بواسطة Mohammad Darius | مايو 28, 2018 | Cost of War, غير مصنف
الخفّة
ليس للخفّة مذهب في التعبير الصريح إلا للدلالة على ما لا وزن له إلا قليلا، أي أنها تلتزم منطوق الجسم المادي لتعبر عما لا جسم مادي له أو يكاد، وإذ يرميها النحويون باتجاه النافل واللاقيمة له فإنها تصبح عند شعراء التيه العربي صفة للجسم إذا عشق وهام فخفّ من مُلزمات الحياة =الدنيوية وطار في النسائم، فيقولون : يا خفّة الألم الصغيرة وخفيفة النظرات تُشعل راحتي، وأحيانا يذهبون في هذا مذهب التقليل من الشأن فيقولون: خفيف العقل أي قليله إذا استبدّ الرجل برأيه وطاوع فيه زوجته أو مستشاريه أو ابن صديقه ويقولون: خفّة الروح، كناية عن وجود لا وجود له ولا كثافة في الجسيمات، بل إحساس فاض فطاف.
فكيف إذن نلوي عنق المفردة ونسترشد بها في منطوق الأزمة: الأطراف المتحاربة لا ترى شريكا ذا ثقل وأمانة لتجلس معه على طاولة المباحثات وتقتسم معه قديد التراب وطبيخ الهواء، بل أنهم لا يرون وزنا للجغرافيا بتمامها، بالتلال والأنهار والمحاصيل الباكية، حتى احتاجت هذه الجغرافيا أن تتقسم على الورثة التاريخيين ليعرف المتحاربون أن التراب ينسلّ أيضا من بين الأصابع، فالأدوات خفيفة.
والحلفاء (حلفاء الطرفين) لا يعترفون بالمنزلق الذي انحدرت إليه الصيغة السورية للموت أو على الأقل لا يعترفون به علنا، بل يدعون إلى مزيد من الصمود ومزيد من الدم ما يقود إلى مزيد من القتل ومزيد من الفوات،في أغنية شيطانية لا تنتهي تراتيبها، فالحلفاء خفيفون.
الخفّة في كل ما جرى ويجري، خفّة تشي بانعدام المسؤولية عامة تجاه الدم والدمار، الخفة هي السمة الغالبة لخطابي المهاجمين والمدافعين، بين داخل وخارج ، بين يميني ويساري، بين خفيف وآخر أكثر خفة، خفة في تحليل المآل الذي انطبقت عليه ثورة حتى أصبحت حربا أهلية، وخفة في الدفع المؤجل، ذلك أن هناك كمبيالات آجلة الدفع سندفعها جميعا في قادم الأيام، منتصرين أو مهزومين، للعمامة الفارسية أو للبرنيطة الغربية أو للقلبق الروسي.
وفي هذا تخف الحياة حتى تتلاشى، تحت قذيفة فارغة.
اختلال الصفة
في كلام العرب المقسّم أضرابا أربعة في اسم ومصدر وظرف وصفة، تتخفى الصفة بشرط تحققها، كما يتخفى المطر في جيب السحابة، فلا يقال عن جندي أنه صنديد إذا كان هاربا من معركة تحرير بلاده من غزاته و لا يقال عن صياد أنه خبير إن كان يعود مساء إلى حجر زوجته بسلة سمك مشتراة من سوق المعلّب.
والخلاف ينشأ من إمكانية التحقق من الصفات المطلقة على غارب حروفها في صحافة وتلفاز، فمعارضة وطنية وحكم وطني ونظام جمهوري وأحزاب إسلامية وصولا إلى أمم متحدة وحقوق إنسانية، فالحزب النازي المرفوع على أعمدة الدمار الجغرافي كان ديمقراطيا ومسيحيا أيضا، وحزب البعث كان يلصق شعارا في داخل أمعاء كل مناصر، وحدة وحرية واشتراكية، فأثمرت وحدته حروبا شقيقة وقضت حريته ضربا في المعتقلات المعتمة ونامت اشتراكيته على أحلام الشركاء الحرابيق، وحدها التنظيمات الإسلامية لم تدّع أنها قادمة لنصرة الإنسان أو الجغرافيا، جاءت من الجحيم وترغب بإعادة الجميع إليه، من جاهلية ضيقة وإليها تعود، لكنها أيضا تعيد الحق مصحوبا ببركات مشايخها العظام إلى نصرة للدين وإقامة للعدل وهي من هذا تنصر الكفر وتقيم الظلم في غير مكان.
يقودون اللغة من عنقها إلى حيث تجلد بالأحزمة والسياط وما من سلطة ليعاد التعريف إلى بطن صاحبه أو لاستقدام شرط وجند لغويين يمنعون إطلاق صفة الهبوب على نفخة لا تكاد تزيح ريشة عن كرسي، انظر كيف يستخدم “محلل” سياسي له في أوليات التحليل بضعة أيام قضاها في معتقل ما، انظر كيف يرمي الصفات على عواهن التطييف والتخوين، انظره كيف يقسم الخريطة العسكرية إلى طيبين فينعيهم وسيئين فيقصفهم وهو من كل هذا أمّي حتى في الوطنية وملفاتها.
إنها الصفات المختلة.
الصفيق
جاء في مخطوط معارج الهواء لأبي روز الطواحيني : أتى رجل إلى قاض وشكا أخاً له لا يعطيه نصيبه في إرث ٍ تقادم، فقال له: شاركه فإن فيها بركة، قال: شاركته في قطيع فالإناث له والذكور لي، وفي زرع فالمثمر له والعقيم لي، وفي رطب فالصالح له واليابس لي، قال: شاركه في الصلاة فالنار له والجنة لك.
وفي هذا المثال ما يرمي مثالا عن نوازع السلطة في الحكم، فلا هي تعطي وزنا للشريك / الشعب في السيادة ولا هي تسمح له بالفرار في أرض الله الواسعة، ومن سخرية المنطوق أن في لفظ الشراكة كلمة شرك الذي هو ثقب في الأرض يزرع رماحا وسهاما حادة تنغرز في لحم السائر خلي القلب، الشراكة عند الحاكم الشرقي تعني أن تتحمل وزر الموت بصمت، أن تحمل بندقية لترتكب جريمة في حق أخ آخر لك، الشراكة في استيلاد الدم لا في استنبات القمح، في اختراع العداوات على جناح الطائفة أو الولاء لا على تجارة الحمضيات، شراكة أصحاب المزارع الطازجة التي ترانا أجراء غافلين يحق لها مصادرتنا إذا ارتأت والتضحية بنا على مذبح التخمير الطائفي .
والأسى يتعاظم حين تبحث في شريكك عن مآل العقد الموقع آنفا ، عن الشروط الجزائية وبنود الحق فلا ترى إلا نصالا حامية تجرد حياتك من حياتها، كأننا رهائن لا أكثر وربما أقل، رهائن يهدد بقتلنا في مجالس الأمم، إذا نقص كراء مزارعه أو تهدد محصوله النبيل، رهائن أسمائنا ورهائن طوائفنا ورهائن جغرافيا لا نستطيع منها فكاكا.
شراكة ضيزى وقسمة دم.
المنتهى
سيكونون في الغد القريب جالسين لتقاسم الدم السوري، بعدما استتبت قسمة الجغرافيا على مجلى الأطماع الإقليمية والدولية، سيجلس الجميع مع الجميع حين تقترب الحفلة من نهايتها ليوزعوا المهام النهائية: من سيأخذ بقايا الكعكة السورية، من سينظف صحون العشاء، من سيلملم الفوضى المتروكة تحت الكراسي والسجاجيد الثمينة، وحده السوري الجائع والنازح والمهجّر واللاجئ والقتيل، السورية المطعونة والمهجورة والمبتلية بفقد الزوج والابن، وحده من دفع الثمن السابق وسيدفع لاحقا ارتهانا واحتلالا، من سيجلس آخر النهار على مائدة الذلّ ليلوك طبخة بحص لا طعم لها برائحة حرية كانت لفترة ما قريبة قرب الهواء الجاف الذي نتنفسه الآن.
بواسطة Ibrahim Hamidi | مايو 28, 2018 | News, غير مصنف
التركيز حالياً على «هدنة الجنوب» السوري. هي تقع بين حافتين: أفكار أميركية – أردنية مع روسيا مرفقة بتحذيرات للحفاظ على اتفاق «خفض التصعيد» وتنفيذه بنوده بما في ذلك إبعاد «حزب الله» تنظيمات تابعة لإيران من جهة، وتشجيع طهران لدمشق للذهاب إلى الحل العسكري والتلويح بأسلوب «الأرض المحروقة» من جهة ثانية. وكان لافتاً أمس، إعلان واشنطن موقفاً تضمن مطالبة موسكو بالوفاء بالتزاماتها بموجب بيان الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين العام الماضي.
بعد غوطة دمشق وريف حمص، كان النقاش عن الوجهة المقبلة للمعارك والتسويات في سوريا: جنوب غرب، شمال غرب، شمال شرق. والفرق بين المناطق هو عمق الانخراط الخارجي. اتفاقات «خفض التصعيد» شرق دمشق وشمال حمص حصلت بضمانة روسية ورعاية مصرية، غير أنه في الاتفاقات الأخرى كان هناك انخراط مباشر عسكري ودبلوماسي لدول مجاورة و/ أميركا وروسيا. إذ إن اتفاق «خفض التصعيد» في جنوب غربي البلاد حصل باتفاق روسي – أميركي – أردني بعيداً عن عملية آستانة، فيما يقع اتفاق إدلب ضمن عملية آستانة التي تضم روسيا وتركيا وإيران. أما منطقة شمال شرقي البلاد، فإنها محكومة باتفاق «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي اللذين اعتبرا نهر الفرات خط الفصل بينهما بعد معاركهما ضد «داعش».
رياح الجنوب
تشكل أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء جنوب سوريا إحدى مناطق خفض التصعيد باتفاق أميركي – روسي – أردني في يوليو (تموز). وحاولت قوات النظام العام الماضي مراراً التقدم إلى أحياء سيطرة الفصائل في المدينة وخاضت ضدها معارك عنيفة من دون أن تحرز تقدماً بعد صد «الجيش السوري الحر» المهاجمين.
بعد الغوطة وحمص، الواضح أن دمشق حسمت خياراتها بدفع قواتها وتنظيمات تدعمها إيران إلى الجنوب وشمل ذلك قوات العميد سهيل الحسن المعروف بـ«النمر» والفرقة الرابعة و«لواء القدس» التابع لـ«الجبهة الشعبية – القيادة العامة» بزعامة أحمد جبريل بعد الانتهاء من معارك مخيم اليرموك قبل أيام. كما ألقت مروحيات منشورات، وطبعت على أحد المنشورات صورة مقاتلين قتلى مرفقة بتعليق: «لا تكن كهؤلاء. هذه هي النهاية الحتمية لكل من يصر على الاستمرار في حمل السلاح (…) اترك سلاحك قبل فوات الأوان». وكتب على آخر: «أمامك خياران، إما الموت الحتمي أو التخلي عن السلاح، رجال الجيش قادمون، اتخذ قرارك قبل فوات الأوان».
وحضت منشورات أهالي درعا، التي انطلقت منها «شرارة الثورة» في 2011، للتعاون مع قوات الحكومة ضد «الإرهابيين»، علماً بأن دمشق تصف جميع المعارضين بأنهم «إرهابيون»، وأن مقاتلي الجنوب هم من «الجيش الحر» باستثناء عدد قليل من عناصر تابعين لتنظيمات متطرفة.
وتسيطر فصائل معارضة على سبعين في المائة من محافظة درعا، وعلى أجزاء من مركز المحافظة. وتوجد في المدينة القديمة الواقعة في القسم الجنوبي من درعا فيما تحتفظ قوات الحكومة بسيطرتها على الجزء الأكبر شمالاً، حيث الأحياء الحديثة ومقرات مؤسسات الحكومة.
وبالتزامن مع انطلاق عملية «آستانة» التي قاطعتها أميركا، انطلقت بين واشنطن وموسكو وعمان في مايو (أيار) العام الماضي، مفاوضات لإقامة منطقة «خفض تصعيد» جنوباً أسفرت في يوليو عن اتفاق بين الرئيسين ترمب وبوتين على هامش قمة هامبورغ، ثم جرى التأكيد عليه خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك)، في دانانغ في فيتنام في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وقتذاك، توصل وزيرا الخارجية الأميركي حينها ريكس تيلرسون، والروسي سيرغي لافروف، إلى اتفاق، أُعلِن باسم الرئيسين ترمب وبوتين في 11 نوفمبر تضمّن عناصر، بينها أهمية «خفض التصعيد» في الجنوب باعتباره «خطوة مؤقتة» للحفاظ على وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية بهدف «الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، في إشارة إلى عناصر الميليشيات الإيرانية و«حزب الله».
وكانت وُقعت في عمان، في 8 نوفمبر، مذكرة تفاهم لتنفيذ اتفاق، وتضمنت تأسيس مركز رقابة في عمان لتنفيذ الاتفاق الثلاثي لاحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف، وتحديد خطوط القتال، وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام، وتشكيل مجلس محلي معارض، واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود.
بالنسبة إلى موسكو، فالخطة التي ضمنت تعاوناً روسيّاً – أميركيّاً، تعني القضاء نهائيّاً على «جبهة النصرة» و«جيش خالد» التابع لـ«داعش». وقدمت وقتذاك إدارة ترمب تنازلاً بأنها جمدت البرنامج السري لدعم فصائل المعارضة بتنسيق من «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) في الأردن. ونهاية العام الماضي، أوقف الدعم العسكري والمالي فعلياً لـ35 ألف مقاتل معارض في «جبهة الجنوب».
ومنذ نوفمبر الماضي جرت سلسلة لقاءات أميركية – روسية – أردنية لتنفيذ الاتفاق الثلاثي. حيث جرى تبادل الاتهامات، واشنطن تقول إن «موسكو لم تلتزم إبعاد (القوات غير السورية) بين 5 و15 كيلومتراً في المرحلة الأولى، و20 – 25 كيلومتراً بالمرحلة الثانية. وموسكو التي نشرت بعض نقاط المراقبة ضمن منطقة فصل تلف خط القتال بين النظام والمعارضة، تقول: إن واشنطن لم تلتزم محاربة (النصرة) و(جيش خالد)».
لكن الاتفاق بقي صامداً مع وقف عمليات القصف والعمليات الهجومية. وخلال معارك غوطة دمشق حاول معارضون الاستنفار لـ«نجدة الغوطة»، فجاء الجواب من السفارة الأميركية في عمان برسالة بعثت إلى قادة فصائل «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر»، فيها أن الضربات من الطيران الروسي أو السوري «لا تعني بأي شكل من الأشكال نهاية اتفاق خفض التصعيد الموقع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأردن ولا تشير إلى أي تغيير في سياستنا العامة تجاه سوريا». وتابعت: «كدولة ضامنة لاتفاق خفض التصعيد، لا نرغب بأن نرى النظام يأخذ أراضيكم في الجنوب ونريد حفظ حقكم بالمطالبة بدولة الحرية والعدالة، لذلك نطلب منكم الحرص الكامل على عدم إعطاء النظام وحلفائه أي فرصة للانقضاض عليكم أو يقوم في درعا والقنيطرة بما قام به في الغوطة الشرقية» (قبل انتهاء المعارك). وفي إشارة تحذيرية، جاء في الرسالة: «إذا بادرتم في عمل عسكري ينتهك خفض التصعيد لن نستطيع أن ندافع عنكم، وإن بادر النظام بانتهاك الاتفاق فسنفعل أقصى ما بوسعنا لوقف الانتهاك وضمان استمرار اتفاقية خفض التصعيد».
عرض ـ تحذير أميركي
مع اقتراب التعزيزات إلى درعا وإجراء ميلشيات إيرانية عمليات إعادة انتشار وبث حملات دعائية، بدأ حلفاء المعارضة البحث في الخيارات. وبحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن مساعد نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد عكف في الأسبوع الماضي على صوغ مقترح استمزجه مع دول إقليمية. وتضمن العرض الذي كان مقررا بحثه مع الجانب الروسي: انسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية إلى عمق 20 – 25 كيلومتراً من الحدود الأردنية (علماً بأن الاتفاق الثلاثي نص فقط على انسحاب المقاتلين غير السوريين فقط، في إشارة إلى ميلشيات إيران) للاعتقاد أن إيران جنّدت ميليشيات سورية، نقل مقاتلي المعارضة وأسرهم إلى إدلب شمال سوريا (التقديرات بأنهم نحو 12 ألفاً)، عودة الجيش النظامي إلى الحدود وعودة مؤسسات الدولة إلى درعا، إعادة فتح معبر نصيب بين سوريا والأردن، إضافة إلى تشكيل آلية أميركية – روسية للرقابة على تنفيذ هذه البنود.
والأهم، أن أفكار ساترفيلد، الذي عُيِّن الباحث في مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ديفيد شنكر بدلاً منها، تضمنت احتمال تفكيك معسكر التنف الأميركي في زاوية الحدود السورية – الأردنية – العراقية، الذي تعرض لانتقادات علنية من موسكو. وربط دبلوماسيون بين هذا «العرض» والوجود الأميركي شمال شرق سوريا بعد هزيمة «داعش».
كما حاول مسؤولون أردنيون التواصل مع الجانب الروسي للحصول على «ضمانات» بتأمين الحدود وعدم قدوم لاجئين جدد إلى الأردن، وفتح المجال لعودة لاجئين سوريين إلى بلادهم، في وقت بحث معارضون من الجنوب تداول اقتراحاً تضمن تدمير المعارضة للسلاح الثقيل أو تسليمه إلى دمشق ونشر عناصر من الشرطة الروسية بين حدود الأردن ودرعا بعمق 18 كيلومتراً، إضافة إلى عمل آلاف من مقاتلين معارضين كشرطة محلية وعودة مؤسسات الدولة إلى الجنوب.
لكن مفاوضات داخل إدارة ترمب، رجحت خط وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الجديدين مايك بومبيو وجون بولتن، خصوصاً أن ساترفيلد على وشك ترك منصبه، وربما كي يصبح سفيراً في أنقرة، إذ أعلنت الخارجية الأميركية أمس بياناً تضمن تحذيراً من أنها ستتخذ «إجراءات حازمة ومناسبة»، ردّاً على انتهاكات وقف إطلاق النار، قائلة إنها تشعر بقلق بشأن تقارير أفادت بقرب وقوع عملية عسكرية.
وقالت هيذر ناورت الناطقة باسم الوزارة في بيان: «تشعر الولايات المتحدة بالقلق من التقارير التي أشارت إلى عملية وشيكة لنظام الأسد في جنوب غربي سوريا، ضمن حدود منطقة تخفيف التصعيد التي تم التفاوض عليها بين الولايات المتحدة والأردن والاتحاد الروسي في العام الماضي، وتم التأكيد عليها بين الرئيسين ترمب وبوتين في دا نانغ في فيتنام في نوفمبر. لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على استقرار منطقة تخفيف التصعيد في جنوب غربي البلاد، ووقف إطلاق النار الذي تقوم عليه. ونحذر أيضاً النظام السوري من أي أعمال قد تشكل خطر توسيع دائرة الصراع أو تعريض وقف إطلاق النار للخطر. ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات صارمة ومناسبة رداً على انتهاكات نظام الأسد بصفتها ضامناً لمنطقة خفض التصعيد مع روسيا والأردن». وتابعت: «روسيا مسؤولة على النحو الواجب كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لاستخدام تأثيرها الدبلوماسي والعسكري على نظام الأسد لوقف الهجمات وإجباره على وضع حد لأي هجمات عسكرية مستقبلية. يجب على روسيا أن تفي بالتزاماتها المعلنة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254 ووقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا بحسب ما هو محدد في بيان دا نانغ بين الرئيسين ترمب وبوتين».
انسحابات وتفاهمات
تزامن تجديد الحديث عن سحب الميلشيات المدعومة من إيران من جنوب سوريا والضغط لالتزام «هدنة الجنوب» مع عنصرين: أولاً، استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية وأخرى تابعة لـ«حزب الله» في سوريا، ثانياً، حديث الرئيس بوتين بعد لقائه الرئيس بشار الأسد الأسبوع الماضي عن ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا.
ولاحظ مسؤول غربي أن القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا تزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو «ما يعني موافقة سياسية روسية وميدانية لأنها الجيش الروسي لم يشغل منظومة صواريخ إس – 400 الموجودة غرب سوريا». وأضاف: «كان لافتاً أن روسيا لم تتحرك دبلوماسيّاً بعد الغارات الروسية ولم تنتقد الغارات كما فعلت بعد الغارات الثلاثية الأميركية – البريطانية – الفرنسية على مواقع تابعة للحكومة في أبريل (نيسان) الماضي ردّاً على هجوم كيماوي في دوما عندما نقلت الملف إلى الأمم المتحدة وسط انتقادات إعلامية وسياسية».
أما بالنسبة إلى البند الثاني، يتعلق بكلام بوتين عن «انسحاب جميع القوات الأجنبية» من سوريا، بل إن مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف حدد المقصود بجميع القوات ذاكراً بالاسم إيران و«حزب الله» وتركيا وأميركا، الأمر الذي رد عليه ناطق باسم الخارجية الإيرانية بان وجود إيران بناء على طلب «الحكومة الشرعية»، الأمر الذي كرره بمعنى ما نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد.
واعتبر دبلوماسيون ذلك أنه إشارة إلى شقوق إضافية بين روسيا التي تملك اتفاقات رسمية مع دمشق تشرعن وجود قاعدتي طرطوس وحميميم من طرف وإيران التي سعت ولم تنجح للحصول على صك قانوني يشرعن وجود قواتها في سوريا من طرف آخر، وأن دمشق تحاول الموازنة بين «الحليفين، لكن ذلك يزداد صعوبة مع اقتراب المعارك من مناطق تفاهمت موسكو مع دول خارجية حولها، ما بدا أن دمشق باتت أقرب إلى الخيار الإيراني فيما يتعلق بمعركة الجنوب».
وقال أحد الدبلوماسيين إن الأيام الماضية شهدت «إعادة انتشار» لقوات تنظيمات تابعة لإيران وفق الآتي: «عادت الميليشيات و(حزب الله) بضعة كيلومترات بعيداً من الحدود الأردنية، لكن بقيت أقرب إلى الجولان. إذ إن (حزب الله) تحرك في مواقعه في معسكر البعث وهضبة تل أيوب 4 – 5 كيلومترات إلى بلدتي حمريت ونبع الفوار، كما أن عناصر الحرس الثوري انتقلت من درعا المدينة إلى ازرع لكنها بقيت على جبهات القتال الشمالية، إضافة إلى انتقال لواء القدس الفلسطيني من مخيم اليرموك إلى درعا».
في موازاة ذلك، بعثت دمشق مقترحاً عبر وسطاء إلى دول إقليمية تضمّن: انسحاب «حزب الله» وميلشيات إيران 25 كيلومتراً بعيدا من خط فك الاشتباك من هضبة الجولان المحتلة، وفق ترتيبات تسمح بوجود مجالس محلية في بيت جن وقرى في الجولان المحرر والبحث عن إمكانية إحياء اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974 الذي يتضمن منطقة محايدة ومنطقة منزوعة السلاح وأخرى محدودة السلاح يراقبها نحو 1200 عنصر من «قوات الأمم المتحدة لفك الاشتباك» (اندوف).
لكن في الوقت نفسه تواصل دمشق مدفوعة من إيران تعزيز قواتها وآلياتها إلى الجنوب، حيث تطرح سيناريوهات مشابهة لغوطة دمشق، وقبل ذلك شرق حلب، بحيث تتقدم القوات من درعا إلى معبر نصيب مع الأردن ليتم فصل شرق منطقة اتفاق «خفض التصعيد» عن غربها مع السيطرة على تلال استراتيجية وتكثيف الغارات و«قضم المناطق واحدة بعد الأخرى تحت التهديد بالنار والتسويات». عمليّاً يعني ذلك دفع المعارضة للاختيار بين ثلاثة نماذج: «نموذج دوما» الذي طبق شمال غوطة دمشق، و«نموذج حمورية» في الغوطة التي تعرضت لنهج «الأرض المحروقة»، و«نموذج سقبا» الذي يقع في الوسط بين النهجين.
وتحاول دمشق وضع ذلك تحت غطاء محاربة «جبهة النصرة» أو «جيش خالد» التابع لـ«داعش»، وأن كان اتفاق خفض التصعيد الثلاثي نص على أن ذلك من مسؤولية ضامني الاتفاق، أي أميركا وروسيا، الأمر الذي أكدت عليه واشنطن أمس من خلال بيان الخارجية.
بواسطة Mustafa Taj El Deen El Mousa | مايو 24, 2018 | Culture, Roundtables, غير مصنف
إلى الصديقة العزيزة كندة شريقي حنا.
حارتنا هي صوتٌ عتيق لعجوز، صوتٌ يتلاشى ببطءٍ خلف شاحنة ذاهبة إلى العتمة، سأرحل وبذمتي هذا اليقين الوحيد.
عجوز حارتنا أقدم من كلّ بيوتنا، لا أحد يعرف تاريخها، لكنها، تعرف تاريخنا كلّنا، حتى تفاصيله المملّة، نحن وأهلنا ولدنا على يديها.
الكبار يقولون إنّ لديها يقينيات غريبة تشبه حياتها… أنا لا أحبها، هي غير مؤذية، لكنّنا نخاف منها عندما نمرّ بها وهي على كرسيها فوق رصيفها تدخن كخريفٍ عمره ألف سنة.
اليوم سمعتُ صوتها لأول مرّة منذ سنوات، لا يزال دافئاً كحارتنا، كانت تهذي في الخارج للناجين مصادفة من الحرب:
ـ ابن البدينة… أنا أعرفه جيداً، ذلك الشتاء جعل بناتي جميلات… ابن السكير، اشتقتُ له، بسببه صار الحب في حارتنا أحلى، لأجله كانت تلك الرقصة الساحرة. هل تذكرون ذلك الشتاء؟ أمه لم تحب أباه، أجمل الصبيان أولئك الذين يولدون عن غير حب، الوغد. كسر قلبي في ليلته الأخيرة إلى تسع بنات واثنين وأربعين رسالة، اجلبوه إليّ إن كان حياً، اشتقتُ له، يا كلاااااب… أعطوني سيجارة…
(أبو رسائل) سخرتْ مرّة أختي، حملتُ هذا اللقب طويلاً بين غرف بيتنا.
في بيتنا القديم كان لدينا مكتبة بعدّة رفوف، تسلّيتُ أثناء المراهقة بقراءة كتبها، فصارتْ لغتي جميلة.
في ذلك الشتاء، ذات ليلة.. تسلق خالد حائطنا ليقفز إلى شجرة الأكيدنيا حتى غصنها المحاذي لشباك غرفتي، نقر بسبابته على البلور، فتحته مستغرباً. بقلب منكسر الخاطر همس لي وهو يبكي:
ــ أرجوك… أنا أحب يسرى، ساعدني واكتب لي رسالة حبٍ إليها.
وكتبت لخالد ابن الحانوتي، رسالة حب لـ يسرى بنت الخياطة، بعد مسائين كانت النتيجة جميلة له فأعطاني بضع سجائر. ابن عمه حيان فهم القصة، توسل لي من فوق غصن شجرة الأكيدنيا في مساءٍ بارد آخر أنّ أكتب له رسالة حب لـ هناء.
كتبتُ له متأففاً رسالة جميلة، بعد أيام عرف أمجد قصة الرسالتين، ثلاثتهم تسلقوا الشجرة وأمام شباكي ترجوني أن أكتب لهم رسائل لعشيقاتهم من بنات حارتنا.
وكتبت لهم، بصراحة. كنت أستمتع بكتابة الرسائل للبنات جانب المدفأة، وأوقعها بأسماء الآخرين، هذه الرسائل كانت تشغلني عن متابعة مشاجرات والديّ كلّ ليلة.
في درس الفيزياء الغليظ، كتب لي قاسم على دفتره ملاحظة وناولي إيّاه من أسفل المقعد:
ـــ بـ حياة أمك. اكتب لي رسالة حب لـ سمية. ومساءً نلتقي على شجرة الأكيدنيا…
زفرتُ، خلال أسابيع قليلة صاروا تسعة مراهقين أكتب لهم رسائل لتسع مراهقات، ودائماً، بين الأرض والسماء… على أغصان شجرة الأكيدنيا في المساءات الماطرة، أعطي الأوراق لأصحاب الوجوه النحيلة ذاتِ القلوب المعذبة.
أظنّ أنّ أحدهم كان جاسوساً لمدير الإعدادية الأستاذ خليل، طلبني إلى الإدارة فذهبت وبعد دخولي مكتبه طلب مني ــ بلطف غير معتاد ــ أن أجلس، كان مرتبكاً قال لي بخجل:
ـــ بني… أنا أحب المستخدمة جمانة، الغبية لا تفهم عليّ. أريدك أن تكتب لها رسالة مني… عليها اللعنة، مجرد مستخدمة ومغرورة!
ـــ حبيبي أبو الخل، في الحب لا يوجد مستخدمة أو طبيبة… مهندسة أومتسولة… يوجد أنثى فقط و…
كنت أشرح له فلسفتي في رسائل الحب بعد خبرة أوراق كثيرة، وأنا ألف ساقاً على ساق وأنسل من علبة سجائره فوق المكتب سيجارة و…
ـــ انقلع من هنا يا كلب.
قذفني بصحن السجائر فأسرعتُ لأخرج وأنا أتعثر برِجْلي.
ثمّة ليلة محال أنّ أنساها، كان مطرها غزيراً دونما قمر، أمام بلور شباكي تناثر بصمت على أغصان الأكيدنيا تسعة أشباح. أمامهم كنت جالساً على سريري وفوقي لحاف وأمامي أوراق وأقلام. أتأملهم وأتأمل أوراقي، وفي الغرفة المجاورة مشاجرة مؤلمة بين صلاة نقية لأمي وخمر تعيس لأبي.
صراخ هنا وهناك ثمّة عيون حزينة ، تنتظر أوراقي، مصير روحها معلق بالقلم بين أصابعي، والمطر لا يرحم الوجوه المائلة على الأغصان.
ثمّ، ساعتين ونصف… أفتح شباكي لأعطي المبللين بالماء والحب رسائلهم. يأخذونها بفرح ويمضون لأبقى وحيداً على شباك الحب بلا رسالة خاصة بي، محاولاً فهم عدم انسجام الصلوات النقية مع الخمور التعيسة.
ذات ملل اخترعتُ رسالة حب إلى أمي موقعة باسم أبي ووضعتها فوق قطرميز المكدوس، لم تنتبه، مرّة ثانية كتبتُ رسالة حب من أبي لأمي ووضعتها جانب قنينة العرق، لم ينتبه. فشلتُ بمصالحة صلاتِها مع خمره.
بعد شهرين، نساء حارتنا مع بناتهنّ اجتمعنَ في بيت أم العبد للاحتفال بولادتها، العجوز كانت موجودة تراقب بصمت كعادتها، انتبهتْ لشلة بنات في زاوية بعيدة معهن أوراق يقرأن منها سراً، تأملتهن مطولاً. شعرتْ أنهن جميلات، من يقينياتها الغريبة: البنت لا تصير جميلة إلا عندما تصلها أوّل رسالة حب في حياتها.
نهضتْ ومشتْ إليهن، انتبهن بخوف خبأن الرسائل، انحنتْ عليهن وهمستْ بثقة:
ــ من يكتب لكُنّ؟
لم يتجرأن على الإنكار، كلّ واحدة همستْ بخجل باسم المراهق الخاص بها، أخذتْ العجوز الأوراق ونظرتْ فيها، هي لا تعرف القراءة لكن حاستها بالخطوط قديمة، شهقتْ:
ـــ كلّ هذه الرسائل كتبتها يدٌ واحدة.
والتفتت إلى الخلف، كأنها تنظر إلى الليالي السابقة، تذكرتْ مرورها بضع مرّات من أمام بيتنا، والأشباح المعلقة بصمت على أغصان شجرة الأكيدنيا، ابتسمتْ بخبث وتمتمتْ:
ـ ابن السكير. هو من كتب كلّ هذه الرسائل، ما أحلاه (هزّتْ رأسها بحزن وهي تردف بأحد يقينياتها) أجمل الصبيان أولئك الذين يولدون عن غير حب.
تنهدتْ وانحنتْ على البنات مجدداً، همستْ لهن محذرة:
ـــ لا تخبرن الصبيان أنكنّ قد عرفتن صاحب الرسائل، ليظل ابن البدينة يكتب. إن توقفتْ رسائله سوف تصرن قبيحات، بدون رسائل لن تبقين جميلات..
تلك الحفلة، كلّ بنات حارتنا رقصن، أحياناً رقصات فردية وأحياناً جماعية، الرقصة الأحلى كانت جماعية لتسع بنات، صفقن لها النساء كثيراً وما عرفن سرّها.
البنات حافظن على السرّ، لتمر الأيام الممطرة، وشجرة الأكيدنيا تسجل القمر في أغلب الليالي: غياب، والمتسلقون لا يؤذيهم برد، شباكي تغادر منه أوراق وترجع منه سجائر. وفي الغرفة المجاورة، شجار أمي مع أبي لا ينتهي.
أستمرّ بكتابة رسائل الحب دونما حب، أوقعها بتسع أسماء وأظلّ بعد رحيلهم على شباكي مع السجائر.
بعد أشهر انتقلنا إلى بيت صغير في حارة بعيدة، بعد أن تراكمتْ علينا الديون، جلبنا شاحنة، في ثلاث رحلات نقلنا كلّ إخوتي وصلوات أمي وخمور أبي وأثاثنا.
في النقلة الرابعة والأخيرة تناثرتْ على الشاحنة أشياء غرفتي وكراكيب غرفة المؤونة، مشتْ الشاحنة والمطر يهطل علينا. عبرنا شارع حارتنا، القمر كان موجوداً على غير عادته، صوت الشاحنة كان مزعجاً. وهي تبتعد لوحتُ لها فلوحتْ لي بغصنها شجرة الأكيدنيا، ضيعنا بيتنا القديم، غصة تبتلع الحنجرة، تأملتُ بيوت حارتنا مقهوراً، فجأة. تحت المطر، تسع بنات يخرجن إلى شرفاتهن الصغيرة، ينظرن إليّ… ثمّ، يرفعن أيديهن برسائلي ويلوحن ليّ في بكاءٍ صامت.
خرجتْ من بيتها شبه المهجور إلى الشارع، طاردتْ الشاحنة تحت المطر وهي تدق الإسفلت بعكازها، كانت تصرخ فيّ:
ـــ إلى أين راحل يا ابن السكير؟ ارجع. اللعنة على أمك البدينة… ارجع يا وغد، بناتي صرن جميلات بسبب رسائلك، من سيكتب لهن بعد الليلة؟ لا تقتل قلبي برحيلك يا حقير، ارجع.
عندما جاء الصيف، أختي الكبيرة في المطبخ قالتْ لخالتي بحنق من فوق ماكينة الكبة:
ـــ الله وكيلك، كنا نظن أنّه يدرس في غرفته، بعد رسوبه في الشهادة الإعدادية اكتشفنا أنّه كان يكتب رسائل للبنات. معها حق أن تشمت فينا أم مالك، أبو رسائل، الله يلعنه.
الشاحنة في نهاية الشارع، العجوز وهي تسقط أرضاً قذفتني بعكازها، عكازها وصلني بعد عقدٍ ونصف ليسقط عليّ بهيئة قذيفة في حربٍ لم نعرف من أين جاءتنا.
تمزق كلّ جسدي، اكتشفتُ بعد استيقاظي من القذيفة أن يدي اليمنى خسرتْ خنصرها وبنصرها، أخذوني عبر أنقاض الحارات إلى مستشفى بعيد، قال الطبيب بعد تضميد ثلاثة أرباعي:
ـــ صباح الغد سوف نبتر ساعدك الأيمن. العظم تفتت، جزء من اللحم طارت عنه، أعصاب كثيرة مقطوعة و…
حتى منتصف الليل وأنا أهذي وأتأمل يدي غير قادر على تحريكها:
ــــ إما أن أعيش كلّي أو أموت كلّي.
اقتربتْ الممرضة لتعبث بعامود السيروم، نظرتُ في وجهها، ياااه. حلوة كحارتنا القديمة:
ـــ هل تسمحين لي أن اكتب لك رسالة حب؟ هي أمنية رجل سوف يموت قريباً.
دمعتها بنت مراهقة وعينها شرفة، عجز لسانها عن الرد.
ـــ كتبتُ في حياتي رسائل حب للكثيرات بأسماء الآخرين، أشتهي الآن كتابة رسالة خاصة باسمي.
ـــ لن تموت (قالتْ وهي تمسح على جبيني، ليغني في قلبي قطرميز مكدوس لأمي نسيناه في بيتنا القديم، فحزنتْ لأجله أياماً) مستحيل أن تكتب بيدك أو تحركها.
توسلتُ لها أن تجلب ورقة وقلماً، استجابتْ لملامحي الشاحبة. أدخلتْ بلطف القلم بين أصابعي المضمدة، وتحت يدي بهدوء وضعتْ ورقة، ثم مضتْ.
بيدي اليسرى شبه السليمة، أشعلتُ سيجارة. من الشباك تأملتُ الليل، تأملني الليل ثمَّ ردد لي بصدى مزعج وهو يضحك: سوف تخذلك يدك، أبو رسائل.
أخذتُ آخر نفس من سيجارتي ومن الشباك بأصابعي قذفتُ الليل بها، ثمّ صرختُ بصوت عالٍ: (يالله) وانحنيت.
الكلمة الأولى، تحركتْ يدي اليمنى، أوجاع الأرض تعزف موسيقى غير منسجمة في كلّ جسدي.
دونما إصبعين دخلتُ في السطر الأول، تسعة صبيان يتسلقون على عجل شجرة الأكيدنيا، تسع بنات يسرعن إلى شرفاتهن، كلهم… معاً، يصرخون فيّ: اكتب، اكتب…
دخلتُ في السطر الثاني: أمي وخلفها عشرات المصلين في جامع في العالم الآخر، يلتفتون إليّ، هي وهم ــ من ورائها ــ بصوت واحد يصرخون فيّ: اكتب، اكتب…
دخلتُ في السطر الثالث، أبي وألف مخمورٍ في حانةٍ في العالم الآخر، وهم يترنحون يرفعون كؤوسهم ويصرخون فيّ: اكتب، اكتب…
دخلتُ في السطر الرابع، أنثى جميلة بثياب بيضاء تضمد ما تبقى من حياتي، تهمس لي: ولا مرّة كتب لي أحدهم، لهذا أنا قبيحة، اجعلني جميلة اكتب، اكتب…
دخلتُ في السطر الخامس، واحد وثلاثون شتاءً في حياتي يصرخون حولي كعواء ذئاب جريحة: اكتب، اكتب…
ودخلتُ في السطر السادس.
الصباح يقتحم الغرفة عبر شباكها، يقترب من يدي وقد نزفتْ كثيراً ثمّ يقبلها، كما يقبل حفيدٌ يد جده.
في نهاية السطر السادس من آخر رسالة حب لي، صار صباحي الأخير حفيداً شرعياً ليدي… ابتسمت.
دخلتْ الممرضة، تأملتني. بكتْ، أخذتْ الرسالة من بين أصابعي لتتأمل في سطورها القليلة، جمالها هي. جثتْ جانب السرير.
دخل الطبيب فأسرع إلى ساعدي، فحصه بسرعة ثمّ صاح مندهشاً:
ـــ حال يده صار أفضل، لم تعد بحاجة إلى بتر.
ـــ مات.
قالتْ له بقهر وهي تخفي دموعها خلف رسالتي.
بعد أن دفنتُ، كثرت الأحاديث همساً حول هذا الطبيب.
قالوا إنه قد جنًّ بسب الحرب وأهوالها، كان يحكي دائماً للجرحى، لمرافقيهم، للممرضين، للأطباء، للجدران، لأعمدة السّيروم: عن جريحٍ يعرفه جيداً، مات كله لكن يده ظلّت على قيد الحياة، ويقسم على هذا.
لا أحد صدّقه، سوى ممرضة وتلك العجوز التي تدخن بملل وتبيع الكعك جانب باب المستشفى، وكلما شاهدت طيفي على شاحنة تمرّ بها، تصرخ:
ـــ يا كلااااب، أعطوني سيجارة.
بواسطة سلوى زكزك | مايو 23, 2018 | Cost of War, غير مصنف
دمشق
في الطريق من صحنايا إلى دمشق أذّن المؤذن معلناً وقت الإفطار، المسافة طويلة رغم خلو الطريق من السيارات والحافلات والعابرين، مشهد اعتيادي أن تقفر الطرقات وقت الإفطار! ما الذي يدفع البشر للانكفاء في بيوتهم وخاصة غير الصائمين؟ أهو انصراف السائقين إلى منازلهم للراحة وتناول الإفطار فحسب؟ أم هو اختلال بالوقت واتساق مع عادات صارت عرفاً قائماً ونافذاً؟ في الحافلة الوحيدة المهترئة والممتلئة بالركاب العائدين لبيوتهم بعد نهار عمل طويل صائمون أنهكهم العطش والجوع، يمسحون وجوههم ببرَكة الصوم، يصمتون وعيونهم ترنو إلى مطابخ بيوتهم ووجبة اليوم. كان بيدي عبوة ماء فمنحتها لأحدهم، يشرب بضعة قطرات ويسأل (مين صايم يا أخوان؟) وتدور العبوة على أربعة رجال، يد أخرى تمنحهم عبوة أخرى، وتدور المياه في الحلوق اليابسة.
نستفيق على صوت المسحراتي، طبلته غير شجية، تشز عن الإيقاع المختزن في الذاكرة شاب حديث العهد وطارئ على العمل، كمسحراتي بسروال جينز وقميص نصف كم، تغيب الملابس التقليدية والإيقاع والصوت الرخيم، يغيب الوجه المعروف من أهل الحي. يستفيق الصائمون على رنين جوالاتهم ويصبح حضور المسحراتي مجرد بروتوكول شكلاني لا يضفي على السحور أية قيمة مضافة سوى ارتزاقه من البيوت التي تدفع له ما تجود به جيوبها للحفاظ على نكهة ومظهر من مظاهر شهر رمضان التقليدية، ومنهم من يصل الليل من ما بعد الإفطار حتى السحور لينام بعد الإمساك حتى وقت متأخر من نهار الغد تحايلاً على مشقة الصوم في ظروف الحر في جو صيفي خانق. ومن يصل الإفطار بالسحور هو حتماً خالٍ من العمل ويمتلك رفاهية البقاء في فراشه والاستسلام للنوم العميق والمريح. وهنا يبرز التناقض الحاد بين بشر مجبورين على مباشرة أعمالهم بعد السحور بساعات قليلة، فيستيقظون منهكين ومتعبين للذهاب إلى أعمالهم المضنية لتحصيل الرزق.
في الساحات وعند مواقف الحافلات وعلى قواعد معدنية عملاقة توضعت عبوات كبيرة تعج بالعصائر المشكلة والملونة، إنها العاشرة صباحاً وثمة من يشتري ويبيع، وثمة من يشرب العصير والماء ويأكل الفطائر والبسكويت والعلكة علناً وفي كل الأوقات ومن كل الأعمار.
رخاوة ظاهرة فيما كان يسمى مراعاة الصائمين وحرمة الشهر الفضيل! لم يعد التعرض لأحد المفطرين باللوم أمراً بسيطاً ومقبولاً ومباركاً، ما معنى مفطر هنا؟ هل هو من لا يصوم عن قناعة ويعلن عدم صيامه؟ أم من يصوم جهاراً ويفطر سراً في محاولة لتجنب التشكيك في إيمانه أو احترامه لدينه وبيئته الاجتماعية؟ أو أن المفطر المدان هو غير مسلم أصلاً؟
غيّرت الحرب في توصيف المؤمن والصادق والجاحد والكافر والمهمل للواجبات الدينية والاجتماعية، باتت الأحكام تدور داخل غرف مغلقة عبر همسات أو انتقادات بصوت خفيض. التصنيفات الظاهرية لم تعد تشغل بال أولي الأمر ورجال الدين لأنها خارج مهمتهم الآن، هم يهللون للأقوى فقط، والصيام من عدمه عملة غير مربحة في زمن الشدة النارية وتآكل المدن ونزوح ولجوء السكان والتهجير الواسع.
يتوحد الخطاب الجمعي في شهر رمضان؟ يقول سائق السرفيس للراكب (عامل حالك صايم وماسك مسبحة وما دفعت الأجرة) وتقول سيدة للفرّان (يعني إذا صايم لازم تشلف الخبزات بوجهنا!). ثمة ترميز عام للأداء البشري، وهن عام وتعب، شفاه متيبسة من العطش، عزوف عن الكلام وردود أفعال عصبية حيال أي تصرف غير مقصود أو حيال أي خلاف ولو على طريقة شراء كيلو من الخضار.
على محطات الإذاعة أغان تقليدية محّورة بكلمات دينية على لحن غير متسق مع الإيقاع الديني، خطب دينية سطحية، حكم فلسفية باهتة عن العطاء والمحبة والوهب وسماحة النفس وسخاء اليد والشيم، وحلقات حوارية تكرر أقوالاً لا تزيد من عدد الصائمين ولا تردع المفطرين، بروتوكول موسمي مكرر، وأكثر ما يزعج المتفرجين هو الدعايات والإعلانات السخية جداً بمناقب أنواع السمن والزيوت والأجبان، إعلانات لترويج أسماء خيم رمضانية ودعوات للتآخي والتكاتف.
تقول أم ياسر: (أهم شي صحن السلطة، فجأة صار سعر ربطة البقلة مية ليرة!)،
ارتفاع شره بأسعار الخضار والفاكهة تصل حدود الضعفين، مواد غير معروفة تواريخ إنتاجها تباع على الأرصفة وفي الأسواق بأوزان قليلة وأسعار تناسب الفقراء، لكن الجودة والسلامة في مهب الريح وعبث المراقبين وطمع التجار.
في المحال التجارية أكوام من أكياس معبأة بإهمال ومن جودة وسط أو ما دونه لتوزع على الفقراء والمحتاجين، يبدو الفقر جلياً في الشهر الكريم، وجبات شحيحة قد لا تتعدى خبزاً وشاياً للسحور، وسكبات مدللة لطبخات مطبوخة بسخاء وعناية من بعض البيوت. ينتظر الكثيرون دعوات الإفطار في رمضان لتعويض النقص الحاد في حصصهم الغذائية من اللحوم والفاكهة والحلويات، دعوات من الأهل والأصدقاء وأرباب العمل أو من الجمعيات الخيرية التي درجت على مد موائد وقت الإفطار في بضعة أماكن أشهرها الجامع الأموي بدمشق، موائد ممتدة وواسعة للفقراء والمشردين والساكنين في الحدائق العامة والعمال الوحيدين والنساء المهجورات وأطفال الشوارع والمتسولين.
العصائر والتمر الهندي والعرقسوس محضرة مسبقاً ومعبأة في أكياس من النايلون، تروي ظمأ العطاش لكنها غير صحية ولا تخلو من أسباب ممرضة في ظل ارتفاع أثمان العصائر الطبيعية واستسهال تحضير الصناعي ورخص أثمانه.
تعاني الأسواق من تخمة باذخة في المعروض من البضائع وخاصة الطعام، استعراض مُنفر لأكوام من المنتجات الغذائية يستحيل على الكثيرين شراء حاجتهم الأساسية منها. مع الإشارة إلى أن إحصائيات دقيقة أكدت أنه وخلال شهر رمضان يزيد الاستهلاك الغذائي ثلاثة أضعاف الحصص المعهودة باقي أيام السنة، مع أن الجائع يحافظ على معدته خاوية ومرهقة من شدة النقص في الاحتياجات الأساسية والمتخمين يرمون الفائض في حاويات القمامة دون التفكير بغيرهم، مجرد توضيبها ومنحها للمحتاجين، مجرد الاقتصاد في شراء وجبات لا تفتح أكياسها ،لاشيء يبدو قابلا للتوزيع في ظل غياب الإرادة ولو بعدالة مؤقتة!
تقول الحكاية أن امرأة أصرت على دعوة صديقة قديمة لها على الإفطار في مصادفة غريبة حيث التقيتا صدفة في عيادة طبيب في الحي الذي تسكنه الداعية، ولما اقترب موعد الإفطار وافقت الصديقة على الدعوة لكن لشرب كأس من الماء وفنجان قهوة فقط، لكن بؤس حال البيت ورائحة المجدرة المقلاة بزيت نباتي رخيص دفعت بالسيدة للاعتذار حتى عن شرب القهوة، والمضحك المبكي أنه لا وجود للقهوة أساساً في ذاك البيت الممتلئ جوعاً وعوزاً.
يقضي أبو عماد جل نهاره وليله في الجامع طيلة شهر رمضان، فالبيت المستأجر خانق في الصيف وعائلته الكبيرة بما فيها أحفاده لا تترك له أية فرصة للاسترخاء والنوم كي يحصل على قسط من الراحة من تعب خلفه الصيام على جسده المريض والنحيل. يقول الجامع مكيف وواسع، يفطرغالباً في الوجبة الجماعية التي توزع أحياناً للزاهدين والمتقربين المتضرعين بإيمان والتزام شديدين، أو على المائدة المفروشة قريباً من وسط دمشق، يزيد من قراءة القرآن ويضاعف الركعات ولا يقطع صلوات التراويح. يقول إنه يشعر بأنه يكاد أن يطير من وداعة الإيمان والتحسب والاتكال على رب العالمين، رمضان بالنسبة له مساحة للاستسلام لسكينة مفقودة ولسلام داخلي مستلب وممزق خارج أوقات الشهر الفضيل كما يسميه.
أعوّل على عبوة الماء التي منحها غير صائم لصائم في بلد أراد الجميع أن يصف الحرب الدائرة فيها بأنها مجرد تنافر طائفي أو مذهبي، أعوّل على شبع مؤقت وجلسة طبيعية أمام مائدة طبيعية برفقة بشر يجمعهم الجوع في بلد خمسة وثمانون بالمئة من أهلها على حدود خط الفقر أو دونه بدرجات، أعوّل على احترام رمضان كشهر للسكينة والتعمق بتقبل الآخر وبث روحية التسامح و المشاركة، أعوّل على أن تبقى طقوس رمضان الإنسانية طقوساً ثقافية أصيلة في مجتمع متنوع ومتعدد.
حينها سيجود رمضان بخيراته ويصبح كريماً كما هو مكرس في الوجدان العميق للسوريين البسطاء والأنقياء، الصادقين والمؤمنين، عندها يليق بنا أن يكون رمضان شهر للاحتفال…
بواسطة عامر فياض | مايو 21, 2018 | Cost of War, غير مصنف
لطالما سَرَقَتنا الكتب، وسلب حضورها عقولنا وقلوبنا، تقودنا أقدامنا بخفةٍ ونشوةٍ إليها أينما كانت. نترقب معارضها، نمُشّط الشوارع والأرصفةَ بحثاً عن عرباتٍ وبسطاتٍ فُرِدَت لأجلها، لنفتّش فيها عن عناوين فريدة بنهمِ ظمآنٍ يبحثُ عن نبعِ ماء، أو طامحٍ يبحث عن كنز ثمين، فنصطاد الكنوز النفيسة لنغني مكتباتنا العطشى للاتساع.
الكتبُ زاد حياتنا، ذخيرتنا المعرفية والهدية الأجمل التي نزهو بها، ونُدهش كأطفالٍ صغار بمجرد لمسها. ننفق على شرائها جُلَ ما في جيوبنا المهترئة، حتّى لو لم يبقَ لدينا ما يسد رمق الجوع، وكثيراً ما نقترضُ المال لشراءِ كتبٍ تفرح بها مكتباتنا، التي كلّما اتّسعت اتّسعنا، وكلّما ازدحمت بالعناوينِ والأغلفةِ شَعرنا بالثراء والاكتمال، كيف لا وهي قوتنا، وبيوتنا الحميمة؟، نبنيها كمن يبني برجاً فريداً من المعاني، نغازلها وننادمها، نصونها كأمٍ حنون، ندللها كعاشقةٍ توزِّع علينا الحب والسعادة والجمال.
ولأنَّ الحربَ لا تعبأ بعاشقةٍ أو أمّ، ببيتٍ أو حضنٍ دافئ، ولأنها لا تعبأ بعشقنا لكتبنا وشغفنا بها، لم ترأف بأيّ معنىً من معاني حياتنا، ولم تكتفِ بمجازرها بحقّنا نحن البشر، بل عاثت دماراً وهتكاً بكتبنا، بتاريخها وحكاياتها، بتفاصيلنا معها وعلاقتنا المتأصلة بها. كُتبنا التي أضاءت قلوبنا وأرواحنا والتي وهبتنا أجنحةً لنحلِّق إلى عوالم شاسعة وملونة، لم نتمكن من إنقاذها أو رد الجميل لها، إذ تحوّلت، ككلِّ شيءٍ جميل، إلى فريسةٍ سهلة لوحش الحرب، ولاقت مصير أصحابها وقُرائها.
كتبٌ سرقها الحصار والموت
لم يلق الحصار بلعناته على البشر فحسب، بل أطبق خناق سجنه على روح المكان وكل نبضٍ يقبع فيه، فكانت الكتب إحدى معتقليه المعذبين والمغيّبين قسراً. حوصرَت مع أصحابها، خافت ونزفت مثلهم، وفي مفارقاتٍ كثيرة كانت أقل حظاً منهم، فبينما تمكن بعضهم من النجاة بقيت هي قيد حصارها تنتظر فرجاً للحاق بأهلها الّذين ما زالوا حتى اليوم يبكونها بلوعة وحسرة من يبكي ابناً قتلته الحرب.
منذ سنوات نزح (حسام) من إحدى مناطق الصراع الساخنة، تاركاً خلفه مكتبةً ضخمة، حفرت في قلبه جرحاً عميقاً يتحدث عنه بمرارة: ” كنت أجمع كتبي كمن يجمع قطع آثارٍ نادرة، وكانت مكتبتي تكبر يوماً بعد يوم، كانت ملاذي الآمن، ورفيقتي التي تعينني على أهوال الحرب، تبثّ الحياةَ فيَّ كلما اشتدّ الموت، وتفتح لي آفاقاً للأمل والأحلام. عند خروجي حملتُ معي خمسةً من كتبي التي لا أستغني عنها، لكن عناصر الحاجز صادروها… أذكر فيما مضى أنّني وأصدقائي كنا نرفض إعارة أي كتابٍ من كتبنا لأننا سنشتاقه إذا ما ابتعد، ونخشى فقده، وكأن أيّ فراغٍ في رفوف المكتبة سيحدث فراغاً في الرّوح، فتخيل أن تفقد جميع كتبك دفعةً واحدة لتتركها تحت رحمةِ الحرب وأذرعها؟!. صدِّقني إن هذا لمأساةٌ حقيقية، لن يشعر بها إلا من كان مغرماً ومتيماً بالكتب.”
مكتباتٌ عريقةٌ كانت تحتفي بمئات العناوين الفريدة والنفيسة، تناقلتها الأجيال عبر عشرات السنين، هي ليست مكتباتٌ بقدر ماهي نسغٌ وذاكرةٌ وتاريخ حافل بملامح الآباء والأجداد. تلك المكتبات لم يشفع السلاح لها ولم يكترث لأصالتها، وبكل وحشية ودمٍ بارد أحالها رماداً وأثراً بعد عين.
كتبٌ عاملها أسيادُ الحرب كعدوٍّ، ثأروا منها كما يفعلونُ مع كلِّ من يشكّل تحدياً لهم، لسلطاتِهم واستبدادهم، لسياطِهم وكراسيهم، فعاقبوها وأُعدموها، حرقاً وتمزيقاً، نيابةً عن أصحابها، فهي التي علَّمتهم الوقوف في وجه الظلم والاستبداد وهي من جعلتهم يبصرون نور الحق والعدالة. وفي حالاتٍ أخرى أحرقت بعض الفصائل المسلحة المتطرفة فيضاً من الكتبِ الثّمينة، بحجة أنها بِدعٌ وخرافات تلهي من يقرأها عن ذكر الله، فالثقافة بنظر أولئك شركٌ وخطيئة، كما أجبرت البعض على حرق كتبه بنفسه ليتجنب الحساب والعقاب.
(محمد) نازحٌ آخرٌ، نجى من الموت بأعجوبة، يروي بعضاً من حكايته: ” كنت شاهداً على مئات الكتب التي ماتت تحت أنقاض البيوت. نعم، الكتب تموت كما البشر والشجر والحيوانات. حاولنا إنقاذ الكثير منها من بين الركام علَّها تحيا من جديد، لكن معظم من نجى منها لم يُكتب له البقاء، فماتت بطرقٍ أخرى… في ظروف الحصار القاهرة قد تضطر أحيانا أن تضحي بأغلى ما لديك لتنجو من شبح الموت. لقد أجبَرَنا الجوع على استخدام مئات الكتب كوقودٍ لطهو طعامنا البائس الذي كنا نحصل عليه بشق الأنفس، أما وحش البرد فأجبرنا على استخدامها كبديلٍ لحطب التدفئة بعد أن صارت أغلب الأشجار حولنا في خبرِ كان. في البداية كنا نضحي بالكتب الأقل قيمة وأهمية، ولكن مع الوقت صرنا نقدم أضحية أكبر، فَنُطعِم النار كتباً ثمينةً من الأدب والعلوم والتاريخ، لتعود علينا بشيء من الفائدة، فالحرب التي لم تشبع من لحم البشر توحّشت لتلتهم ذاكرتهم وثقافتهم ومنابع فكرهم.”
كتب رهن الإقامة الجبرية
أسيرة الصناديق، حبيسة المستودعات، تجثم في حضرة الغبار وشِباك العنكبوت في انتظار مصيرٍ ما، هجرها أصحابها مرغمين وتقطَّعت سُبل اللقاء بها أو التواصل معها. ترى هل ستلتقي بهم يوماً ما؟
كثيرٌ من السوريّين أودعوا كتبهم كأماناتٍ عند أصدقائهم أو معارفهم ليحافظوا عليها من التلف وليبقوها تحت الرعاية والعناية المشددة، بعد أن غادروا بلادهم هرباً من بطش الحرب والموت، وهي اليوم لاتزال قابعةً في بيوتٍ لا تعرفها، مصلوبة على الرفوف، تكابد عناء الفقد، في مكتباتٍ غريبةٍ عنها.
في مدينة جرمانا قبوٌ تحول إلى ذاكرةٍ مصغَّرة للسوريين، وربما يتحول مع الزمن إلى متحف. في جولتي داخل هذا القبو، كنت كمن يسير في تلافيف ذاكرةٍ ما، ذاكرة البلاد.
كتبٌ مخزَّنة في كراتين مغلقة بعناية، تحمل أسماءً ما، مكتباتٌ تحتفي رفوفها بعشرات العناوين، غُطَيت بستائر القماش والنايلون لحمايتها من الغبار وعواصف الزمن، بضع لوحاتٍ متراصفة هنا وهناك لرسامين رحلوا عنها، أشياء مبعثرة في كل ركنٍ، تفوح منها أسماء وروائح أشخاصٍ ما.
يروي لي صاحب القبو شيئاً من حكايته مع هذه الكتب “هذه الكتب هي رائحة الأصدقاء الذين غادروا البلاد، هي صوتهم ونبضهم وحضورهم، أراهم من خلالها. بعضها تُرك كأماناتٍ، وأخرى قمنا بنقلها من بعض البيوت المستأجرة التي هجرها ساكنوها قبل أن يسعفهم وقت سفرهم المفاجئ لجمع أشيائهم وذكرياتهم… كتبٌ كثيرة جمعناها من أماكن متفرقة، بطلبٍ من ذويها، ليتم حفظها في مكانٍ آمن، هم مخلصون لكتبهم حتى وإن ابتعدوا عنها. لقد أصبح هذا المستودع حارساً أميناً لتاريخ الأصدقاء، إذ يحمي مئات الكتب ويدافع عن بقائها، حتى أصبحنا نسميه “مستودع الذكريات.”
في السنوات الماضية أصبح منزلي يعجُّ بمثل تلك الودائع، كتب موزّعة هنا وهناك، بعضها خصصت له ركناً في مكتبتي، والآخر يغفو في الأدراج أو تحت السرير. أتذكر ماضي تلك الكتب، لقد كانت إكسير الحياة لدى أصحابها، كانت سنداً وحضناً لهم وروحاً تلوِّن منازلهم، كانت لسانهم وعيونهم، ولكن عند الرحيل ضاقت أحمالهم عن حمل أخفّها وزّناً… إنَّ عيشي جنباً إلى جنب مع هذه الكتب بات يؤرقني ويجعلني في كلِ لحظةٍ أعيشُ الحاضرَ والماضي معاً، فهي حوَّلت منزلي إلى مسرحٍ مزدحمٍ بالأحبّة وذكرياتهم. ومنزلي هذا ليس استثناء، فكلّ منازل أصدقائي في دمشق أصبحت مأوى لمئات الكتب التي نجت من بطش الحرب لتعيش على أمل البقاء.”
بين الضياع والنهب
كتب أضاعها أصحابها، أعاروها فيما مضى، وأنساهم ضجيج الحرب أن يسترجعوها، وأخرى كانت تعيش في منازل مشتركة يسكنها مجموعة من الأصدقاء، لكل صديق كتبه الخاصة، وفي غيابهم أضاعت هوية أصحابها بعد اختلاطها ببعضها أثناء جمعها ومن ثم اختلاطها بأخرى خلال تنقلها من منزلٍ إلى آخر في رحلة بحثها عن مكان آمن، أما من مات أصحابها فقد بقيت في أماكن شتاتها كذكرى مؤلمة أو ككتبٍ مجهولة النسب والانتماء.
لقد أصبح اقتفاء أثر الكتب الضائعة حدثاً بارزاً في سنوات الحرب، فلا عجب أن تجد أصدقاء غادروا البلاد منذ سنوات، يسألون أصدقاءهم في سوريا عن مصير كتبهم ويوصونهم بالبحث عنها، طلباً لحياةٍ كانت لهم يوماً ما.
كتب خُطِفت، اعتقلت واغتصبت، نُهبت وضاعت كتاريخ كثيرٍ من السوريين. نهبٌ أشبه بسرقة الأوكسجين، بسرقةِ خيالك وأحلامك وأعضاءِ جسدك. مكتباتٌ حوَّلها تجار ومجرمو الحرب إلى أطلال، لتباع محتوياتها في أسواقهم التي باعت البشر قبل ممتلكاتهم، أو لتحنَّط في بيوتهم التي أصبحت تزدان بمئات الكتب النفيسة المنتقاة بعناية لصٍ محترف. كتبٌ بأغلفةٍ ملفتة وطباعةٍ فاخرة لم يُنظر إلى مضمونها ومحتواها الفكري، يفاخر الناهبون بعظمتها ويمتدحون هيبة حضورها في مكتباتهم التي تشبه الزنازين، دون أن يتذكروا أنها سُرقت بقوة السلاح من بيوتٍ ثكلى سطي عليها للانتقام من أصحابها والاستيلاء على ذاكرة حياتهم. والأكثر إيلاماً أن أولئك اللصوص مجرمي الثقافة لا يقرأون ولا يغنون الثقافة، بل يتعاملون مع الكتاب كمجرد أثاثٍ فاخر.
قد نجد الجرح الأكثر نزفاً في أسواق (التعفيش)، حيث تتكدّس أكوامٌ من الكتب بين البرادات والغسالات وأثاث المنازل. مشهدٌ دراميٌ لو رصدته كاميرات السينما لحصدت عشرات الأفلام. هنا ” تُعَفَّش” الذاكرة والأفكار والأحلام، هل فكر اللصوص بتاريخ وحكايات تلك الكتب؟ بالطبع لا، وبالطبع لا يعرفون قيمتها الفكرية والمعنوية والإنسانية، هي فقط غنيمةٌ أخرى بين (غنائم) الحرب، ومصدرٌ إضافيٌّ للحصول على الأموال.
ثمة رواياتٌ كثيرة عن أشخاصٍ وجدوا كتبهم، مسبيّة في أسواق التعفيش، لتقع المفاجأة في قلوبهم كوقع الطعنة السّامّة، طعنةٌ لن يزولَ أثرها مهما طال الزمن.
كتب مسجاة على الأرصفة
التّشرّد الذي طال حياة نسبةً كبيرةً من السوريين، طال حياةَ كتبهم أيضاً، فأينما التفتّ ستراها مسجَّاة على الأرصفة والبسطات. لو تفحصت صفحاتها ستقرأ تاريخاً كاملاً عن حياةٍ مضت. عباراتٌ لوِّنت بحبرٍ فارق، خُط بجانبها بضع كلماتٍ تشرح معنىً ما، سطورٌ وضع تحتها خطوط للدلالة على فقرةٍ مميزة. صفحاتٌ تطل منها وجوه قرائها، تتعرف إليهم من العلامات الفارقة التي خلفوها على الأوراق… لمسات حبرهم، رائحة عطرهم… أثر ريقهم وعرقهم ، بقع شايهم وقهوتهم. حكاياتُ شخوصٍ عبروا تاركينَ أدقَّ تفاصيلهم الشخصية بين السطور.
على أحد أرصفة دمشق التقيت ببائع كتب مستعملة، رفض ذكر اسمه، حدَّثني عن مصادر تلك الكتب: “في السنوات الماضية اشترينا مكتبات بأكملها من أشخاصٍ كثيرين، بأسعارٍ بسيطة. نشتري المكتبة بأكملها دون النظر إلى عناوين كتبها، لذا تحسب كسعر جملة. كثيرون باعوا مكتباتهم الشخصية بداعي السفر، أو الفقر والعوز، أو نتيجة نزوحهم لمناطق أخرى. كتب كثيرة اشتريناها من مكتباتٍ عامة أو دور نشر أُغلقت بعد إفلاسها أو هجرة أصحابها.”
يضيف البائع: “بشكلٍ شبه يومي، يحضر الكثيرون إلينا ليبيعوا ما يملكونه أو ما يمكنهم الاستغناء عنه من الكتب. البعض يحضرون بصحبة كتبٍ لا يعلمون شيئاً عن مصدرها ولا يعرفون فحواها أو قيمتها، أعرف ذلك من ملامحهم ومن طريقة تعاملهم معها وكأنها خردة. قد تكون كتباً منهوبة أو مباعة من ضمن أثاث المنازل المشتراة، أو كانت منسية في أماكن هجرها سكانها.”
في زيارة أخرى للبائع رأيته يجادل شاباً يحمل حقيبة تحوي كتباً بأحجامٍ مختلفة، وبعد مفاوضات طويلة، اشتراها من الشاب بثلاثة آلاف ليرة. استوقفني المشهد، شعرت وكأن الشاب يبيع قطعةً منه، فسألته عن سبب البيع. أجاب بألم وحرقة: ” توقفت عن العمل منذ فترة، ومنذ أسبوع دفعت إيجار المنزل فخسرت كل ما أملك، ومن حينها وأنا أستدين من أصدقائي ما تيسر من نقود. اليوم أفقت وجيوبي خاوية، فأجبرت مكرهاً على بيع تلك الكتب لأشتري طعاماً وسجائر. هذه ثالث مناسبة أبيع فيها شيئاً من كتبي، الحاجة كافرةٌ يا صديقي وحين تجوع بحقّ تكتشف أن الثقافة لا تبقيك على قيد الحياة.”
بين النزوح ودروب السفر
حين نزح (أبو عدي) من الغوطة، أنقذ مع عائلته عشرة كتب، اصطحبها معه كفردٍ من أفراد العائلة. تلك الكتب، كعائلته، مكثت معه لأيامٍ في الحدائق، تشردت واستُخدمت كوسائد للنوم، ثم رافقته إلى مركز الايواء في منطقة الزاهرة، ومن ثم إلى مراكز ايواءٍ أخرى، وهي اليوم تعيش معه في شقة (على العظم) لتشاطره البرد والرطوبة وغيرهما.
منذ عامٍ وكتب (ديمة) مهملةٌ في سجنها المؤقت، في انتظار محطةٍ ما، فهي لا تعرف حتى الآن إن كانت ستسافر أو ستبقى، حالها حال الكثير من سوريي الداخل، لذا لم تتحرر لتستقر في مكتبة، بل بقيت على أهبة الرحيل إلى أن تعرف وجهتها الأخيرة.
تلك الكتب عاشت سلسلة لا منتهية من النزوح، فمنذ ستة أعوام نزحت مع (ديمة) من مدينة قدسيا إلى مدينة جرمانا، وبعد مسلسل التفجيرات والقذائف في المدينة انتقلت ديمة الى قريتها بصحبة عائلتها الورقية تلك. وفي العام 2015 عادت الى دمشق بنفس الحمولة، التي عبرت الحواجز وتم تفتيشها والتعامل معها بريبة والنظر إلى حاملتها بسخرية: “لماذا تكلف نفسها مشقة نقل هذه السخافات؟” استقرت في دمشق لعامين متنقلة بين بيوت عدة كانت تستأجرها، ثم جاء موعد سفرها إلى لبنان، فنقلت كتبها الى منزل أهلها، لتبقى حتى اليوم على حالها منتظرة استقراراً ما، هل ستنقل الى منزل أخيها ليحفظها في مكتبته، هل ستبقى في مكانها؟ هل سترسل إلى لبنان؟
ثمة كتب سافرت مع أصحابها الذين تحملوا تكاليف نقلها لكي تبقى معهم، أو لحقت بهم بعد أشهر أو سنوات، لم يتحملوا فكرة الابتعاد عنها، فطارت إليهم عبر مكاتب الشحن وحقائب بعض المسافرين. هناك كتب تعيش على أمل لم شملها بأحبائها، ليس في الأمر أحجية، فبعض البشر يتوقون لعناق كتبهم كتوقهم لعناق أحبتهم وذويهم. تلك كتبٌ حالفها الحظ، لكن الأخير لم يحالف كتباً أخرى تاهت وماتت في المنافي، غرقت في البحر مع حامليها أو قدموها كقرابين له ليرأف بحالهم ويمنحهم النجاة. كتبٌ تغرَّبت في لبنان وتركيا وبلدان أخرى، بعد هجرة أصحابها، من دونها، نحو مجهولٍ جديد، فكُتِبَ لها أن تبقى أسيرة منفاها أو أن تعود وحيدةً إلى وطنها الأم.
أتذكر صديقتي “عاشقة الكتب”، حين غادرت لبنان نحو أوروبا منذ عامين، أرسلت لي خمسة عشر كتاباً لأحتفظ بهم “كأمانة غالية”، وأوصتني بالعناية بهم وحمايتهم كما لو أنها توصيني بأبنائها.
لطالما كانت تلك الصديقة صلة وصلٍ بين بعض الكتب وأصحابها وجسراً لعبورها نحوهم، إذ قامت بنقل العشرات منها من دمشق إلى بيروت، خلال سفرها بين العاصمتين، وكانت الكتب المنقولة تشغل الحيّز الأكبر من حِمل حقائبها. حِملٌ جميلٌ تنقله بفرحٍ وحب، ليلتم شمل الكتب مع أصحابها المبعدين عنها.
كانت تقول دائماً “الكتب ليست مجرد أوراق خرساء أو مصدر للثقافة والاكتشاف والمتعة فقط، بل هي كائنات حية لها قلبٌ وروحٌ ومشاعر، فهي تحزن وتنزف إذا ما فارقت أصحابها.” اليوم أنظر إلى كتبها الحاضرة أمامي وأتذكر ما قالت، وأشردُ بعيداً…
ترى ما مستقبل هذه الكتب؟ هل ستحتضنُ أحبتها يوماً ما؟ وهل ستحيا إلى ذلك الحين؟ أم ستلقى مصير كتابٍ نعيش الآن خارج سطوره؟ كتابٌ كان اسمهُ سوريا.
بواسطة Syria in a Week Editors | مايو 21, 2018 | Media Roundups, Syria in a Week, غير مصنف
روسيا باقية
١٦ أيار/مايو
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ١٦ مايو/أيار، إن سفنا عسكرية روسية مزودة بصواريخ كاليبر الموجهة ستكون في حالة تأهب دائم في البحر المتوسط للتصدي لما وصفه بـ “التهديد الإرهابي” في سوريا.
ويظهر نشر الصواريخ كيف تعزز روسيا وجودها العسكري في الشرق الأوسط منذ تدخلها في سوريا في ٢٠١٥ لتقلب موازين الحرب لصالح حليفها الرئيس بشار الأسد.
وقال بوتين إن السفن الحربية المسلحة بصواريخ كاليبر ستكون وحدها في حالة تأهب دائم، وليس الغواصات. وأعلن بوتين عن نشر السفن المزودة بالصواريخ في كلمة أمام القيادة العسكرية العليا خلال اجتماع في مدينة سوتشي المطلة على البحر الأسود. وقال إن نشر السفن جاء نتيجة “التهديد الإرهابي الذي لا يزال قائما في سوريا”. وتملك روسيا بالفعل قاعدة بحرية دائمة في طرطوس على الساحل السوري، وقاعدة جوية في حميميم.
شظايا “الانفجار” السوري
١٦ أيار/مايو
حذر ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا من أن التوترات في البلد لا تزال مرتفعة بسبب “المواجهات الدولية” على الأرض. وحذر دي ميستورا، خلال اطلاع مجلس الأمن الدولي على الوضع في سوريا ، من أن التوتر في العلاقات بين إسرائيل وإيران يمثل “مسارا مضطربا للمواجهات الدولية المتكررة والمكثفة أكثر من أي وقت مضى.”
وتبادلت إسرائيل وإيران ضربات صاروخية في مرتفعات الجولان في الأسبوع الماضي، مما أثار المخاوف من اندلاع صراع أوسع في سوريا.
وقال دي مستورا إنه يشعر بالتشجيع جراء الجولة التاسعة من المحادثات في أستانة التي انعقدت الاثنين مع مفاوضين من إيران وروسيا وتركيا وهي الدول الثلاث التي ترعى ما يسمى عملية أستانة.
وأضاف أنه يتم الآن اتباع “دبلوماسية حذرة ولكن استباقية” وهذا أمر مطلوب لإحياء العملية السياسية وخفض التصعيد في القتال. وانتهت تركيا من نشر نقاط المراقبة الـ ١٢ في ادلب بين حلب واللاذقية وحماة في شمال غربي سوريا بموجب عملية آستانة.
“حزب الله” ينسحب
١٧ أيار/مايو
انسحبت قوات تابعة لموالين للجيش السوري الخميس من نقاط لها في منطقة الحاضر جنوب حلب.
وقال مصدر في المعارضة السورية لوكالة الأنباء الألمانية إن “رتلا عسكريا يقدر بحوالي ٢٥ آلية ترفع أغلبها أعلام حزب الله اللبناني بينها ناقلات تحمل دبابات انسحبت صباح الخميس من بلدة الحاضر/ ٢٢ كلم جنوب مدينة حلب/ واتجهت إلى مواقع جبل عزان الذي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني.”
وأكد المصدر أن “انسحاب مقاتلي حزب الله اللبناني وعناصر من القوات الحكومية جاء بضغط من القوات الروسية التي تريد إنشاء نقاط مراقبة في المنطقة، بعد نشر الجيش التركي نقاط مراقبة في منطقة تلة العيس بريف حلب الجنوبي.”
وتعرضت القوات الإيرانية في جبل عزان لقصف صاروخي يعتقد أنه من طائرات التحالف أو إسرائيلية نهاية الشهر الماضي.
بوتين والأسد
١٧ أيار/مايو
اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحليفه السوري بشار الأسد، خلال لقاء نادر الخميس في روسيا، أن الوقت حان لتسريع العملية السياسية للانتقال الى اعادة الاعمار وسحب القوات الاجنبية المنخرطة في سوريا.
وهذا اللقاء هو الأول بين الرئيس الروسي ونظيره السوري منذ اللقاء المقتضب في كانون الاول/ديسمبر في القاعدة الروسية في حميميم بسوريا والذي اعلن بوتين على أثره سحب جزء من الوحدات العسكرية الروسية الموجودة في البلاد.
وكان الزعيمان التقيا أيضا في تشرين الثاني/نوفمبر في سوتشي البلدة الساحلية على البحر الأسود في جنوب غرب روسيا حيث يمتلك الرئيس الروسي منزلا. وكما حصل في تشرين الثاني/نوفمبر، عقد اجتماع الخميس بشكل سري. وبث التلفزيون الروسي مساء الخميس مقتطفات قصيرة من اللقاء بين الرجلين اللذين شددا على النجاحات العسكرية للنظام السوري المدعوم من الجيش الروسي.
ويبدو ان هذا الاجتماع يعزز موقف الاسد، قبل لقاء بوتين المستشارة الالمانية انغيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الأسبوع المقبل.
وهنأ بوتين الرئيس السوري على “نجاحات جيش الحكومة السورية في مكافحة الجماعات الإرهابية” ما أتاح “تهيئة ظروف جديدة لاستئناف العملية السياسية على نطاق واسع” بحسب بيان صادر عن الكرملين.
والتدخل العسكري الروسي في سوريا الذي بدأ في ايلول/سبتمبر ٢٠١٥ سمح للجيش السوري باستعادة غالبية الأراضي.
وتابع الرئيس الروسي أنه “مع بدء المرحلة النشطة من العملية السياسية، ستنسحب القوات المسلحة الأجنبية من الأراضي السورية”، من دون أن يحدد هوية تلك القوات. واضاف بوتين ان “المهمة التالية تكمن بالتأكيد في إنعاش الاقتصاد وتقديم المساعدات الانسانية.”
وأوضح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان القوات الروسية موجودة في سوريا بناء على طلب الحكومة الشرعية وستبقى طالما تطلبت الحاجة.
انفجارات غامضة في حماة
١٨ أيار/مايو
هزّت انفجارات ضخمة الجمعة مطار حماة العسكري في وسط سوريا لم تُعرف أسبابها بعد، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن الانفجارات وقعت “في مستودعات أسلحة ووقود لقوات النظام في المطار” قرب مدينة حماة. وأورد المرصد أنه “لم ترد معلومات إلى الآن عن أسباب الانفجارات”، مشيراً إلى أنها “تسببت بتصاعد أعمدة الدخان في محيط وأطراف مدينة حماة.”
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن “سماع دوي انفجارات في محيط مطار حماة” من دون إضافة أي تفاصيل.
خلال الأسابيع الماضية، استهدفت إسرائيل مرات عدة مواقع عسكرية في سورية كان آخرها ليلة التاسع والعاشر من أيار/مايو، حيث أعلنت إسرائيل قصف عشرات الأهداف “الإيرانية” رداً على هجوم صاروخي قالت أيضاً أنه “إيراني” على الجولان المحتل.
ومنذ ٢٠١١، قصفت اسرائيل مرارا أهدافاً عسكرية للجيش السوري أو أخرى لحزب الله في سوريا، لكن الاستهداف طال مؤخراً مواقع يتواجد فيها إيرانيون.
ابتزاز روسي!
١٨ أيار/مايو
ذكرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن حكومتها ترى أنه يتعين على روسيا استخدام نفوذها لمنع مصادرة حقوق اللاجئين في سورية.
بحثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة في لقاء استمر ساعة واحدة بمدينة سوتشي على البحر الأسود ما يسمى المرسوم رقم عشرة الذي أصدرته الحكومة السورية.
وينص المرسوم على أن السوريين الذين لا يسجلون أنفسهم خلال عدة أسابيع في مواطنهم بالداخل سيفقدون عقاراتهم داخل الأراضي السورية، ووصفت ميركل هذا المرسوم بأنه “سيكون عائقا كبيرا للعودة” في إشارة إلى اللاجئين السوريين في ألمانيا.
ناشد الحزب الديمقراطي الحر حكومة ميركل عدم الخضوع لابتزازات بوتين بخصوص قضية اللاجئين السوريين وإعادة إعمار البلاد.
وقال بيجان جيرساراي مسؤول الشؤون الخارجية بجناح الحزب لصحيفة “بيلد” الألمانية إن على ألمانيا أن لا تشارك إلا في إعادة إعمار سورية، حين ينتهي العنف فيها، ويتم التوصل إلى خطة سلام دائمة لمستقبلها.
وحذر جيرساراي الحكومة الألمانية قائلا: “لا ينبغي أن تخضع ألمانيا لإملاءات وابتزازات بوتين في كيفية تشكيل إعادة إعمار سورية بعد الحرب”، مؤكدا أن ألمانيا “لا يصح أن تعيد بناء المدن السورية التي دمرتها روسيا بلا قيد أو شرط.”
سوريا الأسوأ في التاريخ
١٨ مايو/أيار
قال مسؤول بالأمم المتحدة االجمعة إن الأزمة الإنسانية في سوريا هذا العام أسوأ منها في أي وقت سابق منذ بدء الحرب قبل نحو سبع سنوات.
قال بانوس مومتزيس منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أزمة سوريا في بيروت “نلاحظ في ٢٠١٨ أن الوضع الإنساني داخل سوريا هو الأسوأ منذ بدء الحرب: تدهور مأساوي للغاية، ونزوح واسع النطاق، وعدم اكتراث بحماية المدنيين وما زالت حياة الناس تقلب رأسا على عقب.”
وذكر أن سوريا هي أسوأ مكان في التاريخ الحديث فيما يتعلق بالهجمات على موظفي ومنشآت الرعاية الصحية، حيث تمثل نحو ٧٠ بالمئة من إجمالي تلك الهجمات في أرجاء العالم.
وذكر المنسق أن بيانات الأمم المتحدة تظهر مقتل ٨٩ موظفا بالرعاية الصحية في ٩٢ هجوما عسكريا مؤكدا على منشآت صحية في الفترة بين الأول من يناير كانون الثاني والرابع من مايو/أيار، وذلك مقارنة مع مقتل ٧٣ في ١١٢ هجوما في عام ٢٠١٧ بأكمله.
بين “النظام والتنظيم”
٢٠ أيار/مايو
أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بإجلاء مجموعة من مقاتلي “داعش” من آخر جيب للمعارضة قرب العاصمة دمشق اليوم الأحد في انسحاب سيعيد للدولة سيطرتها على المنطقة.
ولم تذكر وسائل الإعلام الرسمية السورية شيئا عن اتفاق للسماح للمتشددين بمغادرة الجيب الذي يقع في محيط مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. ونقل الإعلام الرسمي عن مصدر عسكري سوري نفيه أمس السبت التوصل لأي اتفاق.
و باستعادة جيب اليرموك تكون الحكومة السورية قد سحقت آخر جيب محاصر للمعارضة في غرب سوريا وإن ظلت بعض قطاعات الأراضي على الحدود مع تركيا والعراق والأردن خارج نطاق سيطرتها.
وقال المرصد إن حافلات دخلت الجيب بعد منتصف الليل لنقل المقاتلين وأسرهم. وغادرت الحافلات باتجاه منطقة البادية ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي تقع إلى الشرق من العاصمة.