الكوتا والسوريات

الكوتا والسوريات

رغم أن المرأة السورية حصلت على  حق الانتخاب في عام 1949، وبحلول العام 2012 وصلت نسبة عدد المقاعد البرلمانية النسائية 12 بالمئة، ورغم أنها شغلت منصب نائبة رئيس ووزيرة ونائبة وزير ومديرة عامة، وأن نسبة العاملات بحلول ٢٠٠٩ بلغت ١٦ بالمئة من حجم القوى العاملة حسب مسح أجراه المكتب المركزي للإحصاء، إلّا أن هذا لم يحررها من عبء ما يحتويه القانون وقانون الأحوال الشخصية من تمييز ضدها مقابل دستور كان نظرياً يعترف بها كمواطنة متساوية، ولكن عند وضع القوانين تعرضت لشتى أنواع انتهاك حقوقها ومعاملتها كمواطن من الدرجة الثانية.  

ورغم ما تشدقت به السلطة السورية لسنوات طويلة حول دعمها للنساء وتصدير صورة للخارج مزينة بالنساء الفاعلات في المجتمع واستغلال مشاركاتهن في مراكز صنع القرار وسيلة لتجميل السلطة والدعاية لها؛ فإنّ وضع النساء السوريات في القانون السوري وقانون الأحوال الشخصية خاصةً كان مزرياً ولا يرقى لمفهوم المشاركة المتساوية. فضلاً عن ذلك فإن نساء السلطة في مراكز صنع القرار والهيئات العامة كنّ في غالب الأحيان وسيلةً بيد السلطة صانع القرار الحقيقي التي تُمرر وتُملي إرادتها عبر ممثلاتها دون اعتراضٍ منهن على هذا حتى لو كانت النتيجة مزيداً من انتهاك حقوق النساء.

ولم تقم السلطة على التوازي مع عملها لتلميع وضع المرأة صورياً بالعمل على تطوير وتمكين السوريات ليتمكنّ من فهم وإدراك حقوقهن وتثقيفهن حول مضامينها وحثهن على العمل لتغيير واقعهن وكل ما يتعارض مع حقوقهن من قوانين وأعراف وعادات مجتمعية، فهي كانت تحابي السلطة الدينية وتتجنب الوقوع في صدام معها. وبالعكس أتاحت لها مزيد من الامتيازات تمكنت السلطة الدينية عبرها من تكريس التمييز ضد المرأة وانتهاك حقوقها. وأتاحت للسلطة الدينية فسحة غير قليلة تؤثر فيها في قاعدة المجتمع وتدفع باتجاه ممارسة عادات وتقاليد وأعراف كان المجتمع السوري في طور قبول تغييرها جذرياً كزواج القاصر ووجوب تعليم الفتيات. ولعبت السلطة الدينية دوراً كبيراً في الإمعان بتجهيل المجتمع وأنتجت ردّة دينية لم تقف بوجهها السلطة السياسية لأنها تناسبها في إحكام القيد حول المجتمع وتمكّنها من إدارته بالتساوي مع رجال الدين نتيجة تأثيرهم المتزايد على المجتمع ويتم عبرها تغييب المنطق والعقل وحقوق الإنسان. هذا الوضع جعل الطرفين متكاملين في تحقيق أهدافهما ببقاء حال السوريين على ما هو عليه بل وأسوأ يوماً بعد يوم تحل الثقافة الدينية بديلاً عن الثقافة السياسية والاجتماعية التي من الممكن أن تقضي على السلطتين معاً.

اليوم وبعد سبع سنوات من حراكٍ سوري بشّر في بداياته بالتغيير لا زالت السلطتان المعارضتان السياسية والدينية على المقلب الآخر تقوم بنفس أدوار السلطة السورية والسلطة الدينية التابعة لها. ففي حين تستخدم السلطة السياسية المعارضة تواجد النساء فيها لتجميل صورتها تماماً كما فعلت السلطة السياسية الحاكمة في سوريا وفي حين تطالب نساء المعارضة السورية بكوتا 30 بالمئة لتمثيلهن فيها تجدهن يلعبن نفس دور النساء المُعينات من السلطة الحاكمة  والمنتخبات شكلياً ويصبحن في تلك التشكيلات تابعات لكل ما يتم تبنيه من سلطة المعارضة السياسية (وجزء كبير منها ذا مرجعية دينية قامت بالمزج بين نوعي السلطة السياسية والدينية) ويحابينها ويتجنبن ذكر شكل الدولة المرتجاة لتحقيق الديمقراطية والمواطنة المتساوية إرضاءً لها. كما يتجنبن ذكر تعارض حقوق الإنسان عامة والنساء خاصة مع التشريعات الدينية والتي استُمد منها قانون الأحوال الشخصية التي اتسمت أغلب مواده بالتمييز ضد النساء، وفي أحيان كثيرة تشارك نساء في قضايا عناوينها نسوية لكنهن لا يؤمنّ بحقوق النساء. كما تشارك نسويات من باب نيل الرضا أو الإيهام بقدرتهن على تقبّل الآخر المختلف من خلال العمل مع مجموعات دينية تكرّس الانتماء الديني أو الانتماء لحزب ديني ولا يمكن أن تكون يوماً مناصرةً لقضايا النساء خارج أيديولوجيتها أو ثقافتها المجتمعيّة.

فهل القضية مجرد تحديد كوتا ستكون نساء المقدمة هن المستفيدات منها في المرحلة الانتقالية وما بعدها، أم أن الكوتا هي خطوة أولى لتفعيل دور كل السوريات على اختلاف ثقافاتهن وأوضاعهن الاجتماعية في مناطقهن ومجتمعاتهن المحليّة وضمان تواجدهن في مراكز صنع القرار؟ هل الكوتا مطلب نخبوي لنخبة أم هي مطلب حق لنساء شعب بأكمله تم تغييبهن خلال سنوات طويلة وانتهاك حقوقهن؟

إن مشاركة النساء في التفاوض ولجان وضع الدستور ستنتج فقط إنتاجاً نظرياً شبيهاً بإنتاج الدستور السوري فيما يخص المواطنة المتساوية للنساء والتي بقيت حبراً على ورق مقابل مواد قانون لم يتوافق فيها مع الدستور ومقابل قانون أحوال شخصية انتهك بشكل مباشر حقوق النساء.

إذاً وماذا بعد جندرة الدستور على الورق؟ وماذا بعد تجاهل حقيقي للعمل الجدي مع النساء السوريات وعلى قضايا المرأة السورية؟

إن العمل على قضايا النساء ومساواتهن وتمكينهن من مراكز صنع القرار وتحسين وضعهن لا يمكن أن يتم بشكل عمودي فقط إن لم يترافق مع العمل بشكل أفقي على القاعدة، فهو عمل من المفترض أن يكون عاماً وشاملاً لكل النساء السوريات.

سبع سنوات لم تتمكن المنظمات النسوية تحديداً (وليس النسائية التي هي فعلياً جمعيات خيرية) من بناء قواعد نسائية جماهيرية ولو صغيرة من السوريات؛ ولم ترفع ثقافة السوريات حول وضعهن في القانون وما هي حقوقهن المعترف فيها دولياً وماهية مفهوم النسوية. وربما لا أبالغ لو قلت إن هناك من ناشطاتها من لا يملكن تلك الثقافة، فما المجدي لو أن الكوتا كانت 30 أو 50 بالمئة ان لم تكن السوريات مؤمنات بحقوقهن ويفهمنها ويتبنينها ويطالبن بها ويدافعن عنها ويحملنها؟ ستكون نتائج أي أنتخاب ممكن إجراءه وعلى جميع الأصعدة نتائج مخيّبة لأن النساء طالما هن بهذا الحال لن يكون صوتهن إلا صوتاً عاكساً لصوت الذكور الذين يحكمون مجتمعاتهن؛ وبالتالي سيكنّ وصوتهن مجرد أداة لتكريس انتهاك حقوق النساء والعودة بهن إلى الخلف بدلاً من المسير نحو تحسين وتطوير وضعهن.

إن العمل النسوي وفق ما يجري حالياً يحتاج للخوض بتجاربه وطرحه جدياً لفهم آلية عمله المخيبة للآمال. لكن يمكننا القول وقبل الخوض في تفاصيل سقطاته أنه بالشكل الحالي عمل نخبوي يتجاهل القاعدة، وستحصد السوريات لسنوات طويلة نتائج هذا التجاهل. وعند أول تجربة انتخابية قادمة أو التصويت على بنود دستورية أو مشاريع قوانين في السنوات المقبلة سنرى أنّ الحصيلة ضعيفة بأحسن الأحوال إن لم تؤدي إلى التراجع عن المكاسب الحالية.

إن التركيز على الشكل العامودي للإنجازات يُنتج إنجازات نظرية ومكاسب نظرية للنساء ولن تتحول هذه الإنجازات إلى نتائج فعلية على أرض الواقع وستفقد كل قيمتها عند البدء بإعادة البناء. يجب أن تدرك المنظمات الدولية التي تُعنى بشأن النساء أن العمل بشكله الحالي لا يمكنه أن يبني مستقبلاً مشرّفاً للسوريات ولا أن يطوّر ويحسّن وضعهن. لذا فإن هذه المنظمات مطالبة بالعمل مع المنظمات السورية الشريكة لها ومراقبة عملها وجدواه وحقيقته وتحويله من عمل يُستثمر فقط لتبرير التمويل دون أن يكون حقيقياً ومؤثراً إلى عمل يمكّن السوريات من التطوّر المعرفي والثقافي ويؤهلهن للمشاركة الإيجابية في نصرة قضاياهن.

لغز  تلاشي عناصر ‘داعش’ و ‘خفافيش الليل’ تلاحقهم

لغز تلاشي عناصر ‘داعش’ و ‘خفافيش الليل’ تلاحقهم

دمشق

حلق عناصر “داعش” ذقونهم وحمل بعضهم بطاقات شخصية مزورة وغادروا مناطق سيطرة التنظيم في اتجاهات متعددة بعد تقدم قوات الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” الكردية – العربية وسط وشمال شرقي سورية واختفى الاف منهم واصبح السؤال: اين اختفى عناصر “داعش؟”

تغيب الارقام الحقيقة حول اعداد عناصر التنظيم ومناصريهم، وهناك تقديرات بان عددهم يصل الى عشرات الاف  ما مكنهم من بسط سيطرتهم على اكثر من نصف سورية منتصف عام 2015 .

ونقل موقع أميركي عن وثيقة صادرة عن أحد أكبر اجهزة المخابرات في الشرق الاوسط في شهر شباط (فبراير) عام ٢٠١٥  أن تنظيم “داعش” يمتلك “جيشا يقدر عدده بنحو ١٨٠ ألف مقاتل، كما أنهم يعملون بقوة على تأسيس تحالف مستدام من المسلحين المتطرفين.” وبحسب الوثيقة، فإن “تعداد الجيش الداعشي يقدر بـ٦ أضعاف توقعات وكالة المخابرات المركزية الأميركية ( سي آي إيه ) والتي توقعت أن جيش داعش يتكون من 20 ألف مقاتل.”

أمير “داعشي” من ابناء محافظة الرقة شمال شرقي سورية، التي أعلنت عاصمة التنظيم، قدر اعداد عناصرهم في “ولاية الرقة” المتداخلة مع ريف حلب الشرقي وريفي دير الزور والحسكة بأكثر من ٢٠ الف عنصر ينتشرون في محافظة الرقة. وينقل احد ابناء محافظة الرقة عن علي موسى الشواخ “ابو لقمان” وهو “والي الرقة”، أن “اعداد عناصر التنظيم في محافظة الرقة تتراوح بين ١٥و٢٥ الف، لكن هذه الارقام متغيرة باعتبار ان التنظيم خاض حروبا في عدة جبهات في ريف حلب وحماة وحمص مع قوات الحكومة السورية وفصائل المعارضة وتعد الرقة منطقة عبور لعناصر التنظيم.”

ويضيف ابن مدينة الرقة الذي طلب عدم الكشف عن اسمه نقلاً عن “ابو لقمان”: “لدينا عدة معسكرات للتدريب وتخرج منها الاف وهؤلاء فقط من الانصار (السوريين) ناهيك عن المهاجرين (الاجانب) الذين لا اعلم كم هو عددهم.”

ويقدر ابن مدينة الرقة الذي غادرها منتصف شهر نيسان (ابريل) الماضي بعد تقدم “قوات سورية الديمقراطية” وسيطرتها على اغلب اراضي المحافظة “عدد مقاتلي داعش داخل الرقة بانه لا يتجاوز ١٥٠٠ مقاتل وتم نقل اغلب قادة التنظيم وعائلاتهم الى محافظة دير الزور.” ويؤكد ابن مدينة الرقة الذي امضى حوالي ستة اشهر يعيش في ريف الرقة الشمالي ان “الكثير من عناصر التنظيم بل حتى قياديين منهم شاهدتهم يتنقلون ويعيشون في ريف الرقة الشمالي، بعد تسوية اوضاعهم مع قوات سورية الديمقراطية.”

وأصبحت مناطق سيطرة “قوات سورية الديمقراطية” شمال شرقي سورية هي المساحة الاوسع التي اختفى وسطها عناصر تنظيم “داعش” ممن غادروا مناطق التنظيم في محافظتي الرقة ودير الزور والحسكة وريفي حلب وحمص، واصبح الشمال السوري مقراً او جسر عبور الى ريف حلب الشمالي ومنه الى تركيا للانتقال اوروبا وغيرها.

ونفى قيادي في “قوات سورية الديمقراطية” وجود اتفاق مع عناصر تنظيم “داعش” عند بدء العمليات العسكرية لتحرير محافظتي الرقة ودير الزور. واعلنت “قوات سورية الديمقراطية” انها ستنظر بوضع كل من يسلم نفسه لقواتها و “بالفعل هناك المئات من عناصر التنظيم ممن سلموا انفسهم وتم التحقيق معهم ومن لم يثبت عليه انه ارتكب جرائم اخلي سبيله بعد فترة التحقيق.” وأوضح القيادي ان “بعض عناصر داعش لم يتم التحقيق معهم بل اطلق سراحهم فوراً وذلك لتعاونهم مع قواتنا اثناء وجودهم مع داعش من خلال تقديم المعلومات لنا.”

ويضيف القيادي الذي طلب عدم ذكر اسمه: ” قبل اعلان السيطرة على مدينة الرقة في شهر تشرين أول (اكتوبر) الماضي تدخل شيوخ ووجهاء من محافظة الرقة لخروج مسلحي التنظيم والعفو عنهم، لكن البعض لا يزال يتم التحقيق معهم في المقرات الامنية في مدينة الطبقة وسيطلق سراحهم لاحقاً وكذلك من تم اعتقالهم من قبلنا خلال المعارك او بعدها.”

يؤكد عبد اللطيف الحمد، الصحافي في شبكة “فرات بوست” المتخصصة في نقل أخبار المناطق الشرقية من سورية أن “عملية تهريب وهروب عناصر داعش من المناطق التي يسيطرون عليها خلال الأشهر القليلة الماضية، بدأت عندما فتحت قوات سوريا الديمقراطية طريق تهريب عناصر التنظيم وأسرهم إلى مناطقها عبر بادية أبو خشب (٧٠ كلم شمال غربي مدينة دير الزور)، والتي تبعد نحو ١٧ كلم عن نهر الفرات  وعمدت هذه القوات إلى تنسيب بعض مقاتلي التنظيم من الجنسية السورية، بهدف سد النقص العددي الذي تعانيه، إضافة إلى زيادة عدد المكون العربي داخلها، والذي يخضع لقيادتها العسكرية الكردية، بل وعمدت إلى منح بعضهم نفوذاً على المقاتلين العرب داخل “قوات سورية الديمقراطية” ومن بينهم القيادي المعروف باسم أبو خولة والذي عين رئيس مجلس دير الزور العسكري التابع لقوات سورية الديمقراطية.”

اما من طلب مغادرة الشمال السوري، فكانت وجهتم داخل الاراضي السورية او الى تركيا: “بقية المقاتلين المحليين الذين وصلوا إلى أراضي سيطرة قوات سورية الديمقراطية، فقد خرج أغلبهم مع المقاتلين الأجانب من التنظيم إلى تركيا عبر أراضي خاضعة لسيطرة المعارضة السورية في الشمال السوري، ومنهم من توجه إلى مناطق سيطرة داعش أو فصائل مؤيدة له في ريف حماة أو الجنوب السوري مرورا بمناطق سيطرة قوات النظام.”

وحول مصير المقاتلين الاجانب، يقول الحمد: “الطريق الذين اتبعوه للعودة إلى دولهم كان عبر دفع مبالغ مالية كبيرة تصل الى ١٠٠ الف دولار اميركي للعنصر الداعشي ويتم ذلك عبر المتعاملين مع قوات سورية الديمقراطية الذي بدوره يضمن وصوله إلى أشخاص آخرين في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل درع الفرات المدعومة من تركيا، ومنها إلى تركيا، ومن ثم يتم سفرهم بجوازات سفر مزورة أعدت لهم مسبقاً إلى الدولة التي ينتمي إليها كل واحد.”

ويكشف الصحافي في “فرات بوست”: “ان بعض عناصر وقادة التنظيم، اختاروا طريق الوصول إلى كردستان العراق منفذاً للوصول إلى مناطق أخرى من العالم، ولعل من أبرزهم غسان الرحال، المعروف باسم عبد الرحمن التونسي الذي اعلن التنظيم جائزة مالية كبيرة على من يدل مكانه، وسط معلومات تفيد بأنه عميل استخبارات خارجية  وبين الاسماء التي اختفت في شمال سورية القيادي في تنظيم داعش اسامة بن عثمان الملقب أبو زينب التونسي والذي ارتكب جرائم حرب ضد المدنيين في الرقة دير الزور وقبل خروجه وعناصر داعش من مدينة الرقة في صفقة نقل مقاتلي داعش من مدينة الرقة الى دير الزور ثم انتقل الى الشمال السوري واحتفى برفقة زوجته السورية وابنته زينب ويحمل بطاقة شخصية لشقيق زوجته.”

بعض قادة تنظيم الدولة تمكنوا من الخروج من مناطق سيطرته من خلال استعادتهم وسحبهم بواسطة طائرات التحالف التي نفذت اكثر من ٢٠ عملية انزال في مناطق التنظيم في شرق سورية وتحديداً في ريف دير الزور بحسب مصادر، في وقت نفاه هذه المعلومات مسؤولون غربيون. أما من تبقى منهم داخل مناطق خاضعة لـ “داعش”، فقد “اختاروا البادية، والمناطق غير المأهولة بالسكان مركزاً لاختبائهم، وخاصة على الحدود السورية – العراقية الممتدة على مسافات شاسعة، وتشمل ضمنها أراض تتبع إدارياً لمحافظتي دير الزور والحسكة واراضي في بادية الميادين في ريف دير الزور الشرقي .”

الصحافي صهيب الجابر من محافظة دير الزور يقول: “الجميع يسأل إلى أين توجه مقاتلو تنظيم داعش الإرهابي؟ بعدما تقلص نفوذهم في المنطقة الشرقية من سورية وخسروا غالبية مناطق نفوذهم.” ويؤكد جابر أن “قوات سورية الديمقراطية صدّرت أكثر من ٤٠٠٠ مقاتل من داعش من جنسيات متعددة باتجاه الشمال السوري ليتوافد خلال تلك الفترة العديد من نواب رؤساء الدول والقادة العسكريين والامنيين الأجانب الموجودين في سورية لاسترداد هؤلاء المقاتلين وعوائلهم إلى بلدانهم الأوروبية، بينهم نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الروسي زياد سبسبي الذي اعاد عائلات مقاتلين روس من وحدات حماية الشعب الكردي عبر مطار القامشلي” شمال شرقي سورية.

ويضيف الجابر: “ما لا يعرفه كثيرين أيضاً، أن هؤلاء المقاتلين من داعش عرضوا على قوات التحالف وقوات سورية الديمقراطية الخروج من مدينة الرقة من دون قتال. وكان هذا قبل بداية المعركة التي استمرت أكثر من أربعة أشهر ودمرت خلالها أكثر من ٨٠ في المئة من المدينة وقتل من مدنيوها أكثر من١٨٠٠ شخص، إلا أن قوات التحالف رفضت خروجهم حينها تحت ذريعة القضاء على التنظيم الإرهابي.”

علاوة على الأسماء العديدة لمقاتلي وقادة داعش ممكن التحقوا بصفوف “قوات سورية الديمقراطية” خلال الشهرين الماضيين وعلى امتداد فترة النزاع، ومنهم أحمد الخبيل “ابو خولة” الذي يشغل منصب قائد “المجلس العسكري لدير الزور” والأخوين أحمد ومحمد عبيد العمر اللذان ارتكبا العديد من المجازر عندما كانا بصفوف “داعش” ومنها مجزرة الشعيطات، علاوة على العديد من القادة الذين سهلت “قوات سورية الديمقراطية” مرورهم باتجاه الشمال السوري بعد دفع مبالغ طائلة، ومنهم يوسف المرهون أمير منطقة القائم العراقية والكثيرين غيره.

خفافيش الليل

مسؤول في المكتب الامني لمدينة جرابلس التابع للمعارضة السورية، أكد القاء القبض على العشرات من عناصر تنظيم “داعش” خلال محاولتهم المرور الى ريف حلب الشرقي. ويضيف المسؤول الامني: “لدينا بعض الاسماء والمعلومات من كتائب الجيش الحر في محافظة دير الزور تضم اسماء القياديين في تنظيم داعش ولدى مرور هؤلاء في حواجز مناطق درع الفرات يتم الغاء القبض عليهم ويتواجد عناصر من كتائب المنطقة الشرقية في بعض حواجز جرابلس للتعرف على عناصر داعش الذين يصل بعضهم بوثائق مزورة او بدون وثائق وقد تم القاء القبض على العشرات منهم واعترف البعض منهم بدفع مبالغ مالية كبيرة لعناصر قوات سورية الديمقراطية  لتأمين وصولهم وعائلاتهم الى مناطق درع الفرات للتوجه منها الى تركيا.”

وفي شهر كانون اول (ديسمبر) الماضي اعدمت مجموعة تطلق على نفسها اسم “خفافيش الليل” في مدينتي جرابلس والباب بريف حلب الشرقي عدداً من عناصر تنظيم “داعش”، متورطين بقتل مدنيين في المدينتين خلال فترة سيطرة التنظيم على المنطقة اعوام ٢٠١٤-٢٠١٦. ومجموعة “خفافيش الليل” أعلنت في منشورات وزعت في مدينتي جرابلس والباب انهما يتبعون لـ “الجيش السوري الحر سيصفون أي عنصر من تنظيم الدولة متورط بدماء المدنيين، أو من اعتدى على الجيش الحر.”

ولم تكتفي ملاحقة عناصر “داعش” داخل الاراضي السورية بل تم ملاحقتهم في تركيا من قبل مجموعة من عناصر “الجيش الحر.” ويقول مصدر موثق مقرب من المجموعة: “جميع عناصر المجموعة هم من كتائب الجيش الحر في محافظات الرقة ودير الزور وريف حلب يقوم هؤلاء بملاحقة والبحث عن عناصر داعش الذين وصلوا الى تركيا ويعرف هؤلاء بـقناص داعش  وتم القاء القبض على عشرات من عناصر التنظيم في مدن جنوب تركيا ومنها شانلي اورفا وغازي عنتاب وحتى في ريف تركيا الجنوبي  بينهم قياديون كبار سوريون وعراقيون واجانب .”

الوثيقة الروسية لمؤتمر سوتشي: جيش وأمن تحت الدستور… وإدارات ذاتية

الوثيقة الروسية لمؤتمر سوتشي: جيش وأمن تحت الدستور… وإدارات ذاتية

“نصت مسودة وثيقة «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي، التي صاغتها موسكو، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، على ضرورة تشكيل «جيش وطني يعمل بموجب الدستور»، وأن تلتزم أجهزة الأمن «القانون وحقوق الإنسان»، إضافة إلى تأكيد الحكومة السورية «الوحدة الوطنية» وتوفير «تمثيل عادل لسلطات الادارات الذاتية».

ومن المقرر، وفق التصور الروسي، أن يؤدي مؤتمر سوتشي حال تأكد انعقاده يومي 29 و30 من الشهر الحالي لتشكيل ثلاث لجان: لجنة رئاسية للمؤتمر، ولجنة خاصة بالإصلاحات الدستورية، ولجنة للانتخابات وتسجيل المقترعين.
وإذ بدأت موسكو دعوة «مراقبين» من دول فاعلة إقليمياً ومصر والدول المجاورة لسوريا مثل لبنان والعراق والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن و«الضامنين» لعملية آستانة، لا تزال الاتصالات الروسية – التركية – الإيرانية جارية لإقرار قائمة المدعوين السوريين، حيث سلمت موسكو، طهران وأنقرة، قوائم ضمت 1300 سوري، مقابل تسليم طهران قوائم ضمت شخصيات مدرجة على قائمة العقوبات الدولية. وتعترض أنقرة على أي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة لممثلي «الاتحاد الديمقراطي الكردي» أو «وحدات حماية الشعب» الكردية. وتقترح موسكو دعوة ممثلي الإدارات الذاتية من العرب والأكراد.

وتلعب محادثات رئيس «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة برئاسة نصر الحريري مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي أجريت مساء أمس، دوراً حاسماً في قرار المشاركة في سوتشي، خصوصاً وسط وجود معارضة من فصائل مسلحة وتعقيدات فرضتها العملية العسكرية التركية في عفرين شمال حلب. وتجنب الحريري تسلم دعوة رسمية إلى سوتشي قبل لقائه لافروف. وأكد الحريري أهمية الانتقال السياسي ورفع المعاناة عن المناطق المحاصرة والانخراط في مفاوضات سياسية جدية لتطبيق «بيان جنيف» والقرار 2254، وقال: «لن نقف ضد أي طرح يخدم مفاوضات جنيف».
في موازاة ذلك، يعقد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لقاءً مع نظرائه البريطاني بوريس جونسون والفرنسي جان إيف لودريان والأردني أيمن الصفدي ودول إقليمية رئيسية لإقرار مسودة «لا ورقة» أعدها مساعدو خمسة وزراء في واشنطن قبل أسبوعين، وتضمنت سلسلة من المبادئ السياسية التوافقية التي سيحملها تيلرسون للتفاوض على أساسها مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. وقال مسؤول غربي اطلع على الوثيقة الخماسية إنها تتضمن تأكيداً على إجراء إصلاحات دستورية وتحديد صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والإدارات المحلية تمهيداً لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة، إضافة إلى وجود ربط واضح بين مساهمة الدول الغربية بإعادة إعمار سوريا وتحقيق الانتقال السياسي.

ويأتي هذا اللقاء الخماسي، الذي يعقد في باريس اليوم على هامش مؤتمر يتعلق بمنع انتشار السلاح الكيماوي واستعماله، خصوصاً في سوريا، قبل استضافة فيينا الجولة التاسعة من مفاوضات السلام بين وفدي الحكومة والمعارضة يومي الخميس والجمعة المقبلين. وإذ أكد وفدا الحكومة و«الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة حضور مفاوضات فيينا، لم يُعرف موقف دمشق من أسئلة وجهتها الأمم المتحدة إزاء العملية الدستورية والإصلاح الدستوري والانتخابات وعلاقة الأمم المتحدة بذلك، وسط تمسك دولي بأن تكون العملية بموجب القرار 2254 ومسار جنيف الدولي.
وستكون جولة فيينا بمثابة اختبار لمدى رغبة أو قدرة موسكو على استخدام نفوذها على دمشق لتحقيق «اختراق دستوري» قبل انعقاد مؤتمر سوتشي.

مبادئ دي ميستورا

وكان لافتاً أن الجانب الروسي وضع البنود الـ12 التي أعدها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا باعتبارها مبادئ الحل السياسي، وسلمها إلى وفدي الحكومة والمعارضة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) ضمن مسودة وثيقة مؤتمر سوتشي، خصوصاً أن رئيس الوفد الحكومي بشار الجعفري رفض الخوض في مبادئ دي ميستورا قبل الانتهاء من محاربة الإرهاب وسحب وفد المعارضة بيانها الذي صدر في الرياض، خصوصاً ما يخص الرئيس بشار الأسد. وقال مسؤول غربي: «سيكون صعباً على دمشق أن ترفض هذه المبادئ في سوتشي»، لافتاً إلى أن موسكو أرادت من إدراج المبادئ الـ12 ضمن وثيقة سوتشي، إقناع الأمم المتحدة بمشاركة دي ميستورا في مؤتمر «الحوار السوري» في المنتجع الروسي، بعدما وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش سلسلة معايير لحضور الأمم المتحدة في «مؤتمر الحوار السوري»، بينها أن يعقد لمرة واحدة، وألا يتحول إلى مسار مستمر، وأن تكون مخرجاته ضمن مسار جنيف وداعماً له، إضافة إلى قيام الرئيس الأسد بإعلان موقف علني بـ«التزام إجراء إصلاحات دستورية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254».

وجاء في مسودة وثيقة سوتشي، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، أن أعضاء وفد مؤتمر «الحوار الوطني السوري» الذين قد يصل عددهم إلى 1600 شخص «يمثلون كافة شرائح المجتمع السوري ومختلف قواه السياسية والمدنية والعرقية والدينية والاجتماعية»، حيث إنهم «اجتمعوا بناءً على دعوة من دولة اتحاد الجمهوريات الروسية الصديقة بمدينة سوتشي لوضع حد لمعاناة شعبنا التي دامت سبع سنوات للوصول إلى تفاهمات مشتركة لإنقاذ وطننا من براثن المواجهات المسلحة، ومن الدمار الاجتماعي والاقتصادي، ولاستعادة كرامة بلادنا ووضعها على المسرح الإقليمي والدولي، ولصيانة الحقوق الأصيلة والحريات لجميع أبناء شعبنا، وأهمها حق العيش في سلام وحرية بمنأى عن أي شعور بالخوف أو الجزع».
وتابعت الوثيقة أن «السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو التسوية السياسية للتحديات التي يواجهها وطننا استناداً إلى 12 مبدأ»، هي: «الاحترام والتمسك الكامل بسيادة واستقلال ووحدة أراضي وشعب الجمهورية العربية السورية، وعدم السماح بالاتجار بأي جزء من أراضي البلاد، والعمل على استعادة هضبة الجولان المحتلة من خلال كافة السبل القانونية الممكنة وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي»، إضافة إلى «الاحترام والتمسك بالسيادة الوطنية لسوريا شأن باقي دول العالم وحق شعبها في عدم تدخل الآخرين في شؤونه الداخلية» وأنه «على سوريا العمل على استعادة دورها على المسرح العالمي والإقليمي، بما في ذلك دورها في العالم العربي، وفق ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه ومبادئه». وإذ نص البند الثالث على «حق الشعب السوري وحده تحديد مستقبله من خلال العملية الديمقراطية وعن طريق الانتخابات وحقه وحده تقرير نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي من دون أي تدخل خارجي أو ضغوط بما يتلاءم مع حقوق وواجبات الشعب السوري على المسرح الدولي»، أشار البند الرابع إلى أن «سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية تستند إلى مبادئ التنوع السياسي والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو العرق. وسيادة القانون مصانة إلى أبعد مدى، وكذلك مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والتنوع الثقافي للمجتمع السوري والحريات العامة، ومنها حرية المعتقد، ووجود حكومة منفتحة ومسؤولة تعمل وفق التشريعات الوطنية، وتُكلف بتنفيذ مهام مكافحة الجريمة والفساد وإساءة استخدام السلطة».

ولدى مقارنة «الشرق الأوسط» بين ورقة دي ميستورا ووثيقة سوتشي، فإنهما متطابقتان بنسبة كبيرة. لكن لوحظ أن الجانب الروسي استعمل عبارة «الجمهورية العربية السورية» وليس «سوريا». كما أن الجانب الروسي لم يشر إلى الأكراد، كما ورد في وثيقة «الهيئة» المعارضة التي سلمته إلى فريق المبعوث الدولي. ونص البند الخامس في وثيقة سوتشي أن «تلتزم الحكومة بتحقيق الوحدة الوطنية والتوافق الاجتماعي، والتنمية الشاملة والمتوازنة مع التمثيل العادل لدى سلطات الحكم الذاتي»، علماً بأن ورقة المبعوث الدولي تحدثت عن «إدارات محلية» وليس «حكماً ذاتياً». وقد يكون سبب الاختلاف أن الجانب الروسي استند إلى نص مكتوب باللغة الروسية في صوغ وثيقة سوتشي.

وكغيرها من الوثائق الدولية، بما فيها القرار 2254، التي نصت على الحفاظ على المؤسسات تخوفاً من تكرار نموذجي العراق أو ليبيا، نص البند السادس على «التزام الحكومة بتعزيز المؤسسات الحكومية خلال تنفيذها للإصلاحات، بما في ذلك حماية البنية الاجتماعية والممتلكات الخاصة والخدمات العامة لجميع المواطنين من دون استثناء وفق أعلى المعايير الإدارية المثلى والمساواة بين الجنسين. وعند تفاعلهم مع الحكومة، على المواطنين الاستفادة من آليات العمل التي توفرها سيادة القانون وحقوق الإنسان وحماية الممتلكات الخاصة».

جيش وطني دستوري

وبالنسبة إلى الجيش، جاء في البند السابع أنه «على الجيش الوطني الاضطلاع بمسؤولياته على أكمل وجه وفق نصوص الدستور ووفق أعلى المعايير. يضطلع الجيش ضمن مهامه بحماية حدود البلاد وشعبها من التهديدات الخارجية والإرهاب، وعلى أجهزة الاستخبارات والأمن القومي حماية أمن البلاد وفق مبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان بحسب نصوص الدستور والقانون، ويجب أن يكون استخدام القوة مقتصراً على تفويض من مؤسسات الدولة ذات الصلة».

ولم تستخدم الوثيقة عبارة «جيش مهني» أو «إصلاح الجيش وتفكيك بعض أجهزة الأمن»، كما كانت تطالب المعارضة السورية. لكن البند الثامن نص على «الرفض القاطع لكافة أشكال الإرهاب والتفرقة المناطقية، والعمل على مواجهتهما وتعزيز مناخ التنوع الثقافي»، إضافة إلى «مراعاة حماية واحترام حقوق الإنسان والحريات، خصوصاً خلال وقت الأزمات، بما في ذلك عدم التفرقة بين المواطنين وضمان المساواة في الحقوق بين الجميع بصرف النظر عن اللون والدين والعرق والثقافة واللغة والجنس وغيرها. والعمل على إيجاد الآليات الفعالة لضمان المساواة في الحقوق السياسية وعدالة الفرص المتاحة للنساء، وذلك بمراعاة صناع القرار تمكينهن بهدف الوصول إلى نسبة تمثيل 30 في المائة للنساء لتحقيق التوازن بين الجنسين».
وتضمنت البنود الأربعة المتبقية «صيانة واحترام الشعب السوري وهويته الوطنية وثرائه التاريخي ولقيمه التي غرسها فيه دينه وحضارته وتراثه على مدى الزمان، ومن ذلك التعايش بين مختلف الفصائل الاجتماعية، وكذلك صيانة التنوع التراثي والثقافي الوطني» و«مكافحة الفقر ومساندة الفئات الاجتماعية المعوزة والأكثر احتياجاً إلى الدعم» و«صيانة وحماية التراث الوطني والبيئة للأجيال القادمة وفق المعاهدات الدولية الخاصة».

وختمت مسودة الوثيقة، التي يمكن أن تصدر في نهاية مؤتمر سوتشي في 30 من الشهر الحالي، بالقول: «نحن ممثلو الشعب السوري نعيش مأساة حقيقية، ولدينا من الشجاعة ما يكفي لمواجهة قوى الإرهاب الدولي، ونعلن عن تصميمنا على استعادة كياننا ورخاء بلادنا لكي ينعم جميع أبناء شعبنا بالراحة والسعادة. وفي سبيل تحقيق ذلك، فقد وافقنا على تشكيل لجنة دستورية تضم وفد الجمهورية العربية السورية ووفد المعارضة ذوي التمثيل الواسع لتولي عملية الإصلاح الدستوري بهدف المساهمة في تحقيق التسوية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254. ولذلك فإننا نلتمس من تكليف الأمين العام للأمم المتحدة تكليف مبعوث خاص لسوريا للمساعدة في عمل اللجنة الدستورية في جنيف».

ويتوقع أن تكون الفقرة الأخيرة المتعلقة بالإصلاحات الدستورية موضع تفاوض بين الأمم المتحدة وموسكو، باعتبار أن الأمم المتحدة تريد وضوحاً أكثر في مرجعية القرار 2254، وتنفيذه لدى الحديث عن الإصلاحات الدستورية، وأن يتم ذكر تفاصيل تتعلق بالرقابة والإشراف الأمميين وتفاصيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية، إضافة إلى بند رئيسي يتعلق بمشاركة الأمم المتحدة في اختيار أعضاء اللجنة الدستورية، وألا يقتصر دور دي ميستورا على استضافة جولات تفاوضية بين أعضاء اللجنة الدستورية.”

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

سوريا في أسبوع، ٢٣ كانون الثاني

سوريا في أسبوع، ٢٣ كانون الثاني

عفرين وابو الضهور؟

18-19 كانون الثاني (يناير)

بدأت تركيا عملية عسكرية في منطقة عفرين ذات الاغلبية الكردية التي تخضع لنفوذ “وحدات حماية الشعب” الكردية. كما اقام الجيش الروسي مركزا عسكرياً فيها.

وأشارت “وحدات حماية الشعب” الكردية أن القصف بدأ على القرى في المنطقة. وكانت تركيا قد صعدت في وقت سابق من تصريحاتها حول القيام بحملة عسكرية ضد عفرين وترافق ذلك مع حشد القوات التركية على الحدود مع سوريا. كما أرسلت تركيا رئيس أركانها إلى روسيا للحصول على الموافقة الروسية في شن حملة جوية على عفرين في ظل وجود مراقبين روس فيها. علماً بأن الحكومة السورية على لسان نائب وزير الخارجية السوري هددت بإسقاط أي طائرات تركية تدخل الأجواء السورية. (رويترز)

وقال مسؤولون ان موسكو لم توافق على السماح للطيران التركي في دعم فصائل “الجيش السوري الحر.” لكن انقرة قدمت الدعم المدفعي للفصائل، كما حصل في عملية “درع الفرات” التي اقامتها تركيا شمال حلب.

وتظهر تعقيدات الموقف في ظل تحالف الأكراد مع الولايات المتحدة حيث شهدت العلاقات بين أنقرة وواشنطن توتراً حاداً نتيجة هذا التحالف بعدما فشلت تأكيدات الإدارة الأميركية في إقناع الجانب التركي بأن لا نية لديها لتشكيل «جيش كردي» في المنطقة. وحثت وزارة الخارجية الأمريكية تركيا الخميس على عدم القيام بعمل عسكري في منطقة عفرين ومواصلة التركيز على محاربة “داعش”. (رويترز)

ولوحظ ان بدء عملية عفرين تزامن مع سيطرة قوات النظام على مطار ابو الضهور في ادلب. هل هذا يشبه التزامن بين سيطرة قوات النظام على شرق حلب وتقدم فصائل تدعمها تركيا في “درع الفرات”؟

الجيش الاميركي باق في سوريا لتحقيق 5 أهداف

17 كانون الثاني (يناير)

صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تلرسون أن قوات بلاده ستبقى في سوريا لفترة طويلة بعد هزيمة “داعش” لتحقيق خمسة اهداف، هي: منع عودة “داعش”، انهاء النفوذ الايراني، الدفع لحل سياسي، عودة اللاجئين والنازحين السوريين، منع استعمال السلاح الكيماوي.

وردّت دمشق على إعلان تيلرسون أن إبقاء قوات أميركية لفترة غير محددة في سورية هي مسألة حاسمة بالنسبة إلى استراتيجية واشنطن في هذا البلد. حيث أكدت وزارة الخارجية السورية أن الوجود العسكري الأميركي «غير شرعي ويشكل خرقاً سافراً للقانون الدولي واعتداء على السيادة الوطنية»، مضيفة أنه «يهدف إلى حماية تنظيم داعش الذي أنشأته إدارة (الرئيس السابق) باراك أوباما». (الحياة)

وكانت إدارة أوباما قد خاضت جدلاً واسعاً قبل قرار الانسحاب من العراق ، ولا يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية واضحة في عهد ترمب مع تباين التصريحات حول العلاقة مع روسيا ودور الولايات المتحدة في المنطقة.

فيينا …… وسوتشي!

19 كانون الثاني (يناير )

الجزيرة

أعلنت “الهيئة العليا للمفاوضات” في المعارضة السورية موافقتها على المشاركة في الاجتماع القادم في فيينا يومي 25 و26 الشهر الجاري. كما اعلنت دمشق نيتها ارسال وفد الحكومة الى المفاوضات التي نقل مكانها من جنيف الى مقرر الامم المتحدة في العاصمة النمساوية.

وأشارت الهيئة إلى أن مشاركتها في اجتماعات فيينا يومي 25 و26 من الشهر الجاري تأتي في إطار التأكيد على المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة. وفي وقت سابق  أعلن رمزي عز الدين رمزي نائب مبعوث الأمم المتحدة لسوريا الخميس خلال  زيارته لدمشق أن الحكومة السورية ستحضر المحادثات التي ترعاها المنظمة الدولية في فيينا الأسبوع المقبل.

ويستعدّ طرفا النزاع السوري للمشاركة في محادثات فيينا (بدل جنيف لأسباب لوجستية) يومي 25 و26 الجاري. بالرغم من التطورات العسكرية في إدلب وحرستا وعفرين. وكانت جولة جنيف الثامنة عقدت دون تحقيق تقدم.

في الوقت نفسه وواصلت روسيا الحشد لمؤتمر «سوتشي» عبر إعلان عزمها على دعوة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إلى حضور المؤتمر بصفة «مراقب»، فيما لا تزال تنتظر الردّ التركي النهائي على لائحة مدعوين أعدتها موسكو، لتبدأ بعد ذلك بتوجيه دعوات الحضور إلى الأطراف السورية.

ونفى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف تأجيل انعقاد المؤتمر، وأكد أن موعده لا يزال قائماً في 29 و30 الجاري، وكشف عن عقد لقاء روسي– إيراني– تركي على مستوى نواب وزراء الخارجية السبت في سوتشي، للتباحث في الاستعدادات للمؤتمر.

سوريا في أخر الدول… حرية

18 كانون الثاني (يناير )

فريدوم هاوس

أشار تقرير الحرية في العالم الصادر عن “فريدوم هاوس” أن الديمقراطية تواجه مأزقاً حاداً على المستوى العالمي، مع تدهور المعايير الديمقراطية في أميركا بطريقة متسارعة وسلطة القانون وحريات الصحافة وسلطة القانون وإمكانية تنفيذ انتخابات حرة ونزيهة في 71 دولة مقابل تحسنها في 35 دولة فقط.

ويصف التقرير سوريا بالدولة “الممزقة بحرب أهلية”، ويشير إلى الحالة الكارثية للحقوق السياسية والحريات العامة منذ بداية النزاع. بالإضافة إلى سوريا أشار التقرير إلى الحالة المتدهورة للحريات في منطقة الشرق الأوسط وصنف دولاً مثل جنوب السودان والسعودية والسودان وليبيا والبحرين واليمن وإيران والإمارات من بين أسوأ عشرين دولة في العالم في مجالات الحريات.           

الإصلاح الإداري وتجاوز الحرب!

13 كانون الثاني (يناير)

طرحت الحكومة السورية منذ العام الماضي قضية الإصلاح الإداري كاستراتيجية لتطوير الأداء الحكومي واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاستثمار في العنصر البشري ومكافحة الفساد. وفي هذا الإطار عقد في جامعة دمشق أعمال مؤتمر “المشروع الوطني للإصلاح الإداري.. مقومات النجاح في سورية ما بعد الحرب” والذي نظمته الجمعية البريطانية – السورية. وناقش المؤتمر أهداف المشروع الوطني للإصلاح الإداري ومتطلبات نجاحه من موارد وخبرات ومهارات وكيفية الوصول إليها والافادة منها ودور المشروع في تحسين أداء الأجهزة المالية والقضائية ودور التقانة المعلوماتية في المشروع وآليات إصلاح الكوادر الإدارية والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع السوري وحمايتها وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والوصول إلى معايير التوظيف وقضايا أخرى تهم المجتمع السوري وتحقق التنمية المتكاملة بين جميع القطاعات.  (سانا)  

وكانت الحكومة السورية طرحت مقاربة مماثلة تركز على الإصلاح الإداري في بداية الألفية مع دعم فرنسي في حينها لتطوير عمل الإدارات العامة لكن المشروع لم يكتب له النجاح في ذلك الوقت ولم تكن البلاد تعاني من حرب طاحنة بدون أفق قريب للحل بالإضافة إلى النزاع السياسي والعسكري والتدخل الإقليمي والدولي والآثار المدمرة اقتصادياً واجتماعياً وتحدي اللجوء والنزوح.      

تراجع في عدد طلبات اللجوء إلى ألمانيا خلال 2017

16 كانون الثاني (يناير )

تراجع عدد اللاجئين الوافدين  إلى ألمانيا في العام 2017 إلى 186 ألف مقارنة ب 280 ألف في العام 2016 بحسب أرقام رسمية نشرت الثلاثاء، في خضم الجدل حول العام سياسية الهجرة التي ستتبناها الحكومة الألمانية المقبلة. ومعظم الوافدين في العام الفائت من سورية والعراق وأفغانستان لطلب اللجوء. وكانت ميركل قد تبنت سياسة منفتحة على استقبال اللاجئين منذ 2015 مما سبب جدلاً سياسياً واسعاً في ألمانيا. (الحياة)

ويذكر أن أعداد اللاجئين في أوربا انخفضت بشكل كبير بعد عام 2015 وخاصة بعد الاتفاق الأوروبي التركي على تقديم مساعدات لتركيا مقابل الحد من تدفق اللاجئين.  

سوريون يتجمدون حتى الموت على حدود لبنان

19 كانون الثاني (يناير)

ذكرت الوكالة الوطنية اللبنانية للأنباء إن قوات الدفاع المدني بالتعاون مع قوات من الجيش انتشلت جثث ثلاثة عشر سورياً قضوا في العاصفة الثلجية التي ضربت لبنان أخيراً، بينما كانوا يحاولون عبور الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا بشكل غير قانوني. وقالت القوات إنها أنجزت المهمة رغم “الظروف المستحيلة” التي جرت فيها عملية انتشال الضحايا. (بي بي سي عربي)

وكانت تقارير أممية أشارت إلى تراجع عدد اللاجئين السوريين في لبنان إلى أقل من مليون شخص معظم يعاني من الفقر والمديونية. علماً بأن الحكومة اللبنانية توقفت منذ عام 2015 عن تسجيل أي لاجئين سوريين.  

خصخصة الإعمار على المستوى المحلي

15 كانون الثاني (يناير)

سمح المرسوم  19 لعام 2016 للمحافظات والبلديات بتأسيس شركات قابضة خاصة مساهمة تستطيع استثمار أملاك المحافظة/البلدية وحقوقها في تخصيص الأراضي بشكل مباشر أو عبر التعاقد مع شركات خاصة أو عامة دون اللجوء إلى إجراءات التعاقد الملزمة للقطاع العام. وتمثل شركة دمشق الشام القابضة أولى مفرزات المرسوم مما يشكل خصخصة دون ضمانات كافية أو رقابة من الجهات العامة.

وتمثل “مدينة ماروتا” المتوقع بناؤها في منطقة المزة (بساتين الرازي) أحد المشاريع الذي استقطب العديد من المستثمرين في القطاع الخاص كان آخرهم العقد مع شركة “طلس للتجارة والصناعة” لاستثمار أربعة مقاسم في “ماروتا سيتي” بقيمة تصل إلى 23 مليار ليرة سورية.

 وتبلغ مساحة المقاسم الخاصة في شركة “طلس” بحدود ألف متر مربع، وستقوم الشركة ببناء وإكساء المقاسم، وستتنوع الاستثمارات بين السياحية والتجارية والتكنولوجيا والخدمية. وتبلغ حصة دمشق القابضة 75 في المئة مقابل مساهمات عينية وحصة شركة “طلس” 25 في المئة مقابل مساهمات نقدية.

ويأتي توقيع عقد الشراكة المذكور بعد توقيع “دمشق الشام القابضة” عقد مع رجل الأعمال السوري مازن الترزي لاستثمار المول بقيمة 108 مليارات ليرة سورية. كما كانت “دمشق الشام القابضة” أعلنت، في 27 آب (اغسطس) الماضي، توقيع عقد مع شركة “أمان دمشق” المساهمة المغفلة الخاصة بـ150 مليار ليرة واستثمار ثلاثة أبراج وخمسة مقاسم سكنية في “ماروتا سيتي” (الاقتصادي، عنب بلدي)

المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء العرب

يعقد اجتماعه الدوري في دمشق

بالرغم من الوضع السوري المأساوي، والحرب المستعرة، وخراب المدن، وتمزق المجتمع، استضافت دمشق الاجتماع الدوري للمكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وذلك في قاعة أمية بفندق الشام.

وضمت الوفود المشاركة باحثين وشعراء يمثلون اتحادات وروابط وأسر وجمعيات أدبية عربية قدموا نتاجاتهم الفكرية والإبداعية خلال يومين (١٣١٥ كانون الثاني\ديسمبر).

وفي كلمته حرف الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب الشاعر حبيب الصايغ الأنظار عما يجري بطريقة خطابية مألوفة في الداخل السوري، داعياً الكتاب المجتمعين أن يكون شعار المجتمعينالكلمة من أجل فلسطين، كل فلسطين.”

وذكرت صحيفة الثورة السورية في عددها الصادر في ١٩\١\٢٠١٨ أن كتاباً ومثقفين عرباً أكدوا أن اختيار مدينة دمشق مكاناً لعقد اجتماع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب يدل على أن جسد الأدباء والكتاب العرب بدأ بالتعافي وإعادة الاعتبار إلى  ثقافة المقاومة. هذا وقد أدلى مفتي الجمهورية بدلوه قائلاً في تصريح صحفي إن الاجتماع هو اجتماع للعرب وإشارة على أن الغمة قد زالت وأن سوريا ستعود إلى دورها القيادة وتقود العرب وتستعيد كرامتهم.هذا وقد وزعترابطة الكتاب السوريينبياناً مفتوحاً للتوقيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر موقعها الرسمي أدانت فيه اجتماع الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب في دمشق، ووصفته بأنه عار غير مسبوق ووقع البيان عدد كبير من الكتاب العرب في شتى البلدان وفي المغترب.

نجوم شباك نشرات الأخبار

نجوم شباك نشرات الأخبار

الحرب السورية التي هبت كالريح حملت معها عوامل تعرية حقيقية للمجتمع، والظاهرة الأسوأ التي قامت الحرب السورية بتعريتها، هي أنّ كل مواطن سوري كان يحمل داخله ديكتاتوراً صغيراً يمارس مساحة ديكتاتوريته بحسب حجمه (الأب الذي يقمع ابنته، الزوج الذي يخرس زوجته، الصديق الذي يقصي صديقه و لا يسمح له بالتعبير عن رأيه و هكذا…). هذا الديكتاتور الصغير بيّن لنا أنّ البلاد بحاجة ل23 مليون حراك ومن بعدها حراك واحد كفيل بإنهاء الديكتاتورية بكل أشكالها، كما عرّت الحرب مقدار المناطقية والطائفية والانفصالية والتشبيح والتدعيش الكامن في وجداننا الذي تمّ إفساده مع الزمن مما يكشف أنّ أمراض قرن لا بل قرون بحاجة لقرن ربما للتخلص منها، ذلك الذي كان من شأنه إعادة إنتاج الديكتاتوريات في كل أطراف البلاد، فقامت داخل سوريا سوريات صغيرة لكلّ منها فرع أمن الدولةو فرع فلسطينوفرع الأمن العسكرييضاف لها فرع حماية الطقوس الدينيةوفرع تنفيذ أوامر الله في أرضهوغيرها! ومن الملفت للنظر أنّ الشعب ذاته هو الذي يؤيّد خانقيه، فتجد كل ديكتاتور له شبيحتهمن الشعب، ومن تراه وسطياً إذا ذكر هذا تجده شبيحاً فيما لو ذكر ذاك، و طرق القمع و الإقصاء والإبعاد هي ذاتها، والاتهامات جاهزة وسريعة والمبررات سهلة، فمن السهل أن يتهم أحدهم مشجعي منتخب كرة قدم بالخائنين، وأن يجد آخر مبرر لقصف دمشق لأنّ قرية ما تقصف، بينما يصرخ آخر أنّه سيحاسب سكان دمشق وحلب وحماة المدينة والسويداء والساحل ونصف سكان حمص المدينة والعشائر والأكراد…..، يريد أن يحاسبهم كلهم باسم الشعب السوري بينما ينسى أنّه ذكر في فحوى كلامه الشعب السوري كله، هذا لا يصدر عن مؤسسات أو قوى أو أحزاب أو فصائل عسكرية، إنّه يصدر عن شاعر و سائق تكسي و صاحب مطعم وعامل نظافة وبائع خضار.

عرّت هذه الحرب كثيراً من الديكتاتورية والإقصائية والقمعية والتوحش و التسلط و الطمع في دواخلنا، على أنّ أسوأ ما طغى على السطح الفكر الراديكالي الذي لم يبرأ منه رقم يدعو للتفاؤل، فالواقع الديني الراديكالي حاضر في جميع الطوائف (جبهة النصرة، داعش، حزب الله، كتائب أبو الفضل العباس، فرق الشبيحة إلخ) ولكنّه مفيد لمن يريد التحكم به لدى الأكثرية أكثر منه عند الأقليات لأنّه قادر على خلق ما يسمّى بفوضى الجمهور التي تنتشر كالنار في الهشيم وتحصد كل ما يمكن زرعه لذلك تم استغلالها ودعمها استخباراتيّاً من الخارج والداخل معاً ليظهر الجمهور بالصورة التي ظهر بها، فمن الضروري جداً إظهار الجمهور بهذه الصورة فهذا من شأنه أن يترك حجة للدول الغربية لإعادة تموضعها في بقعة جغرافية يشكل شعبها الخطر وليست الحكومة، ومفيد للحكومة التي تريد إطفاء الشرعية على نفسها من جديد، ومفيد كل من يريد استباحة هذه الأرض التي لا حق فيها إلّا لشعبها إن كان هذا المستبيح مستبداً أو غازياً على أنّ المصيبة أنّ القاعدة الأساسية لهذا التطرف كانت قاعدة شعبوية والتسويق الأول هو تسويق شعبوي و كأنّ الشعب ينتحر بمحض إرادته!

وهذا كلّه يقودنا إلى أنّ سوريا تتجه لإعادة تركيز للسلطة المركزية في دمشق بيد النظام الحاكم كحالة شكلية محضة مع تقسيم للنفوذ على المحتلين والمستفيدين كلّ حسب حصته كمّا أنّها تتجه لمكان سيفاجئ كل مراقب لوضعها لأنّ ما يحدث من تورم يزيد بشكل مركب فالمشكلة تجر مشكلة والعنف يجر عنفاً أكبر والانهيار يجر انهياراً أعم هذا على المستقبل القريب، وتتجه لنهضة واسعة المجالات، وقد يظن البعض هذا الكلام ضرباً من الخيال أو محض مبالغة إلّا أنّ سوريا تحمل اليوم مقومات النهوض بشكل لا يمكن تصوره:

1- خبرات عملية متوزعة على دول العالم ولغاته فكل سوري حالم يحمل داخله تجربة واسعة تعلمها طوعاً أو كرهاً لا بد وأن ينقلها طوعاً أو كرهاً حين يعود إلى بلاده.

2- الشعب السوري عاش الأسوأ وهذا من شأنه أن يجعله أكثر سعادة مع الأقل سوءاً مما سيحفز على الإنتاج وتحرك عجلة الاقتصاد.

3- سوريا أصبحت دولة عالمية كما لم تكن منذ قرون فهي خبر أوّل وخيار أوّل ونجم شبّاك نشرات الأخبار مما يعطي لها الفرصة للظهور على أنّ الصدق يُلزمني أن أقول أنّ هذا البند غنيمة بقدر ما هو غريمة على البلاد.

4- النهر السياسي والاجتماعي لا يمر من نفس المجرى مرتين إذ أنّه لا عودة لركود الماضي وروتينه فلا بد للمستقبل أن يفرض معاييره شاءَ من شاءَ وأبى من أبى.

5- لو تعلم الشعب السوري 10% فقط من أخطائه لكان هذا أجمل ما في الأمر فكما يتوجب فإن الشعب السوري الآن يعرف من عدوه ومن صديقه ولم يعد عاطفياً يسخر منه من شاء الانتفاع والطمع أو يضحك عليه حاكم ما بممانعة أو استعداد لحرب لن تحصل.

هذا كله يؤكد أنّ جيلنا خسر سوريا للأبد بينما ستكون الأجيال القادمة محظوظة بسوريا أفضل من سوريتنا وأفضل من سوريّة آبائنا.

ماذا عن الوطن؟

ماذا عن الوطن؟

 الوطن كلمة سهلة اللفظ والترجمة، لكن بالرغم من هذه السهولة ووضوحها في كل اللغات، إلا أنها عصية المعنى والفهم على من لم يفتقدها، أو من لم يجرب أن يختبئ أو يغيرها بأوطان أخرى تحت ظروف الهجرة أو اللجوء أو غيرها من الأسباب.

تغيير الوطنأو كما يسميه البعض تغيير المكان، هو التآلف القسري مع ظروف وعناصر جديدة، وليست بالضرورة مختلفة هي فقط جديدةبالمعنى المجرّد ونحن نراها كذلك (مختلفة) لأنّنا بداية نقع تحت وطأة الدهشة واكتشاف المكان واللغة، وإذا لم يكن لدينا القدرة ولا نمتلك المرونة والوعي الكافيين من البداية لنتعامل معها على أنها جديدة وقعنا بشرك الوطن المفقود للأبد، لأننا بذلك نخسر الوطن الأصلي، ولا نستطيع أن ننتمي للمكان الجديد، فالتّعامل مع الأشياء من منطلق الاختلاف المطلق يعرقل فهمها، وعليه نسأل كيف ننتمي إلى هذا الوطن أو غيره؟ هل بإمكاني أن ألبي حاجة الانتماء إلى مكان آخر؟  وأسئلة كثيرة ممكن أن تطرح ضمن هذه الفكرة.

ولكن الجدير بالملاحظة هو أنّ المعاني المختلفة لكلمة وطن في اللغات الأخرى لم تأت فقط من اختلاف في اللفظ أو المعنى، بقدر ما هي فهم وترجمة الانتماء لهذا المكان أو ذاك، فمن أجمل الترجمات لكلمة وطن هي باللغة الانكليزية التي تعبّر عنه بـ Home أي المنزل أو البيت في المعنى الحرفي للكلمة لكن في المعنى الواسع هو الوطن أو الأرض Home land، تجذبني الكلمة لأن اعتبار الأرض التي ولدت فيها صدفة وبدون أي خيار هي المنزل الكبير المطلق الذي يكمل وجودنا وجوده! فهذا ارتباط وثيق وشاعري جدا ودليل انتماء قوي وحقيقي للمكان، وهذه الكلمة لديها القدرة أن تعطيك الفهم لماذا بعض الشعوب تسبق غيرها في الحضارة والتراكم المعماري والفكري والسياسي وغيره، وعلى هذه العناصر وهذا المفهوم ممكن أن نقيّم انتماءاتنا إلى هذا المكان أو غيره، سواء كان انتماء قومياً سياسياً أو هو مجرّد حب ورغبة في المكان.

الزمكان – Time Space

  إنّ المفهوم الفيزيائي الذي أطلقه آينشتاين في النظرية النسبيّة العامة عام  1915 يقول: إن الزمن هو قياس للتغيّر الذي يحصل داخل المكان، بأربع أبعاد هي ثلاثة و رابعها الزمان، فسلسلة التغيرات التي تكوّن حياتك تحصل خلال وقت ما وفي مكان ما، هي المعنى الدقيق لـالزمكان؛ عبارة عن دمج للمفهومين معاً ضمن استمرارية معينة“: الأبعاد المكانية الثلاث، بالإضافة إلى البعد الرابع الزمن، في الوقت الذي نمتلك فيه القدرة على التحكم بالأبعاد الثلاث الأولى (الارتفاع، العرض والعمق)، يبدو أننا لا نستطيع التحكم، أو التنقل عبر الزمن.

 طبعا هذا بنظري ليس مجرّد قانون فيزيائي بل هذه هي الثغرة أو الرابط العجيب الذي صنّفه البشر على أنّه قانون هو تفسير مقنع للحظة بتعلّقنا في هذا المكان أو غيره، الأحداث والتفاصيل اليوميّة التي تجعل الوقت يمشي للأمام بشكل يصنع: ذاكرتنامزاجناأحجامنا ضمن هذا الفضاء الذي بدوره يتكوّن ويأخذ شكله وطاقته  من عوامل أخرى أهمّها العمارة، من منّا لم ينتابه شعور غريب عندما يدخل مدينة ما لأوّل مرة؟ من منّا لم يكوّن انطباع لمكان ما يتكرّر كل ما ارتاده.

وهكذا يحصل بعلاقتنا بالمدن الشعور الذي يشبه النشوة عندما تزور مدينة تحبها أو تشعر فيها بالراحة، لذلك نرى في الفن أنّ من أعرق وأصعب الأفلام السينمائيّة هي الأفلام التي تتكلّم عن المدن وتستطيع عبر الشاشة أن تنقل لنا هذا الشعور الذي ينتابنا حيال الأمكنة.

  إنّ أحد أهم العوامل التي تؤثر بشكل المكان هي العمارة من أشكال البيوت إلى أشكال الأحياء إلى شكل المكان بالكامل، إن البيوت تطبع أصحابها فغالبا نظن العكس أنّ الإنسان يؤثر في المكان، ربمّا في مرحلة من مراحل الحياة كانت العلاقة متوازنة بين الإنسان والمكان، لكن اليوم هو العكس تماما، إنّ المدن التي عمارتها تكون حجريّة غالبا ما يكون أصحابها لا يملكون المرونة في التعامل، و كذلك أيضا في المدن التي تسكن قرب السواحل.. والأمثلة كثيرة.

إذاً، هوّة المشاعر التي نقع بها حيال مكان أو آخر هي لحظات صغيرة تمر بخفة الغبار، تصنع لنا تفاصيل و أحداثاً ضمن ذاكرة بصريّة للدماغ يلتقطها دون فعل إرادي من الإنسان ضمن هذا الفضاء الذي اكتشف سرّه آينشتاين، فتجد نفسك ترغب في الأمكنة كما ترغب في حبيب أو شريك.

الوطن.. المواطن.. المواطنة..

  في اللغة العربية هذه المفاهيم يكاد فهمها أكثر تعقيداً، ولا سيما بعد الحرب السوريّة في السنوات السبع الماضية، فعدنا لطرح الأسئلة البديهيّة: هل أنا مواطن؟ كيف أمارس حقوقي وواجباتي؟ ما هي المواطنة؟

خلال نقاشي مع بعض الأصدقاء من جنسيات مختلفة تبيّن أنّ فهمهم للمواطنة هو أن تكون مواطن لديك بطاقة وطنية (الهوية) وجواز سفر وجنسيّة البلد الذي تعيش فيه بهذه الشروط تكون استكملت شروط المواطنة، فكان من الصعب أن أشرح لهم كيف كنّا مواطنين بلا مواطنة في عرين الأسدو عائلته، ففي طيّات ملفات الفساد و سجون التعذيب والترهيب والعنف الذي يبدأ من الأسرة مروراً في المدرسة انتهاءً في الجامعة، يصعب أن نشعر بأننّا ننتمي لهذا المكان الذي يشبهنا للحظة و يخالفنا للحظات، فبين فكّي الكمّاشة نجد أنفسنا في غُربة، في أماكن بديلة يمكن أن تكون لنا مشاريع  أوطان أخرى و ربّما لا، ونتذكّر رغبتنا في المكان المعذّب الذي جئنا منه والذي في نفس الوقتكنّا نعاني منه كآبةً وغربة ونحن فيه.

خليط المشاعر هذا هو نتيجة لما ذكرته سابقاً وهو انصهار ذواتنا في المكان، لكن مع دمشق الحالة أعقد، وهي انصهار الذات في المكان المعذب، فلا أنت لديك القدرة لمغادرته أو لديك القدرة للاستمرار فيه.

ماذا عن الذاكرة؟

  الآن في الأماكن البديلة للوطن، أنت مطالب أن تخلع عنك ذاكرتك لضمان الاستمرار، شخصياً، لا أستطيع أن أتخيّل تقاطع ساحة الأمويين المميتو أنا في القطار الجميل الذي سيأخذني إلى مكان مرتّب وجميل، لكن في المقابل أنا لا أستطيع تخيّل أن يكون هناك مكان جميل وحميمي بجمال حي القنواتفي دمشق، ولكن لضمان الاستمرار في هذا الوطن الجديد قررت أن أنشئ علاقة تلوح بداياتها في النجاح، وهذا لا يعني تبديد ذكرى بذكرى، بل بناء علاقة حميمة مع المكان الذي سيصبح مع الوقت ليس جديد ويراكم ذكريات أيضاً.

ذواكرنا حاضرةوهنا تكمن المشكلة، لو لم يكن هناك بيانات رقميّة نستطيع من خلالها في أي لحظة رؤية الحي الذي كبرنا فيه أو المدرسة أو المكان الذي كان لنا فيه أوّل موعد غرامي في كبسة زر فقط!

سمعت أحد الأصدقاء يقول مرّة إنه من غير المنصف أن أحوّل شيء من روح وحياة وبشر إلى بضعة ميغات صغيرةإلى هذا الحد ذاكرتنا رخيصة؟فأجبته بالعكس هذه الميغاتتحفظها لك من الزوال النهائي مع الدقة المطلوبة، وبعد تفكير في ما قاله، أرى أنّ لديه الحق، ربّما، هو قصد الإحساس والناس والذاكرة والتفاصيل التي من الصعب أن تترجمها صورة أو ملايين الصور، نترجمها فقط بحضورنا الملموس مع اللحظات، الضجيج بين المباني العشوائية تحت الشمس الحارقة بين عربات الخضار العشوائية، بمعنى أنّ هذه التّراتبيّة الغير مقصودة لا تكتمل كذكرى أو كشهوة إلا بالحضور الشخصي لأصحاب المكان أو سكّانه، لذلك نحن نقع بشهوة الأمكنة عن بعد.

بالنهاية الأوطان والانتماءات والذكريات والجغرافيا لا تحتمل المزاودة بالمشاعر من أحد، ولا أحد يستطيع أن يقيّم الشيء إلا فاقده، وفاقد الشيء لا يعطيه: ينتظر.