بواسطة علي محمد إسبر | أغسطس 8, 2025 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
يرد اسمه باليونانية: Δαμάσκιος أو Damascius وفق الترجمة الإنكليزيّة عن اليونانيّة أو الدِّمشقي بالعربيّة. ولد عام 462 م في دمشق لعائلة عريقة، ويمكن أنَّ يكون والده أسماه الدِّمشقي حُبًّا بمدينة دمشق، لكن يُرجَّح أن يكون اسمه لقب أُطلق عليه لأنَّه دِمَشقي المولد، ورغم انتشار الدِّيانة المسيحيّة في سوريا قبل أمد طويل من ولادة الدِّمشقي وخضوع دمشق في حياته لحكم الإمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة، إلا أنَّه لم يعتنق المسيحيّة، إذ يبدو أنَّ أبويه لم يكونا مسيحيين، وقد أرسلا ابنهما مع أحد أشقائه إلى الإسكندريّة للدِّراسة وهذا الاهتمام من قِبَلِ هذه الأسرة بتعليم أبنائها دليل على عراقتها.
درس الدِّمشقي البلاغة في الإسكندرية في مدرسة حورابولو الذي كان يُلقَّب بـ “مُدَمِّر الأرواح” لأنَّه كان يدفع طلابه إلى اعتناق الهلينيّة بدلًا من المسيحيّة. وحورابولو (اسم مجموع من حورس وأبولو) أحد آخر الكهنة المصريين الكبار، وكانت مدرسته تضمّ أشهر البُلغاء والخطباء والفلاسفة في الإسكندرية الذين كانوا يدرِّسون جمهورًا مختلطًا من غير المسيحيين والمسيحيين.
تعرَّف الدِّمشقي في مدرسة حورابولو على فلاسفة مرموقين مثل إيزيدور الفيلسوف اللامع الذي ألَّف الدِّمشقي نفسه كتابًا عن حياته بعنوان “التَّاريخ الفلسفيّ” ومثل أمونيوس وهو فيلسوف مثير للجدل، لكن اللافت أنَّ أم أمونيوس هذا أيديسيا، كانت سيدةٌ من الطبقة الراقية، وتوصف بأنها من “أجمل وأنبل نساء الإسكندرية”، كما كانت أرملة الفيلسوف هرمياس واختير الدِّمشقي بعد وصوله إلى الإسكندرية بأمد قصير لإلقاء خطبة جنازة أيديسيا، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي حظي بها بسرعة في تلك المدرسة التي ضمت نخبة مثقفي ذلك العصر.
شُنَّت حملة شعواء على المدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة أدت إلى إغلاقها ومن بينها مدرسة حورابولو حيثُ اعتُقل حورابولو نفسه عام 489 م وتمَّ التضييق عليه لإغلاق مدرسته وللتراجع عن أفكاره، ولذلك لم تعدْ الإسكندريّة مكانًا صالحًا للحياة الفلسفيّة، فهربَ الدَّمشقيّ برفقة صديقه وأستاذه إيزيدور الغزَّاويّ Isidore of Gaza الذي يرجع أصله إلى غزَّة في فلسطين، وشاءت الأقدار أن تكون غزَّة إحدى محطاتهما الأولى، حيث التقيا، بأنطوني الإسكندري، الذي استقبلهما أحسن استقبال، وسيبقى الدِّمشقي حتى أواخر حياته يستذكر الفضل العظيم لهذا الرجل عليه، ومن غزَّة انطلق الدِّمشقي وإيزيدور إلى مدينة بصرى في حوران، حيث استقبلهما أحد تلاميذ إيزيدور وقاما بعدة رحلات إلى الأماكن الفلسفيّة المقدَّسة في حوران. امتلأ الدِّمشقي عند زيارته لنهر ستيكس المعروف الآن بنهر اليرموك برهبة ميتافيزيقيّة عند رؤية مشهد مهيب ومرعب في آن واحد لمياه هذا النَّهر.
اتجه الصديقان بعد إقامتهما في بصرى إلى مدينة هليوبوليس المقدسة (بعلبك) في فينيقيا، لكن رحلتهما الفينيقيّة لم تكن موفَّقة، إذ اعتُقِل إيزيدور وأُلقي في السجن وعُذِّب، بينما كان الدِّمشقي يحاول تحرير معلمه. ونجح في النهاية في إطلاق سراح إيزيدور. وتابع الفيلسوفان رحلتهما فوصلا إلى أفسس ومنها إلى ساموس ثم إلى بيرايوس وهي مدينة يونانية في منطقة أتيكا تقع على بعد 9 كيلومتر جنوب أثينا ثم دخلا إلى أثينا على الأرجح في نهاية عام 489 م. واستطاعا الانضمام لحلقة الفيلسوف الأفلاطوني المحدث مارينوس وهو من مدينة نابلس في فلسطين، وكان مارينوس قد أصبح رئيس المدرسة الأفلاطونية المُحْدَثة في أثينا بعد موت أستاذه بروقلوس، فشاءت الأقدار أن يتتلمذ الدِّمشقي على مارينوس رئيس أهم صرح فلسفيّ في العالم آنذاك، أعني أكاديميّة أفلاطون.
أصبح إيزيدور بعد مارينوس رئيس الأكاديميّة في أثينا ثم استطاع الدِّمشقي بموافقة من إيزيدور نفسه أن يتولّى رئاسة هذه الأكاديميّة وأُرجِّح أنَّ إيزيدور تخلّى من تلقاء نفسه عن رئاسة الأكاديميّة للدِّمشقيّ، وتجلّى مشروع الدِّمشقيّ في إلغاء فلسفة بروقلوس من التدريس في الأكاديميّة، وإعادة ربط الأكاديمية بشكل قاطع بفلسفة مؤسِّسها الأوَّل أفلاطون (427 قبل الميلاد-347 ق.م) وكذلك بمؤسِّسها الثاني يامبليخوس العربيّ السوريّ (245 بعد الميلاد-325 بعد الميلاد).
استطاع الدِّمشقي أن يرفع من شأن أكاديميّة أفلاطون وأن يعيد إليها أمجادها القديمة كما لو كانت في عهد أفلاطون نفسه، وبقي الدِّمشقي رئيسًا للأكاديميّة إلى تاريخ 16/نيسان/ 529 م، أي إلى التاريخ الذي أصدر فيه الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمرًا بإغلاق المدارس الفلسفيّة في أثينا، فأُغلقت أكاديميّة أفلاطون التي كانت قد استمرت منذ تأسيس أفلاطون لها عام 387 قبل الميلاد إلى ترك الدِّمشقي لرئاستها نحو 916 عامًا.
شعرَ الدِّمشقي بمرارة إغلاق أعظم صرح فلسفيّ في تاريخ البشريّة، لكنه لم يستسلم فقرر البحث عن بلد آخر لتشييد أكاديميّة أفلاطون فيه من جديد، وفي تلك الأيام الحرجة فكّر الدِّمشقيّ بما سمعه عن ملك ملوك إيران الساسانيّ خسرو الأول وكان معروفًا بأنه راعٍ كبير للفلسفة والفلاسفة، وفكَّر الدمشقي أن يبني أكاديميّة لأفلاطون في مدينة قطسيفون (Ctesiphon) في العراق القديم، وكان اليونانيون قد بنوا هذه المدينة في العصر الهلينستيّ، ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. تقع هذه المدينة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق بغداد. وعندما عزم الدِّمشقي فعلًا على الرحيل إلى بلاط ملك الملوك الساسانيّ خسرو الأوَّل كان في أواخر الستينيات من عمره فقام بجمع التماثيل والرموز والأشياء المقدسة وأخفاها بعناية فائقة في الآبار المحيطة بالمنزل الذي كان مخصّصًا له في الأكاديميّة حيث كان هناك منازل مخصصة لسكن رؤساء الأكاديميّة المتعاقبين منذ زمن أفلاطون، وحزم الدِّمشقي مخطوطاته، وعلى رأس مجموعة من ستة فلاسفة آخرين من أصدقائه اتجه في رحلته إلى خسرو الأول، ولقد ذكر المؤرِّخ والشَّاعر اليوناني أغاثياس (530 م-582 م) أسماء هؤلاء الفلاسفة بعبارة شاعريّة رائعة:
“الدِّمشقيّ، سيمبليقيوس الكيليكي، يولامياس الفريجي، بريسكيانوس الليدي، هيرمياس وديوجينيس كلاهما من فينيقيا، إيزيدور من غزَّة -أجمل زهرة، إذا أردنا أن نكون شعراء، من الفلاسفة في زماننا-اعتراضًا على الإيديولوجية السائدة بين الرومان فيما يتعلق بالإله، اعتقدوا أن المُناخ السياسي للفرس سيكون أكثر ملاءمة”.
خرج هؤلاء الفلاسفة السبعة من أثينا -واللافت أنَّ خمسة منهم كانوا من سوريا التي كانت رقعتها الجغرافيّة تمتدّ من كيليكيا إلى غزَّة-مُعتقدين أنَّهم سيتخلصون من اضطهاد الإمبراطور البيزنطيّ، ولكن وهُم في طريقهم إلى بلاد فارس قرّروا التوقّف في مدينة حرَّان السوريّة لزيارة معابدها وفحص مخطوطات مكتباتها. ثم تابعوا طريقهم إلى بلاد فارس، لكن عندما وصلوا إلى بلاط خسرو الأوَّل شعروا جميعًا بخيبة الأمل والخذلان من إمكانيّة دعمهم من ملك الملوك الساسانيّ، وعرفوا أنَّه لا مكان للفلسفة في فارس، فقفلوا راجعين وعلى الأرجح أنّهم استقروا في حرَّان.
كان الدِّمشقي رغم استقراره في حرَّان يزور مدينته دمشق، وكان دائمًا يزور أيضًا حمص مسقط رأس الفيلسوف السوريّ يامبليخوس الذي يصفه الدِّمشقيّ في مؤلَّفاته بالعظيم من أجل إحياء ذكراه، ويؤكد ذلك أبيات شعريّة كتبها الدِّمشقي نفسه وعُثِرَ عليها في ما يُعرف بمختارات بالاتين Palatine Anthology ( مجموعة من القصائد والمقاطع والشذرات اليونانيّة التي اكتُشفت عام 1606 في مكتبة بالاتين في هايدلبرغ ترجع إلى مجموعة قسطنطين كافيلاس من القرن العاشر وتضم مختارات يونانية ترجع إلى أزمنة أقدم) وقد نُقشت أبيات الدِّمشقي على مسلة في إيميسا (=حمص)، سوريا، في عام 538 م.
اقترح المؤرِّخ الفرنسيّ ميشيل تارديو Michel Tardieu وهو باحث متخصص في الأفلاطونيّة المحدثة وصاحب كتاب “مناظر طبيعية أثرية. طرق ومحطات سوريا من إيزيدور إلى سمبليقيوس، تحرير فرين، (1990 م)”.-أقول: اقترح تارديو أنَّ وجود داماسقيوس في سوريا يقدم دليلًا على خط نقل الأفلاطونية إلى الإسلام، حيث ترسخت التقاليد الأفلاطونية المحدثة في حرّان. تعتمد أطروحة تارديو بشكل كبير على تفسير لرواية عن زيارة المؤرِّخ العربيّ الشهير المسعودي إلى حرّان. في هذه الرواية، يصف المسعودي مكان تجمُّع للصابئة، حيث يرى مطرقة باب منقوشة بالسريانية بشعار أفلاطونيّ: “من يعرف نفسه يصبح إلهيًا.”
مات الدِّمشقي عام 538 م، أي في العام نفسه الذي نُقشت فيه أبياته الشِّعريّة على مسلَّة في حمص، لكن تشاء الأقدار بعد مدَّة طويلة من الزَّمن أن تجذب سوريا أكبر مجدِّدي الفلسفة الأفلاطونيّة بعد الدِّمشقي، أعني الفارابي الذي قضى شبابه في بغداد يتتلمذ على الفلاسفة السريان ثم انتقل إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة الحمدانيّ، وسافر مع سيف الدّولة إلى دمشق، فقرر الإقامة فيها، وكان يمضي الليالي في غوطتها، حيث ذَكَرَ كُتَّاب السِّير أنّه كان يقضي الليالي فيها يضع مؤلَّفاته مستضيئًا بقناديل حُرَّاس البساتين.
لا يوجد أيّ دليل من مؤلَّفات الفارابيّ على أنَّه كان مطلعًا على مؤلَّفات الدِّمشقيّ، لكنَّ الرَّوح الفلسفيّة الغامضة والمجهولة لمدينة دمشق جذبته إليها ليموت فيها عام 950 م.
بواسطة علي محمد إسبر | يونيو 22, 2025 | Culture, العربية, مقالات
غزا الإسكندر الأكبر سوريا عام ٣٣٣ قبل الميلاد، وبعد موته في عام 323 قبل الميلاد، تنافس خلفاؤه على السيطرة على البلاد حيث استولى سلوقس الأول نيكاتور على الجزء الشمالي، وبطليموس الأول سوتر على الجزء الجنوبي (سوريا الجوفاء). لكن في نحو عام 200 قبل الميلاد استطاع الملك السلوقيّ أنطيوخس الثالث دحر البطالمة وبسطَ سيطرة السلوقيين على سوريا كلّها.
أسس السلوقيون العديد من المدن والمستعمرات العسكرية-من بينها أنطاكيا ولاودكية وأفاميا وأنشأوا فيها أحياء للمستوطنين اليونانيين الذين نقلوا معهم لغتهم وعباداتهم وثقافتهم.
استطاع الرومان في ما بعد هزيمة السلوقيين وتمكَّن القائد الروماني بومبيوس من ضمِّ سوريا إلى الجمهوريّة الرومانيّة في عام 64 قبل الميلاد، وعيَّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكورس في منصب حاكم سوريا. وبعد انهيار النظام الجمهوري في روما وتحولها إلى النظام الإمبراطوري أصبحت سوريا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها مبعوث رومانيّ.
تعاقب الأباطرة الرومان على حكم سوريا وصولًا إلى ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقيّ والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي حكم من عام 161 م-إلى عام 180 م. ولا بدَّ أنَّ هذا الإمبراطور الذي يوصف بأنَّه “الفيلسوف على العرش” قام بتشجيع التعليم الفلسفيّ في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة وفي مرحلة حكم أوريليوس ظهر فيلسوف سوريّ مرموق من مواليد أفاميا يُعَدّ مؤسس مدرسة الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة في أفاميا ويرد اسمه في المصادر اليونانية هكذا: Νουμήνιος ο ἐξ Ἀπαμείας نومينيوس الذي من أفاميا، لكن لاحظ الباحث أحمد بيضون وبحقّ أنَّ اسم نومينيوس هو ترجمة يونانيّة لاسم عربيّ هو “النُّعمان”.
شاءت الأقدار أن تزدهر مدرسة أفاميا العربيّة فقد عُنيَ نومينيوس (=النعمان) بإعادة إحياء فلسفة بيثاغوراس وأفلاطون وإيجاد صيغة توفيقيّة أفضت إلى وضع قواعد تفكير بيثاغوريّ/أفلاطونيّ، ولقد تحوَّل منهج في هذه المدرسة إلى غاية للمتعلّمين العرب في ذلك العصر، وحظي برعاية كبيرة طيلة القرن الثالث الميلادي ويمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ القرن الثالث شهدَ صعودًا ملحوظًا للقوى السياسيّة العربية، فأصبح العرب عاملًا مؤثرًا في التاريخ الروماني طوال ذلك القرن. إذ في ما يتعلق بمنطقة إميسا (حمص الحالية) التي تتبع لها أفاميا، كانت جزءًا من مما يُسمَّى تسوية بومبيوس الذي لم يضم إميسا مباشرة إلى الإمبراطورية الرومانية، بل تركها كدولة تابعة يحكمها كهنة-ملوك عرب من سلالة محلية، مع الاعتراف بالسيادة الرومانية. هذه السلالة التي تنحدر منها جوليا دومنا، استمرت في حكم إميسا حتى أواخر القرن الأول الميلادي تحت الحماية الرومانية. علاوة على أنَّ جوليا دومنا تزوجت من الإمبراطور الرومانيّ سيبتيموس سيفيروس (حكم من 193 -211 م) فظهرت سلالة السيفريين Severan dynasty وكانت جوليا دومنا هي التي قدمت العنصر العربي لهذه السلالة، بصفتها زوجة للإمبراطور سبتيموس سيفيروس وأم لابنه الإمبراطور الآخر كاراكالا، لكن ما يميّز جوليا أنَّها كانت مقبلة للغاية على الفلسفة. حتى خلال حياة زوجها الإمبراطور، وتشكلت حولها دائرة من الشخصيات الأدبية والمهتمين بالفلسفة. وكان من بينهم الفيلسوف السوفسطائيّ فلافيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos (170-249 م)، الذي كتب -بناء على طلب من جوليا نفسها-سيرة ذاتية للفيلسوف البيثاغوري الجديد أبولونيوس من تيانا Apollonios of Tyana (15 م-98 م)، وهذا يدلّ على اهتمامها بالتعليم البيثاغوريّ الذي وضع أسسه نومينيوس في مدرسة أفاميا.
لكن في النصف الثاني من القرن الثالث الميلاديّ في ظل حكم أذينة وبعده زوجته زنوبيا ملكة تدمر أُعيد إحياء مدرسة أفاميا، فقد كلَّفت زنوبيا الفيلسوف السوريّ أميلوس Amelius وهو من مواليد أفاميا، مسقط رأس نومينيوس بإعادة إحياء المدرسة البيثاغوريّة الأفلاطونية في أفاميا.
لكن حتى نفهم الأمر على نحو أكثر دقة يجب أن نعرف أنَّه بفضل نومينيوس المؤسس الأوَّل لمدرسة أفاميا انتقل تأثير المدرسة إلى الإسكندريّة، وظهر فرع ثان سكندريّ لمدرسة أفاميا يُعرف بمدرسة الإسكندرية للأفلاطونية الجديدة، وتولّى زعامتها أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas (175-243 م)، ولقد تتلمذ الفيلسوف الشهير أفلوطين (204-270) في الإسكندريّة على أمونيوس ساكاس ثم سافر أفلوطين إلى روما وأسس فرعًا ثالثًا لمدرسة أفاميا في روما، واشتهرت هذه المدرسة هناك في روما حتى إنَّ إميلوس نفسه قبل أن تكلّفه زنوبيا (240-275 م) بإعادة إحياء مدرسة أفاميا سافر إلى روما وتتلمذ على أفلوطين وبقي معه لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 269 م، ثم قفل راجعًا إلى مسقط رأسه في أفاميا. ويُرجَّح أنَّ زنوبيا كلَّفته بعد عودته بإعادة إحياء مدرسة أفاميا. هذا إلى أنَّ إمليوس كان قد التقى في روما بأحد أهم فلاسفة الأفلاطونيّة الجديدة وهو الفيلسوف السوريّ مالك الذي من باشان المعروف بين مؤرِّخي الفلسفة بلقبه بورفيريوس Πορφύριος ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ”، وكان قد أعطاه إياه أستاذه كاسيوس لونغينوس حينما كان يتتلمذ عليه في أثينا، وإميلوس هو الذي دفع بورفيريوس إلى أن يأخذ فلسفة أفلوطين على محمل الجِدّ، لأنَّ استهتر بمحاضرات أفلوطين عندما سمعها لأوَّل مرَّة معتقدًا أنّه يكرر الكلام الوارد في مؤلَّفات نومينيوس السوريّ.
لكن كاسيوس لونغينوس نفسه عاد إلى مسقط رأسه في حمص بعد أن قضى معظم حياته في أثينا فسمعت به زنوبيا هذه الملكة المُحبّة للفلسفة، فاستدعته وطلبت منه أن يعلّمها الآداب اليونانيّة. غير أنَّ لونغينوس سرعان ما تحوّل إلى مستشار لزنوبيا فنصحها بالاستقلال عن الحكم الروماني وأن تصبح مملكة تدمر ذات سيادة مستقلة، وفعلَا طالبت زنوبيا الإمبراطور الروماني آنذاك أوريليان باستقلال مملكتها عن الإمبراطورية الرومانية، لكن كانت النتيجة استيلاء أوريليان على تدمر وتدميرها، وعندما واجه أوريليان زنوبيا بذنبها تنصّلت من التهمة وألصقتها بأستاذها لونغينوس الذي نفَّذ فيه أوريليان حكم الإعدام، فتقبَّله بشجاعة منقطعة النظير.
لم تنتهِ مدرسة أفاميا بعد موت زنوبيا 275 م، لأنَّ فيلسوفًا عربيًّا سوريًّا آخر هو يامبليخوس Ἰάμβλιχος (245-325 م)، ينحدر من السلالة الحمصية أو آل شمسيغرام أعاد إحياءها، وكان يامبليخوس قد تتلمذ على بورفيريوس في روما، ذلك أنَّ بورفيريوس أصبح رئيس مدرسة روما بعد موت أفلوطين؛ لكن يامبليخوس عاد من روما إلى سوريا عام 304 م ليعيد إحياء مدرسة أفاميا.
تتلمذ على يامبليخوس عدد من الفلاسفة من أهمهم الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ Sopater of Apamea (مات قبل عام 337 م) وسافر إلى القسطنطينيّة ليؤسس هناك فرعًا رابعًا لمدرسة أفاميا، وعُقدت عُرى الصداقة بينه وبين الإمبراطور قسطنطين العظيم لكن انقلب قسطنطين العظيم عليه وأعدمه بسبب مكيدة حاكها قنصل رفيع المستوى في الإمبراطورية الرومانيّة هو فلافيوس أبلابيوس. وتتلمذ على يامبليخوس أيضًا أيديسيوس Aedesius (مات قبل عام 355 م) وأسس أيديسيوس فرعًا خامسًا لمدرسة أفاميا في بيرغامون Pergamon التي تقع الحافة الشمالية لسهل كايكوس في منطقة ميسيا التاريخية في شمال غرب تركيا.
كان من بين المتأثرين بتعاليم مدرسة أفاميا سوريانوس Syrianus (مات 437 م) الذي لا نعرف شيئًا عن نشأته، لكن يبدو واضحًا من كتاباته أنَّه درس مؤلفات يامبليخوس، وهذا دليل على أنَّه من أصل سوريّ، كما إنَّ اسمه يُفصح عن ذلك. سافر سوريانوس إلى أثينا وتتلمذ على الفيلسوف اليونانيّ الأفلاطوني المحدث بلوطرخوس الأثينيّ الذي كان رئيس أكاديميّة أفلاطون، وبعد أن مات بلوطرخوس الأثيني عام 430 م أصبح سوريانوس هو رئيس أكاديمية أفلاطون، ثم جاء بروقلوس (412-485 م) الذي ولد في القسطنطينية لعائلة ذات مكانة اجتماعية عالية من ليقيا، ويُرجَّح أنَّه اطلع على فلسفة مدرسة أفاميا، من تأثيرات المدرسة التي كان قد أسسها الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ في القسطنطينيّة. ثم سافر بروقلوس إلى أثينا وتتلمذ على سوريانوس، وأصبح رئيس الأكاديميّة بعد سوريانوس. وخلف بروقلوس على الأكاديميّة مارينوس من نيابوليس Marinus of Neapolis (45-500 م) وهو من مواليد نابلس في فلسطين، ثم يظهر دامسقيوس Damascius المولود في دمشق عام 462 م وتأثر هو كذلك بمدرسة أفاميا، وسافر إلى أثينا وتتلمذ هناك على “مارينوس” نفسه الذي أصبح-كما ذكرنا-رئيس أكاديمية أفلاطون، وشاءت الأقدار أن يخلف دامسقيوس مارينوس بعد موته ليصبح آخر رئيس لأكاديميّة أفلاطون بسبب مرسوم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي قضى بإغلاق المدارس الفلسفيّة ومن بينها أكاديمية أفلاطون في أثينا، فكان دامسقيوس أو الدِّمشقي آخر رئيس لها حين أُغلقت في عام 529 تحت حكم جستنيان. وهكذا شاءت الأقدار أن يكون سوريٌّ آخرَ الفلاسفة العظماء، آخر فيلسوف انبثق من روح مدرسة أفاميا ليصبح آخر رئيس لأعظم أكاديمية فلسفيّة في العالم القديم.
[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين موقع صالون سوريا وجدلية].
بواسطة وداد سلوم | يونيو 8, 2025 | Cost of War, Culture, Reviews, العربية, بالعربية
صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”.
جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.
تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد.
مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.
قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.
كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.
تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام.
تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.
في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.
تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.
تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.
لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.
تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.
تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية.
الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب.
تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.
الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.
تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :
“لماذا تركت الحصان وحيداً؟
كي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”
أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟
أراقب الجدران المتهالكة
قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق
القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور
العشب النابت في الممرات
رائحة الرطوبة
الطحالب تنمو على الجدران
وأصوات عويل يصم أذني.
كيف لك ان تفعل ذلك؟
أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت
الحصان الذي سيموت وحيداً
هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.
بواسطة فريق صالون سوريا | مايو 27, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
صدر حديثاً عن “دار الساقي” في بيروت، ديوان “خريطة تحترق” (2025)، للشاعر السوري جعفر العلوني، وهو عملٌ شعريٌّ يقدّم من خلاله تجربة لغوية مشحونة بالتوتر والأسئلة التي تضيء تمزقات الذات في عالم يتفكك تحت ضغط التكنولوجيا والسياسة والموت.
يتألف الكتاب من أربعة فصول، هي: “صديق الموت”، و”توقعات الأبراج للإنسان العربي”، و”هكذا أروي حياتي لنفسي”، و”تحولات آلية”، تبنى جميعها، على صدام يومي مع الواقع، حيث تتحوّل اللغة إلى وسيلة كشف وتفكيك. يستحضر الشاعر مدناً مثل دمشق، مدريد، ألمرية وغزة، ليس بوصفها أمكنة للذاكرة، بل كعلامات دالة على التحوّلات القاسية في الجغرافيا والسياسة والهوية. هذه المدن تظهر كمساحات للمواجهة بين الفردي والجماعي، بين اليومي والعالمي، في قصائد تنسج جماليات هجينة تجمع بين المجاز والتقنية، الجسد والأسلاك، الصورة الشعرية والصوت الرقمي.
تمتزج في النصوص اللغة الشعرية بالصورة البصرية، والعبارة المجازية بالإيقاع الإلكتروني، لتقدّم كتابة تنطلق من الجسد، وتتقاطع مع التقنيات، وتُخضع اليومي للرمزي. فالقصائد محمّلة بالأسلاك والعلاقات بين الكلمة والكلمة تمر عبر إشارات المرور والشاشات وأجهزة الإنذار، وحيث الحب لا يظهر إلا بوصفه معطى تقنياً، والمشاعر تمر عبر أنظمة تشغيل معقّدة.
يقدّم العلوني عبر “خريطة تحترق” رؤية شعرية لعالم لا خلاص فيه من اللهب، ولا مخرج طوارئ من الانهيار إلا عبر القصيدة – الحب- الآخر. هكذا يرسم الشاعر خريطته الخاصة، حيث القصيدة – الكتابة طريقة للعيش والرؤية، وحيث اللغة مساحة للمقاومة ضد الاختفاء، ووسيلة لاختراع هوية قادرة على النجاة من الرماد والانكسارات.
يذكر أن جعفر العلوني شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا. من ترجماته إلى العربية، نذكر: “الجمالية في الفكر الأندلسي” (2024)، و”شاعر من تشيلي” (2023)، و”الأصوات المرتعشة” (2020)، إضافة إلى العديد غيرها. من ترجماته إلى الإسبانية: “ديوان الشاعرات العربيات المعاصرات” (2016)، “أول الجسد آخر البحر” (2021)، و”أدونيادا” (2023)، إضافة إلى العديد غيرها.
مختارات من الديوان
هكذا أروي حياتي لنفسي
1
أفتحُ البابَ كمِثل أي صباحٍ
وآلاف الذكريات تتسابق في رأسي كي تكونَ الأولى.
أختارُ الأقل قساوةً، مع أنَّ الحياة كلَّها قاسية.
أتساءَل: ما اليوم؟ وأمضي برفقة السنين.
أشعر بحاجة عارمةٍ كي أصلَ متأخراً إلى العمل.
في الطريق لا أشمُّ إلّا رائحة الخريف.
يبدو أنّني صرت بارعاً في الالتفاف.
أعبرُ الطرق المُنحرفة كلّها وأحاول أن أتفادى الطريق المستقيم:
أحبّك.
2
ثمّة قلوبٌ كمثل الغرف تتراكمُ فيها الأخطاءُ التي لا تغادر.
قلوبٌ بلا زاويا للانثناء لأنّها مليئة بأثاث تركه الآخرون.
قلوب بلا نوافذ أو أبواب على الغد. قلوب بلا ثقب لرؤية الكوارث القادمة.
ثمة قلوبٌ تُقاس العزلة فيها بضوء قنديل لا يضيء.
قلوبٌ رطبة من دمع لا يتوقّف عن الذكرى.
قلوبٌ كمثل الطرق المليئة بخريفٍ يسقط من الأوراق.
ثمة قلوبٌ لا تعودُ. قلوب لا يمكن العودة منها. قلوب لا يمكن أن تكون إلا مكاناً للهجرة.
ثمّة قلوبٌ لا تستطيع أن تغادر منها حتى لو كنتَ في المنفى.
3
من الساحات والبيارق،
من نشرات الأخبار وحركات الطيران،
من حقولِ الكرز ومتاهات القِصص،
من الذئبِ والأرانب،
من القبلِ دون كافيين،
من المتاريسِ والأسلاك الشائكة،
طيور البجع وسُفنِ الزبد،
العظةِ والأيام الجافة،
من العناقِ ومضادات الاكتئاب،
من الحبّ وأفاعي الذكريات
من الطحالب والأنبياء،
الجهات الأربع
أغوار الفراتِ وضفاف دجلة
بردى والبيت البارد
من الكتبِ والرفوف العمودية
الطاعون والسحاب
الجَزع التجزؤِ الصمتِ والرماد
من الليل والنهار، القمر والشمس والخيط الواصل بينهما
من الجمجمة وعظم الترقوة
من المرايا والأبراج
من ليلٍ أرخى سدوله وموجٍ كمثل البحر
من السيفِ والضحية،
الشقوقِ، الأطرافِ، العطش، الأنقاض، السبات،
الكاميرات، الهواتف، اليمين واليسار،
الجذور الأصول
الهواء، الخبز، الأقواس،
علامات الترقيم والفواصل المنقوطة
من المربع، الدائرة، المثلث وبقية الأشكال الهندسية،
من الهواجس، العناكبِ، الجسورِ، المخالب،
وأظافر القدمين المطلية
من المقاهي وأسرار الكراسي
من الزجاج وكيمياء الرمل
من الفخار وأوطان الوحل
من الأندلس وطوائفها
حتّى من الحياة نفسها يمكن الخروج
لكن حتّى الآن لم أجد مخرجاً للطوارئ.
4
لا الصوتُ يسبقُ الصدى ولا الصدى يلحق النداء.
قطراتُ المطر تُظهر لي اسمك.
الأشجارُ عاريةٌ لا تتأثّر بالمشهد. ربّما كان عنيفاً أكثر من اللازم.
بللتُ الشوارع التي تذكّرني بساقيك ومحوت أثر الفتات المُتساقط مني كي لا أعود أو ألتفت.
الحياةُ هنا انزلاقٌ متواصل. والسقوط أول الطريق.
تحتدمُ العواصف،
تنخفض الحرارة على وتيرة صوتِ المذيعة التي تتنبأ بطقوس لقائنا
الغيمُ يتراكم: ترعدُ وتبرقُ وتنزل الصاعقة:
واحد تحت الصفر،
هذه هي المسافة التي تبعدني عنكِ.
5
الأخبار العاجلة تصلُ تباعاً:
عُزِلت الفصولُ من حراسةِ موكبكِ لأنّها لم تعد جديرة بالثقة.
ويحكى أنّك سببُ الكوارث المناخية.
وأنّك فتحتِ صندوق باندورا وأخرجتِ منه مؤونة المواسم.
انعشتُ أرقامك الحمراء
وضعتُ الشمسَ في الفراشِ كي تجفّف نداكِ
مع ذلك لم يبق إلا الحصار أو الهزيمة.
عزلتُ خيباتي واحدةً واحدة
لخبطتُ الأيام في رتل العروبة
وأسقطتُ الزَّند.
كلُّ شيء جاهز كي أسقط النظام.
6
تعالي، أريدُ أن أريك حياتي. لا تخافي. أعطيني يدكِ.
ليست بعيدةً. ليست أبعدَ من خطوتين ونصل.
لن نعبرَ حدوداً. لن نحتاجَ لجوازات سفرٍ. ولن يفتشك أحدٌ.
هنا خزانة الأشباح. في كلّ صباح أرتدي شبحاً وأخرج عابراً إشارات المرور حتى لو كانت حمراء.
أرجوكِ لا تغاري إن قلتُ لكِ لا تلمسي الفوضى: أحبُّ الأشياء مرتبةً بهذه الطريقة.
هذه هي زاويتي المفضّلة. لكن، لا أستطيع حتّى أنا أن أدخل.
هناك وضعت المرايا التي حدّثتُك عنها.
– كلا، لا تعكسُ صوري. تعكسُ شكل المدنِ التي تسكنني ولا أسكنها:
دمشق، بيروت، مدريد، ألميرية، وأمس رأيتُ غزّة.
إلى جانب الباب قاربٌ هيّأتهُ للهجرة.
أعطيني يدكِ مرّة أخرى. سأريكِ أجملَ شيءٍ في حياتي.
هذه هي الهاوية وعليها أبني المستقبل.
7
كان عليَّ أن أقرأ بحذرٍ الكلمات الصغيرة في العَقْد:
أن أقرأ، مثلاً، البنودَ الخاصّة التي لا تسمحُ إلّا بالهجرة والمنفى
أن أقرأ تفاصيل الطفولة ودمى الشقاء
كان عليّ أن أنتبه إلى شرط الذبول الذي اخضرَّ في فتوتي
وأن أرفض أن أساكن في بيتي الأشباح والطواحين
كان عليَّ أن أكون أكثر حرصاً على الحنجرة وشهقات البائسين
أن أدافع أكثر عن رئة الهواء
وأن أضمن بأي شكل نافذةً لصوتي
كان عليّ أنَّ أشكّك الزجاج بشفافيّته
وأن أفرض أشياء بسيطة:
ضوء شمس، قوس قزحٍ، ووسادة للأحلام.
كان عليَّ أن أتفحص جيداً مسألة الكلمات والمصطلحات:
ألّا أوقع عقد القتل عند الولادة.
8
في نشرة الأخبار يحذّرون من عاصفة.
من تلوّثٍ مخزّن في الرئتين.
من نارٍ تنتقل من شجرةٍ لشجرة.
وكانوا يتحدثون عن تحولاتٍ خِلاسية، لكنهم لا يقولون شيئاً عن جثث تسبح.
عن نار ترفض التدفئة في الخيام.
عن أطفالٍ لا يتوقفون من الصعود إلى السماء.
لا أحد يقول شيئاً عني وعنكِ.
المطرُ ينزل كلّ يومٍ لكنّه أعجز من أن يغيّر شيئاً.
عطرُ الوردة يفوح لكنّه لا يعانق الأنف.
الكتبُ ترمي نفسها انتحاراً من على الرفوف لأنّها تريد أن تتحرّر من ثقل الغبار.
دجلة يجفُّ. الفرات يريد أن يلمس ماءَه.
البشر مشغولون في الإجابة عن أحجية الإبرة في كومة القش.
الحياة مسرح، والكلُّ يرتجل.
إلى الخشخاش، إلى الخشخاش، أيّها العمر!
تحولات آلية
1
ألف-لام- هاء:
آلةٌ أم إله؟
تدفّقُ أمواجٍ لا تعرفُ إلا طريقاً واحداً:
المستقبل؟
ألهذا لا يأتي الضوء من الشرق؟
ألهذا لا نعشق إلا ثورات العتمة؟
وأنتِ، لماذا لا تُبصرين الألوانَ، أيتها العين؟
تحتَ الأحمر، فوق البنفسج،
بين بين،
يسافر موجٌ لا تروِّضه كلماتي،
مع ذلك يطيبُ لي أن أغرقَ في زبدكِ يا فولتات اللغة.
اتصالاتٌ وشبكات
الكتروناتٌ
جسيماتٌ وذرات تؤسِّس لمجتمعاتٍ
تُديرها روبوتات لا تعرف أن تحب.
وأنتِ، أين تركتِ قلبك يا إلكترا
ولماذا نسيتِ ثأركِ
وطابَ لكِ النّوم على هامش كتابٍ الكتروني؟
أوه، يكاد عقلي أن يتحوّل إلى شريحة الكترونيّة
وجهي شاشة،
جسدي آلة،
ولا ذاكرة لي إلا في فضاء العشوائية الصلبة
ها هي يدي تصير فأراً آليّاً
وأصابعي لوحٌ أبجدي معدني.
موجٌ،
لا شطآن له إلا في قرارةِ الآلة.
2
في رأسكِ
تتحكّم الخلايا العصبية في حركة جسدي،
في نظام أعصابي،
في اتصالاتي اللا واعيّة
في أحلامِ يقظتي التي لا تستريح،
في شعيراتي الضوئيّة وأليافي البصريّة
في أصابعي التي تتحرّك كفئرانٍ آليّة لاستقبال ما لا يُلمس.
وفيما أبحث، آليّاً، فيك،
في عدسةِ عينيكِ،
في القرنية،
حيث تكسرين شرايين الضوء،
تكون أعضائي قد استكشفت الدوائر والمنعطفات
وأكون قد استظهرتك.
أوه، ما أجمل هذا الحبر الأحمر الذي يسيل من طابعة شفتيك!
خذيني إليكِ،
انسخيني والصقيني في مسامات جسّدك
وسّعي ذاكرتي كما تشائين
انقلي إليّ حركاتك الأكثر حميميّة
أريد أن أخلق نظام تشغيل خاصاً بنا
أريد أن أغلقَ جميع نوافذك الفرعيّة
وأفتتحَ فيك أرشيف الإباحة.
ها آنا الآن أشعرُ فيّ تحت جلدكِ،
بين المنفذ والمنفذ
النبض والنبض،
في الخلية والشريان،
في الكرة والسرّة،
بين روابط الأوردة، معطياتنا الحسيّة، وحبالنا الشوكية
في الأبيض والرّمادي،
في الخلايا التي لا تتفرع،
في منامات اللا شعور،
وطبقاتك السفلى التي تريدُ أن تتمردَ على المركز:
انطلقي تبعثَري تَمردي تغلغلي انتشري خرّبي تنشّطي
تكاثَري شفِّري استحوذي تباطئي أسرعي استكشفي اسرقي
تناسخي ترابطي،
لكن كوني أليفةً معها
يا فيروساتي!
بواسطة وداد سلوم | مايو 24, 2025 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
عندما سئل المخرج زياد كلثوم صاحب فيلم “طعم الإسمنت” (من مواليد حمص 1981) عن سبب اختياره عنوان (الرقيب الخالد) لفيلمه أوضح أن ذلك يشبه رداً على شعار درج ردحاً من الزمن لتمجيد حافظ الأسد وهو تسميته بالقائد الخالد.
والرقيب في الفيلم هو المخرج ذاته، فالفيلم تسجيلي على نمط سينما الواقع، وثائقي يرصد ويسجل مرحلة محتشدة بالأحداث في عام 2012 أي بعد عام من بدء الثورة السورية، وانتقالها إلى المواجهة العسكرية مع النظام في ريف دمشق، وهي فترة خدمة كلثوم العسكرية في المليحة (ريف دمشق) وحيث يتم إطلاق القذائف منها، على الغوطة الشرقية وغيرها، بينما يمضي باقي يومه في العمل كمساعد مخرج مع الأستاذ محمد ملص أثناء تصويره فيلم (سلم إلى دمشق) .
يبدأ الفيلم في صورة توحد الكاميرا مع المخرج وكأنها عينه فتبدو الصورة مقلوبة أثناء استلقائه وتبدأ بالتصحيح في نهوضه وهو نفس المشهد الذي يبدأ به يومه حين إعلان انشقاقه عن الجيش لعدم موافقته على الصراع المسلح الحادث وتدخل الجيش النظامي لصالح السلطة، وكأن العالم مقلوباً يُصحح بفعل النهوض والحركة أي الفعل، كما يتم تصحيح مواقف الناس بإعلان الرفض.
يبدأ كلثوم إذاً تصوير رحلته اليومية إلى المليحة مكان خدمته الإلزامية في طريق كئيب وتحت صوت الطائرات التي تقصف ريف دمشق متجاوزاً الحواجز العسكرية وصولا إلى قطعته، تتأرجح الصورة أثناء ذلك لأن التصوير ممنوع في القطعة العسكرية فاستعان كلثوم بكاميرا الموبايل ليتمكن من ذلك دون لفت الانتباه، وهذا التأرجح هو تعبير عن الاضطراب الذي يشكل المناخ العام، والاضطراب الذاتي الذي يعيشه السوريون حيال الوضع القائم.
يبدو المكان (في القطعة العسكرية) ضيقاً حين يدخل الرقيب المجند إلى مبنى القطعة العسكرية وكأنه يشير إلى الضغط النفسي الذي يسببه المكان ذو الجدران المليئة بالشعارات والملصقات التي تمجد شخصية الرئيس الحاكم (بشار الأسد) ووالده من قبله إذ تملأ الجدران صورهما، ترصد الكاميرا التفاصيل اليومية لحياة المجند في المكان ومحيطه حيث تربض الدبابات التي تقصف المناطق الأخرى ويتم قص الأشجار لإفساح المكان لها.
تسقط الأشجار أرضاً وهي التي تموت واقفة كرمز للصمود، بينما يلتفت المخرج ليصور لنا الشعار المكتوب “لن تركع أمة يقودها القائد…” وكأن ثمن بقائه إركاع كل رمز وكل إنسان. بهذه الطريقة يلعب كلثوم على المتناقضات لإظهار الفكرة ووضع المقولة بين يدي المشاهد وهو ما نلمسه في أكثر من مشهد وأكثر من مكان.
يتابع كلثوم يومه ليستعرض الجزء الذي يعمل به كمساعد للمخرج المعروف محمد ملص حيث يقوم بتصوير زملائه في فريق ملص أثناء قيامهم بالتصوير، طارحاً الأسئلة المقلقة للجميع في تلك الفترة عن موقف الأشخاص مما يدور في الساحة وعن رؤيتهم للمستقبل بل يمتد بذلك إلى الشارع فيسأل بعض المارة والناس العاديين، منهم من هو معروف مثل كروان المتابع الشهير الذي التصق اسمه بسينما الفردوس أقدم سينما في دمشق، ومن حديث عابر يستجره كلثوم للحديث عن مشاعره العميقة فابنه استشهد منذ مدة وما زال يبكيه، يصور أثناء ذلك كلثوم إعلانات العروض في سينما الفردوس ليشير إلى البعد الشاسع بين الواقع وما يدور من حرب سورية/سورية متصاعدة وبين الشارع الثقافي، وتردي واقع السينما سواء في نوعية العروض كما نرى في الإعلانات أو بنسبة المشاهدين المنعدمة نتيجة الوضع الأمني.
في هذا التداخل يرصد كلثوم واقع السينما في الحرب، بينما في المقلب الآخر نرى عمل محمد ملص في هذا الواقع المتأزم ضرباً من المغامرة بإصراره على استكمال تصوير فيلم (سلم إلى دمشق). وينتقل كلثوم إلى إجراء لقاءات مع فريق العمل. تقول مساعدة ملص: “نصور فيلماً عن مدينة دمشق قبل أن تندثر”، والاندثار هنا ليس فقط احتمال التدمير في الحرب الدائرة بل بفعل الغبار بمعنى عدم التطور وإيقاف زمن المدينة على توقيت الديكتاتورية. وهم في الحقيقة يصورون الحياة السرية للمجتمع أو الجانب غير المصرح به فتظهر لقطات تصوير اعتقال أحدهم، ويقوم بالدور الراحل غسان الجباعي، الذي يحكي قصة المشهد مشيراً إلى أن المشهد بسيط جداً أمام ما يحدث في الواقع خارجاً ويبتسم في همسه لكاميرا كلثوم واضعاً الملح في قلب الجرح السوري.
يوثق كلثوم مصاعب السينما في الظرف الراهن وهو ما يشير إليه ملص الذي ينظر إلى الأرض بحرقة وهو يسمع القصف الممتد ويرصد معاناة الفريق أثناء التصوير فصوت الطائرات الذي يرغمهم على إعادة المشهد عدة مرات يضع معظم الممثلين في حالة من التوتر والغبن والقهر المكتوم.
أحد الممثلين من الحجر الأسود حيث قصف بيته ورفاقه، يبكي ويبكي ويشرب لينسى ولكن عبث، هي ذات المعاناة في عين ترما وغيرها من ضواحي دمشق وريفها حيث يراقب الجميع سقوط الصواريخ وكأنها تسقط في قلوبهم.
يقوم كلثوم بتصوير صعوبات صناعة السينما في تلك الفترة وإرهاصاتها وواقع صالات العرض الفارغة وصولاً إلى واقع السينما العسكرية أو ما يسمى سينما باسل الأسد حيث تمت تسمية كافة المنشآت باسم الابن الراحل لحافظ أسد، الشقيق الأكبر لبشار الأسد، سواء المنشآت الرياضية أو الصحية أو الثقافية. كان اسمه يحتل البلاد دون أن يكون له أي أثر يذكر على المستوى العام، وكأن هذه البلاد مسجلة كملك شخصي للعائلة الحاكمة، أو أن قدرها أن تبقى لإحياء ذكرى موتاهم (الأب والابن) وربما هذا ما يأخذنا أيضاً إلى قول مساعدة ملص “دمشق قبل أن تندثر” كحاضرة مدنية وثقافية .
كانت سينما الجيش، أو كما يسمونها سينما باسل الأسد، عبارة عن صالة فارغة وأفلام على الرفوف تحت الشعارات التي يتم أدلجة العسكريين بها.
تتوجه الكاميرا إلى الممثلين الذين يعكسون في إجاباتهم تناقض الشارع السوري في موقفه تجاه الحرب الدائرة، فنرى من تأذى شخصياً من القصف رغم عدم مشاركته بأي نشاط أو عمل مسلح، وبين الواقعين تحت ديماغوجية السلطة ودعاياتها.
بين الوعي الكامل للظلم الحادث وللقتل الذي تمارسه السلطة الديكتاتورية وإحساس القهر والظلم والتعاطف الضمني مع الثوار وبين الذين عانوا ظلماً من الاعتقال والتعذيب الذي أبعدهم عن ساحة المشاركة بالعمل السياسي.
يتجلى التناقض في موقف إحدى الممثلات التي تصرح بانحيازها لجانب السلطة وترى أن الطائرة قادرة على التمييز بين البريء والمجرم أثناء القصف، بل تخاف على الطيار متجاهلة موت الأبرياء ومنهم أهل زملائها في العمل.
يشبه ذلك مشهد كروان الذي خسر ابنه وأحلامه وهو يردد ما تتناقله الأخبار الرسمية وكأنه يردد شعارات السلطة الجوفاء ذاتها معزياً نفسه أن ذلك حدث من أجل البلاد.
هذا الفصام الذي يصوره كلثوم للأشخاص ليس خارجياً فقط، بين الأشخاص وعلى صعيد المجتمع بل هو على الصعيد الداخلي في ذات الأشخاص. فمنذ بداية الفيلم لا نرى الشخص وإنما نرى ظلاً يتحرك وأقداماً ورغم أن هذا قد يكون بسبب تقنية التصوير لكنه يشكل أيضاً إيماءة إلى تحول البشر إلى ظلال تعيش انفصامها عن نفسها أولاً وعن رغبتها الحقيقية بسبب الخوف المسيطر. يقول أحد المارة للكاميرا (نعم أحب بشار الأسد) ثم يقول لكلثوم همساً: فيني ما قول هيك؟ بيشحطوني، في تعبير عن ذلك الخوف الذي يمسك الألسنة والفصام عن الواقع فالحياة العادية تستمر تحت وقع قصف الطائرات وتستمر الحركة في المدينة، التي تدفن على مهل.
يقول ملص الذي يطيل الصمت تحت صوت القصف متأملاً الخوف يسيطر على الجميع من الاتجاهين، سواء من قصف الطيران المستمر أو ممن يوقف الناس ويقتلهم على الهوية .
الخوف الذي يتحرك في العيون، خوف الجدة الحمصية التي تمثل دوراً في فيلم ملص تقول فيه عبارة واحدة، تجلس في ثياب الصلاة صامتة ومراقبة، يقترب منها كلثوم ويسألها عن نزوحها من حمص فتتردد وتتلكأ وكأن هذه الجرأة بالتعبير تكلف كثيراً، ثم تجيب بأنها فقدت ابنيها وحفيدها في قصف حي باب السباع في حمص.
نصل ذروة الفصام في مشهد تداخل ظلي المخرج ليشكلا شخصاً واحداً وذلك حين يقرر الانشقاق عن الجيش النظامي إثر المشاهد التي يراها ويصورها من إصابات وسقوط القتلى من الطرفين فيخرج من مكان خدمته العسكرية حيث تتابع الدبابات إرسال الموت إلى أماكن شتى. يخرج كلثوم من المبنى بشعاراته البائدة إلى غير رجعة في مشهد عميق وعالي الفنية يظهر فيه هذا التداخل بالظلال مشيراً إلى انتهاء الفصام واستعادة الرقيب المجند كلثوم لذاته وحياته التي يريدها باتخاذ القرار الذي يعلنه وهو انشقاقه عن الجيش موثقاً ذلك بعبارة ينتهي فيها الفيلم: أنه يرفض المشاركة بالعنف الدائر جملة وتفصيلاً ويعلن حفاظه على سلاحه الوحيد الكاميرا.
يلاحظ المشاهد أن المخرج وازى بين فيلمه وبين فيلم (سلم إلى دمشق) وكأن هناك فيلماً داخل الفيلم حتى أن صرخة البطل الأخيرة (حرية) في فيلم ملص تتوازى مع انشقاق الرقيب في فيلم كلثوم وفي المشهد الأخير منه حين ينظر إلى الأعلى كأنه يراقب مسار تلك الصرخة التي تحلق مع أرواح الناس.
فيلم كلثوم فيلم مبكر عن أحداث الثورة السورية صور في 2012 وتم إنتاجه في 2014. حاز على جائزة BBC للأفلام الوثائقية عام 2015 وجائزة مهرجان لوكارنو بسويسرا.
تم عرض الفيلم في مدينة حمص في افتتاح مجتمع حمص السينمائي وهو نشاط منبثق عن مبادرة حمص عاصمة السلام، فتمكن السوريون حضور الفيلم أخيراً، كما استضيف المخرج للإجابة عن تساؤلات الجمهور.
بعد أن بقيت أفلام الشباب المعارض غائبة عن الجمهور في سوريا رغم أنها تجوب العالم وتحصد الجوائز، ورغم أنها عنهم وعن آلامهم.
بواسطة وداد سلوم | أبريل 27, 2025 | Culture, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
لا يختلف اثنان حول دور الإعلام سواء في السلم أو في الحرب، ومدى استخدامه في تأجيج الصراعات والنزاعات وتغطية الحروب والأحداث المصيرية للشعوب. تتراوح شدة تأثيره من مكان لآخر وتعتمد على قدرة العاملين فيه والتزامهم بالمهنية ويتأثر ذلك بعوامل كثيرة كطبيعة الصراع القائم من جهة ودعم الأطراف المتصارعة من قوى عالمية قد تكون متحكمة بوسائل التأثير الالكترونية من جهة أخرى. ولهذا تم دوماً استهداف الصحافيين في الحروب وكلنا يتذكر الصحافيين الفلسطينيين الذين قضوا بالقصف مرة تلو أخرى في حرب غزة حيث قتل أكثر من 183 صحفياً في عام واحد بعضهم أثناء عمله وبعضهم مع عائلاتهم.
كما تم تعديل خوارزميات الإنستغرام بعد حرب غزة لتشديد الرقابة على المنشورات التي تتحدث عن إبادة الفلسطينيين/ات، وهذا ما فعلته شركة “ميتا” في الفيس بوك إذ قامت بمحاصرة وصول الصوت الفلسطيني وتقديم الحرب للعالم على أنها حرب عادلة لتحرير المختطفين اليهود.
غياب الإعلام في سوريا
منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول تم إغلاق القنوات التلفزيونية والإذاعات الرسمية والخاصة مما ترك فراغاً واضحاً وجعل الناس تسعى للوصول إلى الخبر عبر مصادر تنوعت بين الوكالات الخارجية، مع قلة مراسليها في الأنحاء السورية، أو شبكة العلاقات الاجتماعية الخاصة أو وسائل التواصل الاجتماعي، أي تحت تأثير ما يسمى بالإعلام المجتمعي والتي تظهر في حالات مماثلة عبر جماعات مؤثرة (صفحات عامة) مع الانتباه أنها من أطراف مختلفة المواقف ومتنوعة الاتجاهات ولهذا قد تكون مضللة وليست مهنية سواء من حيث التحيز أو لأن بعضها خارج البلاد يفتقر إلى الدقة في نقل المعلومة، أو عبر أشخاص مهتمين ومعروفين يحظون بمتابعين كثر سواء كانوا موثوقين أو لا، كصفحات بعض الاعلاميين السابقين أو الجدد، دون الانتباه إلى المهنية التي كانت تتأرجح على الدوام بكل ما تحمل من مخاطر. ظهر ذلك واضحاً بالنظر إلى مواقف وردود أفعال الناس التي وقعت تحت ضغط التجييش والضخ الطائفي الضمني أو العلني في وقت تم تداول الدعاية للمظلومية بالتبادل مرة تلو أخرى بين مكونات المجتمع السوري وطوائفه. وتم التحريض عبر رجال الدين على المنابر غير مرة للتعبئة الطائفية.
لا نستطيع إنكار دور هذه الوسائل في التلاعب بالرأي العام والخاص والتأثير على شرائح المجتمع عبر البث المتواصل للمعلومة دون أي تدقيق أو إثبات، وكحالات انفعالية بعيدة عن المهنية والمسؤولية تستجر ردود أفعال متوالية.
لم يدرك أي من هؤلاء الذين يمارسون الصحافة المجتمعية خطورة الكلمة في الواقع السوري المنقسم منذ عشرات السنين على يد نظام الأسد الذي زرع الطائفية وسقاها ليحفظ استمراره على مبدأ فرق تسد ومنذ 2011 عمد على زرع الخوف من الآخر محولاً الحراك من سياسي إلى طائفي.
فكانت مقاطع الفيديو الكثيرة تنتشر على السوشال ميديا دون توقف حاملة خطاب العنف ومثيرة زوابع الرعب والحقن الطائفي خاصة بعد مواجهات الساحل وما اعقبها من مجازر انتقامية. كانت عدة فيديوهات مليئة بالدم والعنف والحقد الطائفي إذ لم يتورع مرتكبو المجازر عن التصوير باستخفاف بالمشاعر الإنسانية.
تجارب مماثلة
بالعودة إلى تجارب شعوب مماثلة للواقع السوري تحضر فوراً تجربة رواندا إلى الذهن إذ كان لوسائل الإعلام أثر مهم وكبير في التحريض على الإبادة الجماعية حسب قول الصحافي آلان ميلي الذي عاصر ذلك في حديثه عن أثر الإعلام فيما حدث هناك. ويقول أحد مرتكبي الإبادة معترفاً: “تحولتُ إلى إنسان متوحش من الدعاية التي كنا نسمعها في الإذاعة. كنا نقتل بحماسة وجنون كأننا نقتل الصراصير أو الثعابين”. نسب لهذه الإذاعة الدور الكبير في التحريض على أعمال العنف والقتل إذ ذكر انها كانت تسوق للإبادة بأقوال مثل: (هؤلاء القوم قذرون، أو علينا أن نبيدهم–يجب التخلص منهم–هؤلاء الصراصير متى سيرحلون؟ وشاعت في الإذاعة أغنية كلماتها: علينا ان نبيد الصراصير، لو أبدناهم سنكون المنتصرين). لقد حول الإعلام الكلمة إلى سكين أو منجل وهي الأدوات التي كانت تقتل الناس بوحشية ودون رحمة.
وحين بدأت المفاوضات لم يتم تغطيتها وإيصال أخبار تقدمها للناس، بل تم التعتيم عليها مما ترك أعمال العنف والكراهية مستمرة أثناء ذلك. بعض الصحف كانت تنشر صور لأحد أطراف الصراع على هيئة ثعابين. إن نزع الصفة الإنسانية عن الطرف الآخر يسهل تقبل فكرة القيام بقتله إذ يستبعد الإثم جراء القتل في اللاشعور لدى الفرد، بل يبرر عملية القتل على أنها فعل مقدس.
قامت المحكمة الجنائية الدولية بإصدار حكم على أربعة وثلاثين شخصاً لتورطهم في الإبادة الجماعية والمثير في ذلك أن بينهم صحفيين هما حسن نجيزي من جريدة كانجورا وهو أول من وصف التوتسي بالصراصير. والثاني فرديناند ناهيمانا، مذيع في راديو وتلفزيون التلال الألف الحرة (RTLM) والذي قام بالتحريض علناً على القتل.
وأمام الدور السلبي لهذا الإعلام قامت منظمة مراسلون بلا حدود وبمساعدة الأمم المتحدة وحكومة سويسرا بإنشاء راديو أجاتاشيا بهدف مساعدة الروانديين لتلقي المعلومات الصحيحة ومواجهة الدعاية التي تبثها إذاعة RTLM لتعميق الصراع وبث الكراهية، وهي المحاولة الدولية الأولى لتحييد وسائل الإعلام الذي بدأ بعد ذلك بأخذ دوره النبيل لنشر ثقافة السلام والحوار وقبول الآخر بتعزيز النقاط المشتركة بين السكان على اختلافهم وبث قصص التعايش الإيجابية والتأكيد على التنوع والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة.
الحاجة الملحة للإعلام الرسمي والمستقل الحر
لا يعاني السوريون\ات فقط من فقدان الثقة في نقل الخبر ومزاجية الأشخاص الذين ينقلونه حسب خلفيتهم السياسية والطائفية وغيرها من الانتماءات التي فرضت وجودها بعد سنوات الأزمة السورية وعمل السلطة البائدة بضخ الأحقاد والخوف من الآخر، بل أيضاً من كثرة الإشاعات حتى فقدان التمييز بين الحقيقة والوهم ومن لغة الخطاب التي تعمق الشرخ الاجتماعي بين الناس دون أن تمتلك مشروعاً داعماً للمرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد كالمطالبة بتحقيق العدالة الانتقالية عبر السلطات. فهي لا تتورع عن العنف اللفظي بوسم طائفة أو مجموعة بألفاظ مهينة، بينما تحفل صفحات المثقفين على الإنترنت بالشجار وتبادل التهم، والغرق في الخلافات والانجرار لسلطة اللحظة سواء الفرح بسقوط النظام أو الانتقام الشخصي لمعاناة طويلة جراء ما كرسه النظام من قمع واضطهاد، إذ راجت الحالة الانتقامية خلال الفترة الماضية وراجت عبارة (وين كنتو من 14 سنة؟). واللافت للانتباه هو عدم دقة هذه الادعاءات فمثلاُ هناك من قال هذه العبارة لرغيد الططري الذي قضى 42 عاما في سجون الأسد. يسود عدم التبصر بتحديد العدو وهذا كان واضحاً حين استهدف الانتقام في الساحل بسبب الانتماء الطائفي عدداً من معارضي الأسد الأب والابن والذين قضوا زهرة أعمارهم في السجون الأسدية.
ساهم الإعلام المجتمعي عدم المسؤولية في حمل الأمانة المهنية بتشكيل الدافع لدى الكثيرين وظهور حالة الاندفاع والهياج. وعلى سبيل المثال استخدم هكذا إعلام العنف اللفظي الذي تجلى بإطلاق الأحكام على فئة كاملة ووصفها بالحيوانات (الخنازير) وذلك لتسهيل الإساءة لها وإسقاط صفة الإنسانية عنها، وبالتالي الحط من قدرها وتسهيل القتل والعنف بحقها، كما حدث حين أطلق النظام الساقط صفة الإرهابيين على كل من عارض الأسد.
هل سننتظر يوماً محاكمة هؤلاء الإعلاميين الذين يفتقرون للمسؤولية، وهل ننتظر إطلاق القنوات الرسمية للإعلام والسماح للمحطات الخاصة البدء بالنشاط خاصة تلك التي لها تاريخ في الذاكرة الشعبية السورية ويمكن أن تكون جامعا للشعب ومهدئاً فهي على الأقل كانت دوماً قادرة على أن تجمع السوريين على روتين الحياة اليومية كفيروز الصباح.
لا يقل عن أهمية إطلاق الإعلام الرسمي أهمية الإعلام المستقل الحر والذي ينتظر منه العمل على تكوين الوعي المجتمعي القادر على تحرير الفرد من تأثير الدعاية والضخ المستمر للضغينة والتحريض، وذلك بتكوين وعي ذاتي مسؤول يضع المصلحة الوطنية أولاً ويؤسس لثقافة الحوار واللاعنف حتى لا نكون تلاميذَ للنظام الساقط في إدارة الراهن.