هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.

فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.

من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل  المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.

ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.

  بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.

أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة. 

أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا،  فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.

يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام  مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).

إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف،  هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.

بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة،  له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.

 وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا  مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.

أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها،  فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.

أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية  لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .

تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها. 

رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.

وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.

السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها 

لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.

كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر. 

وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.

وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية  الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.

حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

كأن الموت بات قدرًا يلازم السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتباين توزعهم الجغرافي، إما فرادى أو جماعات، من مجازر الساحل إلى أحداث صحنايا إلى المجازر المرتكبة في السويداء تلك التي ظل أهلها معتصمون في الشوارع على مدى عام ونصف احتجاجًا على الطاغية قبل سقوطه.

 تصدمنا جميعاً الوقائع المتصاعدة من أحداث قتل وتنكيل وخطف بعد أن استبشرنا بعهد جديد ينفض الاستبداد عن كاهل الناس ويعد بحرية مأمولة بُذل الغالي والرخيص لأجلها، لنعاود الرجوع إلى واقع غوغائي ما قبل الدولة لا يعرف المرء فيه لماذا يُقتل وكيف.

 كان الكثير من معارضي النظام البائد أول الناس الذين استهدفوا في مجازر الساحل نتيجة انتمائهم الطائفي ولم تشفع لهم سنواتهم الطوال في معتقلات الأسد وكأن عبارة الفلول أصبحت مشجبًا يعلق عليها كل من يريد الانتقام والتخلص من أي كان نتيجة أحقاد طائفية ترجع لألف وأربعمائة سنة خلت لخلاف بين أناس لا نعرفهم بل انتمى كل منا إلى فئة بحكم الصدفة ورغم تكرار الحوادث والارتكابات ورغم ما حصل ويحصل وما هو مستمر بالحصول لم نسمع أنهم ألقوا القبض على أي منهم.

وكما كرة الثلج التي تكبر شيئًا فشيئًا تتصاعد حكاية مصرع الشاب “يوسف لباد” التي تصدرت وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي من آراء واجتهادات بين مدافع ومدين؛ بين مبرر ومتهم لحادثة موت غير طبيعي، فيوسف الشاب القادم من ألمانيا لرؤية بلده بعد طول غياب قضاها في غربة عنه وقد أخذ عهداً على نفسه إن تحررت سورية من الأسدية أن يبات ثلاثة أيام في المسجد الأموي، وكانت النتيجة وكأنه جاء لحتفه. لا نستطيع الاختباء وراء إصبعنا في تفسير الحادثة وقد سبقتها أكثر من حكاية مشابهة لمن يدخلون للتحقيق ونسمع عن جثثهم ملقاة في مكان آخر في مشفى أو طريق وخاصة أن الرواية المتناقضة للأوساط الحكومية تكشف اضطرابًا غير مقنع في تفسير لحالة الموت التي تباينت بين إصابته بجلطة وبين تسمم وإدمان كحولي وآخرها أن المغدور يعاني من اضطراب نفسي جعله يقتل نفسه أثناء وجوده في غرفة الحراسة حيث أقدم على إيذاء نفسه بشكل عنيف عبر ضرب رأسه بأجسام صلبة، ما تسبب له بإصابات بالغة، وقد تم الاتصال بالإسعاف على الفور، إلا أنه فارق الحياة رغم محاولة إسعافه، وعلى إثرها تقرر تشكيل لجنة للتحقيق بملابسات الحادث وحصر وتحميل المسؤولية لمن يتهم بالأمر أو يثبت تورطه، وقد صار معروفًا لدى العامة أننا اذا أردنا تمييع قضية نشكل لها لجنة للتحقيق ووضع من يتحمل المسؤولية أمام مسؤولياته. 

 لا يوجد اثنان يختلفان على التشكيك بمحاولة التغطية على الحادثة فالشاب لم يكد يمضي على وصوله للبلد ثماني وأربعون ساعة ويحمل الجنسية الألمانية ولم يكن يعاني من شيء حسب إفادة زوجته وأقاربه ولم يكن ليسمح له بالسفر بالطائرة لوكان يعاني أي شيء من هذا القبيل، ولم يكن الشاب المغدور ينتمي للأقليات فهو ليس علويًا أو درزياً أو مسيحيًا بعد أن صار قتل هؤلاء أمراً عاديًا وتهمتهم جاهزة. 

ولم يكن سنياً كافراً فهو جاء ليعتكف بالمسجد الأموي ويؤدي صلاته للخالق سبحانه وتعالى فما الحكاية ولماذا استهدف؟ هل هو استسهال للفعل بحكم العادة أو سطوة السلطة والغرور الذي يتملك بعض أفرادها بقدرتهم على العنف واحتكارهم له، باعتقادي لا يمكن الابتعاد عن البنية التكفيرية التي تقضي بقتل أي مخالف في العقيدة وندخل هنا في تفاصيل الفرق والنحل الدينية التي تكفر بعضها في المذهب الواحد وخاصة أن المرتكب هنا يقنع نفسه بأنه يؤدي واجبًا دينيًا يخفي شهية الدم خلفه، وهذا سيستمر ويتصاعد إذا لم يتم التأسيس لقوانين وضعية واضحة وصريحة باعتبار أي حادثة  مشابهة جريمة قتل عمد تعرض صاحبها للمحاكمة العلنية بتهم بينة،  لأن السيناريو تكرر وسيتكرر مالم يوضع له حد وإلا فالقصة تنذر بفوضى عارمة لن يستطيع أحد إيقافها وخاصة بتزايد عدد الضحايا الذين يقضون بلا سبب واضح أو تهمة محددة. 

نهر الدم يجب أن يتوقف، وخاصة عندما يفقد الفرد إيمانه بأي عدالة وعندما يفكر كل شخص بحل مشكلته بشكل فردي. 

 لا يمكن أن تقام دولة على اجتهادات مشايخ في فهم الدين والتشريع وهناك مئات التجارب لقوانين مدنية عالمية ومحلية ثبت من ممارستها أهميتها في ضبط الأفراد في حقوقهم وواجباتهم ودائمًا هناك قانون مكتوب ومعروف مبنى على عقد اجتماعي معروف لدى الجميع وقبل أن نلغي قوانين معمول بها من المفروض أن تنشر بدائلها على الإعلام والتصويت المجتمعي لقبولها، خاصة في واقع صار أشبه بغابة نتيجة تكرار حوادث القتل التي لا تنتهي وأحبولة التعامل معها كحوادث فردية لا يحاكم أصحابها بتجاهل متعمد يخفي ما وراءه. 

وفي كل جولة للموت لا نستطيع منع أنفسنا من تذكر كل ما مر على هذه الأرض خلال هذه الأشهر السبعة المنصرمة والتي كنا جميعا محملين أثناءها بطاقة هائلة من الأمل بزوال حقبة الاستبداد والطغيان لتضمحل تلك الأماني شيئًا فشيئاً ولتتصاعد كارثية الأمر عندما لا يعرف المرء ذنبه أو خطيئته وينفذ به الحكم قبل أن يدان من أي جهة.

في الحقيقة لا نستطيع إلا رفع الصوت عالياً بأن دم سوري على السوري حرام وأن دم الإنسان على الإنسان حرام وهذا أضعف الإيمان وأضعف ما نستطيع فعله في هذه المقتلة المستمرة ونردد ما قاله أحد الشعراء: يا دجلة الخير لقد هانت مطامحنا حتى لأدنى طماح غير مأمول.  

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

منذ ستة أشهر أي منذ سقوط النظام في سوريا، كانت العدالة الانتقالية ٌإحدى أهم النقاط التي يتفق عليها السوريون مهما كانت الاختلافات بينهم، وتجتمع الأصوات على المطالبة بها كطريقة منصفة لرد الحقوق والعدالة بانتزاع حق الضحايا وخاصة بعد الظهور العلني لشخصيات ثبت تورطها بالدماء السورية وبالمجازر التي ارتكبها النظام، إذ كانوا جزءاً من منظومة القمع والقتل الخاصة به. كما شاهدنا إجراء تسوية لمسؤولين كبار كانوا على صلة مباشرة بإعطاء الأوامر خلال الحرب السورية الطويلة. ولهذا صار الشغل الشاغل للناس هو الخوف أن يذهب الدم السوري وحق الضحايا أدراج الرياح.

وهذا الخوف كان أحد الدوافع التي ساقت البعض لأخذ حقهم بيدهم وهذا ما يلاحظه أي متتبع لحوادث الخطف والقتل والسطو على البيوت بإخراج أهلها منها، خاصة بعد ما تغنت السلطة بشعار اذهبوا فأنتم الطلقاء، منذ البداية إذ أنذرت هذه العبارة بعدم المحاسبة وأعطت الضوء الأخضر للعقلية الثأرية التي مازالت تحرك الرؤوس. وانعكس هذا سلباً على الواقع العام، فأخذ الحق باليد من وراء كواليس سماحة السلطة، شجع كثيرين أيضاً لاستغلال الفرصة وللقيام بأعمال عنف وفوضى ما زالت تهدد السلم الأهلي وحياة المواطنين.

من هنا كانت العدالة الانتقالية ضرورة ملحة تتفق عليها الأصوات الواعية للانتقال إلى عملية البناء ومطلب حقيقي للحفاظ على أمن البلاد وحياة الناس وعلى السلم الأهلي الذي دونه لن تنجو البلاد من حرب دموية، وهذا  ما أكدته كل البيانات الصادرة بعد كل حدث.

كان للمؤتمر الصحافي الذي أجراه حسن صوفان رئيس لجنة السلم الأهلي وقع الماء البارد في وجه السوريين وصدمة أثارت ضجة كبيرة، وردود أفعال غاضبة وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ صار مناسبة لسرد مظلوميات الأفراد والعائلات والجماعات، الذين لحق بهم أذى غيّر مصير حياتهم وذهب بحياة الكثيرين من أحبتهم، يحركهم في ذلك ليس فقط هذا الأذى والألم بل أيضاً الإحساس بالخذلان جراء مساومة السلطة على ألمهم وتناسيها له بالقدر الذي يخدم مصالحها مع القتلة، وكأن دمهم هو مثار المساومة. ولو كان للقتلى فم يحكي لصرخ في وجه القتلة الذين يتحركون علناً وعلى المنابر والشاشات. 

وما أثار الناس في المؤتمر ليس فقط نسيان جرائم شخصيات بعينها بل تقريب هذه الشخصيات.  أما العذر الذي قدمه صوفان للسلطة القائمة، فهو دور هؤلاء في المساعدة بإسقاط نظام بشار الأسد. فهل يبدو هذا مقنعاً كمبرر للعفو عن شركاء الأسد وداعميه؟ 

 والسؤال المطروح هل تخلى هؤلاء عن نظام الأسد حباً بالثورة أو جراء تغيير في موقفهم من النظام البعثي المجرم؟ أم أنها خيانة لأصحابهم في النظام، تضاف لسجلهم غير النظيف أم أن هذا كله كان بأثمان قبضوها لتسليم نظام الأسد؟ وهل كان هذا العفو هو ثمن دماء السوريين؟

بكل الأحوال هذا لا ينظف أيديهم من الدم السوري الذي ما زال يسفح حتى الآن فمن شعر أن السلطة قد خذلته بتقريب فادي صقر وغيره من شخصيات داعمة لنظام بشار الأسد عسكرياً واقتصادياً قد يلجأ إلى أن يأخذ حقه بيده من أشخاص مقدور عليهم، كما حدث الانتقام من فلول النظام بقتل القرويين البسطاء وسكان قرى الساحل الأكثر فقراً وتغييباً عن أي تأثير، أو من الشباب الذين أجبروا على الخدمة الإلزامية بعد أن اقتنصتهم حواجز النظام دون أن يتمكنوا من السفر خارج البلاد، والذين تحملوا عبء استخدام النظام الانتماء الطائفي.

ففي الوقت الذي تعفو فيه السلطة عن هؤلاء المثبتة إدانتهم، ما زالت تتحفظ على العسكريين والشباب الذين قبضت عليهم في الحملات الأمنية ومنذ خمسة أشهر أو أكثر دون توجيه تهمة محددة لهم ودون أن يتمكن الأهالي من معرفة إن كانوا على قيد الحياة أم لا، فلا زيارات ولا اتصال معهم ولا توكيل محامين، تبقى قضيتهم معلقة تحت الشبهة ودون توجيه تهمة. مع كل ما يترتب من ذلك على حياة أسرهم اقتصادياً.

ونستطيع العودة إلى تجارب الشعوب التي خرجت من حروب أهلية كالوضع السوري للاستفادة منها بأشكال عديدة من طرق تطبيق العدالة الانتقالية كراوندا وجنوب إفريقية وغيرها.

يتم تداول الإشاعة بأن الحساب سيأتي فردياً ومن خلف الكواليس، إذ قد تتم تصفية هذه الشخصيات بطرق خاصة تباعاً. يعيدنا هذا لفكرة أهمية العدالة الانتقالية والانتقائية فضرورتها، ليس فقط المحاسبة وأخذ الحق الشخصي، ومن يفكر بأن موت هؤلاء أو سجنهم هو الهدف يرتكب خطاً فادحاً، فمحاسبتهم لها شقان : الأول أنها سترد الحق لأصحابه، حق المظلومين، وتشير باليد لمن استهان بدم الناس، إلى المسؤول الحقيقي عن جرائم النظام الأسدي وأعمدته التي ساهمت في تفتيت البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي ستعيد تمكين النسيج الاجتماعي السوري وتكون الأساس المتين لبناء المجتمع الجديد، أما الشق الثاني: فإنها ستكرس مبدأ القانون وتعزز مكانة الدولة وكيانها كحامي لحقوق المواطنين، ومسؤول عن رد الحقوق لأصحابها. وتعيد للقانون سلطته في المجتمع، القانون الذي يقف عنده الجميع على خط المساواة وتقضي على حالات الثأر الفردية وفورة الدم وتعزز السلم الأهلي  وهذه أولى خطوات تمكين الدولة و بناء المجتمع.