بواسطة نهى الحسن | نوفمبر 9, 2021 | Cost of War, غير مصنف
“حياة بلا حياة ”بعيون دامعة ، وبهذه الكلمات لخصت النازحة الثلاثينية فاطمة العبسي أوضاع النساء في مخيمات النزوح شمال غربي سوريا، اللواتي يتحملن العبء الأكبر من حياة التشرد والفقر، وسط ظروف قاسية لا تراعي أيا من خصوصيتهن، أو طبيعة حياتهن الاجتماعية المحافظة التي خرجن منها .
اضطرت العبسي وعائلتها لترك المنزل في ريف إدلب الشرقي قبل ثلاثة أعوام، هربا من نيران القصف، ليستقر بهم الحال في مخيمات سرمدا الحدودية. تروي لـ “صالون سوريا” ما تقاسيه مع بقية نساء المخيم، قائلة :“لقد غير سكننا في الخيام حياتنا بشكل جذري ، حيث تنعدم الخصوصية نتيجة تراص الخيام إلى جانب بعضها البعض، وتتقيد حريتنا في اللباس والكلام والحركة، فضلا عن عدم وجود أماكن مخصصة للاستحمام، والشعور بالحرج عند الذهاب أو العودة من دورات المياه المشتركة التي تكون بعيدة عن الخيام على مرأى الجميع”.
والأكثر سوءا هو الخوف الذي يلم بأم أرادت الذهاب للحمام ليلا بصحبة أحد أطفالها من حيوان تتفاجى بوجوده، أو شخص يحاول التحرش بها، خاصة وأن دورات المياه المخصصة للنساء قريبة من تلك المخصصة للرجال بحسب تعبيرها. وتقول :“هربنا من شبح القصف والموت لنقطن مخيمات أشبه بالعراء ، وليس هناك سبيل لتحسين حياتنا ، والخروج من هذا المكان بسبب غلاء إيجارات المنازل وجشع أصحابها .“
في ظل ضعف البنية الأساسية لمعظم المخيمات في الشمال السوري تكمن معاناة النازحات، وخاصة المسنات وممن لديهن إعاقة ليشكل الذهاب إلى الحمام تحديا حقيقيا كحال الأربعينية سناء الأحمد التي أصيبت بقصف جوي قبيل نزوحها الأخير من مدينتها خان شيخون إلى مخيم قاح على الحدود السورية -التركية، ماأدى إلى إحداث إعاقة دائمة لها في الساق ، لذلك تضطر عند الذهاب إلى دورات المياه للاستعانة بإحدى قريباتها أو جاراتها ليساندنها أثناء المشي إلى هناك، خاصة، أن طريق المخيم وعر ودورات المياه لها درج عال. تقول: ” هذا الأمر يشعرني بالخجل والحرج الشديد”.
وتشكو الشابة العشرينية، نوال العمر التي نزحت مع عائلتها إلى مخيم تل الكرامة في مدينة الدانا من عدم قدرتها على خلع الحجاب طوال الوقت حتى داخل الخيمة،لأن أغلب الخيام شفافة وقماشها رقيق تكشف كل حركة داخلها. أنها لاتستطيع تبديل ملابسها إلا بمساعدة أخواتها من خلال تغطية الخيمة بأقمشة إضافية، وعند الاستحمام تضطر لإخراج جميع من في الخيمة وذلك يسبب لها أعباء نفسية .
وتلفت الشابة إلى صعوبة تأمين مستلزمات النظافة الكاملة بسبب قلة المياه ومواد التنظيف والعناية الشخصية، كما أنها تضطر لحمل المياه برفقة أمها وأخواتها من مسافات بعيدة للحفاظ على النظافة ،وزاد الوضع سوءا مع انتشار فيروس كورونا الذي تحتاج فيه الأسرة إلى كميات أكبر من الماء للتنظيف المتواصل، بحسب تعبيرها.
وكانت الأمم المتحدة حذرت في تقرير صادر في الخامس من تشرين الأول (اكتوبر) الفائت من تضرر خمسة ملايين شخص من أزمة المياه المستمرة في شمالي وشمال شرقي سوريا.
وفي المخيمات، أصبحت المواقد الطينية أو الحديدية بديلا عن اسطوانات الغاز التي بات يفتقدها الكثير من النازحين، وخاصة بعد غلاء أسعارها والعجز عن تأمين ثمنها، لذلك تضطر معظم النساء للجلوس خارج الخيمة أمام الموقد عند إعداد الطعام لأسرهن .
الأرملة فريال الدبس (٣٥عاما ) تقطن في مخيم حربنوش بعد نزوحها من معرة النعمان، تقول بأنها قامت مثل باقي جاراتها بصناعة موقد طيني، بعد “الارتفاع الجنوني” لسعر اسطوانة الغاز وتستخدمه للطهي، وتسخين المياه خارج الخيمة. تقول بأنها تشعر بالحرج كون جميع المارة يشاهدونها أثناء إعدادها للطعام، ويعرفون نوع الوجبة التي تقوم بإعدادها .
ولاتخفي السيدة فريال في حديثها لصالون سوريا حنينها وشوقها الشديد للعيش في منزل له جدران ،يحفظ خصوصيتها ، كحق من أبسط حقوقها التي فقدتها بسبب الحرب .
من جهته، تقول الباحثة الاجتماعية رغداء السيد (٤٣عاما)وهي من مدينة إدلب لـ “صالون سوريا” :“النزوح فاقم معاناة المرأة، ولم تتمكن الكثيرات من التكيف مع واقع الخيام المؤلم بسهولة، والإنتقال من حياة البيوت والإستقرار والعيش الكريم إلى الخيام والتشريد وانعدام الأمان والخصوصية، مما سبب لهن الشعور بالقلق والإكتئاب، والإغتراب النفسي عن بيتهن وأسرتهن، وصعوبة التأقلم، والخوف الدائم من المجهول، بالإضافة إلى اضطرابات في النوم”.
بواسطة فريق صالون سوريا | أكتوبر 27, 2021 | تدريباتنا
يعلن فريق “صالون سوريا” ، التحضير لدورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة والنوع الاجتماعي للنهار والنوع الاجتماعي ، مُخصصة للصحفيين/ات السوريين/ات المقيمين/ات داخل سوريا وخارجها.
بسبب الظروف الصحية ، ستُعقد الدورة التدريبية عبر تطبيق “زوم” ، وهي مقسمة على ست جلسات خلال ثلاثة أيام ، بين 12 و 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2021 ستتناقض الجلي اساسيات الصحافة ، التعامل مع النزاعات الناشئة ، الفرق بين الصحافة المكتوبة والمرئية ، وحساسيات النزاعات ، إضافة لجلسات حول الموضوعية والحساسية للنوع الاجتماعي وطرح قضاياه.
ستتناول الجلسات اساسيات الصحافة، التعامل مع المصادر أثناء النزاعات، الفرق بين الصحافة المكتوبة والمرئية، وحساسيات النزاعات، إضافة لجلسات حول الموضوعية والحساسية للنوع الاجتماعي وطرح قضاياه.
يدير هذه الجلسات مجموعة من الصحفيين/ات السوريين/ات المتخصصين/ات بهذه القضايا، وستتاح الفرصة للصحفيين/ات بعد نهاية التدريب للنشر مع موقع “صالون سوريا” كصحفيين/ات، وخلالها سيحصلن/ون على فرصة المتابعة مع المدربين/ات لتطوير مهاراتهم/ن الصحفية.
شروط التقديم:
– شهادة في الصحافة أو خبرة صحفية لأكثر من عام
– القدرة على الالتزام بالساعات التدريبية المحددة كاملة
إذا توفرت لديك الشروط وكنت مهتما/ة بالتقديم على التدريب يرجى ملئ الاستمارة التالية خلال موعد أقصاه الأربعاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر
https://forms.gle/r1HZ1N53FTpSxnxeA
ستصلكم رسالة الكترونية لتأكيد استلام الطلب، علما أن فريقنا سيتواصل مع المقبولين/ات في التدريب بعد يومين من انتهاء وقت التقديم لمُشاركة الأجندة والتفاصيل.
نتمنى التوفيق لجميع الزملاء والزميلات!
بواسطة فريق صالون سوريا | أكتوبر 27, 2021 | تدريباتنا
“صالون سوريا” هو مشروع سوري تأسس عام 2017، لتوفير فضاء من أجل بناء وتعزيز معايير صحفية مهنية، وتقديم منصة رقمية لوجهات نظر مختلفة حول سوريا ومستقبلها.
منذاك، تستضيف صفحات “صالون سوريا”، وتنشر مواداً تهدف إلى توسيع وتعميق فضاء الحوار البنّاء والنقاشات بين المهتمين بسوريا، طالما انها، غير إقصائية أو قمعية أو محرضة على الكراهية.
كما ينظّم المشروع دورات تدريبية للصحفيين/ات في سوريا والدول المجاورة، لصقل مهاراتهم/ن الإعلامية ورفد المحتوى الإعلامي السوري بمعايير مهنية.
يلتزم موقع “صالون سوريا”، بحرية التعبير واللغة المهنية، ويعمل تحت مظلة الأخلاق الصحفية المنصوص عليها في المعاهدات والقوانين الدولية.
مستشار/ة دعم تقني للموقع Consultant IT
مدة التعاقد: 6 شهور
طبيعة العمل: جزئي في الشهر الأول وعند الحاجة بعد ذلك
مكان العمل: عن بعد يفضل أن يكون في الدول المجاورة لسوريا
مهام العمل:
- تقييم الإعدادات وأنظمة التشغيل الحالية للتأكد من أن أعلى درجات الحماية مُطبقة
- تصميم استراتيجيات/أنظمة مختلفة تحمي الموقع من الاختراق وتسهّل الوصول إليه
- إدراك أي مخاطر أو تهديدات يمكن أن تصيب الموقع ومحاولة منع حدوثها
- حل أي مشاكل أو أعطال تقنية أو أمنية متعلقة بالموقع قد تظهر خلال أشهر المشروع وتقديم الدعم الفني للفريق لتجاوزها.
- مواكبة التطورات والتحديثات الجديدة وتقديم المشورة للفريق بالطرق الأمثل لاستخدامها.
المؤهلات:
- درجة بكالوريوس في هندسة البرمجيات، المعلوماتية، البرمجة، أمن الشبكات أو إحدى تخصصات تكنلوجيا المعلومات أو ما يوازيها من خبرة عمل.
- خبرة لا تقل عن خمس سنوات في العمل مع المواقع والشبكات
- الإلمام بلغات البرمجة
- خبرة في استخدام أدوات تحليل البيانات
- الإلمام بمعايير ومبادئ الأمن الرقمي وقواعد البيانات
- الجاهزية للاستجابة بشكل سريع في حال حصول طارئ
إذا كنت مهتمة/اً بالانضمام للفريق يرجى إرسال السيرة الذاتية مع نماذج عن المواقع التي عملت معها سابقاً إلى Editors@salonsyria.com
وكتابة عنوان الإيميل بالشكل التالي: وظيفة مستشار/ة دعم تقني– اسمك
الموعد النهائي لاستلام الطلبات هو منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2021. نعتذر عن استقبال أي طلب بعد ذلك.
سيتم التواصل مع المرشحات/ين للعمل قبل نهاية شهر نوفمبر.
==================================================================================
مصمم/ة غرافيك
مدة التعاقد: 6 شهور
مكان العمل: عن بعد، يفضل أن يكون سوريا أو دول الجوار
الدوام: جزئي، بالقطعة
نبحث عن مصمم/ة للانضمام إلى فريقنا، إذا كنت تمتلك/ين الشغف في التصميم فنحن نبحث عنك!
مهام العمل:
- إعداد خطة عمل وجدول زمني للعمل مع الهيئة التحريرية.
- تقديم أفكار إبداعية ومبتكرة للمواد الصحفية التي يتم إنتاجها للموقع
- إعداد رسوم توضيحية وانفو غراف بالتنسيق مع الهيئة التحريرية.
- إعداد رسوم وتصميمات فوتوغرافية وإعلانات لفعاليات تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
المؤهلات المطلوبة للعمل:
- شهادة جامعية في التصميم الجرافيكي أو ما شابه
- ما لا يقل عن خمس سنوات من الخبرة المتقدمة في تصميم الجرافيك.
- خلفية نظرية وعملية قوية في التصميم الجرافيكي.
- خبرة مثبتة في إنتاج الرسوم من البداية إلى المنتج المنشور / المطبوع مع معرفة عمليات الطباعة (الأوفست والرقمية) وإدارة الألوان.
- فهم جيد للتقنيات الجديدة والمتطورة والمنصات الرقمية.
إذا كنت مهتمة/اً بالانضمام للفريق يرجى إرسال السيرة الذاتية مع نماذج عن الأعمال السابقة إلى Editors@salonsyria.com
وكتابة عنوان الإيميل بالشكل التالي: وظيفة مصمم/ة غرافيك – اسمك
الوقت النهائي لاستلام الطلبات هو منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021. نعتذر عن استقبال أي طلب بعد ذلك.
سيتم التواصل مع المرشحات/ين للعمل قبل نهاية شهر نوفمبر.
==================================================================================
محرر/ة فيديو (مونتير/ة)
مدة التعاقد: 6 شهور
مكان العمل: عن بعد يفضل أن يكون سوريا أو دول الجوار
الدوام: جزئي بالقطعة
يبحث “صالون سوريا” عن محرر/ة فيديو (مونتير/ة) للموقع وصفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي.
المهام المطلوبة:
– انتاج قصص صحفية مصورة بطرق جذابة ومبتكرة بحسب توجيهات الهيئة التحريرية
– إنتاج وإخراج فيديوهات لقصص صحفية مكتوبة عبر فيديوهات (غرافيك موشن) بطرق ابداعي
– استخدام وتوظيف عناصر الهوية البصرية المقدمة بأفضل شكل لتحويلها لمواد فيديو جذابة
– العمل مع الفريق لضمان أن المادة النهائية متناسقة مع الخط التحريري ومعايير واخلاقيات الصحافة
– استعمال المنصات والخدمات والحلول التقنية والفنية للحصول على مواد بصرية ذات محتوى مميز.
المؤهلات:
– مهارة عالية باستخدام أحد برامج المونتاج المعروفة
– معرفة جيدة ببرنامج “أفتر ايفيكت”.
– القدرة على التعامل مع ملفات من برامج مثل “فوتوشوب” و “الليستريتر”.
– معرفة بالفنون البصرية واشكال الفيديو المتنوعة والانفوغرافيك ومبادئ التصميم والتعامل مع الألوان.
– فهم لقواعد التصوير والكوادر الصحيحة والبناء البصري للقصص الصحفية.
إذا كنت مهتمة/اً بالانضمام للفريق يرجى إرسال السيرة الذاتية مع نماذج عن الأعمال السابقة إلى Editors@salonsyria.com
وكتابة عنوان الإيميل بالشكل التالي: وظيفة محدد فيديو – اسمك
الوقت النهائي لاستلام الطلبات هو منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021. نعتذر عن استقبال أي طلب بعد ذلك.
سيتم التواصل مع المرشحات/ين للعمل قبل نهاية شهر نوفمبر.
==================================================================================
بواسطة رباب هلال | يونيو 1, 2021 | غير مصنف
خلال عقد المأساة السوريّة المستمرة منذ 2011 صدرت عدّة مجموعات قصصيّة تركز على الحرب الراهنة، من بينها مجموعة حديثة (2020) بعنوان “فودكا مغشوشة.. بانتظار أن يأكلنا الزومبي” عن دار دال في دمشق، وهي الإصدار البكر للقاصّ زياد حسّون.
في هذه المجموعة القصصية، الزمان هو زمن الحرب، والمكان مدينة لا معارك طاحنة فيها، إنّما تقبع تحت لا رحمة القذائف. مدينة تنتشر فيها رائحة الموت والعبث، لدرجة أن: “أصبح الموت نمط حياة باعثاً للملل.” فلا أفراح أو أحزان حقيقيّة لقاطنيها، سواء الأصليّين أو الهاربين من جبهات الحرب.
هنا، يستبدّ الزمانُ بالمكان، أو يتداخلان فيما يمكن تسميته “الزمكان المستبدّ“! وهو ما شخّصه القاصّ بفنّيّة لافتة، راصداً تأثيره البالغ بالشخصيّات حيث يقودها ويحدّد مصائرها ويعطّلها عن فعل الحياة، فلا يبقى لها غير الانتظار!
إنّما انتظار زياد، لا يماثل أيّ انتظار عرفناه، فمثلاً، هو ليس انتظاراً خصباً بالأمل كانتظار بينلوب لأوليس، ولا هو شبيه بانتظار كفافيس المرير الساخر للبرابرة، رغم أنّ انتظار حسّون محقون بالسخرية السوداء، ومضمّخٌ بالعبثيّة، إنّما ليست كعبثية انتظار بيكيت، فهنا، لا غودو قد يأتي. و(قد) المستقبليّة تنتفي في السطور، لأنّ المستقبل توارى بعيداً في الخلف، واختفى كما يغيب البرابرة صنّاع الحرب وقوّادها، لسبب موضوعيّ، فانشغال القاصّ ينصبّ على تصوير إحداثاتهم المدمّرة. أو لسبب فنّيّ أيضاً، فقد جعل من الحرب مجرّد خلفيّة لحكاياته، فهو لا يوثّق لمجازرها وجنازاتها، ولا يوجّه اتهامات، أو يدبّج رسائل وخطابات ممجّة أو يختلق أملاً كاذباً إزاء واقع يسطع فيه اللا أمل!
هنا، لا فكرة لدى الشخصيّات عمّا تنتظره، إنّما يترجّحُ احتمالٌ واحدٌ: “ربّما أن تجتاحنا قطعان الزومبي وتأكلنا حتّى آخر أبله فينا، أو ربّما نتمكّن نحن من أكلهم اللعنة!… كم هو ميئوس من أمرنا إذاً!”
زمن الحرب هو الإطار الظاهر للقصص، لكنّ زمناً ثانياً موازياً يحضر بقوّة اليأس، وهو زمن اللحظة الراهنة، تفرّ إليه الشخصيّات من سطوة الزمن الأوّل. لم يعد من فسح للعيش سوى اللحظة الآنيّة، وقد نسيها المستقبل وتوارى خلفها بعيداً! ففي قصّة “فنجان قهوة ساخن” مثلاً، يقبع آدم في غرفته، تفصله عن الخارج نافذة وستارة لا يزيحها إلّا دويّ انفجار، فكما في قصّة “بائع القهوة الميت” البديعة: “هناك ملايين الاحتمالات في الخارج. إنّه مكان خطير للغاية.” وأفضل ما يفعله آدم الاستلقاء والنوم أو ما تيسّر له من ممارسة للجنس في هذه الغرفة، ممارسة باتت تخلو من المشاعر والأحاسيس! أو أنّه يهرب إلى المقاهي كما في قصّة “النادلة“، حيث سيكفيه الضجرُ بالتحديق في مؤخّرة النادلة، هذه التي يخمّن أنّها نازحة وتعمل بدافع العوز.
الشخصيّات خائفة، مأزومة مهزومة، مستسلمة، مستهترة، صامتة وهاربة. وأحياناً تبدو، كمصابة باكتئاب حادّ، في حالة دائمة من جلد الذاتّ، تتّهم نفسها بالحماقة والبلاهة وسوء الحظّ، يسيطر عليها شعورٌ خفيّ بالذنب، وكأنّما هي المسؤولة عن عدم موتها بعد.
تحضر شخصيّتان رئيستان، بالتناوب، بطلان لهذه القصّة أو تلك، هما الصديقان آدم وحازم، ويجتمعان في ثلاثيّة القصصيّة، مرقّمة بـ(1-2-3)، وردتْ تحت عنوان موحّد، ينضح بالسخرية: “فودكا مغشوشة من أجل حوار بنّاء“، باعد القاص في مواقعها بين النصوص، ليعزّز بعض طروحاته، فالتباعد بين البشر بات سمة في حياة الشخصيّات، يعزلها الموات عن التواصل والتفاعل المجتمعيّ، فلم يعد للأحاديث جدوى، حتّى أنّ لقاء الصديقين، في قصّة: “فودكا مغشوشة من أجل حوار بنّاء (3)”، حدث بعد غياب امتدّ لتسعة أشهر! ويبدأ القاص هذه القصّة بهذه العبارة: “ثمّ اجتمع الرفيقان مجدّداً في ذات الحانة…” ليكون لـ (ثمَّ) هذه شأنها الموضوعيّ في عطف هذه القصة على القصتين السابقتين من هذه الثلاثيّة، وأيضاً شأنها الفنّي في إبراز الفكرة الأساسيّة مجدّداً؛ التباعد/العزلة، وتأكيدها بتكثيف بالغ التأثير، تأثير يحدثه بامتياز حرفُ عطفٍ بمفرده!
يلتقي آدم وحازم، في الحانة ذاتها لشرب الفودكا، وفي صباحي القصّتين السابقتين للأخيرة، وكلّ منهما نام في منزله، يكتشفان إثر صداع رهيب أصابهما، أنّ الفودكا كانت مغشوشة جدّاً! ويختم الكاتب هاتين القصّتين بهامش موحّد، بشرحٍ لماهية “الفودكا المغشوشة” فهي: “كحول رديء معبّأ محلّيّاً في عبوات تقلّد ببراعة الماركات المعروفة عالميّاً. وتُعدّ هذه الظاهرة كإحدى النتائج البعيدة للحرب السوريّة.” كرّرها زياد لغايتين، فنّية وموضوعيّة، تاركاً للقارئ كشف المستور، والتقاط السخرية العميقة الكامنة خلفها بدهاءٍ فنّي! لكنّه لم يُلحق ذاك التعريف الماكر للفودكا المغشوشة بهامش القصّة الثالثة، لسبب مرصود للخاتمة. ففي سهرة الصديقين مع الفودكا، وحوارهما الذي لم يبتعد في عمقه العبثيّ عنه في القصّتين السابقتين، تتضح نتائج هذا الواقع العصيب الذي أبطل فعل الكلام، ووأدَ أيّ حوار بنّاء! فها هو آدم مستسلماً يقضي يوميّاته التافهة في زراعة نباتات الصبّار في أصص صغيرة، ترميزاً لتقزّم الصبر وضآلته! أو في مراقبة الفضاء والنجوم عبر منظار اشتراه خصّيصاً لذلك، ما قد يعني أنّ بشاعة مرعبة في الأسفل لا يطيقها النظرُ، ليعيد إلى ذهن القارئ ما ذكره الطفل متأفّفاً وهو يتسلّق الجدار العالي في قصّة “عن الحرب الباردة وخزان الماء“: “لا تنظر إلى الأسفل وسيكون كلّ شيء على ما يرام.” كما أنّ القاص يلمّح بذلك إلى دور الفلك والتنجيم الذي ينشط ويزدهر في واقع يسوده الوهن والإحباط والعجز، ليشكّل التنجيم المعادل الموضوعيّ لهذا الواقع!
وعلى عكس ما شهدنا في القصّتين السابقتين، لم ينفصل الصديقان لينام كلٌّ في منزله! بل لزما الحانة، فقد حدث أنّهما بعد جدال صاخب، اتفقا على شرب نخب الانتظار، وما كاد كأساهما يلتقيان حتى دمّر انفجار هائل المكان!
تتوارى سخرية حسّون السوداء وتظهر بفنيّة عذبة، تنبثق هنا وهناك، بصمت وهدوء، كانبثاق قطرات الماء من بين شقوق الصخر، وتسيل هنا وهناك بين الصفحات، وصولاً إلى آخرها. في وصف جثة حازم، كتب: “…كان عنقه ملويّاً بطريقة مضحكة، وعيناه المفتوحتان تنظران إلى آدم بمزيج من الذهول والبلاهة، وكأنّهما تحاولان قول شيء من قبيل: ألم أقل لك: هل نسيت أين نعيش؟“
لا تعتمد القصص حبكة التشويق التقليديّة، أو الخواتيمّ/ بؤرة التنوير، بل تسير في مسار سرديّ أفقيّ يتصاعد بطيئاً هنا أو هناك زاخراً بالتشويق، وببراعة التصريح والتورية، بتوصيف دواخل الشخصيّات، العفويّة المفعمة بالصدق، واللغة المقتصدة البسيطة بأناقة، فلا تكاد تشغل القارئ، يسوقها أسلوب سرديّ سلس، رشيق، وتكثيف مدهش.
يدفع حسّون بقارئه لاستعادة مضامين القصص كلّها، ليكتشف الفنّيّة المخاتلة في اعتماد القاصّ خلفيّة مزدوجة لقصصه، فهو يصرّح بخلفيّة الحرب، ويواري خلفية اللحظة الراهنة جاعلاً منها أرضيّة مكينة بأغوار صادمة ثرّة تتشابك فوقها دلالات القصص برمّتها وتتداخل بحذاقة لصياغة مبنىً قصصيٍّ فنّيّ جميل.
تُباغت قصص زياد حسّون القارئَ وتغويه للمتابعة، ليكتشف متأخّراً أنّها لا تسلّم نفسَها له بسهولة، وأنّ مقولاتها إنّما هي رؤية ورؤيا، معاً، وقد انكتبت برمّتها لتوضيح ما قاله آدم، في آخر القصص: “حتى ونحن نعيش هنا، الأمر ليس أين نعيش، بل كيف نعيش.”
وإذاً، لم ينج أيٌّ منّا، نحن السوريّين، من كوارث الحرب، أينما سكنّا في هذه البلاد اليباب!
بواسطة طارق علي | مايو 28, 2021 | غير مصنف
من صاحب شركة رائدة في صناعة الديكور ومعدات المطابخ إلى عامل في سوق الهال، ومن ثم صاحب بسطة دخان، إلى مستأجر لمحل صغير بعد أن تمكن من جني مبلغ صغير نتيجة تنقله في عدة أعمال، مما مكنّه من جمع المبلغ بالتشارك مع صديق له لافتتاح محل صغير لبيع زينة الهواتف النقالة، هذا ملخص رحلة زين مع الحرب.
الرحلة التي مرت بعشرات المطبات، أولها تدمير شركته في عام 2011 في حي دير بعلبة الحمصي وكذلك منزله، بعيد اندلاع المعارك هناك، ومن ثم ليبدأ رحلة حياته من جديد، الرحلة التي اعتقد أنه انتهى من بناء مقوماتها يوم عاد من الخليج إلى سوريا في عام 2007. لتحول الحرب مستقبله الذي كان ينمو ويزدهر إلى أثر، فقد حطمت الحرب أحلامه وأعادته تحت خط الصفر.
كان الاقتصاد السوري ينمو بوتيرة جيدة نسبياً، مما جعل الاستثمار في المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة فعالاً، أما الحديث عن المشاريع الاستثمارية الضخمة، فهذا بحث آخر وهو شائك للغاية، فرجال أعمال ما قبل الحرب كانوا بمعظمهم شركاء بالقوة في أي مشروع جديد في بلدهم، أما بعد الحرب، فلم يختلف الحال كثيراً، فالأثرياء الجدد حلوا محل القدامى، وبات لهم من كل استثمار نصيب.
لا يغْلَبُ الصحفي السوري إذا أراد الحديث عن قصص الناس في الحرب، بل إنّ هناك مقولةً يتداولها الصحفيون بكثرة خلال تحضيرهم لإعداد فكرة ما، مقولةٌ تنص على أنه تحت كل حجر في بلادهم ثمة قصة، وعلى بساطة القول، إلا أنّه يخفي ما يخفي خلفه من قفز فوق حال الوجع الذي صار عنواناً لمشهدية تتكرر في كل مدينة، كل حي، وداخل كل منزل أيضاً، فهل ثمة سوري لم تتغير حياته في سنوات الحرب الطويلة والمريرة؟
أحلام مُدمّرة..
تقول سماح، وهي مهندسة مدنية في دمشق إنها لم تكن تتخيل أن يصل بلدها إلى ما وصل إليه، و تضيف: “كانت أحلامي كبيرة حين تخرجت من الجامعة، وظيفة دولة براتب ممتاز يساوي بضع مئات من الدولار، وبدأت أخطط كيف سأشتري سيارة بالتقسيط، وكذلك منزلاً، وكيف وكيف وكيف، ولكن الحرب عاجلتنا وسرقت طموحنا وآمالنا، اليوم أذهب لعملي وأعود بباصات النقل الداخلي، راتبي ينتهي في أوائل أيام كل شهر، كنت أسعى لأكون علامةً فارقة في مجتمعي، وكنت أنظر للمجد الذي ينتظرني، وكيف أنّ ابنة المزارع الفقير ستتطور حياتها بشكل لافت وسريع، ولكن، الآن، صغرت أحلامي كثيراً، صار حلمي أن أعثر على مقعد في باص النقل الداخلي الذي أستقله إلى مكان عملي”.
حلمت منال ذات العشرين عاماً دائماً أن تكمل تعليمها، ولا زالت تحلم، لولا أنها الآن أم لطفلين، منال التي تربي أطفالها وترفض الاعتراف أنّها صارت أما، إذ تعتبر أنها فجأة وجدت نفسها بين أحضان رجل يكبرها بعشرين عاماً، الفتاة المنحدرة من دوما زوّجها أهلها بالإكراه إبان سيطرة جيش الإسلام على الغوطة الشرقية لقريب والدها، “كنت متفوقةً في دراستي، وكنت الأولى على مدرستي الابتدائية، ولكن مع تقدم الحرب انقطعتُ عن الدراسة مكرهةً، وفجأة وجدت نفسي متزوجة من رجل لا أحبه، أنا أساساً لم أكن أعرف ما هو الحب، كيف لفتاة صغيرة أن تعرف ما هو الحب والزواج والارتباط، أنا الطفلة التي كانت كلما سألتها معلمتها ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين كنت أقول بكل ثقة طبيبة، طبيبة، حقاً كنت أقول ذلك، أما الآن فكل شيء انتهى”، تقول منال.
المتفوق المتنازل عن حلمه
أما سليمان حامد، مهندس الميكانيك الذي تخرج من جامعته بدرجة امتياز فيقول “كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أتخرج من الجامعة وأسافر إلى أوروبا لأعمل هناك، ولكن فجأة وجدت أن طريقي إلى أوروبا سيكون عبر (البلم)، وغالباً سأغرق في طريقي البحري تهريباً إلى اليونان، الآن أنا بأفضل حال، لأنني تصالحت مع فكرة أني صرت لاشيئاً، وأن مستقبلي انتهى، الآن أفكر كل يوم لأي شركة منتجات غذائية سأقدم سيرتي الذاتية الفارغة من الخبرة العملية ليوظفوني بمئة ألف ليرة سورية، في اختصاص غير اختصاصي حكماً، ربما محاسباً، وربما عاملاً، اليأس يفعل أكثر من ذلك”.
شوفينية التفرد بالألم
يبدو الإيجاز أكثر الأمور منطقية في الحديث عما تغير في حياة السوريين خلال الحرب، الأجدى أن نقول: ما الذي لم يتغير؟. الحرب لم تتسبب الخسارات الجسدية وحسب، بل أيضاً خسارة الأمنيات والأحلام والآمال، فقتل الحلم هو ذاك النوع من القتل الذي تصير حياة الأجيال المتواترة بعده أكثر تعقيداً و حدةً، فالدم يجيء بالدم، والكره بالكره، والحزن بالحزن، والفقر بالفقر، كل شيء يجيء بمرادفه، إلا الماضي –وإن كان جميلا- وهذا عينه موضع شك، لكنه على الأقل أفضل من الحاضر، إلا أنّه لن يجيء بالمستقبل المنشود.
الأسى الذي عاشه السوريون في عشرة أعوام، لا يبالغون حين يقولون عنه إنّه ما مر شبيه له في التاريخ الحديث، فالحرب تخلق الشوفينية، وهي شوفينية سلبية بالتأكيد، إنها من النوع الذي يتآمر مع الحاضر على الناس، على قاعدة أنّ ما لم تخربه الحرب ستخربه آثارها النفسية الهائلة في النفوس.
السوري بات سقف طموحه جرة غاز، عشرين ليتراً من البينزين، مئة ليتر من المازوت، ربطة خبز، صاحب بقالية لا ينصب عليه، تأمين قوت عياله، وكذا صارت أحلام الناس في البلاد، حقيقةً هي كوابيس، كوابيس يتمنون أن يصحوا منها ليجدوا أنفسهم في عام 2010.