بواسطة Elias Bitar | أبريل 18, 2018 | Roundtables, غير مصنف
امـتاز الـمجتمـع السّـوري علـى امــتداد الـقرون الطّـويلة المــــــاضية بأنّـــه جمع في تركـيبته، بين عدد غير قليل من الأقليّات القومية، التي أقامت و تفاعلت مع هذا المجتمع، و حصلت على كل مكتسبات المواطن السوري، و احتفظت أيضاً إلى حدّ بعيد بمعـظم مُميّــزات شخصيّـتها الـثّـقافيّة، رغــــم محاولات الظّهور بمظهر الثّـقافات المنصهرة و المتفاعلة بشكل كامل و منسجم مع الهويّة العربيّة الغالبة والمسيطرة على المنطقة ككلّ، و التي نحن بصدد الحديث عنها بشكل عام كونها عـاملاً مكوّناً حاضراً وأساسياً في تشكيل الهويّة السّوريّة، مـوضوع حديثنا الـيوم عـلى وجـه الخصوص .
في بداية الأمر، لا بد لنا من المرور بشـكل أوليٍّ وسريع على بعض الاصطلاحات الـمفتاحيّة، والتي سنأتي على ذكرها تكرارا فيما بعـد استذكاراً لها وصيانةً، عن أيّ لـغط أو لَـبس في المعنى قد يذهب بـنا إلى مـفهوم خاطئ، لما في ذلك من أهمّــية قُصوى في تبـيـين الهدف المراد من العبارة.
ولا أظــنّ أنّـنا نخـتلف على أنّ اصطلاح الهويّـة المُـميزة لأُمّــة دون غيرها، ينطوي على عدّة عوامل ومكوّنات مُؤسِّسة لها: كالنّسب، والدّم، والجغرافيا، واللغة، والعرق، والثّـقافة. والــمُراد بالثَّـقـافــة هنا، معنى مُغاير تماماً لما درج عليه استعـمالها. حيث أن الغالـبـيــة يُـطـلقونها اصطــلاحاً للدّلالة عـلى مــستوىً تعلــيميٍّ عالٍ، أو بحثي علميّ. بينمـا نشير إليها بصفتها مجموعة من الأعراف والـتّــقالـيـد، والأنماط السّلوكيّة، والدّلالات اللغويّة، والخبرات التراكميّة المتوارثة لمجموعة بعينها من الــتّجمعات الــبشريّة، تُــفضي إلى رسم مـلامح شخصيّة هذه الجماعة، المُميزة لها. ولا نُغفل هنا، تداخل وتقاطـع مفهوم الثقافة مع مفاهيم أخرى، كالانتماء والمواطنة الذين يمكن أن يكونا أصـيلين في الفرد أو في الأقـليّة، أو يمكن أن يكونا مُـكتسبَــين بحكم إقــامة واستقـرار الـفرد أو الأقـليّة بين الجمــاعة الأصليّـــــة، لتُـشكِّل هـذه الإصطحلات جــميعها – إضـافة إلى ما ذكرناه سابقا – مفهوم الهويّة. مع ملاحظة نقاط التّـقاطع ونقاط الافتراق فيما بينها.
وأعتقد أنّنا لا نفشي سرَّاً، إذا أشرنا إلى أزمة هوية حقيقيّـة تُــعاني منها منظومة الدّول العربيّة. فـبينما لم تنقطع أبداً الأصـوات التي تـتـغـنّى بـفرعونيّة مصر، وأمـازيغيّة بلاد المغرب، وفيـنيقيّة بلاد الشّام، نجد أن دول هذه المنظومة تقبع تحت مفهوم مسيطر يُــزاوج بين الدّين واللغة، كمكونين وحيدين للهويّة، منذ قرون طويلة.
قال د. نصر حامد أبو زيد في كتابه (النص. السلطة. الحقيقة):
لقد تحول التّراث – الذي تم اختزاله في الإسلام – إلى هويّة.
وهذا هو تماماً، مـا أود الـولوج منه إلى موضوعنا، لأعود فأنتهي إليه كـسبب هـامٍّ وأساسيّ في ضبابيّـة هويّة وانتماء شعــوب هذه المنطقة.
دعونا نتّفق أولاً، أنّه لو استقام لنا اعتماد الدّين كعامل وحيد لتحديد هويّـة شعــب ما، لـوجب عـلينا تقسيم العالم إلى عدد من الدول لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، بحسب الدّيانات الكبرى في العالم. ولـتوجّب عـلينا رفــع القبّـعة للكيان الصهيــونيّ، لأنّه كان سبّاقــــا في عنصريّته بسعيه لإقامة دولته على أساسٍ ديني!
ولو اخترنا عامل اللغة دون غيره، وجدنا أنفسنا محكومين باعتبار الدّول النّاطقة بالفرنسية في افريقيا: فرنسيّة، والـنّاطقة بالإنكليزيّة في آسيا: بريطانيّة. ولكانت الولايات المتّحدة الأمريكية مستعمرة بريطانيّة بامتياز، لاجتماع العاملين السابقين!
الإشكاليّة إذا، تكمن في ترتيب أولويّات الهويّة، وتراتب الانتماءات في الـوعي الــجمعيّ لـــدى عامّـة شعوب هذه المنطقة من العالم وخاصتها.
فقد كـرّس الخطـاب الـدينيّ المُــتواتر لــدى هذه الـــمجتمعات رؤية مُـشوشّة غـلّبت العامل الدينيّ على كل العوامل الأخرى التي تساهم في تشكيل هويّتهم، وجعلها تفاصيل ثانويّة، تضمر أو تبرز بحسب حاجة العامل الرئيس وضروراته.
وهكذا أنتجت هذه الثّقافة صورة ناقصة عن الإنتماء، تجعل المسلم السُّنيّ أينما حلّ في العالم أقرب إلى أصحاب مذهبه، من مواطنيهم التاريخيّـين من غير المسلمين، أو حـتى المسلمين الـذين يـخالفونهم في المذهب. ولا أتكلم هـنا عن السُّـنة دون غيرهم، فقد فعلت كـل الفرق الإسلاميّة الكبرى ذلك أيضا. وصار من الطبيعيّ أن نـرى أفواج الشّـباب المسلم مُهاجراً للـجهاد والـموت على أرض غريبة لاهيَ تـعـرفـه، ولا نضاله على أراضيها سيعود بالخير عــلى وطنه ومواطنيه!
وليس ما سُّـمي بالـ (الأفغان العرب) إلا نتاجاً طبيعيّاً لـمثل هذا النمط من الفكر الدينيّ، رغم أن انتماءات هؤلاء المحليّة تعود إلى مجتمعات أحوج ما تكون إلى أبسط قواعد الديموقـراطية وحقوق الإنســان، وبالـتّالي فـإنّ دولـهم أَوْلـى بـنضالهم لـتحقيق الــعدالة الاجتماعيّة المَرجوّة.
وفي المُقام الثّـاني مباشرة، تمّ الـتّركيز على عامل اللغة، بصفتها الدّينيّة الـرّفيعة كلغةٍ للـقرآن الكــريم، والـتي تـكلّم بـها الــــسّلف الصّالح. قد اكـتست هـذه اللـغة بثـوبٍ مـن الـقداسة والـتـنــزيه
حتى في عـلومها الـوضعيّـة، نظراً لعودة واضعيها للقياس عـلى الـقرآن الكريم باعـتباره المرجع الأول مـن مراجعها، كـما وأنها لغة أهل الجنّة في النّهاية. ولـسنا هنـا بصدد مـناقشة أحقّـيّـة هذه
اللغة وآدابها وجمالياتها، لكننا نتسـاءل عـن كـفايتها مـع عــامل الـدين في الـجّمع بين كلّ هـذه الشّعوب في أمّــة واحدة؟ وعلى الرّغم من أنّ بعض الـقبائل الـعربية قـد وصلت قـبل الإسلام إلى الجزيرة السّورية واستوطنتها، إلا أنّـنا نـجزم أن سـكّان المنطقة الأصليّين كانت لـديهم لغتهم الخاصة، ودَوّنوا تاريخهم وآدابهم بلغتهم، أو لغاتهم التي كانوا ينطقون بها.
وكان من الطّـبيعيّ بعــد ذلك كلّـه، انـتـقال المواطنة والانتمـاء إلى صفوف متأخرة فـي وعـي هـذه الــفئة الـتي تُـشكّل الشّـريحة العُـظمى من مــواطني هــذه الدول. واستـقرتا مـع غـيرهما من عوامل تأسيس الهوية – الدم والنسب والتاريخ – خلف العامِلَيْن الرئيسين في ثقافة عموم هذه الشعوب.
وفي سـوريا عـلى وجه الخصوص، تـبلورت كل أوجـه هــــذه الإشكاليّة الــوطنيّة وعلى كافة مستوياتها، في ظـلِّ واحـدة من أطـول الـحروب الـبشعة التي شهدتها الإنسانية على الإطلاق. فـظهرت واضحـة للعيان، هشاشة فـكرة القومية العربية عندما ارتفعت الأصوات مطالبة بالإنسلاخ عن المجموعة العربية، والاستعاضة عنها بتحالفات إقليمية بعد تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وثبوت ضلـوع بعض الأنـظمة الـعربية مباشرة فيما يدور على الأرض السورية. وفي الجانب الآخر برزت النزعات التقسيمية إما على أساس ديني سلفي، يتمثل في اقتطاع مساحات من الجغرافيا السورية لإقامة دولة على أسـاس ديني، أو على أساس إقليمي قومي، كـما فـعلت بـعض الـــفئات الانفصالية الكــردية. أو بتوظيف مـباشر مــن قـــوى دولـــية وإقليمية، إنما تسعى لتحقيق مكاسب ومصالح استراتيجية لها في المنطقة. وما كان كل ذلك ليحدث، لو لم يسبقه كل هذا الإبهام والالتباس في مسألة الهوية والمواطنة والانتماء. جذر المشكلة إذا موجود وكامن لدى السوريين، وكل ما فعلته هذه الحرب أنها حرضته ودفعته إلى السطح بوضوح.
وما من دليل يشهد بصحة ما أسلفنا، أوضح من اتخاذ المساجد كنقطة لانطلاق هذه الأزمة منذ سنين خلت. مما ألبسها ثوباً دينياً، جهادياً، وصبغها بصبغة طائفية ضمن الدين الواحد، وجعلها بفضل الإعلام الداعم لها، تبدو وكأنها اقتتال بين أقلية حاكمة ظالمة، وأكثرية محكومة مظلومة! مما استقدم أصحاب هذا الفكر من كل أصقاع الأرض للدفاع عن حقوق إخوتهم في الدين (مواطنيهم الدينيين).
وخبت بسرعة، كل الأصوات التي كانت تمتلك خطاباً مدنياً علمانياً، التي كانت تغرد خارج سرب السلطة، وتراجعت لصالح الخطابات الدينية الأقوى والأغنى.
وإذا كنا لا نناقش هنا مسائل دينية أو سياسية، إلا أننا نتوخى الوضوح في تداخل هذا الفكر مع الهوية وغلبته عليها.
سوف تنتهي هذه الحرب الدائرة على الأراضي السورية بالمعنى العسكري، طال أمدها أو قصر، ولكن هل سيتمكن السوريون فيما بعد، أن يتخلصوا من آثارها على المستوى الاجتماعي والنفسي؟ هذا مرهون بسعيهم نحو إعادة ترتيب أوراقهم بشكل منطقي، لتتبلور في أذهانهم مفاهيم المواطنة والانتماء والهوية بصورة أوضح.
بواسطة Zeina Mahmoud | أبريل 17, 2018 | Roundtables, غير مصنف
في ظل الأوضاع السياسية الراهنة وما أنتجته ومازالت تنتجه الحرب السورية القائمة منذ سبع سنوات، ظهر وبشكل جلي الانقسام الكائن ضمن المجتمع السوري والذي بقي خفيا لسنين عدة ما قبل الثورة السورية حتى اتضح للعيان وبشكل ظاهر ما بعدها. للأسف فإن المجتمع السوري أو ما يسمى بالفسيفساء السورية المتجانسة (شكليا) كانت قد بدأت تتآكل وتتباعد لتنتج جيلا منقسما، تائها ومتناثرا ما بين قوميات وطوائف وأديان عدة غير قادرة على التقارب أو الالتقاء بأي شكل من الأشكال ضمن أي إطار واضح التشكيل منذ أربعين عاما وحتى الآن. وبهذا، فإن شكل أو هوية الإنسان السوري كانت وماتزال في خطر الضياع والتناثر قبل وبعد الحرب ولكن وبشكل خاص فإن الأمر قد اشتد ما بعد موجات اللجوء التي قصدت العالم الغربي منذ عامين فأكثر. فهل للإنسان السوري حقا هوية أو مسمى؟ أم أننا تائهون منذ زمن بعيد!
يرى السوري نفسه الآن بلا وطن ولا تشكيل، ما بين من فقد بلاده وبين من فقد أسرته ومن كان قد فقد الإثنين معا، ليغدو تائها غير مستوعب لما يحدث. كما أن الغالبية العظمى من الشعب كانت قد بدأت بالبحث عن وطن بديل منذ بداية اندلاع الأزمة حتى الآن غير مدركة لعواقب هذا الاتجاه الكارثية وغير عارفة بالخلل الحقيقي الذي أصاب الإنسان السوري بالمجمل. يرى السوريون أنفسهم في الوقت الحالي كشعب منفصل وأناني غير قادر على التواصل أو التوصل لأي تفاهم حقيقي ضمن طوائفه ومذاهبه وأعراقه المتعددة.
كما يعرف السوريون أنفسهم كشعب بائس قد تآمر عليه العالم وقد رقص على جثته حيا ليغدو شعبا خارج نطاق الحياة الطبيعية المستمرة من حوله. فعلى المستوى السياسي لا يوجد من يتحدث باسم هذا الشعب كما أنه وعلى المستوى الاجتماعي لا يوجد من هو قادر على تسوية الخلافات أو من هو قادر على الوصول إلى الحلول الوسطى ما بين طرفي نقيض من معارضة سياسية إسلامية إلى نظام حكم عسكري قمعي بحت. فإذا كان الطرفان المتنازعان واللذان من المفترض أن يمثلا الشعب السوري بهذا الإهمال، فهل يلام الإنسان السوري على ما حدث ومازال يحدث؟
هل يلام الإنسان السوري على فشله في استحداث نظام سياسي واجتماعي قادر على رعايته وتمثيله؟ لقد طمح السوريون منذ بداية الصراع إلى بناء مجتمع متعاون ومتكامل وديمقراطي قادر على حماية وخدمة حقوق الأكثريات والأقليات على حد سواء، إلا أنه ومن خلال ما أنتجه الواقع على الأرض، فإن السوريين فضلوا التقوقع على أنفسهم منذ البداية مشكلين كينونات بديلة تمثل كل طرف على حدة: فقد فضل الأكراد الاستفراد بمناطقهم الشمالية الشرقية على الاندماج ضمن الغالبية السنية العظمى والتي يمثلها العرب بشكل عام. كما اختار العرب أو السنة منهم الانكفاء والانطواء ضمن جماعات إسلامية ذات توجهات بعيدة عن تطلعات الفئة الشبابية التي قامت بالثورة. بالإضافة لذلك فضلت الغالبية العظمى من الأقليات الانطواء تحت جناح النظام متعذرة بالخوف من السطوة الدينية للغالبية السنية العظمى. فضلا عن ذلك وقعت خلافات عدة بين أفراد التوجه الواحد معلنة عن ضياع الهدف الحقيقي للثورة بحد ذاتها.
من ناحية أخرى، أدت حملات الهجرة واللجوء إلى ضياع الهوية الحقيقية للإنسان السوري وذلك ابتداءً بالصدمة الحضارية التي تلقاها المهاجر أو اللاجئ في بلاد الاغتراب وانتهاءً بالإحساس الكامن بالدونية وانعدام الهدف أو الهوية ضمن مجتمعات إما قامت بالتقليل من شأن هذا الإنسان أو أنها وضعت له العصى في الدواليب بحجة الاندماج والاندراج ضمن مجتمع يختلف عنه بالثقافة والهوية. من هذا المنظور، فإن جوهر المعضلة أو الخلاف ليس سببه القمع الشديد للثورة فقط ولا سوء التمثيل الذي قامت به المعارضة الإسلامية، لا بل إن الخلاف الحقيقي والجوهري ضمن المجتمع السوري هو عدم وجود تصور مشترك لشكل الدولة ضمن الفئات الاجتماعية السورية بالإضافة لعدم وجود الوعي الكافي بمفهوم العمل السياسي أو العمل المجتمعي ضمن جميع الفئات السورية، المثقفة وغير المثقفة.
انطلاقا من هذا الواقع أيضا فإن الدولة السورية القادمة مهددة بالتشرذم والضياع لفترة من الزمن قد لا تقل عن المئة عام، كما أن شكل الخريطة السورية مهدد بالتغيير والتقسيم لصالح قوى عظمى تدعي التدخل بهدف حماية حقوق الأقليات إنما الأطماع الحقيقية من وراء ذلك اقتصادية للأسف. وبهذا فإن شكل أو إطار الدولة السورية القادمة لن يكون بنفس مكانته السابقة كما أن هيبة وأهمية ومركزية الدولة السورية لن يعود لشكله السابق لكون الدولة قد وقعت تحت السيطرة الاقتصادية والسياسية لعدة دول من ضمنها روسيا والولايات المتحدة وتركيا. أما بالنسبة للهوية السورية فإن الإيجابية الوحيدة التي كشفت عنها الثورة السورية هي حقيقة كون المجتمع السوري مجتمعاً منقسماً وطائفياً غير مدرك لنقاط القوة الكامنة ضمن اختلافاته الدينية والعرقية، كما أنها كشفت عمق التصدع الاجتماعي والعرقي والديني ضمن أفراد الفئة الواحدة والمجتمع الواحد كما والعائلة الواحدة على أبسط نحو.
لكن الأمر المؤسف هو عدم إدراك الشعب السوري لحجم هذا الصدع للأسف لا وبل إصراره في بعض دول الاغتراب أو في الداخل السوري على التمسك بهذه الأوهام البالية والأفكار المهترئة والتي أدت بالمجتمع لهذا التصدع لا بل ولوم جميع الأطراف ماعدا النفس على ما حدث وما سيحدث مستقبلا.
نعم إن الهوية السورية على المحك لا بل وأسوأ من ذلك، ولا يمكن حل هذه المعضلة إلا بتشكيل نواة اجتماعية أو جاليات تعبر عن الإنسان السوري في المهجر والإنسان السوري القابع بالداخل لتديره وتقوم بإعادة توعيته وتوجيهه كي يستطيع التفاعل ضمن مجتمعه الجديد ويستعيد القدرة على تحديد هويته المندثرة منذ أربعين عاما ضمن نظام بالي متحجر أساء للهوية السورية باختلافاتها. على السوريين دحر نعراتهم الطائفية والدينية والعرقية خارج الدولة وداخلها للتوصل لتفاهمات ترضي جميع الأطراف وذلك لبناء شكل موحد لدولتهم المستقبلية وإلا فإنهم معرضون للتشرذم أكثر مما هم عليه الآن.
بواسطة Mustafa Taj El Deen El Mousa | أبريل 16, 2018 | Roundtables, غير مصنف
لا أعتقد أنه لدينا في سوريا فعلاً هوية وطنية، رغم توفر بعض شروطها من أرض ولغة وعادات وتاريخ مشترك، وذكريات متشابكة…الخ. أعتقد أننا كنا نعيش في مجتمع هش للغاية سطحه عبارة عن صور براقة للقائد يتوسط مجموعة رجال دين وقوميات وإثنيات، بينما أعماق هذا المجتمع هي مجموعة براكين قد تنفجر بين بعضها البعض بأي لحظة، وقد جاءتْ هذه اللحظة في عام 2011 لتنفجر صراعات دموية لهويات لم تعمل هذه الأنظمة على انسجامها من خلال المواطنة فتضمن استمرار مصالحها الضيقة مع مصالح الوطن والشعب، صراعات تبدو وكأنها متناقضة بين انتماءات و ولاءات متعددة لكنها في الوقت ذاته تمثل مصالح متعددة ومتنوعة لجهات خارجية وداخلية.
مع بداية الثورة السورية، كانت الهوية الوطنية السورية في مواجهة امتحان تاريخي صعب للغاية، وأعتقد أنها قد فشلت في هذا الامتحان فشلاً مؤلماً، يدل على حجم الكذبة والخديعة التي كان يعيشها الشعب، لأن الوطن أصلاً كان بلا مواطنة حقيقية تعمل على تهذيب هوياته وتداخلها وتفاعلها معاً بشكلٍ ايجابي، يخيلُ لي أننا في سوريا بعد سنوات الحرب هذه، أننا أمام موت وطن قديم ونشوء وطن جديد، الوطن القديم جثم بكل ثقله فوق أنفاس الناس وخنقهم لعقود طويلة، أما عن الوطن الجديد: هو الآن في حالة نشوء، لكن، ما مدى إيجابية هذا الوطن الجديد؟ لا نعرف، ثمة من يتحكم خارجياً بهذه الولادة الجديدة محاولاً اختصارها إلى ما يتناسب مع مصالحه وانتماءاته الخاصة، وأعتقد أنه من المبكر تبلور جواب واضح حول الوطن الجديد.
غياب المواطنة والديمقراطية وتفاعل الهويات في المجتمع السوري، مع بداية النظام الاستبداي، أدى حالياً إلى حرب كارثية كانت بمثابة مستنقع تنمو فيه الجوانب المظلمة من كلّ الهويات، وهذه الجوانب المظلمة للهويات قضت على كل جانب مضيء بكل هوية ودخلت فيما بينها بصراع مرير.
كان يمكن للمواطنة والديمقراطية خلال عقود (لو أنها وجدت كما حدث في بعض التجارب العالمية التي خاضتها بعض الشعوب المشابهة لشعبنا بمجرد تحررهم من الاستعمار الخارجي) من أن تعلي القيم الإنسانية والأخلاقية واحترام الآخر وتقبله والتفاعل معه ضمن هوية جديدة جامعة تضمن مصالح الكل، إلا أن أنظمة الاستبداد، كانت جداراً صلباً أمام مثل هكذا مشروع لأنه لا يتناسب مع مصلحتها، وبالتالي غيبت هذه الأنظمة الاستبداية مفاهيم وقيم الديمقراطية والمواطنة إلا من الشعارات التي تُكتب على حيطان المؤسسات الحكومية، وحافظتْ على الجدران بين الهويات، وافتعلت أحياناً هذه الأنظمة بعض المشكلات بين هذه الهويات، لتطمئن أنه لا يوجد انسجام بين هويات الوطن، وبالتالي تكون الحاجة لهذه الأنظمة الاستبداية ضرورية لأنها وحدها من يحمي المجتمع من صراع الهويات.
تراجع الوعي خلال هذه العقود، مما أدى بشكل غير معلن وواضح قبل الحرب، وبشكل معلن وواضح بعد الحرب، إلى النكوص إلى هويات قديمة، تشكلت منذ عصور بعيدة ضمن مصالح وتطورات خاصة بأزمنتها لا تتفق مع هذا الزمن.
وطبيعي أن القتل والدمار والانهيار والنزوح والتشرد والجروح لن تسمح للوعي ضمن هذه الشروط القاسية بأن يعيد تشكيل مفهوم حديث للهوية الوطنية.
دولة بلا سيادة على جزء واسع من أرضها، بنظام شمولي استبدادي، دون عقدٍ اجتماعي واضح يعكس مصالح الفئات الاجتماعية ويضمن الحريات ويحميها، كل ما سبق أدى إلى تلاشي الشعور بالوطنية الذي يقوم عادة على هوية عصرية متناسبة مع عصرها ومفاهيمه العلمية.
لم تستطع هذه الأنظمة الاستبدادية خلال عقود من ترسيخ شعور المواطنة لدى الإنسان، لهذا لم تستطع أن تنتج مفهوماً أخلاقياً جديداً للهوية الوطنية، ينافس وينسجم ويتفاعل مع الهويات القومية والدينية والطائفية والإثنية.
وحتى المعارضات لم تخرج عن التصور الخاص بالنظام للهوية، إنما أعادتْ إنتاجه بشكلٍ جديد. لتظل بهذا عاجزة (غالباً) عن إنتاج مفاهيم جديدة للهوية الجديدة (باستثناء نخب لا تمثل الواقع إلى حدٍ كبير)، وبهذا ظلتْ المعارضات مجرد (رد فعل سلبي) على فعل سلبي (نظام استبدادي) فقط لا غير.
الآن لدى السوريين مقاربات مختلفة ومتناقضة ومتصادمة حول الهوية، وكل طرف فصل ولبس هوية على قياس أحلامه وأوهامه وآلامه ونكوصه، وصار لكلّ سوري تعريف خاص نوعاً ما لسوريته الخاصة به.
أعتقد أن الأطراف المتصارعة تُمثل جزءاً جيداً من الشعب السوري، من نظام وميلشياته حتى الفصائل الإسلامية.
أعتقد أن كلّ السوريين رغم كل الاختلافات يتفقون معاً على ضرورة إنهاء الحرب، بالقوة لدى البعض أو بالمصالحات أو بالتقسيم لدى بعضهم الآخر.
ثمّة طموحات غير متشابهة لدى السوريين، لكن هناك جزءاً ليس بقليل يطمح لدولة عادلة وديمقراطية تقوم على المواطنة واحترام الإنسان.
الصراع في سوريا هو بالدرجة الأولى صراع مصالح ومشاريع مختلفة يتم إلباسها مفاهيم دينية أو قومية أو وطنية بغية تلميعها لاستمرار تسويقها لدى الناس لجني المكاسب على حسابهم، لا يمكن حصر دوافع الصراع في سوريا لأنها متعددة ومختلفة، ثمّة هدف لكل فئة ولكلّ طرف، وبعض هذه الأهداف قد تكون نبيلة لبعض هذه الأطراف.
لا يوجد الآن في سوريا إجماع على هوية معينة، هذا يحتاج لعقد اجتماعي جديد… يوجد الآن مجموعة هويات منقسمة على بعضها ـ متناحرة أحياناً متحالفة أحياناً أخرى، بحسب الحرب وتشعبها.
لا أعرف كيف سيكون شكل الهوية مستقبلاً في سوريا، من الصعوبة التنبؤ بهذا، لكن على الأقل أتمنى أن تكون هوية وطنية ديمقراطية متعددة، وألا نصل إلى ما يشبه نموذج الهوية الوطنية الطائفية كما هو الحال في لبنان و العراق الآن.
جزء جيد من الفصائل الإسلامية المعارضة تقاتل في سبيل هوية إسلامية وفي سبيل فرضها على البلاد كلّها، ثمّة فصائل أخرى قد تقاتل تحت عنوان الهوية الإسلامية، لكنها فعلياً تقاتل في سبيل منفعة سياسية واقتصادية (أمراء الحرب مثلاً).
ليس لدى النظام أي تصور مستقبلي لمفهوم الدولة سوى تصوراته القديمة والسلبية، التي لا يستطيع أن يتخلى عنها، لأنه بتخليه عنها يلعن نهايته، ويدق في تابوته المسمار الأخير.
كما قلتُ منذ قليل، ثمّة شيء يجمع عليه أغلب السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم وتوزعهم الجغرافي، وهو إنهاء الحرب وإعادة الإعمار(طبعاً باستثناء قلة من أمراء الحرب وتجار الحرب لأن إيقاف الحرب يضر بمصالحهم الاقتصادية والربحية).
بواسطة ختام غبش | أبريل 16, 2018 | Cost of War, غير مصنف
في دمشق المدينة ناجون مضوا إليها تاركين خلفهم ترسانة الحرب وهمجيتها بحكم الغريزة البشرية التي تقود الإنسان حيث البقاع الأقل فتكاً ودموية. دمشق العاصمة المساحة الأقل مواجهةً واحتداماً ولكنها الأكثر رعباً وانهزاماً من حيث التفاصيل المحشوة بها ستثقل كاهل كل الضعفاء الفاقدين لأدوات النجاة والبقاء وتصنفهم ليبقوا خارجها ويرتادوا الأرصفة والشوارع الملوثة بالبلادة واللامبالاة.
لجأوا إليها نجاةً من مناجم الذبح والموت الرخيص فحاوطتهم بالأسلاك وبالأسياخ المعدنية التي لم تعد حكراً على بطانة جدرانها وأعمدتها وسقف سمائها أيضاً. أقدام أبنائها الذين يعرفونها جيداً مجنزرة بأسلاكٍ خفيةٍ تحصي أعداد الخطوات والوجهات التي باتت لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وها هي اليوم تنقل عدوى أسلاكها وقيودها إلى الأجساد التي ستؤسس قواعدها وتحصّنها بالمعدن والخوف استكمالاً لوظيفة العيش. فكثرة الأحمال التي كبّلت أرواح أصحابها لن يعيقها المشي الآن وهي مربوطة بالعكاكيز والأسلاك المتداخلة مع اللحم والعظم المتفتت.
شارع الثورة (في وسط المدينة) بأرصفته البشرية يلخص المأساة كاملة، حيث يمكن للعابر أن يصطدم بمرآبٍ كاملٍ تصطف داخله كراسٍ متحركة يقودها شبانٌ قد فقدوا أطرافهم بمختلف مسمياتها، يبسطون رقعة ًمهترئة على أرض محشوة بالقمامة والروائح الكريهة. تحتل الرقعة في واحدةٍ من زواياها جلدات لأسطوانة الغاز، علب كبريتٍ، أقلام الريم الزرقاء، مطاط أبيض، إبر خيوط متسخة، جرابات قديمة جداً… الجميع هنا في انسجامٍ تام. الصورة مكتملة فالبسطة بكافة محتوياتها فاقدةٌ للزمن حيث لا يمكن للحاضر الآن أن يعيد استخدام كل ما نبت فيها، وكذلك الأمر أيضاً لمن يدير عجلاتها فالحياة بالنسبة له قد توقفت هناك عند عتبات ذاك الزمن.
نساءٌ ورجالٌ في نهاية أعمارهم يضعون عند عتبات أقدامهم أطفالاً فجرت الحرب أطرافهم الصغيرة يجلسونهم بجانبهم ليس كمتكأ لهم، بل كمصدر رزقٍ يلبي حاجة الجوع التي جعلتهم يتناسون خطوط الزمن المحفورة في وجوههم ويركضون نحو لقمةٍ واحدةٍ أو مبلغٍ وضيع ٍيجلب لهم حبة الضغط أو مميعاً للدم. والبعض الآخر يجلس متكئاً على حائط ٍبالٍ يحتاج من يسنده، بينما يفترش آخرٌ الليل مأواه ببطانيةٍ ورصيف ليستيقظ عقبها متابعاً حيثيات يومياته بين جدار وسياج معدني تعددت استعمالاتهما بين مصدر للحياة ومبولة. في هذه البقعة الصغيرة تستطيع الحرب أن تلخص كل بنودها وتفتك بكل الاتفاقيات والحقوق الإنسانية الخاصة بضحايا الحرب.

سوقٌ كامل ممثلٌ بأجسادٍ تمضي إلى حياتها بعكاكيز فضية ملبسة بالبلاستيك، النسبة الأكبر منها تنهشها الأسياخ المعدنية في كل من الأقدام واليدين. العيون باتت تألف مشهد الأرجل المبتورة، بنطلونات مموهة ولكنها فارغة لا يحشوها شيء من مخصصات الجسد، يغطى منتصفها إلى الأسفل قليلاً لتنتهي بعكفة عند الركبة كي لا تعيق حركة العكاكيز، أرجل المرحلة الحالية لكل السوريين. أيادٍ مختزلة ممدودة تجمع ما أمكنها من نقود كي تعوض بعضاً من مفقوداتها.
الحدائق هنا باتت مزروعة بأجساد اعتادت حرارة الصيف وبرودة الشتاء القاسي، بعضنا يحمد السماء على انقطاع نعمة المطر ويرجو الهواء أن يبق محافظاً على دفئه كي لا يزيد من برودة هذه الأجساد التي باتت منافذها مشرّعة أبوابها للطبيعة والقهر.
وإذا ما لجأنا إلى تعداد الإحصائيات، المنظور الكمي الذي يرانا العالم من خلال عدسته، نقرأ مثلاً في تقريرٍ لمنظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، صدر في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2017، أنّ: “هناك ثلاثين ألف مصاب كل شهر بسبب الحرب في سوريا، وأن الحرب خلّفت مليوناً ونصف المليون مصاب بإعاقة دائمة من أصل ثلاثة ملايين شخص أصيبوا منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ست سنوات.” وأوضح التقرير أنّ 1.5مليون شخص يعيشون مع إعاقات مستديمة، منهم 86 ألف شخص أفضت إصابتهم إلى بتر أطرافهم، مشيرة إلى أن الصراع الدائر هناك يحتدم باستخدام أسلحة متفجرة في المناطق المأهولة بالسكان، واستمرار المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى التلوث بالمتفجرات ارتفاعاً كبيراً في جميع أنحاء البلاد.
تبقى منزلة هذه الإحصائيات قيد المرحلة، فعدّاد استنزاف الأرواح لا زال في تصاعد، وفي وقتٍ لازلنا نشهد فيه قيامةً لم تتوقف حتى اللحظة عن ابتلاع الإنسان السوري وعلى مدار سبع سنوات كاملة. ومع الإشارة إلى أن معدلات هذه الأرقام خاضعة للتصنيف بين منطقة وأخرى، فلا يمكن المقارنة بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وتلك الخاضعة لسيطرة المعارضة حيث يعتبر تحديد إحصائية دقيقة للإصابات فيها مهمة شاقة، فآلة الحرب لا تخمد هنا. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار بأنه كان من الممكن الوقاية من تلك الاعتلالات لو حصل هؤلاء الأشخاص على الرعاية الملائمة في الوقت المناسب، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ شح المستلزمات الطبية في هذه المناطق تجعل المسارعة إلى اتخاذ القرار الحاسم ببتر الطرف المصاب هو الطريق الأقصر للنجاة والظفر بحياة لا تشبه تلك الحياة الأولى.
سعاد (اسم مستعار)، إحدى النساء اللواتي عايشتهن في دمشق، تعمل الآن في إحدى الدوائر الحكومية وتقوم بأعمالٍ مهلكةٍ من التنظيف وإعداد القهوة والشاي، تعاني من أمراض في المفاصل والعمود الفقري. اضطرت للعمل بعد تعرّض زوجها لإصابة في نخاعه الشوكي. زوجها الآن حبيس الفراش منذ ما يقارب الخمس سنوات تعمل بحبٍ ولا تمل، فلديها ابنة وشابان كنت اسمع أصوات ضحكاتهم عندما تخبرهم بأنها ستجلب لهم سندويش البطاطا في بداية أول كل شهر. استطاعت ابنتها دخول كلية الهندسة الزراعية وهذا ضمن الطبيعي حسب توقعاتها، أما المفاجأة بالنسبة لها كانت لدى نجاح أكبر ابنائها ليحالفه الحظ ويدخل كلية الآداب. كان خبر تخرجه لعنةً زجّت به إلى الجيش ليعود بعد مضي فترة قصيرة ويتمدد أمام والده، فلقد بتروا له قدمه نتيجة تعرضه لإصابة حادة بها.

في واحدةٍ من الحواجز المنصوبة في مركز المدينة (في منطقة الفحامة) تمتلأ العينين في كل صباح بأجسادٍ منكوبةٍ تحمل ما أمكنها من كراتين بسكويت وعلكة تتسلل عبر ممرات السيارات العمياء. عند واحدة منها رجلٌ خمسيني بيدٍ واحدة يمسح زجاجها، وعندما تمشي السيارة قليلاً بفعل الزحام يتبعها بخطوة فتتحرك إلى الأمام؛ تمسح يداه ما تسعفه من أجزاءٍ، تغلق السيارة زجاجها، تفتحه لتغلقه مرة أخرى ممعنةً في إذلاله وهو يتابع النظر إليهم مستجدياً إياهم ولكن دون جدوى.
استطاع العالم أن يقدّم هديةً للبشرية تتيح للمتضرر دمج اللحم بأطراف غريبة عن الجسد، المقصود هنا الإشارة إلى عمليات تركيب الأطراف الصناعية. فالبشرية عبر تاريخها عودتنا أن تقدم حلولاً مبتورة لكل القضايا الخاصة بالإنسان، استطاعت أن تستعيض عن إنهاء كارثة الحروب وهمجيتها بزرعٍ جديد للإنسان لكي تلزمه بذاكرة الحدث، الذي سيصبح جزءاً منه وشيئاً ملموساً طيلة حياته القادمة. وكما عبّر الفنان النمساوي راؤول هاوسمان Raoul” Hausmann” فإنّ الأطراف الصناعية الجديدة لا يمكن اعتبارها كرمزٍ للتقدم العلمي، ولكن يجب القول إنها علامة واضحة على نزع الإنسانية من البشر. فقد أجبرت أعداد مبتوري الأطراف خلال الحرب الأهلية الأمريكية وضحايا الحرب العالمية الأولى العالم إلى ابتكار الطرف الصناعي كبديل عن الجزء المفقود، الحقيقي. (1)
وبالعودة إلى مأساتنا السورية فلا بد من الاشارة بأنّ “تكاليف تركيب طرف صناعي بدائي يتجاوز 1500 دولار، في حين يبلغ تركيب طرف صناعي ذكي ستين ألف دولار إلى جانب تكاليف العلاج الفيزيائي الطويل الأمد لكي يتعرف الجسد على العضو الجديد. وهي أرقام مرتفعة جداً قياساً إلى عدد المحتاجين إليها وأوضاعهم المعيشية”. وبحسب رئيس رابطة الأطباء الدوليين، الدكتور “مولود يورت سَفَن”: إن نسب إصابات الساق وبتر الأذرع بسوريا هي الأكبر في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.”
ولهذه الأسباب كان من الضروري افتتاح مراكز للأطراف الصناعية والتي توزعت داخل سوريا في مركزين رئيسين في كل من (حمص- دمشق)، لكن “هناك شروطاً معينة يجب توافرها هنا في المرشح لنيل الطرف،” وفي دول الجوار لبنان وتركيا والأردن. ففي تركيا افتتح مركز “خطوات الإرادة WSO” للأطراف الصناعية في مدينة غازي عينتاب، وبحسب القائمين عليه فإن المركز يسعى للوصول إلى جميع من أصيبوا بإعاقات من السوريين. وحسب الدكتور “حمزة دياب” رئيس قسم العظمية ومدير المركز بأن المركز متعاقد مع شركة “أوتوبوك الألمانية ” العالمية التي تنتج الأطراف الصناعية منذ أكثر من مئة عام، ولها فروع في أكثر من 110 دول حول العالم.(2)
مكّنت الأطراف الصناعية الذين فقدوا أحد أطرافهم من متابعة حياتهم، وهذا ما يشعر به العديد من الذين خضعوا لعملية تركيبه. فهناك بعض الأعمال التي يستطيع الشخص القيام بها دون تعرضه للخطر. ففي إحدى المرات خضت حديثاً مع سائق تكسي عرّف عن نفسه بأنه عنصرٌ في الجيش تمت عملية تسريحه من قطعته نتيجة تعرضه لبتر قدمه اليسرى مستعيضاً عنها بطرف صناعي. لم أميز لحظتها وجود هذا الطرف لولا نقاشنا عن النسب التي تحدّد بها إجازة التسريح المستندة إلى إصابةٍ فادحة للشخص يخرج منها بنصف جسدٍ أو يفقد جزءاً منه.
وهذا الطرح يجعلنا أمام أرقام مضاعفة للأشخاص الذين نراهم أمامنا مجردين على حقيقتهم، غير قادرين على الأقل على إخفاء عجزهم المعنوي تجاه كل هذا الخراب النفسي بداخلهم والمادي الذي لا يخول لهم أن يبنوا جسدهم من جديد. فنحن نعيش مع أرقامٍ مرعبةٍ من هذه الحالات والتي لا يمكننا معاينتها كونها وجدت من يعينها على اقتناء طرف استطاعت به مقاومة مصاعب الحياة. فالإحساس بأنك تقوم بالقليل يعطيك الكثير من الدوافع والقوة، دون إعطاء فرصةٍ للآخرين لاستغلالك وإلزامك بأعمالٍ تفاقم من شعورك بالعجز والقهر. فهناك العشرات من الذين أصيبوا بإصابات بالغة وهم الآن عرضة للاستغلال من قبل كافة الأطراف. لكنهم يبررون استمرارهم بالقيام بهذه الأعمال بأنها وسيلة بقاء وحيدة وهي حقيقة لا مفر منها بأنها “وحيدة،” فطالما أنهم منفيون ويعيشون في شوارع بلادٍ لا تأبه بهم ولا تنظر إليهم إلا من منظورها الفقير الذي يبخسهم حقهم، لا يحق لأي منا أن يقيّم ما يقومون به من طرق تجلب لهم قوت يومهم، بلاد لا مكان حتى للعقول في جنباتها.

الفكرة الأخيرة والأهم بالنسبة للسوريين ولكل المناطق التي عششت فيها الحروب تعنونه “مخلفات الحرب غير المنفجرة والألغام”. بالنسبة للألغام يأتي دورها في نهاية الحروب، حيث بات بروتوكول الحرب يحفز الأطراف على زرعها عقب خروجها من كل منطقة، وكالعادة المدنيين هم النسبة الأكبر بين الضحايا.
فمثلاً نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن إحصائيات للأمم المتحدة ومنظمات دولية، أن عدد ضحايا القنابل والأجسام غير المنفجرة من مخلفات الحروب، والتي تعرف بـ”يو إكس إوز UXOs” يتجاوز 20 ألف شخص سنويًا. حيث تصبح مخلفات الحروب أقل استقراراً مع مرور الزمن عليها بسبب التفاعلات الميكانيكية والكيميائية التي تجري عليها. بيد أن تخوفاتٍ دوليةٍ وأمميةٍ من مخلفات الحروب باتت أكثر فيما يخص سوريا وتحديداً منطقة الرقة التي سيطر عليها تنظيم داعش، “الدولة الإسلامية”، وبعد خروجه منها أنبت مساحاتها بالألغام والمواد المميتة.
هذا وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة سكان الرقة من العودة إليها بسبب مخلفات الحرب مشيرة إلى أن ما بين 50 إلى 70 شخص يموتون أسبوعياً إثر ذلك وهو بنحو العدد الذى تشهده أفغانستان في العام. وفي مؤتمر صحفي عقده مساعد الأمين العام للأمم المتحدة والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا “بانوس مومتريس” الأربعاء 7 شباط 2017: صرّح أنّ البيانات تشير إلى أنّ كماً هائلاً من الألغام لم تنفجر بعد، وتابع “لم نرَ مطلقاً كمية ذخائر لم تنفجر مثلما يوجد في الرقة، كمياتٍ هائلة مزروعة في كل منزل وكل غرفةٍ وكل شبرٍ بالمدينة”.
وفي مدينة نصيبين المدينة الحدودية بين سوريا وتركيا ما يشبه واقع الرقة المأساوي، حيث يذهب الأطفال في أوقات حظر التجول إلى المنطقة المهدمة كي يجمعوا قطع الخردة ثم يقومون ببيعها. وفي أحد الأيام استطاع بعض الأطفال العثور على قطعٍ بيضوية الشكل، صفراء اللون، من بقايا الاشتباكات التي جرت في هذه المنطقة. لم يعلموا أنّ هذه القطع ما هي إلا قنابل لم تنفجر عند إلقائها. كان هؤلاء الأطفال يمسكون بها، ويقلبونها بين أيديهم، ثم يلقون بها بعيدًا عندما يدركون أنها ليست مصنوعة من الحديد. لم يدركوا في هذه المرة أن هذه القطع ستخلف هذا القدر من الانفجار الضخم بمجرد ملامستها الأرض. رأوا أمام أعينهم الأطفال الآخرين وقد مزقتهم هذه القنبلة إرباً إربّاً. هناك العشرات بل المئات من النماذج المشابهة التي استمرت طيلة الأعوام الخمسة عشر الأخيرة حيث مات من مات جراء ما يشبه هذه الانفجارات.
الغالبية العظمى في المناطق الريفية ممن يسوقون الحيوانات للرعي في تلك الأماكن، ولم يكن أحدٌ يعلم بأمر وفاتهم في تلك الأثناء. لقد أُضيفت مشكلة الألغام ومخلفات الصدامات والحروب إلى مشكلة حظر التجوال المفروضة منذ العام 2015 حيث يتضمن اتفاق حقوق الإنسان الذي وَقَّعَتْ عليه تركيا بنودًا واضحة لا غموض فيها بهذا الشأن والتي بمقتضاها: تلتزم الأطراف المتنازعة بإزالة مخلفات الحرب أو الصدامات المسلحة التي تركتها. وينص الاتفاق كذلك على المسؤوليات الخاصة بالألغام بشكلٍ لا لبس فيه. نعلم أن تركيا وَقَّعَتْ في عام 2003 على اتفاقية أوتاوا وتعهدت بمقتضاها بإزالة الألغام حتى عام 2014 وأنها ستتخذ كل ما يلزم تجاه ضحايا مخلفات هذه الصدامات، وعلى الرغم من هذا لم تتخذ تركيا أية خطوات جدية باستثناء بعض المحاولات الضعيفة، من أجل إزالة الألغام الموجودة على الحدود مع سوريا.
وبحسب منظمة (الهانديكاب) التي تعنى بشؤون ذوي الاعاقة والتوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحروب، فقد لقي أكثر من (350) شخصاً، أكثر من ثلثهم من الأطفال، مصرعهم جراء استخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً في الحربين الدائرتين في كل من سوريا واليمن خلال 2015 ونهاية 2016. وشكل المدنيون 97% من ضحايا هذه القنابل 36% منهم أطفال وحسب التقرير عدد الضحايا الأكبر كان في سوريا.
ختاماً، لابدّ من التنويه بأنّ الأشخاص ممن يعانون من فقدان أطرافهم أو من أشكالٍ أخرى من الإصابات لهم ميثاق خاص في الأمم المتحدة يتألف من 50 مادة، لكن يبدو بأنّ مناطقنا لم تكن يوماً مشمولة به.
بالنسبة للسوريين لا يزال الحديث مبكراً عن الدخول في دهاليز الاتفاقيات والمواثيق الدولية، فنحن لا زلنا نتنفس الحرب ونعيش تأثير أسلحتها الحيّة التي لازالت مستيقظة. جلّ أمنياتنا الحالية أن تُعقر أرحام هذه الآلات عن ولادة الملايين من الكتل المميتة أو المخلفة للعطب عندها يحق لنا الدخول والتوقيع على الاتفاقيات الخاصة بنزع الألغام وتفكيك القنابل غير المتفجرة. المكان الآن تحكمه الترسانات المتنوعة الجنسيات التي لازالت تحصد وتعطب ملايين الأرواح التي بات مشهد نهايتها بمختلف الطرق يمرق كلسعة نحلة تحقن أجساد العالم.
الهوامش:
1- وفيما يخص مسيرة تركيب الطرف الصناعي عبر التاريخ هناك كتيب أعده الكاتب Douglas C.” McMurtrie” معنون بـ ” Reconstructing the Crippled Soldier” والذي كتبه سنة 1918 وكان متفائلاً بعملية الزرع وعبر عن ذلك بقوله ” لا يوجد المزيد من المقعدين”.
2- تأسست جمعية “خطوات الإرادة” في غازي عينتاب ضمن بنية جمعية إعانة المرضى الدولية، وتعرف الجمعية نفسها بأنها خيرية تسعى للوصول إلى جميع من فقدوا أحد أطرافهم من الشعب السوري لتقدم لهم خدمة تركيب طرف صناعي عالي الجودة ومتابعتهم نفسياً وفيزيائياً حتى عودتهم إلى حياتهم دون أي عوائق.
يتم قبول الطلبات عبر الانترنيت على الرابط التالي.
بواسطة أسامة إسبر | أبريل 16, 2018 | Culture, غير مصنف
حوار مع الفنان التشكيلي والخطاط السوري خالد الساعي
أسامة إسبر: كيف بدأ دخولك إلى عالم الفن وما الذي قادك إلى الحرف الذي قدته إلى اللوحة؟
خالد الساعي: قادني إلى عالم الفن محيطي العائلي وبشكل طوعي، حيث كان الجو الثقافي في العائلة دائم الحوارات والدرس المعرفي بغرض التمتع بالفن وفهمه، كان انجذابي الأول للرسم، وقمت بأعمال بالألوان المائية والفحم، لكن الحرف أغراني لأنه تجريديا أعلى من الصورة وفيه إغراء جمالي غامض وبشكل غير تقليدي صرت أقلد حروف أخي لكن لا أعلم ماهيتها وكنت وقتذاك في الخامسة من العمر، وتعاملي مع الحرف كان كتعاملي مع الصورة والشكل لا المعنى والدلالة، وهذا جعل منظاري للحرف مختلفاً منذ البداية على أنه كائن وأنا من أحاوره وأضفي عليه اقتراحاتي حيث كنت لا أرتضي بالقوالب الجاهزة، بل أحورها وفق ما أراه، في مرحلة ما كنت أمسك الريشة وأرسم الحرف ثم أمسك قصبة الخط وأرسم بها فاختلطت عليَّ الحدود بل انفتحت ما بين فني الرسم والخط ، وذلك قادني مباشرة لأن أرى الحرف في لوحة التشكيل لا في قالبها التقليدي.
أسامة إسبر: الحرف لديك يخرج من البعد الزخرفي التزييني ويتجسد في أفق بصري إبداعي مختلف، ما الذي قادك إلى هذه الرحلة، من الجمالية الزخرفية إلى الجمالية الإيحائية ذات الطبقات المتعددة؟ أعني هنا أن الحرف تم إنقاذه من الجمالية الباردة، ودخل في أفق تأويلي تساؤلي؟
خالد الساعي: وهذا ينطبق على الفنون جميعا، أعني قد يقع الفنان أو الكاتب أو الشاعر إلخ في مطب التزيينية، هي ما بين استعراض القدرات والتقنية، ومابين إيصال الرسالة بأقل وأبسط طريقة. هناك مستوى للشاعرية القصوى كبعض أشعار البحتري هي ذروة في الإبداع الخالص والتي وصلت إلى عمق اللغة والإيقاع، لكن هناك عتبة قد ينحرف بها المبدع إما عن قصد أو أن التيار يجرفه. بالنسبة لي، في مرحلة ما انقدت إلى ذلك ولكن بهدف الإشباع الفني لكني شُفيت لأني صحوت وأدركت أن كثرة الكلام وكثرة العناصر قد تفضي إلى انقلاب القصد إلى ضده، صرت أميل إلى التكثيف الذي يُغني عن حشد العناصر الاستعراضي وذلك التكثيف يأتي على عدة صعد، في التكوين أو اللون أو في غنى سطح اللوحة وكله قيم تُضاف إلى العنصر الأساسي الحرف وتقويه، ربما ولعي بفكر الفنانين التعبيريين الألمان قوّى تلك الفكرة لدي كتجربة سوتين وغيره، وحتى المعاصرون منهم كأنسليم كيفر يتميزون بالحلول القوية التي تميل إلى التخلص من الزوائد وموازنته بتكثيف وإغناء السطح واللون، لكن الحرف يملك فضيلة أخرى وهي تعالقه مع اللغة واستحالة فكاكه عن القرائية والتأويل وبالتالي المهمة ربما تكون أصعب، فينبغي التحايل على بنية الحرف ليتطوع في التشكيل الكلي للوحة، وتحييد اللغة، أو فض التعالق بين الحرف كعنصر جمالي بصري واللغة، هنا أدخل بصلب عملية التحول الإبداعي، وهي تحويل الحرف للغة تعبيرية بصرية منفصلة عن دلالتها الأولى اللغوية لكنها مطواعة للتعبير البصري باللعب على جسد الحرف كراقص أو عنصر حي يعبر عن نفسه بالحركة.
من ناحية خصائص الحرف، هناك خطوط تزيينية بحتة كخط الديواني الجلي وغيره لكن خط الثلث فيه قوة وجزالة جعلتني أميل إليه أكثر، علاوة على قوته التعبيرية والإمكانيات اللامتناهية في توليد أشكال الحروف وتنوعها. في منطقة ما يلتقي العمل الإبداعي مع جوهره ومهمة الفنان إدراك ذلك بلا زيادة ولا نقصان.
أسامة إسبر: كانت الحروفية أو فن الخط مندرجاً في سياق جمالي تقليدي، وها هو الآن في أعمالك، يتبدى في جمالية جديدة، متوحداً مع حداثة اللوحة، ما المؤثرات التي قادتك إلى هذا الاكتشاف؟ خاصة أنك خرجت من لعبة الأصالة والمعاصرة، وثقافة ترسيخ الثابت والتقليدي. هل تعتبر نفسك حروفياً أم فناناً يستخدم الحرف لمآربه الإبداعية؟
خالد الساعي: أصبحت نظريات الحروفية ودوافعها معروفة من الجميع وأيضا مرجعيات من يتعامل معها و ينتج أعمالاً في هذا الحقل وخضعت لتصنيفات على صعيد استلهام الحرف مابين استنهاض القيم التقليدية للحرف ومزجها مع عناصر اللوحة وما بين مزج فلسفة الخط (الخط العربي) والخط بمفهوم الحركة، والتي قد تلتقي مع خطوط آسيا الوسطى، أي تستمد صيغة شكلية ما لكن تجعل إنتاجها مرهوناً بنبض وحالة الفنان لا مع الالتزام بصرامة الشكل وفي الحروفية العربية ذهبت إلى القيمة الكتابية كفعل وحركة تلقائية، أو حركة تحتمل إسقاط الفكر والفلسفة كشاكر حسن لكنني أرجعت الحرف إلى لبنته الأساسية، قيمته الجمالية الأولى وأخضعتها إلى نظام آخر من إنتاج الحرف كما فكك شعر التفعيلة الميزان الأساسي ووحدات الشعر ليعيد صياغة إيقاع آخر من علاقات الكلمات وايقاعها، لكنني أعتمد كثيراً على الحرف كقيمة تعبيرية شكلية، أظنني في مرحلة ما كنت حروفيا وهذا طبيعي، لكنني ومنذ عدة سنوات أقدم لغتي التشكيلية الخاصة التي عمادها الحرف والإشارة، والتي قد تقرأ جمالياً من متلق لايعرف العربية بشكلها الفني الخالص مع فض اشتباكها مع اللغة، وبالتالي الولوج إلى عتبة أخرى. أظنني أقوم بمهمة مزدوجة وهي الرهان على أن الحرف هو عالمي ولغتي وطريقة تعبيري، وهو فضاء رحب لامحدود على صعيد التأويل والإنجاز والاعتماد على الحرف من الناحية التفكيكية وإعادة بنائه وتحويره، والتي ما تزال تغريني لكن وبشكل غريب (وبعيدا عن الشعر) أصبحت أرى ما حولي وكأنه صيغ من أشكال الحروف، أو أنني اعتمد آلية تلقائية لتحويره في ذهني وهذا ما يخلق الالتباس الحميد في الرؤية لدي. التعريف مشكلة أحياناً، كأنك تقولب شيئا ما، في بعض أعمالي الأخيرة تذوب الحروف وتتلخص من هيآتها لصالح المشهد الكلي، فالحروفية صهرها ضوء وفراغ العمل أو تحولت باكتظاظاتها إلى حقول بصرية.
أسامة إسبر: ثمة علاقة حميمة بين النص الأدبي والشكل الفني البصري لديك، فأنت تستخدم القصائد والنصوص الصوفية وتلعب تشكيلياً بحروفها وكلماتها، كما لو أنها ألوان الرسام الممزوجة والجاهزة للاستخدام لتوليد احتمالات عوالم أخرى، ولكن ماذا عن روحها، كيف تتجلى روح النصوص وتحرضك على الكشف الفني؟
خالد الساعي: اللغة تعرف لبوسات مختلفة صوتها مثلاً، حركتها، أو شكلها الذي يجسده الحرف، المعنى روح والشكل جسد، و لكن التناص بينهما يتحقق إن شف الوعاء أو إن فاض المعنى. إن اشتغالي على الشعر لايزال وإن تغيرت المعطيات والصيغ، فالحرف بوابة للمعاني، وهذه البوابة غير محددة الشكل، والمعاني التي كنت أنهل منها الشعر كمورد أساسي للاشتغال أحيانا يغريني جرس اللغة لا المعنى وأحيانا الصور التي تولدها المعاني لكن الشغل الأساس هو على وحي شكل اللغة، أقصد صورة النص البصرية، أخذتني تلك الشعب إلى أبحاث ومسارات مختلفة، فالشعر التقليدي أخذني إلى مناح معينة لكن شعر التصوف أرجعني إلى روحانيات خالصة وراعني تأويل الحرف لدى المتصوفة وشق لي طرقاً أخرى فصارت الفضاءات أرحب وتخلصت اللغة من ثقلها وانعتقت لكنها في الوقت ذاته أخذت حيزا كبيرا من التأويل، والأهم ما يقترحه علي النص، وعملت على شعر المتنبي ودرويش ومحمد صارم فصارت اللوحات سجالا بين المعاني المنشودة وهيئة النص التي حاولت أن تكون صورته البصرية التي يمكن القبض على جوهره و روحه خارج اللغة لا بل بلغة مغايرة ،هذا ما أغراني في البحث عن نصوص وتحديات أخرى كالشعر العالمي الآخر، مثلا عملت على أعلام الشعر الفرنسي كرامبو وأراغون وبودلير والكثير وأخضعت التجربة الناتجة لاختبار، وأخضعتها بأن عرضت اللوحات التي تجاوز عددها الخمسين على فرنسيين من ذواقة الشعر لكن ليست لهم علاقة بالعربية وسألتهم إن رأوا فيها ما يماثلها من الشعر الفرنسي وكانت النتيجة مذهلة بأنه تم تحديد كل شاعر تماما حتى أنه تم الإجماع على قصائد بعينها كالمركب الثمل لرامبو، و أزهار الشر لبودلير، وحتى أنني وجدت الشاعرة الأسبانية خوليا كاستيليو تقف أمام لوحاتي التي استلهمت من شعرها وهي عن الوقت وقالت إنك اخترقْتَ مخيلتي وقبضت على الصور التي كنت أنشد ثم جلست على الأرض أمام اللوحات مندهشة.
في مكان ما عاليا يكون جوهر الأشياء ونحن ننظر من زوايا مختلفة ونلبسها فنا ما أو قراءة ما لكن المبدع قادر على تخطي ذلك، وهو قادر على التنقل بين هيئات المعنى المختلفة ولكنه يراها واحدة، والمتلقي المبدع يمكنه إدراك تلك المقاربات وتحسس الانتقال الجمالي، فكيف نقول موسيقا تصويرية أو صوراً شعرية، أليست تلك دعوة لفتح المستقبلات الحسية والفنون على بعضها البعض؟

أسامة إسبر: أعرف أنك تأثرت بجوك العائلي، العائلة الكريمة التي كانت في الميادين، هي الآن مشردة في أصقاع الأرض، للأسف الشديد. كيف كان جو العائلة من منظور الطفل المتأثر، وكيف هو الآن؟ ما هو التأثير الجديد للعائلة، وخاصة نحن نتحدث هنا عن مآسي الحرب وتأثيراتها على الإنسان السوري؟
خالد الساعي: يمكن أنني عرجت قليلا على الجو العائلي ودوره في تفتح مداركي على الفن باكرا جدا والنقاشات المشتعلة أبدا عن الشعر والرواية والفكر عموما وعن فني الرسم والخط والموسيقى أيضا وذلك أيضا كان له الدور المهم في إطلاق المدركات الحسية والتشويش على بعضها البعض، وكانت العلاقة بين الأخوة متميزة لا تنافس فيها وكان كل فرد له تمايزه الخاص لكن النقد كان أوفر من الإطراء مثلا لم أستطع أن انتزع إعجاب أخوتي الأكبر بأعمالي حتى ما بعد سن ال 26 ، كانت لنا جلسات قراءة و طقوس للشعر واللغة، الآن أنظر الى ذلك بعين الدهشة لما كانت فيه الأجواء العامة من سكينة وهدوء، أقصد لم يكن لحديث السياسة والقومية من موضع، الآن أصبحت الأمور أكثر تعقيدا وتركيبا حيث تشتتنا في أصقاع العالم، ولم تعد تلك الأجواء إلا في ذكرياتنا وحل الواقع القاسي محلها، تبعات الحرب والخسارة والتشرد فرضت نفسها، ذهنيا وعمليا، حتى تجربتي أخذت منحى مختلفاً في العمل الفني كمنظور ورؤية وصيغ فنية مغايرة. لا نريد الاستسلام لأنه لم تعد لنا بيوت بل لم تعد مدينة الميادين أصلا فهي أنقاض فحسب، الوطن لم يعد ينتمي إلى جغرافية ولا حتى كفكرة وإيمان وهذا زعزع تركيباتنا الداخلية.
مؤخرا قال لي أخي الأكبر إنه رجع إلى الخط وربما أجواء استانبول لها إملاءاتها أيضا، أخي الآخر (ذواقة العائلة) وهو أكثر من عانى في هذه الحرب سنوات بلا ماء ولا كهرباء، عاش كإنسان بدائي، الآن بعد أربع سنوات تكلمت معه في منفاه بالشمال قال لي إنه رجع يكتب قصاصات خطية أدعية وأمنيات ويوزعها لبث الأمل في النفوس وقتذاك كنت أنا أكتب على الثلج و أدس القصاصات الحروفية التجريدية في شقوق لحاءات الشجر العملاقة في ضواحي بوسطن.
لعلها الأصالة جاءت من التربية الدقيقة، ومن الهاجس الكبير الذي لازمني منذ الصغر فكنت أقرأ قصص المبدعين وفرادتهم وذلك كان محرضاً كبيراً، فصرت أذهب إلى شاطىء الفرات كثيرا وأتأمل إلى أن تحولت المشاهد حولي إلى أحرف، فصارت حقول القمح الحصيدة كرزم من أحرف الخط السنبلي وهي تتمايل بعناد. صار لدي نوع من توأمة الخط مع الرسم وبحثت في التقاءاتهما التشريحية ووافق كل منهما وربما أعدت للحرف وجوده المادي وأطلقته في الطبيعة.
أسامة إسبر: ما هي المواد التي تستخدمها والتي تساعدك أكثر على التحكم الإبداعي بالحرف؟
خالد الساعي:المواد التي تليق بالحرف هي الحبر والورق وكان اشتغالي الأولي عليهما لكنني رويدا رويدا دخلت قماش الرسم وبقيت أكتب بالقصب عليه لكنني طورت أدواتي كثيرا وخضت تجارب في تحضير الألوان من الطبيعة وفق وصفات متفق عليها تقليدية وتجارب أخرى استخلصتها بنفسي، في ولاية ميشيغان كانت لي تجربة مع السناجب، تجربة شراكة فكانت تأتي حديقة بيتي تأكل الجوز وتترك لي قشرته التي كنت أستخلص منها اللون البني. القماش بحر من التجريب وأيضا الألوان وحواملها من أصماغ لها دور كبير في بحثي لكن بالتجربة والخبرة صرت أرى ما يلائم كل سطح و تقنية لكن التقنية نفسها تقود إلى آفاق قد لا تقع في بال الفنان لذا التجريب والعبث مهمان بنفس المستوى لاجتراح أماكن و ملامح جديدة للتقنية.الأحبار والألوان المائية والإكرليك هم الأكثر استخداما عندي إن كان على الورق أم القماش وحتى في الاعمال الجدارية
أسامة إسبر: قلت مرة إن الفنان يجب أن يمر في مرحلة طويلة من التدريب حتى ينفتح له الخط، وكأنه يُشرق من داخله، هندسة روحانية، وقد يفشل ولا يُوفَّق أحياناً، لعدم جلاء أفق الخط له، وهذا له علاقة بحالة الصفاء الداخلية، كما لو أن رحلتك مع الخط رحلة متصوف، هل يمكن أن تحدثنا عن مرحلة التدريب التي مررت فيها، عن حالات فشل معينة ساعدت على إعادة النظر والنجاح، ثم كيف تحققت لحظة الإشراق في التجلي الحروفي؟
خالد الساعي: الحرف هو شكل وممارسة، هذه الممارسة تتجلى في التمرينات وهذه التمارين بمثابة رياضة روحية، الخط هندسة روحانية، نعم كنت كثيرا ما أفشل في الدخول لحضرة الحرف، وكانت لحظات كبيرة من الإحباط الذي يشرف بي على الشك، وهذه مرحلة معقدة لها علاقة بالشخصية والإيمان والقدرة على الرؤية بمنظار مختلف، وجود المعلم ضروري لالتماس مواضع الخلل لكنه سيضع يده على الخلل التقني ولكن انفتاح أفق الحرف له علاقة بضبط الإيقاع الداخلي وجعله يتساير مع إيقاع الحرف، بهكذا سلوك يمكن كتابة الحرف بعيون مغمضة لأن الإيقاع صار في دم الخطاط، إن لم نشعر بالموسيقى لايمكننا محاكاة الحركات فحسب لأننا سنكون مقلدين. الإيقاع ينبع من الداخل، كما يقال الحرف حافة والحرف حجاب لكنه حجاب لعالم رحب ومهيب، ويجب أن نعبر الحرف لأن أصحاب الحضور يعبرون ولايقفون بالحرف بل يلجون لإيقاعه الداخلي، جوهره. لسنوات كنت أستمتع بالتمرين أكثر من إنجاز العمل لأن متعته دون حسابات بل متعة خالصة، التمرين رياضة روحية، نوع من العلاج والطقس الذي به تزول الشحنات السالبة والغضب تجاه السلام الداخلي.
أسامة إسبر: المتأمل لأعمالك يلاحظ بأن الخط تحرر من سياقه وخلفيته، صار واسع الدلالة، حداثياً وقابلاً للتلقي والتذوق في كل الثقافات، بمعنى أنك تحاوزت المحلية بالخط، هل لأنك حولته من شكل لغوي عادي إلى شكل بصري إيحائي في عالم فني صار فيه إشارة ورمزاً أو دلالة سياقية؟ كيف تصف إضافتك في هذا المجال؟ ما الإضافة التي هي خالد الساعي وليست غيره؟
خالد الساعي: دعمني كثيرا اشتغالي على الأصول واشتغالي الطويل على النص والنص الشعري بشكل أكبر، وبالتالي محاورة المعنى، ولا شك أن هناك عنصرين كان لهما كلمة السر في توجه بحثي تجاه فتح الخط على التعبير أكثر من اعتماده على اللغة القاموسية، أولهما الإمكانية اللانهائية في صيغ وأشكال الحروف وإعادة التركيب والبناء، هذه المطواعية الشكلية هي الركيزة الأهم، والثانية هي الأفق التأويلي للفن والحرف على وجه الخصوص، فالقراءات العرفانية فتحت آفاق واسعة لي كتأويلات النفري وابن عربي وغيرهم لدلالات الحروف، إن كان على صعيد شكل الحرف أو على مستوى التأويل، والأهم إملاءات شكل كل حرف على حدة فحرف الجيم جنة أو جهنم تبعا لشكل ونوع الخط، جيم الديواني الجلي جنة وموسيقى وليونة، جيم الكوفي القيرواني كالغضب والعدوانية، جيم خط الثلث تمثل القوة والجمال معا ولونه أسود أو أحمر. هناك إملاءات لأشكال الحروف التي تراكمت عبر تجارب الفنانين الخطاطين لأكثر من ألف سنة. إذا الحروف هي منظاري لرؤية العالم ووسيلة تعبيري الرحبة والتي ما خذلتني.
المحاورة مع المعاني تتجاوز اللغة، وهذا ما دفعني لإيجاد لغة داخل اللغة، لغة بصرية داخل لغة المعجم، لغة يشتغل فيها الخيال ولا تشغلنا الصورة بل ما وراءها. أظن لم يشتغل حروفي من قبل على هذه المعطيات ولا على صعيد الحرف الذي ينبع من قيمته الجمالية الكلاسيكية لكنه يتجاوزها بتوليد صيغ متجددة.
أسامة إسبر: قالت الباحثة الألمانية كارين أدريان فون روكس في كتابها عنك، والذي يحمل عنوان ”خالد الساعي“، إن الفنان الساعي لا يكتب حروفه وكلماته بخط مستقيم، وهو لا يجمّعها في خط أفقي، كما هو سائد، بل يخطها كما لو أنه في فضاء تخيلي، هذا الفضاء التخيلي، ألا يمكننا اعتباره تجاوزاً للحروفية السائدة، أي أن نقلة نوعية حدثت هنا، وأعتقد أن أهمية كثير من أعمالك تنبع من هذا التحويل للفن الحروفي بأكمله. هل كان هناك نقد لتجربتك في هذا السياق، أعني من أشخاص اعتبروا ما فعلته خروجاً على المقدس الحروفي؟
خالد الساعي: أظنه عتبة أخرى للحروفية، لأن الحروفية لايمكن أن تبقى دون تجديد دماء، تجربتي هي إعطاء دفع وفضاء مغاير لمدرسة الحروفية، قد لا أتفق مع التسمية، وقد تكون مجرد اصطلاح، لكن المهم هو القيام بتجديد المدرسة من الداخل، في مرحلة ما اعتبر السرياليون أن سلفادور دالي لم يعد سرياليا لكنه من ساهم بنقلها لمستوى أعلى، الخروج من عباءة الموضوعات الدينية ساهم في تحرر فن الرسم الأوربي من ذهنية معينة، إنه صيرورة في الزمن، ساهمت بالتحرر من الفكر الذي فرضته الموضوعات لكن الأفق الجديد ساهم بصياغة أسس مختلفة لفن الرسم، وبعد ذلك لم يعد الموضوع يهيمن على طبيعة الرسم وأصبحت مسألة إعادة الموضوعات الدينية تأخذ منحى مختلفاً، لكن الأهم هو حرية الفكر وتطوير نظريات الفن. الخروج يساعد في رؤية الأشياء أفضل أو على الأقل كسر الروتين، والقوالب وإتاحة المجال للنقد والتفكر.
أسامة إسبر: ما علاقة الحروف العربية بالأشياء برأيك؟ هل كونها معبرة عن أشياء، يخرجها حتى في شكلها العادي من تجريديتها ويقودها إلى تجسد بصري، هل تقرأ الأشياء في الحروف، ماضيها، أصلها الغامض، ومن ثم توحِّده مع اكتشاف غموض النفس البشرية؟
خالد الساعي: سؤال يتطلب الكثير للإجابة عنه، في قناعتي إن الحروف هي الكون الموازي أو العالم الموازي لعالمنا، فمقولة ( إن الحروف أمة من الأمم ) ليس بتعبير مجازي بقدر ما هو واقعي، يقول التوحيدي كنا حروفاً عاليات لم تقرأ، يساهم في تكثيف هذه الجدلية وغموضها، أعني أن الكلام أو الحروف هي الأصل وهي المآل، إذ كل شيء سيزول ويبقى الذكر.
اللغة : ألم تكن الهيروغليفية مزيجاً من الصورة والحركة للتعبير، ثم إن نظام الإعجام بالعربية ألم يكن له بعد صوتي زمني يراعي مخارج الأصوات وأماكنها وزمنها، أعني تحويل الصوت والحركة إلى شكل؟ لاشك أن هناك كثيراً من الأشكال والصور تسربت إلى أشكال الحروف هي ليست مقاربة جمالية لكنها حقيقة، فحرف العين وإشكالية انتمائه الشكلي إلى العين البشرية، وحرف السين بتعدد أشكاله وهو مأخوذ من السيف تارة أو من الأسنان تارة إلى آخر صيغه، الناظر إلى تسميات هيآت الحروف وتموضعاتها لن يساوره أي شك بأن الحروف كانت أشكالاً والخطاط الفنان حولها وحورها لتكون برزخا بين التشخيص والتجريد وهذا ما أدعوه بالصورة المضمرة في فن الخط العربي. تحدث أبو عمر الداني في كتابه المحكم عن الحروف، وما حرك أول فضول لدي في الصورة المضمرة هو حديثه عن حرف الألف المدعم بالرسم فقد حدد سبعة أعضاء لهذا الحرف،رأسها، و صدرها وبطنها وخصرها الخ كأنه يصف جسد إنسان بمنظر جانبي، وهذا من وجهة نظر علم الجمال التقليدي يقع بما يسمى بالنسبة الذهبية وهي القيمة المثالية والناظمة لعلم الجمال، فكل الحروف في خطي الثلث والنسخ تقع ضمن تلك الهندسة، لكن هناك سمات كثيرة ينفرد بها الحرف العربي عن باقي الأبجديات، غير أشكاله وأنواعه اللامحدودة، ألا وهو النظام البنائي لتجاورات الحروف والذي هو بنية تشكيلية غاية في الإدهاش فالحرف يتغير حسب ما قبله وما بعده، إضافة لنظام النقط والنبرات وهذا ما يعطي مجالاً للمناورة التشكيلية الكبيرة.
لكل حرف سبعة أبعاد أولها البعد الشكلي ثم التشكيلي ثم الموسيقي ثم العددي ثم الرمزي ثم الدلالي ثم العرفاني أو الصوفي. الوضوح والغموض أجمل تجليات الفن تقع بين نواسيهما، والغموض السحري للحرف العربي يجعله لغة ساحرة تصل إلى الإطراب الجمالي دون اللجوء لتفسيرات، كأن تذوّب العسل في الشراب.
لا توجد نظرية جازمة عن أصل الحروف العربية تماما، لكن تعالقها مع أخواتها ساهم في مقاربتها، هناك من يقول إن الأبجدية العربية لغة سماوية تحكي قصة أبي جاد (آدم) ونظرية أخرى بل أسطورة تقول إن نوح حمل الألواح التي كُتبت بها أبجديات العالم وألقاها في الماء إبان الطوفان ثم عادت كل أمة لتجد حروفها لديها. التوحيدي والنفري ربطا الحروف بحركة الشمس والكواكب ومنازل القمر تلك التي تقارب الحروف الشمسية والقمرية فصارت الحروف شيفرات معبأة بالمعاني، لكن الرومي يقول الحرف وعاء والمعنى ماء وبحر المعاني من عند الله.

أسامة إسبر: ما الذي يجذبك في الخط الثلث والديواني الجلي؟
خالد الساعي: لعله أبسط وأجمل سؤال. الأشكال إما لينة وإما قاسية لكن في الليونة قساوة باطنة وفي القساوة ليونة خفية. الخط الثلث أقوى الخطوط وأكثرها توليداً لأشكال الحروف، والديواني الجلي أكثر الخطوط ليونة وانسيابية. إنهما طرفا النقيض، بل التكامل وأشكال الخطوط الأخرى قد تكون تنويعات لهما. خط الثلث يمثل الرجل والقوة و التحكم، خط الديواني الجلي يمثل المرأة والرقة والموسيقى. إنهما لغة الشدة واللين، الشراسة واللطف، الحب والقوة. الثلث لغة السيافين والفرسان، والديواني لغة الطرب والغنج ، ربما لأن برجي الجوزاء كبرج المتنبي سأبقى حبيسهما.
أسامة إسبر: في الآونة الأخيرة كرّسْتَ وقتاً لا بأس به للعمل على الجداريات الكبيرة، مثل العملين اللذين نفذتهما في مدينة ولفسبرغ الألمانية، إحدى الجداريات مستوحاة من شعر الشنفرى (لامية العرب) واشتغلت على جداريات وأعمال كبيرة عن إيقاف القتل والتشريد وآلام الهجرة واللجوء كان آخرها بألمانيا في متحف الفن ببون.
سافرت إلى أكثر من 16 مدينة ألمانية وعشتَ و فهمت صعوبات اللجوء والاندماج في المجتمعات الجديدة، هل يمكن أن تحدثنا عن عملك على هذه الجداريات، ما الذي يميزها فنياً، وكيف تفاعل الجمهور معها، وكيف استطعت أن تنقل فيها الحروف من بعدها التجريدي المنفصل إلى لغة تعبر عن معاناة حقيقية على أرض الواقع وهي المأساة السورية بكل تفاصيلها؟
خالد الساعي: ذلك العمل الجداري في متحف الفن في نوينهاوس من أكثر أعمالي قوة لكن ارتباطه بوطني وجراحات السوريين والمأساة المستمرة جعله أكثرها تأثيرا. كان الهدف منه إلقاء الضوء على مآسي السوريين في الغربة وتحديات بلدان اللجوء على كل صعيد لكنه ورطني بسفر طويل جلت فيه معظم بلدان اللجوء وخصوصا ألمانيا ووقفت على آلاف القصص المريعة، رافقتها إحباطات وهواجس على المستوى الشخصي أيضا. أردت أن أحول هذه المعاناة إلى عمل صادم جارح، العمل بمثابة توثيق بصري لكل المدن التي طالها التدمير والتهجير وتوثيق لكل المجازر التي ارتُكبت. مفتاحا العمل هم القتل والدم القتل ممثلا بالبرميل المتفجر، والدم ذلك السهم الذي يفر للسماء من وسط اللوحة، العمل فيه تدوين بصري كتابي لكل ما جرى على مر ستة سنوات، وأيضا فيه إشارات سابقة للواقع منها التغيير الديموغرافي فترى الميادين قرب جسر الشغور وهذا ما حصل من أشهر، في العمل إشارة واضحة للأطفال فهم أكثر من دفع من فاتورة الحرب الدموية وأيضا هم رمز للاستمرار والنصر لكن اللوحة أيضا هي ذات صبغة إنسانية أكثر من أي شيء. الألوان المهيمنة هي ألوان ما بعد الدمار الرمادي الثقيل والبني المغبر واختلاطهما. أهم شي في اللوحة هو إعادة صياغة شكل اسم كل مدينة حسب حجم تأثرها فمدينة البيضاء قطعت وأعيد توصيلها بشكل يخالف التشريح المعتاد للكلمة ورافق مع صور من المجازر التي تعرضت لها ومضايا أصبحت نحيلة كشبح حالها كحال أهلها الجوعى. الرمزية كانت طاغية على العمل واستعمال أحرف وكلمات غير عربية إنكليزية في الغالب والمانية ك (من هم المسلمون) و(قوة) و (لماذا) والكثير وأيضا إشارة لأن الغرب ليس بريئاً من استحداث الإرهاب فوضعت مقالة عن الإرهاب الغربي لروجيه غارودي. اللوحة فيها مستويات كثيرة ورسائل مختلفة لكن بالنسبة لي تحقق شيء كبير في تجربتي وهو أن الحرف صعد لمستوى التعبير عن الحدث ونزل إلى أرض الخراب والقتل وصرت ترى الأشلاء مع الحروف كأن الحروف تخلت عن رواسبها وصارت تشاطر الإنسان نصيبها من القتل والتفظيع فصرت ترى ميما دامية برأسين و دالاً مقلوبة وعيناً مدماة ، أوصال البشر والحروف.
ما نفع الفن إن بقي في الصالونات و بقي يعبر عن ترفنا وخيالاتنا؟ رجل يتمسك بقارب على شكل باء، الحرف قد يساهم بالإنقاذ كما أن حرباً قد تقع على حرف، الحرف وسيلة تعبيري ونبضي وأحد أشكال وجودي.
نعم عملت عدداً كبيراً من الجداريات وكانت جداريتيْ مدينة ولفسبرغ من أكثرها طرافة في الموضوع حيث العملان متقابلان في فضاء عام يتيح لآلاف الأشخاص رؤيته يوميا وهو مكان يدعى محطة الفن وهو ضمن محطة القطار الرئيسية، اللوحة الأولى منه من وحي المدينة وهو قصر الذئب وما فيه من تداخل أسطوري عن الذئب لكن القصر في غابة مخيفة لذا عملت اللوحة كمتاهات لونية وتكوينية يتيه فيها الناظر وتعكس الجمال والوحشة والخوف بألوانها الغنية المتداخلة على أن الذئب مصدر الخوف.
في اللوحة الجدارية المقابلة استلهمت فكرة قصيدة الشنفرى لامية العرب مع تضمينات كثيرة من النص والتي تحكي عن قيم الإنسان الحر المتوحد مع الطبيعة والحيوانات وأهمها استئناس الذئب ومصاحبته والنوم مع الوعول الخ، آخر الصور الوصفية المدهشة لمناخات الصحراء، وكانت اللوحة باللونين الأسود والأبيض المغبرين كاستعارة عن الصحراء وأيضا أصبحت اللوحة على النقيض من مقابلتها لكن اللوحتين نُفذتا بخط الثلث الذي أوصل رسالتين عكس بعضيهما.
إن فترة إنجاز الجداريتين كانت غنية بالحوارات العفوية وفهم عقلية الألمان المتحفظة والطموحة فقد جرت لي نقاشات هائلة معهم وكانت تجربة لاتنسى.
*خالد الساعي khaled Alsaai فنان وحروفي سوري مجدد في مجال فن الخط، وهو من مواليد مدينة الميادين السورية، 1970. تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1998 وحصل خلال مسيرته الفنية على عدد من الجوائز العربية والعالمية، أبرزها جائزة البركة الدولية للخطاطين المحترفين في الدورة الأولى لفن الخط العربي من اسطنبول وجائزة الحداثة في الخط في الدورة الثالثة من بينالي الشارقة والجائزة الأولى بالخط التقليدي في مهرجان الخط العالمي الأول بطهران. كما أن أعماله مقتناة من قبل العديد من المتاحف كالمتحف البريطاني ومتحف دنفر في كولورادو بالولايات المتحدة الأميركية ومتحف سان بيدرو بالمكسيك ومتحف الفن الحديث بالمغرب ومتحف الشارقة لفن الخط. شارك الساعي في كثير من المعارض العربية والدولية، وشارك مؤخراً في معرض في ألمانيا عرض فيه جدارياته عن الحرب السورية.
بواسطة Syria in a Week Editors | أبريل 16, 2018 | Media Roundups, Syria in a Week, غير مصنف
ضربة “رقيقة” وانقسام “قاتل”
٩-١٥ نيسان/ابريل
أسبوع جديد اشعل الصراع الدولي في سوريا وتشكيل “حلف ثلاثي” أميركي – بريطاني – فرنسي لـ “معاقبة” دمشق.
منذ ادعاءات الهجوم “الكيماوي” على دوما في الغوطة الشرقية في الأسبوع الماضي، تصاعدت التهديدات الأمريكية بالقيام بضربة عسكرية للنظام “معاقبة له على تجاوز الخطوط الحمر” التي كان رسمها الرئيس باراك أوباما في ٢٠١٢.
وأيدت فرنسا وبريطانيا توجه الرئيس دونالد ترامب وعبرت عن رغبتها بالمساهمة بالعمل العسكري، وبعد جلسة فاشلة لمجلس الأمن يوم الثلاثاء الماضي والتي انتهت بـ “فيتو” روسي ضد مشروع قرار أميركي يقضي بإنشاء آلية تحقيق حول استخدام الأسلحة الكيماوية في سوري، أعلن ترمب عبر حسابه على “تويتر” يوم الأربعاء بأن على روسيا الاستعداد للصواريخ الأميركية التي ستضرب سوريا.
بعدها تراجع عبر تغريدة بأنه لم يحدد الوقت فقد يكون قريب جداً أو لا يكون. وقابل ذلك ردود روسية بما في ذلك الطلب من ترمب توجيه “صواريخه للإرهابيين بدلاً من توجيهها للحكومة السورية.”
وأظهر التوتر حجم الاحتقان في الساحة الدولية ورفع من احتمال انزلاق الأوضاع إلى تدهور كبير بين القوى العظمى، وانعكس ذلك على أسواق العملات والسلع والأسهم العالمي.
في مقابل التصعيد، قبلت دمشق استقبال لجنة تحقيق من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لزيارة موقع الهجوم التي وصلت يوم السبت. (رويترز)
وقبل وصول المفتشين الدوليين الى دوما وعودة البرلمان البريطاني للانعقاد الاثنين (بسبب قلق رئيسة الوزراء تيريزا من عدم الحصول على دعم كما حصل مع سلفها ديفيد كامرون في ٢٠١٣)٬ نفذت الدول الثلاث فجر يوم السبت ١٠٥ ضربات استهدفت مركز البحوث العلمية في برزة مركز البحوث العلمية في حماة ومستودعاً للجيش في حمص.وتناقضت التصريحات حول تحقيق الصواريخ لأهدافها حيث صرحت وزارة الدفاع الروسية أن ٧١ من أصل ١٠٣ صواريخ تم اعتراضها، بينما أشارت وزارة الدفاع الأميركية أنه لم يتم إسقاط أي صاروخ وأنها حققت أهدافها بنجاح. (رويترز)
الضربة لا تستهدف وقف الحرب أو “تغيير النظام”٬ بحسب عدة متحدثين من التحالف الثلاثي، هي لضرب قدرة النظام على استخدام السلاح الكيماوي، وهي ضربة محدودة وقد أدت غرضها. وأيد الضربة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وكندا وإسرائيل وتركيا والسعودية وقطر، واعترضت عليها روسيا والصين وإيران والعراق ولبنان ومصر ما يوضح التناقض الدولي والإقليمي المستمر فيما يتعلق بالقضية السورية.
لكن محدودية الضربة وما يبدو كاستعداد النظام في سوريا لها من خلال إخلاء المواقع المستهدفة وعدم استهداف أي مواقع لحلفاء النظام السوري، أفرغ التهديدات السابقة بضربة قاسية للنظام من محتواها واعتبر بعض المراقبين أن النظام تجاوز الضربة بأقل الخسائر ولن يغير سياسته ووطد الحلف مع روسيا وإيران.
وضمن كل هذه القضايا الشائكة والمتناقضة والتي تدل على أن الضربة خطوة في مسار متدهور للحرب السورية حيث تأجيج العنف مستمر دون إرادة دولية لوقف العنف أو على إيجاد مخرج. أظهرت الضربة مرة جديدة خطورة الحرب على السوريين٬ فالحرب بينهم تتعمق كل يوم والتشظي ظهر بمحتفل بصد العدوان ومحتفل بشن الهجوم، هي إحدى محطات التشظي التي يصعب علاجها.
وكما في الغوطة وعفرين أظهر سوريون تمزقاً قاتلاً يهدد نسيجهم وهويتهم. ويكمن التناقض في أن السوريين عانوا من الدور الأميركي الذي دعم إسرائيل عبر عقود طويلة ودمر العراق من خلال غزوه وتهشيم بنيته، كما أن الكثيرين يرون في ترمب شخصية بعيدة عن مطالب الحرية والعدالة التي تتطلع لها شعوب المنطقة. بالمقابل فالنظام السوري فتح حربه داخلياً منتهكاً كل ما هو محرم دولياً وشعبياً، رافضاً التغيير باستخدام القوة، وأصبح امتهان الحياة صديقاً للسوريين، وكلما تقدم الدعم الخارجي من روسيا وايران للنظام تعنت داخلياً واستباح الناس.
هل الخيار محصور بين الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي؟
دوما في قبضة للنظام
١٤ نيسان/ أبريل
تسارعت خطوات الاتفاق بين “جيش الإسلام” والقوات الروسية بعد الهجوم الكيماوي الذي ترافق مع تصعيد عسكري نهاية الأسبوع الماضي من قبل قوات النظام والقوات الروسية. حيث وافق “جيش الإسلام” على المغادرة إلى ريف حلب وتسليم دوما للشرطة العسكرية الروسية، وقد أعلنت قيادة الجيش السوري السبت استعادة دوما ودخول الشرطة السورية إلى المدينة وبذلك تكون الغوطة الشرقية تحت سيطرة النظام ويكون الجيب الوحيد المتبقي خارج سيطرته في محيط العاصمة هو مخيم اليرموك والحجر الأسود حيث تسيطر على جزء منه “داعش”.
ويتوقع ان تكون المحطة المقبلة في جنوب دمشق ثم ريف حمص٬ على ان يبقـي مستقبل ادلب وريف درعا وشرق الفرات رهن تفاهمات روسيا مع قوى إقليمية ودولية.