بـBlack Lives Matter أو (حياة السود مهمة). وربما أحد أسوأ أشكال نظام العدالة الأمريكية الذي يعكس تحيزا ًطبقياً وعنصرياً يتمثل بنظام الكفالة الربحي “Bail system”، حيث يُتيح هذا النظام للمتهمين الأغنياء (معظمهم بيض) إمضاء فترة ما قبل المحاكمة، التي قد تصل لسنوات، خارج السجن وفي منتجعاتهم، في حين لا يستطيع المتهم الأسود أو اللاتيني، حتى وإن كان متهماً ظلماً، أو عائلته في معظم الحالات من تحمل نفقات خروجه من السجن، ويُعامل معاملة السجين بما فيها العمل لإنتاج مواد لصالح الشركات الربحية التي تتعاقد مع السجون فيما يُعتبر من قبل العديد من الباحثين استمراراً لنظام العبودية وعمل السُخرة، والذي من المفترض أنه قد ألغي بالتعديل الدستوري 13 )كان وثائقي (13) من أفضل ما أنتج حول عنف هذا النظام وعنصريته المؤسساتية(.
على صعيد الحياة اليومية للعائلات، تتفاوت تكاليف المعيشة والرواتب من مكان لآخر، ولكن معظم الرواتب لا تكفيك سوى لدفع الفواتير، دون إمكانية لحفظ مبالغ للطوارئ، وبسهولة يمكن أن تنتهي إلى الشارع في حالة خسرت عملك، وكنتَ مثلاً غير مؤهلا لفتات المساعدات التي لن تسمح لك حتى بدفع أجار بيتك، وعلى عكس الأوضاع في سوريا قبل الحرب، حيث كان من الممكن أن تستدين من أهلك أو أصدقائك وقت الحاجة أو أن تشتري بالدين من السمّان، جارك الصبور في الحي، لا يمكن لأحد تقريباً أن يساعد حتى أخوته في أمريكا. وإذا كان لديك ابن أو ابنة مثلاً دون سنّ المدرسة، فالتحدي الكبير أن تجد “Day Care” أو حضانة تعتني بهم أثناء دوامك، وحتى عندما تجد قد تدفع معظم راتبك وإلا خسرت عملك. على سبيل المثال أرخص مكان قريب من جامعتي، يُكلف حوالي 60 دولار باليوم، حضانة الجامعة عادةً أرخص بقليل لكنك ستنتظر سنوات قبل أن يأتي دورك، والوضع أسوأ في المدن الكبرى كنيويورك وسان فرانسيسكو. وعلى عكس معظم دول العالم، حتى الشمولية منها، لا توجد إجازة أمومة مكفولة بالقانون في أمريكا، ومعظم الأمهات تُجبرن على العودة مبكراً بعد أسبوعين للعمل، والعديد منهن يخسرن وظائفهن ويُطردن أو يعملن وظيفتين أو ثلاث لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، ويتفاوت سوء الوضع إن كنتِ أماً من أقليات (سود، لاتينيين..) أو بيضاء.
أما جغرافياً، فجميع المناطق في الولايات المتحدة مقسمة بحسب أرقام (Zip Code) تعكس ضمنياً فوارق طبقية وعنصرية مترسخة تاريخياً في بنية النظام، مصير حياتك فعلياً متوقف عليه، من حيث جودة المدارس المتاحة لأطفالك إلى الأمان وحتى الفوائد على أقساط البيت أو السيارة. يجب أخذ هذه العوامل جميعاً بعين الاعتبار لتحليل أسباب ارتفاع أعداد ضحايا الكورونا فايروس بين الأمريكيين السود بالمقارنة مع البيض بسبب عدم المساواة العنصرية الأساس، حيث لا يمتلك معظمهم ترف العمل من المنزل ومضطرين للعمل في قطاع الخدمات التي تعتبر أساسية، وأغلبيتهم لا يمتلكون سيارات خاصة أو منازل مستقلة مما يجعل فرص “التباعد الاجتماعي” أمراً مستحيلاً ورفاهية غير ممكنة لأغلبهم وليس لأنهم “جهلة” أو لا يتمتعون “بحس المسؤولية” تجاه مجتمعاتهم وبلادهم، كما يُروّج البعض.
خاتمة
أقرأ من حينٍ إلى آخر مقالاتٍ أو تعليقات على الفيس بوك وتويتر يكتبها كُتاب عرب مقيمين في الدول الأوروبية يُصدرون فيها تعميمات، لا تستند إلا على معرفة وتجربة محلية، حول جميع الأنظمة الديمقراطية بوصفها نقيضاً جوهرانياً لكتلة أخرى هي الأنظمة الشمولية، وتستهجن الهوس والمبالغة في مسألة الهويات والثقافوية عند تحليل الأوضاع في الولايات المتحدة الأمريكية مما يُنم عن مدى الانفصال عن واقع الحياة في الولايات المتحدة المنتظمة على أساس العلاقة العضوية بين الرأسمالية والعنصرية والمسيحية الإيفانجليكية. كما يتشارك مع هؤلاء ليبراليون يغضون النظر عن كافة أشكال التمييز والاستغلال والعنصرية البنيوية والمؤسساتية ويركزون وحسب على صندوق الانتخاب (وليس القوى القامعة “قانونياً” لأصوات الناخبين غير المرغوب بهم أو الناشطين الديمقراطيين) نكاية بأي نقد قد يبدو لهم “اشتراكياً” أو “يسارياً”، حتى ولو كانوا يُجملون أوضاعهم الاقتصادية المزرية. فلا يجد بعضهم مثلاً تناقضاً بين مزاعم المساواة المطلقة وعدم التمييز العنصري وقانون حظر السفر، ذي الدوافع العنصرية المعلنة، والذي تم تعديل لغة نسخه الثلاث، لتوافق عليه المحكمة الدستورية العليا، التي نعرف سلفاً حكمها لأنها تعكس الانقسامات الحزبية (الجمهوري- الديمقراطي)، فأصبح القانون مغلفاُ بقالب “حماية الأمن الوطني” وأنه من “صلاحيات” السلطة التنفيذية إقرار قوانين ترتأي أنها لصالح الأمة. كما يعيش العديد من المعلقّين، باعتبارهم طالبي لجوء أو مهاجرين، في حالة إنكار لمدى سوء نظام اللجوء في أمريكا الذي حرم آلاف العائلات من لمّ الشمل عبر مماطلات إدارية مقصودة لسنوات دون تفسير، وحرمان طالبي اللجوء من حق حصول القرار على طلباتهم بعد المقابلات التي قد تصل إلى ثلاث مقابلات يفصل بينها سنوات، كما تصل مدة الانتظار في العديد من الحالات إلى ست سنوات، وقد تنتهي بالرفض أو التحويل للمحكمة في انتظار جديد لسنوات طويلة وإضافة تكاليف باهظة للمحاميين.
بعد ذكر بعض هذه المعلومات على نحوٍ مختصر في معرض ردي على أصحاب “الحلم الأمريكي” وأعداء “الاشتراكية” لتوضيح أنّ هذا التجميل لأفظع أشكال الاستغلال الرأسمالي تزوير علني لحقائق الحياة هنا ويُعطي صورة مغلوطة عن أوضاع السوريين وغيرهم في الولايات المتحدة، هُوجمت من قبل عدد كبير من المعلّقين. معظم التعليقات تجنبت طرح أي معلومة مفيدة، وإنما اقتصرت على فكرة أنّ “أمريكا عظيمة”، في خطابٍ يشبه خطاب ترامب، وأنّ وضع فلان كان في الخليج غير مستقر، وآخر أصبح صاحب شركة هنا، ووبخني أحدهم قائلاً “إذا لم يعجبك الوضع ارجع إلى بلدك” مختصراً الردود الناقدة بأنها مجرد “نق”، وأنه على الأقل أستطيع كتابة هذا الكلام من قلب “الإمبريالية” دون خوف. يُخيل لي أنه لا يوجد تمييز بين “النقد” و “النق” [التذمر] رغم وجود حرف الدال في آخر الكلمة في لغتنا العربية، ربما من قلة الاستخدام وكثرة القامعين.
في سوريا كان يُقال لنا إذا لم يُعجبكم وضع الفساد والمحسوبيات العلنية والذل اليومي “اطلعوا من البلد”، وبعد انتفاضة عام 2011 أصبح التضييق على المنتقدين تهجيراً، أو اعتقالاً، أو قتلاً سياسة منهجية للنظام، ولدى العديد من الثائرين عليه على حدّ سواء. وفي الولايات المتحدة، يكفي مجرد نقد نشر معلومات كاذبة أو غير دقيقة، مع افتراض حسن النية، والسعي مع المُستَغلّين لبناء عالمٍ أكثر عدلاً ومساواة للجميع، إلى أن يجعلك عرضة لتقريع من العنصريين البيض وبعض السوريين على حدّ سواء صارخين في وجهك “ارجع إلى بلدك،” التي لم أعد أعرفها.
خلال سبع سنوات من الدراسة في الولايات المتحدة، وحالياً لدي ٥١ طالب وطالبة رائعون في صف “مدخل إلى السياسات المقارنة”، حيث ننتقد ونقارن ونحلل بين طبيعة الأنظمة والاقتصاد السياسي والفجوة الطبقية والعنصرية المتزايدة، لم يقل لي أحدهم “عد إلى بلدك” فبلدي أًصبح صفي وطلابي وزملائي.
[يُعاد نشر هذا النص بالتعاون والشراكة بين موقع “حكاية ما انحكت” مع «جدلية»]
بواسطة Amal Mohsen | أبريل 29, 2020 | Cost of War, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
تبدو التقارير التي تنشرها منظمة الصحة العالمية ووسائل الإعلام حول ندرة إصابة الأطفال بفيروس كورونا مطمئنة وواعدة إلا أنّ ما يحدث لهم من حالاتٍ نفسيةٍ أثناء الحجر قد تكون أشد خطراً وألماً عليهم وخصوصا في بلدٍ كسورية تعاني من صعوبات الحرب التي لم تنته بعد لتأتي جائحة كورونا وتضيف فصلا جديدا من فصول الخراب المستمر.
في الأيام الأولى للحجر كانت ابنتي الوحيدة (8 سنوات) تظنّ أنها عطلة رائعة أشبه بعطلة العيد، كانت سعيدةً لأننا سنجلس طويلاً معاً ولن أضطر لتركها والذهاب للعمل وسيكون هناك متسعٌ من الوقت لفعل أشياء ممتعةٍ ومسلية، ورغم جهودي لابتكار تلك الأشياء المسلية والمفيدة أصبحت جملتها المفضلة بعد مضي أسبوع واحد فقط: ” لقد مللت”!
في البداية حاولتُ استغلال الوقت المتاح لنا وتنظيمه وتوزيعه بين تدريسها لتعويضها عن انقطاع المدرسة، وبين ممارسة هواياتها المفضلة كالعزف والرسم والأشغال اليدوية، كما مارسنا التمارين الرياضية وشاهدنا الرسوم المتحركة وقرأنا جميع القصص في مكتبتها وتشاركنا أعمال المنزل، وعلى الرغم من كل المحاولات لكسر روتين الملل والقيام بأشياء جديدة إلا أنّ طول مدة الحظر جعلت كل ما نقوم به مملاً ومكرراً. من المؤكد أن التواصل الحسي المباشر ضروري ومهم لنمو شخصية الطفل من كل جوانبها، وحرمانه من الحركة والتواصل الاجتماعي مع المحيط سينعكس سلباً على نموه وملكاته، لذا بدأت ابنتي تدريجياً بفقدان اهتمامها بهواياتها وسيطر الملل على حياتها ولم تعد ترغب باللعب وترفض قراءة الدروس أو مطالعة الكتب، وفقدت رغبتها بالرسم وعزف الموسيقى، ومهما يكن الوقت الذي نمضيه معاً، إلا أنها باتت دائمة الشكوى من وحدتها ومن افتقادها الكبير لمدرستها وأصدقائها.
غياب الأب
بعد استشهاد زوجها اعتادت ريم وأطفالها (4 و6 سنوات) تمضية الوقت خارج منزلهم البسيط المؤلف من غرفةٍ واحدةٍ وذلك عبر القيام بزياراتٍ لا تنتهي للأهل ولجميع الجيران والأصدقاء وحتى أصدقاء الأصدقاء أحياناً، هاربةً من وحدتها وواقعها وعاجزةً عن العمل بسبب صغر أعمار أطفالها ومكتفيةً بالراتب المتواضع الذي تتقاضاه كتعويض من الدولة على استشهاد زوجها.
الحجر الصحي الذي فرضته كورونا وضع ريم مباشرةً أمام مرارة واقعها إضافة لصعوبة التعامل مع طفلين اعتادا الخروج واللعب مع الآخرين دون رقيب. بداية الحجر كان نشاطهما الدائم كارثة حقيقية، وصراخاً ولعباً وعنفاً متبادلاً بينهما ما اضطرها لاستخدام العقاب الجسدي لكبحهما ومن ثم إجبارهما على الجلوس أمام التلفاز عندما تكون الكهرباء متوفرة.
العنف المفاجئ الذي أبدته الأم انعكس على الأطفال بشكلٍ مباشرٍ، فقد تحولا إلى طفلين خاملين وبدت علامات الاضطراب في سلوكهما تبدو واضحة، الطفل الكبير كان ينزوي لوحده وكثيراً ما كان يُكلم نفسه أو أحد ألعابه بالإضافة إلى اضطراباتٍ في النوم والأحلام المزعجة، أما الطفل الصغير فلم يكن بأفضل حال من أخيه فقد كانت تأتيه مساءً نوبات هلع ويُمضي ساعةً قبل النوم في الصراخ والبكاء، إضافةً إلى تبوله في فراشه على نحوٍ متكررٍ.
نوال (35 سنة) تعاني هي الأخرى من غياب زوجها في لبنان وقد هرب من الخدمة الاحتياطية وهو الآن عالق هناك دون عمل ولا يستطيع العودة. كانت نوال تعمل في مشغلٍ للخياطة قبل أن يتوقف بسبب الحجر الأمر الذي اضطر ابنها المراهق عُمر (14 عاماً) إلى العمل في توصيل الطلبات لدى أحد المحلات لتأمين دخلٍ للأسرة ريثما ينتهي الحجر وتعود أمه للعمل. تحكي نوال عن مخاوفها الكبيرة على ابنها وهي تذرف دموعها وتقول “يخرج عمر للعمل منذ الصباح وحتى المساء، يؤلمني اضطرارنا لعمله في هذا الوقت بالذات، فالمرض من جهة ودخوله سن المراهقة من جهة أخرى، أخشى عليه من رفاق السوء والاستغلال وأخاف أن يتعلم التدخين أو تعاطي الممنوعات وأشعر بخوفٍ شديدٍ عليه وكأني أرميه بيدي للتهلكة”.
ألعاب الكترونية
سعاد (38 سنة) التي حاولت جاهدة تنظيم وقتها وأوقات أسرتها بصورةٍ دقيقة ومن مختلف الجوانب لتجعل من أطفالها (قيس 12 سنة، وصقر 10 سنوات) نموذجاً مختلفاً عن أطفال الحي الذين يضيعون أوقاتهم بالألعاب الإلكترونية، وكانت تحاول الشرح لأمهاتهن عن سوء تلك الألعاب ومخاطرها الجسدية والنفسية على الأولاد من وجهة نظرها.
كانت تسال نفسها دائماً كيف يمكن لأمٍ أن تسمح لأولادها بالجلوس لساعاتٍ طويلة أمام هذه الألعاب؟ ما الممتع في ألعاب العنف والمعارك؟
لكن بقاء الأطفال كلّ هذه المدة في المنزل وتعطّل كافة الأنشطة والنوادي التي كانت تملأ وقت الأطفال بعد المدرسة أفلت زمام الأمور من يدها بدءاً من مواعيد تناول الأسرة للطعام وانتهاء بمواعيد النوم.
تقول سعاد “حاجة ولديَّ للتواصل مع أصدقائهما في فترة الحجر جعلتني أوافق على استخدامهما للموبايل، وبدأت الأمور بالتطور وصار من الضروري تنزيل الألعاب الالكترونية كي يتشاركا مع أقرانهما اللعب أو على الأقل ليستطيعا إيجاد أحاديث مشتركة فيما بينهم والآن صارت هذه الألعاب تشغلهما طول الوقت. تغيّرت مواعيد نومهما وصارا أكثر بدانةً، وعندما حاولت حرمانهما منها وإعادة التنظيم إلى حياتنا تفاجأتُ بحجم إدمانهما على تلك الألعاب وبالعنف الكبير الذي اكتسباه سواء في التعامل معي أو فيما بينهما، إذ تحول جو الإخاء بينهما إلى أنانية وعداوة وتنافس على فوزٍ افتراضي غالباً ما ينتهي بعراكٍ وصراخ ٍحقيقي.”
علاقات على المحك
تبتسم سميرة بمرارة عندما تستمتع لأغنية فيروز “خليك بالبيت” فلم يعد هناك مكان للاشتياق بينهما، فزوجها الذي كانت تفتقد غيابه وتتمنى حضوره في البيت، أصبح بقاؤه بسبب الحجر الصحي كارثةً حقيقية أدّت لدمار هذا الزواج.
تقول سميرة: “زواجنا كان تقليدياً، كنتُ في العشرين من عمري وكان في الخامسة والعشرين، لم نعش قصة حب قبل الزواج لكن الأيام التي عشناها معاً كانت جملية لا تخلو من الاحترام والألفة، كانت أدوارنا واضحة هو ملتزم بعمله خارج المنزل (موظف صباحاً وسائق بعد الظهر)، وأنا ملتزمة بدوري كربة منزل. لا أنكر مرورنا بخلافاتٍ كأي زوجين أو افتقادي له في كثير من المواقف التي تخص تربية الأطفال كمشاكلهم في المدرسة أو صعوبات مرحلة المراهقة التي عانيت منها مع ابني الأكبر، فظروف الحياة الصعبة وخاصة فترة الحرب، والمشاكل المادية التي تعرضنا لها ككل الناس في بلدنا فرضت عليه العمل المستمر وجعلته بعيداً وغريباً عن تفاصيل المنزل. بعد بقائه في المنزل لوقتٍ طويلٍ، بسبب فترة الحجر، تحوّل إلى شخصٍ مزاجيٍ وعصبيٍ مختلفٍ تماماً عن الشخص الذي كنا نعرفه. أصبح يتدخل بتفاصيل لم يُعرها يوماً أي اهتمام كطريقة تنظيفي للمنزل وطريقة طهي الطعام ثم طريقة تربيتي وتعاملي مع الأطفال، ومَنع الأطفال من اللعب داخل المنزل وصرنا نتحرك على إيقاع مزاجه وأوقات نومه ويقظته وبرامجه المفضلة على التلفاز. كنتُ أبرر له تصرفاته “لم يعتد قضاء كل هذا الوقت في المنزل” لكن المبررات لم تعد مقبولة حين تحولت إلى عنفٍ لفظيٍ وصراخ ومن ثم إلى غضبٍ لا يهدأ إلا بضربهم، لم يبقَ أمامي من حلٍ سوى الهرب بالأطفال إلى منزل والدي الأمر الذي فاقم من المشاكل بيننا إلى حدّ الانفصال.”
من الممكن أن تكون هذه الخلافات فترةً مؤقتةً في حياة هذه الأسرة لكن من المؤكد أن انعكاساتها على الأطفال كفقدان ثقتهم بوالدهم وشعورهم بعدم الأمان لن تمحى بسهولة.
مازلنا نسير في المجهول فأزمة كورونا لم تنته بعد وربما ما هو آت أسوأ في حال تفشي المرض، لقد بات على السوريين توقع الأسوأ دوماً فليست الكورونا إلا تفصيلاً آخر في المأساة السورية، مأساة دفع الأطفال أغلى أثمانها ولا يزالون، قد يسأل طفل عن معنى جملة “خليك بالبيت” وهو بالأساس يعيش في العراء أو في مخيمات بعيدة بعدما تهدّم بيته، وقد يصح القول بأنّ الكورونا لن تصيب رئات الأطفال بالمرض والالتهابات لكنها حتماً ستبقى محفورة في ذاكرتهم ونفوسهم كفصلٍ جديدٍ من فصول مأساتهم الطويلة.
بواسطة سلوى زكزك | أبريل 28, 2020 | Cost of War, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
كرّست جائحة فيروس كورونا نمطاً حاداً ومستجداً في شكل الحياة اليومية لأهل الأرض، يوماً بعد يوم تتسع دائرة المواجع الشخصية والعامة، الجسدية والنفسية، لا نجاة من القلق، وزمن تراجع الخوف المشحون بالضعف، زمنٌ ضئيل وضعيف ولا يعوّل عليه.
من مواطن العزاء للبشرية، أنها وقفت معاً في مواجهة تداعيات هذا الفيروس، الذي تحول إلى جائحةٍ عالميةٍ تُسابق الضوء في سرعة انتشارها. لكنّ المواجهة الموحدة لا تعني أبداً وجود أوجهٍ متطابقة من أشكال العنف التي فرضتها هذه الأزمة العالمية، أشكالٍ لا تعدّ ولا تحصى لكنها استحقاقٌ إنسانيٌ وإن تمظهر في حالاتٍ قليلة العدد نسبياً وعلى نطاقٍ ضيقٍ، ثمة مواجع خاصة وخفية، موجعة وتعني أشخاصاً محددين، غير معلنة لأنها خارج سرب المواجع العامة.
ماري سيدة في السبعين من عمرها، أرملة ولم تنجب، تعيش بمفردها في بيتٍ واسعٍ، وهي تتناول طعام إفطارها، سقط جسر الفك العلوي من فمها، باتت بلا أسنان! طبيب الأسنان أغلق عيادته خوفاً على سلامته أولاً ولأنّ المخبر الذي يصنع له الأسنان التركيبية ممنوعٌ من فتح أبوابه، كما أنّ غالبية زبائنه يسكنون في الريف، وإن كان قريباً جغرافياً لكنه مغلق بسبب التوصيف الإداري.
باتت ماري مضطرة لأن تعيش على السوائل، واسطوانة الغاز في ساعاتها الأخيرة، لم تفعل ماري شيئاً، لا أحد يمكنه إعارتها أسنانه! ولا أسنان جاهزة في السوبر ماركت أو في الصيدليات لتطلب إيصالها لها عبر خدمة التوصيل إلى البيوت، اتصلت بطبيبها، قال لها المخبر مغلق وفنيو المخبر يعيشون في الضواحي المغلقة.
لا أحد من المعنيين فكر بعيادةٍ إسعافيةٍ لمعالجة الأسنان مرفقةً بمخبرٍ للتعويضات السنية وجعلها في متناول المحتاجين لخدماتها وخاصةً من كبار السن.
بادرت أغلبية الناس وخاصة من الفئة العمرية الشابة لمدّ يد العون لكبار السن الوحيدين والوحيدات، لكن ثمة مطالب لم تخطر على بال أحد. هيام، سيدة في الثمانين من عمرها، تعيش وحيدةً أيضاً في الطابق الثاني عشر في برجٍ سكني في منطقة راقية، لا تريد شيئاً من الأطعمة أو الأدوية أو المنظفات، فطبيعتها الوسواسية دفعتها ومنذ سماعها لأول خبر عن أول إصابة بالكورونا لملئ خزائنها بالمؤن ولشراء أدويتها الدائمة عن عامٍ كامل. لكنها مشتاقة للحديث مع شخصٍ تعرفه، تثق بأخباره، وتفرح لنبرة صوته ومداعباته اللطيفة، اتصلت بسلمى، ابنة صديقتها، وطلبت منها طلباً عجيباً “أرغب بأن تزوريني اليوم يا سلمى، لكن عبر سماعة الانترفون، فأنا خائفة جدا حتى من استقبالك، فلربما نقلت لي العدوى؟” لبّت سلمى دعوة هيام، استغرقت الزيارة عشرين دقيقة، لكن المصيبة أنّ هيام باتت تطالب سلمى بزيارات مماثلة ومتكررة، وسلمى لا تملك وقتاً كافياً ولا أخباراً مطمئنة.
أشارت بعض الدراسات إلى ارتفاع نسب الإصابة بفيروس الكورونا بين الرجال بنسبة تعادل ضعف نسبة إصابة النساء، وقد اعتبرت بعض النساء الكورونا فرصة لتسخر من اهتزاز ثقة الرجال بقوتهم الجسدية في مواجهة فيروس صغير لا يُرى بالعين المجردة،
قوة يتحكم الرجال عبرها بمصائر النساء وبتفاصيل حيواتهن، ليحققوا الهيمنة بحكم القوة الظاهرة والمنسوبة للرجال حصراً، والسلطة بحكم الغلبة الجسدية والنفسية والمجتمعية، لكن هذه القوة تعرضت لاهتزازاتٍ عديدة، اهتزازاتٍ أظهرت خللا ًفي موازين القوى، مفسحةً المجال أمام تراجع قوة ذكورية تقليدية بظهور نمطٍ معزز ٍمن القوة فرضته كورونا بقوة الخوف وبسطوة الحذر الشديد.
وليد رجل خمسيني، يخافُ على صحته جداً، مهووس بالنظافة الشخصية، يزور الحلاق يوم الثلاثاء فقط، لأنه اليوم الذي يلي عطلة الحلاقين، ويذهب باكراً جداً ليكون أول زبون، ليتنعم بمنشفة تم غسلها في يوم العطلة ولم توضع على رأسٍ غير رأسه أبداً، لكنه في زمن الكورونا التزم الجلوس في المنزل، وطالب زوجته بالتسوق وبشراء الخبز وبالحصول على الأدوية والمواد المعقمة من الصيدلية تحديداً لتثبيت جودتها، وانزوى في غرفته يكاد لا يخرج منها، وكلما عادت زوجته من الخارج يطالبها بتعقيم كل شيء، حتى شعر رأسها، وهي تصرفاتٌ فاقمت من مشكلةٍ قديمة عند وليد، تحملتها زوجته تحت إلحاح الواجب كزوجةٍ مخلصة، رغم رفضه لكل طلباتها بضرورة مراجعته لطبيب نفسي، لكنها الآن باتت ممزقة بين حقها بالحياة الكريمة وبين تطرف مواقفه، مما دفعها للتوقف عن تلبية طلباته وتهديده بالذهاب إلى منزل والدتها المتقدمة في العمر، علّه يخفف من أوهامه المرضية ومن معاملتها بدونية غير مقبولة وكأنه مسموح له التضحية بها من أجل بقائه في حالةٍ من الأنانية والعدوانية لا مبرر لها وغير مقبولة. لكنّ وليد بقي أسير مخاوفه وبات حبيس غرفته وأوهامه وفقد كل إمكانيات التواصل حتى مع زوجته.
في الأزمات الكبرى، تتوجه المبادرات والأفكار والآليات نحو الاحتياجات الأكثر شمولية، نحو الخدمات المركزية ونحو الاحتياجات الأكثر أولوية حسب توصيف مراكز معالجة الأزمات.
يعمل غاندي في بيع الألبسة المستعملة، وله زبائن كثر وخاصة من السيدات، لكن قرار الإغلاق شمله وبات محكوماً بالتوقف عن العمل. أربعون يوماً مرت على إغلاق المحل، وما كان متوفراً من مالٍ نفذ، ولم يتبق منه شيئ. غلاء الأسعار يلتهم كل الموارد، والعائلة بحاجة لطعامٍ وشرابٍ ودواء، وتحت عنوان الحماية والحفاظ على الصحة العامة كان من المبّرر ترك الناس دونما مورد، حتى أصحاب الموارد المتوسطة باتوا بلا أي مدخرات، فحياة الفرد هي الأهم وصاحبة الأولوية المطلقة، لكن كيف وبماذا؟ لا أحد يملك جواباً، لأن السؤال نفسه مؤجل ولا يمتلك الأولوية القصوى.
اتصل غاندي بزبائنه، أبدى استعداده لإيصال قطع الملابس إلى بيوتهن، لكنه كان يحتاج لموافقتهن على الشراء أولاً في ظل شح مالي كبير وواسع وفي ظل المخاوف من رفض الزبائن شراء ألبسة مستعملة ربما يرتع الفيروس على سطوحها وبين طياتها. كما أنّه كان محتاجاً لمبادرةٍ من صديقٍ يملك سيارة خاصة لنقل غاندي مع بضاعته مجاناً إلى بيوت الزبائن، وكان له ما سعى إليه. حمل غاندي معه بضاعة كان قد احتفظ بها في منزله قبل الإغلاق، لكن بعد وصوله إلى أبواب بيوت زبائنه اصطدم بقلة الطلب على بضاعته، قطعة أو قطعتان في أكثر حد، والناس محرجة من المفاصلة، إحراجٌ تلمسه غاندي أيضاً وفرض عليه خفض أسعار بضاعته، لكن الرمد أفضل من العمى كما يقال، وما كسبه غاندي اليوم لن يمكنه من شراء بضاعةٍ جديدةٍ بدلاً من التي باعها، لكنه سيوفر عليه عناء الاستدانة من صديق أو قريب، في زمنٍ بات الاقتراض نادراً بل حتى مستحيلاً.
وكما تُرك العجزة منسيين في دورهم دونما احتسابٍ حتى لأعداد المتوفين منهم، ليشكل موتهم بصمت وإهمالهم وكأنهم أضاحي الفيروس الفتاك وصمة تمييز سلبي ضد فئة من المجتمع، وكما تُركت النساء وحدهن لمتابعة مسلسل المظالم الطويل، وكما تُرك الجوعى غارقين في فاقتهم في محاولاتٍ بائسةٍ منهم لترك الشوارع حيث يعيشون، وكما تُرك اللاجئون والنازحون تائهين في غربةٍ مضاعفةٍ، عُرضة للوعيد والتهديد بالترحيل أو بالموت، وكما سُرّح عشرات الآلاف من العمال، وكما تم ترحيل مخالفي الإقامات من عمالٍ أجانب لكنهم فقراء، كذلك نمت في دائرةٍ ضيقةٍ دائرة متفرعة عنها لكنها غارقة في التجاهل والنسيان وكأنها منفية خارج الزمان والمكان، توضحت في تلك الدوائر الضيقة دروب آلام ٍجديدة، مضفورةٍ بالشوك ومسيجةٍ بالعتمة.
وتجد الإشارة إلى أنّ الأزمات بحدّ ذاتها وفي خضم البحث عن حلولٍ لها أو عن كوابح تقلل من فرط مساوئها ُتنسي أصحاب القرار والمبادرات أو القائمين على حلها مرغمين وتحت وقع الصدمة التوجه نحو فئاتٍ لا تصرخ مطالبةً باحتياجاتها الإنسانية والضرورية، ويقيّم المجتمع ومراكز الخدمات والقرار هذه الاحتياجات على أنها احتياجاتٍ ثانويةٍ، مما يؤجل أو يمنع المساعدات عن أفرادٍ وإمكانية الوصول إليهم، وتتفاقم المشاكل أو مواطن النقص البنيوية لتصبح عنفاً صارخاً لا يمكن إنكاره ولا تجاهله أو الامتناع عن مد يد العون لأصحابه. ربما هنا يبرز دور المبادرات الفردية أو المجتمعية، وربما هنا يتوجب الاهتمام أو لفت النظر للفئات الأكثر هشاشة بالبنية النفسية أو بالفئة العمرية أو بحجم الاحتياج من حيث عدد الأفراد أو طبيعة العمل، أو المكان، خاصة عندما يتحول المكان بحد ذاته كمكان السكن أو العمل إلى مصدرٍ للعنف يساهم في تكثيف تغييب الخدمات أو يفاقم من صعوبات الوصول إلى الاحتياجات مهما بدت ثانوية أو قابلة للتأجيل.
وربما هنا تصبح الأزمات الكبرى مجالاً رحباً للإبداع الإنساني الفريد من نوعه والمتميز في أشكاله، في محاولة نوعية لتلبية المسكوت عنه، المخفي أو غير المعلن، لكنه احتياجٌ صارخٌ ولابدّ من تلبيته.
بواسطة Ibrahim Hamidi | أبريل 27, 2020 | غير مصنف
بعد تراخٍ فرضه وباء «كورونا»، جرت الأسبوع الماضي جرعة مكثفة من الاتصالات بين الأطراف المنخرطة في الملف السوري، خصوصاً الدول الثلاث «الضامنة» لمسار آستانة، في محاولة لاستعادة التنسيق الثلاثي، وترميم الشقوق الظاهرة في جداره، إضافة إلى زيارة إيرانية خاطفة لدمشق، بعد «رياح روسية» هبت من موسكو، وخلطت أوراق «الضامنين» في سوريا.
الحملة الإعلامية التي ظهرت في وسائل إعلام روسية مقربة من مراكز القرار كانت لافتة. ومعروف أن هناك تيارين في موسكو: الأول، تمثله وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات العسكرية؛ والثاني، تمثله الخارجية ومراكز أبحاث تدور في فلكها. وغالباً، ما يكون الكرملين هو الفاصل بين الاتجاهين، والمرجح لرأي على آخر.
لا يمكن للحملة؛ مقالات واستبيان رأي جاءت من طرف مؤسسات تابعة لـ«مجموعة فاغنر» أو «طباخ الكرملين»، وجرى «تطعيمها» لاحقاً بمقالات نارية في صحيفة «برافدا» وعلى مواقع فكرية توصف بأنها رصينة؛ أن تأتي من دون غطاء سياسي، خصوصاً في بلد مثل روسيا، حيث لكل إشارة معنى. عليه، فأغلب الظن أن الرسائل الآتية من موسكو تتضمن الضغط إزاء ثلاث مسائل:
الأولى، سياسية – عسكرية، ترتبط بالزيارة الأخيرة لوزير الدفاع سيرغي شويغو، وتتعلق بضرورة التزام دمشق بالاتفاقات العسكرية الموقعة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، وألا تستجيب دمشق لتشجيع على فتح معركة مع الأتراك وفصائل موالية لهم في شمال غربي سوريا، لأن موسكو ترى علاقتها بأنقرة أكبر استراتيجياً بكثير من إدلب، وأن معارك شمال غربي سوريا قرارها روسي يخص ملفات كبرى.
الثانية، إيرانية – إسرائيلية، أراد فيها الكرملين تذكير دمشق بالتفاهمات الروسية – الإسرائيلية – الأميركية، ورغبة موسكو بتقييد دور إيران في سوريا وتحديد ملامحه، خصوصاً فيما يخص وجود تنظيمات تابعة لإيران في الجنوب السوري، وخاصة في الجولان. وهنا، لا تنفصل هذه الأمور عن «الرسالة الإسرائيلية» التي جاءت لدى استهداف محسوب لسيارة تابعة لـ«حزب الله» على طريق دمشق – بيروت.
الثالثة، اقتصادية – ريعية، تتعلق بتنامي اعتراض شركات روسية وتنظيمات بعضها تابع لـ«فاغنر»، بسبب عدم توفر عائدات مالية موازية للتدخل العسكري، خصوصاً في قطاعات حصص النفط والغاز والصفقات الاقتصادية.
وفي خضم «الرياح الروسية» نحو سوريا، حط وزير الخارجية الإيراني مجمد جواد ظريف في دمشق، والتقى الرئيس بشار الأسد، ثم اتصل الرئيس حسن روحاني بنظيره الروسي. والواضح أن طهران قلقة من ثلاثة تطورات سورياً:
الأول، استبعادها من التفاهمات الروسية – التركية الخاصة بإدلب، المبرمة في 5 مارس (آذار) الماضي. فإيران بالاسم فقط ضمن مسار آستانة، وهي غير منخرطة في الدوريات الروسية – التركية، ولا الترتيبات العسكرية، بل إن اتفاق موسكو الأخير سمح لتركيا بتعزيز قواتها العسكرية إلى نحو 16 ألف عنصر، وآلاف الآليات والدبابات، في شمال غربي سوريا. لذلك، فإن طهران نقلت رأي دمشق إلى موسكو، بضرورة أن يكون اتفاق إدلب مؤقتاً لا يسمح بوجود تركي دائم.
الثاني، الإشارات العربية الآتية إلى دمشق، سواء سعي الجزائر إلى إعادتها إلى الجامعة العربية وفتح دول عربية أخرى أقنية سياسية من بوابة التعاون الإنساني ضد «كورونا»، لـ«إعادة سوريا إلى الحضن العربي ودورها الطبيعي».
الثالث، الغارات الإسرائيلية، واستمرار تل أبيب باستهداف مواقع إيرانية في سوريا، بما في ذلك في البوكمال، قرب حدود العراق وقرب دمشق. والجديد كان قصف «درون» إسرائيلية سيارة لـ«حزب الله» على الطريق بين دمشق وبيروت، التي تعدها إيران امتداداً لطريق طهران – بغداد، إضافة إلى قصف «تنظيمات إيرانية» بالتزامن مع زيارة ظريف إلى دمشق.
تركيا، من جهتها، لديها ثلاثة عناصر قلق استدعت التنسيق الثلاثي. بداية، أعربت عن القلق من جهود أطراف عدة لـ«شرعنة» سياسية لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعدها أنقرة امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» المصنف «تنظيماً إرهابياً» لديها. وقد يكون المقصود أميركا التي تدعم «الوحدات» شرق الفرات، أو دمشق التي تقيم علاقة معها. لكن الإشارة تصل إلى موسكو أيضاً التي وسعت وجودها العسكري في القامشلي، وتقيم علاقة طيبة مع الأكراد.
ثانياً، تريد تركيا استعجال موافقة روسيا لتنفيذ البنود الأخرى المتعلقة باتفاق موسكو، خصوصاً ما يتعلق بعودة النازحين إلى بيوتهم في شمال غربي سوريا، وتقديم ضمانات بعدم استهدافهم، وتوفير بنية تحتية لهم، بما يشجع ملايين الناس على الرجوع إلى مناطقهم. ثالثاً، القلق من استمرار جهود دول عربية مع موسكو ودمشق لمواجهة النفوذ التركي في شمال غربي سوريا وشمالها الغربي.
واستدعت هذه التطورات اتصالات بين بوتين وإردوغان وروحاني، ثم اجتماعاً عن بعد لوزراء خارجيتهم، سعياً للحفاظ على نقاط التقاطع بين الدول الثلاث في المسرح السوري، التي يبدو أن مساراتها معرضة للانفصال، أو ربما الصدام، مع مرور الوقت، والاقتراب من المصالح الجوهرية لكل طرف.
**تم نشر نسخة من هذا المقال في «الشرق الأوسط».