سوريا في أسبوع، ٧ أيار

سوريا في أسبوع، ٧ أيار

السلاح الثقيل… ثقيل
٦ أيار / مايو

بدأت الأحد فصائل المعارضة السورية المسلحة في ريف حمص وسط سوريا تسليم أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة للقوات الحكومية السورية تنفيذاً للاتفاق مع القوات الروسية.

وقال مصدر عسكري سوري لوكالة الانباء الألمانية: “سلمت عدد من الفصائل في ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي حوالي 7 دبابات إضافة الى عشرات القطع من الاسلحة المتوسطة والثقيلة وعشرات الصناديق من الذخيرة للجيش السوري الأحد”. وأكد المصدر أن “المجموعات المسلحة تحرق مقراتها قبل مغادرة بلدات الحولة والطيبة وعدد من القرى في ريف حمص الشمالي.” ويسمح الاتفاق لقوات الحكومة بالسيطرة علـى ريف حمص بعدما سيطرت سابقاً على احياء معارضة في المدينة.

تهجير وسيطرة
٥ أيار/ مايو

غادرت السبت الدفعة الثالثة من مسلحي بلدات جنوب دمشق وعائلاتهم إلى مدينة جرابلس في ريف حلب الشرقي مساء اليوم السبت.

وقال مصدر أمني في دمشق إن ” ٦٣ حافلة تقل مسلحين من بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم غادرت عند منتصف الليل مدينة دمشق واتجهت إلى مدينة جرابلس في ريف حلب الشرقي بعد انتهاء التفتيش وتدقيق جميع الأسماء”. وأضاف المصدر أن ” سبب تأخر خروج الدفعة الثالثة هو العدد الكبير من المسلحين وعائلاتهم.”

وخلال اليومين الماضيين، غادرت ٤٦ حافلة تقل مسلحين وعائلاتهم من بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم، في إطار تنفيذ الاتفاق الذي أعلن عنه الأحد الماضي والقاضي بإخراج من يرغب من المسلحين مع عائلاتهم من البلدات الثلاث وتسوية أوضاع الراغبين بالبقاء بعد تسليم أسلحتهم.

تزامن ذلك مع استمرار قصف قوات الحكومة لمخيم اليرموك للفلسطينيين جنوب دمشق وتقدم هذه القوات في منطقة الحجر الأسود.

وسمح اتفاق بين “هيئة تحرير الشام” التي تضم “فتح الشام” (النصرة سابقا) ودمشق بمقايضة تضمنت اخراج عناصر “الهيئة” الــي ريف ادلب وإخراج شيعة موالين لإيران ودمشق من بلدتي الفوعة وكفريا اللتين تحاصرهما فصائل إسلامية في إدلب. هذا الاتفاق ترك المعارك في مخيم اليرموك مقتصرة بين قوات الحكومة و “داعش”.

“داعش”… النفس الأخير؟
٦ أيار/ مايو

وجه سلاح الجو العراقي الأحد، للمرة الثانية خلال أسبوعين، ضربة جوية ضد موقع “داعش” شرق سوريا، بحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي. وأعلن البيان أنه “بأمر رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة” وجهت “القوة الجوية العراقية ضربة موجعة ضد موقع لقيادات الإرهاب الداعشية جنوب الدشيشة داخل الأراضي السورية.” ونفذت الضربة طائرات أف-16 أميركية.

وتقع الدشيشة في منطقة صحراوية من محافظة الحسكة، حيث تشن “قوات سوريا الديموقراطية” الكردية – العربية عملية عسكرية ضد التنظيم.

بدوره، أكد المستشار العسكري في وزارة الدفاع العراقية الفريق الركن محمد العسكري إن الضربة نفذت “بالتعاون مع الحكومة السورية والتنسيق مع قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.”

وكانت الحكومة العراقية أعلنت نهاية 2017 انتهاء الحرب ضد مسلحي تنظيم الدولة بعد إعلان “النصر” عقب استعادة آخر مدينة كانوا يحتلونها. لكن بحسب خبراء، لا يزال مسلحون اسلاميون متطرفون كامنين على طول الحدود المعرضة للاختراق بين العراق وسوريا وفي مخابئ داخل مناطق واسعة من الصحراء العراقية.

واستعجلت إدارة الرئيس دونالد ترامب هزم “داعش” تمهيدا لسحب الفين جندي أميركي من شرق سوريا.

اقتتال حلفاء واشنطن
٥ أيار/ مايو

تدخل المبعوث الأميركي الى التحالف الدولي لقتال “داعش” بريت ماغورك توسط لوقت اقتتال بين “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية – العربية و “قوات النخبة العربية” في مناطق سيطرة حلفاء واشنطن شرق سوريا.

هذا الاقتتال كشف مخاطر المرحلة المقبلة في حال نفذت ادارة الرئيس دونالد ترمب قرارها سحب الفي جندي من شرق نهر الفرات. وكانت وحدة مسلحة من ٥٠ عنصراً من “قوات سوريا الديمقراطية”، الكردية – العربية التي تضم ٦٠ آلفاً تقدمت قبل يومين إلى بلدة أبو حمام، شرق دير الزور، وطلبت من “أبو عماد”، القيادي في “قوات النخبة” التي تضم ثلاثة آلاف مقاتل، تسليم السلاح، علماً بأن الأخير ساهم في المعارك ضد “داعش”، وفي تحرير الرقة.

واوضحت المصادر ان قوة اخرى من “سوريا الديمقراطية” من ٤٠٠ عنصر تقدمت ليل امس الى بلدة ابو حمام لتجريد “ابو عماد” من سلاحه ما استدعى تدخل ماغورك بين الطرفين لإخماد نار المواجهة بعد تبلغه “مخاطر اندلاع فتنة عربية – كردية” في مناطق نفوذ واشنطن. ويتوقع ان يكون الوجود الأميركي ضمن محادثات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في واشنطن غداً.

عفرين ومابعد عفرين
٦ أيار/ مايو

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الأحد إن تركيا ستشن عمليات عسكرية جديدة على حدودها بعد هجوميها السابقين في سوريا.

وتشن تركيا حاليا هجوما في منطقة عفرين شمال سوريا ضد “وحدات حماية الشعب” الكردية السورية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية مرتبطة بالمسلحين في “حزب العمال الكردستاني” الذين يشنون تمردا مسلحا في الأراضي التركية.

وتعد ‬حملة عفرين ثاني عملية تقوم بها تركيا عبر الحدود في‬ سوريا. واستهدفت العملية الأولى التي أُطلق عليها اسم “درع الفرات” تنظيم “داعش” والمقاتلين الأكراد على مسافة أبعد نحو الشرق من عفرين وتم استكمالها في بداية 2017.

وقال إردوغان أمام آلاف من أنصاره في اسطنبول حيث أعلن برنامجه الانتخابي قبل اقتراع رئاسي وبرلماني مبكر الشهر المقبل إن العمليات التركية على حدودها الجنوبية تستمر “إلى الوقت الذي لايبقى فيه إرهابي واحد.”

وأضاف إردوغان “لن نتوقف عن تضييق الخناق على التنظيمات الإرهابية. تركيا ستضيف في المرحلة الجديدة عمليات جديدة لعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون من أجل تطهير حدودنا.”

وتعتبر تركيا “وحدات الحماية” امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور وقد أثار غضبها الدعم الأميركي لهذا الفصيل. لكن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو قال إن أنقرة وواشنطن توصلتا لتفاهم بشأن خريطة طريق في منبج يغادر بموجبها المسلحون الاكراد المنطقة. وأضاف أنه تجري مناقشة التفاصيل مع وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو.

دمشق تغير “الهوية”!
٢ أيار/ مايو

أعلن وزير الداخلية السوري محمد الشعار أن وزارته تعمل الآن على مشروع تغيير البطاقات الشخصية للسوريين “لتكون غير قابلة للتزوير”، وأنه سيتم “تغيير بطاقات السوق والسلاح، ما يمكن الوزارة من مكافحة وتجاوز كل حالات وعمليات التزوير.”

وانتشرت إشاعة منتصف العام الماضي عن إقرار البرلمان قانوناً لتغيير شكل “البطاقة الشخصية” للمواطنين المقيمين داخل البلاد فقط. ورافق ذلك إشاعات حول سحب الجنسية من المواطنين الذين لا يقومون بتجديد بطاقاتهم بشكل شخصي، ما أثار مخاوف ملايين اللاجئين خارج سوريا.

وأثارت تصريحات وزير الداخلية مخاوف السوريين المعارضين الذين فرّوا إلى الخارج وباتوا في عداد المطلوبين للأجهزة الأمنية الذين يقدر عددهم بنحو ١.٥ مليون مطلوب لأن الهوية الجديدة التي تحدث عنها الشعار “ستحتوي على شريحة إلكترونية تتطلب بصمة وحضور الشخص بنفسه لاستخراجها.”

وربطت مصادر معارضة بين هذه التصريحات وإصدار القانون ١٠ للعام ٢٠١٨ الذي يعني عملياً مصادرة ممتلكات المهجرين واللاجئين٫ باعتبار أن تغيير الهويات إن حصل على النحو الذي أعلن عنه وزير الداخلية “سيسهل انتزاع ملكيات المهجرين واللاجئين والمفقودين بموجب قرار رقم عشرة للعام ٢٠١٨، للمناطق التنظيمية.”

اللباس علامة اجتماعية

اللباس علامة اجتماعية

 يوميات سورية

عندما تجاوز عدد العمالة السورية  في الخليج وخاصة في السعودية أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات   عشرات الآلاف كعمالٍ وافدين ومئات الآلاف كعائلات، بدأت العباءة السعودية تعود مع العائلات عند كل إجازةٍ صيفيةٍ لتصبح مظهراً اجتماعياً لافتاً إلى أن سادت تدريجياً وأزاحت كل ما سبقها من أنماط اللباس المحلية كالمانطو، والطقم  بجاكيت طويل وتنورة طويلة “تصل لتحت الركبة بشبر” كما كانت تصفها النساء اللاتي درجن على ارتدائها. كان الطقم يومها ينتمي للحجاب “المديني”، فأي سيدةٍ محجبة وترتدي طقماً يعني أنها حكماً مدينية وليست ابنة ريفٍ أو حيٍ شعبيٍ، حيث ترتدي نساء تلك المناطق مانطو يتبدل صيفاً وشتاءً ليغطي كل ما تحته من ملابس بسيطة أو رقيقة، وغالباً ما ترتدي السيدات وخاصة المتقدمات بالعمر قمصان النوم تحت المانطو للتمتع براحة كاملة.

خلال الحرب السورية ارتدت بعض السيدات الحجاب في بعض المناطق ذات الصبغة الدينية تحت ذريعة الخوف، سيداتٌ يبدو جلياً أنهن غير محجبات أصلاً لابل يرفضنه كنمطٍ للباسهن، يبدو ذلك من طريقة ربطه، من المكياج الظاهر، من الضيق الظاهر بالتعامل مع زائرٍ جديدٍ وثقيلٍ وقسريٍ حسب توصيف بعضهن.

إلا أنّ المظهر الغالب هو تحرّر الكثير من الفتيات من حجابهن بعد الانتقال من أماكن سكنهن جراء التهجير والنزوح، فتياتٌ انقلبت أحوالهن بصورةٍ جذريةٍ وإن كان يصح القول بأنّ الانتقال كان عاصفاً ومتطرفاً لدرجةٍ لحظنا التحول من وضعية المحجبة إلى المغامرة، بأقراطٍ عديدة في الأذنين وقصة شعر صبيانية أو غريبة، بملابس ضيقة وبلا أكمام.

يبدو التغير أو الانعطاف الجذري في المضمون والشكل حالةً طبيعيةً في الحروب، حالةً مبررةً لكنها تحتاج وقتاً للقبول. السمة الأساسية في الانقلابات الجذرية في عمر المجتمعات هي حرق الوقت، أي تقبّل التغيرات بزمنِ قياسيِ يكاد أن يكون غير ملحوظ أو غير جدير بالتوقف عنده أصلاً.

***

سهى شابة بعمر الخامسة والعشرين، كانت تسكن في زملكا، لم تقتنع يوما بالحجاب، لكن أمها قدّمت لها كل التنازلات الممكنة لتقبل بالحجاب، وافقت معها على ارتداء الجينز لكن مع كنزة طويلة، ومع الوقت تحايلت سهى حتى على الكنزة الطويلة بكنزة داخلية قصيرة ومفصلة تغطيها بجاكيتٍ طويلٍ وواسعٍ.

في شوارع دمشق الآن صبايا بأحجبة ملونة ٍوصاخبةٍ، وبات للأحجبة موديلات وفي كل وقت نجد موجةً جديدةً كاسحةً تعمم موديلاً محدداً للحجاب. ثمة محال خاصة ببيع الحجاب وبإمكانك هناك الاطلاع على  موديلاتٍ متعددةٍ بألبوماتٍ موجودةٍ خصيصاً لتجربي ،لتشتري، لتقرري أيهما الأنسب لوجهك ولونك، وطبعاً يدخل عامل التسويق والمبالغة في خضم عملية البيع المربحة.

في شوارع دمشق صبايا محجباتٍ وفي أقدامهن أحذية رياضية خفيفة وملونة وبعضها مذهب أو مألمس كلونٍ وليس كحجر ثمين طبعاً، أربطةٌ  ملونة ٌوصاخبةٌ ولكلّ فردة حذاءٍ رباطٌ بلونٍ مختلفٍ. في شوارع دمشق فتياتٌ محجباتٌ بحواجب مصقولة بحرفة التاتو الدارجة بقوة رغم قسوة الحرب، بمكياجٍ ثقيلٍ أو خفيفٍ، لكنّ الكحل شرطٌ أساسيٌ، بخواتم  معدنية كبيرة وبستراس لامع على الأنف، بزيركونة لامعة على الأسنان و بعقودٍ حجريةٍ ضخمةٍ تهتز مع خطوات الصبايا المفعمات بالحيوية والشوق للجنس الآخر.

في شوارع دمشق أيضاً نساءٌ ببزاتٍ عسكريةٍ ليلاً ونهاراً، أي لا وقت محدد لعملهن، فهنّ واقفاتٍ على الحواجز ويفتشن حقائب النساء في الأماكن العامة. مظهرٌ عسكريٌ جديدٌ شمل عامة النساء، أي أنهن لسن خريجات الكلية العسكرية للبنات،  يعكس باب عملٍ جديداً انخرطت فيه النساء بصورة واضحة للعيان، نساءٌ من أهل الحي أو معروفات في الأماكن حيت يعملن.

كما أنّ موضة الملابس العسكرية أو على وجه الدقة الزي المبرقع قد غزت صناعة الملابس الجاهزة، حيث تنتشر السراويل والبيجامات والكنزات والجواكيت المبرقعة وهي مطلوبة خاصة لدى الشابات المتموضات. يحاول البعض تعميم فرضية أنّ الحجاب قد تكاثر أيضاً، لكنّ هذا التعميم غير دقيق بحسب مشاهداتي اليومية. صحيحٌ أنّ حفلات التحجيب والهدايا باتت ظاهرةً ومعلنةً وخاصة للفتيات الصغيرات لكنها قليلة، وقد تناقل السوريون مؤخراً تسجيلاً مصوراً لحفلةٍ باذخة تجاوزت كلفتها الملايين بمناسبة ارتداء ابنة رجل أعمالٍ كبير للحجاب، حفلة ارتدت فيها حتى قطع الشوكولا والحلويات الحجاب في استعراضٍ استهلاكي لا يمت للإيمان بصلة.

تخففّت بعض السوريات من ثقل المانطو في زمن الحرب لأسبابٍ مختلفة، فبعضهن تخففن منه لارتفاع أثمانه أولاً ولأنه بات علامةً فارقة توصم صاحبته بالتطرف في أمكنة بات فيها رهاب التطرف رعباً خالصاً وباتت كل محجبة أو مجلببة أو ترتدي المانطو متهمة بأنها داعشية. لم يعد ممنوعاً أن تتجرأ سيدة أو فتاة على الجلوس ملاصقة ً لرجلٍ على مقعدٍ حديديٍ جانبيٍ في السرفيس وذلك تدبيراً لأزمة النقل الخانقة، لابل قد تجلس زركاً ملاصقةً لرجل في مقعدٍ يتسع بالكاد لثلاثة ركاب لكنها تكون الرابعة وربما الخامسة أيضاً فلا ضير في ذلك.

تقول رجاء: “أصعب شيء هو انتظار المانطو ليجف على حافة  الكرسي لأننا نعيش في غرفةٍ بلا شرفةٍ أو حبل غسيلٍ، وحياتنا بهدلة ولا يمكن الركون إلى المانطو كزيٍ، وحياتنا لا تؤمن أدنى شروط النظافة، وأقل مانطو بديل يتجاوز سعره العشرة آلاف ليرة وهو مبلغٌ صعب التحصيل والتوفر.”

سيداتٌ أيضاً خلعن الحجاب بقناعةِ، تقول أسماء: “لم أقتنع به يوماً واليوم بات يشكل ضغطاً على حضوري في الأماكن العامة وخاصة في العمل نظراً لأني مهندسة ومطلوب تواجدي في اجتماعات عملٍ ومراكز إشراف” وتكمل “لقد تغيّر تعامل الناس معي بعد تبدل هويتي، وكأني أصبحت امرأةً أخرى! أجل إنّ خلع الحجاب أو ارتداءه بمثابة هوية تعريفٍ جديدة فرضتها الحرب والخوف من علامات التطرف وجراء تعميمٍ ظالمٍ وموجهٍ ومقصودٍ يصنّف كل المحجبات على أساس الشكل وليس المضمون مع أن القوانين تكفل حرية  الممارسات والمظاهر الدينية والإيمانية.”

على الحواجز ثمة تصنيفٌ نمطي للمرأة حسب مظهرها العام، تصنيفٌ مضللٌ لكنّه شبه معممٍ يصل لدرجة أنّ عنصر الحاجز قد يقول للمرأة السافرة بأنك “من جماعتنا!” ويا للويل من معنى هذه الكلمة ومدلولها المنافي للمواطنة والشراكة في بلدٍ واحدٍ تمزق الحرب أبناءه جميعاً بغض النظر عن الطائفة والجماعة.

على المقلب الآخر ثمة من تبالغ بالتخفف من الملابس معتبرةً هذا التخفف وكأنّه تحدٍ للمتعصب والمتطرف، تصحو هويتها ما-قبل الوطنية والمغرقة في طائفيتها لتعلن أنها باقية هنا وأنّ حضورها هكذا يقلع عين كل متطرفٍ وكل معتدٍ ومتخلفٍ! هنا الوجه الآخر للتطرف! أجل إنه تطرّف أجوف وعدائي، ثبتته قوى الهيمنة  والتمييز المقصود تحت ذريعة التوصيف الشكلاني الأجوف، فكلّ محجبة داعشية وكل مجلببة قنبلة موقوتة! يا للحيف ويا للتسطيح الذي سيدفعنا بعيداً في مهاوي الشقاق والحقد.

سميرة فتاة جميلة الوجه، ممشوقة الجسد ترعى أخوتها الصغار بعد غياب أمها وأبيها، الأم تزوجت والأب مات. نزحت هي وخمسة أخوة مع جدتهم من دير الزور ويعيشون في غرفةٍ على الهيكل، وباتت مضطرة للعمل عند أحد أصحاب محال صناعة الحلوى. كان شرط الجدة هو ارتداء الحجاب وبنطال وبلوزة طويلة وفضفاضة، تبدو سميرة بزيها هذا وظهرها المنحني من شقاء العمل وقوفاً وهي تدهن قطع البريوش بالبيض. سميرة ابنة الخمسة عشر عاماً تبدو من الخلف وكأنها عجوزٌ، لدرجةٍ قد تناديها بـ”يا خالة” قبل أن ترى وجهها الطفولي البريء!

في السلم كما في الحرب اللباس هو صورة مجتمعية وليس شكلية فقط، لكن الحرب تطحن الأجساد والعقول وتصبح الألبسة مجرد أغطية من ورق، لا تحمي ولا ترد  الانتهاكات، لا هوية للباس إلا بعين الحرب، حيث تصبح الحرب هي الهوية وهي الشكل والمضمون وهي اللغة الناطقة السائرة على أقدام النساء.

Return to Syria: A Proposal from Syrian Refugees in Lebanon

Return to Syria: A Proposal from Syrian Refugees in Lebanon

Syrian refugees in northern Lebanon draft peace proposal to create safe return zones in Syria

As the sun sets over the sea, Abu Mohammed looks northwards to the Syrian border. We are on the mountains of Akkar, Lebanon’s most northern region; fifty kilometres away from the village where Abu Mohammed lived every day of his life until he was forced to flee in 2012. Driving down the mountain towards his new home, a huddle of tents in the middle of Akkar’s strawberry fields, Abu Mohammed sighs. “I miss Syria.”

Lebanon currently hosts the highest number of refugees per capita in the world. With refugees accounting for over twenty-five percent of its population, social, economic and political tensions are at a breaking point. Unlike in Jordan or Turkey, the construction of formal refugee camps is prohibited and most Syrian refugees and Palestinians refugees from Syria (PRS) live in substandard conditions; renting land in informal settlements, garages, unfinished buildings, sheds and even animal shelters. According to the 2017 data collected by the UN, more than seventy-five percent of Syrian refugees live below the poverty line, with the same proportion of refugees also unregistered. Unregistered refugees are unable to legally access the labour market and have little choice but to survive on exploitative labour and humanitarian aid. The constant threat of arrest and hostility from host communities exacerbates conditions.

However, refugees are not the only ones to suffer from the current situation. Most Syrian refugees and PRSs have settled in Lebanon’s most marginalised regions, placing them in direct competition for access to work, public services and resources with vulnerable Lebanese communities. Consequently, the influx of refugees is often cited as a reason for Lebanon’s stagnating economy. Equally, Lebanon’s socio-political stability rests on a precarious sectarian balance, one that could be threatened by the predominantly Sunni refugee population. Haunted by past memories of Palestinian refugees’ involvement in the country’s fifteen year long civil war, the fear that the presence of Syrian refugees could be a catalyst for instability and conflict within Lebanon is widely felt.

Speaking to representatives from the Arab League, the UN Security Council, and the EU in September 2017, Lebanon’s president Michel Aoun stated that Lebanon could not sustain the presence of Syrian refugees for much longer. “My country cannot handle it anymore”, he said, suggesting that Syrians should start returning to “calmer areas” in Syria. His words were echoed by Prime Minister Hariri a few months later. And while such words were caveated with the guarantee that Lebanon would never force returns, human rights advocates fear the possibility of indirect refoulement, whereby government-promoted hostile policies towards refugees could make living conditions for refugees so unbearable that they would be indirectly pushed to leave the country.

When a deal between Hezbollah and militant groups in Syria repatriated over three thousand Syrians last year, reports of refugees facing bombing, torture, and imprisonment provided insight into how dangerous pushing for returns can be if carried out without proper safety checks.

 

To Stay or to Go

As conditions deteriorate for Syrian in Lebanon, refugees increasingly face the difficult choice of whether to stay, despite growing hostility and hardship, or to leave. “I would love to return home.” Yara, a single mother of sixteen from Aleppo living in an informal camp in Akkar tells us. “We had a house and land and we would grow food. I love Syria. But we cannot go back, it is too dangerous now. There is no other place for me to go to.”

Reports of Jordan deporting refugees back to Syria and Turkey shooting refugees at the border are well known amongst the refugees in Akkar, meaning few desire to relocate to these places. And the chances of being resettled to Europe gets slimmer by the day. Yara’s husband tried to reach Europe via sea, but she has not heard from him since he left on a blow up dinghy in 2013. And it is not only Syrians disaffected with the regime who are caught in this conundrum. Yussef, who has served in the Syrian military, also feels that he cannot return: “I do not have any personal problems with the regime, but returning to Syria would be too risky just because of the address on my ID. I come from a certain area of Homs…that is all it would take to get me arrested.”

Nonetheless, despite the continued violence in Syria, many refugees advocate for return. “We cannot stay here forever” says Abu Mohammed, a Syrian teacher living in Akkar, “Returns need to be voluntary and carried out in areas that are truly safe. But in order to ensure that, we need to start organising ourselves now, so that when the times comes to return, we will be ready.”

Abu Mohammed worked in a school in Homs before coming to Lebanon in 2012. Today he is a key spokesperson for a proposal for peace in Syria, written by an informal network of Syrian refugees. The proposal is the product of a rare process, where Syrian refugees have found the strength and resilience to create a platform upon which they can speak for themselves about the conditions needed for return to Syria to occur in a safe and dignified manner.

The catalyst for the creation of the peace proposal was the new legislation passed by the Lebanese government in 2015, which made it harder for Syrians to renew their papers, exposing many to unemployment, arrest and detention. “It was not always like this” Khaled, a long-term intermediary for the UN, told us during an interview in Tripoli. “Before the border was open. When my first daughter was born, we had no problem registering her. But when my second girl was born last year, I had to pay thirteen hundred dollars to get  someone to register her in Syria so she did not become stateless.” With eighty-three percent of Syrian children born in Lebanon since the beginning of the crisis lacking birth registration, Khaled’s story resonates with many.

“I do not blame the Lebanese authorities when they say that the situation has reached its limit and Lebanon cannot do more than this”, said Abu Mohammed. “But Lebanon will not help us more than it is now, so we must seek alternatives.”

The network behind the proposal is made up of Syrian refugees from different confessional communities, often represented by the shawish (leaders) of camps in Akkar and the Beqaa. “The people who wrote the proposal have very diverse backgrounds and come from different places in Syria, there are teachers and farmers, mostly from Homs, but also from Damascus, Aleppo, Raqqa” Abu Mohammed told us. “It was written here in Akkar and has been slowly gathering support. We also keep in touch with people in Syria, as well as with refugee communities in Turkey and Jordan. Many call us by phone or Skype to ask what is the progress.”

The strength of Abu Mohammed’s conviction stretches well beyond his words. When he was offered the chance to travel to Europe with a humanitarian corridor he turned it down to stay with his wider family in Lebanon and to continue to run the school he had helped set up. Five hundred children from over twenty-two different refugee camps come to his school every day. “My work in the school goes hand in hand with the peace proposal. It is crucial we help ourselves over here, but this cannot be a long-term plan, we want to return to Syria as soon as we can.”

 

The Proposal

The peace proposal advocates for the establishment of safe demilitarised zones in Syria, based on Articles 14 and 15 of the IV Geneva Convention for the Protection for Civilian Persons, which sets the conditions for the establishment of neutral zones in areas of warfare. Such zones would allow for the return of refugees and displaced people.

One such zone has already been identified south of Homs, between Qusayr and Yabroud, stretching between the Lebanese border and the Homs-Damascus highway. This area is currently under the control of Hezbollah and the Syrian regime. Home to more than twenty percent of Syrian refugees in Lebanon, this region has been chosen for its proximity to the Lebanese border and its agricultural resources. The proposal for safe return areas is “beneficial for all parties” explains Abu Mohammed, “as Lebanon would guarantee its border to be open for voluntary returns to this region, and Syrians would be allowed to attempt a first return to their country.”

“One of the main reasons Syrians do not want to be in Syria today is out of fear of vengeance and of our children being arrested or drafted in the army. This fear involves everyone, even regime supporters. The strength of the proposal is one: that it speaks to all Syrian refugees”.

In a UN survey carried out in 2017, seventy percent of Syrian refugees expressed the desire to return to Syria if they felt there was somewhere safe for them to return to. “We fled from our homes in Syria because we did not want to kill or be killed. We have paid an enormous price for our freedom. We want to live with freedom and dignity, and we want to make a peaceful return to our homeland,” said Abu Rabia, a former resident of a refugee camp in Akkar, today resettled in Italy.

 

The Role of Operazione Colomba

Looking for a way to promote the proposal and gain support amongst the international community, Abu Mohammed met with Operazione Colomba, the only humanitarian organisation with a permanent presence in the camps of northern Lebanon since 2014. Strong from its protection and peace-building experience in the Peace Community of San José de Apartadó in Columbia, and in demilitarised nonviolent communities such as the village of At-Tuwan in Palestine, Operazione Colomba has gained international experience in promoting safe zones in places of protracted violence. Seeing the importance of the proposal and understanding the dangers faced by refugees who get publicly involved with politics, Operazione Colomba helped to circulate, translate and promote the proposal. Most recently, a Syrian delegation from the refugee camps has been presenting the proposal to EU officials such as the EU Vice-President and the EU High Representative of the Union for Foreign Affairs and Security Policy, Federica Mogherini.

 

Critiques of the Proposal

However, not everybody is in favour of the idea. Interviewing a number of refugees living in Lebanon’s northern city of Tripoli, the proposal was met with many doubts; many fearing for their safety and livelihood were they to return to safe zones without a political settlement taking place first. “Without weapons?” One women laughed. “Impossible. All it takes is one rocket. And how would we live? The land is covered in mines, my home is destroyed. What would I do?”  Many refugees in Lebanon see safety and security as the first conditions to return, with access to basic services and employment opportunities also as key.

Abu Mohammed is no novice to such questions and having been previously detained in Syria, he is aware of the risks that return to Syria could entail. “We know that such a solution today seems too far-fetched and unrealistic. With the recent sieges and bombings continuing in Syria, it is difficult for anyone to speak of return. For today the proposal is impossible, but one day the violence will lessen.”

Most refugees feel trapped in a stalemate between a country that does not want them and a country to which they cannot return. To Abu Mohammed’s eyes, the proposal is a starting point to begin opening up routes to move on from such impasse, working on finding alternatives between degrading treatment abroad and war at home. “Return is key to any solution,” he insists, “and it will happen eventually.”

“This war has been long, but it will not last forever. The day it will be over, we want to be ready to return in a safe manner no matter who wins the war. Even if we will simply move in other provisional camps at first, it will be better to live in a camp in our own country than here.”

 

Other Opinions

Lorenzo Trombetta, a Middle East expert based in Beirut, was consulted when the proposal was at its embryonic stages. The first time Operazione Colomba told me about the proposal I was very skeptical. But after learning more about their work they do in Akkar, I took a more listening attitude.”  Trombetta does not see the feasibility of truly safe zones being established in the near future. “For most of the actors in Syria, the idea of safe zones is more a strategy to further political and military goals rather than a method of civilian protection.” With the failure of past de-escalation zones all too present, Trombetta warns of the difficulty of disconnecting zones of safety with zones of influence and the future demarcations of post-war Syria. “No safe zone can be established without first reaching a political settlement with the government and its allies. You may find statements of solidarity amongst EU institutions, but they are unlikely to act unless they believe it to benefit their diplomacy in Lebanon.” As demonstrated at the international conference recently held in Rome, international diplomacy in Lebanon is mostly concerned with anti-terrorism securitization and stability. “The Western consensus towards Lebanon is to keep it as the bench outside the football pitch, make sure Syrian refugees can survive and wait without spilling over towards European borders.”

Those behind the proposal are only too used to the hollow promises of politicians, but they also hope that with support from EU countries, local players would be more likely to take the proposal seriously. Alex, a member of Operazione Colomba who has lived in the camp for over two years, acknowledges the risk that regional actors might try to use the idea of humanitarian zones to further their own political ends. “There is a lot that will have to be negotiated and that will depend on what happens in the near future. But on the core tenants of the proposal we cannot negotiate: on the need of security, food, healthcare, and the request of dignity Syrian people want back.”

Whilst Trombetta believes that any true safe zone could not exist in the near future, he does not deny the possibility completely. “Operazione Colomba and the Syrians who wrote the proposal are working at the forefront of what the current situation allows.” He concedes that while keeping nuance against misinterpretations of the proposal advocating for an unsafe return, there is a need to start working on the idea of safe return zones in advance and to start from social inclusion. “Remember to look beyond the national borders on maps.” He points out how the triangle formed by the cities of Homs, Tartus, and Tripoli is a very resourceful and interconnected socio-economic area, gravitating the north of Lebanon closer to Syria than to the more politically and economically distant Beirut. Roots of support for the proposal could grow from the re-establishment of local economic activities through projects of social inclusion and cohesion between Syrians in Akkar and their communities of reference in Syria. “We need to aid the construction of a socio-economic context that can precede the physical return of refugees in the foreseeable future.”

International aid organisations have expressed concerns that such a proposal is premature and that establishing safe zones would risk supporting efforts of forced returns from Lebanon where basic security conditions are far from being met. When asked to comment, the International Red Cross replied stating that any return should be done in a safe, dignified, and informed manner in accordance to international humanitarian law, and that such conditions have been currently met on the ground.

Many points remain unclear in the safe zones proposal, such as issues of governance, mobility, and access. When facing such questions Alex replies that the Syrians involved in the proposal, alongside Operazione Colomba, are constantly evaluating details in accordance with the evolving situation. “When we are asked about the details of the proposal, we often say that it is like asking a child who they want to be when they grow up. We cannot know now how safe zones will form, it is too early and it will always depend on which interlocutor we will face the day we will sit down and discuss. But it is still important to ask the question, to spur imagination and the will to change this situation.”

For the millions of Syrian refugees surviving in rapidly deteriorating conditions, there are not many alternatives. This is why for those behind the proposal, working for the establishment of safe return zones is not more unrealistic than a scenario in which millions of refugees stay endlessly in a foreign land.

 

Conclusion

Caught between the growing hardships of displacement and premature conditions for return, Syrian refugees in Lebanon have to walk the fine line between advocating for safe and dignified return whilst careful not to fuel excuses for coerced refoulement.

“Why are the representatives of the forces destroying our country the only ones sitting at the negotiating table?” asks Abu Mohammed, as he mends a leak in his tent. “Refugees are treated as if their only role is to run away from war, becoming powerless victims begging for help. We want to show you how far is this from reality.”

In the midst of growing escalation in Syria, the peace proposal, coming from civilian refugees, provides an example of what wars too often leave out: the voices of those who refuse violence. Against all odds, a group of Syrians are trying to launch a message of peace, taking concrete steps towards a proactive involvement in negotiations. Notwithstanding the necessity of a political settlement to be found in Syria to bring war and violence to a halt, refugees want to part-take in the process. They are asking for the ear of the international community not to fall deaf to their call.

 

الأحلام لا تصنع جيشاً حراً

الأحلام لا تصنع جيشاً حراً

سيطرت السلطة ورئيساها “الأب والابن” بالتحديد لزمنٍ طويلٍ على كافة مفاصل الدولة، فلم تكن الدولة ممثِّلة للمجتمع بقدر ما كانت ممثلة للسلطة. لم يشعر أفراد سورية بأنّهم مواطنون ولهم حقوق وواجبات، ولم يمارسوها أيضاً. ممارساتهم كانت وفق المرسوم لهم مسبقاً. إذ كان الناس يعيشون بالأوهام والأحلام، وليس بنشاطاتٍ يساهمون من خلالها بصناعة واقعهم. في ذلك كتب المفكر السوري طيب تيزيني وعشرات من المثقفين السوريين: إن سورية محكومة من قبل الدولة الأمنية.

سورية التي رأت في الثورات العربية عام 2011 دوراً الشعوب في تقرير مصيرها، كما حال تونس ومصر، قرّرت أنه بمقدورها أيضاً إسقاط النظام. المشكلة هنا، أن السوريين مُنعوا من تشكيل أيّة خبراتٍ في أشكال الاحتجاج والتظاهر ورفع الشعارات المتوافقة مع تطور هذه الأشكال، وكانت نقاباتهم واتحاداتهم مُسيطَراً عليها من قبل السلطة.  هذا الوضع دفع السوريين لرفع شعار الحرية والكرامة عالياً والاستخفاف بأيّة شعارات أخرى أكانت وطنية أم اقتصادية، وكذلك سُخِّفت أيّة توجهات للانشغال بالبرامج السياسية والرؤية الفكرية والاستراتيجية! واشتُقَّ من الشعار السابق مئات الشعارات والأفكار؛ فهو شعار تعبوي ويعكس أحلاماً كبيرةً، ويشحذ الهمم، وبالتالي كان الشعار هذا طوباوياً بامتياز، وقابلاً لإيصال مطلقيه أنفسهم إلى أسوأ مصير أو أفضله؛ وتغلَّبَ الأسوأ بامتياز، كما تمّ لاحقاً، وكما وصلت الأوضاع إلى التهجير والتدمير والاحتلال. طبعاً السلطة تتحمل المسؤولية الأساسية عن مآلات سورية.

الخيار الأمني والملائكة

السلطة الأمنية واجهت الشعب فوراً بخيارها الأمني، أي لم تعترف له بأي دور للمشاركة السياسية رغم مطالبته في الأشهر الأولى للثورة بالإصلاح وليس بإسقاط النظام، ورغم كل محاولات الدول الإقليمية، وتحديداً تركيا وقطر والسعودية، لدفعه للقيام بإصلاحات سياسية أولية واستيعاب التدفق الشعبي الذي راح يهدر في كل المدن السورية بما فيها حماه؛ وتأكيدي لحماه لأنّها دُمرت في الثمانينات، وكانت مظاهراتها السلمية الأكبر عدداً في تموز 2011.

قبالة رفض الاعتراف للشعب بأي حقوق، ورفض الوساطات الإقليمية للتغيير، اشتد الخيار الأمني من اعتقال وقتل ومجازر وتهجير؛ هنا فقط الملائكة يمكن ألّا تحمل السلاح، فجاء تشكيل الكتائب المسلحة لحماية المظاهرات الضخمة في أغلبية المدن السورية؛ وعي هذه الكتائب عكس الوعي الشعبي المكرّس، أي هو وعي ليس فيه مفاهيم للحقوق وللواجبات، ولنقل لديه تصورات مشوشة إزاء ذلك، ولكنه  في بنيته الأساسية محمل بالوعي العائلي والمناطقي والديني والطائفي والسلفي، وهناك الوطني الملتبس بما ذكرت. ظهر إشكال حقيقي، ويتعلق بتدخل إقليمي لمنع تشكيل جيش وطني معارض، وسُلّم المقدم حسين الهرموش الذي رفض مشروع الإخوان المسلمين بالأسلمة والتسليح، وحاول تنظيم عمل العسكريين المنشقين للنظام عبر تركيا. الأغلبية الساحقة للضباط المنشقين وُضعوا قيد الإقامة الجبرية في تركيا أو الأردن، وسواها. قلّة من الضباط بقيت في سورية، إمّا لأنّها رفضت مغادرة سورية أو لأنّها ارتبطت بمشاريع كالإخوان المسلمين أو تركيا وسواها، ولاحقاً ومع تتالي سنوات الثورة، واستدعاء حزب الله وإيران والميليشيات الطائفية التابعة لها لمواجهة فشل النظام ولاحقاً روسيا، اضطرت الكتائب المعارضة لتلقي الدعم بكل أشكاله من الخارج؛ النظام وجيشه أصبحا يأتمران من إيران وروسيا والفصائل كذلك، وبالتالي يمكن نزع الصفة الوطنية عن أغلبية التشكيلات المسلحة في سورية. الإشكال هنا أن هذه التشكيلات أصبحت تعمل لصالح مشاريع إقليمية ودولية، ومن هنا نرى ترابط هذه التشكيلات مع أمريكا وروسيا وإيران وتركيا وقطر والسعودية وسواها.

يمكن القول هنا، أن النظام فشل في أن يكون وطنياً، وهذا يسري على جيشه وأجهزته الأمنية واستدعى الخارج لحماية نفسه، وكذلك المعارضة والتشكيلات المسلحة. الوطنية السورية لم تتشكل يوماً، أي قبل الاستقلال وبعده وبعد الحركة التصحيحية، وبالتالي ظلّ الوعي “الوطني” ملتبساً بالتصورات الدينية والمذهبية، وفي هذا هناك كلام كثيرعن مشكلات تعتور الهوية السورية، وشكّلَ تغييب الشعب لعقود متتالية عن المشاركة السياسية في قضايا الحياة كافة سبباً كافياً للانطواء والتقوقع ضمن إطار التصورات ما قبل الوطنية وأصبحت الأخيرة مجرد غطاء للتكاذب “الوطني”؛ طبعاً الكلام يدور حول الشكل المسيطر للوعي وليس على  كافة الأفراد.

التدخل الإقليمي

مع العام الثالث للثورة برزت عوامل ساهمت في تراجع الثورة الشعبية وأهمها التدخل الإقليمي والدولي بشكل كبير؛ ففي الداخل ظهرت الكتائب السلفية والجهادية لأسبابٍ تتعلق بسياسات النظام والخارج الإقليمي وتعقيدات الثورة ذاتها! وتأسلمت أغلبية الفصائل المحلية، وأصبحت تابعة للدول التي استجدتِ النظام ليقبل بالإصلاح من قبل؛ تدخُّل هذه الدول جاء بسياقٍ واحدٍ، وهو تخميد الثورة وتحويلها إلى إصلاحات وإعادة إنتاج النظام “بتطعيمه” بالمعارضة الإسلامية والليبرالية. مع رفض النظام للإصلاح، بدأت عملية تخريب الثورة، وحجزها في سورية. تمّت عملية الاحتجاز بتتبيع المعارضة وكتائب الجيش الحر وخلق كتائب سلفية وجهادية وتسليح الثورة بشكل فوضوي، وبذلك تراجع طابعها الشعبي والاحتجاجي والمدني وتقدم العسكري. وربما من أخطر ما افتقدته الثورة غياب نظرية لها ورؤية المعارضة القاصرة لها، ولكيفية توجيهها والسيطرة عليها وقيادتها في كل سورية. ما سُقتُه أدى إلى تخريب الثورة وإخضاع أغلبية المجموعات السياسية والعسكرية للخارج.

الإشكالية الكبرى كانت في ظهور كل من جبهة النصرة وداعش وقبلهما جيش الإسلام وأحرار الشام. أغلبية الروايات عن هذه المجموعات تفيد، بأنّها صُنعت لتخريب الثورة، ولخدمة رؤية النظام لها “ثورة طائفية وإمارات سلفية ومؤامرة خارجية” ووجِدت لاحتجازها في سورية وتعليم السوريين والشعوب الدرس المؤلم للثورات، أي تحويلها إلى مجازر متنقلة، والتهجير والتدمير.

إذاً مفهوم الجيش الحر المشتق من مفهوم الحرية، ورغم دلالاته في رفض الاستبداد والقطيعة معه، لم يفد في تعزيز ممارسات ثورية وعسكرية تنطلق منه. هنا لا يمكن تجاهل دور المعارضة في تشويه رؤية أهداف الثورة لدى الثائرين على النظام؛ إن دور المعارضة في أي ثورة أو احتجاج واسع هو صياغة المطالب العامة ونظرية الثورة والسيطرة على الثورة وقيادتها، ورفض التعدد في تمثيلها ليسهل للمعارضة خوض الصراع الوطني العام ضد النظام.

جيش الإسلام وأحرار الشام

المعارضة السياسية الفاشلة والانتهازية خسرت أهم ما يبرر وجودها وهو ما ذكرت. هذا فتح المجال لتصبح القوى الإسلامية هي المتصدرة للمشهد العسكري. جهادية داعش والنصرة أخرجتهما من القوى المحسوبة على الثورة، أما جيش الإسلام وحركة الأحرار فقد كانت سلفيتهما هي الغالبة، وتطورت في خطابها لتصبح “مقبولة” إقليمياً ودولياً، وبالتالي اشتغلت على مفاهيم الشعب والعدالة والديموقراطية التي تتساوى بصندوق الاقتراع، وقبالة ذلك خففت من خطابها الديني والطائفي. الحركتان الكبيرتان هاتان، كان مشروعهما العسكري هو الأساس، ولاحقاً اشتركتا بالسياسة باعتبارهما ممثلتين عن الشارع والثورة. هنا يجب ملاحظة أن جيش الإسلام رفض الإنخراط بالهيئات السياسية المُشكلة، وكذلك الأحرار، وكان اشتراكهما تقنياً ولغايات المفاوضات النهائية أو ما يتعلق بالشؤون العسكرية كما تمّ في الأستانة وجنيف.

الحركتان المذكورتان، وبعد التخفيف من الحمولة الأيديولوجية السلفية لهما، وتبني خطاب براغماتي، وبسبب إطالة أمد الصراع، والحاجة للأموال، خضعتا لمصادر التمويل، وكذلك بسبب سياسات فاشلة لديهما لإدخار قواتهما للمعارك النهائية؛ جيش الإسلام خضع للمملكة السعودية والأحرار للدولة التركية بشكل خاص. طبعاً هناك مصادر تمويل متعددة أخرى يحصلان عليها، وهذا لن يُعرف بشكل كامل إلا بعد زمن طويل. على كل حال، وبتطور الواقع كما ذكرت وبتحول سورية إلى ساحةٍ للصراع الإقليمي والدولي، خضعت أكبر الحركات لسياسات الخارج. إضافة لذلك ارتهنت فصائل كثيرة لكل من غرفة الموك في الأردن وغرفة الموم في تركيا، وأُعلن عن فصائل ممولة ومدعومة أمريكياً بصفة خاصة، والتي لم تقبل أغلبيتها محاربة داعش فقط واشترطت محاربة النظام وداعش معاً، فكان مصيرها التهميش؛ لعبت أمريكا وتركيا والأردن على إبقاء الفصائل متشرذمة وبدون قيادة موحدة، وكانت كل عمليات التوحيد هامشية ورغبوية بامتياز، وبالتالي استتبع ذلك هامشيتها وخسارتها كل المعارك التي خاضتها مع داعش أو النصرة أو جيش الإسلام، وبالنتيجة تلاشت الفصائل وظلت الحركات السلفية المدعومة خارجياً.

وما ظل من فصائلٍ غير محسوبة على الإسلامية ولا سيما فصائل درعا تم تدجينها في إطار اتفاقيات الأستانة، وتعد مشاركتها في الأستانة، أو تلقي الدعم الأمريكي سبباً كافياً لعدم استقلاليتها ولضمور الوطنية في قراراتها، وتفسر صمتها عن المساهمة في معارك كثيرة، وبدءاً من رفضها مؤازرة بلدة داريا، والاستفراد لاحقاً بكل الغوطة الغربية والشرقية. حتى هذه الانسحابية لم تشفع لها، فكوفئت بخلق داعش لها في وادي اليرموك؛ فجيش خالد الداعشي وُجد لتهديد تلك الفصائل بالتحديد، وتكبيل يديها عن المساهمة في معارك الغوطة أو حلب وكذلك لضبطها في إطار الاتفاقيات الدولية والاقليمية، وربما للتأثير عليها لتتقبل أية شروط تخص إبقاء الحدود آمنة مع إسرائيل وعدم رفع أية مطالب مناهضة للأخيرة.

قسد وغصن الزيتون

إذاً لم تعد صراعات الفصائل ضد النظام تنطلق من قضايا الصراع ضده، بل أصبحت  خاضعة كما النظام لسياسات الخارج بشكل أساسي. بعد 2013 و2015 ودخول روسيا، وكذلك بعد خسارة حلب ونشوء التحالف التركي الروسي، جيرت تركيا الفصائل المدعومة من قبلها لصالح هذا التحالف. التحالف هذا فرض سياسات جديدة على كل من تركيا وروسيا وإيران وأمريكا، وبالتالي خضعت كل صراعات الفصائل لهذه التحالفات. فصائل درع الفرات أو غصن الزيتون أو قسد كلها أصبحت صراعاتها مع بعض أو ضد داعش خاضعة لهذه الاعتبارات بالتحديد، وبالتالي هناك سؤال كما في نص الطاولة المستديرة لصالون سوريا والتي نناقش فكرتها الأساسية في هذا المقال:

أين الوطنية في كل هذه الصراعات، وأين مصلحة الشعب السوري في تعزيز الاحتلالات لأراضيه؟

إضافة لما أشرت له سلفاً، وهناك ما هو أسوأ، وهو التوافق بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي “البايادي دي” والذي بدأ مع بداية الثورة، وبنتيجة  الصفقة بينهما تم تخلي النظام له عن مناطق واسعة في القامشلي والحسكة وعفرين ليتم فرض سلطته عليها. هذا الاتفاق تم بالتأكيد ضد الثورة وفصائلها وعانى منه الكرد والعرب. هذه لحظة تأسيسية للفهم، وليتم توضيح أصل العدائية الكبيرة بين هذا الحزب والفصائل السورية بكل أشكالها. الإشكالية هنا أن تطوّر الصراع وديمومته لسنوات وسنوات غيّر من تحالفات هذه الفصائل “الكردية والعربية” وبالتالي جعل منها خاضعة للخارج كما النظام ذاته.

لهذا لا يمكن مناقشة معركة غصن الزيتون دون توضيح الأسباب التي دفعت بعض الفصائل للمشاركة في معاركٍ تحت السيطرة التركية، وكذلك يجب فهم تحالف الاتحاد الديمقراطي “البايادي” مع الأمريكان. معركة عفرين كانت نتيجة ما ذكرت، ولكنها مكنت تركيا من احتلال أقسام واسعة من سورية كما معركة درع الفرات. أيضاً تحالفات قسد مكنت أمريكا من فرض سلطتها على مناطق واسعة في شرق سورية وشمالها.

من يتحمل المسؤولية

يمكن القول إن جيش النظام لم يكن وطنياً كما أشار الكاتب علي العايد في مداخلته “الجيش السوري الحر لم يكن موجوداً أبداً” بهذا الملف في تصديه للثورة الشعبية ولم يقف على الحياد لحماية الدولة كحال تونس مثلاً، وهي وظيفته الأساسية. وكذلك الفصائل حينما لم تلتزم بمرجعية ثورية، وتحدد عملها بحماية الثورة وتطويرها ورفض كل تبعية للخارج أو ميول سلفية وجهادية تبنتها جماعات لا علاقة لها بالثورة وأهدافها. نعم تتحمل السلطة السياسية المسؤولية الكبرى عن مآلات سورية وعن إدخال الجيش لقمع الشعب بمرحلة ثورته السلمية والعسكرية، وكذلك تتحمل المعارضة المسؤولية في الفوضى التي هي سمة الفصائل وتشرذمها وتفتتها وتبعيتها للخارج.

هوية بلا دين ولا طائفة ولا قومية

هوية بلا دين ولا طائفة ولا قومية

نتلقى تاريخنا في مجتمعاتنا العربية كما يحلو لحكوماتنا ورجالات الدين أن يقدموه، نتأثر به، ويُساهم في تشكيل هويتنا وشخصياتنا. يوحى لنا أنه مسلّم به وصادق أمين، ويساهم في ترسيخ ذلك ما تقوم به الحكومات السلطوية من تجهيل بمحاربة الثقافة حتى تغدو القراءة والاطلاع فعلاً ثانوياً وهامشياً لا ضرورة له، وهذا تماماً ما يُراد، التّلقي دون محاولة البحث أوالمحاكمة والتشكيك. لكن معاصرة الأحداث في السنوات الأخيرة دفعت بفئات واسعة من الناس نتيجة مشاهدتهم كيف يتم تحريف وتزوير وقائع تجري في حاضرهم،  للبحث والنبش في التاريخ والشك بمضمونه والبحث عن مدى مصداقيته، خاصة أن البعض أمعن في إيقاد الجحيم باختيار ما يحلو له من سموم التاريخ.

اعتادت السلطات الحاكمة في شرقنا العربي، كما اعتاد سلاطين الدين والطوائف، كتابة التاريخ خدمة لغاياتهم، كتبوا ما يجري في عهودهم ليحولوا أنفسهم لآلهة، ونقلوا ما مضى منه بانتقائية تحقق غاياتهم. بينما يتحفنا بعض الباحثين والكتّاب بتواريخ تُبنى على استنتاجاتهم الشخصية ترتدي غالباً ثوب تفكيرهم وهواهم. ويبقى في الظل تاريخ مُعاش لا يُدوّن ولا يُحكى ممن عاصروه وكانوا جزءاً حياً منه، فلا إمكانية لديهم لتوثيق التفاصيل، ولا أذن صاغية تسمع رواياتهم، فيفقد التأريخ الصيغة الحياتية الإنسانية المُعاشة، التي تحمل في ثناياها مضامين يتجاهلها أهل المصالح ويهمّشوها، فتدوينها يفتح باب المعرفة، والمعرفة تفتح باب الفهم والإدراك، والفهم والإدراك يحولان الإنسان من متلقي إلى فاعل يسبب الكثير من الحرج والمتاعب.

هكذا يتم استثمار الإنسان والتلاعب بعقله في ظل الحروب، تماماً كما في الوضع السوري، بتكريس مشاعر التعصب والطائفية والانقسام بين جميع مكونات الشعب، فيتحوّل الحراك الشعبي من حراك يطالب بدولة حريّات وعدالة لحراك يرى بعضه في الإسلام السني نظاماً صالحاً للحكم، ويراه البعض الآخر حراكاً مؤامراتياً على الوطن، وآخرون يطيّفوه ليبدو حرباً أهلية، وتأتي حينها من تشاء من دول هذا العالم لتستغلّ الانقسام لحسم صراعات النفوذ بينها.

احتلت الساحة في السنوات الماضية صراعات دينية وطائفية وقومية مختلفة: سنية – علوية؛ شيعية – سنية؛ درزية – سنية؛ إسلامية – مسيحية؛ عربية – كردية؛ وتم استغلالها لتقسيم السوريين حول قضايا مختلفة لا تمت بصلة لقضيتهم الأم التي بدؤوها، قضية الحرية والعدالة والديمقراطية. واختلاف القضايا يحتاج البحث عن مبررات وأسباب مختلفة للحشد حول الأهداف، وليس أفضل من النبش في تاريخ مُتاح فيه للجميع أن يجدوا ما يشاؤون.

تناسى السوريون أنهم أفراد ومجموعات، أديان وطوائف وقوميات، خضعوا لنفس الديكتاتور، وتعرضوا لنفس الانتهاكات، تم العبث بحاضرهم ومستقبلهم، بمقدراتهم وثرواتهم، بيد نفس السلطة التي أحسنت اختيار من يناسب منهم لخدمتها وحمايتها، في حين كانت تُمعن في تقسيمهم ليجهلوا بعضهم البعض، أسهل الطرق لخلق العداء فالإنسان عدو ما يجهل. والعداء السوري-السوري يصب في مصلحة السلطة الحاكمة على منطق فرّق تسُد.

لم يعبث الأسد الأب باقتصاد الدولة ولم يقم بخصخصته لصالح طائفته، بل لصالح مافيا تشاركه وتحميه، مافيا تنتمي لكل الأديان والطوائف والقوميات، قدمت له نخباً عسكرية واقتصادية وثقافية ودينية واجتماعية كانت يده اليمنى في الحكم، تبسط سلطته حيثما شاء.

دفع عامة السوريين ثمناً باهظاً وهم تحت نير الديكتاتورية، رضخوا لظروف متساوية في السوء، تزيد أو تنقص قليلاً، تم تجهيلهم وتخريب ثقافتهم، وإفساد المستطاع من قيم وأخلاق، ليصبح من السهل إدارتهم والسيطرة عليهم عبر مافيا عسكرية وسياسية واقتصادية ودينية مقربّة تشكّل دوائر حول رب السلطة لحمايته، وانشغل الشعب المقهور بالسعي وراء لقمة العيش والشكوى إلى الله، تشغله أموره الحياتية حد قضاء نهاراته ولياليه في تأمينها.

لم يكن العلويون خارج هذا الإطار، ولم يكن ماضيهم بما فيه من الفقر والقهر والظلم مختلفاً كثيراً عما هو عليه حاضرهم، فلا هم عاشوا قبلاً في الجنة، ولم يدخلوها بعد استلام الأسد الأب للسلطة، السلطة التي نازع عليها حتى علويين وزجهم في سجونه. وما توانى الأسد الأب عن استخدام أشد الاستبداد على من يعترضه أثناء مسيرة حكمه والأمثلة كثيرة، زيارة واحدة لقرى المناطق العلوية المغيبة كانت كافية للإصابة بالذهول وفهم أن رأس السلطة قد ينتمي للعلويين لكن العلويين ليسوا السلطة؛ هم سوريون تحت خط الفقر والقهر، في قرى بعضها لم تؤمّن لها الدولة خدماتها الأساسيّة، قرى منها الفقير والمهمّش، ومنها بلا ماء ولا كهرباء ولا هاتف واتصالات، كحال غالبية الريف السوري بل أحياناً أسوأ من بعضه. هذا الوضع الذي لو شاهده أصحاب حكمة (الطائفة العلوية تحكم سوريا) سيصيبهم بالذهول، تماماً كما أُصبتُ به، فقر لم أره في حياتي في المناطق التي كنت أزورها جنوب سوريا أو ريف دمشق. في تلك القرى يبسط رجالات الأسد الأب سلطتهم ويُحكموا قبضتهم عليها، يتحكمون بمصائر أبنائها ويهبون رضاهم لمن يطيع، حيناً بقضاء حاجة ماسة، وحيناً آخر بوظيفة حكومية بائسة وغالباً ما تكون بسلك الجيش أو الأمن، متطوعون يبحثون عن عمل للخلاص من الفقر، ليس حباً بالجيش لكنه السبيل الأمثل للعمل لمن لم يتمكن من إنهاء تعليمه نتيجة الفقر. نفس الظرف الذي كان يتعرض له السوريون جميعهم، فالتطوع بالجيش والشرطة والأمن باب رزق لمن لم يتعلم وليس بين يديه مهنة، وحتى المهن لم تكن لتؤمّن سبلاً للعيش في مدن وقرى ميتة اقتصادياً.

من الصعب على مُغلق العين والقلب والعقل تصديق هذا الوضع في عهد يصر البعض القول عنه عهد ( حكم العلويين) بدلاً من القول أن رأس النظام (علوي) لكنه رأس لمافيا تنتمي لكل الأديان والطوائف والقوميات. هناك الكثير مما يُمكن أن يُحكى عن شعب تم قهره بكامله لسنوات طوال عبر كل الجغرافيا السورية باتجاهاتها الأربع من خلال الفقر والأمية والجهل والاستبداد. فقط لو يصغي السوريون لما تحمله قلوب مواطنيهم، لسمعوا حكاياتهم هم بلسان آخر، ولأدركوا أنها نسخة طبق الأصل عن قصص أهلهم وجيرانهم وأصدقائهم، لعرفوا أنهم ليسوا وحدهم في عذاباتهم وأن السوريين سواسية إلّا من رضي عنه رب السلطة فميّزه.

ليس لنا إلّا أن نواجه حقيقة أن سلطتنا المستبدة عبارة عن مافيا منتقاة، من الجنوب بسهله وجبله حتّى الشمال بجباله وسهوله، مجموعات من كل الأديان والطوائف والقوميات، تجمعها المصالح المتبادلة، تحمل نفس الأخلاقيات، دعمت ومنها من لا تزال تدعم بقاء النظام الاستبدادي، عملت ولا تزال تعمل لصالحه وصالحها، بمن فيهم من فروا من قلب تلك المافيا باتجاه النقيض؛ طائفة من الانتهازيين وشركاء المنافع، من رجالات الجيش حتى رجالات سلطة الدين وما بينهما، ينتمون جميعاً لفئة حاكمة فقدت إنسانيتها وأخلاقها من زمن بعيد، تستميت للحفاظ على مكتسباتها وبقائها في قمة الهرم، تتحكم في مصائر السوريين جميعاً، ستحارب ولو تم قتل السوريين جميعاً في نهاية الأمر، طائفة السلطة الحاكمة الممتدة جذورها وفروعها في السلطة الحاكمة كما في سلطة المعارضة التي تحمل نفس الأخلاق وتسعى لنفس الهدف.

لنستطيع أن نكون شعباً واحداً يلزمنا تاريخ واحد نكتبه سوية كما عشناه ونعيشه، نكتبه بكل أمانة وصدق، نروي فيه آلامنا الماضية والحاضرة ونحترمها، نعترف بأخطائنا دون السعي لمبررات، نحكي ونسمع، لعلنا نعبر هذا المستنقع الذي غرقنا فيه ونعيد ترميم ما شوهه نظام الاستبداد فينا، وما أنتجته طائفية وقومجية بغيضة تم إحياؤها.

كلنا ملامون، من أغلق الباب بوجه بعض سورييه وتفرغ لرجمهم، ومن خاف فتمترس خلف جدار خوف كرّسه أصحاب المعارك على السلطات. آن الأوان كي نكتب تاريخاً مشتركاً ونبني مستقبلاً مشتركاً بلا دين ولا طائفة ولا قومية، لن نجد هويتنا الضائعة إلّا بالتوقف عن نبش التاريخ الذي لا يُعوّل عليه ولا على مصداقيته، والتوقّف عن الاستماع لوسوسة الشياطين، لا خيار لنا سوى أن نكون جميعنا على قيد وطن اسمه سوريا، وطن المواطنة المتساوية.

خطّـــــــة القُبَـــــل

خطّـــــــة القُبَـــــل

لا فائدة! أخبار الموت والجوع والدمار تتكرر منذ خمس سنوات. مفردات الصحف في الحروب معروفة ومحدودة: “غارة، قذيفة، هدنة، انفجار، قتلى وجرحى، مفاوضات، طائرات، فشل، مساعٍ دولية، ضحايا….” تُضيفُ إليها كلّ بلد ابتكاراتها المحليّة الخاصة من أسماء الأسلحة المُستحدثة وألقاب المُتصارعين والتقسيمات الجديدة للمناطق وغيرها.

قبل الحرب كنتُ أحرص على جلب وأرشفة الأعداد التي تروقُ لي والتي تنشر ما أحبّ الاحتفاظ به والعودة إليه: ملفٌّ عن موضوع يهمني، إحياءُ ذكرى سنوية لشاعرٍ أو كاتبٍ أُحبّه، مراجعةٌ لكتاب ثمين، افتتاحيةٌ مميزة أو مقالٌ صحفيٌّ لافت.

أما اليوم فلم أعد مهتمّة بالاحتفاظ بها. الحربُ علّمتني أصلاً ألّا جدوى من الاحتفاظ بشيء مادّي. في ظروف النزوح والهرب المتواصل لا نحملُ معنا إِلَّا ما نحفظه في عقولنا وقلوبنا. وكل شيء آخر هو إما ضائع أو مسروق أو متروك أو محروق أو فانٍ.

كَوَّرتُ الجرائدَ بنَزَقٍ وتوتّر غير آبهةٍ بالمقالات والعناوين التي لم أمرّ عليها. ألقيتُ بها في حاوية المطبخ. قبّلتُ أمي الواقفة أمام حوض الجلي قبلةً طويلة ووعدتُها ألّا أبتعدَ أو أتأخّر. وخرجتُ من البيت.  

لم أشعر بشيء ولم أنتبه لفقدانِ حقيبة يدي إِلَّا عندما رأيتُه يتأبّطها وهو يركض أمامي بخفّة نشّال محترف.

ركضتُ خلفه وأمسكتُه بسهولة. كان ولداً في حوالي العاشرة، بهيئة عادية، لا رثاثة فيها ولا رائحة تسوّل.

واجهتُه وأنا أمدُّ يدي صوب الحقيبة:

“هاتِها، لن تجد فيها ما تحتاجه. لا أحملُ محفظة نقود، ليس عندي إِلَّا محفظة قُبَل.”

اتسعتْ عينا الصبي وافترضتُ أنه سيستفسر، فبادرتُه سريعاً لأحدّثه برغبةٍ ومتعة عن هوايتي الوحيدة:  

“أنا لا أؤمن بفكرة حفظ النقود، أنا أحفظُ القُبَل. أجمعُها في أيّ محفظة متعددة الجيوب؛ ستجدُ في الجَيب الداخلي قُبَلاً من فئة الـ (وسط) وهي القُبَل التي نتبادلها مع المعارف العاديين في المناسبات الرسمية والمباركات والأفراح والتعازي. ورغم أنها تتفاوت في قيمتها وأهميتها إلا أنني أجمعها في جيبٍ واحد لأن فرز هذا النوع من القبل مُربِكٌ وصعب.

وستجد في جيب آخر قُبَلاً من فئة الـ (هامّ) وهي القُبَل التي نتبادلها مع الأصدقاء والمقرّبين في لحظاتٍ شتّى: شوق، لقاء بعد غياب، دفقة عاطفية طارئة، وغير ذلك. هذه المجموعة أربطها بعناق من النوع المطاط. فالعناقات هنا جزءٌ أساسي من القبلات لا تكتمل ولا تطيب إن غابتْ عنها.

ستجدُ أيضاً مجموعة خاصة من القُبَل تمّ تغليفها بورقٍ لاصقٍ شفاف، هذه قُبَل المهاجرين والراحلين والمتوفين، هي قبلاتٌ توقّفَ التعاملُ بها وأصبحتْ قبلاتٍ نادرة، لذا أشمّسها وأيبّسها ثم أجلّدها بما يحفظها من الرطوبة والنسيان، فكلمّا طال الوقت كلّما ارتفعتْ قيمتُها وزادتْ غلاوتها.

أما في السحّاب الخلفي للمحفظة فستجد مجموعة هائلة من القُبَل الصغيرة، (فراطة) يعني. هذه قبلات يومية أتبادلها مع أفراد أسرتي وتترافق عادةً مع: صباح الخير، تصبحون على خير، نعيماً، شكراً وهكذا… ورغم أنها كثيرة ومتوافرة إِلَّا أنها ضرورية، ضرورية جداً، لا أستطيع التحرّك بدونها.”

أخذتُ نفساً عميقاً كي أبدأ بشرح الجزء الثاني من هوايتي الذي يتحدث عن (قواعد التخزين ومحاذير غسيل القُبَل) لولا أنني لمحتُ في عيني الصبي دمعةً كبيرة قَبْلَ أن يصرخَ بي:

“أعرف، أعرفُ كل شيء عن قبلاتك ومحفظتك وهوايتك، وأنا هنا لأجل ذلك. لقد جمعتُ حتى الآن مئة وخمسين محفظةَ قُبَل من حقائب وبيوت الناس الرافضة للحرب. بعضها سرقته، والبعض الآخر حصلتُ عليه كتبّرع من أصحابه لدعم الخطة”.

سألتُه بخجلٍ وذهول:

-أي خطّة؟

-خطّة أطفال سوريا. لقد اتفقنا على أن نجمع أكبر عدد ممكن من القُبَل والعناقات، سنحشو بها البراميل وجرات الغاز ومدافع جهنم وسنطلقها على كلّ المدن والقرى المحتاجة، وسنـ…

-لا تُكمِل، خذ المحفظة والحقيبة كلّها، سأستردُّ فقط المجموعة المغلّفة الخاصة بالراحلين لأن تعويضها مستحيل، وسيتكفّل الأهل والأصدقاء بتعويضي عن الفئات الأخرى، سأرسلُ لك أيضاً كلّ ما أستطيع جمعه من قُبلات حتى يحين موعد الخطة. رجائي الوحيد أن تتصل بي وتخبرني بما يستجدّ.

زوّدتُ الصبي بقبلتين إضافيتين على خدّه وجبينه، ودّعتُه بعناقٍ طويل ثم عدتُ إلى بيتي سعيدةً ومتفائلةً بخطّة القُبَل.

بعد أيام اتصل بي، كان صوته ضعيفاً وبعيداً ومكسوراً:

-أردتُ فقط أن أطمئنكِ عليّ. أنا بخير. لكنني خارج سوريا مع مجموعة من الأطفال وقد لا نعودُ أبداً.

اهتزّ قلبي مُتَنَبِّئاً بخبرٍ تعيس:

-لماذا؟ ألم تنفّذوا الخطة؟

-بلى، نفّذناها. وأطلقنا آلاف القُبَل صوب معظم الأماكن المشتعلة بالخوف والكراهية، لكننا الآن ملاحقون ومطلوبون من كلّ الأطراف، يقولون إننا أفسدنا مساعيهم وأفشلنا كلّ شيء حتى المباحثات الدولية، لذا قرّرنا أن نهرب.

-لم أفهم، ماذا حدث؟

-الهدنة، لقد اتهمونا بخرق الهدنة.