بواسطة سلوى زكزك | يناير 22, 2022 | العربية, تقارير
تتسع مساحة العتمة. يصير للكلمات لون الأسى، لون اسود داكن وموجع. النهارات معتمة كالليل، والليل المتسلح بقمره كئيب وموحش، لم يعد يعني القمر شيئا لأحد، يذكر بالعتمة الجاثمة في البيوت وفي القلوب وفي محركات الآلات الضرورية لاستمرار الحياة اليومية.
يبدو سؤال الفرح ترفا بلا معنى، ويبدو الاحتياج للتوازن مشروطا بالتصديق، أجل إلى أي درجة يمكن تصديق كل هذا التراجع اليومي المستمر والمتصاعد ليكرس الفقدان التام، فقدان أساسيات العيش، وكأن الحياة باتت قاب ومضة كهرباء او أدنى؟
مصالحة كهربائية
اتصال هاتفي من صديقة طال غياب التواصل معها بقرار منها، لكنها اليوم تلح في الاتصال. بعد تبادل التحيات الخجولة والأسئلة الساخطة والموحدة والساخرة، تعلن برجاء حاسم، وكأن لا أحد غيري قادرة على تلبية حاجتها الماسة والمستعصية، تقول: “أخي مسافر إلى الشام بسيارة زميله لنقل حمولة تفاح إلى سوق الهال، سأرسل لك معه أمانة وأرجو ألاّ ترديني خائبة”. قبلت فورا، ابتسمت، وتبدل موقفي وفهمي لاتصالها. لا بد أنها رشوة مصالحة طيبة من مأكولات الضيعة، لإعادة العلاقة شبه المقطوعة إلى مجاريها الدافئة، قرص شنكليش! كمشة سليق أو هندباء برية، وكانت المفاجأة! كومة ثياب بيضاء متسخة، مطلوب مني غسلها وإعادتها مع أخيها ولو مازالت مبتلة.
أذهلتني تلك المدعوة أمانة! والمرسلة كهدية تفوح منها رائحة الرجاء، لكني فرحت بوجبة الغسيل المتسخ التي أزالت ركام المكارهة القصدية، حتى لو خيبت أمالي المعقودة على نكهة ريفية محببة ومفتقدة.
أوقات توفر الكهرباء سمحت لي بتنفيذ المهمة المطلوبة، خاصة أن الأخ الودود أوصل وجبة الغسيل المتسخة قبل موعد الكهرباء بدقائق، كما أن كبريائي احتفل بإعلان الصديقة بأنني قادرة، والأهم أنني راغبة بمساعدتها وتقديم أي خدمات ممكنة رغم قرارها بالجفاء.
وأنا اصارع الوقت وحواسي ومشاعري متنقلة ما بين الساعة والغسالة، تمنيت لو يتأخر الأخ بقدر ما يسعفني الوقت لإنجاز المهمة وربما طي الملابس وتوضيبها رطبة في أكياس كبيرة ونظيفة.
ابنة ذكية
ليالي الشتاء طويلة وباردة، تثقلها العتمة فتصير وحشية، تحار العائلة الصغيرة المكونة من خمسة أفراد في كيفية تمضية أوقاتها المشحونة بالغضب والعجز، تقول جويل: “تعوا نلعب لعبة الأسماء، يوافق الجميع رغم غياب الحماسة، يوافقون من شدة الملل والانكسار، فلنلعب إذن، كي يمر الوقت لا أكثر”.
تصرخ جويل: “حرف ال ب”. تطلب اسم مدينة تبدأ بهذا الحرف، ثم اسم حيوان، وبعده اسم إنسان، ويليه اسم طعام. تضحك العائلة، تشعر جويل بالفخر. لقد حاربت العتمة باللعب، تستمر الألعاب وتتنوع، تتذكر الأم ألعاب الحارة، والنط على الحبل والقفز على الأدراج ولعبة بيت بيوت. تكتشف العائلة أن والدهم كان أمهر أولاد الحارة بلعبة الدحل، يسرد مغامراته ويضحك، يصف مهارة أصابعه بالإصابة المباشرة و شدة التحكم بالدحل ويضحك، والبنات كما أمهن مستمتعات، يعود الأب طفلا، يقول: “بس لو في كهرباء لقمنا بشراء الدحل واللعب به الآن”. يتبدل وقع الليل على أرواحهم وتصير الذاكرة حيوية ومبهجة رغم غرقها بالعتمة.
فقراء يشترون ضحكات
على الفرش الإسفنجية الرقيقة يجلس العمال المياومون، أنهوا لتوهم وجبة يومهم، قدر كبير من حساء العدس المسلوق مع وريقات بصل أخضر اقتطعوها من حوش جارهم، يبلغ الضجر أشده، تهاجمهم طلبات عائلاتهم البعيدة، أرسلوا لنا مالا لنأكل، تطوف الحسرات في الفضاء، لدى الجميع رغبة بالصراخ لكن الصمت أبلغ وأكثر سطوة.
يصرخ جابر: “مين يقاتل؟”. لا أحد يرد! “خلونا نتقاتل”. ويقبض على ذراع أيمن ويلويها، تدب الحمية في الرجال، يتصارعون ويضحكون، يضربون بعضهم بقسوة لكن بمودة، تتوقف الضحكات، تعلو وتيرة الضربات على الأجساد المتعبة، وكأنما يسددون اللكمات للقدر المر، للعتمة الخانقة، ينتبه محسن إلى أن توفيق يضربه بعنف مبالغ به، يصرخ به قائلا: “أنا محسن يا ول، أنا محسن مو الزلمة يلي أكل عليك تعبك اليوم”. تنطفئ جذوة النشاط العنيف، يصرخ بلال: “فلنوقف القتال، سنجوع من جديد ولا طعام لدينا”. يحل الصمت ويطبق على خناق الجميع، يفردون أغطيتهم الرقيقة والمتهالكة، يديرون ظهورهم لبعضهم وكأنهم هاربون من مواجهة غير معلنة ولا أحد يريدها، يتصنعون نوما يجافيهم من شدة البرد والجوع والعجز.
الاحتيال العاجز
يتحايل البشر على الفقدان، يدربون عيونهم على المزيد من العتمة، يشتري سامر مصباحا على البطارية يوضع على الرأس كي يتمكن ابنه من الدراسة، سيتقدم هذا العام للشهادة الثانوية، لا إمكانية للدراسة في غرفة الجلوس حيث تجتمع العائلة حول مصدر الدفء الوحيد والمتبدل حسب توقيت الكهرباء، في غيابها يتم تشغيل مدفأة الغاز أو مدفأة المازوت حسبما يتوفر وللضرورة القصوى، وفي حال ثبات درجات الحرارة ما فوق الخمسة عشرة درجة فلا داعي لأي نوع من التدفئة، يتجول البشر وكأنهم رجال الأسكيمو وقد ارتدوا كامل عتادهم من الألبسة لمواجهة البرد، سترات خاصة وسميكة للبيوت ، تلبس وفاء سترة زوجها لأنها مبطنة بالفرو، دافئة لكنها تعيقها عن الحركة، ويلف رامي وفادي بطنيهما بملاءة صوفية رقيقة، الإبداع مطلوب، ويسخر الإبداع من اسمه هنا، فرط التكيف يعني هروبا من الموت بردا او انفجارا من شدة العتمة والقهر.
ثوب جديد
تتلقى سما دعوة كريمة وجميلة من والدتها، تعوا تحمموا، عنا كم ليتر مازوت لمدفأة الحمام. تلبي الدعوة ولسان حالها عاجز عن الشكر، تأخذ معها كمية من الكشك وكيلو ونصف من البطاطا وبرتقال، تقول لأمها سننام عندك الليلة خوفا من المرض بعد الاستحمام، ترحب الأم بذلك، تطهو سما الكشك كوجبة ليلية يعززونها بشقف من الخبز المحمص، يتضاعف الدفء في تلك الليلة، ينام الأطفال مبتسمين، تقول الأم لابنتها: كلما توفر لي مازوت للحمام جيبي ولادك وتعي تحمموا، تشكرها سما بحرارة، لكنها تردف قائلة: مصروف المواصلات مرهق وتأمينها أصعب، أتمنى أن نقدر على تكرار المجيء! تعتذر سما عن تقصيرها تجاه أمها الوحيدة، وتعتذر الأم عن عجزها عن دعم ابنتها المسؤولة عن عائلة كاملة تستنزف كل طاقتها وقدراتها المادية والجسدية والنفسية ليستمروا بالبقاء.
في ظل كل هذا الغياب لأساسيات الحياة، يغرق الناس في حالة من الاستنزاف لقواهم وقدرتهم على التواصل والتوازن، باتت الحاجات اليومية كابوسا ضاغطا وقاهرا، ومن المؤلم أن الأطفال يعلنون وبصراحة بالغة: نريد أن نرحل إلى بلاد تتوفر فيها الكهرباء! ويتساءلون ببعض الأمل، هل ستضيف منظمة الهجرة واللاجئين بندا إضافيا لقبول طلبات اللجوء وهو انعدام الكهرباء مما يعني انعدام الحياة، فيفوزون بفرصة للعيش على حدود الإنسانية.
*سلوى زكزك دمشق 20 كانون الثاني 2022
صورة محمد تاج الدين بدمشق *
بواسطة محمد الواوي | يناير 21, 2022 | العربية, تقارير
اعتاد مصطفى في صغره على تناول وجبة سمك أسبوعياً. كان الباعة يجلبون أنواع مختلفة طازجة إلى ريف إدلب، حيث قضى طفولته إلى أن أصبح شاباً. يقول: “أبي يحب السمك وأنا أيضاً. لم تكن الأسعار تدعو إلى القلق في تلك الفترة”.
يقيم مصطفى في دمشق منذ سنوات، واظب على عادة شراء السمك مرة كل عدة أشهر، لكن مع تضخم الأسعار في السنوات الأخيرة، بالكاد يشتري كيلوغرامين في السنة. يضيف الطالب الجامعي البالغ من العمر أربع وعشرين عاماً لـ”صالون سوريا”: “مرت سنتان دون أن أتذوق طعم السمك، لا أفكر كثيراً بنوع الطعام، المهم أن يكون رخيص الثمن”.
ارتفعت أسعار الأسماك المنتجة محلياً بأنواعها في عام 2021. في أسواق محافظة اللاذقية بلغ سعر كيلو سمك (البوري) نحو 15 ألف ل.س (أربعة دولارات أمريكية)، و(لقز حفش) بين 20 إلى 25 ألف ل.س، و(الفريدي) بين 25 و30 ألف ل.س، و(الأجاج بلدي) 30 ألف ل.س (8.5 دولار)، بينما وصل سعر مبيع بعض الأنواع، مثل: (لقز رملي) إلى 110 آلاف ل.س (31 دولاراً) للكيلو الواحد.
تضاعف سعر سمك (البلميدا) ثلاث مرات تقريباً مرتفعاً من ثلاثة آلاف ل.س إلى عشرة آلاف ل.س للكيلو الواحد، ويعدّ من الأنواع الشعبية الرائجة بين المواطنين/ات، وبخاصة في محافظات الساحل السوري لانخفاض ثمنه بالمقارنة مع الأسماك الأخرى.
وبالنسبة لأسواق دمشق يباع كيلو سمك (أجاج) بـ 34 ألف ل.س، وسمك (لقز) بسعر 27 ألف ل.س (7.7 دولار)؛ أما سمك (سلمون: ترويت) فيباع بسعر 15 ألف ل.س لكل كيلو، وسمك (المشط) بـين 12 و16 ألف ل.س. وسمك (البوري) بـ 15 ألف ل.س. وسمك (زبيدي) بـ 40 ألف ل.س (11 دولاراً أمريكياً). وتختلف الأسعار حسب نوع السمك ومصدره بحرياً أو نهرياً.
ويبلغ نصيب الفرد من الأسماك المنتجة محلياً في سورية أقل من كيلوغرام واحد سنوياً، بحسب تصريحات لمسؤولين في “الهيئة العامة للثروة السمكية”، وهي الأدنى عربياً وعالمياً قياساً بالمعدل العالمي (20 كيلو غراماً)، بينما وصل نصيب الفرد في مصر إلى 19 كيلو غراماً تقريباً، بحسب تصريح رئيس “الهيئة العامة للثروة السمكية” المصرية خالد السيد في نيسان/أبريل 2020، طبقاً لموقع الهيئة الإلكتروني.
وبحسب بيانات “المكتب المركزي للإحصاء” تراجع الإنتاج الكلي للصيد البحري والنهري في سورية من 18 ألف طن في 2007 إلى أقل من خمسة آلاف طن في 2019 (بيانات أولية).
يشتهي حسن (رب أسرة يقيم في منطقة دمر بدمشق) أحياناً شراء أي نوع من السمك، وعلى الرغم من أن سعر بعض الأنواع منخفض، لكنه لا يثق بمصدرها؛ إذ تبدو من ملمسها غير طازجة إطلاقاً، كما أن الأسماك ليست متوفرة بشكل دائم، ولها أماكن بيع محددة في مركز مدينة دمشق، مثل: باب سريجة وشارع الثورة.
يقول حسن: “إن سعر ثلاثة كيلو غرامات من الأنواع اللذيذة التي تصلح للشوي يتجاوز 100 ألف ل.س (28.5 دولار). لا يمكنني في الحقيقة تحمل كلفة وجبة تشبع عائلتي ليوم واحد فقط”.
وشملت تقلبات الأسعار اللحوم الحمراء والبيضاء معاً، حيث وصل سعر كيلو الفروج في أسواق دمشق إلى ثمانية آلاف ل.س (دولاران أمريكيان)، وسعر كيلو لحم الأغنام إلى 30 ألف ل.س (8.5 دولار)، ولحم العجل إلى 24 ألف ل.س (سبعة دولارات)، ما حرم قسماً كبيراً، وبخاصة الفئات الهشة في المجتمع السوري من البروتين الحيواني.
وتعتمد سورية في إنتاج الأسماك على ثلاثة مصادر رئيسة: أولها الصيد البحري، وثانيها الصيد الداخلي في المياه العذبة، والمصدر الثالث هو المزارع السمكية عن طريق الاستزراع السمكي. بحسب كلام مدير عام “الهيئة العامة للثروة السمكية” السابق محمد زين الدين لـصحيفة “الثورة” المحلية في 2012.
ويذكر تقرير “حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2020” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” أن الإنتاج العالمي للأسماك بلغ حوالي 179 مليون طن في عام 2018، واستعمل 156 مليون طن من المجموع الكلي للاستهلاك البشري، ما يساوي معدل إمداد سنوي بحدود 20.5 كلغ للفرد الواحد.
وتشير “الفاو” في تقريرها “حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في العالم لعام 2018” إلى أن السمك يمثّل نحو 17 في المائة من البروتين الحيواني المستهلك بشرياً، حيث يوفر نحو 20 في المائة من البروتين الحيواني الذي يحتاجه أكثر من ثلاثة مليارات إنسان على وجه الكرة الأرضية، ويمثل السمك مصدراً مغذياً جداً، ويساعد بشكل خاص على مواجهة نقص المغذيات الدقيقة.
وتعاني الثروة السمكية في سورية من جملة تحديات أبرزها: الصيد الجائر واستخدام وسائل الصيد غير المشروعة، مثل: الصعق الكهربائي واستعمال السموم والتفجير بالديناميت. كما يواجه الصيادون ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم بما يمكنهم من تطوير مراكبهم وأدواتهم؛ إلى جانب جفاف المخازن المائية للمسطحات المائية، وعزوف بعض المربين عن تربية الأسماك لارتفاع التكاليف، بحسب تصريحات إعلامية سابقة لمسؤولين في الثروة السمكية وصيادين.
ومنحت “وزارة النقل” في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 أول ترخيص لإنشاء مزرعة سمكية عائمة على شاطئ جبلة بريف اللاذقية، ويمتد المشروع على مساحة 18 دونماً برية، و15 دونماً بحرية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 400 طن سنوياً.
بواسطة فريق صالون سوريا | يناير 20, 2022 | بالعربية, تقارير, مرئيات
انهارت مئات الخيام في مخيمات النازحين بمناطق شمال سوريا جراء عاصفة ثلجية وأمطار غزيرة اجتاحت
البلاد ليل الثلاثاء- الأربعاء
بواسطة فريق صالون سوريا | يناير 15, 2022 | العربية, تقارير, مرئيات
تنقسم سوريا، البالغة مساحتها 185 كلم مربع، الى ثلاث “مناطق نفوذ”
واحدة تشمل ثلثي الاراضي، تحت سيطرة الحكومة بدعم روسي وايراني
الثانية، تشكل حوالى ربع المساحة، وتحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية -العربية بدعم من التحالف الدولي بقيادة اميركا
الثالثة، تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، وتضم حوالى 10 في المئة من مساحة سوريا، اي ضعفي مساحة لبنان
بواسطة ابراهيم حميدي | ديسمبر 20, 2021 | العربية, غير مصنف
بعيداً عن الشعارات الكبيرة، هناك مشروع يتمدد بصمت وهدوء عبر «الحدود». أنبوب يحمل الأصدقاء والأعداء عبر «الخطوط الحمراء». قطار يخترق «المحرمات». مشروع يختبر القواميس.
الحديث هنا عن أنبوب «الغاز العربي» من مصر إلى الأردن، وشبكة الكهرباء من الأردن إلى سوريا.
إلى الآن، الأمر مفهوم. لكنهما يعبران أيضاً إلى لبنان. لا مشكلة إلى الآن، لكن واقع الحال أن الأنبوب يحمل غازاً إسرائيلياً من “الاعتدال” إلى معقل «المقاومة». أيضاً، الكهرباء القادمة من الأردن منتجة بغاز إسرائيلي.
هذا اختراق أول. الثاني أنه نظرياً على الأقل عليه أن يخترق أحد «المحرمات» الأميركية، أي «قانون قيصر» الذي يفرض عقوبات قاسية على التعامل مع سوريا. هذا «العبور الحرام» تطلّب «استثناءات» من إدارة الرئيس جو بايدن، كانت قادرة على بعضها، ولم تكن قادرة على بعضها الآخر، طالما أن «الباب العالي»، أي الكونغرس، بالمرصاد.
جدل كثير أثير حول هذا المشروع لأسباب سياسية وجيوسياسية واقتصادية، وتنافس بين أميركا وإيران على «قلوب وعقول اللبنانيين والسوريين». وكان لا بد من فكّ شفرات كثيرة، سياسية وقانونية. فمصر والأردن يريدان المضي قدماً به، كلٌ لأسبابه. لكن لا بد من «غطاء قانوني أميركي». وجاءت رسالة خطية من واشنطن، لكنها لم تكن كافية كي تمدّ عمان والقاهرة شبكاتهما للغاز والكهرباء في الإقليم، مسترخيتين تحته. لم تجلب رسالة وزارة الخزانة الأميركية معها أجوبة شافية، بل طرحت أسئلة وتحذيرات بضرورة عدم التعامل مع أي شخصية أو كيان في سوريا مدرجين على عقوبات «قيصر» الأميركي، وضرورة عدم تقديم أموال إلى دمشق. «الضمانات الكافية» لم تصل. فما هو الحل؟
تنشر «الشرق الأوسط» اليوم خلاصات عن شبكات الغاز والكهرباء والأبعاد السياسية والاقتصادية لها، بناء على معلومات من مسؤولين إقليميين ومن دراسة لـ«معهد واشنطن للشرق الأدنى»، شارك فيها خبراء ومسؤولون سابقون، بينهم كاثرين بوير وبن فيشرمان وديفيد شينكر وأندرو تابلر، الذين عملوا في مجلس الأمن القومي والخارجية في إدارتي الرئيسين دونالد ترمب وباراك أوباما:
عودة الى الجذور
أدت الأزمات الاقتصادية والأمنية والإنسانية المعقدة في لبنان إلى ترنح البلاد على حافة الكارثة على مدى عامين، حيث أصبحت المواد الغذائية الأساسية باهظة الثمن. وفي خضم هذا الركود، أصبح انقطاع التيار الكهربائي أمراً معتاداً، وبات البلد «مشلولاً بسبب السياسات الضيقة وسوء الإدارة والفساد، التي تسببت جميعها في انهيار قيمة الليرة اللبنانية». وقد أدى الارتفاع المحلي المقابل في أسعار الوقود المستورد إلى الحد من وصول المستهلكين إليه، ثم إلى انهيار شبه كامل في توليد الكهرباء.
ومن أجل «سد فجوة الطاقة وكسب القلوب والعقول»، حسب البحث، أطلق «حزب الله» جهوداً لاستيراد الوقود الإيراني والمنتجات النفطية من سوريا، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وحلفاءها العرب لعرض «خطة منافسة وأكثر تعقيداً بكثير، تتضمن تزويد لبنان بالكهرباء والغاز بصورة متزايدة عبر كابلات الكهرباء وأنابيب الغاز التي تمر عبر سوريا»، اعتقاداً بأن هذا الخيار «أكثر استدامة للبلاد والبيئة من خطة «حزب الله» – ولمنع اقتراب لبنان من حافة انهيار الدولة والابتعاد أكثر عن الفلك الإيراني».
خطة بعنصرين
تشتمل الخطة عنصرين رئيسيين: الأول يتعلق بالأردن الذي يقوم بتوليد ونقل الكهرباء الفائضة إلى لبنان عبر سوريا، والثاني يشمل إرسال الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب من مصر (وإسرائيل) إلى الأردن، ثم إلى سوريا، وبعدها إلى لبنان، لاستخدامه في محطات الطاقة. وأعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية الأردني عن الخطة بعد اجتماع عقده مع نظيريه اللبناني والسوري في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، حيث إن المكون الأول من الخطة سيوفر للبنان – نظرياً – 400 ميغاواط من الكهرباء يومياً (150 ميغاواط بين الساعة 12 صباحاً والساعة 6 صباحاً، و250 ميغاواط لبقية اليوم)، رغم أن تقريراً لاحقاً أشار إلى أن الأردن لن يوفر سوى 250 ميغاواط في اليوم. ويواجه لبنان حالياً نقصاً في الطاقة الكهربائية يقدر بـ1500 ميغاواط في اليوم. لذلك، لن تحل هذه الخطة الأزمة بالكامل، بل سوف تغطي ما بين 15 و30 في المائة من فجوة الطاقة الحالية، وتزيد إمدادات الكهرباء اليومية في لبنان بنسبة 35 إلى 60 في المائة.
ووفقاً للبيانات الواردة من الأردن، أنتجت المملكة فائضاً من الطاقة الكهربائية بلغ نحو 2800 غيغاواط/ساعة في عام 2020، وتحولت إلى أكثر من 300 ميغاواط في اليوم. وبالتالي، يمكن تحقيق الهدف المتمثل بـ400 ميغاواط في اليوم من خلال الفائض الأردني الحالي، استناداً إلى أرقام عام 2020، رغم أنه من المرجح أن تكون واردات الغاز إلى الأردن مطلوبة لتزويد المملكة بالقدرة الاحتياطية. من جانبهم، أشار مسؤولون سوريون إلى أن تكلفة إصلاح الخطوط في سوريا المتصلة بالشبكة الأردنية تصل إلى 5.5 مليون دولار.
غاز إسرائيل
لجعل هدف إنتاج 400 ميغاواط مستداماً، تشمل الخطة زيادة كميات الغاز من مصر إلى الأردن لتعويض الغاز الإسرائيلي الذي عادة ما يذهب إلى الأردن. وقالت الدراسة: «سيتم بعد ذلك تحويل الغاز الإسرائيلي إلى سوريا، نظراً للتوجه الحالي لخط أنابيب الغاز العربي، وهي شبكة إقليمية تمتد من شبه جزيرة سيناء المصرية، عبر الأردن، وعبر أجزاء من سوريا حتى شمال لبنان». ولا يزال من غير الواضح كيف سيتم تحويل الغاز باتجاه لبنان، بسبب الوضع المعقد لترابطات الغاز القائمة بين سوريا ولبنان. ولكن هناك صفقة يشاع أنها قد تشمل الغاز الإسرائيلي الذي يذهب إلى سوريا، في صفقة مقايضة للغاز السوري عبر الأنابيب إلى لبنان. ولا يزال عدد من التحديات التقنية واللوجيستية والسياسية التي تواجه هذه الترتيبات قائمة من دون حل.
شهد العقد الماضي العديد من التغيرات في صورة النفط والغاز والكهرباء في شرق البحر المتوسط. وتبقى مصر اللاعب الأكبر، حيث تم اكتشاف حقول كبيرة للنفط والغاز، وأخرى في مرحلة الإنتاج على اليابسة وفي البحر. لكن اكتشافات إسرائيل الخاصة بالغاز منحتها استقلالية الطاقة والفائض لتصدير الغاز الطبيعي إلى كل من الأردن ومصر. وكانت سوريا قبل الحرب الأهلية منتجاً كبيراً للنفط والغاز الطبيعي، مع قدرة محدودة للتصدير.
«خط الغاز العربي» شيد بالأساس لتصدير فائض الغاز المصري إلى الأردن وسوريا، مع خط فرعي إلى لبنان، واحتمال توسيع نطاقه إلى جنوب تركيا. ويبدو أن هذه هي البنية التحتية القائمة التي يمكن الآن استخدامها لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأردن وسوريا، ومن ثم إلى لبنان، في حين يستخدم الغاز المصري للاستهلاك المحلي، أو يصدر كغاز طبيعي مسال على ناقلات إلى وجهات مختلفة في جميع أنحاء العالم.
أسطورتان… وقرار
منذ بدء الحديث عن الصفقة، قيل إن الغاز «مصري المنشأ، لكن هذا الوصف مضلل وأسطورة. قد تدفع مصر ثمن الغاز في البداية، وبالتالي يمكن وصفها بأنها الجهة المالكة، لكن أغلب الغاز، أو كله، سوف ينشأ من حقل ليفياثان البحري في إسرائيل»، حسب الدراسة.
والأسطورة الثانية هي أن الغاز سيأتي عبر خط الغاز العربي، الذي تم تشغيله في الأساس في عام 2003، ويبدأ من مدينة العريش شمال سيناء، حيث تتقاطع الخطوط من مصر وإسرائيل. ووفقاً للخطة الأولية، فإن خط الأنابيب تبلغ طاقته السنوية حوالي 10 مليارات متر مكعب، وكان المقصود منه إمداد محطة توليد الطاقة في مدينة العقبة الأردنية وثلاث محطات لتوليد الطاقة في سوريا ومحطة لتوليد الطاقة في لبنان بالغاز. ومع ذلك، يقول مطلعون في مجال الصناعة إن «الغاز المتدفق إلى الأردن عبر خط الأنابيب مصدره إسرائيل، أو على الأقل مزيج من الغاز الإسرائيلي والمصري».
وعلى مدى العقدين الماضيين تقريباً، تسببت الأزمات السياسية في مصر وسوريا ولبنان في انقطاع تدفق الغاز، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في «خط الغاز العربي». وكان أهم تغيير هو قرار الأردن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي بدلاً من الغاز المصري. وقالت الدراسة: «منذ عام 2020، عندما بدأ إنتاج حقل ليفياثان في إسرائيل، تدفق الغاز الإسرائيلي بواقع 3 مليارات متر مكعب سنوياً عبر خط أنابيب يمر عبر إسرائيل، ويعبر إلى الأردن جنوب بحيرة طبرية مباشرة، قبل أن يتقاطع مع خط الغاز العربي. ومن هناك، يتدفق الغاز جنوباً على مسافة بضعة أميال إلى محطات الطاقة الأردنية شمال عمان».
وكانت مصادر أردنية قالت إن الغاز يتم إمداده عبر خط أنابيب منفصل عن خط الغاز العربي، يتجنب على ما يبدو تدفق الغاز الإسرائيلي عبر خط الغاز العربي. غير أن معدي الدراسة لم يؤكدوا الموقف الأردني.
كما أن الجانبين السوري واللبناني نفيا أن يكون الغاز إسرائيلياً. وقال الخبراء: «في النهاية، قد تتقبل سوريا فكرة مرور الغاز الإسرائيلي عبر أراضيها. ومن الناحية النظرية أيضاً، يمكن ضخ كميات إضافية من إسرائيل إلى خط الغاز العربي في شمال الأردن، حيث يذهب بعضها جنوباً إلى محطات الطاقة الأردنية، وبعضها يتجه شمالاً إلى سوريا. ولكن، لكي يكون هذا الترتيب تجارياً، يجب أن يكون قابلاً للتطبيق لمدة خمسة عشر عاماً تقريباً، في حين تقترح الخطة الحالية المزيد من الإصلاح قصير الأجل لمساعدة لبنان وجذب سوريا بعيداً عن إيران».
التمويل… ومصالح
تشير المناقشة العامة الحالية حول كيفية تغطية تكاليف الإصلاحات الضرورية ورفع طاقة خطوط النقل الأساسية إلى أن البنك الدولي قادر على توفير الأموال اللازمة. وحسب المعلومات، فإن روسيا ضغطت على أميركا لتحريك هذا الملف لدى البنك الدولي. لكن هذا يثير على الفور مسألة من يسدد ثمن الكهرباء في لبنان، حيث خلت خزانة الدولة، والمواطنون يعانون الضائقة المالية القاسية حالياً، ويتحملون أعباء دفع تكاليف اللوازم المنزلية حتى في أفضل الأوقات. ومن دون إجابات مُرضية على هذه الأسئلة، لن يكون لدى البنك الدولي التطمينات اللازمة بأن المشروع سوف يكون مجدياً من الناحية التجارية.
وتمتد مسألة التمويل أيضاً إلى دفع ثمن الغاز. وحسب الدراسة: «لن تقوم شركة شيفرون والشركات الإسرائيلية التي تملك حقوق الإنتاج الخاصة بحقل ليفياثان، بتوريد الغاز من دون سداد، وذلك في المقام الأول من مصر. ولن ترغب القاهرة في تمويل المستخدمين اللبنانيين المحليين الذين ليست لديهم نية تذكر، أو لا يريدون بتاتاً، سداد فواتير الكهرباء الخاصة بهم». وكان أفيد بأن البنك الدولي سيدفع ثمن الكهرباء المرسلة إلى الشمال أو الغاز الموجه إلى لبنان. لكن الدراسة تقول إنها «فكرة مستبعدة للغاية»، الأمر الذي يعزز فكرة تمويل عربي للمشروع، وأن هذا ضمن الاتصالات العربية مع دمشق وبيروت.
من وجهة نظر إسرائيل، تقول الدراسة إن الموافقة على تزويد سوريا ولبنان بهذا الإمداد من الغاز الإسرائيلي «ستكون بلا شك فائدة مشروطة أو مرجوة من حيث العلاقات السياسية». وتضيف: «من شأن ذلك المساعدة في منع انهيار الدولة، الذي من شأنه أن يفيد حزب الله وإيران». كما أن «التوغل الإيراني في جنوب سوريا يعني أن منطقة الحدود الثلاثية هي بالأساس منطقة قتال»، الأمر الذي يفسر الدعم العلني الروسي والضمني الغربي لتمدد روسيا جنوب سوريا. كما أن عجز لبنان وإسرائيل عن التوصل إلى حل وسط بشأن حدودهما البحرية المشتركة يرجع في الأساس إلى تضارب المطالبات باحتياطيات النفط والغاز.
ماذا عن سوريا؟
بعد مرور 11 عاماً من بدء الحرب في سوريا، يؤجج مزيج من الإنهاك والبراغماتية الاقتصادية نزعة متزايدة بين الدول العربية لإعادة تأهيل النظام السوري وتطبيع العلاقات مع دمشق. وورثت إدارة بايدن من سابقتها ما كان من نواح كثيرة يعد سياسة سورية طموحة، سعت إلى «الضغط على النظام وحلفائه لتبني تسوية تفاوضية للحرب». وكما قال السفير جيمس جيفري، الممثل الخاص للشؤون السورية، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي عام 2018: «لن تكون هناك مساعدات أميركية في إعادة إعمار سوريا، كما لن يكون هناك دعم أميركي لبلدان أخرى تساعد في هذا الأمر، في ظل غياب عملية سياسية ذات مصداقية في جنيف ضمن سياق عملية 2254 التي تؤدي بلا تغيير إلى دستور جديد، وانتخابات حرة ونزيهة تشرف عليها الأمم المتحدة، وانتقال سياسي يعكس إرادة الشعب السوري. وفي حين نحافظ على وجودنا في سوريا لضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش، فإننا ملتزمون أيضاً بالهدف الاستراتيجي المتمثل في انسحاب جميع القوات التي تقودها إيران من كامل الأراضي السورية».
وفي ظل هذه السياسة، لم تثبط الولايات المتحدة جهود إعادة إعمار سوريا فحسب، بل ثبطت أيضاً جهود العواصم عن إقامة علاقات دبلوماسية أوثق مع دمشق، في محاولة لإبقاء الرئيس السوري بشار الأسد معزولاً سياسياً.
وقد شكلت هذه التدابير، فضلاً عن مجموعة من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واستهدفت النظام، بما في ذلك التدابير المنصوص عليها في «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين»، والذي دخل حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2020، جوهر الضغط غير العسكري ضد النظام السوري.
وقالت الدراسة: «ربما كانت سياسة الولايات المتحدة متماسكة، لكنها لم تكن ناجحة بصفة خاصة. لا شك أن الأسد ظل معزولاً إلى حد كبير خلال إدارة ترمب، لكن النظام، بدعم من روسيا، كان قادراً على تحمل الضغوط الدولية وتجميد أي تقدم ذي مغزى في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254».
وركزت أغلب المشاركات الإقليمية الأخيرة مع دمشق على خطة الطاقة المدعومة من الولايات المتحدة في لبنان كبديل عن الإمداد الإيراني. فالخطتان المطروحتان، الأولى لنقل الكهرباء الأردنية عبر الأبراج السورية، والثانية لنقل الغاز المصري (أو الإسرائيلي) بواسطة خط أنابيب عبر الأردن وسوريا، ستفيدان دمشق اقتصادياً. ومع ذلك، فإن إدارة بايدن تدعم هذه المساعي، «بيد أن الرؤية التي تتمتع بها الأردن ومصر والإمارات بالنسبة إلى سوريا تتجاوز إلى حد كبير مناورة الطاقة في لبنان».
هجوم أردني
في الآونة الأخيرة، اتخذ الأردن بعض الخطوات الأكثر بروزاً للتطبيع مع سوريا، حيث استضاف العديد من الاجتماعات مع كبار المسؤولين السوريين، وجرى اتصال بين الرئيس الأسد والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي نقل وجهة نظره إلى الجمهور الغربي بأنه، لأسباب اقتصادية ولأسباب تتعلق بالموارد، لا يمكن للأردن أن يتجاهل جاره القريب، وأن اللاجئين السوريين في المملكة الهاشمية الذين يزيد عددهم عن 650 ألفاً يشكلون عبئاً خاصاً يتطلب تفاعلاً أكثر نشاطاً مع دمشق.
وفي حين أن بعض التفاعلات الرسمية بين عمان ودمشق كانت مخصصة للأمن، ركزت الغالبية العظمى منها على المسائل الاقتصادية. ولسبب وجيه. وبحسب البنك الدولي، بلغت البطالة في المملكة نحو 25 في المائة، مع ارتفاع البطالة بين الشباب إلى نسبة «غير مسبوقة» وغير قابلة للاستمرار، بلغت 50 في المائة. وفي الوقت نفسه، لا تزال المملكة تتعامل مع التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، حيث تقلص الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 1.5 في المائة في عام 2020.
بالنسبة للأردن، تشكل استعادة العلاقات الاقتصادية مع سوريا إمكانات اقتصادية كبيرة، سواء من حيث التجارة أو عبور السلع إلى تركيا وأوروبا. وحتى الآن، كان لإعادة فتح الحدود الأردنية مع سوريا تأثير محدود على التجارة. ومع استمرار فرض العقوبات الصارمة، أعرب رجال الأعمال الأردنيون عن عدم رغبتهم في استعادة العلاقات الاقتصادية لما قبل الحرب. ومع ذلك، يمكن أن يكون لإعادة إعمار سوريا في الأجلين المتوسط والطويل تأثير كبير على الأردن.
لكن جذر الدعوات لإعادة دمج سوريا هو سياسي أكثر منه اقتصادي، عبر عودة دمشق إلى «الحاضنة العربية»، لاعتقاد البعض أن هذا بمثابة تأكيد «العروبة» السورية، وإبعادها عن إيران «الفارسية». كما تندرج تركيا ضمن محرضات بعض الدول العربية على إعادة تأهيل الأسد. وفي اجتماع للجامعة العربية في مارس (آذار)، انتقد وزراء عرب بشدة تدخل تركيا في سوريا، ودعوا إلى انسحاب القوات التركية من البلاد. لكن الأيام الأخيرة بدأت تطرح أسئلة وعلامات استفهام حول قدرة دمشق على قطع علاقاتها بطهران بعد أكثر من 40 عاماً من الشراكة الاستراتيجية، في وقت تقيم دول عربية حوارات مع أنقرة.
وحتى الآن، لم تشر مصر أو الأردن إلى أن اهتمامهما بدعم مبادرة الطاقة التي تقودها الولايات المتحدة يرتبط بإحباط المزيد من التوغل الإيراني في بلاد الشام، لكنهما قدما دعما لخطة التصدير إلى لبنان عبر سوريا. وفي الصيف الماضي، تحدث الملك عبد الله عن تجنب حدوث «كارثة إنسانية» في لبنان يمكن أن تشعل أزمة لاجئين جديدة، في حين قال رئيس الوزراء الأردني إن المملكة سوف «تستجيب بكل ما في وسعها لإخواننا في لبنان». وعلى هذا المنوال، أعرب وزير البترول المصري طارق الملا في سبتمبر (أيلول) الماضي عن «حرص مصر على تخفيف أعباء الشعب اللبناني والمساهمة في دعم لبنان واستقراره».
أميركا والعقوبات
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن السؤال السياسي المباشر هو ما إذا كان يمكن نقل الكهرباء، وربما الغاز الطبيعي، عبر الأراضي السورية دون انتهاك العقوبات الأميركية على دمشق، بما في ذلك عقوبات «قانون قيصر». وتنتقل الكهرباء في جميع أنحاء المنطقة عن طريق مشروع الربط الكهربائي في البلدان الثمانية: الأردن، ومصر، والعراق، وسوريا، ولبنان، والأراضي الفلسطينية، وليبيا، وتركيا. ولكن، بدلاً من استخدام خطوط نقل منفصلة، تضم هذه المجموعة ترابطاً بين الشبكات الوطنية. وقالت الدراسة: «تقوم شبكة الكهرباء السورية بتشغيل عدد كبير من المنشآت المدنية والأمنية في جميع أنحاء البلاد. لذلك، في حين أنه يمكن من الناحية النظرية تخصيص الكهرباء التي تدخل سوريا من الأردن للمستشفيات أو غيرها من المواقع الإنسانية على طول العمود الفقري الغربي من البلاد، لكن الشبكة تغذي بشكل مباشر عدداً لا يحصى من مرافق الاحتجاز التي استهدفها قانون قيصر نصاً وروحاً على حد سواء. كما أن شبكة الكهرباء السورية، تقوم بتشغيل القواعد الجوية والمروحيات التابعة للحكومة، فضلاً عن منشآت الأسلحة»، الأمر الذي يعني «خرقاً للعقوبات»، ما يعقد تفاصيل الصفقة حتى لو كان ممولها البنك الدولي أو عبر مقايضات عينية، إضافة إلى احتمال مساهمة مؤسسات حكومية سورية مثل شركة النفط المدرجة على قائمة العقوبات.
وبعيداً من ملف العقوبات، يبقى السؤال ما إذا كانت الفوائد التي تجنيها دمشق، مالية كانت أو غير مالية، تأتي ضمن مقايضة لـ«تحفيز النظام» على تقديم تنازلات بينها تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» و«عبر الخطوط» من خلال قرار من مجلس الأمن بموجب تفاهم أميركي – روسي، رعاه مبعوثا الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن في جنيف ويعملان على تمديده في 10 من الشهر المقبل.
* نقلا عن “الشرق الأوسط”