حول الوضع في سوريا

حول الوضع في سوريا

مع دخول الانتفاضة السورية في هذا الشهر عامها الثامن قُتل أكثر من أربعمائة ألف سوري ودُمِّر أكثر من ثلث البنية التحتية للبلاد، وهُجِّر نصف السكان من منازلهم وعانت بلدان أخرى من الضغط الناجم عن لجوء ملايين السوريين الهاربين من القتال إليها كما يقول بسام حداد، مضيفاً أن ما بدأ كتمرد ضد الدكتاتورية في٢٠١١ صار مرجلاً للتدخل الإقليمي والدولي. فإلى جانب الولايات المتحدة، انخرطت روسيا وإيران والعراق وتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية وحزب الله في دعم طرف أو آخر. وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أكثر من ٤٠٪ من مساحة البلاد. وقد طُرِدَ تنظيم الدولة أخيراً من معظم معاقله على يد تحالفات عسكرية مختلفة بعد معارك شرسة  في خريف ٢٠١٧.

وفي العام الثامن من الصراع على سوريا، والذي يذكّر بأهداف مشابهة قبل عقود، ما تزال البلاد تعاني من الاضطراب السياسي الداخلي والتدخلات الخارجية والمعارك بين تركيا والأكراد وتقع على عاتقها مهمة هائلة لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

أما الهجوم القائم والمتواصل على الغوطة، الذي يشنه النظام وروسيا، فينذر بمزيد من الأهوال القادمة على صعيد خطط النظام السوري حيال الأجزاء الأخرى من البلاد التي ليست تحت سيطرته.

يتحدث بسام حداد ل”سبيكترم” عن كلّ هذه المسائل، ويضع الصراع في سياقه التاريخي منذ بداية الانتفاضات، ويناقش التحديات الحالية التي تواجه سوريا والسوريين.

بسام حداد باحث وأستاذ جامعي ومؤلف ومخرج أفلام وثائقية. ويحمل كتابه الثاني العنوان المؤقت فهم المأساة السورية: النظام، المعارضة واللاعبون الخارجيون، والذي سيصدر عن مطبعة جامعة ستانفورد. كما كان بسام منتجاً مشتركاً ومخرجاً للفيلم الوثائقي الحاصل علي جوائز ويحمل عنوان عن بغداد، كما أخرج الفيلم المعروف والمشاد به، “العرب والإرهاب.”

توم هودسون: أهلاً بك في سبيكترم. تبث سبيكترم محادثات مع مجموعة مختارة من الأشخاص، بعضهم مشهور وبعضهم الآخر غير مشهور. واليوم نتحدث مع بسام حداد، مدير برنامج الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في جامعة جورج ميسون. وهو عضو أساسي في الهيئة التدريسية في هذه الجامعة في الفلسفة والسياسة والاقتصاد. ويعمل على كتابه الثاني عن سوريا وصراعاتها الداخلية.

يحدثنا الدكتور حداد عن الصراعات المسلحة في سوريا وخاصة منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية والصراعات المتواصلة في البلاد التي مزقتها الحرب.

نص الحوار

توم هدسون: هل يمكن أن تشرح لنا لماذا الوضع في سوريا غامض ومحيّر لأي شخص من الخارج؟

بسام حداد: أولاً، شكراً لكم لاستضافتي. ويسرّني أن أتحدث عن هذا الموضوع، وأود أن أجيب عم سألتني عنه من خلال قول شيء مختلف قليلاً وهو أنه إذا كنت تتابع الأخبار عن سوريا، أو كلما تابعتها في الحقيقة، أَصْبَحْتَ أكثر تشوشاً. وهكذا إذا كنتَ مُشوَّشاً فلربما كان السبب هو أنك تتابع الأخبار. أما الذين لا يتابعون الأخبار فيمتلكون على الأرجح وجهة نظر كلاسيكية عن الوضع، أي أنهم يفهمون أن هناك انتفاضة في سوريا ضد الدكتاتورية، وهذا صحيحٌ من زاوية السرد الأساسي. لكن  الأمر تجاوز هذا في الحقيقة. ويمكن أن يتفاجأ الناس من أن مسار الانتفاضة السورية هو في الواقع أحد المسارات الأكثر تعقيداً بين الانتفاضات والثورات. لا أعني هنا أن الانتفاضة تفتقر للشرعية، فقد كانت شرعية بشكل كامل ومتأخرة نوعاً ما نظراً للأربعين عاماً أو أكثر من الدكتاتورية، لكنني أقول هذا بسبب ما حدث للانتفاضة نتيجة تدخل لاعبين إقليميين ودوليين مختلفين على الجانبين، وقد نجحت هذه التدخلات في خطف الانتفاضة وتحويلها إلى حرب بالوكالة تخدم مصالح جهات فاعلة حكومية وغير حكومية تدعم أحد الطرفين، أي النظام من ناحية والمعارضة أو المعارضات من ناحية أخرى. وبالطبع هناك اللاعب الثالث في حلبة الملاكمة، والذي جعل الأمور أكثر تعقيداً، وأعني تنظيم الدولة الإسلامية، وهو تنظيم لم تكن تهمه ثورة ضد الدكتاتورية أو أهداف الديمقراطية بل كسب الأراضي والتوسع الإقليمي في كلٍّ من العراق وسوريا كي يشيد نسخته من دولة الخلافة أو الدولة الإسلامية.

توم هودسون: إذاً دخل تنظيم الدولة في حوالى ٢٠١٣، هل كان هذا هو التاريخ؟

بسام حداد: كان للتنظيم حضور في العراق بشكل أساسي، وحدثت عدة تطورات أيضاً، فقد سمحت الحدود السورية (التي يسهل اختراقها) بدخول ما يُدعى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق إلى  سوريا، والذي عقد تحالفاً في البداية مع جبهة النصرة، والتي هي فرع للقاعدة في سوريا. لكن الأمر لم يسر جيداً. ثم نشأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ضمن هذا السياق بين ٢٠١٣ و٢٠١٤.

توم هدسون: كان هدف تنظيم الدولة في سوريا إذاً هو الاستيلاء على الأراضي والتوسع الإقليمي، أي لم يكن فقط حركة إيديولوجية، بل حركة تهدف للاستيلاء على الأراضي.

بسام حداد: تماماً، وهذا ما ميز تنظيم الدولة الإسلامية عن القاعدة. كان هدف تنظيم الدولة بالفعل هو التوسع الإقليمي، وقد أراد أن يؤسس دولة من نوع ما بجماعات وتحتوي على متكآت الدولة من قضاء وبيروقراطية وجيش وهلمجرا. وهدفَ التنظيم إلى تأسيس دولته في كلّ من سوريا والعراق، والواقع أنه سيطر في نقطة ما على ٣٠٪ من العراق وعلى ما يقارب ٤٥٪ من مساحة سوريا. ونتحدث هنا بشكل رئيسي عن المدن غير الحضرية لأن تنظيم الدولة الإسلامية كان مجهزاً بشكل أفضل كي يستولي ويسيطر على المدن غير الحضرية نظراً أيضاً لوجود جيوش أكثر تجهيزاً في المدن الحضرية لكن البنية الاجتماعية في المناطق الأكثر ريفية كانت ملائمة أكثر كي تسيطر عليها مجموعة كتنظيم الدولة بإيديولوجيتها ونزعتها المحافظة اجتماعياً وغير ذلك.

توم هدسون: وصارت الموصل محوراً، بؤرة لتنظيم الدولة، أليس كذلك؟

بسام حداد: في الحقيقة كانت الموصل المدينة الحضرية الوحيدة في كلا البلدين التي تمكّن تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة عليها. وقد سيطر عليها بطريقة مريبة، لأنه لم تحدث  معركة في الموصل، بل دخل إليها عناصر التنظيم فحسب، وكان السبب هو السخط الشعبي في الموصل من الحكومة من ناحية والافتقار للجاهزية لدى القوات الحكومية أو للوجود الرسمي للحكومة العراقية في الموصل من ناحية أخرى. حدث هذا في ٢٠١٤، وكان هذا هو التوسع الإقليمي (كسب الأراضي) الأكثر أهمية لتنظيم الدولة في المناطق الحضرية، أضف إلى ذلك ولايتها أو دويلتها في الرقة في شمال سوريا الريفي.

توم هدسون: لنلخّص الأمور حتى هذه النقطة التي وصلنا إليها، ثم يمكنك أن تواصل. لدينا نظام الأسد الذي يحاول البقاء في السلطة ضد مجموعات مختلفة من المتمردين الذين لم يندمجوا في قوة واحدة. ثم لدينا دخول تنظيم الدولة الإسلامية، الذي قاطع المعركة بين الطرفين، ودخل طرف ثالث في هذا الصراع. والآن يُقال إن تنظيم الدولة طُردَ. هل أخرجه نوع من الهدنة أو كيف تم طرد تنظيم الدولة والطرفان الآخران ما يزالان يتقاتلان؟

بسام حداد: اسمح لي أن أعود إلى البداية، حين يتحدث المرء عن سوريا يواجه كثيراً من التفاصيل الغنية والمثيرة ثم بعد ذلك عليه أن يعود إلى البداية. إن السرد عن سوريا مثير للجدل دوماً، ولا يوجد سرديات عن سوريا لم تُجادَل. ما أريد قوله لك هو بعض السرديات الأساسية التي يصعب جداً مجادلتها، حتى من قِبل آراء مختلفة، لكنها ستبقى قيد الجدل إلى حد ما. أعتقد أن الأمر الأكثر أهمية الذي يجب أن نعرفه عن الوضع السوري هو أن سوريا حكمتها دكتاتورية منذ ١٩٧٠ أو ١٩٦٣ بحسب التاريخ الذي تريده، لكننا نستطيع القول من أربعة إلى خمسة عقود. لا يعني هذا أن الفترة السابقة للدكتاتورية كانت وردية، إنما يعني أنه كان لدينا فقط نوع خاص من الدكتاتورية في ظل حزب معين حكم منذ ١٩٦٣ ثم واصل حكمه في ١٩٧٠ حين استولى الأسد الأب على السلطة. إن هذه الخلفية من وجهة نظري هي السياق الذي يحدث فيه كل شيء. فبعد ٤٠ سنة من الدكتاتورية لا نستطيع توقع انتفاضة تقوم بها الملائكة، كما لا نستطيع توقع وقوف حلفاء الدكتاتورية مكتوفي الأيدي. ولا نستطيع توقع أن معارضة هذه الدكتاتورية ستدعمها جهات فاعلة حكومية أو غير حكومية ملائكية. وهكذا رُتِّب الموقف منذ البداية لجذب حلفاء وداعمين إشكاليين ومقاتلين أجانب كما هو الحال لدى تنظيم الدولة ومجموعات أخرى. وهكذا لدينا موقف حدثت فيه انتفاضة شرعية في سوريا في ٢٠١١، أثارتها الانتفاضات الأخرى وإلى حد ما النتائج السريعة في تونس ومصر، وكانت هذه الانتفاضة مدنية الطابع وسلمية، لكن تطورات مختلفة عرقلتْها. وكان التطور الأول الذي عرقل هذه الانتفاضة ضد الدكتاتورية، والتي تحولت كما قلتُ إلى حرب بالوكالة، هو تسليحها وعسْكرتها. وهذا غيَّر طبيعة الموقف وقدّم للنظام المتوحش الذي سحق حتى أصوات الاحتجاج المدني الذريعة كي يصبح أكثر تعمداً في فعله لهذا وصعّد من عنفه بحجة أن الانتفاضة ليست متمدنة أو مدنية، وبدأ هذا يغيّر طبيعة الانتفاضة وحوّل الصراع من انتفاضة ضد الدكتاتورية إلى نوع من الحرب، وقام عدد كبير من الأشخاص الداعمين للانتفاضة بتشكيل مجموعات مختلفة دُعمت بسرعة لا عسكرياً فحسب بل سياسياً أيضاً من الخارج. وأنشأ هذا موقفاً كالحرب منح ضوءاً أخضر، من منظور النظام، للهجوم بشكل أكثر وحشية على المحتجين وكذلك على جيوش المتمردين. وأدى هذا إلى تغيير السياق من انتفاضة ضد الدكتاتورية إلى حرب بالوكالة حاولتْ فيها مجموعات مختلفة تقوم بدعم الطرفين استخدام سياق الانتفاضة لتحويل المنطقة أو لإعادة رسم خريطتها بشكل يتناسب مع مصالحها، وافترض كلُّ طرف أنه سيكون المنتصر.

إن مأساة الوضع السوري هي أنه لا يوجد منتصرون ولعدة سنوات الآن. هناك ضحايا فقط، والمحزن أن الضحايا هم أغلبية السكان السوريين الذين استنفدهم كل ما يجري. وهم لا يدعمون بالضروروة المنطقة أو القيادة التي يعيشون في كنفها لأنهم على مستوى الأرض مُحْتَجزون في منطقة معينة. وأنتَ سترضخ للمكان الذي أنت فيه في معظم الأحيان إلا إذا كنت قادراً على الهرب، أو أصبحت لاجئاً كغالبية السوريين. وما أريد قوله هنا هو أن إعياء غالبية السوريين جعلهم ينسحبون من الصراع، لكن ليس بطريقة حيادية. وأعتقد أن غالبية السوريين، الغالبية الساحقة منهم، يريدون تغييراً في سوريا، ويريدون زوال هذا النظام. وما صار أكثر تعقيداً (وهذا ما لا يفهمه كثيرون) هو أن الرغبة بالبدائل ضعفت. ولا يعني هذا أن النظام صار أكثر جاذبية، بل أن البدائل، نظراً لما يحدث على الأرض، ولطبيعة قوة التمرد، تغيرت من قوة عسكرية مدنية أرادت بديلاً أكثر تقدمية إلى قوة تمردية تستند إلى صيغ لا تلبي بالضرورة تطلعات الثوريين، وأعني هنا الثوريين الأصليين في سوريا. وفي هذا السياق، حاولت جهات فاعلة مختلفة حكومية وغير حكومية ومحلية وإقليمية ودولية الاستفادة من هذا الخلل كي تصفّي حسابات وتخدم مصالحها الخاصة، سواء كانت هذه الجهات المعسكر المؤيد للمعارضة متمثلاً بدول كالسعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة، أو المعسكر المؤيد للنظام متمثلاً بإيران وروسيا وحزب الله، والصين حين يتعلق الأمر بالعلاقات الدبلوماسية. وهذا أدى في نهاية المطاف إلى تحرر من الوهم لدى معظم السوريين حيال من يدعمون، وأكرر أن هذا ليس بسبب الافتقار لإيمانهم بضرورة رحيل النظام، لكن بسبب افتقارهم لليقين بأن البديل الموجود على الأرض هو الأمثل.

توم هدسون: صارت الانتفاضة المدنية صراعاً دولياً، وجعل هذا التدخل العالمي الناس يتسآلون: أية مصالح ستسود وأية بلدان ستتدخل، صحيح؟

بسام حداد: صحيح، وهذه هي المأساة التي نصادفها بالفعل سنة بعد أخرى واليوم. وهكذا إذا كنت تريد النظر إلى السياق الأكبر، إذا أردت بناء نظرة شاملة ستجد أن الانتفاضة السورية التي بدأت في آذار ٢٠١١ مرت في طورين ينطوي كلٌّ منهما على مراحل مختلفة. كانت المرحلة الأولى، كما قلتُ، هي انتفاضة مدنية تحولت إلى انتفاضة عسكرية ثم إلى حرب بالوكالة. وهكذا فإنها مثلت مراحل داخل الطور الأول انتهت في كانون الأول\ديسمبر حين تمكّن النظام من إعادة السيطرة على مدينة حلب كلها مما أدّى إلى استيلاء النظام على كل المدن الحضرية أو إعادة الاستيلاء عليها، وهنا لا تهم اللغة التي يستخدمها المرء، لأن النظام سيطر عليها في الحقيقة سلفاً. والنقطة هنا هي أن هذا أنهى الحرب في سوريا من وجهة نظري. بتعبير آخر، إن الذين أرادوا إسقاط النظام، سواء كانت نواياهم جيدة أو سيئة، وسواء كانوا يكترثون بالشعب السوري أم لا، أو كانوا يريدون الإطاحة بالنظام لسبب أو آخر، فإن هذا الهدف انتهى، لأن النظام نجح في السيطرة على معظم ما يُدْعى بسوريا المفيدة في كانون الأول\ديسمبر ٢٠١٦. أما الطور الثاني فهو ما بدأ بعد هذه السيرورة، وأعني الانتقال من حرب على سوريا إلى عدد من الحروب الصغيرة داخل سوريا جسّدت على الأقل هدفين: إما تحقيق أهداف بلدان معينة كتركيا في حربها ضد الكرد، أو الاستيلاء على ما تبقى من سوريا من قبل النظام، وهاتان هما الديناميتان الرئيسيتان في سوريا اليوم، بصرف النظر عن ديناميات أخرى تعمل. وما جعل هاتين الديناميتين مهيمنتين خاصة اليوم في ٢٠١٨هو التراجع الدرامي لتنظيم الدولة الإسلامية في العام الماضي، والذي أعتق معظم اللاعبين الذين تعاونوا بالفعل معاً، بالرغم من أنهم كانوا يعارضون بعضهم في كل شيء آخر لكنهم في الحقيقة عملوا معاً وربما يحب ألا أقول إنهم عملوا معاً بل كان لهم هدف مشترك هو إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية.

توم هدسون: كان هذا هو العدو المشترك.

بسام حداد: كان تنظيم الدولة الإسلامية عدواً مشتركاً وكانت له معارضة متشابهة سواء أكانت الولايات المتحدة، النظام السوري، الإيرانيون والروس أو المعارضة، وعلى الأقل  في بعض الحالات، هناك نوع من الفائدة في إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة لكن دون القضاء عليه نهائياً لأن هذا يمكن أن يُسْتخدم كورقة في مواقف مختلفة في المستقبل. وهذا نوع من التخمين لكن هناك ما يكفي من الأسباب للاعتقاد أنه لا توجد نية للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل في الأجزاء الصغيرة المتبقية في سوريا. وهنا ندخل في الطور الثاني من الانتفاضة السورية،  حيث لم يعد لدينا حرب للاستيلاء على الحكومة المركزية في سوريا، على الأقل لا يوجد شيء من هذا القبيل، وصار لدينا حروب أكثر صغراً وتبعثراً تمثل مصالح بلدان مختلفة تستخدم سوريا لتصفية حسابات أو لمنع تطور صراع أو تهديد كما في حالة تركيا والأكراد.

إن الغزو التركي داخل سوريا، والذي يحدث اليوم في مدينة عفرين السورية، يهدف إلى هزيمة وتفكيك وحدات حماية الشعب، وهي تنظيم كردي متهم بامتلاك صلات مع حزب العمال الكردستاني، الحزب الانفصالي الذي حاربه الأتراك لسنوات. وتتهم تركيا الحزبين بأنهما إرهابيان. وتحاول تركيا القيام بهذا لأنها تريد تأمين حدودها الجنوبية وهي في صراع الآن مع مجموعات وجهات فاعلة أخرى تنظر إلى هذا كانتهاك للسيادة، بما فيه النظام السوري، الذي تشارك ميلشياته، أو الميلشيات المؤيدة له، في القتال. وهكذا لدينا موقف معقد جداً في هذا الخصوص، وتتكشف الأحداث في الحقيقة عن خسائر كبيرة جداً مني بها الأكراد في عفرين، ومني بها الأتراك أيضاً الذين لم يتمكنوا من التقدم بسرعة كما أرادوا. ومن ناحية أخرى يحاول النظام إعادة السيطرة على أجزاء مختلفة من سوريا استولى عليها المتمردون في السنوات السبع الماضية. ونرى المأساة تتكشّف اليوم في شرق دمشق، في منطقة الغوطة، حيث يهاجم النظام والروس منطقة فيها ٣٨٠٠٠٠ نسمة حُوصروا لسنوات بذريعة مهاجمة دمشق بالصواريخ ومزاعم انتشار الجماعات الإرهابية في الداخل. وبالطبع تُسمى كل الجماعات إرهابية لأنها عدو، أو يصبح العدو إرهابياً بصرف النظر عن دقة التسمية. وهذه المحاولة الأولى الآن بعد حلب لاستعادة إحدى المناطق الاستراتيجية الرئيسية. وقُتل في الغوطة حتى الآن من ٦٠٠٧٠٠ مدني، رغم أن النظام يزعم أن معظمهم عسكريون أو مقاتلو ميليشيات، ويبدو أن الخطوة التالية في هذه الحملة ستكون مرتع المعارضة المتمردة الذي تسيطر عليه هيئة تحرير الشام في الشمال، وأعني محافظة إدلب. ويُشاع أن الغوطة هي إما أرض التدريب أو الخطوة الأولى للدخول إلى تلك المنطقة، ولأن هذا هو المعقل الرئيسي الوحيد للمعارضة المجهزة جيداً بالمعنى العسكري. وبالطبع يضع النظام نصب عينيه أجزاء أخرى من البلاد بما فيه الجنوب، والذي هو مستقر كثيراً بسبب عدم وجود سلطة عسكرية واحدة تسيطر على ذلك الإقليم، رغم أنه تحالف محصور أو مقيد باتفاقيات عديدة وقعتها سوريا والأردن وإسرائيل ويحدد هذا أي نوع من التحركات التي يمكن أن تحدث هناك. وبالطبع لدينا مسألة مهمة وهي الصراع السياسي الكامن المحتمل بين النظام السوري والأكراد، وقد تدرجت علاقة الطرفين بين الصداقة والعداوة. كان الطرفان صديقين في نقطة معينة وقاتلا نفس الأعداء رغم أنهما في الحقيقة متعارضان بنيوياً وإيديولوجياً. لكن الطرفين لم يدخلا في حرب كاملة. وأحد الأسباب يتعلق بالاقتصاديات، بما أن الأكراد يسيطرون على أكثر من ٦٠٪ من حقول النفط في سوريا.

توم هدسون: ما قلته يساعدنا في فهم ما يجري في المنطقة هناك والديناميات التاريخية. لكن يبدو لشخص من الخارج أن السياسة الأميركية الخارجية إزاء سوريا كانت في حال تغير دائم، ومشوشة وغير متناسقة. هل هذا تشخيص صحيح؟

بسام حداد: من وجهة نظر أشخاص يعيشون في الولايات المتحدة مثلك ومثلي، يمكن أن يبدو كأن هناك تردداً. وقد يبدو أن هناك نوعاً من التشوش فيما يتعلق بما يمكن أن يُفْعل في سوريا. لكن في الحقيقة، ليس التشوش كبيراً. إن مظهر التشوش واضح وملموس لكن الولايات المتحدة شهدت في ظل إدارة أوباما، وعلى نحو مثير للفضول في ظل إدارة ترمب، تغيراً درامياً في السياسة إزاء سوريا.  وسُمع كلام عن خلاف لكن في الحقيقة إن الولايات المتحدة تعمل على أساس مصالحها القومية عادة، التي هي بالأحرى مستقرة. وكانت النقطة الوحيدة الأكثر أهمية للإدارة الأميركية دوماً هي أن الجائزة في سوريا ليست عالية. بالتالي نحن لسنا أمام صراعٍ عائداتُه وجوائزه واضحةٌ ويمكن الحدّ من تكاليفه. وكان هذا عنصراً محورياً في الموقف الأميركي حيال سوريا. ويتعلق العنصر الآخر بمدى رغبة الجمهور الأميركي والجيش الأميركي والحكومة الأميركية بالدخول في حرب شاملة في سوريا بشكل عام. وهذا يرشح بالطبع بالمشكلات التي حدثت في العراق. وحين نتحدث عن مشكلاتنا لا نعترف بالكارثة التي حلت بالعراقيين، لكن ما مرّت به الولايات المتحدة في العراق خفّف من رغبتنا بالحرب، سواء في سوريا في ٢٠٠٥ حين كان البعض يدعون لضربها أو الرغبة القائمة للحرب مع إيران حيث يوجد وسيكون هنا دوماً دعوات، لكن أنت تعرف الإدارة، حتى هذه الإدارة رغم لغتها المتشددة فإنها تقارب مسألة الحرب بحذر شديد. وهكذا فإن الرغبة بالحرب في المنطقة أو الحرب الشاملة ليست مرتفعة. إن العامل الثالث الذي يسمح لنا بفهم السياسة الخارجية الأميركية بعيداً عن الحركة اللولبية أو البلاغة هو المزج بين الاثنتين لمعرفة السياق في سوريا. إن أحد أسباب عدم نجاح الانتفاضة، هو أن جميع الداعمين للانتفاضة السورية، انتفاضة الديمقراطية، إن لم يكن معظمهم، ليسوا داعمين حقيقيين لانتفاضة من أجل الديمقراطية، وإنما كانوا يراهنون على إسقاط النظام من أجل مآرب تخدم مصالحهم. وأنشأ تزامن الرغبة بالإطاحة بالدكتاتورية مع تطلعات الغالبية الساحقة للسوريين تحالفاً كان هشاً جداً بين الانتفاضة، إن شئت، والقوى الخارجية. وعلى أي حال، ما عرفته الإدارة الأميركية السابقة هو أن هذا القتال، أو الصراع، بالنسبة للنظام وحلفائه، هو صراع وجود، بينما هو بالنسبة لداعمي المعارضة صراع استراتيجي يستطيعون الانسحاب منه في أية لحظة حين يصبح التهديد أو الخطر أعلى من عتبة معينة، وهذا ما حدث في حالة قطر والسعودية اللتين كانتا مؤخراً تتجادلان بين بعضهما حول من أخطأ في التعامل مع سوريا والمتمردين السوريين ومن سلّح أية جماعات ورَدْكل الوضع في سوريا أو الانتفاضة.

توم هدسون: صارت هذه نقطة خلاف بين الطرفين.

بسام حداد: صحيح. وسحب البلدان الدعم الوفير إلى حد كبير لكن ليس بشكل كامل. ولم تعد تركيا ترغب بجعل حدودها مفتوحة وسهلة الاختراق للمقاتلين والمتسللين بعد أن دخل عبرها آلاف المقاتلين كي يخوضوا حرب الخير، وتورطت في مشاكل مع الإسلاميين أو تنظيم الدولة الإسلامية الذين بدأوا بالتفجيرات في تركيا. وبالتالي ضغطت تركيا على المكابح في لغتها ضد النظام السوري وتسهيلاتها لقوى مختلفة تقاتل النظام وللجهات الحكومية واللاحكومية الفاعلة وكذلك للمقاتلين الأفراد الأجانب. وصارت تركيا أكثر انخراطاً في المسألة الكردية. أما الولايات المتحدة فلا مصلحة لها بالمقارنة مع إيران وحزب الله والروس الذين دخلوا بقوتهم الكاملة وفعلوا ما لم تكن الولايات المتحدة بالضرورة راغبة بفعله وأعني وضع كل طاقتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بالرغم من أن الروس فعلوا هذا أيضاً كغطاء لمساعدة النظام في استئصال المتمردين المتبقين باسم محاربة الإرهابيين دون التمييز بين المجموعات الإرهابية المعارضة للنظام والمجموعات التي لا تحب تنظيم الدولة الإسلامية.

توم هدسون: سواء كنت من تنظيم الدولة أو متمرداً فأنت عدو للدولة وهكذا لا فرق بينكما

بسام حداد: وحدث نوع من التلاعب من قبل الروس بحيث أنهم صنّفوا هذه الحركات في خانة واحدة مثل جبهة النصرة والتي هي في معظمها سورية وتقاتل النظام، بخلاف تنظيم الدولة الإسلامية والذي هو غير سوري وغير مهتم بالثورة في سوريا، بل أكثر اهتماماً بالتوسع الإقليمي وكسب الأراضي في العراق وسوريا وإنشاء دولة خاصة به تعارض كل ما يريده المتمردون، بما فيه الذين يقاتلون. وبطريقة ما، كان استعداد الولايات المتحدة للقيام بفعل ما كإنشاء منطقة حظر طيران والالتزام بإرسال قوات برية (هناك بعض القوات على الأرض) منخفضاً جداً لدى إدارة أوباما، لتلك الأسباب الثلاثة التي ذكرتها وواصلت انخفاضها في إدارة ترامب باستثناء واحد وهو: هل سيحدث حدث يدفع الأمور للخروج من السيطرة في سوريا؟من المرجح أكثر أن ترد إدارة ترامب بطرق لن ترد بها إدارة أوباما.

توم هدسون: إذا نظرنا إلى البلاد، على الأقل في الصور التي ترافق نشرات الأخبار سنرى أن سوريا مدمرة، فقد دُمرت البنى التحتية والأبنية والخراب واسع الانتشار، على الأقل في بعض المدن والمناطق التي يقاتلون فيها. كيف سيُبْنى هذا؟ ومن سيساعد في دفع فاتورة إعادة الإعمار؟

بسام حداد: ألقيتُ مؤخراً محاضرة في جامعة كاليفورينا بلوس أنجلوس وفي جامعة جورج تاون تناولت هذا الموضوع بالتحديد، وأعني مسألة إعادة الإعمار والمصالحة واحتمال السلام. إن الحقيقة المؤسفة والمخيفة هي أن المشكلة في سوريا، على عكس ما يظنه كثيرون، خاصة في المجموعة الدولية التي تبحث عن نقاط دخول مربحة إلى سوريا، هي أن المشكلة في سوريا ليست مشكلة الدمار. بالطبع الدمار عنصر في المشكلة، لكن الأمور مغلفة بخصومات سياسية عميقة وعقود من القمع وعوامل أخرى متعددة بالتالي فإن الحل ليس مجرد إعادة بناء.

إن الدمار جلي، وفضلاً عن الأربعمائة ألف سوري الذين قُتلوا، لدينا بالطبع مليون شخص أصيبوا بإصابات خطيرة، ولدينا مئات الآلاف من العاجزين، ودُمر على الأقل ثلث البنية التحتية، ودُمرت المدارس المختلفة، والمراكز صحية والمستشفيات، وذلك بسبب القصف الذي قام به النظام والروس إلى حد كبير وفي مناطق المتمردين. وهُجِّر أكثر من نصف السكان السوريين الذين يبلغ عددهم ٢٤ مليوناً. وهُجِّر حوالى النصف أو أقل من النصف بقليل من سوريا إلى بلدان أخرى كلبنان وتركيا والأردن وبلدان مختلفة كمصر وأوربا، وهلمجرا. ثم هُجِّر البقية في الداخل. ولدينا أيضاً كمية معتبرة من الأذى الذي ليس مرئياً، والذي يتحدث كثير من الناس عنه، وهذا تطور خطير جداً في سوريا، وأعني المسائل السيكولوجية، وكما تعرف نحن نتحدث هنا عن مآسينا الخاصة، مآسينا الصغيرة كمثل إطلاق النار في المدارس. ويمكن أن تتخيل الصدمة التي تصيب بعض الأشخاص الذين لم يشهدوا مباشرة ما حدث. لكننا نقلق عليهم ونضع صورهم على شاشة السي إن إن، ونتحدث مع الأشخاص الذين صُدموا لمجرد وجودهم على أرض المدرسة حين حدثت الجريمة. وهكذا تستطيع أن تتخيل بعد سبع سنوات من الموت والدمار مدى الصدمة في سوريا. ثم هناك عواقب تنموية. لم يحصل الناس طيلة سبع سنوات على التعليم الملائم  في بلاد معتادة على وجود تعليم كامل. وهكذا لدينا سبع سنوات معتمة في حياة كثير من الناس، ليس الكل، لأن التعليم تواصل في أمكنة متفرقة. أما بالنسبة للقوة العاملة فقد فقدت سوريا قوة عمل هائلة تمتع بمهارات وتقوم بأعمال جيدة الآن في ألمانيا وأمكنة أخرى بما أنها قادرة على استخدام مهاراتها. وقد جُردت سوريا من جميع أنواع الكرامة والموارد. وحصل أذى عميق.

إن إعادة الإعمار لا يمكن أن تتواصل أو أن تبدأ بشكل ملائم دون صيغة ما لتحقيق لا السلام فحسب، بل وحدة الأراضي. فهناك على الأقل أربعة أقسام رئيسية مستقلة أو شبه مستقلة في سوريا: النظام الذي يملك القسم الأكبر الآن، والأكراد الذين يملكون ثاني أكبر قسم في معظم شمال وشمال شرق سوريا، ثم بالطبع المعارضة التي تمتلك بعض المعاقل في الشمال في إدلب وحول دمشق وبعضها في الجنوب، وتنظيم الدولة الإسلامية الذي يتركز في شرق سوريا في بقع أصغر من الأرض ويحاول الآن إنهاء أعماله وتهريب الأسلحة والأشخاص والنقود. إن إعادة البناء دون وحدة أراضي ستكون إعادة بناء مبعثرة ولن تخدم الإنسان السوري العادي. وقد بدأت إعادة البناء في الحقيقة في سوريا، في المناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث باشروا بالفعل في إعادة بناء معتبرة. لكن إعادة البناء هذه لا تهدف كما يرى أفضل المحللين والباحثين الميدانيين إلى خدمة السوريين الذين فقدا حيواتهم ومنازلهم، بل تهدف أكثر إلى تدعيم الدولة وتقدم السكن للناس الذين يستطيعون الدفع مقابله. وإنه لمأساوي أن معظم الناس الذين فقدوا منازلهم وهُجروا داخل وخارج  سوريا لن يكونوا قادرين على العودة إلى تلك المناطق. وإذا كانت هناك خطة لإعادة بناء سوريا، سواء بدعم من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو من الصينيين أو الإيرانيين أو الروس أو الولايات المتحدة أو المؤسسات الدولية المختلفة كمثل الأمم المتحدة أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهلمجرا، فإن السؤال هو: مع من سيعقدون هذه الصفقات؟ إذا كانوا سيعقدونها مع النظام فإن إعادة البناء ستحدث إذاً بحسب مصلحة النظام وشركائه المباشرين، وليس لمصلحة معظم السوريين الذين فقدوا حيواتهم ومنازلهم. وإذا كانوا سيعقدونها مع آخرين فإن المرء لا يعرف كم سيبقى هؤلاء في مواقعهم. إن متمردين مثل هيئة تحرير الشام في شمال سوريا، التنظيم الذي لا يحبه معظم السوريين غير قابلين للدعم. أما الأكراد فمستقبلهم متزعزع، وبالطبع تنظيم الدولة الإسلامية ليس منافساً، وهكذا فإن أفضل سيناريو هو: يقدم النظام نتائج غير مرغوبة وتنطلق من هنا.

توم هدسون:سيصدر لك كتاب جديد قريباً، الكتاب الثاني عن هذه المنطقة.

بسام حداد: لا أستطيع القول إنني أنهيتُ الكتاب، كلما حاولتُ أن أنهي جزءاً تطورت الأمور وحدثت أشياء ليست قليلة أيضاً. وحين حاولت في ٢٠١٣ أن أنهيه بزغ تنظيم الدولة الإسلامية. وقد كنتُ مشغولاً بما يكفي ومحظوظاً بما يكفي أنني لم أنهه.  والآن أنا أعمل عليه. كان كتابي الأول حول التواطؤ بين النظام وأقطاب الأعمال الكبار في سوريا، هذا التواطؤ الذي قاد بالفعل إلى تدهور الاقتصاد السوري وإلى الاستقطاب الاجتماعي الدرامي في سوريا والذي شكل خلفية الانتفاضة. يواصل كتابي الثاني القصة التي بدأت في الأعوام العشرة الأولى من حكم بشار الأسد الذي بدأ في عام ٢٠٠٠ ويبين إلى أي مدى فاقمَ حكمهُ السخط الشعبي ونصب خشبة المسرح لانتفاضة تأخرت كثيراً. ويعالج الكتاب ديناميات الانتفاضة السورية من خلال دراسة تعقيدها الشديد، ولماذا هي أكثر تعقيداً من الانتفاضات الأخرى في المنطقة نفسها، في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين. ويدرس الكتاب الدور الإقليمي المحوري لسوريا وكيف هو في محور صراعات مختلفة متزامنة: محلية وإقليمية ودولية. ثم يعالج تحول الانتفاضة إلى شيء لم يعد يشبه العواطف الأصلية للانتفاضة و محاولات تطويل الانتفاضة بما فيه ما دُعي بالحرب الاقتصاديةالتي استفاد منها جميع المتمردين والمقاتلين والدول. ويفسر الكتاب نوعاً ما وإلى حد ما لماذا هناك اهتمام قليل إقليمياً ودولياً بإنهاء الحرب، لأن هذا الاقتصاد أفاد لاعبين مختلفين غير مهتمين في الحقيقة بالثورة من كل الأطراف. ويعالج الكتاب ديناميات الانتفاضة بمعنى أنه يساعدنا في فهم تشكل وإعادة تشكل وتقوّض تحالفات ومجموعات مختلفة في المعارضة. وبدلاً من فعل ما تفعله الكثير من أبحاث مؤسسات الأبحاث أو التحليل أحياناً أو الأنباء التي تتبع هذه المجموعة أو تلك وكيف بزغت وكيف تحالفت وكيف تقوضت، حاولتُ أن أضع إطاراً لفهم ما يحكم هذه السيرورات، بحيث نستطيع أن نربط سوريا ما قبل ٢٠١١ مع ديناميات الانتفاضة محلياً، لمصلحة لاعبين إقليميين ودوليين عملوا معاً وقدموا البنية التحفيزية لتقوض هذه المجموعات المتحالفة المختلفة بعد تشكلها. ثم أختتم الكتاب بمناقشة إعادة الإعمار التي أعتبرها مهزلة. وفي الوقت نفسه لا تستطيع ألا تعيد الإعمار، أليس كذلك؟ وهكذا أنا لا أنقد إعادة البناء الهادفة إلى إعادة إعمار مستشفيات ومدارس ومنازل. ما أريد قوله هو أن هذا صار فرصة لكسب رأس المال، فرصة لزيادة أرباح فاعلين مختلفين ولإغناء خزائن الدولة بطرق ما ودعم حلفاء وأعداء دوليين مختلفين من خلال تقديم قطعة من الكعكة لهم.

توم هدسون: وأعتقد أن الغش والفساد متفشيان.

بسام حداد: هذا متواصل لسوء الحظ. والمحصلة النهائية هي أنه بعد هذه المأساة التي تواصلت أكثر من سبع سنوات لن تحدث الأمور من أجل خدمة الشعب السوري، بعد كل هذا الخراب. إن إعادة البناء يمكن ألا تخدم غالبية السوريين، بل ستطيل حياة وأمن المنتصرين المفترضين.

توم هدسون: شكراً لك على مساعدتنا في فهم هذه المنطقة المعقدة جداً من العالم.

بسام حداد: شكراً لك لاستضافتي وتقديري لكم ولأسئلتكم.

مقابلة أجرتها شركة WOUB Public Media التابعة لـ NPR، وترجمها إلى العربية أسامة إسبر.

يوميات سورية: تغيراتٌ بنيوية، أم مجرّد تكيّف؟

يوميات سورية: تغيراتٌ بنيوية، أم مجرّد تكيّف؟

خلال الأزمات الكبرى تبدو التغيرات الطارئة على سوق العمل معياراً حقيقياً وذات مغزى وتترافق مع مؤشراتٍ دلالية تُحوّل التغيرات من مجرد حالات طارئة إلى تاريخ للعمل والعمال والإنتاج والسوق والميزان الاقتصادي لتبلغ درجة التأريخ لدورة اقتصادية مؤثرة تبدأ بالسبب أو الفعل وتنتهي برد الفعل وهو جملة المتغيرات الظاهرة والخفية، ومن يرسم ملامح الدورة الاقتصادية ويؤرخ  لآلية عجلة الإنتاج إنما يؤرخ أحوال المجتمع وحيويته الفعلية ،المعطّل منها والفعّال.

في حي المزة العريق والمزدحم بسكانه وبالوافدين الجدد الطارئين على المكان نزوحاً من مناطق أصبحت خارج دائرة الحياة، يُرتب أبو أحمد مستحضرات التجميل والأمشاط والعطور وملاقط الشعر وعدة الحلاقة وإزالة الشعر بعناية بالغة. يحمل بيده اليمنى نفاضة غبارٍ من الريش الأسود ليحافظ على لمعان بضاعته، وعيناه تراقبان السيدات خوفا من السرقة أو من أن تجرّب سيدة قلم حمرة شفاه وتعيده فتعطّل بهذه الحركة بيعه بعد أن تركت شفاهها علامةً بارزة عليه.

بعد خروج المنطقة التي كان يسكنها أبو أحمد من دائرة الحياة والتي فقد على إثرها منزله ودكانه الصغير المحتوي على بضاعة بالملايين، لم يعد له القدرة على استئجار دكان ٍبديل بعد أن أصبح بدل الإيجار الشهري يفوق قدرة الأغلبية على دفعه، حيث تتراوح الأجرة (حسب المساحة والموقع) الشهرية وسطياً بين ١٠٠-٢٠٠ ألف ليرة سورية، مع دفعة لمدة ستة أشهر سلفاً.

باع أبو أحمد حلي زوجته حتى خاتم الزواج  واشترى شاحنة صغيرة من نوع السوزوكي وجعل لها باباً حديدياً وجدراناً مغلقة، يفتحها خلال النهار ويغلقها ليلاً ويبقى هو في الشارع ملاصقاً لرزقه في حرّ الصيف وبرودة الشتاء، يردّد أبو أحمد عبارة “الحمد لله مستورة” لكنه يئنّ من وجع قدميه ومن غلاء أجار بيته ومن صعوبة الحياة القاهرة المستجدة.

***

كان أبو أيمن مالكا لأحد مخازن الخشب الكبيرة في ريف دمشق. خرج من بلدته وخسر المخزن والخشب وغلّة عمره وسنين شقائه، واضطر لأن يعمل كنادلٍ في أحد المقاهي الشعبية وتراه يحدث نفسه كمن فقد عقله. فالخشب يحتاج لمبالغ طائلة لتعويضه ولا يمكن تخزينه في شاحنة سوزوكي صغيرة، وتبديل التجارة صعب لأن المهنة تصير وطناً خاصاً لصيقاً بالروح والجسد.

***

في الحافلة المهترئة أحاول إيقاظ سيدة غافية تبدو على أصابعها بقايا حروق صغيرة بندبات حمراء اللون. تستفيق بصعوبة، أسألها  عن سرّ غفوتها وعن أصابعها. تقول “التعب”، حيث تعمل بالشمع الساخن الحارق لإزالة الشعر الزائد، وتزور البيوت وهي التي لم تعتد قطع كل هذه المسافات لتصل إلى زبوناتها اللواتي كنّ  يتسابقن لحجز مواعيدهن لزيارتها في محلها المشهور بالقرب من دمشق.

***

أما نظيرة فقد وزعت أيام الأسبوع ما بين صاحبات بيوتٍ يرغبن  بتحضير الكبّة أو لف ورق العنب وغيرها من الوجبات المتعبة. لا تملك نظيرة ترف يوم العطلة ولا تحديداً لساعات العمل، أجرها حسب كيلو البرغل أو الرز وعدد الساعات الضائعة في وسائط النقل وشروط الانتقال الصعبة غير مدرج في قوائم الحساب، وقد تعمل في بيتين في ذات اليوم كي لا تخسر زبائنها علّها تستطيع دفع بدل الإيجار وإعاشة وإطعام أحفادها وأمهاتهم بعد غياب الرجال كلٌ في متاهة موته أو تغييبه أو هجرته.

كانت نظيرة تملك ورشة خياطة مميزة ومشهورة وخاصة خياطة فساتين السهرة وشك الفساتين بالخرز والسيلان، لكن ثمة عملٍ لا يعوّض. لا تكفي قوة العمل والرغبة بإنجازه لتحقيقه، فمهنة كهذه تحتاج لماكيناتٍ ضخمة ودقيقة وباهظة الثمن ولتوافر مكانٍ واسع وعاملاتٍ متميزاتٍ وخبيراتٍ تتفاوت أجورهن حسب الخبرة.

يبدو التساؤل الأهم هنا هو الفارق ما بين امتلاك عملٍ خاصٍ بكافة تفاصيله وما بين العمل في البيوت. كافة أشكال العمل في البيوت حتى وإن كان عالي الجودة والمستوى والاختصاص هو عمل خدمي دوني يطيح بالهرم الاجتماعي من أعاليه وحتى أدنى درجة فيه، ويتحول المنخرط فيه من صاحب عملٍ ومالكٍ إلى عامل خدمة يحدد الزبون وقت حاجته له، أجره، والحيز الجغرافي الذي سيشغله، وقد تتشعب طلبات الخدمة المطلوبة لتصل إلى حدّ الإرهاق أو الإذلال.

***

سياراتٌ معطلةٌ على الأرصفة، في أزقة فرعية، أو في ساحاتٍ باتت مواقف للسيارات المعطلة وورشاتٍ متنقلةٍ للصيانة بعدما تبخرت محال التصليح ومعداتها كالبخار إثر تضررها بفعل القذائف أو احترقها أو تهدمها، أو بعدما صارت بعيدة مع أنها مرأية، بعيدة وهي ملاصقة للروح والجسد وغير بعيدة بالجغرافيا لكنها موصدة الأبواب وعصية على الوصول إليها.

في الحرب تنكسر النفوس وتضيق رحابة المساحات الممنوحة للكرامة كي تختار بين ذل الفقر وجدلية البقاء، يقول أبو سامر: “أنا مستعد أن أعمل في تعزيل المجارير لتأمين ربطة الخبز لأبنائي. أمسى أبو سامر رقماً إضافياً في قائمة الواقفين في طوابير عمال الفاعل المياومين، الذين تآخوا مع حجارة الرصيف الذي يجلسون عليه بانتظار الفرج. تهرب منهم الأحلام وتجفّ الابتسامات والقلق هو سيد الزمان والمكان، تتبدل قيمهم وأخلاقهم، يتخاطفون أي زبون عمل، يقبلون بأي نوع من الأعمال، يكسرون سعر الخدمة المتفق على تسعيرها، يتشاجرون ويتشاتمون، يسخرون من بعض والكدمات والجروح الظاهرة على الجسد تقهرهم أكثر. يجلسون بعيداً عن بعضهم بعد أن يفقدوا جميعا فرصة العمل المؤقت لأنّ الزبون يريد منحهم الأقل دوماً. تخيّل أن تتشاجر مع أخيك من أجل ليرات ولقيمات ثم يدير الزبون لك ظهره ليأكلك الندم والحزن وشبح الجوع وخسارة الأخ والصديق والشريك.

في المقلب الآخر دكاكين ضخمة تفتح أبوابها، فروع تصل للرقم تسعة أو عشرة لمحلٍ مختص ببيع الفروج مثلاً، وهيصة وعراضة وورود ووموالد وأغاني ودبكة. مكتبة لبيع القرطاسية تحوّلت لمركز فخم لبيع التنباك والمعسل، الأراجيل تستهلك الأرصفة وباتت خدمة أركيلتك واصلة عالباب تصنف كخدمة جليلة وعظيمة يُدفع لقائها بسخاءٍ مريب. سيارات فخمة تنقل ركاباً غرباء أو مقربين تنكروا بزي رجال الأعمال وأصحاب البيزنس وباتوا أشخاصاً مفتاحيين يحلون العقد ويعرفون آلية الوصول لكل المفاصل الصلدة والمغلقة بشيفرات الوساطة والرشوة.

نساءٌ يبعن أجسادهنّ بخفة القبلة الأولى، أو يقمن بشطف الأدراج في الأبنية العالية، يأخذن كل شيء قابل للتدوير، زوج جوارب، خبز يابس، خضار زائدة وذابلة، طبخة على وشك التلف مغمورة بالحموضة والجفاف، وشبابٌ يبيعون الممنوعات أو يهددوا الصيادلة بالمديات للحصول على حبوب وعقاقير مهدئة إدمانية التأثير.

أطفال تركوا مقاعد الدراسة لتوصيل طلبات البقاليات إلى البيوت، أو للعمل عتالين على عربات معدنية برائحة  كريهة نفاذة، محنيي الظهور، بعيون ميتة وبطون جائعة. وباعة المسروقات يتاجرون بكل شيئ، بأطباقٍ مازالت حبة الأرز الأخيرة يابسة في منتصفها، عربة طفل صار في حكم الغياب، فنجان قهوة بكامل بهاء بقايا الرشفة الأخيرة لامرأةٍ كانت تتبادل الحياة والقهوة مع زوجها على شرفة بيتهما الموغل في الغياب والفقدان.

مولات ضخمة ومطاعم بديكورات حديثة وملاهي عامرة بالشابات الفتيات المهدورات في قاعاتٍ مسمومة وأثرياء جدد بلا عمل وبلا شهادة علمية أو خبرة وبلا اسم، لهم لقب واحد واسم واحد حيتان الزمن الصعب، الزمن الضائع، “تجار الحرب” وأصحاب الخطوات الواثقة الجديدة.

في الحرب تتوه التعاريف وتهرم اللغة والتوصيفات، ثمة موتٌ معلن لا من راد له، من يتكيف قد ينجو للحظات ومن يسعفه الحظ ليستبدل تعباً بآخر ووجعاً بآخر قد يشبع لمدة أطول. في الحرب يتغير كل شيء وصاحب العمل يصير عاملاً أو بلا عمل، العاطل عن العمل قد يصير رجل أعمالٍ فاقع الثراء.

في الحرب أي عملٍ مهما كان شائناً هو عملٌ ويكتسب قيمته العليا من كمية المورد المادي وليس من نوع العمل ولا من جهد العامل وتميزه.

قالوا الحرب مضيعة الأصايل، وأقول الحرب مرآة  لانقلاباتٍ عميقة لا تبقي ولا تذر، تعمم فرضية أن البقاء للأقوى وفي صراع الأقوياء نتلاشى  حتى حدود العدم.

تنقلب البنى وتتصارع، والتكيّف مجرّد وهم ٍأو حيلةٍ للبقاء، وأي بقاء؟

هنا دمشق. ونحن مازلنا هنا.

حقوق النساء السوريات منتهكة حتى في بلدان اللجوء

حقوق النساء السوريات منتهكة حتى في بلدان اللجوء

في ظاهرة اللجوء الصعبة وتشرد السوريين وانتشارهم حول العالم بحثاً عن الأمان، يَعلق السوريون بين مجتمعين، فلا هم في المجتمع الأم الذي تعودوا عليه ورضخوا لشروطه وقوانينه، ولا هم قادرون على الخطو نحو المجتمع الجديد والتأقلم معه والتعوّد عليه ومعرفة قوانينه. تقل معرفة الدول الغربية بكيفية دفع الأسر القادمة للتأقلم مع المجتمع الجديد، خاصة فيما يتعلق بشؤون الأسرة وعلى رأسها النساء. فمثلاَ الكثير من السوريات لا يعرفن واجباتهن وحقوقهن الجديدة التي لم يتمتعن بها في بلدهن الأم، فالكثيرات تحملن إرثاً طويلاً من القهر لا يستطعن التخلص منه بسهولة. هناك حاجة لإعادة تأهيل الكثير من السوريين ليتمكنوا من قبول قوانين بلدان اللجوء الجديدة والاعتياد على أعراف المجتمعات المستضيفة بما يمكنهم من تجنب التقوقع في تجمعات منغلقة على نفسها.

من الضروري للدول المضيفة أن تحيط علماً بالسياق الاجتماعي والقانوني لحياة النساء السوريات في سورية قبل رحلة اللجوء. فقد تضافرت جهود المجتمع السوري مع الدولة السورية عبر سنوات طوال لانتهاك حقوقهن ووضعهن في مرتبة مواطنة متأخرة. فمثلاً الدولة السورية حرست لعقود قانون أحوال شخصية يمعن في انتهاك حقوق النساء وتهميشهن. لعل المعرفة تمكن تلك الدول من اتخاذ إجراءات مناسبة لتمكين المرأة اللاجئة من حقوقها، وردع الرجال عن انتهاك تلك الحقوق. هذا سيسهم في تجنب مخاطر عديدة كتعرّض الأطفال اللاجئين لمضار شديدة نفسية وجسدية وحياتية تكرّس جدار موجود أصلاً بين المجتمعين.

لعل أهم ما يمكن ان تقوم به الدول المضيفة لتستبق الكثير من الكوارث هو تنظيم دورات إلزامية يرضخ لها الأزواج والزوجات لمحاولة إعادة بناء الأسرة بشكل قويم، ومعرفة العلل والعيوب، والتعريف بالحقوق والواجبات في العلاقة الزوجية وفي علاقة الأبوين بالأبناء، ومعالجة المشاكل بكل الوسائل الممكنة. ويمكن أيضاً ترتيب جلسات رعاية نفسية وإعادة تأهيل للأزواج والزوجات سعياً لتكون الأسرة متماسكة وعلاقة الشراكة متساوية.

أمّا في حال فشل الإجراءات المقترحة أعلاه من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار بعض النقاط التي تساهم في تحسين أداء النساء اللاجئات أسرياً ومجتمعياً، تلك التي تؤثر بطريقة مباشرة على آلية تفكيرهن لتمكينهن من وعي امكانية تغيير أوضاعهن وتدارك سوء حالتهن النفسية ويأسهن من التغيير. حملت السوريات معهن مفاهيم للعلاقة الزوجية وأعرافاً وتقاليد من وطنهن الأم تُعد مستهجنة في الكثير من المجتمعات الغربية، لكنهن تابعن مسيرهن وفق العادات والتقاليد والقوانين السورية. سوريات كثيرات هن منهكات مما حملنه من وطنهن في مجتمع غريب عنهن يضع نصب عينيه الحرص على حقوق النساء وتطبيق المساواة الكاملة بين الجنسين.

من أهم ما يجب إدراكه أن كثيرات من اللاجئات تزوجن زواج قاصرات، وأن زواجهن تم تحت نظرالمشرّع السوري وبموافقته، منهن من تزوجن بسن الـ17 سنة وهو السن المسموح فيه الزواج قانونياً بسوريا، ومنهن تزوجن بسن الـ 13 فما فوق شرعياً ثم تولى أولياء أمورهن تقديم طلب للقاضي ليأذن بزواج الطفلات بحجتي صدق الدعوى واحتمال الجسد متجاهلين أهم معايير الزواج كامتلاك العقل الراشد لتدبير أمور الزواج وشؤون الأسرة والقدرة على تربية الأطفال. تجاهلت ترتيبات زواج قاصرات  في سوريا المعايير الصحية للنساء، حيث يعرض الزواج المبكر الطفلات لمخاطر انهيار صحتهن نتيجة حملهن وإنجابهن وهن قاصرات.

لنا أن نتخيل إذاً كيف سيكون وضع الطفلة كزوجة وكيف يتم انتزاعها من طفولتها وهي بعد بلا إرادة ولا عقل تستطيع بهما أن تدير شؤون حياتها، وبلا قدرة على حماية نفسها لتصبح ملكاً للزوج. زواج القاصرات هو أشبه بعملية انتقال صك ملكية من الذكر الأب إلى الذكر الزوج. هذه الحالات ستنتج غالباً أسراً مفككة،غير قائمة على الوعي والتفاهم والاحترام والثقة، وتكون النساء فيها قاصرات عن امتلاك زمام أمورهن ولا يستطعن تربية أطفالهن بطريقة سليمة. فتتحول الأسرة كلها إلى ملكية خاصة للزوج ابتداءً من الزوجة المطيعة وانتهاء بالأبناء، وتجهل معظم تلك النسوة أنهن يستطعن التخلص من تلك التبعية في دول اللجوء الجديدة وتحت القوانين الجديدة التي تحميهن وتدعمهن.

تحتل حضانة الأطفال  حيزاً خاصاُ في مواضيع الزواج والطلاق؛ فالنساء غالباً ما يرضخن لسوء المعيشة والمعاملة حرصاً منهن على حضانة أبنائهن. وهذا الخوف من خسارة الأبناء كرسه المشرّع السوري بتحديد سن الحضانة  ومجرد أن يعرفن أن الحضانة في الدول المضيفة منوطة بقدرة الحاضن على التربية والرعاية، وأنها ليست محصورة بسن أو جنس، ستتمكنّ نساء كثيرات من التفكير جدياً باتخاذ قرار في حال كان وضع الأسرة سيئاً دون الخوف من خسارة الأطفال. إن جهل النساء بقوانين الحضانة في الدول المضيفة يجعل من القانون الجديد وحشاً مرعباً ويتخيلن أنه يهدف فقط إلى انتزاع أبنائهن، هذا الخوف يدفع العديدات للرضوخ لكل الشروط الحياتية السيئة والصمت عن انتهاكات الزوج بحقها وحق أطفالها ويحولها لشريكة تتستر على سوء المعاملة مقابل الحفاظ على الأطفال.

ولا نستطيع تجاهل الوضع الاقتصادي وسلطة المال، فلم تكن الدولة السورية تكفل حياة الأطفال والأم الراعية لهم، وهذا كان يشكل خطراً على مستقبل الأطفال والأم الذي يصبح مرهوناً حسب هوى القاضي وما يحدد لهم من نفقات. ويدّعي الرجل غالباً ضعف موارده ومحدوديتها ليتهرب من أعباء النفقة، وبحال عدم عمل الأم تصبح رهينة لإرادة الزوج أو أهله الذين يتحكمون بقرارها ويفرضون عليها شروطهم كحرمانها من حضانة أطفالها بحجة عدم قدرتهم على استقبالهم. لهذا على الدول المضيفة أن تُعلم النساء أنهن قادرات على الاحتفاظ بأطفالهن إن لم يكن هناك سبب صحي أو استثنائي، وأن الدولة مسؤولة عن تأمين متطلباتهم بشكل يُمكن الأم من إدارة شؤون أسرتها دون خوف على نفسها وعلى الأطفال. هذا من جانب ومن الجانب الآخر فإن الكثير من الرجال وفي حالات الوفاق يتعاملون مع المساعدة الشهرية المقدمة للنساء اللاجئات وكأنها ملك خاص بهم، يتم تسليمها للرجل دون وعي لطريقة تعامله مع تلك الأموال وكأنها ملكه، رغم أنه من المفروض أن يتم تسليمها للنساء فهذا سيُكون نوعاً من الاستقلال الاقتصادي لهن بشكل يمنع تحكم الزوج بشؤونهن الخاصة ويمنحهن الشعور بالقوة والاستقلالية.

أما بالنسبة للطلاق فقد سن المشرع السوري شروطاً قاسية له في حال طلبته المرأة. أيضاً هناك نظرة مجتمعية سيئة للطلاق خاصة حين تطلبه المرأة وكأنه جرم ترتكبة النساء. ففي حال تجرأت المرأة على طلب الطلاق كانت تحتاج وقتاً طويلاً جداً حتى يتم البت به، وتتكبد تكاليف مالية باهظة لا تستطيع في أحيان كثيرة تأمينها. وتختلف قوانين الطلاق في دول اللجوء عما كان عليه الحال في سوريا وتخلو من التحيّز. وفي حال عرفت النساء شروطه وإمكانية حدوثه بناء على الأسباب الموجبة، وعلمن الجهات التي يمكنهن عبرها طلب المساعدة والدعم سيتمكن من اتخاذ القرار المناسب للأسرة وفق القوانين الجديدة في دول اللجوء، دون الأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي كن يواجهنها في الوطن الأم والتي كانت تدفعهن للخشية من القيام بهذه الخطوة.

 نأتي إلى أهم ما يواجهنا الساعة من جرائم تحدث بحق نساء لاجئات في دول اللجوء وهي الجرائم التي يسميها القانون السوري “جرائم الاعتداء على العرض” ويسميها المجتمع السوري “جرائم الشرف.” هذا النوع من الجرائم يسهل به اتهام النساء بأخلاقهن، ووسمهن بالزنا والخيانة لتبرير قتلهن ومن ثم النجاة من العقوبة. وهذا أمر معتاد في سوريا كون النساء ضعيفات بدون حماية القانون، وقضية الشرف قضية حساسة في المجتمع السوري ، فهي جريمة يتم استثمار أسبابها المخففة للعقوبات لتكثر الجرائم المرتكبة باسمها حتى عندما لا تكون نابعة من حجج مثل “الزنا” أو “الخيانة.” مثلاً تحت حجة “الشرف” يتم قتل الفتيات اللواتي تسوّل لهن أنفسهن الزواج من طائفة مختلفة، أو دين مختلف، أو عندما يحدث الزواج بدون موافقة الأهل ومباركتهم، أو لأن الفتاة قد أقامت علاقة جنسية مع حبيبها “القتل للدفاع عن الشرف.” تكون الحجة دائماً “غسل العار” الذي لحق بأسرة الفتاة، ومجرد اتخاذ الفتاة قرار مستقل بالزواج أو إقامة علاقة، تصبح هدفاً محتملاً للقتل وتغدو بنظر المجتمع السوري “عاراً” يلتصق بالأسرة حد توريثه. وحسب إحصائيات تقارير ومنظمات حقوقية فإن من 200 إلى 300 “جريمة شرف” تحصل سنوياً في سوريا تحت ذريعة رد فعل الرجل على المساس بمحرماته وغسل عاره. وربما يستغل البعض القانون ليقتل الرجل من يريد قتلها والتخلص منها (أم أو أخت أو ابنة أو قريبة) لأسباب مختلفة بعيدة عما يسموه “عاراً”، وكم ارتكبت تلك الجرائم بمباركة المجتمع ورعاية القانون الذي يفتح نوافذ الهرب من تبعاتها ويخفف بثغراته الحكم على الجاني تحت تلك الذرائع.

يحفل تاريخنا الماضي والحاضر بهذا النوع من الجرائم التي وضعت النساء في خانة اتهام وجرم مطلق بدعم من المجتمع والقانون حتى دون التوثق والتأكد من تلك التهم. والمؤلم في الأمر أنها دوماً موجهة ضد النساء دون أن ينال الطرف الذكر في العلاقة أي عواقب أو اتهامات.  يتكرر حدوث “جريمة الشرف” في دول اللجوء كردة فعل ناتجة عن ضيق بعض الرجال من بدء الكثير من النساء وعي حقوقهن وإدراكهن امكانية المطالبة بها بجرأة في البلدان الجديدة. وبناءاً على تراث عرفي وقانوني حمله معه هؤلاء الرجال فإنه لا يمكن التصريح بحقيقة الخلاف، بل يتم اتهام الزوجة بشرفها وأخلاقها كتهم الزنا والخيانة ليكسب الرجال دعم الناس له كما اعتادوا ونشأوا في الوطن الأم.

يحتاج الكثير من الرجال السوريين اللاجئين أن يتعلموا القانون في البلاد الجديدة، ويعلموا علم اليقين أن قوانينها لا تشابه القوانين السورية من حيث التحيّز لجندر معين ولا تأخذ بعين الاعتبار ما كان يأخذه القانون السوري من أسباب مخففه لـ”جرائم الشرف.” فهذه الجرائم تُعد جرائم قتل كاملة الأركان دون أي تخفيف أو تلطيف لها. لعل الوعي بهذا الوضع القانوني الجديد من شأنه أن يقلل من ارتكاب “جرائم الشرف” في المجتمعات اللاجئة.

قد يبدو للكثيرين أن كل ما سبق ليس واجباً على دول اللجوء إدراكه ووعيه، وقد يتساءل البعض عن أهميته وجدواه، وربما يقول قائل إنها شؤون تعني السوريين ولا تعني غيرهم، لكننا بالمنطق سنجد أن المجتمعات المضيفة أكبر المتضررين من هذا الواقع إن لم تستدرك الوضع وتعمل على تغييره. فالأطفال السوريون الذين ينشؤون في أسر لاجئة هشة، غير سوية، وعنفية سيحملون معهم أمراضها للمجتمع الذي يعيشون به (المدرسة، الشارع، العمل..). ولهذا فمعالجة الداء مبكراً ومسبقاً أفضل للشفاء منه، والمصلحة بيننا مشتركة، فنحن أيضاً كسوريين وسوريات نريد أن تكون أسرنا سليمة وأن نتشارك احترام متبادل مع المجتمعات المضيفة كي ينشأ أطفالنا نشأة صحيحة ويكونوا خيراً للمجتمعات التي تحضنهم ولمجتمعنا السوري.

اعلان دورة تدريبية لصحافيين سوريين

اعلان دورة تدريبية لصحافيين سوريين

يهدف “صالون سوريا” إلى بناء وتطوير منبر إلكتروني باللغتين العربية والانكليزية يكون اداة لنشر القصص الصحافية ومنبراً يخدم فضاء للتواصل والنقاش بين شريحة واسعة من وجهات النظر في مكونات الطيف السوري.

يعلن “صالون سورية” عن دورة تدريبية لصحافيين سوريين مقيمين في سورية او الدول المجاورة. “ورشة صالون سورية”، مبادرة سورية ترمي الى دعم العمل الصحافي بعيداً من الاستقطاب. هي جزء من منتدى الكتروني باسم “صالون سورية” www.SalonSyria.com.

تستمر الورشة لمدة يومين في مقر الجامعة الأميركية في بيروت، باشراف زملاء مدربين سوريين وعرب وأجانب لتمكين الصحافيين السوريين الشباب في أربعة محاور: المهنية والسياسة، الصحافة زمن الحرب، الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، الانواع الصحافية.

الورشة تشكل فرصة لصحافيين سوريين للحوار فيما بينهم حول الكتابة الصحافية ومهارات العمل الفريقي واختبار الرغبة والقدرة على العمل الصحافي، اضافة الى التشبيك مع صحافيين ومؤسسات عربية وعالمية. في ختام الورشة، ان الصحافيين الذين يظهرون قدرة مهنية ستتاح لهم فرصة التعاون مع “صالون سورية” من داخل سورية او الدول المجاورة.

“صالون سورية” يتكفل بتغطية المصاريف المرتبطة بالورشة من سفر وإقامة.
مكان وزمان الورشة: الجامعة الاميركية في بيروت
 ٢٦ و ٢٧ نيسان ٢٠١٨
المواصفات المطلوبة:
1- صحافيون / صحافيات من سورية, يقيمون في سورية ودول الجوار.
2- العمر بين ٢٠ و٣٩ سنة.
3- لديهم الخبرة في مجال الكتابة الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والمسموع والمرئي.
4- لديهم خبرة في كتابة الانواع الصحافية.
5- لغة التدريب والكتابة، هي العربية مع تفضيل اجادة اللغة الانكليزية.
يجب على جميع المتقدمين إكمال الطلب والرد على جميع الأسئلة، بما في ذلك تحميل السيرة الذاتية، رسالة توضح اسباب الاهتمام بموضوع الورشة، و ارفاق مقالة او عينة كتابية. يرجى الضغظ على الرابط هنا:
اخر موعد للتقديم:  ٣٠  اذار  ٢٠١٨ 
بالشراكة مع معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأمريكية في بيروت
الهوية السورية هوية مضادة

الهوية السورية هوية مضادة

هل توجد اليوم هوية اجتماعية وسياسية سورية، أو هوية وطنية سورية؟ ليس من الفراغ أن السوري، حين يبحث عن تعريف لنفسه أو عن هويته، يميل إلى التاريخ القديم. يعود إلى دمشق، المدينة المأهولة الأقدم في العالم. ينسب نفسه إلى شعوب اخترعت الأبجدية الأولى والنوتة الموسيقية الأولى، يبحث عن التميز في أقوال الآثاريين عن سورية الوطن الثاني لكل إنسان مهما كان وطنه الأم …الخ،  أو على الأقل يسند السوري الحالي هويته إلى دمشق الأموية، إلى “بستان هشام” القادر على استتباع الدنيا وإلحاقها به، دون الانتباه إلى أن في كل ذلك مفارقة ومصادرة للتاريخ، لأن الأمجاد “السورية” القديمة هذه لا تخص سورية بالمعنى المعاصر.

فقد المجتمع السوري الحديث السيطرة على تاريخه الخاص سواء في إنتاج النظام السياسي الذي يمثله أو إنتاج العلم والمعرفة، أو في الإنتاج التقني، وفقد، بالتالي، قدرته على صناعة هويته الخاصة. هذا ما يبرر طرح السؤال الذي بدأنا به.

المجتمع الذي لا يختار تمثيله السياسي، كحال المجتمع السوري، سيكون شكل الحكم المفروض عليه غريباً بدرجة ما عن هويته، أو لا يعكس هويته تماماً. ولكن الحديث عن الهوية، بوصفه حديثاً شاقاً وغامضاً مهما سعى إلى الوضوح، يفرض على المرء سلسلة تساؤلات لا تنتهي مثل: أليس عجز المجتمع عن اختيار تمثيله السياسي، هو جزء من هويته؟ أو بطريقة أخرى، ألا يمكن معرفة خصائص شعب ما (ماهيته أو هويته) من خلال الحكم أو النظام السياسي المفروض على هذا الشعب، على مبدأ “كما تكونون يولى عليكم”؟ لكن لماذا نفترض أن النظام السياسي المستبد مفروضاً على الشعب؟ ألا يمكن أن يكون الشعب في غالبيته راضياً بهذا الشكل من الحكم، معتبراً أن السياسة شأن النخبة وأن دخول العامة في المجال السياسي لا يولد إلا الفوضى؟ عندها ألا يمكن أن يكون القبول بهذا الشكل من الحكم جزءاً من هوية الشعب المعني؟ أليست فكرة المستبد العادل هي الوليد الشرعي لشعوب “الاستبداد الشرقي”؟

من الناحية السياسية حين يذكر الشرق يذكر الاستبداد، وسوريا من هذا الشرق الذي يشكل الاستبداد المعلم الأهم في هويته السياسية. طوال تاريخه لم يفلح المجتمع السوري في الخروج من الاستبداد السياسي، بقي رهين هويته السياسية الاستبدادية، منتقلاً من نظام ديكتاتوري عسكري إلى آخر. والحق إن محاولات المجتمع السوري في تجديد هويته السياسية لم تكن محاولات عميقة، أقصد ذات ثقل أو عمق شعبي. المحاولة العميقة الأولى هي ثورة 2011 (يبقى لمآلات هذه الثورة ما تقوله فيما يخص هذه المحاولة). ليس مفاجئاً أن السوريين الغائبين لزمن طويل وبشكل شبه تام عن صناعة هويتهم ، تعثروا في محاولتهم العميقة هذه التي من المعقول تناول موضوع الهوية السورية على ضوئها.

لا يعيب سوريا أنها وطن رسمت حدوده “مؤامرة” ما، قليلة هي الدول التي رسمت الطبيعة حدودها. حدود البلدان مرسومة في غالبية الحالات بفعل توازن قوى، فيه من القسر الخارجي أكثر مما فيه من الإرادة الداخلية. غالبية الحدود السياسية تحمل بصمات لقوى خارجية. تبدأ المشكلة السورية من الإنكار الصارخ لهذا “العيب”، الشيء الذي جعل الوطن السوري “قطراً”، أي حالة مؤقتة، ولكنها دامت على هذا.

تخجل سوريا من تعريف نفسها كبلد ناجز مستقل ونهائي كي لا يبدو ذلك “خيانة” لانتماءاتها الأوسع، القومية أو الإسلامية، وكي لا يبدو ذلك رضوخاً لإرادة المستعمر. ربما لم يكن من السهل أن يقبل السوريون بهوية خاصة تميزهم كسوريين عن العرب، أو تميزهم كعرب سوريين عن بقية المسلمين، ولا شك إن مثل هذا الشعور كان يمكن أن يشكل دافعاً مهماً لتجاوز التقسيم المفروض، ولكن هذا لم يتحقق، وسنرى أنه حين مال السوريون إلى “سوريتهم”، في غضون ثورة 2011، وجدوها بعيدة وعسيرة كما كانت طموحاتهم العروبية والإسلامية من قبل.

الزمن وموازين القوى، قبل ثورة 2011، أديا إلى خلق بنية قطرية سورية، فيها عوامل سياسية واقتصادية، وحتى اجتماعية أو شعبية، تصد عن تجاوز القطرية أو التقسيم أكثر مما تدفع لتجاوزها. وقد أثبت الواقع ذلك مبكراً، في مجريات فشل الوحدة مع مصر 1958. رغم ذلك لم يكن متاحاً لسوريا أن تتعرف على نفسها كما هي. كانت سوريا موزعة دائماً بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وكان دائماً ما هو كائن واقعاً مؤلماً للسوريين، ليس فقط بمعنى داخلي، أقصد سيادة الاستبداد، بل وبمعنى آخر هو العجز عن تحقيق “الأماني” القومية أو الإسلامية. بين كائن مؤلم وتطلعات بعيدة المنال لا تتحقق، عاشت سوريا قلقاً دائماً جعلها غريبة عن ذاتها، تلك الغربة التي تساهم في إعاقة إنتاج هوية مميزة.

سوريا هي “قلب العروبة النابض” لأنها لا تتطابق مع ذاتها، ولأنها مستعدة لأن ترمي نفسها في حضن مصر الناصرية، وجاهزة لأن تدفع “خرجيات” تلامذتها الصغار لدعم حرب تحرير الجزائر، ولأن تكون فلسطينية إلى جانب الفلسطينيين. هي قلب العروبة النابض لأن قلبها لم يكن سورياً بل عربياً، أو لأنها عربية أكثر مما هي سورية، لأنها ترى هويتها في أفق عربي مأمول، ترى هويتها خارجها.

لكن هذا القلب القومي النابض، هو في الوقت نفسه جزء من انتماء آخر غير قومي ولا يعترف بالقومية، جزء من انتماء إسلامي حرصت كل دساتير الدولة السورية، بما في ذلك أكثرها ديمقراطية كدستور العام 1950، على تأكيده وإعلائه فوق كل انتماء آخر.

إذا كان يمكن اعتبار النزوع والتطلع جزءاً من الهوية فلا شك أن النزوع القومي يشكل أحد مكونات الهوية السورية، المفارقة هنا هي أن يكون الميل إلى تجاوز الذات جزءاً من هوية الذات، على هذا يبدو كأن هذه الهوية السورية هي في الواقع هوية مضادة. الشيء نفسه ينطبق على التطلع الإسلامي الذي لم يتمكن من الاندماج في الوطنية السورية، ويبقى طاقة تحطيم كامنة لكل الأطر الوطنية.

نزوع التجاوز المخفق دائماً، عدم الركون إلى ما هو كائن والبقاء على قلق، المؤقتية الدائمة، التطلع إلى هوية متجاوزة للذات، البحث عن هوية خارج الذات، تلك هي ملامح من الهوية السورية قبل ثورة 2011.ولكن ينبغي أن نضيف هنا أن هذه الهوية تنتمي إلى مجال الوعي السوري العام الذي كانت أنظمة الحكم الاستبدادية المتلاحقة تأخذه في الحسبان وتستثمر فيه لا لكي تسعى لتحقيق أمانيه بل لكي تعزز هويتها الاستبدادية التي وصلت مع نظام الأسد إلى حدود الأبدية. في هذا تعزيز للتباين بين الوعي السوري العام والواقع السوري، وفيه لهذا إعاقة لنشوء هوية وطنية محددة.

هل كان يمكن لثورة 2011 أن تشكل بداية هندسة هوية سورية خاصة؟

شاع في سوريا، في سنوات ما قبل “الثورة المغدورة”، تعبير سياسي لمّاح يقول: إن المجتمع السوري ليس متماسكاً بل ممسوكاً، أي إن عدم تفجر المجتمع السوري يعود إلى الاستبداد، إلى وجود قوة قاهرة تفرض على المجتمع الانصياع لسلطة مركزية تستمد شرعيتها من قوتها وليس من آلية محددة تنتج الشرعية السياسية في المجتمع السوري، ذلك أن مثل هذه الآلية لا وجود لها في سوريا.

إذا صح هذا القول، وهو برأينا صحيح إلى درجة لا بأس بها، فإنه يعطي الأساس لاستنتاجين ثقيلين على النفس: الأول هو أن شرط إنتاج الهوية، أقصد قدراً من التماسك المجتمعي، غير متوفر في المجتمع السوري الذي كان يضمحل حضوره تحت ثقل السلطة السياسية الكتيمة، ولا يظهر إلا على مقاسها. والثاني هو أن تحرير المجتمع السوري من الاستبداد (إسقاط النظام) ينطوي على المغامرة بتفكك هذا المجتمع الذي عبر عن ضعف تماسكه أكثر فأكثر مع استمرار الصراع، أو يمكن القول إن أحد أهم أسباب استمرار الصراع على هذا النحو المأساوي هو عدم تماسك المجتمع السوري.

ألا يبدو أن ميل السوريين إلى الابتعاد عن “سوريتهم” يعادل أو يفوق ميلهم للحفاظ عليها؟ بكلام آخر، هل يتفوق التعريف السوري الوطني على التعريف القومي الكردي أو العربي أو على التعريف الديني الإسلامي أو حتى على التعريفات الطائفية؟ هذه البيئة الاجتماعية السياسية التي تنطوي على نزوع مستمر للتجاوز أو للنكوص هي بيئة غير منتجة لهوية محددة لها مقدار من التبلور.

كان من نتائج تحطم ثورة 2011 أن حرر هويات عديدة من سوريا أكثر مما أعلى من شأن الهوية الوطنية السورية. لم تشكل الوطنية السورية انتماء جامعاً قادراً على الصمود في وجه الانتماءات الهوياتية الأخرى. برزت الهوية القومية الكوردية وكان ثقلها الأكبر باتجاه غير متضافر، ومتعارض في أحيان كثيرة، مع قوة الثورة “الوطنية السورية” ضد الاستبداد. المطلب القومي الكوردي تغلب على المطلب الوطني السوري في قلب الثورة. كما برزت الهوية الإسلامية السنية العالمية التي تقاتل ضد نظام مستبد محدد ولا تقاتل ضد الاستبداد لأنه جزء أصيل من منظومتها السياسية، فضلاً عن أنها لا تعترف بالوطن السوري أصلاً. وبرزت الهويات الطائفية والمذهبية الأخرى التي وجدت في النظام السوري قوة حماية في وجه انزياح جهادي سني، الأمر الذي جعلها تغمض العين عن وحشية هذا النظام ضد أبناء “الوطن” الواحد، وعن استبداده ضدها بالذات.

الذي حدث هو أن الدفاع الوحشي لنظام الأسد عن وجوده عرّض تماسك المجتمع السوري، الضعيف أصلاً، لقوى شد عنيفة أدت إلى تفككه، فكان أن انبثقت هويات مختلفة ومتعارضة بين بعضها البعض، ما أدى إلى تراجع الوطنية السورية في المحصلة وليس العكس، ذلك أن تلك الهويات تفيض أو تقل عن سورية المعروفة. الوطنية السورية التي حاولت الثورة، في بدايتها، أن تُعليها، تضعضعت في غضون صراع الهويات الأخرى. التنوع السوري الذي يمكن أن يشكل جانباً من الهوية السورية، يشكل اليوم أحد مصادر استمرار المأساة السورية. تسييس التنوع السوري القومي والمذهبي تسبب في ضعف التماسك الوطني، ثم شكل تالياً محطات استقبال “متنوعة” لقوى وتأثيرات خارجية ثانياً.

كان بروز الهويات المختلفة (قومية ودينية ومذهبية) في سوريا مع تحطم ثورة 2011، على حساب خفوت هويتين اثنتين فيها هما الهوية القومية العربية، والهوية الوطنية السورية التي كان يمكن تعزيزها بفعل الثورة، الشيء الذي لم يحدث، والتي هي المظلة الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في استيعاب الهويات الأخرى حين تكف هذه عن السعي إلى كسر محيطها الوطني.

فيلُولوجيا الأزهار

فيلُولوجيا الأزهار

من نصٍّ طويلٍ بعنوان (فيلُولوجيا الأزهار)

لماذا لا نؤقِّتُ أعمالَنا على السَّاعةِ البسيطةِ في زهرةِ السَّاعة؟

ماذا تتعبَّدُ في اللَّيلِ زهرةُ عبَّاد الشَّمس؟

ألَمْ يَفِضْ حليبُ المجرَّةِ مِن زهرةِ أفيون؟

لأجلِ أيِّ قدَّاسٍ مسائيٍّ ترنُّ زنابق الوادي؟

أليست النَّيلوفراتُ هي المآوي البيضاء التي تهبطُ فيها جفونُ اللَّيل؟

هل قشَّرَ أحدٌ السَّماءَ والقشرُ المنفوضُ على الأرض هو أزهارُ الونكة؟

أليست أزهارُ البنفسج وثائق شعريَّة؟

أثمَّة في الأرض موقدٌ أبسطُ من زهرةِ خشخاش؟

كم غسقاً حُوصِرَ في زهرةِ زعفران؟

أليست في آنٍ واحدٍ قنديلاً ودَلْواً زهرةُ التَّوليب؟

هل انتبهَ أحدٌ إلى الزَّورقِ في كلمةِ خُزامى؟

كيف لا نرى أنَّ هناك وحدةً بين تثاؤب طفلٍ وتَفَتُّحِ زُهيرة آستر؟

من أين تفقسُ النُّجومُ إن لم يكن من زهرة فاوانية مُنتفخة؟

كم ضعفاً تُكبِّرُ أزهارُ الختميَّةِ الصَّيفَ؟

كيف تحوَّلَتْ أزهارُ البهشيَّةِ من حبَّاتِ زَبَدٍ إلى قطراتِ دم؟

أتريدُ أن تغترفَ من الأبديَّةِ، زهرةُ القبَّار، بكلِّ هذه الأذرع الممدودة؟

أرأيتُم كيف يعانقُ الجرحُ أجنحتَه في زهرةِ بخور مريم؟

إذا أمسكتُ أقحوانةً بيضاءَ بيميني وأقحوانةً صفراء بشِمالي، هل سأدورُ كَكَوكب؟

أيتهادى العاشقان في أزهار الدَّهليَّةِ نجومَ الشَّيطان؟

أيُّ مفاتيحَ أفضَلُ لأقفالِ الشِّتاء من أزهارِ السُّورنجان؟

ماذا تريدُ أن تمحوَ أزهارُ الصَّاصَلِ البيضاءُ في حديقةِ المقبرةِ المظلمة؟

أهناك حقَّاً وحدةُ دمٍ بين القرنفل الأحمر وشِفاه العاشقين؟

كيف استطاعت الوستارية هكذا، أن تصنعَ مِن نفسِها كاتدرائيَّةَ نفسِها؟

أيُّ نهارٍ في خاصرةٍ في قبَّةٍ في سحابةٍ محضونٌ بلا حدٍّ في الأرطاسيا؟

*  * *

إلى أطفالِ سوريا

ثمَّةَ، بينما تموتون، طائرُ حُمَيراء

يضعُ مُنتشياً، في جوفِ حورةٍ سوداء،

بيضتَه الزَّرقاء الأولى.

بينما تموتون، يَدخلُ قلبي معكم

في الغيمةِ الأخيرةِ لِعالَمٍ بدأ مُنتهياً،- أدخلُ معكم

في الخشخاشِ الأبيضِ، في البحر المتباطئ.

بينما تموتون، الله والقاتلُ،

على شرفةٍ واحدةٍ، يشربان النِّسكافيه ويضحكان.

فقط؛ يشربان النِّسكافيه ويضحكان.

 * * *

في هذه البلاد

في هذه البلاد، اللَّيلُ      

لا يهبطُ على نهارٍ،   

النَّهارُ لا  يطلعُ مِن ليلٍ،

اللَّيلُ لا يُولَجُ في النَّهارِ،

النَّهارُ لا يُولَجُ في اللَّيلِ،

في هذه البلاد، اللَّيلُ

يهبطُ على ليلٍ آخر،

اللَّيلُ الآخرُ يطلعُ مِن ليلٍ قبلَه،

اللَّيلُ يُولَجُ في ليلٍ

داخلَ ليلٍ

داخلَ ليلٍ

داخلَ ليل.

* * *

نصوصٌ متفرِّقة

ما اسمُ اليَنبوعِ       

قبلَ أن يُباشِرَ انبجاسَه؟  

طائرُ الصُّفَيرِ الذَّهبيِّ، ما اسمُهُ

وهو بَعْدُ فرخٌ أخضر؟

ماذا كان يُسَمَّى اللونُ البنفسجيُّ  

قبلَ أوَّلِ زهرةِ بنفسَج؟

ومِن دون الخريفِ ما اسمُها

شجرةُ القيقبِ الأحمر؟

*

هل الزَّنابقُ السَّوداءُ في الشَّمس       

دُفعاتٌ صغيرةٌ من الليل؟  

وهل أزهارُ الجِربارةِ الصَّفراءُ في الليل

لمساتٌ مُخَفَّفَةٌ من الشَّمس؟  

*

مَن يئنُّ في الوادي؟      

شجرةُ الحورِ التي تنهشُها الرِّياح

أمِ الرِّياحُ التي عَلِقَتْ

شجرةُ حَورٍ  بأسنانها البيضاء؟

*

لا أعلمُ أبندقيَّتان أم كستنائيَّتان      

عيناكِ: أعلمُ

أنَّ قلبي أمامَهما يقفزُ كَسِنجاب.

*

تتدحرجُ مع الليلِ وتعذِّبُني  

فكرةُ الضَّوءِ

في المصابيحِ المُطْفَأة.

*

هل تنظرُ السَّماءُ في الليل    

إلى بآبئ عيونِ القِطَط  

كما ننظرُ نحنُ إلى النُّجوم؟   

*

لا أتخلَّصُ أبداً

مِن حُزنِ بكرةِ التَّحبير المعطَّلة

في آلةٍ كاتبةٍ قديمةٍ ومُهمَلَة.

*

لكي أصنعَ ليلي      

أرمي قلبي كلَّ غروبٍ في الزَّبَدِ الأحمر    

وأنتظرُ فَحْمَتَهُ  

أنْ تأتي إليَّ

بالغابةِ الخرِبَةِ المدلهمَّة.   

*

لا أفعلُ في الرَّبيع       

سوى أنَّني أَخرُجُ

لأساعدَ الاحتقانَ الورديَّ  

في كلِّ الأكمامِ الزَّهريَّةِ  

على التَّشقُّق.    

*

اللَّيلُ كاتدرائيَّتي الكبيرة        

حيثُ كلُّ الآلهةِ

تدخلُ بِظِلالٍ مُرتعشةٍ لِتَعبُدَني   

وأنا البسيطُ   

أتثاءبُ مُشيحاً بوجهي عنها

نحوَ نجمةٍ مُحتارةٍ

بين ثوبٍ بنفسجيٍّ وآخرَ أحمر.

*

لماذا أيَّتُها اللغةُ

كلُّ بابٍ أحرِّرُكِ منهُ  

تحبِسينني خلفَه؟