بواسطة ابراهيم حميدي | ديسمبر 5, 2021 | العربية, غير مصنف
كشفت اجتماعات كبار المبعوثين والخبراء بالملف السوري في بروكسل، قبل يومين، عن وجود فجوة في الأولويات بين واشنطن من جهة، وعواصم أوروبية وبعض الدول العربية من جهة أخرى، وسط دعوة اوروبية لـ«الصبر الاستراتيجي»، الأمر الذي دفع المبعوث الأميركي للملف السوري، إيثان غولدريش، إلى ضبط إيقاع التنسيق بين الحلفاء عبر سلسلة اجتماعات، وتأكيده أن واشنطن «لن ترفع العقوبات عن دمشق»، و«لن تطبع» معها، و«لن ترسل إشارات خاطئة» لها.
– 3 اجتماعات
عقدت ثلاثة اجتماعات في بروكسل يومي الأول والثاني من ديسمبر (كانون الأول) الحالي: الأول، اجتماع للمبعوثين والخبراء الأجانب في مركز أبحاث أوروبي؛ والثاني، اجتماع المبعوثين العرب والغربيين وتركيا للملف السوري بدعوة أميركية، في ظل غياب الإمارات؛ والثالث، اجتماع كبار الموظفين على هامش مؤتمر التحالف الدولي ضد «داعش».
وسبق أن عقد اجتماع وزاري بشأن سوريا على هامش مؤتمر التحالف ضد «داعش» في روما، في 28 يونيو (حزيران) الماضي. ووقتذاك، ركز وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن على 3 أولويات لأميركا في سوريا، هي: منع عودة «داعش»، ودعم المساعدات الإنسانية، وتثبيت وقف النار. ولم توافق أميركا -وقتذاك- على اقتراحات تضمين البيان الختامي موقفاً واضحاً ضد «التطبيع»، أو ضد الانتخابات الرئاسية في سوريا، لأنها كانت تراهن على الحوار السري مع روسيا للاتفاق حول تمديد قرار المساعدات الإنسانية.
منذ ذلك الوقت، حصلت تغييرات في واشنطن، بينها انتهاء المؤسسات الأميركية من مراجعة سياساتها بشأن سوريا، والوصول إلى 5 أهداف، هي: منع عودة «داعش»، ودعم المساعدات الإنسانية، ووقف النار الشامل، والمساءلة والمحاسبة في سوريا، ودعم العملية السياسية بموجب القرار (2254). يضاف إلى ذلك أهداف ملحقة: الأول، دعم الحوار بين الأكراد أنفسهم، وبين الأكراد ودمشق برعاية روسية – أميركية؛ وتقديم الدعم اللوجيستي للغارات الإسرائيلية ضد «مواقع إيران» في سوريا؛ والإغارة على قياديين في «القاعدة».
أيضاً، بين الاجتماع الوزاري في روما ولقاء المبعوثين في بروكسل، عقدت 3 جلسات غير معلنة بين مبعوثي الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن في جنيف، أسفرت عن الاتفاق على تمديد قرار المساعدات «عبر الحدود» و«عبر الخطوط»، مقابل موافقة واشنطن على تمويل «التعافي المبكر» للأمور الإنسانية.
وبدأت دول عربية خطوات انفتاح نحو دمشق، وعقدت لقاءات سياسية رفيعة، فيما عادت واشنطن إلى لعب دور قيادي في ملف المساءلة في مجلس الأمن، ودعم دول أوروبية محاكم وطنية لملاحقة متهمين بـ«جرائم ضد الإنسانية».
– ماذا قال المشاركون؟
في اجتماع المبعوثين والخبراء، جرى تقديم قراءة للوضع الميداني في سوريا، ثم قدم كل مبعوث موقف بلاده. وحسب المعلومات، فإن الفجوة كانت واضحة بين موقف غولدريش ونظرائه الأوروبيين والعرب. بداية، انتقد مبعوثون أوروبيون فرض أميركا على دولهم أولويات تمويل المساعدات، خصوصاً في ظل «غياب الدور القيادي الأميركي»، إضافة إلى عقد أميركا اتفاقات مع روسيا من «وراء ظهرهم»، خصوصاً قرار تمديد المساعدات الإنسانية.
وقال مبعوثون أوروبيون إن دولهم هي «المجاورة لسوريا»، وستضع أولوياتها، بحيث إنها لن ترفع العقوبات عن دمشق، ولن تغير موقفها. وقال أحدهم: «لن نصرف أموالاً على النظام»، رداً على اقتراح أحد المشاركين «التطبيع مع الواقع» و«قبول أن النظام باقٍ».
وكان الرد من المعسكر الأوروبي تجديد الدعوات إلى «الصبر الاستراتيجي» في التعاطي مع الملف السوري، الأمر الذي لم يعد موجوداً لدى دول عربية مجاورة. كما استند ممثلا ألمانيا وفرنسا إلى تجربة بلادهما للحوار مع روسيا، للقول بضرورة «تحرك روسيا أولاً». كما ظهرت دعوات للتمسك بأدوات الضغط الثلاث على دمشق – موسكو: العقوبات، والعزلة، والإعمار.
– ما هي المطالب من دمشق؟
بعد الاتصالات الثنائية التي أجراها المبعوث الأميركي مع نظرائه، وبعدما سمع في اجتماع مركز الأبحاث، وأمام تشدد الموقف الأوروبي، قال غولدريش إن رفع العقوبات عن دمشق ليس على طاولة الحوار مع روسيا، وإن بلاده ضد التطبيع مع دمشق، وإن ما تفعله هو تقديم إعفاءات من نظام العقوبات الأميركي لأغراض إنسانية، بل إنه ذهب في بعض الأحيان إلى تقييد الاستثناءات إلى الحد الأدنى. ونقل عنه القول إن واشنطن «لن تقدم أي تنازلات للروس»، و«يجب ألا يعطي الحلفاء أي إشارات خاطئة».
وفي النقاشات، كان ممثل العراق الأكثر حماساً لرفع العقوبات عن دمشق، وعودتها إلى الجامعة العربية، فيما بدا ممثل الأردن الأكثر قناعة بمقاربة «خطوة مقابل خطوة» بين عمان ودمشق. وعندما حاول الإشارة إلى أن هذا يشمل عودة دمشق إلى الجامعة العربية، قوبل ذلك بتشدد من بعض الدول العربية التي جدد ممثلوها القول إن الظروف لم تنضج بعد، مع أن الجزائر تواصل سعيها لدعوة دمشق إلى المؤتمر في مارس (آذار) المقبل.
القرار النهائي لذلك في أيدي الدول العربية الكبرى. وبالنسبة لبعض المشاركين، قامت دول عربية بخطوات أولى، ويجب أن تقوم دمشق بخطوات من جهتها، تشمل أموراً داخلية، مثل تسهيل عبور المساعدات الإنسانية، وإطلاق سجناء، وعودة اللاجئين، ودفع عمل اللجنة الدستورية والعملية السياسية، وتثبيت وقف النار. وقيل إن هناك حرصاً على «عودة سوريا إلى الحضن العربي»، لكن هناك أيضاً توقعات بأن تقوم دمشق بخطوات معينة، بينها «ألا تكون جزءاً من الأجندة الإيرانية الإقليمية». وفهم مشاركون أن هناك احتمالاً لتعاون مع دمشق في ملفي تفكيك شبكات المخدرات ومحاربة الإرهاب و«طي موضوع إدلب»، لكن أحد المنظمين اقترح أن تتم مناقشة هذا في المؤتمر الخاص بالتحالف ضد «داعش» الذي عقد بالتوازي مع الاجتماع السوري، حيث جدد المبعوث الأميركي إلى التحالف جون كودفري الالتزام بـ«حملة هزيمة (داعش)، إلى جانب (قوات سوريا الديمقراطية)، والقوى الشريكة الأخرى التي تواصل التصدي للتهديد الذي يشكله التنظيم». وفي هذه المنصة، جرى بحث معتقلي «داعش»، وخطط توفير الاستقرار والتنمية الاقتصادية في المناطق المحررة من «داعش».
– قنبلة «التعافي المبكر»
لم يتضمن البيان الختامي للمبعوثين موقفاً توافقياً من التطبيع مع دمشق أو العقوبات، لكن الجديد هو الجدل حول «التعافي المبكر» الذي أضيف إلى القرار الدولي الخاص بالمساعدات في يوليو (تموز) الماضي، حيث بدا واضحاً أنه ليس هناك «تعريف موحد» لـ«التعافي المبكر»، وتأرجحه بين دعم مشاريع بنية تحتية واقتصاره على أمور إنسانية.
وكانت المفاجأة حصول جدل كبير بين ممثل الأردن ونظيرته الفرنسية، ذلك أن الأخيرة تشددت بضرورة القول صراحة إن تمويل مشاريع «التعافي المبكر» يجب أن تشمل فقط الأمور الإنسانية، وأن تبتعد تماماً عن البنية التحتية، علماً يأن هناك قراراً من المجلس الأوروبي يرفض «تمويل مشاريع البنية التحتية قبل حصول تقدم جوهري في العملية السياسية». ولم يكن هذا الموقف الواضح الوحيد للمبعوثة الفرنسية، بل شمل أموراً أخرى. وكان لافتاً تزامن ذلك مع قرار الخارجية الفرنسية تعيين السفيرة بريجيت كورمي سفيرة جديدة غير مقيمة للملف السوري.
وأمام الانقسام الفرنسي – الأردني، تدخل غولدريش واقترح عبارة وسطية في البيان الختامي تقول: «شددنا على ضرورة تقديم المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة بالسبل كافة، بما في ذلك مشاريع الإنعاش عبر الحدود وعبر الخطوط، وكذلك مشاريع الإنعاش المبكرة المتوافقة مع قرار مجلس الأمن رقم (2585) في مختلف أنحاء سوريا».
– ماذا بعد؟
على الرغم من الجدل والتوتر الدبلوماسي الذي شهده اجتماع بروكسل، فإنه ساد اعتقاد بين المشاركين بأن اللقاء أظهر بدء الفريق الأميركي في بلورة أفكاره في الملف السوري، وأطلق عملية سياسية بين الدول المعنية بالملف بقيادة أميركية، الأمر الذي كان غائباً منذ أكثر من سنة، ما ذكر بعضهم بالمسار التنسيقي بين واشنطن وحلفائها الذي كان موجوداً قبل سنوات.
وهناك توقعات بأن يعقد اجتماع آخر في واشنطن بداية العام المقبل، بهدف ضبط إيقاع المواقف للدول المعنية تحت مظلة أميركية، إضافة إلى استمرار الحوار الروسي – الأميركي الذي تعززه موسكو بتنسيقها مع شركائها في مسار آستانة في مؤتمر وزاري في الـ21 من الشهر الحالي، مع حديث عن قمة بين الرئيسين بوتين وبايدن الأسبوع المقبل.
نقلا عن “الشرق الأوسط”
بواسطة مروى ملحم | ديسمبر 3, 2021 | العربية, غير مصنف
تأثير سنوات الحرب الطويلة طال أدق تفاصيل الحياة اليومية والمظاهر الاجتماعية والإنسانية. كانت السنوات العشر كفيلة بقلب كل المعايير والموازين داخل المجتمع السوري وخارجه. أصلاً لم يعد معروفاً ما هو المجتمع السوري وما هو داخله وما هو خارجه. مجتمعات بأكملها انزاحت جغرافياً في حين تشكّلت مجتمعات جديدة في أماكن مختلفة بينما تحلّلت مجتمعات أخرى بالكامل أو تشكّلت من جديد بعيداً في الشتات.
أفكر كثيراً بتاء التأنيث في (سوريا) أو (سورية). التاء التي وإن بدت بديهية وغير ملحوظة من فرط تكرارها في العبارات المعلوكة مثل (عاشت سوريا) و(ماتت سورية) و(دخلت سوريا عامها التاسع من أعوام الحرب)، لكنها ما تزال تحمل بعض الكبرياء والغرور وإن كان يعلو حوافه بعض الصدأ. كبرياء استمدّ من التاريخ السوري الذي تباهى بملكاته وسرد مراراً وتكراراً مناقبهن وحكاياتهن وسير السطوة التي حكمن بها أجزاء واسعة من العالم. لكن لمن كانت تحكى الحكاية؟ هل كانت التركة الأنثوية كافية لتتقاسمها السوريات فيعبرن بها حرباً أو أكثر؟ هل كان لدى هؤلاء النسوة كما يظهر في أغلب المسلسلات علبة خشبية يخبّئن فيها قطعة ثمينة من الذهب تخرج للضوء عند اشتداد الأزمات؟
ربما نعم، الأمر ليس سراً ولا علبة مخبأة في صندوق العرس، وليس استعارة أدبية درامية تحاول توصيف الحالة النسوية السورية على أنها جبروت جاء من العدم. هناك تحوّل حصل على مراحل في البيئة الاجتماعية السورية، لكن المراحل لم تكن بطيئة، كانت انكسارات دراماتيكية ضخمة، شروخ على امتداد المحددات الأفقية للمجتمع، ولا يمكن الجزم إن كانت طبيعة المرأة بشكل عام أو العوامل الأخرى المحيطة بها هي ما جعلها أكثر مرونة في التجاوب مع التغيرات المتسارعة. فخلال أشهر قليلة فقط تقدمت المرأة إلى الصفوف الامامية فيما يتعلق بإدارة المتطلبات الحياتية الأساسية، لأن عدداً كبيراً من الرجال تغيب عن الساحة، وهذا العدد استمر في الازدياد وبالتالي تزايد عدد النساء اللواتي بدأن يتولين مهمات جديدة.
لم نسمع أحاديث كثيرة حول هذا الأمر. لم تحدث جلبة حول وقوف النساء الطويل في طوابير الخبز وكيف يجدن طريقهن إلى مراكز دفع الفواتير ويقمن بتركيب جرات الغاز. كان انتقالاً سلساً وصامتاً في البداية، لكن كثيرات من بينهن فقدن أزواجهن وإخوتهن وآبائهن وأدركن أن هذا الحال ليس مؤقتاً. ثم دون كثير من التفكير ودون وضع تسمية خاصة بكل مرحلة، انتقلن إلى طوابير البحث عن العمل، وتفكيك حيثيات معيشية مثل العيش وحيدات مع أبنائهن أو العودة إلى جناح الأسرة الأكبر، وهذا ما كان ليكون مفروضاً ومسلّماً به لولا أن مخيم العائلة أيضاً كان يعاني من تشققات خطيرة ومخيفة في سقوفه، فترك في أحيان كثيرة للنساء أن يتدبرن أمرهن، على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”.
هناك قصص كثيرة يمكن للمرء أن يرويها في هذا الصدد. قصص نساء عشن في قرى بعيدة كل البعد عن مراكز المدن وعن صخب الحياة فيها. منهن من توقّفت في تعليمها عند المرحلة الابتدائية، وبعد وفاة زوحها، حصلت على وظيفة لم يكن يخطر لها الخوض فيها لولا هذه الظروف.
سمعت عن سيدة في حمص لا تملك سوى شهادة الصف السادس (هذا إن صحت تسميتها شهادة)، توفي زوجها وحصلت على وظيفة في مركز المدينة. انتقلت واستأجرت منزلاً وسجّلت ولديها في مدرسة جديدة، ثم تدرجت في السلم الوظيفي صعوداً ووصلت إلى مناصب ذات تأثير مباشر على قيادات سياسية وعسكرية! دخلت الشأن العام من أوسع أبوابه وجعلته بابها الخاص، وصار يطرق هذا الباب مسؤولون ورجال أعمال وقادة مجموعات وغيرهم، طلباً للـ”خدمات” التي يمكن لها تأمينها من خلال “المنصب”.
في مناطق أخرى، كان التغيير الديموغرافي وموجات النزوح الداخلي هو الأثر الأكبر على النساء، الوافدون مثلاً من ريف حلب وإدلب إلى سواحل طرطوس واللاذقية، الوافدون من ريف دمشق إلى قلب العاصمة، حيث تلكأ كل مجتمع في حمل أدبياته إلى بيئته الجديدة، ومنهم من تخفف منها كلياً. انفتحت عيون نساء كثيرات على عوالم جديدة تنقلن فيها بين مراكز الإيواء وبين البيوت المستأجرة بمبالغ كبيرة وبين صالونات التدريب على المهن اليدوية وحياكة الصوف والكروشيه التي انتشرت مثل الوباء عند بداية ظهور المنظمات الدولية في سوريا. انخرطت النساء في مشاغل الحياة التي انقلبت رأساً على عقب وعملن بسرعة على الإحاطة بالواقع الجديد بما أمكن من أسيجة الأمان، وعلى تخفيف وطأة الانتقال. الرجال هم أكثر من عانى من تلك الوطأة ومن أحداث كانت لتحتاج سنيناً وسنين كي تجري لولا تكات ساعة الحرب المتسارعة. بل بالعكس، عانى الرجال من بطء في الحركة على الصعيد الشخصي أمام التضييقات الكثيرة والعوائق التي وضعت أمامهم، منها الخدمة العسكرية ومنها أعباء المواقف السياسية ولقمة العيش وغيرها.
تروي سيدات وافدات من ريف حلب ويعشن حالياً في طرطوس، كيف أنهن لم يحلمن ولا مرة بأن يأتي اليوم الذي تتمكّن فيه من الحديث إلى الرجال بشكل مباشر. وأنهن الآن قادرات على القيام بما كان يبدو مستحيلاً في زمن يبدو غابراً، كالأكل في الشارع مثلاً! وليس من تحت النقاب! كالركوب في الحافلات إلى جانب الرجال! المصافحة باليد! هذه التفاصيل التي ما هي إلا انعكاسات لتغيرات أكبر فرضت واقعاً جديداً مكّن البنات من دخول المدارس وأخّر سن الزواج وقلّل من عدد الزوجات للرجل الواحد. ولحقت بذلك أيضاً تغيرات في شكل اللباس والحركة وأدخلت مفردات جديدة إلى القواميس النسائية كما وضعت في أيديهن أدوات جديدة وامتلكن صوتاً أعلى من الماضي.
يبدو هذا جيداً من بعض النواحي، وأشبه بدفعة إلى الأمام حصلت عليها المراة السورية دون أن تخرج في اعتصامات وتشكل تنظيمات نسوية ومكاتب تنسيق. لكن في العمق، هل حقاً حصلت نهضة في واقع المرأة؟ هل حقاً يمكن تسمية ما تعيشه الآن بمكتسبات الحرب؟ برغم ما يبدو براقاً امام الناشطات النسويات وما يبدو أنها خطوات واسعة على طريق تحرر المرأة فإن الواقع أكثر ظلاماً. إذ لم تنتقل كل الشرائح المجتمعية بذات السرعة وذات الانسيابية، بل شهدت بعض المجتمعات مزيداً من التصلّب كردة فعل على ما تحاول الحرب إجبارهم عليه. بالنسبة للبعض ما يزال خروج الزوجة أو الإبنة إلى العمل هو أصعب ما يمكن تخيّله. ولمواجهة هذا الاحتمال ضاعف البعض عنفه على النساء، وفي حالات الفقر الشديد كان تزويج الفتيات هو الملجأ للتخفف من أعباء الحياة. هناك شريحة واسعة اليوم من زوجات – أو أرامل – الشباب المقاتلين في الجيوش المتعددة. هناك أيضاً شريحة الزوجات المنتظرات لمّ الشمل، وشريحة المتزوجات عبر الحدود. فلا يمكن للمسافر من سورية إلى لبنان مثلاً إلا أن يلاحظ عدد النساء برفقة أطفالهن –غالباً طفلين وأكثر- والواضح أنهن من طبقة فقيرة يحاولن العبور إلى أزواجهن، وغالباً أيضاً ما يتم إرجاعهن خائبات من المعبر الحدودي لنقص في الأوراق أو لعدم اقتناع الضابط المناوب بمنطقية الحجز الفندقي المؤمن على عجل من السماسرة، وبالتالي يلجأن إلى طرق أخرى يهربن عبرها إلى حيث يعمل رجالهن أعمالاً شاقة أصعبها حمل صفة (اللاجئ) التي تزن آلاف الأطنان.
من هنا أعود إلى السؤال الأساسي الذي بنيت عليه فكرة هذا المقال: كيف تبدّلت الهوية النسوية السورية خلال الحرب؟ في الواقع، الإجابة عنه قد تحتاج إلى صفحات وكتب. وكان علينا طرحه قبل وقت طويل. السؤال الأصعب في الأساس هوعن الهوية السورية عموماً ونحن اليوم في سعي حثيث للتنظير لهوية واحدة يمكننا تبنّيها بعد انتهاء الحرب. فهل كان للسوريين عموماً هوية واحدة؟ ولو وجدت، هل تبدّلت ضمن مسار واحد وباطراد زمني معيّن؟ ربما لا. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة السورية إذ هل يصحّ القياس عندما يكون المقياس مشوّهاً؟ وهل تستوي معايرة المجتمع السوري اليوم بمنظار واحد؟ التقيت بنساء في قلب دمشق يتذمرن مما آل إليه الحال، ولا يجدن في انخراط المرأة في التعليم أو العمل حالة إيجابية. قد لا يمرّ أسبوع دون أن تجلس بجانبي في الباص امرأة خمسينية أو أكبر، تحدثني عن معاناتها هي التي لم تعتد يوماً على ركوب وسائل النقل العامة، ولم تعتد على حمل أكياس الخضار. تحكي كيف عاشت حياتها “معززة مكرمة” و”كل شي بيوصل لعندها”، ولم تتخيل أن يأتي اليوم الذي يتوزع فيه أبناؤها في شتات الأرض، لتبقى وحيدة مع زوج كهل ومحبط يترك لها أن تتحمّل مسؤوليات كثيرة. يكاد لا يمر يوم دون أن تشتكي لي زميلتي في العمل، المسؤولة عن تنظيف المكتب وإعداد القهوة والشاي من تدهور حياتها والكوارث التي انهالت عليها منذ اعتقال زوجها واختفائه، بدءاً من هرعها بين سجن وآخر بحثاً عنه، وصولاً إلى يأسها وانشغالها بتربية الأطفال الأربعة ثم البحث عن عمل واضطرارها لإخفاء طبيعة العمل عن أهلها وأهل زوجها كي لا “تنكسر عينها أمامهم”.
تتشكل الهوية بناء على المساحة التي يتحرك ضمنها الفرد. تتسع أو تضيق، تتسطح أو تتعمق، وقد لا يتطلب تشكل الهوية وعياً بذاته، لكن تبدّلها أو تسيير هذا التبدل باتجاه معين يتطلب وعياً كبيراً وإدراكاً. هذا ما يبدو أن المنظمات والجمعيات النسوية والناشطات والباحثات وكل المهتمين بشؤون المرأة في سوريا يسعون لتحقيقه. تثبيت المكتسبات التي حصلت عليها النساء وتوعيتهن بالجانب المشرق لها، تدريبهن على تقبل الواقع الجديد وإدارته لصالحهن. صار مقبولاً في سوريا اليوم أن تقول: “بفضل الحرب حصل كذا وكذا…”، نعم بفضل الحرب صارت النساء تعمل وتتعلم وتتكلم وتسكن وحدها غير تابعة لأي سلطة ذكورية. لم يعد ممكناً الرجوع إلى الوراء، لكن بالإمكان السير إلى الأمام.
في منطقة الدويلعة صادفت شابة تعمل في محل خردوات، قالت إنها مشغوفة بعملها وسعيدة به، وإن أحداً لا يستنكر مهنتها الغريبة عادة عن النساء. الجميع يدرك أن المهم في الأمر هو العمل وتأمين لقمة العيش فقط. إحدى السيدات اللواتي نزحن من إدلب وقابلتها في جلسة حوارية أقامتها إحدى الجمعيات قالت لي: “والله عايشة حياة ما كنت أحلم فيها، إذا بيفكر زوجي يرجعني متل ما كنت قسماً بالله إلا أبلغ عليه!”، لا أعرف إن كانت تمزح أو تتكلم بجدية ولا أعرف ما إذا كانت ستبلّغ عنه بالفعل أو لمن ستشتكيه؟ ولم أسألها. اكتفيت بالإصغاء إلى ضحكات النساء حولها يوافقنها بشدّة.
بين هذه السيدة وسيدة أخرى صادفتها تصرخ في وجه الرجال أمام السرفيس لأنهم يسابقون النساء إلى المقاعد وتتحسر على أيام زمان حين كان يقال “السيدات أولاً”، يبدو أن هناك مدى واسع جداً واختلافا بنيويا عميقا، لكن الحقيقة أن السيّدتين تنتميان إلى البيئة ذاتها وتمتلكان نفس المقومات، إلا أن كلاً منهما هضمت التغيير بطريقتها وعبّرت عنه بمفرداتها. تعاطفت مع السيدة الأولى بينما نظرت بشفقة إلى رجل تنازل أمام صراخ السيدة الثانية وابتعد قائلاً: “شو عم تحكي هي؟ هلأ بقي مرا ورجال؟ المهم نركب مو شايفة كيف الدنيا تغيرت؟”.
بالفعل لقد تغيرت الدنيا.
*اللوحة: جورج مكتبي georgemaktabi@
بواسطة الحسناء عدرا | نوفمبر 29, 2021 | العربية
فنجان مقلوب رأساً على عقب، متكىء على صحن دائري صغير بانتظار أن يجف، في جوفه رسومات وأشكال مبهمة، وأخرى مكونة من رموز وحيوانات جميعها قد تشكلت من بقايا البن المحمص، لكن لا يمكن أبداً الاستهانة بآثار البن المترسبة في قاع الفنجان لأنها قد تكشف عن خبايا المستقبل، ودليل مرشد في خطوات الكثير من المهوسين بقراءة الفنجان وفتح الطالع والحظوظ ومعرفة النصيب.
تمتهن “لودي” (اسم مستعار) قراءة الفنجان منذ حوالي ثلاث سنوات، ذلك بفضل موهبتها التي اكتشفتها مبكراً، حين كانت طفلة صغيرة تلهو في الشارع مع أبناء الحي. تقول لـ “صالون سوريا”: “لكل منا موهبته الخاصة خصصها له الله. هناك من يمنحهم الصوت الجميل أو الرسم، أما أنا فأعطاني القدرة على قراءة أفكار الآخرين، وخصني بحدس قوي بما يشبه الرؤية وذلك كله بإذنه ومشيئته”.
بدأت ملامح موهبة “لودي” تتجلى حين كانت ترى أحداثاً معينة في منامها لتفاجأ أنها تتحقق بعد أيام معدودة، إلى أن بدأت بمراقبة الأحداث من حولها واكتشاف قدرتها على تفسير الرسومات التي تظهر على جدار الفنجان المقلوب على هيئة طائر أو أفعى، توضح: “كنت أمعن النظر جيداً في قعر الفنجان وأركز فيه بقوة لأفسر الأشكال التي كنت أراها، فرؤية الأفعى تدل على امرأة خبيثة تحوم حول الشخص ومقربة منه، بينما رأس الطائر فيدل على وجود رزق ومال سيحصل عليه صاحب الفنجان، كما استعنت بكتب تعليم قراءة الفنجان والتنجيم لتنمية قدراتي وأدواتي”.
بعد ذلك قررت “لودي” (40 عاماً) تطويع ملكتها في تأمين لقمة العيش، لاسيما بعد أن أقفلت أبواب العمل في وجهها. وبالرغم من شهادتها الدراسية في النقد، لكنها لم تجد لغاية الآن فرصة عمل، لتتخذ من قراءة الفنجان مصدر دخل لها، تعقب “اضطررت لاستثمار موهبتي مالياً، لقد تعرضت لضائقة مالية، لا أطلب من الزبائن مبلغ معين، أتركهم لسماحة أنفسهم، ولا مشكلة لدي إذا لم يدفع الزبون، فهناك الكثير يرغبون بمعرفة حظهم لكنهم غير ميسوري الحال كطالبات الجامعة التي تكفيهم مصاريفهم الجامعية”.
ممثلون وأطباء
تتنوع شريحة الزبائن التي تقصد “لودي” بدءاً من أقلهم مالاً وصولاً إلى أكثرهم نفوذاً وسلطة، تقول لـ “صالون سوريا”: ” يأتوني أشكال وألوان، كالموظفين والأطباء والصيادلة والمهندسين والممثلين”. تشير السيدة إلى أن رجال السلطة ممن يتبوأون مناصب حساسة في الدولة هم الأكثر تعطشاً لمعرفة خفايا مستقبلهم والاطلاع على الأحداث القادمة خوفاً من خسارتهم الكرسي وخشية من وقوع وشايات غير محسوبة، إذ يطلبون مني الأسماء ومواصفات الأشخاص بدقة متناهية ويحفظونها عن ظهر قلب تحسباً لأي طارئ”، مضيفة: “يكون أصحاب النفوذ كالمسؤولين والضباط ذو المراتب العليا على أحر من الجمر لسماع ما سأقوله بانتظار أخبار ترقيات أو سفر يخصهم، خاصة في الفترات الحرجة التي تتحدث عن حصول تغيير مرتقب”. كذلك الحال بالنسبة لأصحاب الأموال”.
تتابع حديثها “فقد تملكهم الخوف والتوجس من خسارة مشاريعهم واستثمارها في المكان الخاطئ، خاصة بسبب ظروف الحرب وتدهور الاقتصاد، لدرجة أنهم أصبحوا مدمنين على قراءة الفنجان، فيطلبون مني فعل ذلك كل ثلاث أيام، ولا يتجرأون على اتخاذ قرار سواء بشراء و بيع عقار أو الدخول بمشروع ضخم قبل فتح الفنجان، أنهم يتبعون حذافير كلام الفنجان على نحو يفوق إرادتهم”.
زوجات غيورات
قررت ديالا، وهي زوجة أحد المسؤولين المهمين في البلاد، رصد تحركات زوجها وكشف “خياناته” العاطفية عبر قراءة الفنجان وتتبع مواصفات عشيقاته السريات، وذلك بعد أن باءت جميع محاولاتها بضبطه بجرم “الخيانة” بالفشل. توضح لـ “صالون سوريا”: “أنا على يقين تام بخيانة زوجي لي، لكن لا أملك الدليل القاطع لإدانته وإدانة النساء الأخريات، لذلك أقوم بإرسال فنجانه بعد احتسائه معا وخروجه إلى العمل، وأطلب مواصفات كل امرأة تظهر في ظهر الفنجان مع ذكر الأسماء بدقة وماذا يعملن بالضبط، وبعدها أبدأ بتحرياتي الخاصة لضبطهما فأحصر دائرة المتهمات”، تتابع “قد يبدو الأمر مثيراً للسخرية والعجب، لكني مقتنعة بذلك وهذا يكفي”
كمين… ونجاة
تروي “لودي”، أن أحد زبائنها كان من الجنود الذين يخدمون في أحد “المناطق الساخنة”. إذ كانت تمده بأحداث معينة ستحصل معه حول توقيت غارات عسكرية مرتقبة أو كمين أو وشايات من رفاق السلاح، تقول:” كنت أحذره من أسماء أشخاص ضمن مجموعته القتالية وأنها مقبلة على خيانته والطعن به، وفي أحد المرات أخبرته أنهم سيتعرضون لغارات جوية من إحدى الجهات ونصحته بأخذ الحيطة وأنه لن ينجو منها إلا القليل وهو من ضمنهم، لكنه سيصاب، وبالفعل حصل ذلك”.
خلفت الحرب السورية ورائها آلاف المفقودين الذين دخلوا في غياهب النسيان، ليختفوا كلياً دون أي خبر عن مصيرهم أو أية إشارة تدل على أنهم أحياء أم أموات، تعقب “لودي” :” كان يتردد إلى منزلي الكثير من الأمهات والآباء والأخوة للاطمئنان على أحبائهم ممن فقدوا في الحرب وانقطعت أخبارهم نهائياً، كانوا يسألون إذا ما زالوا على قيد الحياة وعن عودة قريبة لهم، كنت اتجنب إخبارهم بأنهم ماتوا كي لا أقطع أملهم وأحاول الهرب من الإجابة بأي وسيلة كانت، فالغريق يتعلق بقشة”، مضيفة :كان قلبي يؤلمني لفقدهم، لطالما حرصت على إخبارهم بالأمور الإيجابية فقط إذا ما رأيت عودة أو إطلاق سراح لأحد المخطوفين كي أمنحهم جرعات التفاؤل”.
أحمي نفسي من طوفان
تلجأ سونيا بين الفينة والأخرى إلى قراءة الفنجان لتلقي جرعات من الأمل تساعدها على تجاوز الضغوط النفسية المحاطة بها في بلد يعاني من تداعيات ما بعد الحرب وينسيها غلاء المعيشة وانعدام مقومات الحياة. تقول لـ “صالون سوريا”: ” نحن محاطون بطوق لا ينتهي من الشحنات السلبية، يبدأ نهارنا اليومي باللهاث وراء مقعد في سرفيس، مروراً بمشقة الحصول على رغيف خبز و حمل جرة غاز تدفء أجسادنا المنهكة من الانتظار، نحن بحاجة لرشفة أمل نتجرعها من فنجان قهوة ولو كان كذب، إذ يمدني بالأمل والبدء من جديد بعد كل خيبة أمل تصفعنا بها هذه البلاد”
بواسطة سلوى زكزك | نوفمبر 20, 2021 | العربية, مقالات
هل يمكن اختزال الحرب بصورة واحدة؟ تزدحم الحرب على رقع الشطرنج المعلقة على جدران صالة المعارض. تسلسل يبدو منطقيا من حيث العدد. عصفور واحد ميت على رقعة من الشطرنج، يتزايد عدد العصافير الميتة على الرقع المتتالية.
رقعة أخرى لكنها تزدحم بصور أخرى، صور لأحذية ميتة، هل تموت الأحذية؟ هل يموت الرصاص؟ هل تموت علب السجائر الورقية بعد نفاذ السجائر منها؟
يزدحم الموت، لا شيء سواه. هدأت المعارك في الخارج، والرصاص غادر السماء واستقر في الصور. الموتى تناسوا رائحة المكان واستنشقوا رائحة التراب الجديد، تراب أم رمل يتحرك تحت الأجساد فترتعش، وتصرخ من أحشاء الصور.
صارت الأحذية إشارات استفهام. من هم أصحابها؟ أين هم؟ هل ماتوا؟ متى وكيف ماتوا؟ والسؤال غير القابل للإجابة، لماذا ماتوا؟
في صالة جورج كامل في دمشق، تم افتتاح معرض الفنان التشكيلي نصوح زغلولة الفنان الدمشقي الحائز على شهادة دبلوم الدولة من “المدرسة الوطنية العليا للزخرفة”، قسم الاتصالات الضوئية من جامعة باريس، لكن الفنان زغلولة يعرف عن نفسه بصورة مختلفة وغاية في بساطتها: أنا هاو شبه محترف، مهووس بالتصوير لأحقق متعتي الخاصة ويصمت مستنكفا عن إعلان موقفه من بلاغة الصورة الفوتوغرافية ومهمتها وأهميتها.
سطح منزل
على سطح بيته في حي الدويلعة الشعبي، يمارس الفنان زغلولة هوسه بتربية العصافير. الحي الواقع بين آخر حدود مدينة دمشق وبداية غوطتها التي تحولت إلى كتل اسمنية. وما بين باب توما مرورا بالباب الشرقي لدمشق، بيوت كونت أحياء يسكنها ما يزيد عن مليون نسمة، كان اسمها ومازال على دفاتر المساحة العقارية: بساتين الشاغور.
وصل عدد العصافير على سطح الفنان زغلول إلى ثلاثمائة عصفور. لم يتبقَ منها ولا عصفور! لم يبعهم ولم يقدمهم هدية لأحد! ماتت العصافير كلها.
طالما اقتنص الفنان زغلولة صورا فاقعة في بؤسها وخصوصيتها من على ذات السطح الذي تحول مع الأيام إلى صالة عرض أولية، إلى مصدر لغالبية الصور الفريدة والموجعة في آن معا. أطفال يحولون سطح خزان المياه المعدني لسبورة يكتبون عليها المعادلات الرياضية. بنات يلعبن بـ “المطاطة” الموصولة ما بين خزانين مربوطة بالوصلات المعدنية لأنابيب المياه.
صور التلصص على الشارع وبيوت الجيران لأنها الفرجة الوحيدة في زحمة الإسمنت المبني عشوائيا وبطريقة منفرة. تتداخل الأسطح ببعضها. تتنافر الصور لشدة صعوبة الحصول على صورة منفصلة لجزء محدد، على حروف اسطح البيوت وسطوح الخزانات. تحتشد أواني مربى المشمش ومعجون البندورة، وكأنها خط الأمان للأسر التي اعتادت المونة خوفا من القلة والجوع. تصير المونة جزءا أليفا من الأسرة، وتقضي النسوة معظم أوقاتهن في تحريك المحتويات، في التعرف إلى الضيوف الجد في خزائن مطابخ مازالت تعاني شح المياه وانقطاع الكهرباء وازدحام المخزونات من عبوات بلاستيكية بدافع الحاجة الماسة.
صفعة الموت
في معرض الفنان زغلولة، ألف ومائة واثنان وخمسون صورة. لا يفاجئك العدد رغم الحجم المصغر للصور، لكن الموت، يصفعك منذ أولى الصور. صور العصافير الموتى غير مكررة. ثلاثمائة عصفور ماتوا من شدة الخوف بعد القصف. ماتوا بتوقف قلب من شدة الضغط الذي تولده القذائف، في حي اعتاد أهله سقوطها يوميا وبأعداد كبيرة وبضحايا أكثر عددا. وبعد هذا الموت، الحربي، في زمن أعلنوا فيه أن زمن الرصاص قد توقف، جاء موت آخر ليكمل مسيرة الموت، مرض غامض قضى على كل ما تبقى من العصافير.
وفي رده على سؤال كيف جمع هذه العصافير في حالاتها المتعددة، صورة لعصفور كامل، صورة لريشة طائر، صورة لرأس عصفور، لساق وحيدة؟ يقول: “كنت اجمع جثامين العصافير بعد موتها، حسب حالتها الراهنة على سطح بيته أو في أقفاصها”. يضيف: “أنا لا أتدخل، لكني قمت بحفظهم في علب كرتونية لمدة ثلاثة سنين”.
يطرح سؤال العاطفة نفسه هنا، يكرر والأسى الذي يحاول إخفاؤه ينتقل إلينا، “نعم: لقد تحولوا إلى مجرد هياكل عظمية”. وماذا عن قلبك؟ كيف حاله وأنت تجمع طيورك موتى؟ يجيب الفنان: “الموت حالة عامة، المهم كشف الصورة الحقيقية للحرب”.
الموت مؤلم، والفن عمل شاق في زحمة الموت، والفنان يقرر تحضير معرض عن الموت؟ أي قسوة؟ وأية مشاعر تعرش على قلبك وانت تواصل التعرف إلى الموت الذي لا يموت، يتشخص حيا أمامك.
رقعة شطرنج
على قاعدة رقعة الشطرنج، رمل يغطي المربعات. رمل ينتمي للبحر الذي ابتلع آلاف السوريين، بحر كان ومازال أحد الجناة المشاركين في مقتلة السوريين. ابتلع بعضهم ولفظهم نحو الرمال، وهنا أيضا وعلى جدران المعرض عصافير ميتة على رمل بحري نهم ومتوحش، يبتلع العصافير وأحذية الأطفال وأجسادهم، وعلب السجائر التي تكاد أن تكون الأنفاس الحرة الوحيدة التي ينفخها السوريون باختيارهم، علب مرمية وملوثة بالدم، مسحوقة، مجعلكة، تبقّى في أحدها سيجارة لسوري لم يسعفه وقته لينجو ويدخنها، تخيلوا عقب سيجارة ملتصق بإصبع رجل مات وهو يدخن!
يقول: “بدأت بجمع أحذية الأطفال من سوق الحرامية، اشتريت أو ل دفعة بمائتي ليرة للحذاء الواحد، بعدها رفع الباعة سعر الأحذية، باتت سلعة رائجة، أحذية لأطفال مجهولين، هل ماتوا؟ هل هاجروا؟ هل سرق أحد أحذيتهم؟ كل الإجابات غير مهمة، لأن كل الخطوات تشد سيرها على أرضية من رمل وسماء ملوثة بالدم. ولتأكيد الموت نثر الفنان لون الدم على لوحاته بطريقة غرافيكية اختصاصية”.
أحضر الفنان رملا بحريا حقيقيا ليستكمل تصميم صوره، واستخدم ورق القطن النقي والموصوف بالنبيل. مصدر الورق من اليابان، يبقى مكتملا ومحافظا على قوامه ولونه وجماله لمئة عام, الطباعة مكلفة جدا لأنها ذات مستوى حرفي وفني عال ومكتمل، الإطارات صنعها الفنان بنفسه ودهنها بتقنية عالية، يقول: “أنا أحب النجارة، ويعتبر أن إنجاز العمل المتكامل يخلق متعة خاصة ويمنح شعورا بالرضا”.
قساوة الصور
عبر غالبية زوار المعرض عن قساوة الصور. بعضهم زار المعرض أكثر من مرة، وأحد الفنانين الكبار عانق الفنان صاحب المعرض وبكى بشدة. موضوع الصور قاس وعنيف، وتصميمها أنيق وملفت وجميل. “كيف يترافق كل هذا الجمال بكل هذا الموت؟”، إنه ليس سؤالا. الجواب: “هل ثمة مانع فني من تقديم صور الموت بفنية عالية؟ إنه سؤال جدلي مشبع بالرهبة ومدعوم بالإحساس والتقنية”.
توقفت إحدى الزائرات أما صورة عصفور بدا وكأنه عصفورة فتية ترتدي ريشها كفستان أصفر زاه ومنعش. بدا الفستان قصيرا ووجهة قدمي العصفورة تبدوان وكأنهما تتجهان لموعد حب. برزت الصورة الموجعة في قلب الزائرة. العصفورة تشبه الموتى من الشباب والشابات حين نلبسهم بدلات الزفاف في توابيتهم. سألت الفنان عن توافقه مع رؤيتها، ارتعش وقال: “لم أفكر بذلك، لكن ما يحضر على الصورة الآن هو الحالة الفعلية والجسدية للعصفور الميت”. هنا المشكلة إذن، من يعيش الموت كتجربة يومية ومجانية يشغل خياله في تجميل الراحلين ليقول “كم أن الموت غاشم ومتوحش”. يبالغ في تضخيم عبثية الموت، وكأنما يعاتبه قائلا: “ألم تجد غير حياة العرسان لتقصفها أيها الموت الوغد”.
رضا بعد تردد
عبر الفنان زغلولة عن رضاه عن المعرض مع أنه كان مترددا في البدلية, يرى أن التصوير ليس مجرد لوحة، بل تكوين، ويضيف: “بأننا نعيش في العصر الرقمي والتقنيات هي المستقبل، لذلك من الطبيعي استخدام أحدث التقنيات وبنفس الوقت التركيز على تفاعل المتلقي والمتابع، وانتزاع إعجاب أو دمعة، أو شهقة”.
يسعى زغلولة لتشكيل موسوعة فوتوغرافية تؤسس لبصيرة فوتوغرافية حسب قوله، ويعتبر أن كل معرض هو “مسؤولية كبيرة وعمل شاق وصعب”، ويختم قائلا: “لا مزح مع العين، بمعنى أننا لا نستطيع خداع العيون أو الاستخفاف بها”.
في مواجهتنا المباشرة مع صور الموت، تدور حرب جديدة، طازجة وحية، تحترب الصور وينفعل المتفرج. يخاف من علامة طلقة على جسد، يبتعد وكأنما الطلقة موجهة نحوه. تشتعل حرب الصور، رغم أنها ثابتة في أمكنتها على الجدران. يهتز الرمل وينحسر البحر وتشخر قذيفة، تفوح رائحة نسيس سيجارة أطفئت لتوها ورغما عنها، يتعثر طفل مصاب أو تائه بحذاء مشترى من سوق الحرامية لضيق ذات اليد، لكننا نعجز عن وصف صورة مليئة بالموت بالجميلة، الحرب حاضرة وحرب الصور لغتنا البليغة.
دمشق
18 تشرين الثاني 2021
بواسطة الحسناء عدرا | نوفمبر 17, 2021 | العربية, مقالات
تتسع رقعة الفقر باتساع غياب الموارد المالية الأساسية ومحدودية الدخل، والتي يقابلها غلاء غير منطقي للمعيشة، بما يعكس عجزا ملموسا في القدرة على تلبية متطلبات الحياة بحدودها الدنيا، ينجم عنها اللجوء إلى ابتكار أساليب دفاعية عن لقمة العيش للخروج من دائرة البؤس، وتطوير مهارات تحصيل المال لمحاربة العوز.
وتلجأ العديد من النساء السوريات إلى منصات التواصل الاجتماعي لعرض فساتين زفافهن للبيع أشبه بظاهرة انتشرت كثيراً في الآونة الأخيرة، وذلك كأحد وسائل النجاة من طوق الفقر والوقوع في هُوّة الحاجة، كحالة تاليا (23 عاما) التي دفعتها ظروفها الاقتصادية المتدهورة إلى الاستعانة بالمجموعات الخاصة ذائعة الصيت على “فيسبوك” لبيع فستان زفافها. وتقول لـ “صالون سوريا”:” كنت أعمل في تغليف وتنسيق هدايا المغتربين، لكني تركت العمل بسبب وضعي الصحي المتردي، أعاني من الديسك، فقد أجريت مؤخراً عملية في العامود القطني، إذ وصف لي الطبيب العديد من الأدوية ضمن الخطة العلاجية”.
تتابع تاليا، وهي أم لطفلين أن “زوجها سافر خارج البلاد منذ برهة قصيرة، ولا يستطيع تكبد مصاريف علاجها، لذلك قررت عرض فستان الزفاف بقيمة 80 ألف من أجل تكاليف الأدوية”. تضيف:” زوجي يا دوب يأمن مصاريف عيشتو لان طالع جديد عاسطنبول، عم يبلش من الصفر”.
تعيش الشابة من أجار منزل والديها المتوفيين الذي ورثته عنهما، وتقول:” مستورة ولله الحمد، أعيش حالياً من أجار منزل أهلي، أحصل على حصتي منه كل ثلاثة أشهر مع أخوتي، المهم أن لا أمد يدي للآخرين وأعيش بكرامة”.
أما نور، فعرضت فستان زفافها على مجموعة “فستانك بيعيه” التي استدلت عليها بالصدفة خلال تصفحها الموقع الأزرق، تقول: “أريد أن أسدد أجرة البيت بثمن الفستان. عرضته بسعر 350 ألف، بينما يباع في المحلات بأكثر من 850 ألف، بدي بيعها أحسن ما ضل بوجهي “.
من وجهة نظر نور، لا فائدة مرجوة من “تصميد فستان في الخزانة لسنوات طويلة دون استثماره مالياً”، وتضيف: بحس حرام بدلة مدفوع ليها مبلغ كبير تنحط بالخزانة، لا يعنيني كثيراً أن ترتديه فتاة غيري، لست من المهووسات بالملابس والقطع النادرة، كما ليس لدي مانع من إعارته لإحدى الشابات إذا كانت لا تملك المال لدفع أجرته”.
سوق الحمدية الشهير
بحثت زينة مراراً عن محلات تقبل بعرض فستان زفافها، إلى أن وافق أحدهم أخيراً شريطة أخذ نسبة معقولة على مرات التأجير، تقول :” ظللت أبحث عن بائع يقبل بتأجير فستاني دون أن يحتال علي ويبخس بثمنه. لجأت إلى أحدهم في سوق الحمدية بدمشق، لكنه طلب مني شراء الفستان بخمسين ألف ليرة سورية، بينما كلفني حوالي مليونين منذ أربع سنوات”، تتابع: “بعد بحث استمر شهرا كاملا، التقيت ببائع وافق على الحصول على مبلغ 100 ألف لقاء أجار الفستان في كل مرة بقيمة 500ألف، وافقت على الفور”.
تريد زينة تسديد نفقة مدرسة طفلها الخاصة التي وصلت تكاليفها قرابة ثلاثة ملايين، تقول: “لا قيمة لوجود فستان زفافي في الخزانة، سوى أنه يعيد لي شريط الذاكرة إلى الخلف ويذكرني بيوم الزفاف وتفاصيل ذلك اليوم المميز، أحاول الاستفادة منه قليلاً، كأن أسدد أقساط مدرسة ابني ولوازمه المدرسية التي باتت مكلفة جداً”.
الرداء ذاته
أما لانا، فلديها وجهة نظر مغايرة، اذ عرضت فستان سهرة مرصعا بحبات اللؤلؤ على أحد مجموعات بيع الملابس، أرفقته بمنشور مختصر: “فستان ملبوس مرة واحدة فقط، للجادات أرجو التواصل على الخاص”. تقول:” أنا ارتدي الفستان مرة واحدة فقط، ولا أعيد الكرة ثم اعرضه للبيع، اشتري بثمنه فستان آخر، أما في حال لم أوُفق في بيعه، أضعه في الخزانة”، وعن عدم ارتدائها الثوب مرتين، توضح الشابة:” طبع عندي، ما بحب الناس تشوفني لابسة الفستان مرتين بشي مناسبة، كتير بهتم ببرستيجي قدام الناس”.
,قررت هلا عرض فستان خطوبتها بنصف ثمنه هرباً من تكبد مشقة حمله إلى بريطانيا، تقول:” سأسافر الأسبوع المقبل إلى بريطانيا، ولست بحاجة إلى الفستان، اشتريته بمبلغ 600 ألف وأود بيعه بنصف القيمة، انتظر الرد”.
اما ضحى، فتتمتع بحالة مادية ميسورة جداً، لكن بالرغم من عدم حاجتها إلى المال، غير أنها نشطة على مجموعات التواصل الاجتماعي الخاصة ببيع الملابس المستعملة، وعن ذلك توضح الشابة: ” زوجي يعمل في بيع السيارات، وضعي الاقتصادي ممتاز، لكنني أحب بيع ملابسي التي لا أحتاجها، أصرف بثمنها على المكياج أو شراء أشياء غير ضرورية”.
وتتحدث راما، وهي مسؤولة صفحة الترويج لأحد المجموعات على “فيسبوك” عن انتشار ظاهرة بيع فساتين الزفاف والخطوبة والملابس الآخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، مبررة أن السبب هو الفقر والعوز المادي. وتقول لـ “صالون سوريا”: “استلم يومياً عشرات المنشورات حول بيع فساتين الزفاف والخطوبة، معظمهن بدافع الحاجة وزيادة الدخل المادي، أشفق عليهن وأرفأ لحالهن، يحز بقلبي أن تبيع إحداهن فستان زفافها التي تعبت لانتقائه، لكن الحاجة أقوى من كل شيء”. وتضيف الشابة: “اتقاضى أجرة بسيطة جدا لتسديد نفقات الإنترنت كما أنني أحرص على الحصول على الإعجابات وانتشار المنشور، لكن في المقابل هناك مجموعات تتقاضى مبالغ تصل إلى 40 ألف لتستغل حاجة الناس”.