بواسطة فريق صالون سوريا | نوفمبر 2, 2021 | Culture, العربية, غير مصنف
رحل امس “عمود الطرب العربي الاصيل”، صباح فخري، عمر ناهز 88 سنة، امضاها في الغناء والابداع الاسطوري… الى حد انه ذات مرة غنى في شكل متواصل لعشر ساعات.
ولد صباح الدين أبو قوس، وهم الاسم الحقيقي لصباح فخري، في العام 1933 في حلب القديمة حيث كان محاطا بشيوخ الطرب والمنشدين وقارئي القرآن وصانعي مجد القدود الحلبية، حيث اعتاد والده اصطحابه صغيرا إلى جامع الأطروش في الحارة القريبة حيث تقام حلقات الذكر والانشاد.
وفي باب النيرب كانت له أول حلقة إنشاد، وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره، وغنى أولى القصائد أمام الملأ والتي تقول: “مقلتي قد نلت كل الأرب، هذه أنوار طه العربي، هذه الأنوار ظهرت، وبدت من خلف تلك الحُجب”. وكان تمكن من ختم القرآن وتلاوة سوره في جوامع حلب وحلقات النقشبندية مفتتحا أول تمارينه مع الشيخ بكري الكردي أحد أبرز مشايخ الموسيقى. وازداد تعلقه بالإنشاد والتجويد من خلال مجالسته كبار منشدي الطرب الأصيل واجتاز امتحانات غنائية صعبة على أيدي “السمّيعة” الذين يتمتعون بآذان لا تخطئ النغم وتكشف خامات الصوت وتجري اختبارات حتى لكبار الأصوات آنذاك مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم اللذين زارا حلب للغناء على مسارحها في ثلاثينيات القرن الماضي.
التحق بالمدرسة الحكومية الحمدانية في حلب وهناك برز تفوقه كتلميذ يشارك في المهرجانات السنوية للمدرسة. ويروي كتاب “صباح فخري سيرة وتراث” للكاتبة السورية شدا نصار أبرز مراحل حياة فخري على مدى عقود حيث تقول إن الفنان سامي الشوا تعهده بالرعاية وغير اسم الفنان الناشئ إلى “محمد صباح” واصطحبه معه في جولات غنائية بالمحافظات. ولم يكد محمد صباح يبلغ الثانية عشرة من عمره حتى وجد نفسه يغني في حضرة رئيس الجمهورية السورية آنذاك شكري القوتلي خلال زيارته إلى حلب عام 1946 ما اعُتبر محطة مصيرية قفزت بفتى الموشحات إلى خارج حدود حلب، حسب تقرير لوكالة الصحافة الالمانية، كتبته ليلى بسام.
بمساعدة موسيقية من الفنان عمر البطش، وضع صباح فخري أولى تجاربه في التلحين عن عمر لم يتجاوز 14 عاما وكانت أنشودة: “يا رايحين لبيت الله / مع السلامة وألف سلام / مبروك عليك يا عبدالله / يا قاصد كعبة الإسلام).
انتقال حنجرة فخري من الصبا إلى الشباب تسبب في حشرجة فاجأت صاحبها وصعقت خبراء الغناء، إذ يقول الكتاب إن هرمونات الرجولة غيرت من طبيعة صوته وتكوين حنجرته الذي بدا كالمبحوح. وتقول نصار: “لعبت الحالة النفسية لصباح دورها السلبي. كلما حاول أن يرفع عقيرته للغناء كان يفاجأ بشخص آخر يغني من حنجرته. إنه ليس صوتي.. لست أنا ما الذي حصل؟ كلها تساؤلات كان يضج بها رأس الشاب الذي بدأ يشعر بفقدان أغلى ما وهبه إياه الخالق”.
وفي سن الخامسة عشرة أطبق صباح فخري على صوته واعتزل الغناء مكرها فراح يبحث عن لقمة عيشه في الترحال بين قرى ريف حلب إلى أن التحق بخدمة العلم عندما أصبح شابا يافعا. ومع “اكتمال رجولته تبلورت حنجرته واكتمل تكوينها لتعيد للكنز الدفين تألقه وعاد صوت صباح فخري الرجل يشق لنفسه مكانا بين ذكريات سنين المراهقة في أحياء حلب وبيوتها”.
جاء الى دمشق للانتقال الى القاهرة سعيا لصقل موهبته. لكن السياسي المخضرم فخري البارودي غير حياته، حيث اعجب بصوته. دخل القصر الجمهوري فتىً يافعاً وفقيراً في أربعينيات القرن الماضي، يحمل تحت ابطه سجادة صلاة، بطلب من زعيم دمشق وراعي فنونها الراحل فخري البارودي، الذي تبناه فنياً وأعطاه اسمه “فخري” بدلاً من اسمه الحقيقي “صباح الدين أبو قوس”، حسب مؤرخين سوريين.
أطرب الرئيس شكري القوتلي يومها، وتكرر ظهوره في عرس احدى بناته، ثم عندما أذن أمام الرئيس القوتلي ونظيره المصري جمال عبد الناصر في حلب، خلال زيارة الزعيمين إلى جامع جمال عبد الناصر في حي الكلاسة. لم يترك عاصمة عربية إلا ومر بها منذ ذلك التاريخ، تاركاً بصمات ما زالت واضحة في مخيلة كل من حضر حفلاته.
ذات يوم، سال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عن “الأراصية” التي طالما غنى عنها صباح فخري، وعند زيارته دمشق، طلب أن يستمع اليه شخصياً بعد أن قدم له الأراصية. ثم بدأ بالغناء، فوقف عبد الوهاب حينها وطلب من الحاضرين الوقوف قائلاً: “احتراماً لهذا الصوت الرخيم، عليكم جميعاً أن تقفوا معي!” كانت أم كلثوم تطلب من أصدقائها كلما زاروا سوريا: “والنبي، عاوزة كاسيت لصباح فخري.”
عاش فخري أضواء الشهرة من بوابة إذاعة حلب وسهرات إذاعة دمشق مع المطربة اللبنانية صباح. كما غنى صباح فخري “نغم الأمس” مع رفيق سبيعي وصباح الجزائري حيث سجل ما يقرب من 160 لحنا ما بين أغنية وقصيدة ودور وموشح وموال وقد حافظ على التراث الموسيقي العربي الذي تتفرد وتشتهر به حلب. كما تلى أسماء الله الحسنى مع الفنان السوري عبد الرحمن آل رشي والفنانة منى واصف والفنان وزيناتي قدسية.
وقف في عام 1974 أمام الفنانة وردة الجزائرية بطلا لمسلسل “الوادي الكبير” الذي تم تصويره في لبنان.
تقلد وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة عام 2007 “تقديراً لفنه وجهده في الحفاظ على الفن العربي الأصيل ولرفعه راية استمرارية التراث الفني العربي الأصيل” كما جاء في منشور التكريم. وشغل مناصب عدة بينها نقيب الفنانين في سوريا لأكثر من دورة ثم نائب رئيس اتحاد الفنانين العرب كما انتخب عضوا في مجلس الشعب السوري في دورته التشريعية السابعة لعام 1998.
رحل المطرب، الذي سجل رقما قياسيا من خلال غنائه على المسرح مدة تتجاوز عشر ساعات متواصلة دون استراحة في مدينة كراكاس الفنزولية عام 1968.
بواسطة فراس كرم | نوفمبر 1, 2021 | Cost of War, Syria in a Week, العربية, غير مصنف
يجلس أبو عمر (53 عاماً)، وهو نازح، يقطن في مخيم وادي التين بالقرب من منطقة الدانا شمال إدلب، على صخرة متوسطة الحجم، ربط بها أحد أوتاد خيمته، وتجلس إلى جانبه زوجته، وإحدى زوجات أبنائه، ويتحدثون بخوف وحسرة، عن فصل الشتاء الذي يتربص بهم وما يحمله من برد وصقيع، وظروفهم المعيشية المتردية، التي لا تسمح لهم شراء وسائل تدفئة صحية مثل المازوت أو الحطب.
ومع بداية فصل الشتاء، تتجدد معاناة ومأساة النازحين في شمال غربي سوريا منذ ما يقارب 10 أعوام، وما يحمل معه هذا الفصل من قسوة وآلام، تطال أكثر من مليون نازح، يقطنون مخيمات عشوائية، بعضها على سفوح الجبال الوعرة، وآخرى ضمن الأودية، في خيام مصنوعة من الشوادر والنايلون لا تقيهم برد الشتاء القارس، على الشريط الحدودي مع تركيا.
حطب
يقول أبو عمر: “منذ أن نزحت وأسرتي التي تضم تسعة افراد، عن مناطقنا بريف حلب الجنوبي، ولجوئنا إلى هذا المكان، قبل أربع سنوات، لم ننعم بالحد الأدنى من الدفء في فصل الشتاء، بسبب قلة المال وإنعدام فرص العمل الكاملة، التي تؤمن لنا ثمن وسائل التدفئة الصحية، بسبب أسعارها المرتفعة، التي لا تتناسب إطلاقاً مع أحوالنا المادية، حيث وصل سعر الطن من الحطب الآن إلى ما يقارب 150 دولارا أميركيا، بينما أسعار المحروقات المحلية وصل سعر الليتر منها مؤخراً إلى حوالي نصف دولار أميركي. الطبع هذه الأقام تشكل لنا حالة مرعبة، لعدم توفر الحد الأدنى منها في جيوبنا”.
ويضيف، “لدي إبن متزوج و لديه أسرة (زوجة وطفلان) وإبن ثاني (16 عاماً)، يعملون في ورشة لصناعة (الطوب)، بأجور يومية، لا تتجاوز 40 ليرة تركية، وبالكاد هذا المبلغ، يؤمن لنا مستلزماتنا المعيشية اليومية من خبز وغذاء وأدوية وألبسة. ومع قدوم فصل الشتاء يتوقفون عن العمل، بسبب توقف أعمال البناء، وتتفاقم أحوالنا المعيشية أكثر فأكثر صعوبة، مع حاجتنا في آن واحد للطعام و وسائل التدفئة، مما نضطر إلى دفع الأطفال الصغار إلى القرى المجاورة لجمع البلاستيك المستعمل وأكياس النايلون وبقايا الكرتون ليكون وسيلة بديلة للتدفئة، نستطيع من خلالها إشعال الصوبة والحصول على بعض الدفء، ومع إحتراق تلك الأشياء ونفاذها يتلاشى الدفء، ونقوم برمي الأغطية على الأطفال للمحافظة على سلامتهم من الأمراض ونزلات البرد الحادة”. وينهي حديثه بكلمة أخيرة: “هذا هو شكل حياتنا في فصل الشتاء منذ 4 أعوام إلى الآن”.
فحم … وزيتون أم أحمد ، وهي أرملة 5 أطفال دون العاشرة ، وتعيش في “مخيم الأمل” في منطقة دير حسان الحدودية ، تقول ، “أحصل وتعامل على سلة غذائية (6 كيلو سكر و 5 كيلو رز ومثله برغل بالإضافة إلى 5 كيلو حمص وعدس وعبوتين 4 ليتر زيت نباتي) ، من شركات المنظمات الإنسانية العاملة في البطولة ، وموادها الأساسية ، وموادها الأساسية من أضراره على صحة الأطفال ، نتيجة إنبعاث يطبع داخل الخيمة “. تضيف ، “منذ 4 سنوات نزحت من بلدي سهل الغاب بريف حماة ، ولجأت برفقة أكثر من 50 عائلة ، إلى المخيم ، وكنا حينها تصل إلى مساعدات غذائية ومساعدات أخرى خلال فصل الشتاء من المنظمات الإنسانية ، إلا أنه في عام ، توقفت العودة ، أحوالنا المعيشية تشهد تشهد تراجعاً مأساوياً ، إلى حد الفقر والعيش بحالة تقشف ، خشية جو الموتعاً ، وأخشى هذا الشتاء تتفاقم منازلنا أكثر ، أمام غلاء أسعار مواد بما فيها الغير صحية مثل الفحم أو البيرين (بقايا زيتون) المخلوط بالتراب والحجارة ” .
خط الفقر
وفقاً لدراسة أحوال النازحين المعيشية في المخيمات أجراها ناشطون سوريون مؤخراً، قال الناشط بكار الحميدي أن 70 % من النازحين السوريين في مخيمات الشمال السوري يعيشون تحت خط الفقر، نظراً لتراجع حجم المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية والمحلية، خلال العامين الماضيين، بالإضافة إلى قلة توافر فرص العمل في المجالات الصناعية والزراعية.
واضاف، أن هذه النسبة شملت أعداد المخيمات العشوائية والتي بلغت نحو 450 مخيماً عشوائياً يقطنها حوالي 250 ألف نازح، تم إنشاؤها على مساحات مستوية، غير مخدمة بمجاري وقنوات صرف صحي، و”مع قدوم فصل الشتاء وتزايد غزارة الأمطار، تتعرض معظمها للغرق، وإنسداد الطرق المؤدية لها، مما يزيد ذلك من معاناة النازحين، فضلاً عن أن الخيام المصنوعة من الشوادر والنايلون لا يمكنها مقاومة العوامل الجوية لفترات طويلة، وتتعرض للتلف أمام سرعة الرياح في فصل الشتاء ودرجات الحرارة في فصل الصيف، وغالباً ما تكون عمليات الإنقاذ والإستجابة الإنسانية ضعيفة، مقارنة بحجم الأضرار التي تتعرض لها المخيمات نتيجة الفيضانات وتشكل السيول في فصل الشتاء”.
ضيق تنفس
مع قدوم فصل الشتاء تزداد حالات الإصابة بأمراض مرتبطة بإلتهابات الجهاز التنفسي لدى النازحين، بسبب إستخدامهم وسائل تدفئة غير سليمة مثل أكياس النايلون والأحذية والألبسة المستعملة، وإنبعاث الروائح والدخان داخل الخيام، بحسب الطبيب إياد الحسن في منطقة كفرلوسين (تجمع مخيماث ضخم) بالقرب من الحدود التركية، شمال إدلب.
ويضيف الحسن: ” يلجأ النازحون إلى إستخدام هذه الوسائل الغير سليمة للتدفئة، نظراً لأسعارها الرخيصة، مقارنة بأحوالهم المادية الصعبة، ونتيجة إنبعاث الغازات السامة، ومنها غاز أحادي أكسيد الكربون الناتج عن عملية الاحتراق الجزئي لها، داخل الخيام، يتعرض الأطفال وتحديداً الرضع منهم لحالات إختناق شديدة، يجري إسعافهم إلى المراكز الطبية القريبة، وتقديم الإسعافات الأولية لهم، وإجراء عمليات رفع نسبة الأكسجة السريعة لديهم، وتزويدهم بجرعات رذاذ، وإنقاذهم من موت محقق، وأيضاً كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة يتعرضون لأمراض تنفسية وسعال حاد نتيجة ذلك”.
مناشدات
أطلق فريق “منسقو استجابة سوريا” تحذيراً من شتاء قارس ينتظر النازحين شمال غرب سوريا وسط توقعات بتدني درجات الحرارة بشكل كبير خلال الفترة القادمة،في ظل الفقر والعوز الذي يعانون منه. وقال الفريق في بيان أن 1.512.764 نازحاً سورياً معظمهم من النساء والأطفال على موعد مع فصل الشتاء، وسط الفقر والعوز في الخيام والمباني غير المكتملة التي يعيشون فيها، في ظل عجزهم عن توفير أبسط سبل التدفئة. ولفت التقرير إلى أن الحاجة الماسة في الوقت الحالي للنازحين هو تحسين بيئة المأوى، منوها إلى أن العديد منهم اضطر إلى النزوح عدة مرات في ظل محدودية الأماكن التي يمكنهم العيش فيها، في وقت تعاني فيه مخيمات النازحين من الاكتظاظ السكاني، حيث زادت أعداد المخيمات في مناطق شمال غرب سوريا خلال الفترة السابقة إلى 1.489 مخيماً، بينها 452 مخيماً عشوائياً يقطن فيه 233.671 نازح من مختلف المناطق السورية.
وأوضح التقرير أن جميع النازحين السوريين بحاجة ماسة إلى المساعدات التي تشمل الغذاء والمأوى والمياه والصرف الصحي والنظافة والتعليم، مناشداً جميع الفعاليات العمل على مساعدة الأهالي في مناطق شمال غرب سوريا عبر زيادة المساعدات الإنسانية لمواجهة أزمة البرد والأمطار المقبلة وتأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين، في ظل الإرتفاع اليومي الذي يطرأ على أسعار المواد الغذائية و وصل إلى 200% خلال الأشهر الماضية.
تحذير
وحذر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي، الأربعاء 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من شتاء قارس ينتظر السوريين في ظل استمرار تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
وقال غريفيث، “سيواجه السوريون قريباً شتاءً قارساً آخر، فمع بدء درجات الحرارة في الانخفاض، سيؤدي هطول الأمطار والبرد والشتاء إلى تفاقم المصاعب التي يواجهها ملايين الأشخاص”. وشدد قائلاً “نحن بحاجة إلى حقنة عاجلة من المساعدات المنقذة للحياة، خاصة وأن السوريين يستعدون لفصل الشتاء”.
واحتلت سوريا المرتبة الثالثة ضمن قائمة الدول الأكثر هشاشة عالميًا لعام 2021، بحسب تصنيفات دولية.
بواسطة هيفاء بيطار | أبريل 6, 2021 | Cost of War, العربية, مقالات
ثمة مواقف لا يمكن نسيانها وقد تبقى مطمورة في الذاكرة لسنوات لكنك تشعر أنها تزداد ثقلاً وضغطاً على أعصابك وترغب أن (تبق البحصة) كما يقولون.
عندما كنت أعيش في سوريا، كنتُ أسافر كثيراً إلى بيروت لأنني أطبع كتبي فيها ولأنني أعشق بيروت ولدي صداقات كثيرة هناك. وكنتُ أسافر من حدود العريضة (الحدود السورية اللبنانية بين اللاذقية وطرطوس أي الساحل السوري والحدود اللبنانية). وذات يوم كنت مسافرة إلى بيروت حيث كان لدي موعد مع السفارة الفرنسية لتقديم طلب فيزا إلى فرنسا لزيارة أهلي (كلهم في باريس)، وبصعوبة بالغة حصلت على الموعد (كان قد رُفض لي طلب سابقاً)، وككل سوري كنت أشعر بالرعب ما أن يصل التاكسي السوري الذي يضم الركاب إلى حاجز الأمن السياسي قبل الحدود بأمتار قليلة، كان الحاجز يسمى حاجز أبو (ع)، وكان السيد (ع) يُروع السوريين السائقين والركاب، وكل فترة يتحفنا بقرار لا نعلم سببه وهل هو قرار أصدرته الحكومة أن للسيد (ع) مطلق الصلاحيات لإصدار القرارات التي يريد دون أية محاسبة أو حتى محاولة للفهم. كان يوماً شتائياً من عام 2013 وكنت وحدي مع السائق (في ظروف المأساة السورية لم يكن أحد يسافر إلى لبنان إلا لموعد مع طبيب أو موعد مع سفارة، ولكن السائق اللطيف لم يقبل أن يأخذ مني مبلغاً كبيراً ارتضى أن أدفع أجرة راكبين فقط، وأخذ يشكو بأن سفرياته إلى بيروت قليلة جداً، ووصلنا حاجز الأمن السياسي المُرعب ورغم إيهام نفسي أنني متماسكة ولا مبالية ولست خائفة؛ فما أن طلب السائق هويتي وأعطيته إياها واتجه إلى المبنى شديد البؤس للأمن السياسي، حيث يحتشد باقي السائقين وهم يحملون هويات الركاب، ويدخل كل بدوره إلى المبنى حيث يستقبله عدة عناصر أحدهم جالس على كرسي وأمامه طاولة عتيقة ودفتر كبير جداً يسجل فيه اسم صاحب الهوية وكل المعلومات في الهوية. وجدتني أسحب سيجارة من علبة دخان السائق وأبدأ التدخين (وأنا لا أطيق التدخين). لجمت عقلي الذي سخر وأشفق علي ليثبت لي كم أنا خائفة. فالخوف السوري هو خوفٌ خام نرضعه مع حليب أمهاتنا. نُروع أطفالنا بقصص معتقلي الرأي الذين قضى بعضهم سنوات طويلة في السجون وبعضهم قُتل.
غاب السائق طويلاً في مبنى الأمن العسكري وبدأت دقات قلبي تتسارع ونزلت من السيارة وأردت دخول المبنى فمنعني عنصر موظف أن أدخل. وأطل السائق بوجه مكفهر مذعور وقال لي: “آسف دكتورة ممنوع تسافري إلى بيروت.” صُعقت وسألته: “لماذا؟” اعتقدت أن أحد كتبة التقارير كتب بي تقريراً، لكن السائق أخبرني أن كل السيارات التي ستسافر عن طريق العريضة ممنوعة من عبور الحدود وأن ثمة قراراً أصدره السيد (ع) بأن عليهم العودة من حيث أتوا وإن لم يعجبهم القرار يمكنهم السفر عن طريق معبر الدبوسية (أي المعبر الحدودي بين حمص ولبنان)! وتساءلت لماذا إذلال الناس بهذه الطريقة وهم من سكان الساحل، ولم عليهم إضاعة ساعات من وقتهم ومالهم حتى يصلوا إلى حمص ومعبر الدبوسية! لا يمكنك أن تسأل أبداً في سوريا خاصة المسؤول عن الأمن السياسي، ولا أعرف كيف امتلكت شجاعة التهور وخطفت هويتي من يد السائق وقلت له سأقابل السيد (ع)، فرجاني ألا أفعل وأن هذا خطر علي، لكنني كنت كالصاروخ مندفعة تجاهه. ورغم أن عدة عناصر من الأمن حاولوا منعي إلا أنني أصريت أن أقابله واقتحمت غرفته شديدة البؤس المؤلفة من أريكة عتيقة ومكتب صغير. كان لدى السيد (ع) عدد من الزوار الرجال، وكان منهمكاً في سحق عدة بيضات مسلوقات في رغيف خبز ووضع شرائح البندورة فوقها، وخلف مكتبه كانت صورة الرئيس تحتل الحائط. جلست قبل أن يقول لي “اجلسي”، ونظر إلي بدهشة وقال غاضباً: “خير!” شرحتُ له أن لدي موعداً مهماً في السفارة الفرنسية. فقال: “ألم يقل لك السائق ممنوع السفر ألم تفهمي الكلام هل أعيده ثانية!” وجدتني بحالة من الارتباك والتشوش الذهني ولا أدري ما الذي دفعني لأخرج بطاقتي بأنني اختصاصية في طب العيون ووضعتها على مكتبه دون أن أنطق كلمة واحدة. وفيما هو يمضغ سندويشة البيض، أمعن النظر في بطاقتي وأجفلت حين انتفض واقفاً وقال وهو يبتسم لي: “عيني ربك، عيني ربك أنت طبيبة عيون مثل السيد الرئيس.” ومسح يده اليمنى بقميصه ومزق قصاصة ورق من دفتر أمامه وكتب أنه مسموح لي بالسفر إلى لبنان وأعطاني القصاصة، لكنه أصر أن أشرب فنجان قهوة، وخفت أن يتراجع عن رأيه فقبلت دعوته تحت الإصرار. كنتُ أمسك فنجان القهوة بيد مرتعشة رغماً عني وباليد الأخرى أطبق بكل عزيمة وقوة على قصاصة الورق التي تسمح لي بالسفر إلى لبنان، وأثناء حديثنا اكتشفتُ أنه يتكلم الفرنسية بطلاقة رائعة، وأخبرني أنه قضى سنوات في فرنسا وأنه أحب فرنسية لكنها ماتت بالسرطان ويفكر أن يكتب قصة حبه العظيمة.
لم يصدق السائق أنني نجحتُ بإقناع من تتقصف الفرائص رعباً لمجرد ذكر اسمه السيد (ع) بالسماح بسفري لبيروت. وسألني: “شو عملتي دكتورة، كل السيارات لم تمر وكلها عادت من حيث أتت، فماذا فعلت؟”. أخبرته: “لم أفعل شيء لكن أنا محظوظة.” أصر السائق وسأل: “كيف يعني محظوظة؟” قلت له: “لا تكثر من الأسئلة لنعبر الحدود بسرعة لو سمحت.” ولاحظتُ أن السائق صار ينظر إلى بارتياب وحذر ولم يعد ينطق حرفاً. ورغم أني أسافر معه دوماً إلا أن السائق صار يخشاني، ربما لاعتقاده أنني أعمل مع أجهزة الأمن ومع السيد (ع).
هذه الحادثة التي أردت التقليل من قيمتها ودفنها عميقاً في ذاكرتي لطالما أيقظتني ليلاً لأسترد تلك اللقطة اللامعقولة (عيني ربك أنت طبيبة عيون مثل السيد الرئيس). وكنتُ أحس بألم وخزي وأنا أستعيدها وأتساءل أين العدالة! صحيح أنني فرحتُ عندما سمح لي السيد (ع) بالعبور إلى لبنان، لكن كان فرحي مجللاً بالخزي وأنا أرى العديد من السيارات ممنوعة من العبور وتعود أدراجها. السيد (ع) الذي يعرف الجميع أنه بقي لأشهر يمنع كل سوري من إدلب من دخول لبنان لأن أخاه استشهد في إدلب. السيد (ع) الذي كان يتلقى أفخم الهدايا من السائقين.
فرحنا نحن السوريين له طعم الحزن والقهر. الخوف السوري حالة تستحق الدراسة النفسية العميقة. أظن أنني محظوظة لأنني كنت محتارة بين اختصاصين، الطب النفسي وطب العيون، ولم أعلم أن اختياري لطب العيون سيكون كخاتم سليمان.