بواسطة Wael Sawah | يناير 23, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
اليسار السوري ليس طارئاً تماماً ولكنه مستعار. ولا عيب في الاستعارة في بعض المجالات. الديمقراطية مثلاً مفهوم مستعار وكذلك الصحافة والأحزاب والتكنولوجيا، فلا عيب إذن أن يكون السوريون قد استعاروا مفهوم اليمين واليسار من الغرب الذي أعارنا السيارة والتلفزيون والكمبيوتر والفايسبوك. ثمّة من يستعير ثوبا فيكون كبيرا جدا أو يكون ضيّقا عليه. السوريون (ومعهم المصريون) كيّفوا ما استعاروه على قياسهم، فبدت الأمور عليهم وكأنها أصيلة. ولعلّ نظرة إلى الوراء ترينا كيف أجاد السوريون لعبة الديمقراطية والبرلمان والصحافة والأحزاب، وأيضا اليسار، من دون أن نغرق في نوستالجيا فارغة.
مشكلتان رئيسيتان طرأتا على كلّ ذلك، فغيّرت من وجه اليسار السوري. الأولى كانت حين تنطّح مجموعة من العسكر لقيادة ما يسمّى بحركة التحرر الوطني، التي دمجت ما بين الطبقي-الاجتماعي والوطني-القومي. وهو ما أدى إلى ضياع هوية اليسار واليمين معا. أما المشكلة الثانية فهي الصراع العربي-الإسرائيلي الذي حول القضية برمتها من جهة إلى جهة أخرى.
وإثر هزيمة حزيران 1967، حدث انقلابان كبيران في الحركة السياسية السورية والعربية عموما، انزاح فيهما جزء كبير من التيار القومي العربي نحو الماركسية، وانزاح مقابله جزء من التيار الماركسي نحو الفكر القومي. حركة القوميين العرب بمعظمها تبنت الماركسية، ووُجِدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، ووُلِد حزب العمل الاشتراكي العربي، كذراع سياسي للجبهة الشعبية في لبنان والأردن، وظهرت منظمة العمل الشيوعي في لبنان، التي قادها محسن إبراهيم وفواز طرابلسي، وتحوّل تيار صلاح جديد في سوريا تدريجا إلى الفكر الماركسي-اللينيني تدريجيا، حتى تبناه نهائيا في منتصف السبعينات. جوهر هذا الانزياح كان اكتشاف التيار القومي العربي أن “العدو القومي الرئيس لحركة التحرر العربية يتمثَّل بالإمبريالية العالمية بقيادة أميركا، والتي تستعمل إسرائيل والحركة الصهيونية” كأداة لها وأن كافة الأنظمة العربية، سواء منها الأنظمة “الرجعية” أو الأنظمة “الوطنية التي تحكمها البورجوازية الصغيرة” عاجزة عن مواجهة هذا العدو.
في المنقلب الآخر، كان تيار في الحزب الشيوعي اللبناني بقيادة جورج حاوي وتيار في الحزب الشيوعي السوري بقيادة رياض الترك يتخليان تدريجيا عن “الصَّلف الطبقي” ويريان في المسألة القومية وجاهة لا بدّ من مقاربتها. كان جورج حاوي معجبا بعبد الناصر ولينين، وقد باتت هذه المزاوجة أحد معالم الخلاف في الحزب الشيوعي بين «الأمميين» و«القوميين»، الذي أدّى في نهاية المطاف إلى انتصار «القوميين» وبدء الرحلة الجديدة للحزب الشيوعي من خلال مؤتمره الثالث 1972. أما المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري فانعقد في 1969 وشكّل بداية الخلاف بين أكثرية المكتب السياسي للحزب بقيادة رياض الترك من طرف وقيادة خالد بكداش من طرف آخر. وفي كلا المؤتمرين لعبت القضية الفلسطينية والوحدة العربية دورا بارزا.
هزيمة حزيران وتزاوج التيارين القومي والماركسي، أدى إلى جعل بوصلة اليسار السوري هي القضية الفلسطينية و”الإمبريالية العالمية”، وبات اليساريون السوريون يبنون سياساتهم ليس على واقع سوريا بل على مواقف الإمبريالية الأمريكية، حيث يتجلّى موقفهم ببساطة بمعارضة المواقف الأمريكية واتخذا مواقف معاكسة.
والأسوأ أن ذلك جعل الحدود بين السلطة السورية والمعارضة واهية جدا. والحال أنه منذ وصول البعث إلى السلطة في سوريا، اختفت الحدود الفكرية والسياسية بين الفئتين. فعلى الضد من معظم التجارب الدولية، ينتمي كلا السلطة والمعارضة إلى الجذور الاجتماعية والفكرية ذاتها. وهما، متكاملين، يشكلان جزءا مما يسمى بحركة التحرر الوطني التي ندين لها بالتغيير القسري للمجرى الطبيعي للتاريخ في العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، والتي تقبع الآن، مصادفة، في أسفل السلم الحضاري والاقتصادي العالمي. وتعود السلطة السورية، في جذورها التاريخية على الأقل، إلى البنية الاجتماعية التي نشأت عليها المعارضة. فهي ترجع إلى الفئات الريفية التي تعلمت وهاجرت إلى المدينة، فالتحمت مع مثقفي الطبقة الوسطى المدينية الذين كانوا يبحثون عن حلول اجتماعية لمشاكلهم الروحية؛ ولقد وجدوا تلك الحلول، وهم الذين درسوا في فرنسا ودولا أوروبية أخرى، في النظريات التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك.
***
فاجأت الانتفاضة السورية المعارضة الغافية على حدود فلسطين، ولذلك تجدها فشلت في اللحاق بركب الثورة، وانقسمت بين من زايد عليها ومن بقي في منطقة الحكومة. وقد رأينا الانقسام يحدث في اليسار السوري وفي الحزب الواحد نفسه، فكثير من قواعد الشيوعيين انضمت إلى الانتفاضة بينما كان قادتها يجلسون في مكاتب الجبهة الوطنية التقدمية ويقارعون الاستعمار من هناك. وكذلك انقسم حزب العمل الشيوعي بين تيارين، انتقل أحدهما إلى صفوف الانتفاضة، بينما بقي الآخر في منطقة “الدفاع عن الوطن”.
وكما فاجأتنا الانتفاضة، فاجأنا تحوّلها إلى العنف واستخدام السلاح. ويمكن القول ثقة أن الحكومة تتحمل المسؤولية الكبرى في اللجوء إلى السلاح كحلّ، من خلال القمع الدموي العنيف للمحتجين السلميين، ولكننا لا يمكن أن نغض الطرف عن تدخلات القوى إقليمية التي كان من مصلحتها عطف الثورة باتجاه حرب أهلية.
ويسود اليوم سؤال: أكان الأمر يستحقّ كلّ ذلك؟ في مسرحية “يعيش يعيش” للرحابنة تسأل هيفا (فيروز) السؤال نفسه: “اللي بيندفع حقه ناس هو أغلى من ه الناس؟” والحال أن هذا سؤال وجودي أكثر منه سياسيا. وقد سألت نفسي هذا السؤال منذ إطلاق أول رصاصة. وانقسمت داخليا في الجواب: فالقسم الإنساني كان يؤكد بوضوح على أن لا شيء يستحقّ التضحية بطفل أو صبية أو رجل أو امرأة لهم أسرة وأصدقاء ومحبون. السياسي الذي داخلي كان يقول إن الثورة لو لم تحدث اليوم لحدثت بعد سنوات، ولكان وقعها اشد مرارة. وأعتقد اليوم أن ذلك ما سيحدث بعد سنوات أو عقود.
***
لم تقسم الحرب السورية اليسار السوري فحسب، بل واليسار العربي والعالمي أيضا. وقد رأينا في تونس مؤخرا متظاهرين يساريين يرفعون صور الرئيس السوري بشار الأسد أثناء احتجاجاتهم على حكومتهم. ومعظم اليسار الحاكم في أمريكا اللاتينية وغيرها يؤيد ما يرونه “ممانعة” سورية للإمبريالية العالمية. بالمقابل، ثمّة العديد من اليساريين والمثقفين في العالم والدول العربية الذين يقفون إلى جانب حقّ السوريين في تقرير مصيرهم وفي رفضهم لحكم أو نظام معين.
ووجد قسم آخر من اليسار، الذي يستند إلى البوصلة ذاتها، نفسه في مواقع يتحالف فيها مع تيارات إسلامية متطرفة، منها حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين. ولعلّ مرد ذلك أن هذا القسم لا يزال يهتدي بنجم الشمال الذي هو موقف هذه القوى “المعلن” من القضية الفلسطينية وإسرائيل والإمبريالية.
والآن، هل يمكن الحديث حالياً عن “يسار سوري”؟ لا يمكن للحياة السياسية ولا المجتمعية أن تتقدّم بدون حوار وجدال وصراع بين المحرك إلى الأمام والقوّة التي تريد المحافظة على الواقع. ولئن اتفق على تسمية الفئة الأولى يسارا، فإن هذه القوّة ستظلّ موجودة وستظلّ تلعب دورا في عملية التغيير. غير أن المفاهيم لن تكون ذاتها، واليسار التقليدي (وخاصة اليسار الشيوعي الذي لا يستطيع التمييز بين روسيا بوتين وبين الاتحاد السوفييتي) سيتحوّل إلى معاقل اليمين بدون خجل. أما اليسار المتجدّد الذي يرى في الحركة إلى الأمام قدر السوريين، فسيظلّ موجودا، وسوف يجمّع نفسه قريبا في حركة واضحة المعالم تسير على طريق واضح ومحدّد.
بواسطة سلوى زكزك | يناير 21, 2019 | Cost of War, Reports, غير مصنف
أضواء زينة أعياد الميلاد تملأ فضاء الحي حيث يقع مشفى خاص ذائع الصيت في دمشق، وفي داخله أشجار ميلاد مزينة وعمال يتوافدون لتهنئة إدارة المشفى وتقبّل الهدايا، في أجواء احتفالية لا يعطلها حضور المرضى المتعبين مع أوجاعهم ومرافقيهم.
وقد شهدت المشافي الخاصة زيادة في عدد روادها بعد الحرب، العديد منهم لا يدفعون تكاليفها بنفسهم وإنما يتكلون على مساعدة الجمعيات الأهلية، إذ أصبح الاستطباب على حساب هذه الجمعيات الآن وضعاً طبيعياً ومكرراً، بعد أن كان سابقاً علامة نقص وإشارة لأن متلقي تلك المساعدة فقير وغير قادر على دفع نفقات علاجه بنفسه. وتشمل هذه المساعدات الطبية العلاج والعمليات الجراحية، وقيمة الوصفات الطبية، وخاصة للأدوية اليومية والاعتيادية التي توصف لعلاج أمراض كالقلب والسكري والأمراض العصبية وغيرها.
وأما أسباب تحول المساعدات الطبية المطلوبة من الجمعيات الخيرية أو من لجان الكنائس فأمر طبيعي ومتواتر فهي: بسبب عجز المشافي الحكومية عن تأمين خدمات العلاج للعدد الكبير من المرضى، ولانشغالها بمعالجة جرحى الجيش أو الحوادث الإسعافية الناجمة عن تفاصيل الحرب الدائرة، وثانياً بسبب الارتفاع المضاعف لتعرفة أي إجراء طبي، حتى لوكان يقتصر على شراء حبوب مسكنة لوجع الرأس أو مرهم خاص بترطيب الأنف.
وقد تضاعفت قيمة نفقات العلاج لأكثر من عشرة أضعاف، في ظل حالة فقر شبه عامة وعجز في القدرة الشرائية وفقدان السيولة. يضاف إلى ماسبق ازدياد الحاجة للخدمات الطبية، نظراً لازدياد الأمراض في ظل انعدام أسس الوقاية والحماية، وكثرة التعرض للأسباب الممرضة، ونقص الخدمات، وزيادة الشدات النفسية والخوف والتهجير والوحدة، وانعدام الأمن الشخصي والعام والغذائي والدوائي والوقائي.
ويبدو التعامل سهلاً وسلساً مع الحالات المرسلة أو المتكفلة من قبل الجمعيات، فطلبٌ محددٌ من المريض مؤكد برأي الطبيب المعالج، يليه موافقة، فتمرير للمحاسبة، ثم موعد وتنفيذ للمداخلة الطبية المطلوبة. لكن اللافت في مشهد المشفى هو الانفراط الواضح للعقد الاجتماعي لحالة المرافقة إلى المشافي، وفقاً للتقليد المتعارف عليه والثابت حضوراً وتعاملاً وتكيفاً.
رجلٌ مع زوجته التي قدمت للولادة، زوجة مع زوجها المقيم في جناح كبير للرجال الذين أجروا عمليات جراحية مختلفة، شاب لم يتجاوز الثالثة عشرة يسند جده العاجز عن تحريك ظهره، جارة مع جارتها العجوز المصابة بحالة ارتفاع بالسكر، صديقة مع إحدى الصديقات التي ستخضع لتنظير هضمي.
أما قبل الحرب، فقد كانت حالات الولادة تشهد حضور العائلة الكبيرة مع الأم المستقبلية ماعدا الزوج، أم الولاّدة وأم الزوج والشقيقة وشقيقة الزوج والعمة الأكبر و..، والزوج آخر القادمين كي لا يستمع لأنين زوجته وصراخها، وكي لا يرى تفاصيل الولادة التي تعتبر طقساً نسائياً خالصاً. اليوم شاب ثلاثيني برفقة زوجته الولاّدة، تتأبط ذراعه ويحمل حقيبة الطفل ومتاع زوجته وينتظران قدوم الطبيب الموّلد، يبدو أنهما غريبان عن المكان، أو أنهما من مدينة بعيدة، وربما بقي أهلهما في الريف البعيد، وتشتت أوصال العائلة ليسكن الزوجان هنا معاً بعيدين عن الجميع، بدافع العمل أو الالتحاق بخدمة محددة. فرض هذا الواقع أن يكون الزوج وحده معها، وربما قد قام ببعض التجارب المسبقة لكيفية تغسيل الطفل لوحده، وكيفية العناية به في أيامه الأولى حيث تكون الأم غير قادرة على ذلك، المهم أنهما حالة تخالف كل التقاليد العائلية التي كانت تحصل وقت الولادة.
تقول سيدة لأخرى قدمت مع زوجها “سيعيقك حجابك أثناء إجرائك لتنظير المعدة”، خاصة وأن حجابها مفروش على كامل صدرها ومثبت بدبابيس من الجهتين تشد على ذقنها ورقبتها، تتحفظ وتحافظ على صمتها. لكن الزوج يرد: “لا مشكلة، أصلاً أنا أعرف أن من سيجري التنظير هو طبيب،” ويكمل “أفترض أن خطراّ مسها وأسعفوها حتى دون حجاب، حينها لا ذنب لها، ولا ثمن تسدده جراء وضع إسعافي خاص.” ترتاح قسماتها وباللاشعور تبدأ بإزالة تلك الدبابيس الواخزة والمقيدة.
***
يطلب رجلٌ موجوع المساعدة من موظف في المشفى قائلاً له: “هات يدك أسندني” فمن يقوده هو حفيده البالغ ثلاثة عشر عاما فقط، وهو غير قادر على التحكم بجسد جده الضخم. دونما سؤال يتلو الرجل قصته: “الرجال إما في الجيش أو خارج البلاد” نسمع غصته النافرة من صدره. سيدة متقدمة في العمر تقول: “حسبنا حساب كل شيء في حياتنا إلا رحيل الرجال.”
في المشهد أيضاً شباب “هلاليون”، أي مجموعة إسعاف من طاقم الهلال الأحمر، يحملون النقالة الإسعافية متجهين نحو سيارتهم بعد أن قاموا بنقل سيدة متقدمة في العمر ووحيدة تعاني من ضيق حاد بالتنفس ومن فقدان جزئي للتوازن. تحتفظ العجوز برقم طوارئ الهلال الأحمر على جوالها، كما تمنحه الرقم واحد في ترتيب الأرقام الخاصة المدونة كميزة للاتصال المباشر السريع دون كتابة الأرقام في ذاكرة الهاتف الأرضي. وحيدة هي والإسعاف مشغول وسياراته قليلة العدد، لا تلبي الحاجة المتزايدة والفورية .
تسأل سيدة عن عنوان مخبر التشريح المرضي الذي كتبه الطبيب الجراح على ورقة خاصة، لتأخذ إليه العينة التشريحية لفحصها بعد استئصالها من قدم ابنتها، وتقول: “سأترك ابنتي لوحدها ريثما أذهب إلى المخبر وأعود”. فتتطوع سيدة بنقل العينة إلى المخبر، لكن الأم ترفض و تقول وبرجاء “إذا ممكن أن تبقي قريبة من ابنتي؟” مشيرة بيدها إلى غرفة الابنة، تودع السيدة المتطوعة للمساعدة بعينين دامعتين وترحل شبه راكضة.
كان يوماً عادياً في مشفى خاص، المرض عادي وكذلك الشفاء، والمال اللازم للإنفاق الطبي والجمعيات الخيرية والمدنية والمجتمعية. كل شيء عادي في الحرب، إلا الحرب ذاتها. فهي تقلب الأدوار بجذرية سريعة وقصيرة الأمد، تغيير كبير، لكنه كان يحتاج لزمن أطول في زمن مختلف.
هل نهلل للتغييرات؟ أم نقول إنّ الحرب قد مرت من هنا؟ أم نتلمس التغيير الحقيقي والمنطقي للوظائف الاجتماعية التي يفرضها المجتمع في ظل تغيرات بنيوية لا نملك ردها، المهم هو البناء على ما قد يتكثف ويتركز كتغير حقيقي، قد يقلب الأدوار، ولكنه قد يضعها على المسار الصحيح.
بواسطة Karim Abu Halawa | يناير 18, 2019 | Roundtables, غير مصنف
*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟
يلحظ الباحث المهتم بشؤون وأوضاع التيارات اليسارية مفارقة تستحق التفكير، وهي أنه مقابل الحضور الهام والمتميز لليسار العربي ثقافياً وفكرياً، إلا أنه بقي هامشياً وتابعاً بالمعنى السياسي. فضلاً عن قابليته الكبيرة للانقسام. ومثل غالبية الأحزاب العربية لم تعرف الحياة الحزبية الداخلية لليسار السوري أي مرونة وديمقراطية في الحراك والتمثيل، ولا في الانتخابات الداخلية أو العامة، وهذا تقليد موروث من أدبيات اليسار العالمي عموماً، الذي يمتلك مواقف مسبقة من كل أشكال الدمقرطة بدعوى أنها ليبرالية وغربية وصورية … إلخ.
أما موضوعياً، فإن مستوى تطور البنية الاجتماعية قد غلب عليه طابع العلاقات الزراعية وأنماط الملكية الفردية للحيازات الزراعية إلى جانب ضعف الإنتاج الصناعي وغلبة طابع الخدمات على الإنتاج السوري، ما يعني أن الأنصار العضويين لأفكار وتنظيمات اليسار، وهم العمال، لا يشكلون سوى نسبة قليلة من أفراد المجتمع. مع إن تاريخ الحركات الفلاحية في سورية يبيّن أن الفلاحين في غالبيتهم العظمى ينتسبون إلى الفئات والشرائح الكادحة في المجتمع السوري.
وعلى صعيد السيكولوجيا الجمعية والطابع الغيبي للذهنية السائدة، يمكن فهم دوافع مقاومة الأفكار اليسارية والثورية ذات الطابع التغييري، ذلك أن الذهنية الإيمانية والقدرية تعتبران التفاوت في الغنى والفقر أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعديل، فالدنيا نصيب، ويمكن من خلال التبرعات والصدقات والزكاة التي يقدمها الأغنياء للفقراء أن تقلص الفوارق وتحسن الأوضاع، لكنها بالتأكيد لا تستطيع إلغاء الفوارق الطبقية ولا العوامل الموضوعية لتوزيع الثروة وامتلاك وسائل الإنتاج، باعتبارها هي العوامل المفسّرة لوجود الفقر المدقع والغنى الفاحش في مجتمع واحد.
ومقابل الحضور الهامشي لليسار السوري بالمعنى السياسي، لا بدّ من ملاحظة ألقه وتفوقه فنياً وثقافياً وتميزه فكرياً. وليس أدل على ذلك من مؤلفات وكتابات بو علي ياسين، وياسين الحافظ، وإلياس مرقص، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وممدوح عدوان، ومعها كتابات صادق العظم وطيب تيزيني وياسين الحاج صالح قبل أن يتخذوا مواقف ملتبسة ومن ثم منحازة في فهم وتفسير “الحراك” والأحداث التي جرت في سورية بعد عام 2011. فإنتاج هؤلاء في مجالات الفلسفة والفكر والأدب المسرحي والروائي المتنوع وبسويّة فنية عالية شاهدٌ آخر على الهامشية السياسية لليسار السوري مقابل تفوّقه الإبداعي.
ولعلّ ما يفسر ذلك جزئياً أن معظم المثقفين السوريين من ذوي الميول اليسارية هم في غالبيتهم ممن تركوا الأحزاب الشيوعية واليسارية أو لم ينتسبوا إليها أساساً، لكنهم في توجهاتهم الفكرية والفلسفية ورؤاهم الثقافية أقرب إلى اليسار من خلال استلهامهم لقيم العدالة ومقاومة الظلم ونظرتهم المساندة للتغيير الاجتماعي والسياسي والقيمي. فمواقف اليسار العربي عموماً من التراث مثلاً، مكّنت بعض من أبرز قرّاء التراث من إعادة التفكير فيه، وبناء صورته الفعلية أو المتخيلة استناداً إلى ميل راديكالي تجاوزي مستلهم من بعض اللحظات الإسلامية، ومن ثورة القرامطة والزنج، ومن كتابات المتصوفة كالحلاج وابن الفارض والخيّام والسهروردي وابن عربي، وبعض أفكار المعتزلة وعلماء الكلام، وصولاً لكتابات ابن رشد العقلانية ونقده العميق لأفكار الأشاعرة والتيار النقلي السلفي تاريخياً. مثلما عبّر مفكرو عصر النهضة العربية مثل سلامة موسى وفرح أنطون ومحمد عبده ومن ثمّ طه حسين ونصر حامد أبو زيد والجابري وعبد الإله بلقزيز ومهدي عامل وحسين مروة وجورج طرابيشي وغيرهم، والذين وظفوا وبدرجات متباينة مناهج النقد الحديث لإعادة قراءة التراث العربي من وجهة نظر حداثية. أي أن هذا التباعد عن المواقف الإيديولوجية لأحزاب اليسار العربي تاريخياً وراهناً قد أعطى هؤلاء المفكرين هوامش أوسع للتفكير والتعبير خارج القوالب الإيديولوجية المسبقة، وأعطى لمساهماتهم بعداً تجاوزياً يقع في صميم فلسفة التغيير.
لكن التفاوت في أداء اليسار بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي والثقافي، يحيل على خلل وقصور أبعد من الالتزام الحزبي التنظيمي والتقيد بالمبادئ والشعارات، ليصب في خانة قصور تيارات اليسار عن متابعة التطورات الفلسفية والفكرية التي طرأت على الماركسية، سواء على يدي غرامشي ومدرسة فرانكفورت النقدية، عند كلّ من أدرنو وهابرماس وأريك فروم، أو التجديدات اللاحقة على انهيار المنظومة الاشتراكية والتي تحدثت عما وراء الشيوعية والرأسمالية، وانحازت إلى مقولات الديمقراطية الاجتماعية ودولة الضمان الاجتماعي والرفاه، وصولاً إلى أطروحات الطريق الثالث التي دعت إلى إعادة النظر بأدوار الدولة والمجتمع المدني والأسرة، ونقد البعد الإيديولوجي المسيطر على فهم اليمين واليسار لهذه الأدوار كما تجلّت في كتابات “أنتوني غيدنز” في تنظيره للطريق الثالث والذي يدعو فيه لإعادة تجديد الديمقراطية الاجتماعية بوصفها النموذج الواقعي والممكن لتحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الأعمق.
وليست التحولات التي أصابت الاقتصاد العالمي وانكشاف دعاوى الليبرالية المتوحشة وازدياد الاستقطاب والتفاوت بين الأغنياء والفقراء محلياً وعالمياً سوى ظروف موضوعية يفترض بها أن تجدد دماء الحركات اليسارية عالمياً وتمنح للتيار النقدي اليساري الكثير من الوجاهة والمشروعية في مواجهة أشكال الخلل وتزايد الاستغلال والعبوديات المعاصرة والتي أخذت تلقى العديد من أشكال الاحتجاج والمقاومة في المراكز الغربية نفسها.
هذه العوامل مجتمعة، إضافة إلى التضييق على العمل السياسي وهوامش الحريات المتاحة والقمع والسجن الذي تعرضت له كوادر اليسار في سورية ومصر بشكل خاص، تفسّر ضعف اليسار العربي عموماً والسوري على نحوٍ خاص، وهي إلى جانب الانقسامات الإيديولوجية والتناحر العقائدي وضعف تجديد بنى ومقولات أحزاب اليسار أسهمت في تكريس ضعفه وبقاءه جزراً معزولة في المحيط التقليدي المحافظ عربياً، فضلاً عن تدني قدراته السياسية والتنظيمية في مواجهة مد الإسلام السياسي الذي أعاد إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية المحافظة والتقليدية بصورة كاريكاتورية أشبه ما تكون بما أسماه مهدي عامل بالحداثة الرثة أو ما نسميه بالأدبيات السوسيولوجية المعاصرة بحداثة التخلف ذات الطبيعة السياسية المحافظة والعلاقات الاجتماعية المحدثنة شكلاً والتقليدية مضموناً ووظيفةً وأداء.
لكنّ الدلالة الأكثر سلبية من وجهة نظر التحليل السوسيولوجي برأينا، تكمن في غياب الشباب والمرأة وضعف تواجدهما في ساحات اليسار، مع ملاحظة امتلاك اليسار بمختلف أطيافه لتصورات تنتقد الثقافة الأبوية السائدة وتعلي من مكانة المرأة في المجتمع وتدعو إلى تحررها وتمكينها، أي أن الطاقة المستقبلية الشبابية والبشرية التي تنتسب أو تملك ميولاً يسارية آخذة في النضوب والتلاشي، وهي ظاهرة تستحق التحليل وتستدعي مراجعة تجارب اليسار السوري نقدياً وبصورة شجاعة تكفل التعرف على نقاط الخلل والضعف والاعتراف بأشكال التقصير المتعددة فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، وإلا سيتحول اليسار السوري بمختلف أطيافه وتلاوينه ورموزه إلى مجرد إرث أو ذكرى لا مكان لها في التقاط التغييرات والتحولات المجتمعية ولا في التعبير عنها والنطق باسمها. وهو أمر سوف يفقر الحياة السياسية والثقافية السورية التي تكاد تخسر أحد مكوناتها الذي امتلك في لحظات فاصلة الكثير من الدينامية والحيوية، وما انفك يبشر بغدٍ أفضل.