دمشق وحلم السكن المستحيل

دمشق وحلم السكن المستحيل

بعدما كانت مسألة امتلاك بيت في مدينة دمشق وريفها بالنسبة لذوي الدخل المحدود والمتوسط، قبل سنوات الحرب أشبه بحلم يمكن تحقيقه بعد سنوات من العناء، بات الأمر حاليا مستحيلا وصعب المنال، مع الارتفاع الجنوني لأسعار العقارات، بعد دمار ملايين المنازل خلال سنوات الحرب، ونزوح أكثر من ربع سكان البلاد.

في نيسان 2009 وضع تقرير “نيوأوفس سبيس ريبوربت” الدولي  الذي يحدد المدن العشر الأكثر غلاء في أسعار المحال التجارية والمكاتب مدينة دمشق في مصاف أكثر ١٠ مدن غلاء في أسعار العقارات التجارية عالميا.

التقرير ذكر حينها، أن “مدينة دمشق احتلت المرتبة الثامنة في أسعار العقارات التجارية عالميا”، مشيرا إلى أن “سعر المتر المربع في دمشق يصل إلى ٩٧٩ يورو وسطيا” بما يعادل ٦٥ ألف ليرة سورية (اليورو كان حينها يساوي نحو ٦٥ ليرة) .

هونغ كونغ وفق التقرير، احتلت المرتبة الأولى بين المدن الأكثر غلاء بأسعار العقارات التجارية بسعر ١٧٤٣ يورو للمتر المربع تلاها طوكيو بـ ١٦٤٩ للمتر المربع ومن ثم لندن بـ ١٤٠٣ يورو، وأتت  موسكو بالمرتبة الرابعة، ثم مدينة دبي، وبعدها بومباي، بينما شغلت باريس المرتبة السابعة لتحتل دمشق المرتبة الثامنة وسنغافورة التاسعة بعدها، ثم نيويورك المرتبة العاشرة.

خلال تلك الفترة كان سعر منزل مساحته ١٠٠ متر مربع في مدينة دمشق ما بين أربعة إلى خمسة ملايين ليرة (الدولار حينها كان يساوي نحو ٥٠ ليرة)، بينما في مناطق العشوئيات المحيطة بالمدينة  كان ما بين مليون ونصف ومليونين، أي ما يوازي أجر الموظف السوري ( ٣٠ ألف ليرة مرتب الموظف شهريا) مدة  ستة أعوام.

العديد من ذوي الدخل المحدود في تلك الفترة كانوا يقضون ١٥ إلى ٢٠ عاما من التقشف والعيش على الكفاف حتى يتمكنوا في النهاية من شراء منزل في عشوائيات محيط العاصمة  والتي توصف بأحزمة الفقر السرطانية.

الأغلى عالميا

بيد أن الحرب وما دمرته من منازل وما أفرزته من مناطق آمنة أو شبه آمنة، زاد من ارتفاع الأسعار، لتغدو أسعار المساكن في سورية، قياساً بين العرض والدخول، هي الأغلى عالمياً  وربما دونما منازع.

في إحصائية أصدرتها “الاسكوا” مؤخرا،  يتبين أن عدد المنازل المهدمة في سورية بلغ ٢.٥ مليون منزل، منها ٣١٥ ألف منزل تعرض للدمار الكامل، مع دمار البنية التحتية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي، و ٣٠٠ ألف منزل تعرض للتدمير الجزئي.

الدراسة تذكر، أن محافظة حلب تصدرت المحافظات الأكثر تضرراً من جهة دمار المنازل بتدمير حوالي نصف منازلها، ويُقدر عددها بـ ٤٢٤ ألف منزل مدمر كلياً أو جزئياً، تلتها ريف دمشق بتدمير نصف منازلها أيضا وتُقدر بـ ٣٠٣ آلاف منزل، ثم حمص بتدمير حوالي ٢٠٠ ألف منزل، فإدلب بتدمير حوالي ١٥٦ ألف منزل، فدرعا بتدمير حوالي ١٠٥ آلاف منزل، من ثم دير الزور بتدمير حوالي ٨٢ ألف منزل، تلتها حماة بتدمير حوالي ٧٨ ألف منزل، ومن ثم الرقة بتدمير حوالي ٥٩ ألف منزل،  فاللاذقية بتدمير حوالي ٥٧ ألف منزل، فالحسكة بتدمير حوالي ٥٦ ألف منزل، من ثم دمشق بتدمير حوالي ٣٧ ألف منزل، وتلتها طرطوس بتدمير حوالي ١٢ ألف منزل، ومن ثم السويداء بتدمير حوالي ٥ آلاف منزل، وأخيراً القنيطرة بتدمير حوالي ٩٠٠ منزل.

مع تهدم تلك المنازل شهدت سورية حركة نزوح كبيرة، وأشارت الدراسة نفسها إلى أن ما يقرب من ٧ مليون شخص تأثروا بالدمار، وأنّ ٣ ملايين شخص اضطروا للنزوح، وفقد مليون مواطن ممتلكاتهم بشكل كامل وسط توقعات بارتفاع هذه الأرقام مع استمرار المعارك.

اندفاع النازحين إلى مناطق سيطرة النظام بسبب تمتعها بالأمان مقارنة بالمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، أدى إلى ارتفاع أسعار العقارات فيها بشكل تدريجي خصوصا مدينة دمشق، التي وصل عدد السكان فيها إلى ما يقارب ثمانية ملايين شخص بعد أن كان نحو أربعة ملايين قبل الحرب.

شقة المليار

يصل سعر منزل مساحته ١٠٠ متر مربع في أحياء وسط دمشق المنظمة مثل “أبو رمانة” و”المالكي” اليوم نحو ٤٠٠ إلى ٥٠٠ مليون ليرة، بعد أن كان قبل الحرب نحو ٥٠ مليون، وفي المزة غرب العاصمة إلى أكثر من ١٥٠ مليون بعد أن كان  ما بين ٢٠ إلى ٢٥ مليون، بينما في منطقة “الزاهرة” جنوب العاصمة نحو ٥٠ مليون بعد أن كان خمسة ملايين.

صفحات العقارات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعرض إعلانات عن شقق يريد أصحابها بيعها في مناطق مختلفة من العاصمة، تعتبر اليوم المؤشر الأبرز على أسعار العقارات في العاصمة دمشق ومحيطها.

بعض الإعلانات على تلك الصفحات تثير جنون السوريين، إذ بلغ سعر شقة معروضة للبيع ٩٩٠ مليون ليرة سورية في منطقة المالكي، وأخرى في مشروع دمر ٥٠٠ مليون ليرة.

خبراء في مجال العقارات يعزون لـ “صالون سورية” أسباب  القفزات الخيالية في أسعار العقارات إلى “العجز الحاد في المعروض” و”التراجع الكبير في سعر العملة السورية أمام العملات الأجنبية”، فالدولار اليوم يبلغ سعره  نحو ٤٥٠ ليرة بعد أن كان أقل من ٥٠ ليرة قبل الحرب.

هؤلاء الخبراء، يوضحون أن الغلاء الذي طال كافة مستلزمات الحياة، ومنها مواد البناء أدى إلى ارتفاع تكاليف إكساء المنازل إلى أرقام فلكية، ويبينون أن تكلفة إكساء شقة من ١٠٠ متر مربع  كسوة عادية تقارب ما يزيد على ٧ ملايين ليرة.

يصل  سعر طن الإسمنت حاليا من مصدره نحو ٥٠ ألف ليرة بعد أن كان لا يتجاوز أربعة آلاف، وطن الحديد المسلح ٣٠٠ ألف ليرة بعد أن كان لا يتجاوز ٢٥ ألف، بينما تبلغ تكلفة سيارة الرمل سعة ١٠ أمتار نحو ٨٠ ألف ليرة سورية بعد أن كانت ٥ ألاف ، على حين وصل سعر بلوك البناء إلى ١٥٠ ليرة للقطعة الواحدة.

وبينما وصل سعر السيراميك المصنع محلياً والمنخفض الجودة  إلى ٣٠٠٠ ليرة، والمستورد ٨٠٠٠ ليرة كالمصري والإيراني، وما يقارب ١٥،٠٠٠ ليرة للسيراميك الإماراتي، يبلغ سعر متر الرخام المحلي ٢٠،٠٠٠ ليرة، والمستورد ٥٠،٠٠٠ ليرة، على حين يصل سعر الباب الخشبي إلى مايقارب الـ ٢٠٠ ألف ليرة بشكل وسطي. كما أن تركيب المطابخ الخشبية الحديثة أصبح يكلف أكثر من ٦٠٠ ألف ليرة وتزداد التكلفة تبعاً لنوع الخشب والمساحة المطلوبة، بينما يبلغ وسطي سعر الباب الألمنيوم ٥٠،٠٠٠ ليرة دون أجور التركيب، وسعر النوافذ الألمنيوم نحو ٦٠،٠٠٠ ليرة للنافذة الواحدة.

التملك للحرامية

أب لثلاثة أولاد في العقد الخامس من عمره يعمل موظفاً في إحدى الشركات الخاصة، بعد أن دمر القصف منزله في ريف العاصمة الغربي، نزح إلى مدينة دمشق، ويسكن حالياعند أحد أقاربه، يعتبر أن حيازة منزل في سنوات ما قبل الحرب كان بمثابة حلم لكن يمكن تحقيقه بعد سنوات من العمل. ويتابع، “أما الآن فالأمر بات حلماً لا يمكن تحقيقه في ظل الأسعار الرائجة. مرتب الموظف مدى الحياة  لا يمكن أن يكفي لثمن بيت بأسعار اليوم. التملك لم يعد لنا وإنما لهم”، في إشارة إلى الكثير من الأشخاص ممن استغلوا الحرب الدائرة في البلاد لتكوين ثروات ضخمة بطرق غير مشروعة (السرقة، التعفيش، الخطف…).

ورغم التراجع الكبير الذي حصل في سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، إلا أن مرتبات الموظفين الشهرية بقيت على حالها، لا تتجاوز ٤٠ ألف ليرة للدرجة الأولى (أقل من ١٠٠ دولار اميركي).

الارتفاع غير المسبوق في أسعار العقارات بأحياء وسط العاصمة المنظمة، أدى إلى توجه النازحين إلى مناطق السكن العشوائي المحيطة بالعاصمة مثل “نهر عيشة” و”الدحاديل” و”دف الشوك” و”التضامن” والقزاز” التي تضاعفت الأسعار فيها أضعافاً مضاعفة، ذلك أن سعر منزل فيها مساحته ١٠٠ متر مربع يصل إلى أكثر من 20 مليون ليرة بعد أن كان لا يتجاوز مليون قبل الحرب.

ازدهار العشوائيات

هذه الحال كان لها أثر كبير في ازدهار عدد من هذه المناطق العشوائية لتشهد حركة عمرانية متزايدة باطراد خلال السنوات الأخيرة رغم أنه لا يتوفر فيها كثير من شروط الحياة الصحية والطبيعية والمرافق الأساسية.

في عام ٢٠٠٧ قدرت أرقام المكتب المركزي للإحصاء في سوريا نسبة السكن العشوائي في البلاد بـ٥٠%، مع إقامة ما يقارب ٤٥% من سكان دمشق في منازل عشوائية ومناطق مخالفات، بينما أشارت إحصائيات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى توسع هذه المناطق بنسبة ٢٢٠% بين العامين ١٩٩٤ و٢٠١٠.

أما خلال الأعوام السبعة الماضية، ومع استمرار نيران الحرب في محيط العاصمة، فتتحدث تقارير سورية رسمية، كان آخرها الشهر الماضي، عن “ازدياد حالات مخالفات البناء في كافة مناطق العشوائيات بدمشق، وذلك يعود لارتفاع أسعار العقارات النظامية والإيجارات التي تضاعفت عشرات المرات.

ولم يمنع صدور مرسوم تشريعي عام ٢٠١٢ يقضي “بإزالة الأبنية المخالفة مهما كان موقعها ونوعها، وفرض غرامة مالية وعقوبة بالسجن تصل إلى سنة على كل من تثبت مسؤوليته عن المخالفة” من الاستمرار بتشييد المنازل العشوائية وبناء طوابق إضافية فوق المنازل الموجودة، في دليل على غياب سلطة القانون وسيادة الرشوة والمحسوبيات، مع عجز السلطات عن قمعها أو ملاحقتها.

مصادر في “هيئة التخطيط والتعاون الدولي” التابعة للحكومة قدرت الشهر الجاري بحسب وسائل إعلام محلية، أن عدد الوحدات السكنية المخالفة، التي بنيت خلال سنوات السبع الماضية بسوريا، قاربت المليون وحدة سكنية، أي بمعدل ١٠٥ آلاف وحدة سنوياً.

وتفتقر هذه الوحدات السكنية لأدنى معايير السلامة والأمان، كونها بنيت على عجالة بقصد التجارة والربح وسط حالة من الفوضى والانفلات الأمني الذي تشهده العاصمة دمشق مع غياب سلطة القانون، مما سمح لمالكي الأراضي ببناء منازل أو إضافة طوابق جديدة.

ولا يبدو أن الحكومة السورية تمتلك أي خطة لاستيعاب مئات آلاف النازحين الوافدين للعاصمة من المناطق المنكوبة في أنحاء البلاد، أو تخفيف وطأة ارتفاع الأسعار، تبقى مناطق السكن العشوائي التي لا تتوفر فيها كثير من شروط الحياة الصحية والطبيعية والمرافق الأساسية الملاذ الوحيد لمن ضاقت بهم سبل العيش وعجزوا عن تأمين مساكن لائقة في أحياء العاصمة النظامية.

منازل أشبه بقبور

وسيم أب لثلاثة أولاد يتحدث عن معاناته المريرة في البحث عن منزل بعد نزوحه من محافظة درعا إلى العاصمة دمشق وتنقله في السكن عند أقاربه إلى أن استقر به الأمر بشراء منزل لا تتجاوز مساحته ٣٥ مترا (غرفة ومطبخ وحمام وموزع صغير) بسعر ستة ملايين ليرة في منطقة القزاز العشوائية شرق العاصمة. ويوضح أن كامل المبلغ  استدانه من عدد من أقاربه الذين يعملون في بلدان أوروبية ودول الخليج كون مرتبه الشهري حاليا يكاد لا يكفيه ثمن الخبر والطعام، ويقول:  هو “أشبه بقبر ولكن هكذا أفضل”، ويضيف: “تجار العقارات خلال الازمة أظهروا كل جشعهم.  تعاملوا معنا على مبدأ أحسنوا الذبح!”

جشع المؤجرين

وفي ظل الركود الحاصل في عمليات البيع والشراء للمنازل بسبب ارتفاع أسعارها، ازدهرت عمليات تأجير المنازل بشكل غير مسبوق،  وتضاعفت الأسعار في الكثير من المناطق إلى أكثر من ٢٠ ضعفا، لدرجة أنه يتعذر وجود منازل للإستئجار في عدد من المناطق.استئجار منزل في العاصمة دمشق بات مهمة صعبة للغاية، وكثيرة التكاليف على المواطن السوري، فعملية استئجار شقة ليست بالأمر السهل مادياً ولناحية الإجراءات الإدارية، حيث تحتاج عند رغبتك في استئجار شقة معينة، أن تحصل على موافقة أمنية، وهي غالباً ما يتم دفع رشى للحصول عليها، وتتدرج بحسب المنطقة من ٢٥ الى ١٠٠ الف ليرة.

في الأحياء النظامية مثل “أبو رمانة”  يصل بدل إيجار الشقة الشهري نحو ٣٠٠ ألف ليرة سورية بعد أن كان يقارب ٢٥  ألفاً قبل الحرب، على حين يطلب أصحاب شقق في “المالكي” بدل إيجار شهر يصل إلى حوالي نصف مليون ليرة، بينما تكون الأسعار أقل نوعاً ما في منطقة الميدان حيث يصل بدل الاستئجار الشهري للشقة إلى ما بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ ألف ليرة بعد أن كان نحو ٥ آلاف، على حين يبلغ أجار الشقة في مناطق المخالفات ما بين ٧٥ الى ١٠٠ ألف ليرة بعد أن كان لا يتجاوز ٣ آلاف.

العديد من أصحاب المنازل في مناطق سيطرة النظام، وفي ظل انعدام فرص العمل واستفحال البطالة توجه إلى الاستثمار في تأجير المنازل خصوصاً وأن المردود المادي للإيجار مرتفع، مقارنة مع باقي المهن الأخرى، وباتوا يشترطون ألا تتجاوز المدة الزمنية للعقد ثلاثة أشهر، من أجل رفع قيمة بدل الإيجار الشهرية كلما تم تنظيم عقد جديد، كما باتوا يشترطون دفع أبدال الإيجار عن الأشهر الثلاثة دفعة واحدة سلفاً بمجرد تنظيم العقد.

وبما أن العقد يعتبر منتهياً بمجرد انقضاء مدته الزمنية، يعمد الكثير من أصحاب الشقق السكنية إلى الطلب من المستأجر الإخلاء إذا لم يتوفر معه مبلغ بدل الإيجار عن ثلاثة أشهر جديدة.

ويقول  أحدهم ممن يمتلكون  ثلاث شقق في حي نهر عيشة غرب العاصمة لـ”صالون سورية”: “هي موردنا  الوحيد ونريد أن نعيش نحن وأبناؤنا.”

في المقابل، يعتبر أحد النازحين ويعمل بائع خضار في أحد أسواق جنوب العاصمة، أن الرحمة فقدت من قلوب الناس، “ولم يعد هؤلاء (أصحاب الشقق السكنية) يراعون حتى آباءهم فالطمع والاستغلال والجشع عشعش في قلوبهم وعقولهم.”

تبخر أمل العودة

الكثير من النازحين توسم خيرا لناحية انخفاض أسعار العقارات وأبدال إيجارات المنازل مع استعادة جيش النظام وحلفائه السيطرة على العديد من المناطق والسماح بعودة بعض الأهالي إلى أحيائهم، لكن سرعان ما خاب أملهم بذلك نتيجة الدمار الكبير الذي طال منازلهم وعدم إمكانية السكن فيها إلا بعد عمليات ترميم تحتاج إلى مبالغ كبيرة جدا غير متوفرة لديهم.

وفي المناطق التي سمح النظام للأهالي بالعودة إلى منازلهم فيها بعد أن استعاد السيطرة عليها، فوجئ هؤلاء الأهالي بخلو المنازل والمحال التجارية من أي أثاث ومقتنيات، حتى إن بعض المنازل بدت كأنها قيد الإنشاء وتحتاج إلى عملية إكساء شاملة، إثر سرقة الأبواب والنوافذ وخلاطات المياه والمفاتيح والأسلاك الكهربائية، وحتى”المراحيض الإفرنجية.”

ومنذ بدء الحرب في البلاد قبل نحو سبع سنوات شهدت أسعار المواد الغذائية والخضراوات ومختلف السلع المنزلية في عموم البلاد، ارتفاعاً تدريجياً، ووصلت إلى حد غير مسبوق، بسبب انخفاض مستوى سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، وتضاعفت غالبية الأسعار عشر مرات عما كانت عليه قبل الحرب.

وانعكس ذلك سلباً على الحالة المعيشية للمواطنين، مع بقاء سقف المعاشات الشهرية للموظفين على ما هو عليه، على حين يقدر اقتصاديون حاجة الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد حالياً إلى ٨٠٠ دولار شهرياً لتستطيع مواصلة حياتها بشكل وسطي.

وكشفت دراسة أعدها في أيار ٢٠١٦ “مركز الرأي السوري للاستطلاع والدراسات”، وهو مركز موال للحكومة، عن أن نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر تصل إلى ٨٧ في المائة، وفقاً لمعيار البنك الدولي.

ويقدر أخصائيون، أن عمليات ترميم بسيطة لمنزل مساحتها نحو ١٠٠ متر مربع وتقتصر على إعادة تركيب أبواب ونوافذ وتمديدات كهربائية وصحية تصل تكلفتها إلى أكثر من خمسة آلاف دولار أميركي.

أم لأربع فتيات نزحت من الغوطة الشرقية وتسكن حاليا في أحد أحياء جنوب العاصمة قالت لـ”صالون سورية” بعد أن ذهبت وشاهدت منزلها الذي طاله دمار شبه كامل: “لا مجال للعودة ولا بخمس سنوات فالمنزل يحتاج الى إعادة بناء ولا يتوفر لدينا المال اللازم لذلك. يبدو أنهم  لا يريدون لنا أن نرتاح وأن نبقى تحت وطأة استغلال المؤجرين وتهديداتهم.”

أحد السماسرة العقاريين يعتبر في حديث لـ”صالون سوريا”، أن استعادة السيطرة على العديد من المناطق من قبل جيش النظام  لن تؤثر على أسعار العقارات كون ارتفاع أسعارها مرتبطاً بسعر الدولار وهذا الأخير “ما زال سعره على حاله”، لكنه رأى أن الأمر قد يؤدي إلى تراجع بسيط مع مرور الوقت في أسعار إيجارات المنازل خصوصا أن هناك مناطق تمت استعادتها باتفاقات تسوية ولم يحصل فيها دمار كبير.

تدمير صالات العرض

تدمير صالات العرض

أعلن الجيل الجديد للسينما السورية قطيعة مباشرة مع سينما الرواد، متخذين من مفردات الحرب مادةً جوهرية في صياغة أشرطتهم التي يبقى تقييمها رهناً للزمن الآتي، ففي حين نطل على تجارب لافتة على مستوى صياغة الفيلم بصرياً وفكرياً وجمالياً، تعاني أفلام الشباب من ضعف واضح في إنتاج بنية سينمائية بعيدة عن مشاهدات التلفزيون والفيديو كليب، لتبقى عشرات الأشرطة بعجرها وبجرها وثيقة عن زمن وقفت فيها كاميرات شباب وشابات سوريين في مواجهة الرصاص والقذائف، بعد أن فقدت البلاد العديد من صالات العرض، إضافةً لانقسام شاقولي عانت منه النخب السينمائية بين داخل وخارج.

واقع صالات العرض

مع انكفاء رؤوس الأموال الخاصة عن الإنتاج السينمائي السوري، باءت كل محاولات الحكومة السورية للاحتفاظ بصالات العرض السينمائية الخاصة؛ فمنعتها قوانين أصدرتها وزارة الثقافة منذ الثمانينات بعدم تحويلها إلى محلات تجارية.  لكن القانون الذي أصدرته وزيرة الثقافة السابقة نجاح العطار بحصر استيراد الأفلام من قِبل مؤسسة السينما، تم تعديله عام 2000 بإمكانية استثمار هذه الصالات وإعفاء أصحابها من كل الضرائب والرسوم في حال قيام ملاكها بإعادة ترميمها وصيانتها، فتم تعديل قانون استيراد الأفلام لإتاحة الفرصة لأصحاب هذه الصالات باستقطاب آخر إنتاجات السينما العربية والعالمية بتسهيلات واسعة مع سوق الأفلام الدولية، أو حتى السماح بتحويل هذه الدور إلى (مولات)- مراكز تجارية بشرط افتتاح صالات سينمائية صغيرة ضمنها.

شرط لم يعجب أصحاب هذه الصالات، فلم يطوروا من صالاتهم رغم الوعود التي قطعوها للمؤسسة العامة للسينما بالتطوير والتحديث، بل حوّلوها إلى أماكن عرض من الدرجة الثالثة، متبعين طريقة العرض المستمر لثلاثة أو أربعة أفلام يومياً وببطاقة دخول واحدة، ناشرين على جدران ومداخل صالاتهم ملصقات (بوسترات) لأفلام متهالكة أكل الدهر عليها وشرب.

اليوم توفي جميع أصحاب هذه الصالات، تاركين شأن هذه الدور العريقة للورثة الذين سافر قسم كبير منهم خارج البلاد من مثل عائلات مأمون الثري، صبحي فرحات وآل مسعود.

إن نزهة سيراً على الأقدام من شارع الفردوس وشارع شيكاغو باتجاه شارع ٢٩ أيار في العاصمة دمشق، سنلاحظ ما حلَّ اليوم بصالات دنيا و الفردوس و السفراء و الأهرام والخيّام والأمير وأوغاريت وسابقاً الزهراء قبل إغلاقها مؤخراً للصيانة. فجأة صار من المتعارف عليه أن هذه الأماكن تحولت إلى ما يشبه (غرف نوم مفروشة) لبنات هوى يقمن باستدراج شبان صغار إلى عتمة الصالة، مقابل مبالغ معلومة لمستخدمي الصالات التي ما زالت تعرض بتقنية الـ35 مم لكنها مؤخراً استخدمت تقنية الإسقاط (الفيديو بروجوكتور) لعرض أفلام بورنو مُقرصنة يشتريها القائمون على هذه الصالات من سوق البحصة المجاور!

تخبرنا الكتب وصور العروض والملصقات السينمائية بأن جمهور هذه الدور كان من الطبقة الوسطى التي اضمحلت وبادت مع سنوات الحرب السورية، فلا يمكن اليوم أن يدخل إلى هذه الصالات سوى من تقطّعت به السبل، ثم إن الصالة الوحيدة التي تم إعادة تأهيلها هي صالة (سينما سيتي- دمشق سابقاً) من قبل مستثمرها المنتج الراحل نادر الأتاسي، حيث وصل سعر بطاقة الدخول للشخص الواحد عام 2016 إلى  ٢٥٠٠ ليرة- ما يعادل ٦ دولارات أمريكية وهذا مبلغ ليس بإمكان المواطن العادي دفعه، إذا ما قرر أن يحضر مع عائلته إلى السينما.

ليست صالات دمشق من تعاني وحدها من هذا الواقع المزري، بل إن صالات حمص من مثل سينما حمص وصالة سينما الأمير قد توقفت بفعل الحرب وتم تدميرها بشكل كبير، وسرقة تجهيزاتها التقنية، ومثلها صالة سينما الأوبرا التي هُدمت وبُني مكانها مجمعات تجارية في المنطقة، وكذلك سينمات الشرق والفردوس والحرية، بينما تحولت كندي اللاذقية إلى ما يشبه مستودعاً حربياً، ومثلها كندي دير الزور التي أتت داعش عليها تخريباً وتدميراً، بينما فقدت حلب معظم صالاتها وعلى رأسها كل من صالة أوغاريت ليتم إعادة إحياء صالة الزهراء مؤخراً لتزاول تقديم عروضها.

بالمقابل ما تزال كندي طرطوس تعمل محتضنة ناديها السينمائي الذي تشرف عليه جمعية عاديات طرطوس بينما تستمر كل من صالتي كندي دمشق ودُمّر في عرض أفلام المؤسسة وأحدث تظاهرات سوق الأفلام العالمية، مع حضور خجول لعشاق السينما، حيث بقيت العروض التجارية لأفلام المؤسسة متوسطة الإقبال، في حين تحظى العروض الخاصة لهذه الأفلام بحضور إعلامي وفني كثيفين.

نوادي وأفلام    

دخل مشروع (دعم سينما الشباب) عامه السادس، ليكون بمثابة مختبر للمخيلة الجماعية الشابة في سنوات الحرب، حيث تزامن ذلك مع صعود نوادٍ سينمائية مستقلة في بعض المدن السورية؛ تقوم بعرض الأفلام السورية والأجنبية الممنوعة منها و المرخص بعرضها، إضافةً لمناقشتها مع الجمهور عبر إدارة مخرجيها ونقادها الشباب، كان أبرزها النادي الذي انشق عن نادي تيار بناء الدولة والذي كان يديره أنس جودة، فيما تقدم نادي LTC A- بإدارة الناشط السينمائي فراس محمد إلى واجهة الأنشطة السينمائية الأسبوعية، محتفياً بأفلام كل من نبيل المالح ومحمد ملص ورياض شيا وعبد اللطيف عبد الحميد وغيرهم، ليؤسس مؤخراً بدعم من مؤسسة السينما ما أسماه بـ (بيت السينما) إضافة لتفعيل (النادي السينمائي الجامعي) بالتعاون مع اتحاد الطلبة، وليكون لقاء شهرياً دورياً للجمهور مع أمهات الأفلام العالمية والعربية، التي يعقب عرضها نقاش حول الفيلم وتحليله فنياً وفكرياً وجمالياً بين صناع الفيلم وجمهور الطلبة.

في اللاذقية كان لمهرجان خطوات حضوره منذ عام 2014 والذي توقف جزئياً، إضافةً لدورات سيناريو أقامها الكاتب حسن م. يوسف هناك، في حين انفرد نادي حلب السينمائي بإدارة الناقد فاضل الكواكبي بأنشطته التي توقفت عام 2014 بعد ازدياد حدة المعارك في المدينة، فمنذ الثمانينات توقفت أنشطة النوادي السينمائية المستقلة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والنقابات الشعبية، وكان أبرزها نادي دمشق السينمائي في حي الطلياني بدمشق، والذي كان له دور كبير بنشر الثقافة السينمائية في البلاد.

وكانت السينما المستقلة قد شهدت نشاطاً مع بداية الألفية الثالثة عبر تظاهرة سينما الواقع- دوكس بوكس التي كان يديرها المخرج عروة نيربية بالتعاون مع مؤسسة السينما، لتتأسس مع سنوات الحرب نوادٍ جديدة كان أبرزها نادي أحفاد عشتار بإدارة السيدتين لينا الأسعد وديمة العقاد، إضافةً لورش عمل أدارها المخرج محمد عبد العزيز مع طلاب الدبلوم السينمائي، إذ أن هناك عودة إلى مفهوم النوادي السينمائية المدعومة من المجتمع الأهلي، والتي ترافقت مع إتاحة الفرصة أمام سينما الهواة، أو ما يدعى بالسينما المستقلة التي ازدهرت بعد الانتقال من التصوير على شريط الـ 35 ملم إلى تقنية التصوير بكاميرا الديجيتال، مما فتح الباب واسعاً أمام عشرات الشباب لدخول غِمار إخراج أفلام سينمائية تفاوتت مستوياتها بين الجيد والرديء والمتواضع.

لقد وضعت تظاهرة سينما الشباب معايير فنية لعمل المخرجين الجدد، لكن أصحاب هذه التجارب ما تزال تعاني أفلامهم من التكرار والتأثر بالتلفزيون والفيديو كليب، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود تجارب جريئة وعميقة فنياً وإنسانياً، وبعيدة عن الخطاب الأيديولوجي المباشر، بل نحا بعضها إلى هواجس الإنسان السوري في ظل الحرب، إنما تبقى شروط المُنح التي تقدمها المؤسسة بحاجة إلى تحسين شروطها الفنية والإنتاجية، مع ضرورة تقبل أفكار الشباب مهما بدت للوهلة الأولى تشاؤمية أو غير تعبوية، فهذه النوعية من الأفلام ستزول مع الزمن.

هكذا بلور الفن السينمائي في الحرب رغبة الشباب السوري به كشكل من أشكال التعبير المباشر والمغري للتعبير عن هواجسهم، والأكثر التصاقاً مع طبيعتهم وثقافتهم البصرية؛ وما يحدث اليوم في سورية من سباق نحو السينما أشبه ما يكون بما حدث في السبعينات والثمانينات بتوجه الشباب نحو كتابة قصيدة النثر وإصدار أعداد كبيرة من المجموعات الشعرية ذات التوجه الحداثي، لكن ليس هذا المهم، بل المهم هو إيجاد مسارب عمل للمخرجين الهواة الذين يخضعون لدورات تدريبية، فلم يتم حتى الآن دعمهم لتشغيلهم في السينما أو التلفزيون، ناهيك عن عدم وجود صالات عرض وقنوات فضائية كافية وقادرة على استيعاب إنتاجاتهم.

لقد طرح مفهوم (سينما الشباب) طرحاً مغايراً لما اصطلح على تسميته بـ السينما البديلة. المفهوم الذي ذُكر لأول مرة في دورة مهرجان دمشق لسينما الشباب عام 1971، وجاء كرد على السينما التجارية العربية ولاسيما المصرية، حيث بزغ هذا المفهوم لأول مرة مع التأثر بموجة السينما البديلة التي سادت سبعينات القرن الفائت في أوروبا في كل من فرنسا وتشيكوسلوفاكيا السابقة، وحققت نجاحات لا كتيار بل كأفلام، لكن الفارق اليوم بين السينما البديلة بالأمس والسينما البديلة اليوم، هو أن الأولى قامت على أيدي سينمائيين محترفين، وليس على أيدي هواة، وأبرز أسمائها في مصر كان  كل من سعيد مرزوق وعلي عبد الخالق ومدكور ثابت، أما في سورية فكان نجومها كل من نبيل المالح وعمر أميرالاي، وفي لبنان برهان علوية وسمير نصري وكريستيان غازي وجان شمعون.

وبدأت فكرة تظاهرة سينما الشباب عام 2007. فأخذ وقتها هواة السينما ينشطون ويقدمون أفلامهم التي ينتجونها بجهودهم الذاتية، أو برعاية من بعض الجهات الخاصة. نشاط دفع المؤسسة العامة للسينما باعتبارها الجهة الحكومية الوحيدة المعنية بالشأن السينمائي في البلاد؛ إلى تقديم الدعم والرعاية لهذه السينما التليدة؛ وكان المقصود بهذه السينما هنا تحديداً هو كل مواهب الإخراج السينمائي الشابة؛ التي لم تتلق تعليما سينمائياً أكاديمياً، وليست مصنّفة في نقابة الفنانين السورية، فليس في سورية معهد متخصص بتخريج الكوادر السينمائية، ولم يعد هناك  من إنتاج سينمائي خاص؛ فبات من الضروري وجود جهة ما، قادرة على تقديم كل عون ممكن لهواة السينما، وذلك كي يفصحوا عن أنفسهم وموهبتهم.

انطلاقا من هذا كله ولد (مشروع دعم سينما الشباب) ولكن بسبب مشاكل في التمويل تأخر تنفيذ المشروع حتى عام 2012 عندما انطلقت الدورة الأولى منه بعشرة أفلام، تبعها في العام التالي خمسة وعشرون فيلماً، ثم استقر العدد حالياً على ثلاثين فيلماً سنوياً؛ لتصل ميزانية كل فيلم منها إلى ما يقارب مليون ليرة سورية إذ تقدم المؤسسة للمخرجين الشباب كل مستلزمات تنفيذ أفلامهم، من مدير تصوير وإنتاج وفنيي إضاءة ومساعدي إخراج وغير ذلك، إضافة إلى سيولة مالية، كما تقدم للمخرجين الشباب خدمات ما بعد التصوير من مونتاج ومكساج وغيرهما، وصولاً لإنجاز الفيلم بالكامل. وذلك بعد حيازة النص على موافقة لجنة مختصة تدرس السيناريوهات المقدّمة فتختار الأصلح من بينها.

مع سنوات الحرب أمسى مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة من أكثر النتائج الملموسة التي تمخضت عن مشروع دعم سينما الهواة، فأمسى شبه تقليد بعد عقد دورته الخامسة في نيسان الماضي؛ ففيه تعرض الأفلام التي أنتجها المشروع بعد ست سنوات على انطلاقته، وتوزع جوائز على أصحاب التجارب اللافتة وفق نظام لجنة تحكيم مكونة من أبرز المخرجين والنقاد المخضرمين، تعطي مُنحها للمخرجين الجدد، بعد تقييمها ورصد درجة تفاعل الجمهور معها؛ إذ يبدو أن المشروع رغم انتقادات يوجهها البعض لسوية الأفلام التي يحققها هواة آخذاً بالتبلور حيث أقامت مؤسسة السينما في الأعوام الماضية ما يشبه نواةً لمعهد سينمائي في دمشق، مهّد له بالإعداد لدورات تدريبية بمشاركة أساتذة لإعطاء شهادة دبلوم علوم السينما كان أبرز المشاركين فيه كل من: سمير ذكرى وريمون بطرس وحسن سامي يوسف ونجدت أنزور وغسان شميط وفاضل الكواكبي ومأمون الخطيب ومحمد عبد العزيز وجود سعيد وعلي المالح وآخرين.

التباين الحاد في سوية أفلام الشباب السوري عن الحرب، وضع القائمين عليها أمام مكاشفات لابد منها، فكان أبرزها بيان لجنة تحكيم مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة الثالث -21- 26 نيسان-2016- دار الأوبرا السورية والتي أتى بيانها على لسان رئيس تحكيمها المخرج نجدت إسماعيل أنزور كإشارة قوية للمخرجين الشباب بمراجعة أعمالهم مراجعةً نقدية مبتعداً عن المجاملة حيث قال: “تلاحظ اللجنة بقلق أن معظم الأعمال المشاركة لم تراع طبيعة الفيلم القصير وخصوصيته الإبداعية، لا من حيث البنية ولا من حيث الطبيعة والخطاب، كما أن جل هذه الأعمال اتخذت من الدراما التلفزيونية مرجعية جمالية وبصرية لها، فهناك أعمال تصدت لأفكار كبيرة بإمكانيات ضحلة وبسيطة، مما حال من تمكن مخرجيها من تقديم هذه المقولات بالشكل المطلوب، وترى اللجنة أن معظم الأفلام تم تجسيدها في أماكن تصوير واحدة وخلو هذه الأماكن من البشر وكأن الأحداث تجري في مدن مهجورة، ما عدا بعض الاستثناءات؛ وتقترح اللجنة أن يعاد النظر في آلية قبول السيناريوهات المقدّمة من قبل الشباب، وضرورة وجود مستشارين دراميين يشرفون على كتابة هذه الأفلام، وإخضاع مخرجيها إلى دورات مكثّفة قبل إعطائهم فرص الإنتاج.”

الفعالية الشبابية التي تحقق من خلالها ما يزيد عن مائة فيلم على مدى السنوات الست الماضية، لبت جوع النشء الجديد إلى أدوات تعبير مغايرة لأجواء الفرجة السطحية التي عمل التلفزيون على تكوينها لعقود طويلة في البلاد مكرّساً ثقافة مناوئة لحساسية الفن السينمائي، وقدرة هذا الأخير على تربية ذائقة مرموقة بعيداً عن نجوم المواسم الرمضانية، إلا أن أفلام سينما الشباب آثرت في معظمها الشكل المباشر للحرب والإرهاب كعنوان عريض لطروحاتها السينمائية، مقتربةً في معظمها من أجواء الفيديو كليب من حيث تركيزها على التلذذ الجمالي بالصورة، وطغيان الموسيقى التصويرية على كامل البنية الفيلمية، دون الإلمام بإدارة الممثل داخل الكادر، والأهم من هذا وذاك، عدم الأخذ بأهمية السيناريو كأساس جوهري لتحقيق فيلم متوازن فنياً بعيد عن مشاهدات التلفزيون ومسلسلاته، مما عكس فقر فني في وعي بعض المخرجين، في حين أتت قلة قليلة من الأفلام المشاركة على سوية معقولة من الدراية بمتطلبات وشروط الفن السابع.

سوريا في أسبوع، ٢٣ تموز

سوريا في أسبوع، ٢٣ تموز

جسور كردية مع دمشق
١٦ تموز/يوليو

أعلن مجلس سوريا الديموقراطية، وهو الذراع السياسية لقوات سوريا الديموقراطية، أنه يدرس إنشاء منصة تمثل سكان المناطق الخاضعة لهذه القوات في شمال سوريا، استعدادا لمفاوضات محتملة مع النظام السوري. وقوات سوريا الديموقراطية ائتلاف يضم أكرادا وعربا، وتحظى بدعم كبير من الولايات المتحدة.

وعقد مجلس سوريا الديموقراطية الاثنين مؤتمرا استغرق يومين في مدينة الطبقة في شمال سوريا بحضور نحو ٢٤٠ شخصا، بينهم مسؤولون عن الأراضي الخاضعة لحكم ذاتي تحت سيطرة الأكراد، إضافة إلى ممثلين عن معارضة “الداخل” التي يغض النظام السوري الطرف عن نشاطها.

وقال عضو الهيئة الرئاسية لمجلس سوريا الديموقراطية، حكمت حبيب: “أحد أهداف هذا المؤتمر هو تشكيل منصة للتفاوض مع النظام السوري.” وأضاف أن هذه المنصة “ستمثل كافة مناطق الإدارة الذاتية ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، كما ستشمل الرقة وديرالزور ومنبج.”

وقال الأسد في مقابلة صحافية في أواخر أيار/مايو الماضي في كلامه عن مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية: “بدأنا الآن بفتح الأبواب أمام المفاوضات لأن غالبية هذه القوات من السوريين (..). إذا لم يحدث ذلك، سنلجأ إلى تحرير تلك المناطق بالقوة، ليس لدينا أي خيارات أخرى، بوجود الأميركيين أو بعدم وجودهم.”

وإثر ذلك أعلن المجلس الديمقراطي السوري استعداده للدخول في “محادثات من دون شروط” مع النظام.

تهجير معاكس
٢٠  تموز/يوليو

أغلق بعد منتصف ليل الخميس/الجمعة ملف  بلدتي كفريا والفوعة بشكل كامل بعد الانتهاء من تنفيذ الاتفاق الموقع  بين القوات الحكومية السورية والمعارضة المسلحة بضمانة روسية وتركية.

وذكر مصدر أمني سوري لوكالة الأنباء الألمانية أن السلطات  الحكومية تسلمت الدفعة الأخيرة من مواطني بلدتي كفريا والفوعة وأسرى قرية اشتبرق بريف إدلب بينما تسلمت المعارضة المسلحة العدد المتبقي من  المعتقلين المفرج عنهم من قبل حكومة دمشق.

وذكر المصدر أن عملية التبادل أنجزت بشكل كامل على معبر تلة العيس جنوب  غرب مدينة حلب بحوالي ٢٠ كلم وأسدل الستار بشكل كامل على الاتفاق بعد تأخير استمر أكثر من ١٦ ساعة بسبب المعارضة المسلحة.

وبدأت صباح الخميس عملية التبادل التي تمت على عدة دفعات حيث خرجت ١٢٢ حافلة تقل حوالي ٧ آلاف شخص وهم أهالي البلدتين ومسلحين من حزب الله اللبناني وإيران.

الملف الإنساني يسبق السياسي
٢٠ تموز/يوليو

اقترحت روسيا على الولايات المتحدة التعاون لضمان عودة اللاجئين إلى سوريا، بعد أيام على قمة بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، كما ذكرت وزارة الدفاع الروسية الجمعة.

وقال المسؤول الكبير في الوزارة الجنرال ميخائيل ميزينتسيف في بيان “أرسلنا إلى الجانب الأميركي اقتراحات ملموسة حول تنظيم العمل لضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم.” وأوضح أن هذه المقترحات “تأخذ في الاعتبار الاتفاقات بين الرئيسين الروسي والأميركي خلال قمتهما في هلسنكي” الاثنين.

وقال المصدر إن روسيا تقترح وضع خطة مشتركة حول عودة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي كانوا يقيمون فيها قبل اندلاع النزاع خصوصا الذين فروا إلى الأردن ولبنان.

لهذه الغاية تقترح موسكو إنشاء مجموعة عمل تضم الروس والأميركيين والأردنيين استنادا إلى مركز التنسيق الروسي الأردني في عمان، وإنشاء مجموعة مماثلة في لبنان.

وفي نيويورك، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ردا على سؤال بهذا الخصوص إن الرئيسين بوتين وترامب قد ناقشا في قمة هلسنكي “تسوية النزاع في سوريا وكيفية عودة اللاجئين” الموجودين على وجه الخصوص في لبنان أو الأردن إلى بلدهم. وأكد “من المهم بالنسبة للعالم أنه في الوقت المناسب، ومن خلال آلية طوعية، أن يتمكن هؤلاء اللاجئون من العودة إلى بلدهم.”

وروسيا التي تدخلت في سوريا منذ أيلول/سبتمبر 2015 لدعم القوات الحكومية تقترح على الولايات المتحدة إنشاء مجموعة مشتركة لتمويل إعادة إعمار البنى التحتية السورية كما قال الجنرال ميزينتسيف. وقال إن “الجانب الأميركي يدرس المقترحات الروسية.”

إغاثة فرنسية بأجنحة روسية
٢١ تموز/يوليو

قدمت فرنسا وروسيا ليل الجمعة السبت مساعدات إنسانية إلى الغوطة الشرقية التي استعادها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك للمرة الأولى منذ بدء النزاع في هذا البلد في العام 2011.

وهبطت طائرة شحن روسية ضخمة من طراز “أنطونوف 124” تابعة للجيش الروسي وتقل ٥٠  طنا من المواد الطبية وأخرى أساسية قدمتها فرنسا في قاعدة حميميم غرب سوريا آتية من مطار شاتورو (وسط فرنسا)، بحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان.

وهذه العملية الإنسانية المشتركة هي الأولى بين دولة غربية وروسيا التي تدعم الرئيس السوري عسكريا منذ 2015.

وشدد الرئيسان الفرنسي ايمانويل ماكرون والروسي فلاديمير بوتين السبت على “الجوانب الإنسانية في تسوية النزاع السوري بما في ذلك تطبيق المبادرة الفرنسية الروسية”، بحسب محادثة هاتفية أشار إليها الكرملين.

وقالت باريس إنها حصلت من موسكو على “ضمانات” أن لا يعرقل النظام السوري وصول المساعدات، كما يفعل مع قوافل الأمم المتحدة، وأن لا يتم تحويل المساعدات او استخدامها لأهداف سياسية.

آخر تهجير من الجنوب
٢١ تموز/يوليو

وصل مئات المقاتلين والمدنيين إلى الاراضي التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا، بعد إجلائهم من محافظة القنيطرة في جنوب سوريا.

وجاء الإجلاء من المقاتلين من محافظة القنيطرة التي تضم هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، بموجب اتفاق أبرمته روسيا حليفة النظام السوري، مع الفصائل المعارضة في المنطقة.

ونص الاتفاق الذي جاء في أعقاب هجوم عسكري واسع لقوات النظام، على استسلام الفصائل عملياً وتسليم أسلحتها الخفيفة والمتوسطة، وعودة المؤسسات الرسمية إلى العمل في القنيطرة، وإجلاء المقاتلين الذين يرفضون هذا الاتفاق إلى شمال سوريا.

وقال الإعلام الرسمي إن الاتفاق يقضي بـ “عودة الجيش العربي السوري إلى النقاط التي كان فيها قبل 2011″، وهو عام اندلاع النزاع السوري في هذه المنطقة التي تتسم بحساسية بالغة لقربها من إسرائيل.

وأوضح أيضا أن المقاتلين كانوا يحملون رشاشات فردية وتناولوا طعاما قدم إليهم، قبل أن يستقل الجميع مع النساء والأطفال حافلات أخرى استأجرتها منظمة غير حكومية محلية لنقلهم إلى مخيمات استقبال مؤقتة في محافظتي إدلب (شمال غرب) أو حلب (شمال).

وبدأت القوات السورية هجوما واسعا في التاسع عشر من حزيران/يونيو لاستعادة مناطق سيطرة الفصائل في جنوب البلاد. وتمكنت من استعادة أكثر من ٩٠% من محافظة درعا، قبل أن تباشر هجومها على محافظة القنيطرة.

مكاسب روسيا في جنوب سوريا: تلال استراتيجية وقوات دولية

مكاسب روسيا في جنوب سوريا: تلال استراتيجية وقوات دولية

كشفت وثائق الاتفاقات بين دمشق وفصائل معارضة في ريف القنيطرة، حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، عن أن الشرطة الروسية ستنتشر مع قوات الحكومة السورية  بين دمشق والجولان وخروج تنظيمات موالية لإيران لإعادة العمل باتفاق «فك الاشتباك» بين دمشق وتل أبيب. كما عادت الى تلال استراتيجية كانت موسكو تطمح منذ عقود التمركز فيها لانها تطل على الاردن واسرائيل.

يضاف الى ذلك، فرض قوات الحكومة تعهدات خطية في «بنود الاستسلام» على معارضين تصل إلى حد منع أي نقد للسلطات و«القوات الرديفة» في إشارة إلى «حزب الله» ووجود إبلاغ كل شخص عن أي «قريب متورط بالأحداث الجارية» وتقديم ارقام الهواتف والحسابات الالكترونية.

وبدأت عملية إجلاء مقاتلين ومدنيين من محافظة القنيطرة حيث تقع هضبة الجولان بموجب اتفاق أبرمته روسيا مع الفصائل إلى إدلب شمال غربي البلاد.

وكانت قوات الحكومة بدأت الأحد هجوماً على مواقع سيطرة الفصائل في محافظة القنيطرة بعدما استعادت معظم محافظة درعا المحاذية إثر عملية عسكرية ثم اتفاق تسوية مع الفصائل المعارضة.

 مقترحات المعارضة

وخلال عملية المفاوضات بين فصائل القنيطرة والجانب الروسي، اقترحت المعارضة البنود الآتية:

1- وقف النار وتثبيت مواقع قوات الطرفين.

2- إعادة تمركز «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف) بموجب اتفاق العام 1974 في أماكن تموضعها المتفق عليها بحسب الاتفاقيات الدولية مع ضمان حمايتها من جيش الجنوب.

3- يقوم جيش الجنوب بالانتشار في الثكنات والقطعات العسكرية الموجودة بالمنطقة والخروج من القرى وإلغاء المظاهر المسلحة ضمن «اتفاق الفصل» (بين سوريا وإسرائيل).

4- إعادة تموضع السلاح الثقيل الذي يملكه «الجيش الحر» بحسب اتفاق 1974.

5- إعادة تأهيل وتدريب العسكريين المنشقين والثوريين المدنيين من أصحاب السيرة الحسنة كقوة أمنية وشرطية بالمنطقة تحت إشراف دولي وبتعاون مع الشرطة العسكرية الروسية.

6- إعادة تأهيل المعبر لهدف إنساني تحت إشراف هيئة مدنية.

7- إعادة مؤسسات الدولة وضمان حمايتها من قبل جيش الجنوب.

8- فتح معابر لتسهيل مرور المدنيين والحالات الإنسانية وضمان سلامتهم وعدم اعتقالهم.

9- اعتبار تلول الحارة والمال والمسحرة والجابية نقاط مراقبة تحت إشراف دولي بحسب اتفاق 1974.

10- دخول منظمات إنسانية تحت إشراف دولي.

11- السماح لمن يرغب في التهجير الأمن إلى الشمال السوري أي «درع الفرات».

12- بحسب قرار الخدمة العسكرية، لا توجد حالة اسمها الانشقاق، ولا يمكن تسريح العسكريين حسب هذه المادة ويعتبر حرمانهم من حقوقهم قضية مخالفة لقانون العسكري.

13- تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية على الطرفين ومقررات جنيف تتعبر أن هناك خلافا بين طرفين فلا يجوز محاسبة طرف وترك آخر.

14- حماية الطواقم الطبية وموظفي المنظمات الإنسانية وعناصر الدفاع المدني.

15- خروج الميليشيات الإيرانية و«حزب الله» من الجنوب السوري حتى يتمكن المهجرين من العودة إلى قراهم بشكل آمن.

 الاتفاق النهائي

بالتزامن مع تقدم قوات الحكومة في ريف درعا والسيطرة على جميع المناطق بعد قصف عنيف على مدينة نوى ثم ريف القنيطرة، رفضت موسكو مقترحات المعارضة وجرى التوصل إلى اتفاق بين الفصائل والجانب الروسي أول من أمس، هنا نصه:

1- وقف إطلاق نار فوري من دون أي شروط بدءا من السابعة مساء إلى أجل مفتوح.

2- من يود البقاء تتم تسوية وضعه على الشكل الآتي:

أ- عفو كامل وعدم ملاحقة أمنية للضباط والجنود المنشقين والمدنيين وتأجيل المتخلفين وتتم محاكمة من تم توثيق جرائمه كالإعدامات الميدانية من دون محاكمة.

ب- تسليم السلاح الثقيل والمتوسط خلال مدة يتفق عليها مع الوفد المفاوض لاحقاً.

ت- عودة مهجري جنوب دمشق عدا الحجر الأسود، لعدم صلاحياتها للسكن، وعودة مهجري ريف دمشق من «مثلث الموت» (بين درعا والقنيطرة والسويداء) وحتى حمص.

3- دخول «اللواء 90» و«اللواء61» مرفقا بقوات الشرطة الروسية إلى خط وقف النار والمنطقة منزوعة السلاح وفق اتفاق 1974.

4- آلية الدخول والتنسيق تكون من طرف الوفد المفاوض وفي القطاعين الجنوبي والشمالي.

5- إعادة الموظفين وطلاب الجامعات إلى مراكزهم الطبيعية وإعادة الجنوب والضباط بعد تثبيت من سيرتهم أو يدخلون إن شاؤوا في العفو لمن لا يرغب في التسوية وله صلاحية إذن الخروج إلى إدلب. أما السلاح، فيسمح بحمل بندقية وثلاثة مخازن، وما زال التفاوض جاريا على توفير شروط أفضل تصل إلى اصطحاب السيارات الخاصة والسلاح المتوسط.

6- تشكيل لجنة لمتابعة أمور المعتقلين.

7- ضمان حرية الرأي والتعبير تحت سقف القانون.

وتم الاتفاق على الاستمرار في مناقشة البندين 6 و7 في جلسات تفاوضية مقبلة.

8- تدخل الباصات من «مدينة البعث» إلى نقطة عبور المهجرين في مدينة القنيطرة والقحطانية في الساعة العاشرة صباحا. وبعد خروج الباصات تسلم نقطة الأمم المتحدة في بلدة إمباطنة وتدخل الشرطة الروسية إلى نقطة الأمم المتحدة في بلدة رويحينة.

9- التفتيش يتم شكلياً ويسمح باصطحاب الأمتعة والأغراض الشخصية.

10- ترسل باصات إلى من يرغب في الذهاب إلى إدلب من الموجودين في مناطق بعيدة مثل الصنمين ومحجة وبصرى الشام وغيرها.

11- يعتبر كل ما سبق مرحلة الاتفاق الأولى وسيتم الاتفاق على المرحلة الثانية بعد إتمام تنفيذ جميع ما سبق.

12- يتم الاتفاق مع الجانب الروسي على آلية تسليم تل الجابية لضمان عدم دخول «داعش» إليه.

 إعادة العمل بـ«فك الاشتباك»

للقنيطرة أهمية استراتيجية، ذلك أنها تعتبر نقطة تلاقٍ بين الحدود المجاورة، فهي تبعد عن دمشق 67 كيلومتراً وعن الأردن 60 كيلومتراً وعن جسر بنات يعقوب الفلسطيني 30 كيلومتراً وعن حدود لبنان نحو 20 كيلومتراً. كما أن الجولان يضم أعلى نقطة في سوريا وهي قمة حرمون التي ترتفع نحو 2814 متراً وأخفض نقطة وهي تلك الواقعة قرب بحيرة طبرية على انخفاض 212 متراً تحت سطح البحر.

وتبلغ مساحة الجولان السوري 1860 كيلومتراً مربعاً، لا يزال 1260 كيلومتراً منها تحت الاحتلال منذ عام 1967. وكان عدد النازحين 410 آلاف موزعين على المحافظات السورية بينهم 30 ألفاً في «مخيم الوافدين» قرب العاصمة، إضافة إلى نحو 60 ألفاً في القرى التي أعيد بناؤها في القسم المحرر بعد حربي 1967 و1973.

قبل عام 2011، كانت تنتشر بين دمشق والجولان نقاط تفتيش لـ«أندوف» التي كانت تضم حتى 2014 نحو 1250 عنصرا، للتحقق من تنفيذ اتفاق فك الاشتباك الذي توصل إليه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في نهاية مايو (أيار) 1974 بعد حرب عام 1973 بين سوريا وإسرائيل. وتضمن اتفاق فك الاشتباك إقامة منطقة عازلة في الجولان من شماله إلى جنوبه ومنطقة مخففة من السلاح تمتد بعد «العازلة»، على أن يقوم مراقبو الأمم المتحدة بالتدقيق دورياً بالتزام الطرفين ببنود الاتفاق الذي أبرم في جنيف.

وبحسب المعلومات، فإن الاتفاق الأخير بين موسكو والمعارضة السورية والتفاهمات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب نصت على إعادة العمل باتفاق فك الاشتباك برعاية روسية. ونص على إنشاء منطقة عازلة ثلاثية الشريط بطول 80 كيلومتراً: القطاع الأول بعرض يصل الى عشرة كيلومترات ومساحة 235 كيلومتراً مربعاً ويمتد على الجانب السوري من حدود الجولان يعمل فيه مراقبو «أندوف» . القطاع الثاني، يحتفظ الجيش السوري بـ350 دبابة وثلاثة آلاف جندي بسلاح خفيف. القطاع الثالث، 650 دبابة و4500 جندي وسلاح خفيف، إضافة إلى مدافع محدودة العدد وبمدى محدد لا يتجاوز المرحلة الأولى.

ويعتقد أن التفاهمات تسمح لقوات الحكومة مدعومة من الجيش الروسي بملاحقة تنظيم «جيش خالد» التابع لـ«داعش» في وادي اليرموك على أن تعود إلى مواقعها بموجب تفاهمات «فك الاشتباك».

وسعت روسيا في ١٩٧٤ كي تكون ضمن قوات “اندوف” لكن التفاهم جرى على ابعاد اميركا وروسيا. كما تحفظت تل ابيب وواشنطن على تمركز روسيا في تل الحارة في ريف القنيطرة.  ويعتقد ان التفاهمات الراهنة سمحت بسيطرة روسيا على تل الحارة التي يصل ارتفاعها إلى 1200 متر للإطلال على الجنوب السوري والاردن وشمال إسرائيل والرقابة على تنفيذ التفاهمات.

 وثيقة خطية لـ «الاستسلام»:

تبليغ عن أقارب وأرقام هواتف وحسابات ألكترونية

تضمنت الاتفاقات على عودة قوات الحكومة إلى الجنوب السوري، توقيع الأشخاص المعارضة تسويات خطية باسم «وثيقة عهد وتعهد» تتضمن 11 التزاماً. إذ تبدأ بإقرار الشخص باسمه وتفاصيل هويته بحيث «أتعهد بكامل قواي العقلية… الالتزام بالخط الوطني ومراعاة القوانين… وعدم القيام بأي أعمال تمس الأمن الداخلي أو الخارجي للجمهورية العربية السورية» بما يلي:

1- عدم القيام بأعمال التظاهر إلا في إطار القانون وعدم ممارسة الشغب.

2- عدم القيام بأعمال التخريب.

3- عدم إثارة النعرات الطائفية.

4- عدم التلفظ بأي ألفاظ أو عبارات مسيئة للقيادة السياسية أو العسكرية أو للجيش والقوات المسلحة أو قوى الأمن الداخلي أو القوات الرديفة.

5- عدم كتابة أي ألفاظ أو عبارات مسيئة للقيادة السياسية أو العسكرية أو للجيش والقوات المسلحة أو قوى الأمن الداخلي أو القوات الرديفة.

6- عدم استخدام وسائل الإذاعة أو الاتصالات أو الإنترنت أو برامج التواصل الاجتماع بأي أعمال تمس الأمن.

7- عدم حيازة السلاح أو الذخائر من دون ترخيص.

8- عدم القيام بأعمال التهريب أو النقل أو الاتجار بالسلاح أو الذخائر أو أي معدات عسكرية.

9- عدم حيازة المواد المتفجرة.

10- عدم المشاركة في أعمال إرهابية سواء بالسلاح أو غيرها ضد الجيش أو القوات الرديفة أو المؤسسات العامة.

11- الإبلاغ الفوري للجهات الأمنية عن كل ما يمس الأمن أو مرتكبه وعدم التستر على ذلك.

وتضمن التعهد أن الشخص الموقع مدرك أمام ممثلي الجيش أنه «في حال مخالفة مضمون التعهد يعتبر ذلك دليلا إلى عدم صدقي وتعتبر تسويتي ملغاة وسأتعرض للملاحقة القانونية».

كما تضمن الإجابة عن 12 سؤالا، بينها: «أفدنا بالتفصيل عن دورك بالأحداث الجارية ومشاركتك بأعمال التظاهر والشغب والعمل الإرهابي المسلح»، و«أفدنا مفصلا عما تعرفه عن الفصائل الإرهابية المسلحة وقادتها ومقراتها»، و«أفدنا بالتفصيل عما تعرفه عن أقاربك المتورطين بالأحداث الجارية بالقطر»، و«عن الإرهابيين غير السوريين»، و«أفدنا بالتفصيل عن أرقام جوالاتك وحساباتك الإلكترونية».

عن ذاكرة المونديال في سورية

عن ذاكرة المونديال في سورية

لمونديال كأس العالم ذاكرة خصبة عند أغلب الشعوب، تكتظ بذكريات أحداثٍ فريدةٍ وحكاياتٍ شاسعةٍ وتفاصيل قصصٍ ملوَّنة ومفرحة واكبت مشاهدة تلك الشعوب للمونديالات التي عايشتها. قد تتشابه ذاكرة السوريين مع سواها ولكنها تختلف بعض الشيء، فكثيرٌ ما تقتحمها ذكريات أخرى تعيدهم إلى وقائع وأحداث مؤلمة ومريرة عاشوها في مراحل مختلفة من حياتهم، إذ قلما تخلو ذكريات مونديالٍ من استحضار بعض المنغصات والمصاعب والمتاعب التي واكبت أحداث الاحتفال به.

2002 مونديال الفقر والتسكع

كنا طلبة جامعيين، وكمعظم الشباب في سورية يحاصرنا شبح البطالة وانعدام فرص العمل، نحصل على قوت يومنا بشق الأنفس وبالكاد نتدبر أجور المواصلات، أن تملك عملاً في ذلك الوقت هو أمرٌ نادرٌ يجعلك من المحظوظين. كنت حينها أسكن غرفةً متواضعةً تحولت إلى فندقٍ للأصدقاء الغارقين في مستنقع العوز والحاجة، الضياع والخوف من الغد المجهول، في رحلة بحثهم عن فرَجٍ ومأوىً ما.

أطلَّ مونديال كأس العالم في ظروفٍ ماديةٍ ومعنويةٍ يرثى لها، طالت جميع الأصدقاء، إنه العرس العالمي الذي نعشقه وننتظره، ولكن كيف سنشارك فيه، أينَ سنحضره وكيف؟ لم تعد حقوق البث آنذاك متاحة للجميع كحال ما سبق مونديال 2002، فقد احتكرتها المحطات الرياضية المأجورة، ما الحل إذاً؟ إما أن نرتاد المقاهي التي اشترت خدمة قناة الجزيرة الرياضية أو أن نشترك بخدمة تلك القناة وهما خياران بعيدا المنال، يحتاج كلٌّ منهما إلى مبالغ كبيرة لا يمكننا جمعها مهما تعاونّا.

تنبعث أصوات المباريات من المقاهي والمنتزهات والشوارع، تستنفر آذاننا، تمتلئ أعيننا بالشغف لرؤية شاشات العرض، تتقافز أرواحنا نحو الأصوات، ولكن فقر الحال كان يلجم رغباتنا، فأمثالنا يحتاجون معجزةً ماليةً للاحتفال برياضةٍ عُرفت تاريخياً بأنها “رياضة الفقراء”، إذ أن حضور مباراةٍ في أرخصِ مقهى يكلِّف آنذاك ما بين مائة وخمسين ومئتين ليرة( ٣ أو ٤ دولارات) وهو مبلغ كان يؤمن لنا طعام يومين أو ثلاثة. احتال بعض الأصدقاء على الأمر وعملوا كندلاءَ وعمال مطبخٍ في بعض المقاهي لتتسنى لهم فرصة متابعة المونديال.

أسمينا ذلك المونديال “مونديال التسكع”، قاومنا الواقع وتحدينا الفقر والظروف القاهرة لنقتنص أي فرصةٍ لمتابعة أحداث المباريات، فنجحنا في مشاهدة معظمها وقوفاً على الأقدام، بالنّظر خلسةً من الشوارع الى شاشات المقاهي، أو باستراق النظر من بعيدٍ إلى شاشات العرض الكبيرة في بعض المنتزهات.  

لقد كان مونديالاً درامياً مؤثراً مع مشاهد تجمهُر مئات الفقراء خلف أسوار المقاهي والمنتزهات ليحظوا بشيءٍ من المتعة الممزوجة بطعم الألم. إنه شعبٌ يستحق الحياة لكنه لا يعيشها إلا بدفع أثمانٍ باهظة وبتقديم تضحياتٍ كبيرة. أذكر أن بعض الأصدقاء تابعوا معظم المباريات من خلف سور حديقة معرض دمشق الدولي القديم، وكان لي نصيبٌ من تلك المشاهدات التي ستحفر في الذاكرة مع رائحة التبغ الرخيص وطعم الشاي البارد.

ولعل النور الحقيقي الوحيد في ذلك المونديال قد انبلج في مباريات الدوري النهائي، بعد أن تمكنتُ وصديقي من استدانة بعض نقودٍ أدخلتنا إلى المقهى كفاتحين مختالين بالانتصار. كان عرساً حقيقياً، أن تحتفل بعد تعبٍ ومشقة، وأنت مسترخٍ على كرسيك، تشرب قهوتك بنشوة، وتسترق لحظات من فرحٍ عالمي، في بلادٍ الفرح فيها مدفوع الثمن والثمن في الغالب معدوم.

2010 مونديال الاحتفال الأخير

لم يتغير وضعنا الاقتصادي كثيراً عن السنوات الماضية، وظروف العمل والسكن والاستقرار على حالها. لكن القدر ابتسم لنا في ذلك المونديال، نعم، إنها نعمة الأصدقاء، زاد حياتنا وبلسم جراحنا. وهبتنا السماء هديةً ثمينة، فصديقنا الذي استثمر مقهىً، بعد جمع المال من أقاربه وأخوته المغتربين، قدم لنا دعوةً مفتوحةً وشبه مجانية لمتابعة المونديال، فبرأيه الرّبح هو لمّة الأصدقاء على الفرح والمودة، وهكذا جعل من مقهاه بيتاً حميمياً دافئاً وحضناً للمحبة وملتقى للتواصل والبهجة.  

كنا ثلّةً من عشرين شخصاً، نرتاد المكان بشكلٍ شبه يومي، وسط أجواء من الألفة والمرح والفكاهة وبعض المناكفات. تتوزع الأعلام على الطاولات، تتزيَّن الوجوه بالرسوم، تلتف الرؤوس والمعاصم بأعلام الفرق المفضلة، تعلو الهتافات والضحكات الرنانة، وتدور الرهانات على الفرق التي ستفوز، هكذا تُعاش أجواء المونديال حقاً وهكذا يكون تفاعل الجمهور. إنه عرسٌ للفرح والجمال في مكانٍ يُشعرك بالاطمئنان والدفء، ويذكرك بالوجه الجميل لدمشق الحنونة العطوفة ويكشف الضوء الناصع للسوريين الذين يتقنون الحياة ويخلقون لها كرنفالات ساحرة.

لم تكن أحداث المونديال هي مصدر فرحنا الوحيد، الفرح الحقيقي كان يأتي من روح المكان العابق بالحياة ومن نبض الأصدقاء ومهرجان الحب الذي نصنعه معاً. لقد كنا عائلة واحدة، نتقاسم ما نملك من نقود وسجائر، نتنقل بين طاولاتنا ليتواصل الكل مع الكل. أطباق طعام شهية، حضرت من المنازل إلى المقهى ليتناولها الجميع، زجاجات خمرٍ فاخرة، كانت مخبئة لمناسباتٍ خاصةٍ، فحضرت إلى طاولاتنا لنشرب نخب تناغمنا الفريد.

تفاصيلٌ وذكرياتٌ لا يمكن حصرها من مونديالٍ بقي حتى اليوم المونديال الأجمل في حياتي، وربما كانت الحياة كريمة معنا في ذلك الحين، بل يبدو أنها أهدتنا حصصنا من الفرح سلفاً، لأنها كانت تعلم أن مونديال 2010 سيكون الأخير لنا معاً، لذا كان كرمها ذاك ومحبتها تلك نوعاً من الشفقة، إذ ستبخل علينا فيما بعد بكل شيء وستعاقبنا في قادم الأيام فتفرق شملنا وتلقي بكل منا إلى مصيرٍ تراجيدي مؤلمٍ، بين معتقل ومفقود، مهاجر ولاجئ، نازح ومحاصر. فقد أصبحت البلاد ملعباً تخاض فيه مباريات كثيرة في مونديالٍ سياسيٍ دموي، ويتحول الجمهور إلى كراتٍ تتقاذفها الأقدام المتصارعة كلٌ حسب مرمى مصالحه.

2014 مونديال الكهرباء

أصوات الحرب تدوي وخارطة المعارك تتسع لتلتهم مساحاتٍ جديدة من حياتنا، معظم أصدقاء المونديال السابق تفرقوا في أصقاع الأرض هرباً من الرعب والموت، أملأ فراغ غيابهم بحضور قِلّةٍ من الأصدقاء الجدد، نقاوم معاً قبح الحرب وسطوتها. حسناً، سأتابع هذا المونديال بصحبة ثلاثة منهم، جمعنا عشق الكرة وحب الحياة.

قبل أيامٍ من انطلاقة المونديال، بدأ الشغف والحماس يدخلان قلوبَنا لينسيانا مرارة الواقع وجحيم الحرب والقذائف. قرّرنا أن ندير ظهورنا للقذائف ونحتفل بالحدث الرياضي العالمي رغم أنف الموت. وكأنَّ قانون الجذب الذي يتحدّثون عنه في علوم الطّاقة أضحى حقيقة، فها هو القدر يقدّم لنا مفاجأةً مدهشة (قناة”هوا” الأرضية التي تنقل المونديال مجاناً)، بإمكاننا الآن متابعته باسترخاءٍ في بيوتنا ضمن أجوائنا الاحتفالية، ولا حاجة لارتياد المقاهي وتحمل أعباء تكاليفها التي تضاعفت عن السنوات الماضية.

خرجنا من نفق الحرب قليلاً وحلَّقنا مع أفراح شعوب العالم لنتذكر أننا بشر على قيد الحياة، دخلنا أجواء المونديال بكل ما أوتينا من لهفةٍ وإشراق، ولكن مزاج الحرب المتقلب أزعجه ذلك، فما إن بدأت أحداث المباريات الأولى حتى قتل أفراحنا وأجهض حماسنا، وهذه المرة عبر سلاح الكهرباء، التي عادت إلى الانقطاع شبه المستمر بحجة التقنين، لتحضر ساعتين وتغيب أربعاً.

ولأن سقف أحلامنا منخفضٌ جداً، واسينا أنفسنا بأننا محظوظون لأن خطة التقنين تختلف من حيٍ لآخر؛ فبدأنا نتتبَّع ساعتي حضور الكهرباء من مكان إلى آخر، لنحضر الشوط الأول في حيٍ والشوط الثاني في حيٍ آخر، وأحياناً نضطر إلى نقل التلفاز معنا إلى بعض البيوت. لكن سياسة التقنين صارت تتغير على نحوٍ مفاجئٍ لتعرقل خطتنا وتُضيِّع وجهتنا، فنركض كالعدائين لنبدل أماكننا لاهثين خلف الفرح المسروق. وفي حالاتٍ كثيرة كنا لا نوفق في متابعة مبارياتٍ كاملة حين لا يلتقي موعد نقلها مع موعد الكهرباء فنتمكن من حضور شوطٍ واحدٍ، وأحياناً يخذلنا مزاج الكهرباء في الربع الأخير من المباراة فنهرع الى أقرب مقهى أو نتطفل على الشاشات التي يمكن استراق النظر اليها من الشارع لمتابعة اللحظات الأخيرة من مباراةٍ حاسمة.

لقد خضنا مباراة طويلة وشاقة مع الكهرباء التي أتقنت فن المراوغة وتعمدت قهرنا واستفزازنا واللعب بأعصابنا، فحتى خلال ساعتي حضورها، كانت غالباً وبشكلٍ متكرر تنقطع لدقائق ثم تعود، لتضيع علينا مشاهدة هجمةٍ كرويةٍ حاسمة أو هدفٍ جميل، فتعلو صيحات الشتائم والتذمر بدل صيحات الفرح والتفاعل، ليبقى السؤال المؤلم والمعذِّب يلح كل يوم، لماذا لم يرتب موعد الكهرباء مع موعد المباريات؟

ربما لفتح الباب أمام تجار الحرب الذين وجدوا خلال المونديال سوقاً مربحة لتسويق مولدات الكهرباء، التي كان شراؤها حكراً على الأثرياء وميسوري الحال، بينما وقف الفقراء خارج المعادلة، إذ لا يحق لهم أن يفرحوا ويحتفلوا، وربما نسي بعضهم المونديال أصلاً بعد أن غرقوا في زحمة حياتهم اليومية المضنية، فلا وقت لديهم لتشغيل التلفازات التي توقفت عن العمل في تلك المرحلة لأن ساعات الكهرباء الشحيحة لا يمكن إضاعتها في أمورٍ صارت من الترف والكماليات، ثمة أمور كهربائية أساسية أهم وألح من تشغيل التلفاز، كتشغيل الغسالة والمكنسة والمكواة والفرن وغيرهم. كما أن بعض أرباب الأسر قد نسوا شكل التلفاز وهم يركضون خلف تأمين لقمة العيش، وخاصة أصحاب الحرف والمهن التي تحتاج إلى وجود الكهرباء، إذ باتوا يرتبون أعمالهم وفقاً لأهوائها التي تتحكم في مواعيد نومهم وزياراتهم وأفراحهم.

لقد خاض السوريون في ذلك العام مونديالاً خاصاً كان خصمهم فيه هو الحرب وأبناؤها: الموت والخوف، الكهرباء ومأساة الواقع اليومي وما شابه. ولو أن العالم كان عادلاً وإنسانياً لمنحهم لقب الفوز على الواقع وقدم لهم كأس الحياة.

2018 مونديال الفقد والوحدة

الكهرباء متوفرة إلى حدٍ ما والمونديال منقول على بعض القنوات الأرضية. لكن بريقه قد خفت في عيون الكثيرين، الحماس بردَ والفرح تعب في قلوب أغلب متابعيه، لقد أرهقتنا سنوات الحرب، وقتلت أشياء جميلة في أرواحنا، فلا يكاد بيت في سورية يخلو من جرح أوغصة أو مأساة. تابع معظم السوريين المونديال في بيوتهم، شلَّت الحرب والظروف الاقتصادية المتردية شغفهم ورغبتهم بالتنزه والاحتفال وانطفأ وهج الاحتفال الكروي في المقاهي والمنتزهات التي كانت فيما مضى وجها للتفاعل ومهرجاناً للفرح.

بالنّسبة للشباب المدمنين على متابعة الفعاليات الكروية في المقاهي، فقد انكفأ معظمهم عن إدمانهم هذا وصاروا يرونه بعين الخوف والريبة، فالمقاهي المكتظة، عادةً، بالشبان، تحوّلت في المرحلة الأخيرة إلى مصيدةٍ للإيقاع بالمطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، وتسليمهم كصيدٍ سهلٍ للدوريات الأمنية ليتم سحبهم الى المعارك من أماكن جلوسهم أو أثناء خروجهم من الأبواب. فضّل أغلب أولئك الشّباب ملازمةَ بيوتهم مرغمين ليشاهدوا المباريات دون شغفٍ أو حماس.

تابعتُ أغلب مباريات هذا المونديال وحيداً في منزلي. لم أزر أي مقهى، فجميع المقاهي ستغدو كئيبة وموحشة بدون أصدقاء المونديالات السابقة الذين لم يبق أحد منهم في دمشق. ومن تبقى من أصدقاء في الداخل يجمعني بهم عشق الكرة كانوا مبعثرين في البلاد، سجناء مدنهم وقراهم أو حتى حاراتهم وبيوتهم، تقطعت سبل اللقاء بيننا لأسبابٍ شتى من بينها الانشغال في هموم الحياة اليومية والخوف من القادم وصعوبة التنقل بسبب رهاب عبور الحواجز وأيضاً بسبب انعدام آفاق الفرح وتعطل طاقات الحياة.

لقد كانت متعة مشاهدة هذا المونديال منقوصة بل ومؤلمة، تكشف حجم الفراغ الذي خلَّفه الأصدقاء. كل مشاهدة تفتح لي جرحاً وتستنهض ذكرى أصدقاء غائبين. أصوات المعلقين، أداء اللاعبين، كل تفصيل يُذكرني بهم، وبطقوسٍ ومواقف كانت تجمعنا في سابق الأيام. فِرَقٌ تذكرني بمن غادروا البلاد مرغمين وبآخرين مفقودين أو معتقلين منذ سنوات، مبارياتٌ تذكرني بأصدقاء اقتيدوا من الحواجز إلى الخدمة العسكرية ليخوضوا مونديال المعارك على الجبهات وبآخرين ماتوا جراء القذائف وبطش الحرب. أسمع أصواتهم بقربي وهتافاتهم وضحكاتهم. أشاهد التلفاز وأتصفح الفيسبوك في ذات الوقت لأتمكن من التفاعل مع الأحياء منهم، اللعنة على القدر والمسافة، لقد أصبح التفاعل الكترونياً والفرح مصطنعاً ومعلَّباً، وتحولت مهرجاناتنا واحتفالاتنا الواقعية النابضة بالروح والحياة إلى مجرد كلماتٍ وتعابير متكلفة ومقتضبة، ننثرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحمل عبارات الشوق والتمني وأدعية اللقاء والابتهال لمونديال 2022 علّه يكون مونديال اللقاء والاحتفال بالفرج.

سوريا في أسبوع، ١٦ تموز

سوريا في أسبوع، ١٦ تموز

سوريا بين ترامب وبوتين
١٦ تموز/يوليو

أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاثنين عن أمله في تحسين التعاون بين بلاده وروسيا في سوريا.

وفي أعقاب القمة التي عقدها مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، قال ترامب في المؤتمر الصحفي المشترك في هلسنكي إن الجانبين لديهما القدرة على إنقاذ حياة آلاف الناس في الحرب الأهلية الدائرة هناك. وأضاف ترامب أنه لا ينبغي السماح لإيران بأن تستفيد من الحملة الناجحة على تنظيم “داعش”.

ولم يشر ترامب وبوتين إلى “بيان جنيف” أو القرار 2254، بل جرى التركيز على “أمن إسرائيل” والمساعدات الإنسانية وتخفيف مستوى العنف.

غارة على إيران
١٥ تموز/يوليو

أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن إسرائيل قصفت مساء الأحد موقعا عسكريا للنظام السوري في ريف حلب الشرقي في شمال البلاد.

وقالت سانا نقلا عن مصدر عسكري لم تسمّه إن “العدو الصهيوني (…) يستهدف بصواريخه أحد مواقعنا العسكرية شمال مطار النيرب وقد اقتصرت الأضرار على الماديات.”

من جهته، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه رصد مساء الأحد سلسلة انفجارات في “منطقة مطار النيرب العسكري الخاضع لسيطرة قوات النظام والمسلحين الموالين لها في أطراف مدينة حلب.”

وأضاف المرصد أن الانفجارات “تبيّن أنها ناجمة عن استهداف صاروخي يرجّح أنه إسرائيلي استهدف مواقع لقوات النظام والمسلحين الموالين لها في مطار النيرب العسكري وأطرافه.”

ومنذ بدء النزاع في سوريا عام 2011، قصفت إسرائيل مراراً أهدافاً عسكرية للجيش السوري أو أخرى لحزب الله في سوريا. واستهدف القصف الإسرائيلي مؤخراً أهدافاً إيرانية.

درعا على خط التهجير
١٥ تموز/يوليو

بدأ مقاتلو الفصائل المعارضة وعائلاتهم الأحد الخروج من مدينة درعا في جنوب سوريا تنفيذا لاتفاق يؤدي لإعادة مهد الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في البلاد منذ أكثر من سبع سنوات، إلى كنف الدولة.

وذكر أن “مئات المقاتلين وأفراد عائلاتهم استقلوا الأحد ١٥ حافلة، حاملين حقائبهم التي تحوي حاجياتهم الشخصية وغادروا” نقطة التجمع.

وأوضح مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية أن “غالبية المغادرين هم من المقاتلين ومعهم بعض العائلات”، مشيرا إلى انه “حسب السجلات سيخرج ٧٥٠ شخصا” من درعا. وأضاف “كانت هناك ٢ أو ٣ حافلات فارغة” عند الانطلاق.

وفي نقطة تجمع الحافلات وقف عدد من النساء والأطفال حاملين أمتعتهم. وقال المراسل “تم تفتيش الرجال من قبل (الجنود) الروس فيما فتشت النساء” فتيات يؤيدن النظام.

وتمركزت الحافلات التي وصلت صباحا في طريق “سجنة” التي تربط بين مناطق الفصائل والنظام. وتم فتح خط التماس هذا قبل أيام بعد إزالة السواتر، بحسب المراسل.

روسيا في “مثلث الموت”
١٦ تموز/يوليو

أفادت مصادر سورية معارضة أمس، بأن طائرات روسية شنت غارات على مناطق بين درعا والقنيطرة جنوب البلاد بعد استخدامها أجواء إسرائيل والجولان السوري المحتل.

وتسعى قوات النظام السوري منذ أسابيع لاستعادة كامل محافظة درعا ثم القنيطرة المجاورة في جنوب البلاد، حيث لا تزال هناك فصائل معارضة فضلاً عن تنظيم تابع لـ “داعش”.

وقال “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إن قوات النظام سيطرت “على بلدات عدة في ريف درعا الغربي بعد معارك مع مقاتلين رافضين للتسوية وأخرى بعد موافقة الفصائل المعارضة على الانضمام إلى الاتفاق”، مشيرا إلى معارك عنيفة للسيطرة على تل الحارة الاستراتيجي في ريف درعا، الذي يطل على الجولان.

وإذ قالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إن قوات النظام سيطرت على التل “أهم النقاط الحاكمة في الجبهة الجنوبية بريف درعا”، أوضح “المرصد” باستمرار “الاشتباكات بوتيرة مرتفعة في محور تل الحارة الاستراتيجي في منطقة مثلث الموت شمال غربي درعا”، لافتا الى قصف المنطقة بحوالى ١٣٥٠ غارة وقذيفة وبرميل متفجر بمشاركة الطيران الروسي.

انتقاد سوري لإيران
١٥ تموز/يوليو

لم يصدر تعليق رسمي في طهران حتى مساء أمس، إزاء انتقادات وجهتها صحيفة “الوطن” المقربة من النظام السوري لعلي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية.

ونشرت الصحيفة مقالاً بعنوان “عذراً علي أكبر ولايتي، كان ليَسقط العالم وسوريا لن تسقط”، تعقيباً على تصريحات لولايتي قال فيها إن النظام كان ليسقط خلال أسابيع لولا تدخل إيران إلى جانبه.

واعتبر المقال أن مثل هذه التصريحات “مبالغة اعتدنا على سماعِها من بعض وسائل الإعلام أو المحللين السياسيين الإيرانيين أو الذين يدورونَ جملة وتفصيلاً في الفلك الإيراني.”

حكومة” جديدة شرقاً
١٦ تموز/ يوليو

أعلنت الذراع السياسية لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد الاثنين أنها ستعمل على تشكيل إدارة موحدة للمناطق التي تسيطر عليها، في خطوة من شأنها تعزيز نفوذها في شمال سوريا وشرقها.

وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على ربع مساحة سوريا تقريبا، أغلبها انتزعت السيطرة عليه من تنظيم داعش بمساعدة تحالف تقوده الولايات المتحدة. وهذه هي أكبر مساحة من أراضي البلاد خارج سيطرة حكومة الرئيس بشار الأسد.

وتهدف الخطة التي أعلنت في مؤتمر لمجلس سوريا الديمقراطية في مدينة الطبقة إلى دمج عدد من الإدارات أو المجالس المحلية المدنية التي ظهرت في الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا وشرقها.

وقالت إلهام أحمد المشاركة في رئاسة المجلس، وهي أيضا سياسية سورية كردية بارزة، ل”رويترز”: “هي إدارة منسقة بين المناطق، خدمية… لتأمين الاحتياجات في كل المناطق.”

وأضافت أن المبادرة ما زالت في مرحلة مبكرة من المناقشات وهدفها هو دمج كل المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. وتابعت: “من ناحية تأمين الأمان والاستقرار راح يكون في إلها فائدة.”

وقوات سوريا الديمقراطية تقودها وحدات حماية الشعب الكردية لكنها توسعت خارج المناطق التي تقطنها أغلبية كردية في الشمال. وتشمل أراضيها الآن الرقة التي كانت قاعدة عمليات تنظيم داعش ومحافظة دير الزور الواقعة على الحدود مع العراق.

وتريد الجماعة وضع نهاية للصراع الدائر في سوريا بنظام لا مركزي يضمن حقوق الأقليات بمن فيهم الأكراد.

خريطة السيطرة
٩-١٦ تموز/يوليو

بعد تقدمها السريع في محافظة درعا، باتت قوات النظام السوري تسيطر على أكثر من ٦٠ في المائة من مساحة البلاد فيما تتعرض الفصائل المعارضة لضربات متلاحقة، ذلك بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية من بيروت.

منذ بدء التدخل العسكري الروسي لصالحه في سبتمبر (أيلول) العام 2015. حققت قوات النظام السوري انتصارات متتالية على حساب الفصائل المعارضة وتنظيم داعش على حد سواء، أبرزها مدينة حلب (ديسمبر/ كانون الأول 2016)، وتدمر (مارس/ آذار 2016 ثم 2017 بعد خسارتها مجددا)، ثم الغوطة الشرقية قرب دمشق (أبريل/ نيسان 2018).

وبعد استعادة الغوطة الشرقية وكامل العاصمة ثم الجزء الأكبر من محافظة درعا مؤخراً، باتت قوات النظام السوري تسيطر وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، على ٦١ في المائة من مساحة البلاد مقابل ١٧ في المائة قبل بدء توسعها، علما بأن مساحة سوريا تبلغ ١٨٥ ألف كيلومتر مربع.

واستعادت قوات النظام تدريجياً أهم المدن مثل حلب وحمص ودرعا وكامل العاصمة دمشق. وهي التي حافظت أساساً على تواجدها في المناطق الساحلية في غرب البلاد.

ويعيش في مناطق سيطرة الحكومة السورية ٧٢ في المائة من السكان، وفق الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش، علما بأن ستة ملايين سوري باتوا لاجئين خارج البلاد ونحو سبعة ملايين هجروا من منازلهم من أصل 23 مليونا، بحسب تقديرات خبراء…

وتتواجد الفصائل المعارضة أيضاً في مناطق محدودة في ريف حماة (وسط) الشمالي. وتسيطر فصائل سورية موالية لأنقرة على أجزاء واسعة من ريف حلب (شمال) الشمالي.

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب (شمال غرب) والتي بات يقتصر تواجد الفصائل المعارضة فيها على مناطق محدودة.

وتبلغ نسبة سيطرة الفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام حالياً تسعة في المائة من مساحة البلاد.

بدأ تنظيم داعش الذي أعلن سيطرته في مناطق واسعة من سوريا والعراق في 2014. يخسر مواقعه تدريجياً منذ 2015 وتحديداً أمام تقدم الأكراد الذين طردوه من مناطق في ريف حلب ثم من محافظة الرقة التي جرت فيها أيضا معارك بين التنظيم والجيش السوري.

ويسيطر التنظيم المتطرف حالياً على نحو ثلاثة في المائة من البلاد. ويتواجد في جيب صغير في محافظة دير الزور (شرق) قرب الحدود العراقية، وآخر في البادية السورية في وسط البلاد. كما يسيطر فصيل “جيش خالد بن الوليد” المبايع للتنظيم المتطرف على جيب صغير في جنوب غربي محافظة درعا. وتعمل خلايا نائمة تابعة له أيضاً في محافظة إدلب.

وبعد معاناتهم على مدى عقود من سياسة تهميش، تصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في سوريا في العام 2012 مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية. وتلقت “وحدات حماية الشعب” الكردية، العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، دعماً من التحالف الدولي الذي اعتبرها الأكثر فعالية في قتال تنظيم داعش. ويسيطر الأكراد حالياً على أكثر من ٢٧ في المائة من البلاد.