الجيش الحر والتبعية الإقليمية والدولية

الجيش الحر والتبعية الإقليمية والدولية

عمّت المظاهرات مدن وبلدات سوريا، وبدا كأن أفقاً جديداً ينفتح أمام المجتمع بعد عقود طويلة من الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي. الدفقة الأولى التي ترافقت مع هتافات المتظاهرين أعادت الحياة لمعنى الحرية والكرامة في وجدان الناس ولقيم التضامن الجماعية وكانت الأشهر الأولى من عمر الثورة بمثابة زمن جديد يحاول القطع مع المستنقع الآسن الذي أَغرق المجتمع في الفساد، والذي عممته الدولة الأمنية  في سياسة ممنهجة للإفساد ليشمل الجميع حسب قول الدكتور طيب تيزيني. الإفساد العام هذا، تعمّم في مجتمعات تحكمها العلاقات الاجتماعية الريفية العائلية والقبلية والمناطقية، وترافق ذلك مع قيم الفردية والفهلوية والشطارة. الانهيار العام للمجتمع السوري شمل كل المجالات وطال كل المستويات. شكّل هذا الوضع الأرضية التي أثرت في تكوين البنية والشكل التنظيمي للحراك للثوري في طوريه السلمي والعسكري. إن محاولة توصيف هذا التكون تفترض التركيز على العوامل الداخلية التي سمحت للعامل الخارجي فيما بعد أن يأخذ هذا الدور من حيث الحجم والتأثير قبل أن يصير صراعاً  إقليمياً ودولياً.

نشوء المجموعة المسلحة

جوبهت المظاهرات بالعنف الشديد، حيث تصاعد القتل وحملات الاعتقال والإذلال وذلك لهزيمة الحراك الاجتماعي ودفعه لحمل السلاح، وليكون الميدان العسكري هو ساحة الصراع والتي تسمح بانتصارالنظام أو إطالة أمد بقائه، فبنية هذا النظام الأمني غير قادرة على خوض صراع سلمي مع الحراك المجتمعي بل هي غير مجهزة ولا تملك الأدوات باعتراف رأس النظام نفسه.

أوّل هدفٍ لحمل السلاح هو حماية المظاهرات السلمية من عنف أجهزة الأمن، وقد بدأ من مجموعات أهلية تحمل السلاح الفردي وأسلحة الصيد، وبدا وكأن النظام وجد ضالته. عمل مهربو السلاح تحت نظر النظام وفُتحت لهم طرق التهريب كاملة بينما حوصرت بلدات وقرى ومنع عنها حتى الخبز وحليب الأطفال! رغم استشعار الناس بخطر السلاح، ورغم رغبة الناس في المحافظة على سلمية الحراك والوعي المبكر لأهمية السلمية التي رُفعت كشعارات وهتافات في مظاهراتهم، فإن حمل السلاح لم يكن خياراً بل طريقاً لا مفر منه لمواجهة العنف المنفلت للنظام.

تشكلت المجموعة المسلحة من الشباب المهمش في نطاق أهلي مناطقي حيث التراتبية في المكانة الاجتماعية حسب مستوى التعليم والعمل. الفئة الأكثر تعليماً كانت منخرطة في العمل  الإعلامي والسياسي والتنظيمي في التنسيقيات، والفئة الأقل تعليماً شكلت المجموعة المسلحة وضمت ما يُعرف بـ”القبضايات” أو بـ”الزعران” والشباب المتدين البسيط.

لم يكن هناك إطار فكري أيديولوجي سياسي تنظيمي للجماعة المسلحة في بداية تشكلها بل كان الحامل الوحيد هو الرابط الأهلي المناطقي ومهمتها حماية المظاهرات. ومع ازدياد حجم العنف والدم وبفعل وجود السلاح تعدت مهمة الحماية وعمليات الانتقام من أجهزة الأمن وأدواتها من مخبرين وتابعين إلى /تحرير/مناطق والسيطرة عليها (لا يعدم النظام حجة للعنف الذي مارسه لكن  مجرد وجود السلاح سمح للنظام باستخدام أدوات أشد، لم يكن من المتخيل أن تقصف مظاهرة لتشييع شهداء المظاهرات بالطيران الحربي –حدث في السيدة زينب17 /8/ 2012).

تزامن ظهور الجماعة المسلحة مع ازدياد ظاهرة انشقاق الضباط والجنود عن جيش النظام وظهر اسم جامع لكل من يقوم بعمل مسلح ضد النظام هو الجيش الحر. الجيش الحر هو مجموعات منفصلة لا رابط يجمعها سوى الإسم والهدف، وتعتمد المجموعة على بيئتها المحلية للحصول على التمويل من خلال التبرعات وأحياناً على شكل أتاواتٍ فرضت على الميسورين، وحدث كثيراً أن نهبت أملاك عامة وخاصة بحجة تابعيتها للنظام، وضرورة توفير الدعم متجاوزة الصورة الأولى لتشكيل الجماعة المسلحة حيث أفرادها الأوائل قدموا ممتلكاتهم الشخصية لشراء السلاح!

التحق المنشقون عن جيش النظام بالمجموعة المسلحة، وكانت ظاهرة الانشقاق ذات أثر كبير في جوانب عدة فضلاً عن إضعاف جيش النظام وكشف زيف روايته للأحداث. كانت لتمد العمل المسلح بالمحترفين وترفعه لسوية عمل منظم لكن الواقع كان غير ذاك، حيث رفضت المجموعة المسلحة العمل تحت قيادة الضابط المنشق والتخلي عن قائدها الثوري، فظهر شكل مزدوج للقيادة عسكري وثوري، و صراع مستمر على آلية العمل والتنظيم. لم يقبل أفراد المجموعة أن يتحولوا إلى عسكريين تحت إمرة الضابط المنشق في نظام شبه عسكري، يعيد إلى ذاكرتهم مساوىء وذل الخدمة العسكرية في جيش النظام، ولم يقبل القائد الثوري الذي يملك الأسبقية في العمل الثوري من الوافد الجديد المنشق أن ينتزع منه القيادة، وفي بعض الأحيان اتُهم المنشقون بعد الحفاوة التي استقبلوا بها أنهم مدسوسون من قبل النظام لاختراق الثورة.

وعكس ذلك لم يقبل الضابط المنشق العمل المسلح تحت إمرة مدني غير محترف، وبدون نظام وتراتبيه واضحة بين أفراد المجموعة، وبالتالي تحولت المجموعة المسلحة إلى مكانٍ نابذ للمنشق، فهو لا يستطيع البقاء فيه والتعايش معه. ضباط الرتب الدنيا والأصغر عمراً، كانوا أكثر قدرة على التأقلم مع المجموعة، ورغم بروز أسماء لكثير من الضباط المنشقين الذين خاضوا مواجهات بطولية إلا أن دور الجماعة المسلحة تحول من دمج الضباط بصفوفها إلى تأمين عملية الانشقاق وإيصال المنشق إلى مخيمات اللجوء في دول الجوار.

خصصت كل من تركيا والأردن مخيمات خاصة للضباط المنشقين، وهي أشبه بمراكز للاحتجاز، وبحراسة مشددة وشبه قطيعة عن الداخل السوري، وقد ضمت هذه المخيمات آلاف الضباط المنشقين؛ ففي مخيم الراجحي في الأردن وحده كان هناك 2163 ضابطا من رتبة رائد فأعلى، ولا توجد إحصائيات موثوقة للأعداد الحقيقية للضباط المنشقين. كانت هذه سياسة الدول الاقليمية التي تدعي دعم الثورة، وذلك لعدة أسباب، ومنها، وهو رئيسي، ويتحدد بقطع الطريق أمام إنشاء جيش وطني محترف ثوري ويقود العمل  المسلح ويصعب استثماره في ظل صراعات النفوذ بين الدول الإقليمية. يمكننا الاستنتاج هنا أن قرار تدمير الثورة السورية، كان هدفاً متفقاً عليه، وهذا حديث آخر.

أسلمة المجموعة المسلحة

قامت المجموعة المسلحة بإمكانات أفرادها والدعم المحلي المتوفر إلى أن فُتح باب التمويل الخارجي الخليجي أساساً وذلك عبر أفراد ومؤسسات إسلامية، وشكل المغتربون السوريون صلة الوصل بينها قبل أن تتحول لسياسة دعم منظم من هذه الدول، وسرعان ما طالت اللحى في المجموعة المسلحة وأتخذت أسماء لها تُعبرعن توجه إسلامي، وتحول القائد الثوري في المجموعة إلى أمير طلباً للدعم. يشمل ذلك  المجموعات التي يقودها الضباط المنشقون، ورغم ضآلة عددها لم تسلم من هذا التوجه. إضافة لكل ذلك ظهرت جماعات إسلامية بقيادة إسلاميين إيدلوجيين أطلقهم النظام من سجونه وظهر تنظيم تابع للقاعدة باسم جبهة النصرة؛ كل ذلك شكّل عوامل ضاغطة لتتجه الجماعة المسلحة المتنوعة والكثيرة نحو الأسلمة، والانتقال من الشكل الشعبي “الإسلامي” إلى شكل أكثر راديكالية وتشدداً، فأصبح لكل مجموعة هيئتها الشرعية ونطاق جغرافي تطبق فيه شريعتها، وتتنازع فيما بينها على حدود تلك السيطرة.

إن زمن الانحدار الاجتماعي هو زمن تشكّل المجموعة المسلحة؛ فغربة المجتمع عن العمل السياسي وغياب الإيديولوجيات كإطار فكري عام، وغلبة الشعاراتية في عقود الاستبداد هو الذي دفع المجموعة المسلحة إلى أن تستجيب لمتطلبات الداعم الخارجي الإسلامي التوجه من جهة ومن جهة أخرى أن تقلد وتستعير أدوات المجموعة الإسلامية في التنظيم والعمل، ولا يغفل هنا الدور الكبير للإعلام في تعزيز هذا التوجه.

العلاقة بين المسلح والمدني

سيطرت الجماعات المسلحة على مساحات شاسعة من البلاد، وأضعفت النظام رغم غياب أي تنظيم يجمعها ورغم صبغتها المناطقية كانت امتداداً لبعد وطني برز في المظاهرات السلمية حيث المدن والبلدات تناصر بعضها. ربما كانت معركة مدينة القصير أواخر 2012، آخر مواجهة تحمل بعداً وطنياً شاملاً، حيث وصلت فصائل من حلب ومن دير الزور قاطعة مئات الكيلو مترات للتضامن مع المدينة التي يتحضر النظام وميلشيات حزب الله للهجوم عليها. تغير الأمر لاحقاً، وذلك بعد التحاق المجموعة المسلحة مرغمةً بمجموعاتٍ أخرى نتيجة تركيز الدعم عند مجموعات معينة أو بتهديد السلاح والسيطرة المسلحة المباشرة والإفناء، ولتظهر مكانها الألوية والفيالق والجيوش الإسلامية التابعة بشكل تام للداعم الإقليمي.

كانت خارطة سيطرة هذه الفصائل هي خارطة تقاسم النفوذ بين الدول الإقليمية، ولا يجمعها إلا التداخل والتشابك بين مصالح تلك الدول، وليغدو مكان هذه السيطرة منطقة عمليات مستقلة فعلياً وغير مرتبطة أو معنية بالمناطق الأخرى إلا إعلامياً، كذلك سيصبح مكان سيطرة هذه الفصائل أشبه بإمارة إسلامية تختلف درجة تشددها الديني بين فصيل وآخر، وتدخل في حالة عداءٍ مع مجتمعها المحلي بعد تشكيلها سلطة مستبدة تسيطر على الحياة العامة ومشغولة بمراقبة سلوكيات الناس ونمط عيشهم. لم يشفع للناس أنهم تحت وطأة قصف النظام وحصاره، وزاد الأمر سوءاً عمليات الاغتيال والخطف والاعتقال لكل مخالف للفصيل المسيطر، وأبعد عدد كبير من الناشطين الهاربين من النظام،  ليتحولوا إلى لاجئين ولا ملاذ لهم في مناطق سيطرة الفصائل، ومن حاول منهم البقاء كان مصيره الاغتيال او الخطف، (لعل قضية اختطاف أعضاء مركز توثيق الانتهاكات في دوما هي الأشهر). هؤلاء الناشطون الذين لعبوا دوراً كبيراً في تأمين الدعم الطبي والإغاثي، وفي مجالات الإعلام والتوثيق الحقوقي الإنساني والمساعدة في بناء الهيئات المدنية (تجربة المجالس المحلية مثلاً).

بقيت علاقتهم مع المجموعة المسلحة تفاعلية، إذ يقدمون للمجموعة المساعدات والخدمات، وتستجيب المجموعة لاقتراحاتهم وآرائهم حول دور العمل  المسلح في الثورة وفي الحفاظ على صورة مشرفة للعمل المسلح بعيداً عن ممارسات بعض هذه المجموعات مثل قيامها بعمليات الخطف على أساس طائفي.

لقد ساهمت المجموعة المسلحة “الشعبية” بانشقاق ضباط وجنود من كل الطوائف الدينية، إذ كانت المجموعة المسلحة رغم الإسم والشكل الديني الذي يوحي بأنها راديكالية متطرفة تتبنى فعلياً مفهوم مجتمعها الشعبي عن الدين، وبقيت جزءاً من مجتمعها الأهلي المحلي، ولم تشكل سلطة منفصلة فيه فكانت مرحلتها هي مرحلة تفاعل وجهود مجتمع الثورة بكامله.

تجارب فاشلة

أمام هذه التحولات حاول بعض الوطنيين الديمقراطيين إنشاء مجموعات مسلحة للحفاظ على هوية الثورة باسم كتائب الوحدة الوطنية، وظلت محدودة التأثير حتى تلاشت بسبب قلة الدعم، ولم تنفع بطولات أفردها أو أسماء كتائبها الوطنية /يوسف العظمة، ابراهيم هنانو/ من تغيير مصيرها المحتوم.

وتبقى تجربة إنشاء هيئة أركان للجيش الحر شكلاً آخر للسيطرة والتبعية الإقليمية والدولية إذا انضمت إليه فصائل ومجموعات متنازعة فيما بينها ولا يجمعها إلا الحصول على التمويل، وبدأت كذلك الخلافات بين الضباط على القيادة وكل منها محسوب على طرف إقليمي إلى أن أصبحت غرفتي الدعم في تركيا والأردن- الموم  والموك – هي مقرات القيادة الفعلية لتلك الفصائل ولهذا حديث آخر. وبذلك انتهت الجماعة المسلحة الثورية الأهلية المناطقية، لينتهي معها العمل المسلح ذو الصبغة الوطنية (لعل من المفارقة أن يكون المناطقي دلالة للوطني) وليصير الصراع بعدها إقليمياً دولياً بأدواتٍ محلية.

سوريا في أسبوع، ٤ حزيران

سوريا في أسبوع، ٤ حزيران

غضب أميركي، رئاسة سورية
٢٩ أيار/مايو

عبرت وزارة الخارجية الأمريكية الثلاثاء عن غضبها إزاء تولي سوريا رئاسة مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح الشهر المقبل قائلة إن دمشق تفتقر إلى المصداقية لرئاسة المؤتمر بسبب استخدامها أسلحة كيماوية.

وقالت هيذر ناورت المتحدثة باسم الوزارة في إفادة صحفية “نشعر بالغضب إزاء الاستخفاف السافر من قبل النظام السوري بحياة الإنسان، وانتهاكاته المتكررة وتجاهله لالتزاماته الدولية وجرأته على تولي رئاسة هيئة دولية ملتزمة بدعم جهود نزع السلاح.” وتابعت: “سوريا تفتقر إلى المصداقية لتولي رئاسة المؤتمر.”

وانسحب السفير الاميركي روبرت وود من المؤتمر لدى ترؤس سفير دمشق المؤتمر.

تنديد أميركي واعتراف سوري
٣٠ أيار/مايو

نددت الولايات المتحدة اليوم الأربعاء بقرار سوريا الاعتراف بإقليمين انفصاليين في جورجيا، قائلة إنها تدعم كليا استقلال جورجيا وجددت الدعوة لروسيا لسحب قواتها من المنطقة.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت في بيان: “الولايات المتحدة تندد بشدة بنية النظام السوري إقامة علاقات دبلوماسية مع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين تحتلهما روسيا في جورجيا.”

وأضافت “هذان الإقليمان هما جزء من جورجيا. موقف الولايات المتحدة تجاه أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ثابت.”

وصدر البيان الأمريكي بعد يوم من إعلان جورجيا إنها ستقطع العلاقات مع سوريا بعد تحرك دمشق للاعتراف بالمنطقتين كدولتين مستقلتين.

وتعترف روسيا ونيكاراجوا وفنزويلا وناورو باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين انفصلا عن جورجيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.

وبعد حربهما في أوائل التسعينيات، خاضت جورجيا وروسيا حربا أخرى على الإقليمين في أغسطس/ آب 2008.

ودعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جورجيا في وصف العملية الروسية بأنها استيلاء صريح على أراض.

والأسبوع الماضي، تعهد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بتعاون أمني واقتصادي أكبر مع جورجيا. ودعا أيضا روسيا لسحب قواتها من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بعد حرب 2008 وهي نفس الدعوة التي تكررت في بيان وزارة الخارجية  الأربعاء.

خريطة أميركية -تركية
٣٠ أيار/مايو

نفت وزارة الخارجية الأمريكية الأربعاء تقارير إعلامية عن اتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا على خطة من ثلاث خطوات لسحب وحدات حماية الشعب الكردية السورية من مدينة منبج بشمال سوريا.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة هيذر ناورت في بيان بواشنطن “لم نتوصل لأي اتفاق بعد مع حكومة تركيا.” وأضافت “نحن مستمرون في المحادثات الجارية بخصوص سوريا والقضايا الأخرى التي تهم الجانبين.” وتابعت أن المسؤولين الأمريكيين والأتراك التقوا في أنقرة الأسبوع الماضي لإجراء محادثات بشأن القضية.

وكانت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية قد ذكرت في وقت سابق أن تركيا والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق فني على خطة الانسحاب، وهو تحرك تسعى تركيا لموافقة الولايات المتحدة عليه منذ فترة طويلة.

تركيا غاضبة من الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب إذ تعتبرها منظمة إرهابية، وتهدد بنقل هجومها في منطقة عفرين بشمال سوريا إلى منبج الواقعة على مسافة أبعد شرقا.

ومنبج نقطة ساخنة محتملة. ويوجد في شمال سوريا وجود عسكري للحكومة السورية والمقاتلين الأكراد ولجماعات سورية مسلحة وتركيا والولايات المتحدة.

ونقلت الأناضول عن مصادر حضرت الاجتماعات التي اتخذت فيها القرارات قولها إن الخطة التي سيجري وضع اللمسات الأخيرة عليها خلال زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو لواشنطن في الرابع من حزيران/يونيو تقضي بانسحاب وحدات حماية الشعب من منبج بعد ٣٠ يوما من توقيع الاتفاق.

وأضافت الوكالة أن القوات التركية والأمريكية ستبدأ عملية إشراف مشتركة في منبج بعد ٤٥ يوما من توقيع الاتفاق وستشكل إدارة محلية في غضون ٦٠ يوما بعد الرابع من حزيران.

تفاهم روسي – اسرائيلي
٣١ أيار/مايو

التقى وزيرا الدفاع الروسي والإسرائيلي في  موسكو ليوم الخميس فيما تقدم روسيا دعما غير مباشر لإسرائيل في جهود  لإزالة القوات الإيرانية من جنوب سورية بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

تمكنت روسيا من الإبقاء على علاقات وثيقة مع الخصمين الإقليميين إسرائيل وإيران حيث تقدم دعما عسكريا مثير للانقسام للحكومة السورية في الحرب الأهلية المتعددة الجوانب.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان لنظيره سيرجي شويجو: “إسرائيل تثمن التفهم الروسي لاحتياجاتنا الأمنية سيما الوضع على حدودنا الشمالية”، بحسب بيان صادر عن مكتب ليبرمان.

استمر الأجتماع أكثر من ساعة ونصف وتناول القضايا الأمنية بين الدولتين وجهود إسرائيل “لمنع إيران من إقامة قواعد في سورية”، بحسب البيان.

وكانت روسيا قد طالبت في اليوم السابق بضرورة مغادرة الجنود الأجانب المنطقة المدنية الآمنة بجنوب غرب سورية، القريبة من الحدود الإسرائيلية، بدون ذكر إيران مباشرة.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف للصحفيين في موسكو إن هناك  اتفاقيات دولية تنص على أنه يجب أن تغادر كل القوات غير السورية المنطقة، مضيفا أن روسيا تعمل على هذه المسألة مع الولايات المتحدة والأردن.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي إن إيران  يجب أن تغادر كل أنحاء سورية لأن الصواريخ الإيرانية طويلة المدى تهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

وأضاف نتنياهو في بيان: “لسنا راضون عن انسحاب إيران من جنوب سورية  فقط.”

المعارضة ضد إيران
٣١  أيار/مايو

قال مفاوض بارز من المعارضة السورية الخميس إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم من إيران يفتح المجال لزيادة الضغط على طهران لوقف دعمها العسكري للرئيس السوري بشار الأسد.

وكان نصر الحريري من هيئة التفاوض السورية يتحدث في بروكسل في الوقت الذي أعلن فيه الأسد أن على القوات الأمريكية الرحيل عن سوريا لأن سكان الشرق الأوسط سئموا الغزاة الأجانب.

ورد الحريري على تصريحات الأسد بالقول إن روسيا وإيران تحاربان بالنيابة عن الأسد في الحرب السورية وساعدتاه على استعادة مساحات كبيرة من الأراضي من مقاتلي المعارضة والجماعات الإسلامية. وذكر أن هناك الآن نحو مئة ألف مقاتل إيراني أو مرتبط بإيران في البلاد.

وقال الحريري “دور إيران يكبر شيئا فشيئا على حساب شعبنا. لذا فنحن ندعم أي آلية دولية قد تحجم نفوذ إيران في المنطقة بشكل عام وفي بلدنا بشكل خاص.”

وأجرى الحريري محادثات مع فيدريكا موجيريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بهذا الشأن الخميس. وقال الحريري “في وجود إيران والميليشيات الإيرانية في بلادنا لن يكون هناك حل سياسي تفاوضي. لن يكون هناك حل في ظل وجود هؤلاء الشركاء الأجانب. نبحث عن سبل لإجبار إيران على الخروج من سوريا.”

عودة السوريين من لبنان!
٣١ أيار/ مايو

قال مسؤول لبناني الخميس إن لبنان يعمل مع دمشق على إعادة آلاف اللاجئين الذين يريدون العودة إلى سوريا.

ودعا الرئيس اللبناني ميشال عون وساسة آخرون اللاجئين للعودة إلى “مناطق آمنة” قبل التوصل لاتفاق سياسي لإنهاء الحرب السورية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن لبنان يستضيف حوالي مليون لاجئ سوري مسجل أو ما يقرب من ربع سكان البلاد، وهؤلاء فروا من الحرب في سوريا منذ عام 2011. لكن الحكومة اللبنانية تقدر عدد اللاجئين بأكثر من 1.5 مليون.

ومع استعادة القوات السورية المدعومة من إيران وروسيا للكثير من الأراضي، كثف بعض السياسيين اللبنانيين من مطالبهم بعودة اللاجئين خلافا للرأي العام الدولي الذي يعتبر أن الوضع لا يزال غير آمن.

وقال اللواء عباس إبراهيم وهو شخصية بارزة في الدولة ومدير عام الأمن العام للصحفيين اليوم الخميس “هناك تواصل مع السلطات السورية حول الآلاف من السوريين الذين ينوون العودة إلى سوريا.”

وأضاف “السوريون لن تطول مدة إقامتهم في لبنان. هناك عمل دؤوب تقوم به السلطة السياسية.” ولم يقدم اللواء إبراهيم إطارا زمنيا للعودة لكنه أعرب عن اعتقاده بأن بعض اللاجئين على الاقل سيعودون قريبا.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في بيان أرسل بالبريد الإلكتروني ردا على سؤال لرويترز إنها “على علم بالتخطيط لعدة تحركات لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم… والمفوضية على اتصال مستمر مع المديرية العامة للأمن العام بخصوص هذا الأمر.”

وفي أبريل/ نيسان تم نقل بضعة مئات من اللاجئين من منطقة شبعا في جنوب لبنان إلى سوريا في عملية أشرف عليها الأمن العام بالتنسيق مع دمشق.

وقال سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني في حكومة تصريف الأعمال والذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة المقبلة إن لبنان يعارض العودة القسرية للاجئين.

وقال إبراهيم “نحن بصدد إنشاء عشرة مراكز خاصة بالاخوة السوريين على امتداد الأراضي اللبنانية… لضبط وضعهم الإداري والأمني بالبلد ولقوننة (تقنين) وجودهم في لبنان وليس أكثر.”

تعزيزات وتطمينات وتهديدات
١ حزيران/يونيو

قال مصدر أمني في قوات سورية  الديمقراطية (قسد) إن مدينة القامشلي تشهد توتراً كبير بعد تصريحات  الرئيس السوري بشار الأسد حول تسليم مناطق سيطرة قسد للحكومة السورية، مضيفا إلى أن المدينة شهدت تعزيزات عسكرية كردية.

وأكد المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أن “وحدات الحماية الكردية جلبت تعزيزات عسكرية  كبيرة من قوات مكافحة الإرهاب من مدينة المالكية شمال شرقي محافظة الحسكة إلى مدينة القامشلي مساء الخميس، بسبب التطورات الأمنية في  المدينة وريفها القريب.”

وكشفت مصادر سورية أن ” قياديا في قوات سورية  الديمقراطية من منطقة تل حميس جنوب مدينة القامشلي انشق عن قوات قسد وسلم نفسه لحاجز للجيش السوري في قرية ذبانة.”

وكان الرئيس السوري بشار الاسد قال في مقابلة من قناة “روسيا اليوم”:  “سنتعامل مع قوات سورية الديمقراطية في خيارين الأول هو أننا بدأنا الآن

بفتح الأبواب أمام المفاوضات لأن هذه القوات هي من السوريين، ولأننا  سوريون سنعيش مع بعضنا البعض، والخيار الثاني إذا لم يتم التفاوض سنلجأ إلى القوة، لأنه ليس لدينا أي خيار أخر.”

وحذرت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) الرئيس  الأسد من استخدام القوة ضد المقاتلين العرب والأكراد الذين تدعمهم واشنطن لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم شمال شرقي سوريا.

وقال الجنرال الأميركي كينيث ماكنزي من هيئة الأركان للصحافة: “يجب على أي طرف منخرط في سوريا أن يفهم أن مهاجمة القوات المسلحة الأميركية أو شركائنا في التحالف ستكون سياسة سيئة للغاية.”

وذكّرت المتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت بأنّ الجيش الأميركي ينتشر في سوريا من أجل قتال تنظيم داعش. وقالت في مؤتمر صحافي: “رغبتنا ليست الانخراط في الحرب الأهلية السورية.”

أدنى حصيلة
١ حزيران/ يونيو

سجلت حصيلة القتلى المدنيين خلال شهر مايو (أيار) المعدل الأدنى منذ اندلاع النزاع في سوريا قبل أكثر من سبعة أعوام، رغم مقتل نحو ٢٥٠ مدنياً، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأورد المرصد أن عدد القتلى المدنيين خلال الشهر الماضي بلغ ٢٤٤ بينهم ٥٨ طفلاً ٣٣ امرأة، في حصيلة “هي الأدنى في صفوف المدنيين منذ اندلاع الثورة السورية” في عام 2011.

ويأتي انخفاض الحصيلة مقارنة مع الأشهر السابقة بعدما تمكنت قوات النظام من السيطرة خلال شهر أبريل (نيسان) على كامل الغوطة الشرقية وبلدات عدة في محيط دمشق.

وتمت السيطرة على تلك المناطق بعد هجوم عسكري تزامن مع قصف جوي ومدفعي كثيف، أوقع مئات القتلى من المدنيين. وبلغت حصيلة القتلى المدنيين خلال أبريل ٣٩٥ بحسب المرصد.

وشهدت الجبهات هدوءاً إلى حد كبير الشهر الماضي مع تركز المعارك في جنوب دمشق، حيث تمكنت قوات النظام من طرد تنظيم داعش من آخر جيب تحصن فيه، لتعلن دمشق وريفها مناطق “آمنة.”

ومن بين القتلى المدنيين خلال مايو، قضى ٧٧ منهم جراء القصف الجوي والمدفعي لقوات النظام بينما قتل ١٩ آخرون بغارات نفذتها روسيا، حليفة دمشق. وقتل ٣٩ آخرون في غارات للتحالف الدولي بقيادة أميركية الذي يستهدف جيوب سيطرة تنظيم داعش.

في قاعِ النهر

في قاعِ النهر

لم يتوقف المطر منذُ منتصف الليل، منذ اللحظة التي قرر فيها الذهابَ ومواجهةَ كلّ ماضيه المائي، ومساءلةَ النهرِ عن الغرق الذي لم تنجُ منه سوى الكلمات التي تصطدم ببعضها البعض كخرز السبحات القديمة في أيدي رجال ونساء يتذكرون مساقطَ رؤوسهم كجنات مفقودة. أحسَّ بالماء في عمق جلدهِ، وشعر بالغرق.

كان مركز انطلاق الشمال في حرستا، يضج بالمسافرين الصباحيين وأدلاءِ مكاتب السفر، تقدم رجلٌ يحمل مصبَّ قهوة مرّة.

“المصب كلمةٌ أخرى لها طبعُ الماء” فكرَ.
وشعر بتواطؤ اللحظات مع غرقه الخاص. وكانت القهوة أكثر من مرّة. انتظر ثوانٍ قبل أن يرد على الشاب الذي سأله إن كان مسافراً إلى حلب، ” لا. إلى منبج”. وكانت أول رحلة تنطلق إلى منبج عند الثانية عشرة ظهراً. اقتنع بكلام الشاب ولم يكن يحمل أية أمتعة باستثناء حقيبة يده، جلس في المقعد رقم ٤ وكان الماء يسيل على الزجاج مغرقاً كل شيء كذكرى بعيدة.

أخرج الكتاب الذي خبأ فيه الصورة، وكان من الروايات التي وصلته مؤخراً. تطلع في العنوان.” السباحة إلى المنزل”. وأحس بالغرق من جديد تواطؤٌ آخر في هذا الصباح الغارق في مائه.

منذ البداية، ظنَّ أن الموضوع لن يكون أكثر من صورة  بالأبيض والأسود، وجدت صدفةً بين أوراق قديمة، صورةٌ تمثل لحظةً ضوئية متوقفة وزمناً متجمداً. ملامح توقفت عن النمو، عيونٌ مفتوحةٌ في لحظة إبهار ضوء الكاميرا. تطلع في الطفل  كمخلوق وصلَ من زمن آخر. تطلع في المرأة التي تبتسم و تُجلس الطفل في حضنها، لم يكن قد رآها من قبل. ولم تكن ضمن صور أفراد عائلته، إلا أنه عرفها.

كان يمكن للقصة أن تأخذ نهايتها الطبيعيةَ وتموت في ذاكرته ككل الذكريات، لو أنها بقيت كما أخبره والده منذ زمن بعيد:”عمتك هلالة ماتت عندما كنتَ صغيراً ” لكن حضورَ الصورة الآن، أحضر إلى ذاكرته الطفولية كلَّ الهمساتِ المتبادلة بين أمه وقريباتها: “جنوا عليها” وتنتهي حدودُ الذاكرة بأصوات خفيفةٍ حبيسةٍ وأسىً مكتوم.

وقال في نفسه:

“هلالة المفلح، عمتي، أخيراً رأيتكِ”.

لم يتوقف عن القراءة إلا في حمص، في الاستراحة على الطريق السريع وضع الصورةَ حيث انتهى. باتت تشكل دليلَه. والمطر صار أكثرَ كثافةً.
عند الساعة الواحدة ظهراً وصل إلى حلب و لم يتوقف المطر. وأصبحت السباحة في منتصفها. في مركز انطلاق هنانو لم يجد أيَّ بولمان يتجه إلى الشرق. لم يدم شعورُه بالخديعة طويلاً، وذهب باتجاه كراج الهوب هوب.

لم تكن المسافةُ تزيد عن الساعتين، هكذا تذكر منذ آخرِ زيارةٍ له إلى بيت عمه. لكنه لا يذكر متى حدث ذلك. بعد الطوفان، أم قبل أن يباشر نوح ببناء سفينته. لا يتذكر إلا أن باص سكانيا الضخم الذي احتل فيه مقعداً متقدماً، بدا له كسفينة نوح.  

والركاب بدوا له غرقى بما فيهم نوح والناجي الوحيد هو ابنه.
كان السائق يحمل نفس الاسم. “تواطؤٌ آخر”.

بعد ثلاث ساعات رسا الباص الضخم في ساحة البطة الغارقةِ في ضوء باهت ومياه خضراء. ولثلاث ساعات لم يرغب بالقراءة، بل فتح كلَّ جلده لتلقّي ذلك السيل من الكلام المختلط الممزوج بالسباب والضحك ورائحةِ المازوت ورائحة الدجاج المشوي. أحس حقيقةً أنه غريقٌ بين غرقى أحياء.

نزل نصفُ الركاب واستغرق نزولهم أكثرَ من عشرينَ دقيقة. وتابع الباص إلى مرسى آخر. وكانت زخات من المطر بدأت بشكل خفيف إلا أنها أصبحت أقوى عندما غادر الباص وكان الليل الفضي قد بدأ. وقرر عدم الذهاب إلى بيت عمه، فالوقت أصبح غيرَ ملائمٍ، خصوصاً أنه لم يخبرْ عمه أو أحد أبنائه بقدومه إلى منبج. ولأنه أصبح مبتلاً حتى العظم وهو ينتظر مرور سيارة أجرة. قاده السائق إلى فندق مدينة منبج. كان الفندق نظيفاً من كل شيء حتى من النزلاء. في البهو الذي أُنير لأجله، طلب فنجاناً من القهوة ودخن سيجارتين وصعد إلى غرفةٍ في الطابق الثالث مطلةٍ على الشارع. كانت الغرفة دافئةً، فقد تم تشغيل المكيف قبل صعوده لكن المياه لم تكن ساخنة، طلب موظفَ الاستقبال الذي أخبره بضرورة الانتظار قليلاً، وأحسّ بأنه بدا للموظف كضيفٍ طارئ. من النافذة لمس الهدوءَ الأسودَ الماطر يخيم على الشارع، ونزل إلى الصالة. سأل موظفَ الاستقبال إن كانوا يقدمون طعاماً. لم ينفِ الموظف إلا أنه نصحه بأن يذهب إلى مطعمٍ ليس بعيداً يقدم أكلاً لذيذاً. في المطعم طلب نصفَ فروجٍ مشويّاً وأحسّ بأنه مازال في سفينة نوح من طراز سكانيا.

في الغرفة بقي تحت تأثير مزاجه الرائق الذي دام من لحظة خروجه من حلب حتى الآن. وأعاد في ذهنه رؤيةَ المسرحية المتقنة التي قام بها بائعا البسكويت في الباص، أخذ حماماً ساخناً واندس عارياً في الفراش . فتح الكتاب. ظهرت الصورة وعاوده الغرق من جديد.

أحس بالكلمات تطرق رأسه. كان يدرك ذلك فعندما تأتي وتريد أن تسيل على الورق يشعر بها في أصابعه. إلا أن تعبه وعدمَ نومه جعلاه غيرَ قادرٍ على الكتابة مع شعوره بأنه إن لم يكتب وإن لم يسمح للكلمات بالخروج لن تعود أبداً. تطلع في الصورة، كان غرقه الآن عظيماً ولم يستطع كبت رغبته في التدفق. على ورقة صغيرة كتب جملةً واحدة ستكون دليله أيضاً: “بتُّ غريقاً يحيا في ماء”. ونام.

لم يدم نومُه سوى لحظات، أو هكذا فكر عندما فتح عينيه في صباح غائم متأخر. في مطعم الفندق أحضر له موظف الاستقبال فنجانَ قهوة وأبدى وداً ظاهراً كتعويض، تبادلا بعض الكلمات عن أحوال المدينة والطقس، وأخبره بأنه قادمٌ من دمشق في زيارة عائلية وليس من الباحثين عن استثمارٍ في زراعة القطن الذي نما في السنوات الأخيرة رغم إعجابه بالفكرة. لاحظ الموظف وجودَ الكتاب ، فسأله إن كان صحفياً، قال إنه قارئ  وإنه، مشيراً إلى الكتاب، سلاحُه ضدَّ الوقت. ابتسم الموظف وقد أعجبته الفكرة وسأله إن كان من منبج؟ ابتسم بدوره وأخبره بأنه ولد على ضفاف الفرات. تناول فطوراً خفيفاً وخرج.

كان الوقت قد تجاوز الظهر عندما وصل إلى بيت عمه. أثار قدومُه المفاجئ موجةً من فرح ضربت البيت الريفي المكوّن من طابقين وسور وبوابةٍ عريضة وصفٍ من أشجار الأكاسيا العارية في مثل هذا الوقت. كان أصغرَ أعمامه ويكبر عمتَه هلالة بأربع سنوات، وكان ستينيّاً متقاعداً أمضى سنواتٍ طويلة في المحلج الحكوميّ. أبدت زوجةُ عمه فرحاً مضاعفاً بقدومه بدا من خلال ضحكة عينيها وبدئها الفوري بإعداد الطعام.

بعد مضي الوقت المليء بالكلام الأوليّ والاستفسارات عن الأحوال والأسئلة الطبيعية، الوقتِ الطويل المتقطع بابتسامات وفرح فطري، وصلا إلى الصمت. هل ثمة كلامٌ يجب أن يقال؟ لم يجد من الملائم البدءَ في طرح أسئلةٍ أو حتى الحديث عن زيارة غير متوقعة. كان ذلك سيكون كسراً للفرح وإجحافاً لم يستطع البدءَ به. إلا أنه وعن قصد وضع الكتاب على الطربيزة في نقطة قريبة في المدى المجدي لنظر عمه.

طبيعياً بدا الأمر. حمل عمه الكتاب. توقفت عيناه على العنوان. ضحك أول الأمر. انقبضت عيناه قليلاً بشكل غامض. فتح الكتاب. وكانت الصورة.

بدت اللحظاتُ وكأنها لن تنتهي، عمرٌ كامل من التحديق، هل مرّ قرن؟ مئةُ ثانية؟ النظرة، الصمت الصاخب، والوجيب؟ أخيراً، متشبثاً بالصورة، انقطعت النظرة وبدأ الكلام:

“هذا أنت… بالـ 74 . في ساحة باب الفرج، في حلب. كانت واحدةً من الزيارات الألف إلى الوزارة ومديرية الطابو والعقارات. تركتُك معها في ساحة باب الفرج ولم تكن تنزلكَ من بين ذراعيها لحظةً واحدة. خشيتْ أن تضيع. لكن في النهاية هي من ضاعتْ، كلنا ضعنا. هي، أبوك، أنا وكل الناس الذين بحثوا عن حقوق غُمرتْ في المياه.”

صمتَ قليلاً كمن يستعيد نفْسَه، وكان صمتُه محتقناً كبحيرةٍ خلف سد، انهار السد وبدأ يروي القصة من أولها. وبداية وصولِ الخبراءِ الأجانب مع مساطرهم الطويلة ومناظيرهم البعيدة وأجهزة المساحة. وكيف بدؤوا بقياس الأرض وعبورِ النهر شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً.
“كان الحديث عن جنة قادمة إلى المنطقة وعن ازدهار وعمل وكهرباء ونقود وماء محمولٍ بالقنوات يروي الناس والأرض.”

“لقد بدأ ترويضُ النهر” كانوا يقولون.
“فرحنا في البداية وبدت المنطقةُ وكأنها على موعدٍ في الفردوس. أليس الفرات أحد أنهار الجنة؟ إلا أن ما حصل لاحقاً كان رحيلاً غجرياً وتهجيراً إلى الرمل، للبشر والحيوات والذكريات عندما بدؤوا تفريغَ القرى التي ستختفي إلى الأبد.”

“كنّا من بين العائلات القليلة التي رفضتْ العملَ في مشروع السد، وكان جدكَ قد أدركَ، بشكلٍ غامض، أنه رغم المنفعة التي سيحملها السد، إلا أن حقوقنا نحن سوف تضيع. استشفَّ ذلك من الكلام الخالي من الدفء من أفواه المسؤولين وزوارِ المنطقة، وبالفعل لقد كان أهالي المنطقة يعملون نهاراً في المشروع ويعودون مكسورين إلى بيوتهم المرتجلة وكأنهم بدؤوا بحفر قبورهم.”

كانت الصورةُ تلوح في يده مع كل موجةٍ كلامية. لم يتركها وتابع فيضانَه:

“بدأنا بإعداد وثائق الملكية وحضِّ الناس على تصوير وثائقهم، وهلالة.” كانت عيناه على الصورة الآن. توقف عن الكلام لثوانٍ، ثم بدأ هادئاً كنهر صيفيّ:

“هلالة كانت متعلمة. لقد أصرّ جدك على تعليمها وكانت مدللتَه وآخرَ عنقوده، لكنها كانت قويةً وحادةً كنهر، وكانت مع كلِّ زيارة وفد إلى القرى المحيطة بالنهر، تجمع النساءَ والأطفالَ حاملين صكوكَ ملكياتهم وأوراقَ الطابو، ويقفون على مرأى من تذمرِ المسؤولين ووعودهم. وعندما رُحِّلنا وبدأت تلك الجولاتُ الطويلة والزياراتُ إلى حلب وحتى دمشق، أصرت هلالة على الذهاب. لكن المياه أتتْ بعد ذلك لتغرقْ كلَّ شيء الأرض والقرى والحقوق.”

أخذ نفسَاً طويلاً، وتابع:

“سكنا في خيام وبيوت طينية تطلُّ على الماء، وتكررت زياراتُ الوجهاء والمسؤولين، يتناولون الطعام ويتسابق الأطفالُ لصبِّ الماء على أيديهم ، يضحكون، يعِدون ويزداد غرقُنا. وكانت عمتك في كل شروق تقف على وجه الماء وتحدق بصمت.

لم أصدق، عندما حملوا جسدَها إلى القرية الطينية. لم أصدق. لقد كانت أمهرَنا جميعاً في السباحة. وكانت تصر أن تسبح يومياً وحيدةً في النهر، وحتى عندما كبرت قليلاً وجاء أحد الشيوخ إلى جدك ليشكو هلالة ويحاول منعها من السباحة، قامت بجمع فتيات القرية وسبحن بثيابهن في النهر. لا أعرف إن كانت غرقت أو أُغرقت. لكننا جميعاً غرقنا. سافر أبوك إلى دمشق، ورحلنا جميعاً إلى منبج.”

توقف عن الكلام ، غاب قليلاً، أتى حاملاً الكثير من الأوراق والصكوك والجرائد القديمة التي تروي كيف ضاعت الحقوق حتى الآن.

أخيراً جاء صوتُ زوجة عمه منهيةً الصمتَ الذابح، فقد تمَّ تجهيز الطعام ووصلت القصة إلى نهايتها.

قاربت الحاديةَ عشرة ليلاً عندما عاد إلى الفندق، مازالت تمطر بتقطعات خفيفة،

“هذه الليلة سيبلغ المنخفضُ الجوي ذروتَه.” قال موظف الاستقبال الذي دعاه لشرب كأس من الشاي وسأله عن رأيه بالمدينة .

“إنها هادئة ككل القرى الكبيرة التي أصبحت مدناً بفعل ازدياد عدد سكانها فقط.”

لم يُدم جلوسَه طويلاً متعذِّراً بكونه قد حجز في رحلة الخامسة فجراً للعودة إلى دمشق، وتمنى له ليلةً طيبة. في الغرفة الدافئة، اندسّ عارياً كعادته في السرير وأنصتَ لدقائق إلى صوت المطر وقد اشتدّ الآن. ترك الكتابَ مفتوحاً، أخذ الصورة. كانت يدا عمته تحيطان ببطنه الصغير، وضع يدَه على بطنه، وعيناها تحدقان بالمصور الذي على الأغلب كان يحاول لفت انتباهه إلى الكاميرا، فابتسمت عمته وخلّد الورق الابتسامة. نظر إلى نفسه الآن عارياً في غرفة فندق غريبة غارقاً بأفكار غريبة أيضاً، هارباً من ضجر دمشق إلى هدوء مائي لم يجده. وسأل نفسه: “ماذا جئتُ أفعل؟ ماذا وجدتُ؟ لقد كنت أعرف بأنها غرقتْ.” وتساءل كيف يكون النهر عندما يطعن المطرُ وجهَه كإبر، حاول أن يستحضر صورةً للفرات، تذكر جسراً خشبياً واطئاً ومياهاً عريضة، وفكرَ …النهر أيُّ تجددٍ أيُّ خلود.

كان صباحاً صاحياً، وقد استعاد حضورَه بوعي كامل، الماء وصل حتى ركبتيه، والنهرُ أمامَه كشريان عظيم. ببطء تقدم في المياه التي ترتطم بالضفة التي أصبحت خلفه الآن، وتعاود غرقَها في مياه أخرى، مسافةٌ قليلة أخرى ويدخل في التيار. كانت الصورة في يد والكتاب في يد أخرى وأصبحتْ عيناه على وجه الماء اللانهائي.

كان انزلاقُه هادئاً بطيئاً، والجذبُ أصبح غيرَ مقاوَم. غابت الأرض من تحت قدميه وابتلعه التيار المندفع إلى الوسط والأمام، كان يدور الآن في دوامات مائية داخلية، أغلق عينيه بشدة ومارس ضغطاً على جفنيه وفمه رافضاً ابتلاع الماء الذي ابتلعه ولا يريد أن يفقد آخرَ رصيدِه من الهواء. في اللحظة التي أدرك فيها غرقَه، صرخ فاتحاً عينيه. كان وسْطَ مياهٍ مغبرَّة إلا أن التيار أصبح أقلَّ حدةً، شعر بذلك وقد لاحظ هبوطَه البطيء ممسكاً الصورة والكتاب. صرخ مرة أخرى وفتح عينيه، صرخ وصرخ من جديد والماء لم يدخل فمه ويستطيع أن يرى: “أنا حي، أنا حي وحر.”

كان سقوطُه بطيئاً كمن يسقط بمظلة فوق سطح القمر، لم يكن للتيار أيَّ تأثير الآن وأصبح يتنفس كسمكة. على القاع الحريري للنهر كانت خطواتُه أكثرَ طولاً، لاحظ عدمَ وجود أعشاب، كان القاعُ مقفراً. في البعيد لاحظ أسواراً حجرية لبيوت كأنما ضربها زلزال. دار حول البيوت، مرت أسراب سمك من جانبه، لم تعره أيَّ اهتمام ظانةً بأنه سمكةٌ أخرى لكن بزعانف أكثر طولاً. شعر بحركة غريبة خلفه، تلفت، لم ير أحداً. بعد قليل وفي بقايا ساحة مهدمة، انتصبت أمامه كعروس، ثابتةً في مكانها كنصب. وشعرُها كجذور سوداء تغصّنت.

“عمتي” . صرخ واندفع باتجاهها وقد عاد طفلاً كما في الصورة، ضمته واضعةً يدها فوق بطنه:

” لقد كبرتَ؟”

“لا . لم أكبر. وأنت لم تموتي كما قالوا لي؟”

“لا لم أمت. لقد كذبوا عليك. ألا تراني أتكلم وأضحك؟ روحي في النهر فكل الذين يأخذهم النهر تبقى أرواحُهم في قلب النهر ولا يموتون أبداً.”

“رأيتكِ كثيراً في أحلامي . هكذا مثلما أنت الآن. وعدّتُ إليك.”

“ماذا تحمل؟ ماذا أحضرتَ لي؟”

“إنها الصورة. هي من دلتني إليكِ. وكتاب هديتي لك.”

“تعال. سأريك أصدقائي وكلَّ من تسكن أرواحُهم النهر. وهذا العالمَ الذي نعيش فيه. لكن يدك باردة!”

وأخذته إلى أعماقٍ أقل،  حيث أعمدةُ الضوء تخترق الماءَ كأضواء مسرح، ثم غاصا عميقاً، ولم يشعر حتى بأنه يغوص، كان يطير معها كعصفوريْ ماء. ومرّا على السفوح المائية، على التلال القديمة التي تعرت وانكشفت عظامها الحجرية. مرّا فوق البيوت التي فقدت سماءها، وعبرا الأبوابَ المفتوحة أبداً للرياح المائية والشبابيك التي بلا أُطر. ومرّا برجال ونساء كثر وعندما سألها عنهم قالت له بأنهم أبناء النهر.

“هل هم حزانى”

“لا. إنهم يحزنون فقط لأنهم يشعرون بحزن من فقدوهم.”

وكانت تروي قصصهم، من أول نزولهم، الكثير من القصص وكلها لها نفس البدايات الحزينة، إلا أنهم مع الوقت يصبحون من هذا العالم ولا يغادرونه أبداً. وصلا إلى منطقةٍ بعيدة، ولاح في الأفق المائي حبلٌ أحمر. توقفت وطلبت منه أن ينظر باتجاه الحبل. قالت له هذا هو الخط الذي يفصلنا عن الغرق. لا أحد يتجاوزه. إنه قريبٌ من جسد السد. وعندما يفتحون إحدى البوابات يتشكل تيارٌ قوي يجذب كلَّ شي، ولا يستطيع أحد مقاومتَه، ويغرق. في تلك اللحظة لم يعرف كيف أُفلتتْ يدُه من يدها. وبدأ يبتعد وأصبح قريباً جداً من الحبل، أحس بالعرَق ينز من جسده، بدأ بالصراخ وقد أصبحت عمتُه بعيدةً، فتح عينيه، كانت الرؤية مغبرّة. صرخ مجدداً تمسك بحبال من ماء وكان ينزلق بقوة باتجاه هوةٍ يجهل عمقها. وصله صوتُها أخيراً، تمسك به كحبل. شدته إليها. احتضنته. عندها خرج صوته: “لا أريد أن أغرق.” سبحا باتجاه منزلٍ بلا سقف إلا أن جدرانه كانت مليئةً بصور ملونة. جلسا فوق صخرة. ثمة رجل يضحك ويحمل كاميرا معلقة في عنقه ، أجلسته في حضنها ، وضعت يدها فوق بطنه، والمصور يحاول جاهداً لفت انتباهه إلى الكاميرا، أخيراً لمع ضوء فلاش الكاميرا. وأيقن بأنه أصبحَ غريقاً يحيا في نهر.

ابو شجاع يروي لـ “صالون سوريا” كيف حرر ٥٠٠ من قبضة داعش

ابو شجاع يروي لـ “صالون سوريا” كيف حرر ٥٠٠ من قبضة داعش

إعداد وتعليق: لامار اركندي

تصوير: جوان تحلو

لا يفارق أبو شجاع دنايي محرر المختطفات الإيزيديات هواتفه المحمولة، وهو يتحرك بسرية وبسرعة تامة بعيداً عن أنظار تنظيم داعش. ينسق بين مجازفي شبكة التحرير التي أسسها، في مدن سورية احتلها التنظيم، الذي سيطر مسلحوه على سنجار في العراق صيف 2014، وسبى أكثر من 7000طفل وامرأة نقلهم في شاحنات من الموصل إلى سورية.

تنهال عليه في كل لحظة عشرات الرسائل والمكالمات الهاتفية، من أهالي الأسرى لدى التنظيم، بعد نجاح الشبكة في تحرير أكثر من 500 طفل وامرأة، ومنهم رغدة التي بيعت أكثر من 16 مرة في الرقة، ودير الزور، والميادين.

عمليات تحرير الرهائن مغامرة وتحدي للموت ومجازفة خطرة، لكنها تمكنت من تحرير عشرات المختطفين، ممن كانوا ضحايا حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

سوريا في أسبوع، ٢٨ أيار

سوريا في أسبوع، ٢٨ أيار

دمشق تستعيد أطرافها
٢١ أيار/مايو

بعد معارك مع تنظيم “داعش” منذ نيسان (أبريل)، استعاد الجيش السوري منطقتي الحجر الأسود ومخيم اليرموك، ليعلن استعادة السيطرة على دمشق والمناطق المحيطة بها وذلك لأول مرة منذ بداية النزاع في سوريا.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان الأحد أن اتفاق استسلام قد تم ليتم نقل مقاتلي “داعش” إلى شرق سوريا لكن الإعلام الرسمي نفى ذلك. يذكر بأن الربع الأول من العام الحالي شهد معارك طاحنة في الغوطة الشرقية راح ضحيتها آلاف المدنيين واستعاد خلالها الجيش السوري السيطرة على كامل الغوطة الشرقية

وقد اتسعت سيطرة النظام على الجغرافيا بشكل كبير وانكمشت مناطق سيطرة المعارضة إلى منطقتين واسعتين في ريف حلب وإدلب في الشمال الغربي ودرعا والقنيطرة في الجنوب الغربي. بينما تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على الشمال الشرقي مدعومة من قوات أمريكية وفرنسية.  (رويترز)

الجنوب والجبهة القادمة
٢٤ أيار/مايو

نقلت قناة الميادين التلفزيونية اللبنانية عن فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري قوله الأربعاء إن الجيش قد يتجه صوب الشمال أو الجنوب بعد أن هزيمة المجموعات المسلحة حول العاصمة دمشق. وكانت حشود من القوات السورية تقدمت باتجاه درعا في الجنوب، وقد ألقى الطيران السوري منشورات تدعو الفصائل المسلحة للتسوية/الاستسلام. وقد هددت الولايات المتحدة يوم الجمعة باتخاذ إجراءات حازمة على أي انتهاكات لقوات النظام لمنطقة التصعيد في الجنوب بوصفها ضامناً لها مع روسيا والأردن.

وترتبط الجبهة الجنوبية دائماً بدور إسرائيل في النزاع وهجماتها المتكررة على مواقع عسكرية تابعة للجيش السوري أو حلفائه خاصة إيران وحزب الله. وكان آخر هذه الهجمات يوم الخميس على مطار الضبعة السوري قرب القصير في حمص. وذكرت وكالة الأنباء السورية أن المضادات الأرضية تصدت للهجوم لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان أكد وقوع إصابات.  وكانت إسرائيل قد تفاخرت بأنها أول من استخدم طائرة إف 35 الأمريكية في مهمات قتالية وتم استعراض إحدى هذه المهام في سماء بيروت.

وتدخل المنطقة الجنوبية وسط التجاذبات حول الوجود الإيراني خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي كان من بين شروطه على إيران خروج القوات الإيرانية من سوريا ووقف دعمها لحزب الله للتفاوض حول اتفاق نووي جديد بعد انسحاب أمريكا منه.

الجولان إلى الواجهة
٢٤ أيار/مايو

برز خلال الأسبوع الماضي ضغط إسرائيلي على إدارة الرئيس ترمب للاعتراف بسيادتها على الجولان المحتل، والذي جاء في تصريح لوزير المخابرات الإسرائيلي يسرائيل كاتس. ويتم ربط هذا الاعتراف باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها مما أثار موجات غضب دبلوماسية وشعبية في العديد من دول العالم. وكان يوم نقل السفارة قد شهد مقتل عشرات المتظاهرين الفلسطينيين وجرح الآلاف برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء احتجاجهم على الخطوة الأمريكية. (رويترز)

بالرغم من أن اعتراف ترمب بسيادة إسرائيل على الجولان لا يحمل أي قيمة قانونية دولياً إلا أنه يصعد من التوتر في المنطقة ويعزز فرص النزاع على نطاق أوسع.

احتلت إسرائيل هضبة الجولان في حرب عام 1967 وأعلنت ضمها في 1981 ونقل إليها المستوطنين، وحاولت سوريا استعادة الجولان المحتلة في حرب عام 1973 لكن تم إحباط الهجوم. ووقع الجانبان هدنة في 1974 وساد الهدوء الحدود البرية نسبيا منذ ذلك الحين. وهي تعد منطقة استراتيجية لإطلالها على شمال فلسطين وعلى دمشق بالإضافة إلى خصوبة تربتها وغنى مواردها المائية.

تنسيق روسي- فرنسي
٢٤ أيار

ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس أن بلاده وروسيا تريدان إنشاء آلية تنسيق بين القوى العالمية للبحث عن حل سياسي في سوريا.  وقال ماكرون إن فكرة الآلية تقوم على تنسيق الجهود التي تبذلها عملية آستانة والتي تتألف من روسيا وتركيا وإيران و”المجموعة الصغيرة” التي شكلتها فرنسا وتشمل بريطانيا وألمانيا والأردن والولايات المتحدة والسعودية.

وأفاد ماكرون بأنه وبوتين اتفقا على ضرورة التركيز على وضع دستور جديد وإجراء انتخابات تشمل كل السوريين بمن فيهم اللاجئون.

الاشتباك شرقاً
٢٧ أيار/مايو

ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن تنظيم “داعش” هاجم موقعاً عسكرياً قرب مدينة تدمر في البادية السورية، ما أدى لمقتل حوالى ٢٦ فرداً من الجيش السوري وفصائل مدعومة من إيران، مستخدمين مهاجمين انتحاريين ومركبات مدرعة في الهجوم.

وجاء الهجوم بعد يوم من طرد قوات النظام لمسلحي داعش من منطقة الحجر الأسود ومخيم اليرموك. وتسيطر داعش حالياً على منطقتين صحراويتين محاصرتين في شرق سوريا. وكان قد تم طرد التنظيم من معظم مناطق وادي نهر الفرات العام الماضي. (رويترز)

نقلت وكالة إنترفاكس يوم الأحد عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن أربعة عسكريين روس قتلوا في معركة في دير الزور بشرق سوريا. وذكرت الوزارة أن القتال اندلع بعد أن هاجمت عدة مجموعات من مقاتلي المعارضة بطارية مدفعية تابعة للجيش السوري. وقُتل مستشاران عسكريان يوجهان نيران البطارية على الفور. وأصيب خمسة عسكريين ونقلوا إلى مستشفى عسكري روسي. وتوفي اثنان منهم متأثرين بجراحهما. كم ذكرت الوكالة نقلا عن الوزارة أن ٤٣ مسلحاً قُتلوا في نفس المعركة. (رويترز)

ذكر الإعلام الرسمي السوري أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة استهدف مواقع للجيش في البوكمال وحميمية  في ساعة مبكرة من صباح الخميس دون وقوع خسائر بشرية، لكن الجيش الأمريكي نفى أي علم له بشن ضربات.

وفي هذا الإطار قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن مسلحي الدولة الإسلامية كانوا يقاتلون يوم الخميس القوات الموالية للحكومة السورية إلى الغرب من نهر الفرات وقوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية للنهر مساء يوم الأربعاء. وأضاف المرصد أن ضربات التحالف التي وقعت يوم الخميس أسفرت عن مقتل عدد من المسلحين الموالين للنظام من جنسيات غير سورية.

إهانة روسية تربك دمشق
٢٧ أيار/مايو

اتهم موالون لدمشق موسكو بـ”صناعة الإرهاب” في سوريا و”إهانة اللباس العسكري السوري”، ذلك ردا على ما أكدته القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا حول قيام الشرطة العسكرية الروسية المنتشرة جنوب دمشق باعتقال عناصر من قوات النظام السوري، على خلفية ضبطهم يرتكبون انتهاكات بمناطق انتشارها بمحيط دمشق.

وأفادت قاعدة حميميم الروسية على صفحتها في فايسبوك أمس أنه “تمكنت الشرطة الروسية في جنوب العاصمة دمشق من إلقاء القبض على عدد من عناصر القوات الحكومية السورية بعد محاولتهم نهب وسرقة ممتلكات المدنيين”. وتابعت ردا على أسئلة من موالين لدمشق: “سيتم التعامل بالقوة مع أي تمرد من قبل الأفراد المتورطين بانتهاك القانون ومن يساندهم في المناطق التي تم تحريرها بمشاركة من القوات الروسية.”

وجاء ذلك في رد للقناة على استفسار من أحد عناصر قوات النظام مرفق بصور تظهر عناصر شرطة روسية وهم يعتقلون عناصر من قوات النظام كانت قد انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي ما إذا كانت تلك الأنباء والصور صحيحة، وما إذا “كان قرار إيقافهم صدفة أم ناتج عن قرارات عليا.”

من جهته، قال مصدر عسكري تابع للنظام السوري: “من ظهروا في هذه الصور ليسوا جنوداً من المؤسسة العسكرية على الإطلاق، ولا ينتمون إليها، وهم مطلوبون للأجهزة الأمنية.”

!حمص التي لا تشبهني

!حمص التي لا تشبهني

بعد غياب أعوامٍ، تجوّلت في شوارع حمص، التي كنت أحفظ أدق تفاصيلها. كنت أطوفها بسيارتي، قبل اندلاع الثورة، كل يوم مرة أو مرتين، أثناء ذهابي وعودتي من عملي، وكنت أتسوق حاجياتي من لباس ومأكل وبقية متطلبات المنزل قاصدةً كلّ أسواقها، البعيدة منها والقريبة، الحديثة “المودرن” منها والشعبية، وصولاً إلى “البسطات” المنتشرة في منطقة الساعة القديمة، والتي منعها المحافظ السابق، المغضوب عليه من قبل أهلها، إياد غزال، في فترة ما قبل الثورة.

اليوم، لا شيء يشبهها؛ شعرت باغترابي وغربتي عنها. لعله الزمن الذي بدأ يمحو تفاصيل المدينة من ذاكرتي، أو لعلّني أنا من تعمّدت القطع معها ونسيانها، بعد تتابع الخيبات، وتتابع التدمير والتهجير. أو أن رفضي للتقسيم الطائفي حينها هو ما دفعني إلى رفض المدينة، ومغادرتها؛ فقد قُسمت حمصُ بالدبابات والحواجز، ولا يمكنك اجتيازها دون التأكد من أن طائفتك تتناسب مع الحي الذي تقصده.

هذا المشهد، الطائفي، تغير اليوم؛ لا حواجز طائفية، ولا تقسيمات، ولا حساسيات حتى. عاد مشهد الحياة الطبيعية، أو كما اعتدنا تسميته بالتعايش، إلى أحياء المدينة المأهولة منها. أبو محمد صاحب محل في حي كرم الشامي يعزّي نفسه بأنّ الوضع أفضل منه قبل 2011، من ناحية الحساسيات الطائفية، وأن جميع سكان المدينة خبروا خطورة ذلك، ويرغبون بالعيش بسلام. منطقي ردّه، ففترة الثورة، بما تعنيه من أحلام ورغبة في التغيير كانت قصيرة، سنة أو سنة ونصف، قبل أن يتمكن النظام من إرغام المقاتلين على التمركز في الأحياء القديمة، وتحويل الثورة إلى حرب استنزاف، وتهجيرٍ وتدميرٍ شامل لتلك المناطق، وانكفاء سكان الأحياء الغربية عنها.

رغم تراجع الحساسيات الطائفية الملحوظ لي، ما زلت أشعر بالغربة. الحقيقة أن من أشعل الحساسيات الطائفية، هو نفسه من أخمدها؛ لم يعد له من حاجة إليها، فقد تمكن من السيطرة على كامل المدينة، ومؤخراً أكمل سيطرته على الريف الشمالي، وأعلن عودة حمص ومحيطها بالكامل إلى “حضن الوطن”، وأنّها آمنة! هي بالفعل آمنة بالنسبة إليه من العصيان، وبالتالي لم يعد من حاجة إلى أدوات القتل من قذائف عشوائية، أو حتى تفجيرات في أماكن مكتظة كانت تحصد وتجرح المئات. حتى “الشبيحة”، الذين كانوا الأكثر انفلاتاً في المدينة، تم سحبهم إلى الخدمة العسكرية، بعد انتفاء الحاجة إليهم داخلها.

هي مدينة آمنة بالنسبة للنظام. الأحياء التي صمدت في وجهه سنوات شاهدة اليوم على ذلك؛ الخالدية والبياضة وعشيرة ووادي السايح والسوق المسقوف وجزء كبير من باب هود، مدمرة بالكامل، وخالية من أي سكان، منهوبة بالكامل، ومحروقة الجدران. لم يتبين ما يُبيَّت لهذه الأحياء مستقبلاً، عدا حي الحميدية، ذي الغالبية المسيحية، سُمح بالعودة إليه وترميم بعض مبانيه وكنائسه. لكنّ المرور بتلك الأحياء يومياً يبثّ الرعب في قلوب سكّان بقية الأحياء، ويجعلهم يختارون الصمت، خوفاً من مصير مماثل.

استوقفتُ صبيةً في مقتبل العمر لمساعدتي في الاستدلال على أحد الشوارع الفرعية في حيّ الإنشاءات، صَعُبَ على ذاكرتي المنهكة بتفاصيل سنوات الحرب استحضاره. كان ردُّها مليئاً بالحيوية، بنبرة صوتها وتعابير وجهها وإيماءات يديها، أعادت إليَّ بعض الألفة، وذكرتني بطيبة وعفوية “الحماصنة”، واندفاعهم للمساعدة. شعرت ببعض الارتياح، وتابعت جولتي باتجاه حيّ كرم الشامي، حيث انتقل سوق المدينة إليه. هو أيضاً استفزّ ذاكرتي الحمصية؛ تباع فيه بضائع من حلويات ومشتقات الألبان واللحوم والخضار، كلّها بجودة عالية، وبأسعار أقل من باقي الأحياء، وأقل من نظيرتها في أسواق دمشق بمعدل 15 إلى 25 بالمئة، بما يذكرني بأنّ حمص ما زالت أمّاً للفقير.

المشهد مختلف في سوق الناعورة وشارع أبو العوف والسوق المسقوف؛ أقل من نصف المحال فقط قد فُتِحت، ببضاعة خجولة، وحركة شراء محدودة. الحكومة هي من أرغمت أصحاب المحلات على فتحها، بالترهيب تارةً، وبالترغيب تارة أخرى، عبر تقديم بعض الخدمات المجانية كتعزيل الأنقاض من المحال التي أعيد افتتاحها.

قُدِّمَت هبات مالية لمتضرّري حي الحميدية، عبر الكنائس، من قبل منظمات دينية مسيحية، مما ساعد الكثير من السكان على ترميم بيوتهم والعودة، ليصبح الحيَّ المأهول، أي الحميدية، محاطاً بالدمار من جهاته الأربع.

مظاهر التشبيح في الأحياء الشرقية، ذات الغالبية العلوية، باتت أقل بكثير. صورٌ لآلاف ضحايا الحرب من مقاتلي النظام تملأ الجدران، مقابل آلاف الأرامل والثكالى؛ بعضهن يتعرضن للاستغلال من قبل المسؤولين بسبب الحاجة إلى عمل أو معونة لكفاية قوت الأطفال.

يسود هذه المنطقة حالة من الفقر وتراجع المستوى المعيشي، تلحظها من كمية ونوع البضائع التي تُعرَض في المحال. يقول أحد أصحاب محلات الحلويات في حي الأرمن، إن البيع تراجع كثيراً هذه الأيام، بعكس ما كان عليه في الفترات التي انتعش فيها سوق التعفيش. معظم الشبيحة واللصوص هم من الفئات المهمشة والجاهلة في الغالب، وكل الأموال التي كانوا يجنونها من بيع المسروقات أنفقوها على “ملذّاتهم الشخصية” بالمعنى الحرفي لهذا التعبير، الذي ارتبط بأصحاب الجنح والسوابق في السجون؛ فقد سمحت “الجهات المختصة” بافتتاح الملاهي الليلية في الجزء الشرقي من الحي، والتي سببت إزعاجات للسكان بسبب الشجارات اليومية للمخمورين، والأعيرة النارية. قادة الشبيحة حافظوا على مستوى معيشتهم، وعبر استغلال نفوذهم. مثلاً أحدهم افتتح معهداً لتدريس طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية؛ حيث يتهافت الأهالي لتسجيل أولادهم بمبالغ كبيرة، تحت دعاية قدرة القائمين على هذا المعهد على تسريب الأجوبة إلى الطلاب داخل قاعات الامتحان.

في حي العباسية الذي يتواجد فيه نسبة من السكان الشيعة، أيضاً تراجعت مظاهر المبالغة في الاحتفالات بالمناسبات الدينية، بعد أن كسرت روسيا جبروت إيران في المدينة، عبر إلزام النظام باتفاق الوعر، والذي تضمن ترحيل الراغبين، والإبقاء على من يشاء، بعكس رغبة المليشيات الإيرانية، بإفراغه وتعفيشه، كما فعلت باتفاق حمص القديمة في 2014.

نعم، باتت حمص مدينة وادعة، كما يسمّيها إعلام النظام. لكنها وادعة لدرجة الموت؛ إذ لا أحلام ولا آمال بمستقبل أفضل، بل أناسٌ مُثقلون بصمت الانكسارات، وهمّهم تدبر شؤونهم الخاصة. حمص التي أعشقها هي اليوم مدينة الموت والدمار، مدينة الانكسارات، المدينة التي لا تشبهني!