في قاعِ النهر

في قاعِ النهر

لم يتوقف المطر منذُ منتصف الليل، منذ اللحظة التي قرر فيها الذهابَ ومواجهةَ كلّ ماضيه المائي، ومساءلةَ النهرِ عن الغرق الذي لم تنجُ منه سوى الكلمات التي تصطدم ببعضها البعض كخرز السبحات القديمة في أيدي رجال ونساء يتذكرون مساقطَ رؤوسهم كجنات مفقودة. أحسَّ بالماء في عمق جلدهِ، وشعر بالغرق.

كان مركز انطلاق الشمال في حرستا، يضج بالمسافرين الصباحيين وأدلاءِ مكاتب السفر، تقدم رجلٌ يحمل مصبَّ قهوة مرّة.

“المصب كلمةٌ أخرى لها طبعُ الماء” فكرَ.
وشعر بتواطؤ اللحظات مع غرقه الخاص. وكانت القهوة أكثر من مرّة. انتظر ثوانٍ قبل أن يرد على الشاب الذي سأله إن كان مسافراً إلى حلب، ” لا. إلى منبج”. وكانت أول رحلة تنطلق إلى منبج عند الثانية عشرة ظهراً. اقتنع بكلام الشاب ولم يكن يحمل أية أمتعة باستثناء حقيبة يده، جلس في المقعد رقم ٤ وكان الماء يسيل على الزجاج مغرقاً كل شيء كذكرى بعيدة.

أخرج الكتاب الذي خبأ فيه الصورة، وكان من الروايات التي وصلته مؤخراً. تطلع في العنوان.” السباحة إلى المنزل”. وأحس بالغرق من جديد تواطؤٌ آخر في هذا الصباح الغارق في مائه.

منذ البداية، ظنَّ أن الموضوع لن يكون أكثر من صورة  بالأبيض والأسود، وجدت صدفةً بين أوراق قديمة، صورةٌ تمثل لحظةً ضوئية متوقفة وزمناً متجمداً. ملامح توقفت عن النمو، عيونٌ مفتوحةٌ في لحظة إبهار ضوء الكاميرا. تطلع في الطفل  كمخلوق وصلَ من زمن آخر. تطلع في المرأة التي تبتسم و تُجلس الطفل في حضنها، لم يكن قد رآها من قبل. ولم تكن ضمن صور أفراد عائلته، إلا أنه عرفها.

كان يمكن للقصة أن تأخذ نهايتها الطبيعيةَ وتموت في ذاكرته ككل الذكريات، لو أنها بقيت كما أخبره والده منذ زمن بعيد:”عمتك هلالة ماتت عندما كنتَ صغيراً ” لكن حضورَ الصورة الآن، أحضر إلى ذاكرته الطفولية كلَّ الهمساتِ المتبادلة بين أمه وقريباتها: “جنوا عليها” وتنتهي حدودُ الذاكرة بأصوات خفيفةٍ حبيسةٍ وأسىً مكتوم.

وقال في نفسه:

“هلالة المفلح، عمتي، أخيراً رأيتكِ”.

لم يتوقف عن القراءة إلا في حمص، في الاستراحة على الطريق السريع وضع الصورةَ حيث انتهى. باتت تشكل دليلَه. والمطر صار أكثرَ كثافةً.
عند الساعة الواحدة ظهراً وصل إلى حلب و لم يتوقف المطر. وأصبحت السباحة في منتصفها. في مركز انطلاق هنانو لم يجد أيَّ بولمان يتجه إلى الشرق. لم يدم شعورُه بالخديعة طويلاً، وذهب باتجاه كراج الهوب هوب.

لم تكن المسافةُ تزيد عن الساعتين، هكذا تذكر منذ آخرِ زيارةٍ له إلى بيت عمه. لكنه لا يذكر متى حدث ذلك. بعد الطوفان، أم قبل أن يباشر نوح ببناء سفينته. لا يتذكر إلا أن باص سكانيا الضخم الذي احتل فيه مقعداً متقدماً، بدا له كسفينة نوح.  

والركاب بدوا له غرقى بما فيهم نوح والناجي الوحيد هو ابنه.
كان السائق يحمل نفس الاسم. “تواطؤٌ آخر”.

بعد ثلاث ساعات رسا الباص الضخم في ساحة البطة الغارقةِ في ضوء باهت ومياه خضراء. ولثلاث ساعات لم يرغب بالقراءة، بل فتح كلَّ جلده لتلقّي ذلك السيل من الكلام المختلط الممزوج بالسباب والضحك ورائحةِ المازوت ورائحة الدجاج المشوي. أحس حقيقةً أنه غريقٌ بين غرقى أحياء.

نزل نصفُ الركاب واستغرق نزولهم أكثرَ من عشرينَ دقيقة. وتابع الباص إلى مرسى آخر. وكانت زخات من المطر بدأت بشكل خفيف إلا أنها أصبحت أقوى عندما غادر الباص وكان الليل الفضي قد بدأ. وقرر عدم الذهاب إلى بيت عمه، فالوقت أصبح غيرَ ملائمٍ، خصوصاً أنه لم يخبرْ عمه أو أحد أبنائه بقدومه إلى منبج. ولأنه أصبح مبتلاً حتى العظم وهو ينتظر مرور سيارة أجرة. قاده السائق إلى فندق مدينة منبج. كان الفندق نظيفاً من كل شيء حتى من النزلاء. في البهو الذي أُنير لأجله، طلب فنجاناً من القهوة ودخن سيجارتين وصعد إلى غرفةٍ في الطابق الثالث مطلةٍ على الشارع. كانت الغرفة دافئةً، فقد تم تشغيل المكيف قبل صعوده لكن المياه لم تكن ساخنة، طلب موظفَ الاستقبال الذي أخبره بضرورة الانتظار قليلاً، وأحسّ بأنه بدا للموظف كضيفٍ طارئ. من النافذة لمس الهدوءَ الأسودَ الماطر يخيم على الشارع، ونزل إلى الصالة. سأل موظفَ الاستقبال إن كانوا يقدمون طعاماً. لم ينفِ الموظف إلا أنه نصحه بأن يذهب إلى مطعمٍ ليس بعيداً يقدم أكلاً لذيذاً. في المطعم طلب نصفَ فروجٍ مشويّاً وأحسّ بأنه مازال في سفينة نوح من طراز سكانيا.

في الغرفة بقي تحت تأثير مزاجه الرائق الذي دام من لحظة خروجه من حلب حتى الآن. وأعاد في ذهنه رؤيةَ المسرحية المتقنة التي قام بها بائعا البسكويت في الباص، أخذ حماماً ساخناً واندس عارياً في الفراش . فتح الكتاب. ظهرت الصورة وعاوده الغرق من جديد.

أحس بالكلمات تطرق رأسه. كان يدرك ذلك فعندما تأتي وتريد أن تسيل على الورق يشعر بها في أصابعه. إلا أن تعبه وعدمَ نومه جعلاه غيرَ قادرٍ على الكتابة مع شعوره بأنه إن لم يكتب وإن لم يسمح للكلمات بالخروج لن تعود أبداً. تطلع في الصورة، كان غرقه الآن عظيماً ولم يستطع كبت رغبته في التدفق. على ورقة صغيرة كتب جملةً واحدة ستكون دليله أيضاً: “بتُّ غريقاً يحيا في ماء”. ونام.

لم يدم نومُه سوى لحظات، أو هكذا فكر عندما فتح عينيه في صباح غائم متأخر. في مطعم الفندق أحضر له موظف الاستقبال فنجانَ قهوة وأبدى وداً ظاهراً كتعويض، تبادلا بعض الكلمات عن أحوال المدينة والطقس، وأخبره بأنه قادمٌ من دمشق في زيارة عائلية وليس من الباحثين عن استثمارٍ في زراعة القطن الذي نما في السنوات الأخيرة رغم إعجابه بالفكرة. لاحظ الموظف وجودَ الكتاب ، فسأله إن كان صحفياً، قال إنه قارئ  وإنه، مشيراً إلى الكتاب، سلاحُه ضدَّ الوقت. ابتسم الموظف وقد أعجبته الفكرة وسأله إن كان من منبج؟ ابتسم بدوره وأخبره بأنه ولد على ضفاف الفرات. تناول فطوراً خفيفاً وخرج.

كان الوقت قد تجاوز الظهر عندما وصل إلى بيت عمه. أثار قدومُه المفاجئ موجةً من فرح ضربت البيت الريفي المكوّن من طابقين وسور وبوابةٍ عريضة وصفٍ من أشجار الأكاسيا العارية في مثل هذا الوقت. كان أصغرَ أعمامه ويكبر عمتَه هلالة بأربع سنوات، وكان ستينيّاً متقاعداً أمضى سنواتٍ طويلة في المحلج الحكوميّ. أبدت زوجةُ عمه فرحاً مضاعفاً بقدومه بدا من خلال ضحكة عينيها وبدئها الفوري بإعداد الطعام.

بعد مضي الوقت المليء بالكلام الأوليّ والاستفسارات عن الأحوال والأسئلة الطبيعية، الوقتِ الطويل المتقطع بابتسامات وفرح فطري، وصلا إلى الصمت. هل ثمة كلامٌ يجب أن يقال؟ لم يجد من الملائم البدءَ في طرح أسئلةٍ أو حتى الحديث عن زيارة غير متوقعة. كان ذلك سيكون كسراً للفرح وإجحافاً لم يستطع البدءَ به. إلا أنه وعن قصد وضع الكتاب على الطربيزة في نقطة قريبة في المدى المجدي لنظر عمه.

طبيعياً بدا الأمر. حمل عمه الكتاب. توقفت عيناه على العنوان. ضحك أول الأمر. انقبضت عيناه قليلاً بشكل غامض. فتح الكتاب. وكانت الصورة.

بدت اللحظاتُ وكأنها لن تنتهي، عمرٌ كامل من التحديق، هل مرّ قرن؟ مئةُ ثانية؟ النظرة، الصمت الصاخب، والوجيب؟ أخيراً، متشبثاً بالصورة، انقطعت النظرة وبدأ الكلام:

“هذا أنت… بالـ 74 . في ساحة باب الفرج، في حلب. كانت واحدةً من الزيارات الألف إلى الوزارة ومديرية الطابو والعقارات. تركتُك معها في ساحة باب الفرج ولم تكن تنزلكَ من بين ذراعيها لحظةً واحدة. خشيتْ أن تضيع. لكن في النهاية هي من ضاعتْ، كلنا ضعنا. هي، أبوك، أنا وكل الناس الذين بحثوا عن حقوق غُمرتْ في المياه.”

صمتَ قليلاً كمن يستعيد نفْسَه، وكان صمتُه محتقناً كبحيرةٍ خلف سد، انهار السد وبدأ يروي القصة من أولها. وبداية وصولِ الخبراءِ الأجانب مع مساطرهم الطويلة ومناظيرهم البعيدة وأجهزة المساحة. وكيف بدؤوا بقياس الأرض وعبورِ النهر شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً.
“كان الحديث عن جنة قادمة إلى المنطقة وعن ازدهار وعمل وكهرباء ونقود وماء محمولٍ بالقنوات يروي الناس والأرض.”

“لقد بدأ ترويضُ النهر” كانوا يقولون.
“فرحنا في البداية وبدت المنطقةُ وكأنها على موعدٍ في الفردوس. أليس الفرات أحد أنهار الجنة؟ إلا أن ما حصل لاحقاً كان رحيلاً غجرياً وتهجيراً إلى الرمل، للبشر والحيوات والذكريات عندما بدؤوا تفريغَ القرى التي ستختفي إلى الأبد.”

“كنّا من بين العائلات القليلة التي رفضتْ العملَ في مشروع السد، وكان جدكَ قد أدركَ، بشكلٍ غامض، أنه رغم المنفعة التي سيحملها السد، إلا أن حقوقنا نحن سوف تضيع. استشفَّ ذلك من الكلام الخالي من الدفء من أفواه المسؤولين وزوارِ المنطقة، وبالفعل لقد كان أهالي المنطقة يعملون نهاراً في المشروع ويعودون مكسورين إلى بيوتهم المرتجلة وكأنهم بدؤوا بحفر قبورهم.”

كانت الصورةُ تلوح في يده مع كل موجةٍ كلامية. لم يتركها وتابع فيضانَه:

“بدأنا بإعداد وثائق الملكية وحضِّ الناس على تصوير وثائقهم، وهلالة.” كانت عيناه على الصورة الآن. توقف عن الكلام لثوانٍ، ثم بدأ هادئاً كنهر صيفيّ:

“هلالة كانت متعلمة. لقد أصرّ جدك على تعليمها وكانت مدللتَه وآخرَ عنقوده، لكنها كانت قويةً وحادةً كنهر، وكانت مع كلِّ زيارة وفد إلى القرى المحيطة بالنهر، تجمع النساءَ والأطفالَ حاملين صكوكَ ملكياتهم وأوراقَ الطابو، ويقفون على مرأى من تذمرِ المسؤولين ووعودهم. وعندما رُحِّلنا وبدأت تلك الجولاتُ الطويلة والزياراتُ إلى حلب وحتى دمشق، أصرت هلالة على الذهاب. لكن المياه أتتْ بعد ذلك لتغرقْ كلَّ شيء الأرض والقرى والحقوق.”

أخذ نفسَاً طويلاً، وتابع:

“سكنا في خيام وبيوت طينية تطلُّ على الماء، وتكررت زياراتُ الوجهاء والمسؤولين، يتناولون الطعام ويتسابق الأطفالُ لصبِّ الماء على أيديهم ، يضحكون، يعِدون ويزداد غرقُنا. وكانت عمتك في كل شروق تقف على وجه الماء وتحدق بصمت.

لم أصدق، عندما حملوا جسدَها إلى القرية الطينية. لم أصدق. لقد كانت أمهرَنا جميعاً في السباحة. وكانت تصر أن تسبح يومياً وحيدةً في النهر، وحتى عندما كبرت قليلاً وجاء أحد الشيوخ إلى جدك ليشكو هلالة ويحاول منعها من السباحة، قامت بجمع فتيات القرية وسبحن بثيابهن في النهر. لا أعرف إن كانت غرقت أو أُغرقت. لكننا جميعاً غرقنا. سافر أبوك إلى دمشق، ورحلنا جميعاً إلى منبج.”

توقف عن الكلام ، غاب قليلاً، أتى حاملاً الكثير من الأوراق والصكوك والجرائد القديمة التي تروي كيف ضاعت الحقوق حتى الآن.

أخيراً جاء صوتُ زوجة عمه منهيةً الصمتَ الذابح، فقد تمَّ تجهيز الطعام ووصلت القصة إلى نهايتها.

قاربت الحاديةَ عشرة ليلاً عندما عاد إلى الفندق، مازالت تمطر بتقطعات خفيفة،

“هذه الليلة سيبلغ المنخفضُ الجوي ذروتَه.” قال موظف الاستقبال الذي دعاه لشرب كأس من الشاي وسأله عن رأيه بالمدينة .

“إنها هادئة ككل القرى الكبيرة التي أصبحت مدناً بفعل ازدياد عدد سكانها فقط.”

لم يُدم جلوسَه طويلاً متعذِّراً بكونه قد حجز في رحلة الخامسة فجراً للعودة إلى دمشق، وتمنى له ليلةً طيبة. في الغرفة الدافئة، اندسّ عارياً كعادته في السرير وأنصتَ لدقائق إلى صوت المطر وقد اشتدّ الآن. ترك الكتابَ مفتوحاً، أخذ الصورة. كانت يدا عمته تحيطان ببطنه الصغير، وضع يدَه على بطنه، وعيناها تحدقان بالمصور الذي على الأغلب كان يحاول لفت انتباهه إلى الكاميرا، فابتسمت عمته وخلّد الورق الابتسامة. نظر إلى نفسه الآن عارياً في غرفة فندق غريبة غارقاً بأفكار غريبة أيضاً، هارباً من ضجر دمشق إلى هدوء مائي لم يجده. وسأل نفسه: “ماذا جئتُ أفعل؟ ماذا وجدتُ؟ لقد كنت أعرف بأنها غرقتْ.” وتساءل كيف يكون النهر عندما يطعن المطرُ وجهَه كإبر، حاول أن يستحضر صورةً للفرات، تذكر جسراً خشبياً واطئاً ومياهاً عريضة، وفكرَ …النهر أيُّ تجددٍ أيُّ خلود.

كان صباحاً صاحياً، وقد استعاد حضورَه بوعي كامل، الماء وصل حتى ركبتيه، والنهرُ أمامَه كشريان عظيم. ببطء تقدم في المياه التي ترتطم بالضفة التي أصبحت خلفه الآن، وتعاود غرقَها في مياه أخرى، مسافةٌ قليلة أخرى ويدخل في التيار. كانت الصورة في يد والكتاب في يد أخرى وأصبحتْ عيناه على وجه الماء اللانهائي.

كان انزلاقُه هادئاً بطيئاً، والجذبُ أصبح غيرَ مقاوَم. غابت الأرض من تحت قدميه وابتلعه التيار المندفع إلى الوسط والأمام، كان يدور الآن في دوامات مائية داخلية، أغلق عينيه بشدة ومارس ضغطاً على جفنيه وفمه رافضاً ابتلاع الماء الذي ابتلعه ولا يريد أن يفقد آخرَ رصيدِه من الهواء. في اللحظة التي أدرك فيها غرقَه، صرخ فاتحاً عينيه. كان وسْطَ مياهٍ مغبرَّة إلا أن التيار أصبح أقلَّ حدةً، شعر بذلك وقد لاحظ هبوطَه البطيء ممسكاً الصورة والكتاب. صرخ مرة أخرى وفتح عينيه، صرخ وصرخ من جديد والماء لم يدخل فمه ويستطيع أن يرى: “أنا حي، أنا حي وحر.”

كان سقوطُه بطيئاً كمن يسقط بمظلة فوق سطح القمر، لم يكن للتيار أيَّ تأثير الآن وأصبح يتنفس كسمكة. على القاع الحريري للنهر كانت خطواتُه أكثرَ طولاً، لاحظ عدمَ وجود أعشاب، كان القاعُ مقفراً. في البعيد لاحظ أسواراً حجرية لبيوت كأنما ضربها زلزال. دار حول البيوت، مرت أسراب سمك من جانبه، لم تعره أيَّ اهتمام ظانةً بأنه سمكةٌ أخرى لكن بزعانف أكثر طولاً. شعر بحركة غريبة خلفه، تلفت، لم ير أحداً. بعد قليل وفي بقايا ساحة مهدمة، انتصبت أمامه كعروس، ثابتةً في مكانها كنصب. وشعرُها كجذور سوداء تغصّنت.

“عمتي” . صرخ واندفع باتجاهها وقد عاد طفلاً كما في الصورة، ضمته واضعةً يدها فوق بطنه:

” لقد كبرتَ؟”

“لا . لم أكبر. وأنت لم تموتي كما قالوا لي؟”

“لا لم أمت. لقد كذبوا عليك. ألا تراني أتكلم وأضحك؟ روحي في النهر فكل الذين يأخذهم النهر تبقى أرواحُهم في قلب النهر ولا يموتون أبداً.”

“رأيتكِ كثيراً في أحلامي . هكذا مثلما أنت الآن. وعدّتُ إليك.”

“ماذا تحمل؟ ماذا أحضرتَ لي؟”

“إنها الصورة. هي من دلتني إليكِ. وكتاب هديتي لك.”

“تعال. سأريك أصدقائي وكلَّ من تسكن أرواحُهم النهر. وهذا العالمَ الذي نعيش فيه. لكن يدك باردة!”

وأخذته إلى أعماقٍ أقل،  حيث أعمدةُ الضوء تخترق الماءَ كأضواء مسرح، ثم غاصا عميقاً، ولم يشعر حتى بأنه يغوص، كان يطير معها كعصفوريْ ماء. ومرّا على السفوح المائية، على التلال القديمة التي تعرت وانكشفت عظامها الحجرية. مرّا فوق البيوت التي فقدت سماءها، وعبرا الأبوابَ المفتوحة أبداً للرياح المائية والشبابيك التي بلا أُطر. ومرّا برجال ونساء كثر وعندما سألها عنهم قالت له بأنهم أبناء النهر.

“هل هم حزانى”

“لا. إنهم يحزنون فقط لأنهم يشعرون بحزن من فقدوهم.”

وكانت تروي قصصهم، من أول نزولهم، الكثير من القصص وكلها لها نفس البدايات الحزينة، إلا أنهم مع الوقت يصبحون من هذا العالم ولا يغادرونه أبداً. وصلا إلى منطقةٍ بعيدة، ولاح في الأفق المائي حبلٌ أحمر. توقفت وطلبت منه أن ينظر باتجاه الحبل. قالت له هذا هو الخط الذي يفصلنا عن الغرق. لا أحد يتجاوزه. إنه قريبٌ من جسد السد. وعندما يفتحون إحدى البوابات يتشكل تيارٌ قوي يجذب كلَّ شي، ولا يستطيع أحد مقاومتَه، ويغرق. في تلك اللحظة لم يعرف كيف أُفلتتْ يدُه من يدها. وبدأ يبتعد وأصبح قريباً جداً من الحبل، أحس بالعرَق ينز من جسده، بدأ بالصراخ وقد أصبحت عمتُه بعيدةً، فتح عينيه، كانت الرؤية مغبرّة. صرخ مجدداً تمسك بحبال من ماء وكان ينزلق بقوة باتجاه هوةٍ يجهل عمقها. وصله صوتُها أخيراً، تمسك به كحبل. شدته إليها. احتضنته. عندها خرج صوته: “لا أريد أن أغرق.” سبحا باتجاه منزلٍ بلا سقف إلا أن جدرانه كانت مليئةً بصور ملونة. جلسا فوق صخرة. ثمة رجل يضحك ويحمل كاميرا معلقة في عنقه ، أجلسته في حضنها ، وضعت يدها فوق بطنه، والمصور يحاول جاهداً لفت انتباهه إلى الكاميرا، أخيراً لمع ضوء فلاش الكاميرا. وأيقن بأنه أصبحَ غريقاً يحيا في نهر.

ابو شجاع يروي لـ “صالون سوريا” كيف حرر ٥٠٠ من قبضة داعش

ابو شجاع يروي لـ “صالون سوريا” كيف حرر ٥٠٠ من قبضة داعش

إعداد وتعليق: لامار اركندي

تصوير: جوان تحلو

لا يفارق أبو شجاع دنايي محرر المختطفات الإيزيديات هواتفه المحمولة، وهو يتحرك بسرية وبسرعة تامة بعيداً عن أنظار تنظيم داعش. ينسق بين مجازفي شبكة التحرير التي أسسها، في مدن سورية احتلها التنظيم، الذي سيطر مسلحوه على سنجار في العراق صيف 2014، وسبى أكثر من 7000طفل وامرأة نقلهم في شاحنات من الموصل إلى سورية.

تنهال عليه في كل لحظة عشرات الرسائل والمكالمات الهاتفية، من أهالي الأسرى لدى التنظيم، بعد نجاح الشبكة في تحرير أكثر من 500 طفل وامرأة، ومنهم رغدة التي بيعت أكثر من 16 مرة في الرقة، ودير الزور، والميادين.

عمليات تحرير الرهائن مغامرة وتحدي للموت ومجازفة خطرة، لكنها تمكنت من تحرير عشرات المختطفين، ممن كانوا ضحايا حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

سوريا في أسبوع، ٢٨ أيار

سوريا في أسبوع، ٢٨ أيار

دمشق تستعيد أطرافها
٢١ أيار/مايو

بعد معارك مع تنظيم “داعش” منذ نيسان (أبريل)، استعاد الجيش السوري منطقتي الحجر الأسود ومخيم اليرموك، ليعلن استعادة السيطرة على دمشق والمناطق المحيطة بها وذلك لأول مرة منذ بداية النزاع في سوريا.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان الأحد أن اتفاق استسلام قد تم ليتم نقل مقاتلي “داعش” إلى شرق سوريا لكن الإعلام الرسمي نفى ذلك. يذكر بأن الربع الأول من العام الحالي شهد معارك طاحنة في الغوطة الشرقية راح ضحيتها آلاف المدنيين واستعاد خلالها الجيش السوري السيطرة على كامل الغوطة الشرقية

وقد اتسعت سيطرة النظام على الجغرافيا بشكل كبير وانكمشت مناطق سيطرة المعارضة إلى منطقتين واسعتين في ريف حلب وإدلب في الشمال الغربي ودرعا والقنيطرة في الجنوب الغربي. بينما تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على الشمال الشرقي مدعومة من قوات أمريكية وفرنسية.  (رويترز)

الجنوب والجبهة القادمة
٢٤ أيار/مايو

نقلت قناة الميادين التلفزيونية اللبنانية عن فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري قوله الأربعاء إن الجيش قد يتجه صوب الشمال أو الجنوب بعد أن هزيمة المجموعات المسلحة حول العاصمة دمشق. وكانت حشود من القوات السورية تقدمت باتجاه درعا في الجنوب، وقد ألقى الطيران السوري منشورات تدعو الفصائل المسلحة للتسوية/الاستسلام. وقد هددت الولايات المتحدة يوم الجمعة باتخاذ إجراءات حازمة على أي انتهاكات لقوات النظام لمنطقة التصعيد في الجنوب بوصفها ضامناً لها مع روسيا والأردن.

وترتبط الجبهة الجنوبية دائماً بدور إسرائيل في النزاع وهجماتها المتكررة على مواقع عسكرية تابعة للجيش السوري أو حلفائه خاصة إيران وحزب الله. وكان آخر هذه الهجمات يوم الخميس على مطار الضبعة السوري قرب القصير في حمص. وذكرت وكالة الأنباء السورية أن المضادات الأرضية تصدت للهجوم لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان أكد وقوع إصابات.  وكانت إسرائيل قد تفاخرت بأنها أول من استخدم طائرة إف 35 الأمريكية في مهمات قتالية وتم استعراض إحدى هذه المهام في سماء بيروت.

وتدخل المنطقة الجنوبية وسط التجاذبات حول الوجود الإيراني خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي كان من بين شروطه على إيران خروج القوات الإيرانية من سوريا ووقف دعمها لحزب الله للتفاوض حول اتفاق نووي جديد بعد انسحاب أمريكا منه.

الجولان إلى الواجهة
٢٤ أيار/مايو

برز خلال الأسبوع الماضي ضغط إسرائيلي على إدارة الرئيس ترمب للاعتراف بسيادتها على الجولان المحتل، والذي جاء في تصريح لوزير المخابرات الإسرائيلي يسرائيل كاتس. ويتم ربط هذا الاعتراف باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها مما أثار موجات غضب دبلوماسية وشعبية في العديد من دول العالم. وكان يوم نقل السفارة قد شهد مقتل عشرات المتظاهرين الفلسطينيين وجرح الآلاف برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء احتجاجهم على الخطوة الأمريكية. (رويترز)

بالرغم من أن اعتراف ترمب بسيادة إسرائيل على الجولان لا يحمل أي قيمة قانونية دولياً إلا أنه يصعد من التوتر في المنطقة ويعزز فرص النزاع على نطاق أوسع.

احتلت إسرائيل هضبة الجولان في حرب عام 1967 وأعلنت ضمها في 1981 ونقل إليها المستوطنين، وحاولت سوريا استعادة الجولان المحتلة في حرب عام 1973 لكن تم إحباط الهجوم. ووقع الجانبان هدنة في 1974 وساد الهدوء الحدود البرية نسبيا منذ ذلك الحين. وهي تعد منطقة استراتيجية لإطلالها على شمال فلسطين وعلى دمشق بالإضافة إلى خصوبة تربتها وغنى مواردها المائية.

تنسيق روسي- فرنسي
٢٤ أيار

ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس أن بلاده وروسيا تريدان إنشاء آلية تنسيق بين القوى العالمية للبحث عن حل سياسي في سوريا.  وقال ماكرون إن فكرة الآلية تقوم على تنسيق الجهود التي تبذلها عملية آستانة والتي تتألف من روسيا وتركيا وإيران و”المجموعة الصغيرة” التي شكلتها فرنسا وتشمل بريطانيا وألمانيا والأردن والولايات المتحدة والسعودية.

وأفاد ماكرون بأنه وبوتين اتفقا على ضرورة التركيز على وضع دستور جديد وإجراء انتخابات تشمل كل السوريين بمن فيهم اللاجئون.

الاشتباك شرقاً
٢٧ أيار/مايو

ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن تنظيم “داعش” هاجم موقعاً عسكرياً قرب مدينة تدمر في البادية السورية، ما أدى لمقتل حوالى ٢٦ فرداً من الجيش السوري وفصائل مدعومة من إيران، مستخدمين مهاجمين انتحاريين ومركبات مدرعة في الهجوم.

وجاء الهجوم بعد يوم من طرد قوات النظام لمسلحي داعش من منطقة الحجر الأسود ومخيم اليرموك. وتسيطر داعش حالياً على منطقتين صحراويتين محاصرتين في شرق سوريا. وكان قد تم طرد التنظيم من معظم مناطق وادي نهر الفرات العام الماضي. (رويترز)

نقلت وكالة إنترفاكس يوم الأحد عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن أربعة عسكريين روس قتلوا في معركة في دير الزور بشرق سوريا. وذكرت الوزارة أن القتال اندلع بعد أن هاجمت عدة مجموعات من مقاتلي المعارضة بطارية مدفعية تابعة للجيش السوري. وقُتل مستشاران عسكريان يوجهان نيران البطارية على الفور. وأصيب خمسة عسكريين ونقلوا إلى مستشفى عسكري روسي. وتوفي اثنان منهم متأثرين بجراحهما. كم ذكرت الوكالة نقلا عن الوزارة أن ٤٣ مسلحاً قُتلوا في نفس المعركة. (رويترز)

ذكر الإعلام الرسمي السوري أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة استهدف مواقع للجيش في البوكمال وحميمية  في ساعة مبكرة من صباح الخميس دون وقوع خسائر بشرية، لكن الجيش الأمريكي نفى أي علم له بشن ضربات.

وفي هذا الإطار قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن مسلحي الدولة الإسلامية كانوا يقاتلون يوم الخميس القوات الموالية للحكومة السورية إلى الغرب من نهر الفرات وقوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية للنهر مساء يوم الأربعاء. وأضاف المرصد أن ضربات التحالف التي وقعت يوم الخميس أسفرت عن مقتل عدد من المسلحين الموالين للنظام من جنسيات غير سورية.

إهانة روسية تربك دمشق
٢٧ أيار/مايو

اتهم موالون لدمشق موسكو بـ”صناعة الإرهاب” في سوريا و”إهانة اللباس العسكري السوري”، ذلك ردا على ما أكدته القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا حول قيام الشرطة العسكرية الروسية المنتشرة جنوب دمشق باعتقال عناصر من قوات النظام السوري، على خلفية ضبطهم يرتكبون انتهاكات بمناطق انتشارها بمحيط دمشق.

وأفادت قاعدة حميميم الروسية على صفحتها في فايسبوك أمس أنه “تمكنت الشرطة الروسية في جنوب العاصمة دمشق من إلقاء القبض على عدد من عناصر القوات الحكومية السورية بعد محاولتهم نهب وسرقة ممتلكات المدنيين”. وتابعت ردا على أسئلة من موالين لدمشق: “سيتم التعامل بالقوة مع أي تمرد من قبل الأفراد المتورطين بانتهاك القانون ومن يساندهم في المناطق التي تم تحريرها بمشاركة من القوات الروسية.”

وجاء ذلك في رد للقناة على استفسار من أحد عناصر قوات النظام مرفق بصور تظهر عناصر شرطة روسية وهم يعتقلون عناصر من قوات النظام كانت قد انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي ما إذا كانت تلك الأنباء والصور صحيحة، وما إذا “كان قرار إيقافهم صدفة أم ناتج عن قرارات عليا.”

من جهته، قال مصدر عسكري تابع للنظام السوري: “من ظهروا في هذه الصور ليسوا جنوداً من المؤسسة العسكرية على الإطلاق، ولا ينتمون إليها، وهم مطلوبون للأجهزة الأمنية.”

!حمص التي لا تشبهني

!حمص التي لا تشبهني

بعد غياب أعوامٍ، تجوّلت في شوارع حمص، التي كنت أحفظ أدق تفاصيلها. كنت أطوفها بسيارتي، قبل اندلاع الثورة، كل يوم مرة أو مرتين، أثناء ذهابي وعودتي من عملي، وكنت أتسوق حاجياتي من لباس ومأكل وبقية متطلبات المنزل قاصدةً كلّ أسواقها، البعيدة منها والقريبة، الحديثة “المودرن” منها والشعبية، وصولاً إلى “البسطات” المنتشرة في منطقة الساعة القديمة، والتي منعها المحافظ السابق، المغضوب عليه من قبل أهلها، إياد غزال، في فترة ما قبل الثورة.

اليوم، لا شيء يشبهها؛ شعرت باغترابي وغربتي عنها. لعله الزمن الذي بدأ يمحو تفاصيل المدينة من ذاكرتي، أو لعلّني أنا من تعمّدت القطع معها ونسيانها، بعد تتابع الخيبات، وتتابع التدمير والتهجير. أو أن رفضي للتقسيم الطائفي حينها هو ما دفعني إلى رفض المدينة، ومغادرتها؛ فقد قُسمت حمصُ بالدبابات والحواجز، ولا يمكنك اجتيازها دون التأكد من أن طائفتك تتناسب مع الحي الذي تقصده.

هذا المشهد، الطائفي، تغير اليوم؛ لا حواجز طائفية، ولا تقسيمات، ولا حساسيات حتى. عاد مشهد الحياة الطبيعية، أو كما اعتدنا تسميته بالتعايش، إلى أحياء المدينة المأهولة منها. أبو محمد صاحب محل في حي كرم الشامي يعزّي نفسه بأنّ الوضع أفضل منه قبل 2011، من ناحية الحساسيات الطائفية، وأن جميع سكان المدينة خبروا خطورة ذلك، ويرغبون بالعيش بسلام. منطقي ردّه، ففترة الثورة، بما تعنيه من أحلام ورغبة في التغيير كانت قصيرة، سنة أو سنة ونصف، قبل أن يتمكن النظام من إرغام المقاتلين على التمركز في الأحياء القديمة، وتحويل الثورة إلى حرب استنزاف، وتهجيرٍ وتدميرٍ شامل لتلك المناطق، وانكفاء سكان الأحياء الغربية عنها.

رغم تراجع الحساسيات الطائفية الملحوظ لي، ما زلت أشعر بالغربة. الحقيقة أن من أشعل الحساسيات الطائفية، هو نفسه من أخمدها؛ لم يعد له من حاجة إليها، فقد تمكن من السيطرة على كامل المدينة، ومؤخراً أكمل سيطرته على الريف الشمالي، وأعلن عودة حمص ومحيطها بالكامل إلى “حضن الوطن”، وأنّها آمنة! هي بالفعل آمنة بالنسبة إليه من العصيان، وبالتالي لم يعد من حاجة إلى أدوات القتل من قذائف عشوائية، أو حتى تفجيرات في أماكن مكتظة كانت تحصد وتجرح المئات. حتى “الشبيحة”، الذين كانوا الأكثر انفلاتاً في المدينة، تم سحبهم إلى الخدمة العسكرية، بعد انتفاء الحاجة إليهم داخلها.

هي مدينة آمنة بالنسبة للنظام. الأحياء التي صمدت في وجهه سنوات شاهدة اليوم على ذلك؛ الخالدية والبياضة وعشيرة ووادي السايح والسوق المسقوف وجزء كبير من باب هود، مدمرة بالكامل، وخالية من أي سكان، منهوبة بالكامل، ومحروقة الجدران. لم يتبين ما يُبيَّت لهذه الأحياء مستقبلاً، عدا حي الحميدية، ذي الغالبية المسيحية، سُمح بالعودة إليه وترميم بعض مبانيه وكنائسه. لكنّ المرور بتلك الأحياء يومياً يبثّ الرعب في قلوب سكّان بقية الأحياء، ويجعلهم يختارون الصمت، خوفاً من مصير مماثل.

استوقفتُ صبيةً في مقتبل العمر لمساعدتي في الاستدلال على أحد الشوارع الفرعية في حيّ الإنشاءات، صَعُبَ على ذاكرتي المنهكة بتفاصيل سنوات الحرب استحضاره. كان ردُّها مليئاً بالحيوية، بنبرة صوتها وتعابير وجهها وإيماءات يديها، أعادت إليَّ بعض الألفة، وذكرتني بطيبة وعفوية “الحماصنة”، واندفاعهم للمساعدة. شعرت ببعض الارتياح، وتابعت جولتي باتجاه حيّ كرم الشامي، حيث انتقل سوق المدينة إليه. هو أيضاً استفزّ ذاكرتي الحمصية؛ تباع فيه بضائع من حلويات ومشتقات الألبان واللحوم والخضار، كلّها بجودة عالية، وبأسعار أقل من باقي الأحياء، وأقل من نظيرتها في أسواق دمشق بمعدل 15 إلى 25 بالمئة، بما يذكرني بأنّ حمص ما زالت أمّاً للفقير.

المشهد مختلف في سوق الناعورة وشارع أبو العوف والسوق المسقوف؛ أقل من نصف المحال فقط قد فُتِحت، ببضاعة خجولة، وحركة شراء محدودة. الحكومة هي من أرغمت أصحاب المحلات على فتحها، بالترهيب تارةً، وبالترغيب تارة أخرى، عبر تقديم بعض الخدمات المجانية كتعزيل الأنقاض من المحال التي أعيد افتتاحها.

قُدِّمَت هبات مالية لمتضرّري حي الحميدية، عبر الكنائس، من قبل منظمات دينية مسيحية، مما ساعد الكثير من السكان على ترميم بيوتهم والعودة، ليصبح الحيَّ المأهول، أي الحميدية، محاطاً بالدمار من جهاته الأربع.

مظاهر التشبيح في الأحياء الشرقية، ذات الغالبية العلوية، باتت أقل بكثير. صورٌ لآلاف ضحايا الحرب من مقاتلي النظام تملأ الجدران، مقابل آلاف الأرامل والثكالى؛ بعضهن يتعرضن للاستغلال من قبل المسؤولين بسبب الحاجة إلى عمل أو معونة لكفاية قوت الأطفال.

يسود هذه المنطقة حالة من الفقر وتراجع المستوى المعيشي، تلحظها من كمية ونوع البضائع التي تُعرَض في المحال. يقول أحد أصحاب محلات الحلويات في حي الأرمن، إن البيع تراجع كثيراً هذه الأيام، بعكس ما كان عليه في الفترات التي انتعش فيها سوق التعفيش. معظم الشبيحة واللصوص هم من الفئات المهمشة والجاهلة في الغالب، وكل الأموال التي كانوا يجنونها من بيع المسروقات أنفقوها على “ملذّاتهم الشخصية” بالمعنى الحرفي لهذا التعبير، الذي ارتبط بأصحاب الجنح والسوابق في السجون؛ فقد سمحت “الجهات المختصة” بافتتاح الملاهي الليلية في الجزء الشرقي من الحي، والتي سببت إزعاجات للسكان بسبب الشجارات اليومية للمخمورين، والأعيرة النارية. قادة الشبيحة حافظوا على مستوى معيشتهم، وعبر استغلال نفوذهم. مثلاً أحدهم افتتح معهداً لتدريس طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية؛ حيث يتهافت الأهالي لتسجيل أولادهم بمبالغ كبيرة، تحت دعاية قدرة القائمين على هذا المعهد على تسريب الأجوبة إلى الطلاب داخل قاعات الامتحان.

في حي العباسية الذي يتواجد فيه نسبة من السكان الشيعة، أيضاً تراجعت مظاهر المبالغة في الاحتفالات بالمناسبات الدينية، بعد أن كسرت روسيا جبروت إيران في المدينة، عبر إلزام النظام باتفاق الوعر، والذي تضمن ترحيل الراغبين، والإبقاء على من يشاء، بعكس رغبة المليشيات الإيرانية، بإفراغه وتعفيشه، كما فعلت باتفاق حمص القديمة في 2014.

نعم، باتت حمص مدينة وادعة، كما يسمّيها إعلام النظام. لكنها وادعة لدرجة الموت؛ إذ لا أحلام ولا آمال بمستقبل أفضل، بل أناسٌ مُثقلون بصمت الانكسارات، وهمّهم تدبر شؤونهم الخاصة. حمص التي أعشقها هي اليوم مدينة الموت والدمار، مدينة الانكسارات، المدينة التي لا تشبهني!

الصيغة السورية للموت

الصيغة السورية للموت

الخفّة

ليس للخفّة مذهب في التعبير الصريح إلا للدلالة على ما لا وزن له إلا قليلا، أي أنها تلتزم منطوق الجسم المادي لتعبر عما لا جسم مادي له أو يكاد، وإذ يرميها النحويون باتجاه النافل واللاقيمة له فإنها تصبح عند شعراء التيه العربي صفة للجسم إذا عشق وهام فخفّ من مُلزمات الحياة =الدنيوية وطار في النسائم، فيقولون : يا خفّة الألم الصغيرة وخفيفة النظرات تُشعل راحتي، وأحيانا يذهبون في هذا مذهب التقليل من الشأن فيقولون: خفيف العقل أي قليله إذا استبدّ الرجل برأيه وطاوع فيه زوجته أو مستشاريه أو ابن صديقه ويقولون: خفّة الروح، كناية عن وجود لا وجود له ولا كثافة في الجسيمات، بل إحساس فاض فطاف.

فكيف إذن نلوي عنق المفردة ونسترشد بها في منطوق الأزمة: الأطراف المتحاربة لا ترى شريكا ذا ثقل وأمانة لتجلس معه على طاولة المباحثات وتقتسم معه قديد التراب وطبيخ الهواء، بل أنهم لا يرون وزنا للجغرافيا بتمامها، بالتلال والأنهار والمحاصيل الباكية، حتى احتاجت هذه الجغرافيا أن تتقسم على الورثة التاريخيين ليعرف المتحاربون أن التراب ينسلّ أيضا من بين الأصابع، فالأدوات خفيفة.

والحلفاء (حلفاء الطرفين) لا يعترفون بالمنزلق الذي انحدرت إليه الصيغة السورية للموت أو على الأقل لا يعترفون به علنا، بل يدعون إلى مزيد من الصمود ومزيد من الدم ما يقود إلى مزيد من القتل ومزيد من الفوات،في أغنية شيطانية لا تنتهي تراتيبها، فالحلفاء خفيفون.

الخفّة في كل ما جرى ويجري، خفّة تشي بانعدام المسؤولية عامة تجاه الدم والدمار، الخفة هي السمة الغالبة لخطابي المهاجمين والمدافعين، بين داخل وخارج ، بين يميني ويساري، بين خفيف وآخر أكثر خفة، خفة في تحليل المآل الذي انطبقت عليه ثورة حتى أصبحت حربا أهلية، وخفة في الدفع المؤجل، ذلك أن هناك كمبيالات آجلة الدفع سندفعها جميعا في قادم الأيام، منتصرين أو مهزومين، للعمامة الفارسية أو للبرنيطة الغربية أو للقلبق الروسي.

وفي هذا تخف الحياة حتى تتلاشى، تحت قذيفة فارغة.

اختلال الصفة

في كلام العرب المقسّم أضرابا أربعة في اسم ومصدر وظرف وصفة، تتخفى الصفة بشرط تحققها، كما يتخفى المطر في جيب السحابة، فلا يقال عن جندي أنه صنديد إذا كان هاربا من معركة تحرير بلاده من غزاته و لا يقال عن صياد أنه خبير إن كان يعود مساء إلى حجر زوجته بسلة سمك مشتراة من سوق المعلّب.

والخلاف ينشأ من إمكانية التحقق من الصفات المطلقة على غارب حروفها في صحافة وتلفاز، فمعارضة وطنية وحكم وطني ونظام جمهوري وأحزاب إسلامية وصولا إلى أمم متحدة وحقوق إنسانية، فالحزب النازي المرفوع على أعمدة الدمار الجغرافي كان ديمقراطيا ومسيحيا أيضا، وحزب البعث كان يلصق شعارا في داخل أمعاء كل مناصر، وحدة وحرية واشتراكية، فأثمرت وحدته حروبا شقيقة وقضت حريته ضربا في المعتقلات المعتمة ونامت اشتراكيته على أحلام الشركاء الحرابيق، وحدها التنظيمات الإسلامية لم تدّع أنها قادمة لنصرة الإنسان أو الجغرافيا، جاءت من الجحيم وترغب بإعادة الجميع إليه، من جاهلية ضيقة وإليها تعود، لكنها أيضا تعيد الحق مصحوبا ببركات مشايخها العظام إلى نصرة للدين وإقامة للعدل وهي من هذا تنصر الكفر وتقيم الظلم في غير مكان.

يقودون اللغة من عنقها إلى حيث تجلد بالأحزمة والسياط وما من سلطة ليعاد التعريف إلى بطن صاحبه أو لاستقدام شرط وجند لغويين يمنعون إطلاق صفة الهبوب على نفخة لا تكاد تزيح ريشة عن كرسي، انظر كيف يستخدم “محلل” سياسي له في أوليات التحليل بضعة أيام قضاها في معتقل ما، انظر كيف يرمي الصفات على عواهن التطييف والتخوين، انظره كيف يقسم الخريطة العسكرية إلى طيبين فينعيهم وسيئين فيقصفهم وهو من كل هذا أمّي حتى في الوطنية وملفاتها.

إنها الصفات المختلة.

الصفيق

جاء في مخطوط معارج الهواء لأبي روز الطواحيني : أتى رجل إلى قاض وشكا أخاً له لا يعطيه نصيبه في إرث ٍ تقادم، فقال له: شاركه فإن فيها بركة، قال: شاركته في قطيع فالإناث له والذكور لي، وفي زرع فالمثمر له والعقيم لي، وفي رطب فالصالح له واليابس لي، قال: شاركه في الصلاة فالنار له والجنة لك.

وفي هذا المثال ما يرمي مثالا عن نوازع السلطة في الحكم، فلا هي تعطي وزنا للشريك / الشعب في السيادة  ولا هي تسمح له بالفرار في أرض الله الواسعة، ومن سخرية المنطوق أن في لفظ الشراكة كلمة شرك الذي هو ثقب في الأرض يزرع رماحا وسهاما حادة تنغرز في لحم السائر خلي القلب، الشراكة عند الحاكم الشرقي تعني أن تتحمل وزر الموت بصمت، أن تحمل بندقية لترتكب جريمة في حق أخ آخر لك، الشراكة في استيلاد الدم لا في استنبات القمح، في اختراع العداوات على جناح الطائفة أو الولاء لا على تجارة الحمضيات، شراكة أصحاب المزارع الطازجة التي ترانا أجراء غافلين يحق لها مصادرتنا إذا ارتأت والتضحية بنا على مذبح التخمير الطائفي .

والأسى يتعاظم حين تبحث في شريكك عن مآل العقد الموقع آنفا ، عن الشروط الجزائية وبنود الحق فلا ترى إلا نصالا حامية تجرد حياتك من حياتها، كأننا رهائن لا أكثر وربما أقل، رهائن يهدد بقتلنا في مجالس الأمم، إذا نقص كراء مزارعه أو تهدد محصوله النبيل، رهائن أسمائنا ورهائن طوائفنا ورهائن جغرافيا لا نستطيع منها فكاكا.

شراكة ضيزى وقسمة دم.

المنتهى

سيكونون في الغد القريب جالسين لتقاسم الدم السوري، بعدما استتبت قسمة الجغرافيا على مجلى الأطماع الإقليمية والدولية، سيجلس الجميع مع الجميع حين تقترب الحفلة من نهايتها ليوزعوا المهام النهائية: من سيأخذ بقايا الكعكة السورية، من سينظف صحون العشاء، من سيلملم الفوضى المتروكة  تحت الكراسي والسجاجيد الثمينة، وحده السوري الجائع والنازح والمهجّر واللاجئ والقتيل، السورية المطعونة والمهجورة والمبتلية بفقد الزوج والابن، وحده من دفع الثمن السابق وسيدفع لاحقا ارتهانا واحتلالا، من سيجلس آخر النهار على مائدة الذلّ ليلوك طبخة بحص لا طعم لها برائحة حرية كانت لفترة ما قريبة قرب الهواء الجاف الذي نتنفسه الآن.

رياح آميركية – روسية  على  الجنوب السوري

رياح آميركية – روسية على الجنوب السوري

التركيز حالياً على «هدنة الجنوب» السوري. هي تقع بين حافتين: أفكار أميركية – أردنية مع روسيا مرفقة بتحذيرات للحفاظ على اتفاق «خفض التصعيد» وتنفيذه بنوده بما في ذلك إبعاد «حزب الله» تنظيمات تابعة لإيران من جهة، وتشجيع طهران لدمشق للذهاب إلى الحل العسكري والتلويح بأسلوب «الأرض المحروقة» من جهة ثانية. وكان لافتاً أمس، إعلان واشنطن موقفاً تضمن مطالبة موسكو بالوفاء بالتزاماتها بموجب بيان الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين العام الماضي.

بعد غوطة دمشق وريف حمص، كان النقاش عن الوجهة المقبلة للمعارك والتسويات في سوريا: جنوب غرب، شمال غرب، شمال شرق. والفرق بين المناطق هو عمق الانخراط الخارجي. اتفاقات «خفض التصعيد» شرق دمشق وشمال حمص حصلت بضمانة روسية ورعاية مصرية، غير أنه في الاتفاقات الأخرى كان هناك انخراط مباشر عسكري ودبلوماسي لدول مجاورة و/ أميركا وروسيا. إذ إن اتفاق «خفض التصعيد» في جنوب غربي البلاد حصل باتفاق روسي – أميركي – أردني بعيداً عن عملية آستانة، فيما يقع اتفاق إدلب ضمن عملية آستانة التي تضم روسيا وتركيا وإيران. أما منطقة شمال شرقي البلاد، فإنها محكومة باتفاق «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي اللذين اعتبرا نهر الفرات خط الفصل بينهما بعد معاركهما ضد «داعش».

رياح الجنوب

تشكل أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء جنوب سوريا إحدى مناطق خفض التصعيد باتفاق أميركي – روسي – أردني في يوليو (تموز). وحاولت قوات النظام العام الماضي مراراً التقدم إلى أحياء سيطرة الفصائل في المدينة وخاضت ضدها معارك عنيفة من دون أن تحرز تقدماً بعد صد «الجيش السوري الحر» المهاجمين.

بعد الغوطة وحمص، الواضح أن دمشق حسمت خياراتها بدفع قواتها وتنظيمات تدعمها إيران إلى الجنوب وشمل ذلك قوات العميد سهيل الحسن المعروف بـ«النمر» والفرقة الرابعة و«لواء القدس» التابع لـ«الجبهة الشعبية – القيادة العامة» بزعامة أحمد جبريل بعد الانتهاء من معارك مخيم اليرموك قبل أيام. كما ألقت مروحيات منشورات، وطبعت على أحد المنشورات صورة مقاتلين قتلى مرفقة بتعليق: «لا تكن كهؤلاء. هذه هي النهاية الحتمية لكل من يصر على الاستمرار في حمل السلاح (…) اترك سلاحك قبل فوات الأوان». وكتب على آخر: «أمامك خياران، إما الموت الحتمي أو التخلي عن السلاح، رجال الجيش قادمون، اتخذ قرارك قبل فوات الأوان».

وحضت منشورات أهالي درعا، التي انطلقت منها «شرارة الثورة» في 2011، للتعاون مع قوات الحكومة ضد «الإرهابيين»، علماً بأن دمشق تصف جميع المعارضين بأنهم «إرهابيون»، وأن مقاتلي الجنوب هم من «الجيش الحر» باستثناء عدد قليل من عناصر تابعين لتنظيمات متطرفة.

وتسيطر فصائل معارضة على سبعين في المائة من محافظة درعا، وعلى أجزاء من مركز المحافظة. وتوجد في المدينة القديمة الواقعة في القسم الجنوبي من درعا فيما تحتفظ قوات الحكومة بسيطرتها على الجزء الأكبر شمالاً، حيث الأحياء الحديثة ومقرات مؤسسات الحكومة.

وبالتزامن مع انطلاق عملية «آستانة» التي قاطعتها أميركا، انطلقت بين واشنطن وموسكو وعمان في مايو (أيار) العام الماضي، مفاوضات لإقامة منطقة «خفض تصعيد» جنوباً أسفرت في يوليو عن اتفاق بين الرئيسين ترمب وبوتين على هامش قمة هامبورغ، ثم جرى التأكيد عليه خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك)، في دانانغ في فيتنام في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وقتذاك، توصل وزيرا الخارجية الأميركي حينها ريكس تيلرسون، والروسي سيرغي لافروف، إلى اتفاق، أُعلِن باسم الرئيسين ترمب وبوتين في 11 نوفمبر تضمّن عناصر، بينها أهمية «خفض التصعيد» في الجنوب باعتباره «خطوة مؤقتة» للحفاظ على وقف النار، وإيصال المساعدات الإنسانية بهدف «الخفض والقضاء النهائي على وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة لضمان سلام أكثر استدامة»، في إشارة إلى عناصر الميليشيات الإيرانية و«حزب الله».

وكانت وُقعت في عمان، في 8 نوفمبر، مذكرة تفاهم لتنفيذ اتفاق، وتضمنت تأسيس مركز رقابة في عمان لتنفيذ الاتفاق الثلاثي لاحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف، وتحديد خطوط القتال، وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام، وتشكيل مجلس محلي معارض، واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود.

بالنسبة إلى موسكو، فالخطة التي ضمنت تعاوناً روسيّاً – أميركيّاً، تعني القضاء نهائيّاً على «جبهة النصرة» و«جيش خالد» التابع لـ«داعش». وقدمت وقتذاك إدارة ترمب تنازلاً بأنها جمدت البرنامج السري لدعم فصائل المعارضة بتنسيق من «غرفة العمليات العسكرية» بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) في الأردن. ونهاية العام الماضي، أوقف الدعم العسكري والمالي فعلياً لـ35 ألف مقاتل معارض في «جبهة الجنوب».

ومنذ نوفمبر الماضي جرت سلسلة لقاءات أميركية – روسية – أردنية لتنفيذ الاتفاق الثلاثي. حيث جرى تبادل الاتهامات، واشنطن تقول إن «موسكو لم تلتزم إبعاد (القوات غير السورية) بين 5 و15 كيلومتراً في المرحلة الأولى، و20 – 25 كيلومتراً بالمرحلة الثانية. وموسكو التي نشرت بعض نقاط المراقبة ضمن منطقة فصل تلف خط القتال بين النظام والمعارضة، تقول: إن واشنطن لم تلتزم محاربة (النصرة) و(جيش خالد)».

لكن الاتفاق بقي صامداً مع وقف عمليات القصف والعمليات الهجومية. وخلال معارك غوطة دمشق حاول معارضون الاستنفار لـ«نجدة الغوطة»، فجاء الجواب من السفارة الأميركية في عمان برسالة بعثت إلى قادة فصائل «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر»، فيها أن الضربات من الطيران الروسي أو السوري «لا تعني بأي شكل من الأشكال نهاية اتفاق خفض التصعيد الموقع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأردن ولا تشير إلى أي تغيير في سياستنا العامة تجاه سوريا». وتابعت: «كدولة ضامنة لاتفاق خفض التصعيد، لا نرغب بأن نرى النظام يأخذ أراضيكم في الجنوب ونريد حفظ حقكم بالمطالبة بدولة الحرية والعدالة، لذلك نطلب منكم الحرص الكامل على عدم إعطاء النظام وحلفائه أي فرصة للانقضاض عليكم أو يقوم في درعا والقنيطرة بما قام به في الغوطة الشرقية» (قبل انتهاء المعارك). وفي إشارة تحذيرية، جاء في الرسالة: «إذا بادرتم في عمل عسكري ينتهك خفض التصعيد لن نستطيع أن ندافع عنكم، وإن بادر النظام بانتهاك الاتفاق فسنفعل أقصى ما بوسعنا لوقف الانتهاك وضمان استمرار اتفاقية خفض التصعيد».

عرض ـ تحذير أميركي

مع اقتراب التعزيزات إلى درعا وإجراء ميلشيات إيرانية عمليات إعادة انتشار وبث حملات دعائية، بدأ حلفاء المعارضة البحث في الخيارات. وبحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن مساعد نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد عكف في الأسبوع الماضي على صوغ مقترح استمزجه مع دول إقليمية. وتضمن العرض الذي كان مقررا بحثه مع الجانب الروسي: انسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية إلى عمق 20 – 25 كيلومتراً من الحدود الأردنية (علماً بأن الاتفاق الثلاثي نص فقط على انسحاب المقاتلين غير السوريين فقط، في إشارة إلى ميلشيات إيران) للاعتقاد أن إيران جنّدت ميليشيات سورية، نقل مقاتلي المعارضة وأسرهم إلى إدلب شمال سوريا (التقديرات بأنهم نحو 12 ألفاً)، عودة الجيش النظامي إلى الحدود وعودة مؤسسات الدولة إلى درعا، إعادة فتح معبر نصيب بين سوريا والأردن، إضافة إلى تشكيل آلية أميركية – روسية للرقابة على تنفيذ هذه البنود.

والأهم، أن أفكار ساترفيلد، الذي عُيِّن الباحث في مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ديفيد شنكر بدلاً منها، تضمنت احتمال تفكيك معسكر التنف الأميركي في زاوية الحدود السورية – الأردنية – العراقية، الذي تعرض لانتقادات علنية من موسكو. وربط دبلوماسيون بين هذا «العرض» والوجود الأميركي شمال شرق سوريا بعد هزيمة «داعش».

كما حاول مسؤولون أردنيون التواصل مع الجانب الروسي للحصول على «ضمانات» بتأمين الحدود وعدم قدوم لاجئين جدد إلى الأردن، وفتح المجال لعودة لاجئين سوريين إلى بلادهم، في وقت بحث معارضون من الجنوب تداول اقتراحاً تضمن تدمير المعارضة للسلاح الثقيل أو تسليمه إلى دمشق ونشر عناصر من الشرطة الروسية بين حدود الأردن ودرعا بعمق 18 كيلومتراً، إضافة إلى عمل آلاف من مقاتلين معارضين كشرطة محلية وعودة مؤسسات الدولة إلى الجنوب.

لكن مفاوضات داخل إدارة ترمب، رجحت خط وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الجديدين مايك بومبيو وجون بولتن، خصوصاً أن ساترفيلد على وشك ترك منصبه، وربما كي يصبح سفيراً في أنقرة، إذ أعلنت الخارجية الأميركية أمس بياناً تضمن تحذيراً من أنها ستتخذ «إجراءات حازمة ومناسبة»، ردّاً على انتهاكات وقف إطلاق النار، قائلة إنها تشعر بقلق بشأن تقارير أفادت بقرب وقوع عملية عسكرية.

وقالت هيذر ناورت الناطقة باسم الوزارة في بيان: «تشعر الولايات المتحدة بالقلق من التقارير التي أشارت إلى عملية وشيكة لنظام الأسد في جنوب غربي سوريا، ضمن حدود منطقة تخفيف التصعيد التي تم التفاوض عليها بين الولايات المتحدة والأردن والاتحاد الروسي في العام الماضي، وتم التأكيد عليها بين الرئيسين ترمب وبوتين في دا نانغ في فيتنام في نوفمبر. لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على استقرار منطقة تخفيف التصعيد في جنوب غربي البلاد، ووقف إطلاق النار الذي تقوم عليه. ونحذر أيضاً النظام السوري من أي أعمال قد تشكل خطر توسيع دائرة الصراع أو تعريض وقف إطلاق النار للخطر. ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات صارمة ومناسبة رداً على انتهاكات نظام الأسد بصفتها ضامناً لمنطقة خفض التصعيد مع روسيا والأردن». وتابعت: «روسيا مسؤولة على النحو الواجب كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لاستخدام تأثيرها الدبلوماسي والعسكري على نظام الأسد لوقف الهجمات وإجباره على وضع حد لأي هجمات عسكرية مستقبلية. يجب على روسيا أن تفي بالتزاماتها المعلنة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254 ووقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا بحسب ما هو محدد في بيان دا نانغ بين الرئيسين ترمب وبوتين».

انسحابات وتفاهمات

تزامن تجديد الحديث عن سحب الميلشيات المدعومة من إيران من جنوب سوريا والضغط لالتزام «هدنة الجنوب» مع عنصرين: أولاً، استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية وأخرى تابعة لـ«حزب الله» في سوريا، ثانياً، حديث الرئيس بوتين بعد لقائه الرئيس بشار الأسد الأسبوع الماضي عن ضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا.

ولاحظ مسؤول غربي أن القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا تزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو «ما يعني موافقة سياسية روسية وميدانية لأنها الجيش الروسي لم يشغل منظومة صواريخ إس – 400 الموجودة غرب سوريا». وأضاف: «كان لافتاً أن روسيا لم تتحرك دبلوماسيّاً بعد الغارات الروسية ولم تنتقد الغارات كما فعلت بعد الغارات الثلاثية الأميركية – البريطانية – الفرنسية على مواقع تابعة للحكومة في أبريل (نيسان) الماضي ردّاً على هجوم كيماوي في دوما عندما نقلت الملف إلى الأمم المتحدة وسط انتقادات إعلامية وسياسية».

أما بالنسبة إلى البند الثاني، يتعلق بكلام بوتين عن «انسحاب جميع القوات الأجنبية» من سوريا، بل إن مبعوث الرئيس الروسي ألكسندر لافرينييف حدد المقصود بجميع القوات ذاكراً بالاسم إيران و«حزب الله» وتركيا وأميركا، الأمر الذي رد عليه ناطق باسم الخارجية الإيرانية بان وجود إيران بناء على طلب «الحكومة الشرعية»، الأمر الذي كرره بمعنى ما نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد.

واعتبر دبلوماسيون ذلك أنه إشارة إلى شقوق إضافية بين روسيا التي تملك اتفاقات رسمية مع دمشق تشرعن وجود قاعدتي طرطوس وحميميم من طرف وإيران التي سعت ولم تنجح للحصول على صك قانوني يشرعن وجود قواتها في سوريا من طرف آخر، وأن دمشق تحاول الموازنة بين «الحليفين، لكن ذلك يزداد صعوبة مع اقتراب المعارك من مناطق تفاهمت موسكو مع دول خارجية حولها، ما بدا أن دمشق باتت أقرب إلى الخيار الإيراني فيما يتعلق بمعركة الجنوب».

وقال أحد الدبلوماسيين إن الأيام الماضية شهدت «إعادة انتشار» لقوات تنظيمات تابعة لإيران وفق الآتي: «عادت الميليشيات و(حزب الله) بضعة كيلومترات بعيداً من الحدود الأردنية، لكن بقيت أقرب إلى الجولان. إذ إن (حزب الله) تحرك في مواقعه في معسكر البعث وهضبة تل أيوب 4 – 5 كيلومترات إلى بلدتي حمريت ونبع الفوار، كما أن عناصر الحرس الثوري انتقلت من درعا المدينة إلى ازرع لكنها بقيت على جبهات القتال الشمالية، إضافة إلى انتقال لواء القدس الفلسطيني من مخيم اليرموك إلى درعا».

في موازاة ذلك، بعثت دمشق مقترحاً عبر وسطاء إلى دول إقليمية تضمّن: انسحاب «حزب الله» وميلشيات إيران 25 كيلومتراً بعيدا من خط فك الاشتباك من هضبة الجولان المحتلة، وفق ترتيبات تسمح بوجود مجالس محلية في بيت جن وقرى في الجولان المحرر والبحث عن إمكانية إحياء اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974 الذي يتضمن منطقة محايدة ومنطقة منزوعة السلاح وأخرى محدودة السلاح يراقبها نحو 1200 عنصر من «قوات الأمم المتحدة لفك الاشتباك» (اندوف).

لكن في الوقت نفسه تواصل دمشق مدفوعة من إيران تعزيز قواتها وآلياتها إلى الجنوب، حيث تطرح سيناريوهات مشابهة لغوطة دمشق، وقبل ذلك شرق حلب، بحيث تتقدم القوات من درعا إلى معبر نصيب مع الأردن ليتم فصل شرق منطقة اتفاق «خفض التصعيد» عن غربها مع السيطرة على تلال استراتيجية وتكثيف الغارات و«قضم المناطق واحدة بعد الأخرى تحت التهديد بالنار والتسويات». عمليّاً يعني ذلك دفع المعارضة للاختيار بين ثلاثة نماذج: «نموذج دوما» الذي طبق شمال غوطة دمشق، و«نموذج حمورية» في الغوطة التي تعرضت لنهج «الأرض المحروقة»، و«نموذج سقبا» الذي يقع في الوسط بين النهجين.

وتحاول دمشق وضع ذلك تحت غطاء محاربة «جبهة النصرة» أو «جيش خالد» التابع لـ«داعش»، وأن كان اتفاق خفض التصعيد الثلاثي نص على أن ذلك من مسؤولية ضامني الاتفاق، أي أميركا وروسيا، الأمر الذي أكدت عليه واشنطن أمس من خلال بيان الخارجية.