بواسطة يمامه واكد | ديسمبر 28, 2021 | العربية, مقالات
“حتى الفلافل والفول خذلونا، وارتفاع الأسعار دبحنا، والتجار تبرر بسعر الدولار، تخيل الخس اللي بينحط ع سندويشة الفلافل صار سعرو مرتبط ببورصة الدولار!” يتنهد أبو عادل ( 40 عاماً) وهو يقف أمام محل لبيع الفول والحمص بمدينة جرمانا أكثر مدن ريف دمشق اكتظاظاً بالسكان، يشوح بعينيه بين المارة راثياً حال ما آلت إليه الأكلة الشعبية الأشهر أو اصطلاحاً أكلة الفقراء والتي للأسف لم تعد كذلك، في بلد فاخر وفاخر هو وجاره اللبناني بأنّهم صنّاع هذه الأكلات وأصلها وسببها ومصدرها، يقول ” منين بدنا نجيب مصاري وأكل، كنا نشتهي اللحمة، وهلأ صرنا نشتهي الفول والفلافل، ما بقي في شي ناكله، ال هم شبعنا، قلبنا من الحامض لاوي”.
أبو عادل يعمل موظفاً في مؤسسة حكومية يشرح لـ “صالون سوري” كيف بدأت أسعار المواد الغذائية والفواكه والخضروات بالارتفاع حتى لم يعد بمقدوره وأمثاله من الموظفين الحكوميين القدرة على تحمل تكاليف المعيشة بالنسبة لتأمين الغذاء له وأسرته، وكلمة أمثاله لا تعود فقط –كما اتضح- على الموظفين، بل تعود على شعب بأسره، إلا من رحم ربه وصار أميراً في حرب مزقت البلاد والعباد.
2010-2022
“مافي أمل. بتزيد الرواتب من هون، وبتزيد الأسعار بعدا، والكل عم يركض وما عم يلحق، القصة ما بدها علم، صارت واضحة للجاهل والمتعلم، الزيادة مندفعها من جيوبنا سلفاً”، يعلق الموظف شفيق خير على زيادة الرواتب التي أقرتها الحكومة مؤخرا بمقدار 30 بالمئة، لكن يبدو أنه غير متفائل أبدا بهذه الزيادة التي يتوقع منها حملاً إضافياً بارتفاع تكاليف المعيشة والمواد الغذائية، وبالتالي زيادة البؤس الحياتي لأصحاب الدخل المحدود، بات هؤلاء يتشابهون بكل تفاصيل المعاناة وثقل الأيام وعدم انتظار القادم الموعود مع شريحة الفقراء وهي الأعظم في البلاد، ولعل القادم المشرق الذي تعد به الحكومة بتحسين ظروف المعيشة للمواطنين يدور في مخيلتها فقط دون النظر لأحوال الناس والأرواح المتعبة والمتهالكة، الأمر واضح بالشارع، يضيف شفيق: “انظر نسبة التسول والتشرد في الشوارع، متى كانت سوريا هكذا، هل يصدق عاقل أن نسبة الجهل والأمية وصلت حدود صفر بالمئة عام 2010، كيف سنروي لأطفالنا هذه السيرة، سيفكروننا مجانين، وهم الذين تربوا على الفقر والحاجة والحلم بصحن الفول والحمص والفلافل، ونحن على أبواب عام 2022”.
القصة برمزيتها
“الله يرحم يوم الجمعة، فرقتنا الحرب وما عاد في طعم لأي شي”. تتحسر أم إياد (65 عاماً) على أيامها ما قبل الحرب حينما كانت تجمع هي وزوجها كل يوم جمعة أولادها وأحفادها بطقس شهير لدى كل السوريين. العائلات كانت تلتف حول بعضها البعض على مائدة إفطار واحدة، والطبق الرئيسي فيها أكلة الفول والفلافل والمسبحة”. تكمل لـ “صالون سوري”: ” كنت أتمنى لو أن أكلة الفول التي كنت أجمع أولادي وأحفادي عليها في يوم العطلة ستبقى تجمعني معهم إلى اليوم، راحت أكلة الفول وراحت ذكرياتها معها، متل ما راح كل شي حلو وأخدت هالحرب معها زوجي وولادي التنين”.
أم إياد التي نزحت من داريا قبل ثمانية أعوام جراء الحرب ودمار منزلها، كانت ككل الأمهات همها الوحيد في الدنيا إسعاد عائلتها و الدعاء لأولادها وزوجها بالرزق والصحة والهناء، اليوم بقي لها الدعاء لحسن ختام حياتها. هكذا تقول، تعيش منتظرة مساعدة أهل الخير لها لإعانتها على مرارة العيش وضيق الحال بعدما توفي زوجها وولديها.
الحرب فرقت وشردت الكثير من العائلات، وأكلة الفول لا تزال عالقة في أذهان من بقي حياً في هذه البلاد، لا طعم لها بعد اليوم عندما كان لها النصيب الأكبر في المائدة إما بسبب رحيل الأحبة أو بسبب الغلاء وسوء الحال و الفقر والجوع، تعددت الأسباب والمحنة واحدة!، قد يبدو الأمر بسيطاً قياساً بما عاناه السوريون من ويلات في سنوات خلت، ولكن القصة برمزيتها المغرقة بالذكريات، باختصار، طعام الفقراء ما عاد للفقراء.
بمنتهى التقنين
تقف “رولا خير” (19 عاما) طالبة جامعية أمام محل فلافل القريب من سكنها الجامعي وتسخر من الحال التي وصلت إليه أسعار الأطعمة والمأكولات، تقول: “سعر سندويشة الفلافل ألفين ليرة وإذا بدي أكلها كل يومين بدي 30 ألف بالشهر، وطبعاً هادا أرخص شي بالأكل، كيف بده يكفيني المصروف؟”.
رولا حالها كحال الكثيرين من أبناء المزارعين والفلاحين ومعدومي الدخل في سوريا، فإن كان التعليم الجامعي لازال متاحاً لهم، تبقى مصاريف الجامعة والمعيشة والتنقلات والطبابة تثقل كاهلهم وتزيد على أرواحهم غصة الألم والتحسر على أيام الطفولة التي عاشوها مطلع الحرب والقادم من الأيام حيث البطالة والشح وتفاقم سوء الحال، وخير المطالع صار تسليماً على الماضي الذي لن يعود.
نشرة أسعار
بداية شهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي حددت محافظة دمشق نشرة أسعار جديدة للفول والمسبّحة والفلافل والمعجنات، لتصبح سندويشة الفلافل بـ 1200 ليرة سورية، وكيلو المسبحة بـ 4200 ليرة، وكيلو الحمص المسلوق بـ 2400 ليرة سورية، وكيلو الفول المسلوق بـ 2000 ليرة، وصحن المسبحة بالزيت أو صحن الفول بالزيت أو صحن حمص حب بالزيت مع سرفيس وخبز (200 غرام) بـ 1800 ليرة”، وزبدية فتة بالسمن أو فتة بالزيت مع سرفيس 3 أنواع (500 غرام) بـ 2300 ليرة”، ولكن هل من ملتزم، تقول امرأة للتو اشترت من محل فلافل في المزة بأسعار تقارب ضعف التسعيرة الرسمية.
“نحنا نحاول الالتزام بنشرة الأسعار، لكن لا نستطيع دائماً بحكم كل شيء بيرتفع حولنا من أسعار، وطبعا بزيد عليها في كل طلب سعر السرفيس (مخلل) والخبز”. يشرح سامر الحمصاني صاحب محل للفول والفلافل وسط دمشق لـ” صالون سوريا” سبب زيادة الأسعار من قبل البائعين على نشرة الأسعار الأصلية المحددة من قبل محافظة دمشق فتختلف التسعيرة باختلاف طلب الزبون والمرفقات التي يحتويها كل طبق أو سندويشة وبخبز سياحي أو عادي، وطبعاً تنطبق تلك الزيادة على سعر سندويشة الفلافل التي تباع بزيادة قدرها 600 ليرة، تبعاً للمكونات الموجودة ضمن السندويشة كالمخلل والخضار، ولا تقتصر مضاعفة الأسعار تلك على أطباق الفول وسندويشة الفلافل، وتطال أيضاً سعر قرص الفلافل الذي يتراوح سعره في بعض المناطق من 100 إلى 150 ليرة، علماً أن نشرة الأسعار حددت سعر القرص بـ 90 ليرة.
بينما يحرص بعض البائعين على الالتزام بنشرة الأسعار الواردة من محافظة دمشق، لتذهب تلك الالتزامات أدراج الرياح لدى الكثير من أصحاب مطاعم الفول والحمص الذين يبيعون الفول والحمص بأسعار مضاعفة، ويؤكدون أن السبب في ارتفاع أسعار هذه المأكولات الشعبية هو زيادة سعر زيت القلي وارتفاع أسعار الحمص إلى أكثر من 4000 ليرة للكيلو غرام، و سعر كيلو الفول إلى نحو 5000.
” المواطن السوري لم يعد بإمكانه تناول حتى الفلافل بسبب الارتفاع الجنوني بأسعار الزيوت، وهذا أمر غير منطقي”. يعلق نائب رئيس لجنة التصدير في اتحاد غرف التجارة السورية فايز قسومة على حال ما وصلت إليه أسعار ما كانت تسمى بأكلة الفقراء، حيث أن السبب الرئيسي يعود لارتفاع أسعار الزيوت، كاشفاً وجود خمسة معامل تنتج الزيت النباتي وهي المسيطرة والمتحكمة بالسوق، ولهذا فأسعار الزيوت “عالية”. وبحسب قسومة فإن استيراد الزيت النباتي ممنوع حالياً في لحين إقناع “وزارة الصناعة” بموضوع الاستيراد، و في حال تم ذلك فإن الأسعار ستنخفص بمعدل 60 بالمئة.
انعدام الأمن الغذائي
في ختام زيارته إلى سوريا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، حذر مدير برنامج الأغذية العالمي من التدابير القاسية التي يضطر الأهالي لاتخاذها بسبب الجوع والفقر، ونقلا عن الأمهات اللواتي التقى بهن خلال زيارته، يقول بيزلي إنهن، مع الشتاء القادم، “عالقات بين المطرقة والسندان فإما أن يطعمن أطفالهن، ويتركونهم يتجمدون من البرد، أو يبقونهم دافئين ولكن بلا طعام، إذ لا يمكنهن تحمل تكلفة الوقود والطعام معا”.
وبحسب بيان برنامج الأغذية العالمي، يعاني الآن حوالي 12.4 مليون شخص – ما يقرب من 60 في المائة من السكان في سوريا – من انعدام الأمن الغذائي ولا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم التالية. وهذا أعلى رقم تم تسجيله في تاريخ سوريا بزيادة نسبتها 57 في المائة عن عام 2019.
تحذيرات أممية ربما ليست بجديدة حول خطورة الأمن الغذائي في سوريا تتصاعد عاماً بعد أخر منذ بدء الحرب في البلاد، أجراس الأمعاء الخاوية لدى السوريين باتت تدق ناقوس خطر المجاعة مع الفقر وسوء الأوضاع المعيشية.
الأكلة الشعبية للذكرى
بعد موجة الغلاء الكبيرة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية لجأ الكثير من السوريين إلى الاستغناء عن العديد من الأكلات والأطعمة المفضلة لديهم والاعتماد على الأكلة الشعبية الفول والمسبحة وسندويشة الفلافل المعروفة بطيب مذاقها ورخص ثمنها، لكن يبدو أنها بدأت تبتعد عن جيوبهم الفارغة يوماً بعد آخر، وباتت حلماً بعيد المنال عنهم أيضاً، بعد أن صار ثمنها، بعيدا عن متناول جيوبهم، بسبب استمرار ارتفاع الأسعار الجنوني. سندويشة الفلافل الأكلة الشعبية التي كانت قبل الحرب في متناول أغلب العائلات السورية، ربما ستدخل أخيراً في إطار “التراث غير المادي” لسوريا لتبقى ذكرى للأجيال القادمة!، مجدداً، تلك الأجيال التي لن تصدق يوماً أنّ بلدهم كانت بلد خير.
بواسطة الحسناء عدرا | ديسمبر 27, 2021 | العربية, مقالات
إذا كنتَ تريد شراء شجرة ميلاد لهذا العام، فعليك التفكير ملياً عزيزي السوري قبل الإقدام على تلك الخطوة المجازفة، لأنك بذلك تعرض عائلتك لخطر الجوع طوال أشهر.
تظهر علامات الدهشة واضحة على ملامح الشابة رنيم لدى سماعها سعر شجرة الميلاد التي وصلت إلى 550 ألف ليرة أي ما يعادل راتب موظف فئة أولى لمدة ثمانية أشهر. ينهال عليها البائع بسيل من عبارات الترغيب وميزاتها النادرة التي يتقنها البائعون عن ظهر قلب، تقول الشابة:” َساومتُ شجرة سرو بطول 210 أمتار بسعر 5500ألف نخب ممتاز ، بينما الأقل جودة بسعر 175 ألف ليرة سورية، فيما تراوحت أسعار كرات الزينة بين 1000 لغاية 3000آلاف للقطعة الواحدة، للأحجام الصغيرة، أما الحجم الكبير تصل إلى 25 ألف ليرة سورية”.
وعن سبب ارتفاع أسعار الزينة وشجرة الميلاد، يفسر أحد بائعي المحلات في باب توما وسط دمشق، لـ “صالون سوريا” :” قفزت أسعار الزينة وأشجار الميلاد خمسة أضعاف عن العام الماضي، فحينها كان الدولار الواحد يعادل 500 ليرة سورية، أما الآن فوصل إلى 3500، فالشجرة كانت تبلغ 90 ألف أما هذا العام تفوق نصف مليون، وكذلك الأمر بالنسبة للزينة وشرائط الإضاءة وسواها”، يعقب الرجل: “أنه يضطر إلى رفع أسعار بضاعته مع كل صعود للأرز والسكر والزيت، فإن لم يفعل ذلك، فكيف سيعيش” وعن نسبة الإقبال على شراء أشجار العيد هذا العام، يجيب البائع”: أجل، هناك إقبال جيد، نتوقف عن البيع بداية العام الجديد، والبضاعة المتبقية نبيعها السنة المقبلة حسب مزاج الدولار وهكذا”.
عروض مغرية
بائع آخر يقدم عروض مغرية على أشجار الميلاد في محاولة لجذب المزيد من الزبائن وسط تدهور الليرة السورية وانخفاض القدرة الشرائية، يردد الشاب على مسامع الزبائن أسعار الخصومات بالقول: “بدل 700 صارت 450 ألف، كل قطعتين زينة بـ 15 ألف، أكسب العرض”، على وقع أصوات الباعة التي تغص بشوارع سوق القصاع، تسأل جويل عن أسعار شجرة الميلاد لإشباع فضولها، تقول :”الحمد لله أنني احتفظت بشجرتي منذ عامين قبل غلاء الأسعار، كنت سأتهور وأتخلص منها لاهترائها قليلاً، لكن هذا أفضل من دفع نصف مليون”، حال ربا ليس بأفضل، فلم تتكبد أي نفقات هذا العيد، فهي ما زالت تدخر أغراض الزينة والشجرة من السنوات السابقة، تقول:” توقعت ارتفاع الأسعار، لذلك لم أفرط بها أبداً، أنزلتها من العلية ونظفتها وعادت جديدة”.
اما ميرنا، فتخلت كليا عن تقليد شراء شجرة الميلاد منذ سنوات عديدة مضت. يرجع ذلك إلى أسباب عديدة، منها، المادية والنفسية، توضح الشابة” لا نملك شجرة، ونسينا هذا الطقس منذ أكثر من أربع سنوات، قد يكون السبب نظرا لعدم وجود أطفال في المنزل، لكن لا شك في الأمر أنها أصبحت مكلفة جدا، لكن تكمن المشكلة بالجو العام المشحون والمتعب الذي ينعكس على نفسيتنا، لا أحد هنا سعيد، فالوضع الاقتصادي الخانق يؤثر على صحتنا النفسية”.
اريد عاما دافئا
فرضت سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تغيرات عميقة على ممارسة طقوس عيد الميلاد في سوريا. ففي هذا العام بهتت بهجة العيد فاحتفل السوريين في عماء مظلم وبرد قارس، ما تسببت في بث أجواء من كآبة موحشة وفرحة مقننة. توضح ربى: “لم أشعر بجو العيد، الإنارات مطفئة في الشوارع والظلام يكسو البلاد وكأنها شبح، لم أهناً بمنظر الشجرة المزينة لأن الكهرباء مقطوعة على الدوام، ظلت شجرتي قابعة في زاوية منزوية بالمنزل يلفها حبال من الضوء تنتظر رحمة التيار الكهربائي، افتقد لعيد ميلاد قبل اندلاع الحرب في سوريا”.
“تحول العيد إلى زيارة الكنيسة وأداء واجب الصلاة فقط”، هكذا أصبح العيد بالنسبة لعائلة أم فادي، فيما صار إعداد الحلويات وشراء الشجرة وتزيينها ضمن اللائحة السوداء، تقول” هذا العام الثاني على التوالي، لا أقوم بإعداد البيض الخاص بالعيد والحلويات الآخرى، أصبح في عداد النسيان، كيف سأصنع الحلوى والكهرباء تأتي ساعتين في اليوم الواحد”.
تختصر أم فارس أمنياتها في عيد الميلاد لهذا العام بأن ” تتنعم بالكهرباء والدفء، بينما الأحلام الكبيرة وضعتها على الرف جانباً”، تعقب السيدة الخمسينية: “بدي كهرباء لأقدر شوف قدامي، ومازوت لدفي عظامي”، هذه الأمنية يتشاركها معظم السوريين الذين تحولت أحلامهم إلى كيفية تأمين سبل العيش وتحصيل رزقهم، بينما يبقى حلم السفر خيار وحيد للخلاص والنجاة من الحياة في بلادهم، تعبر الشابة فرح عن أمنيتها الملحة بالسفر” هو طوق النجاة لي، بت أفكر في مواعيد وصل الكهرباء بدل مواعيد امتحانات الجامعة، أرتب مواقيت استحمامي ودراستي على إيقاع التيار الكهربائي”.
تنشر سوزان على أحد مجموعات التواصل الاجتماعي على “فيسبوك” منشوراً تبحث فيه عن شجرة ميلاد مستعملة بسعر مقبول لا يتجاوز 100 ألف ليرة سورية، تقول الشابة لـ “صالون سوريا”: ” لا أملك المال لشراء جديدة، وفي الوقت ذاته لا أريد أن أتخلى عن فكرة الشجرة التي هي تجسد فرحة العيد ، لذلك فكرت بنشر إعلان لشراء واحدة مستعملة، أرسل العديد لي صورا مرفقة بالأسعار وسأختار منها ما يناسب ميزانيتي”، يتبادل أعضاء المجموعة أسعار الأشجار المتداولة في السوق التي وصلت إلى المليون ليرة سورية، تعلق إحداهن على ذلك بالقول:” أفضل قطع عدة أغصان من شجرة الصنوبر في قريتي على أن أدفع هكذا مبلغ”.
بواسطة صدام حسين | ديسمبر 27, 2021 | العربية, غير مصنف
كان أحد المواطنين يهمّ بإفراغ محتويات ظرف «الإندومي» في وعاء، عندما أطلقت الحكومة السورية، برنامجاً لتأريخ “المأكولات الوطنية”. كاد هذا المواطن، ينسى طعم المأكولات الشهية التي يشتهر بها المطبخ السوري، لأن مكوناتها أضاعت عنوان منزله منذ سنوات.
تخشى الحكومة على “المأكولات السورية” من السرقة وادعاء الملكية، لان «العدو ينشغل حالياً بتسجيل الملكية الفكرية لمأكولات طوّرتها جداتنا على مدى قرون». لكن المواطن يرى أن بعض من في الحكومة منشغل بسرقة مكونات وجبات البلد، ومواد هذه الطبخات، فيما اكتفى العدو بسرقة الوصفات.
معركة الأمعاء الخاوية
فرغت «السلة الغذائية» للمواطن السوري من معظم المواد الأساسية، إلا من بعض ربطات المعكرونة، وحصص البرغل والعدس التي تقدمها بعض الجمعيات الخيرية على شكل «كرتونة معونة»، إضافة إلى بضعة كيلو غرامات من الأرز والسكر وليتر واحد شهرياً من الزيت، بموجب “البطاقة الذكية”، ضمن همروجة الدعم التي تقدمها الحكومة للمواطن، وتهدد برفعها عنه في كل مناسبة.
يعاني اليوم أكثر من ١٢ مليون سوري داخل البلاد والملايين في المخيمات، من انعدام الأمن الغذائي حسب تقارير الأمم المتحدة، ويعاني معظم السوريين من سوء التغذية بعد خروج مكونات البروتين والمواد الدسمة من وجباتهم. فاكتفى معظم السوريين بوجبة واحدة في اليوم، فيما ينام معظم الأطفال بلا طعام، وبات الشعب السوري يخوض «معركة الأمعاء الخاوية»!.
انفصال عن الواقع
تقول مذيعة يرافقها «شيف غربي» في إحدى فقرات الطبخ على أحد التلفزيونات: «سوف نحضر لكم اليوم طبقاً مكوناته موجودة في كل بيت»!. وتتضمن هذه المكونات “كيلو واحد من اللحم الأحمر، ونصف كوب من الصنوبر واللوز”. وعندما تدخل ربة المنزل إلى مطبخها لتحضير الوصفة، لا تجد إلا الكوب الفارغ.
أصبحت برامج الطبخ «المنفصلة عن الواقع» على التلفزيونات الرسمية والخاصة بمثابة تعذيب للمواطن الذي يشاهدها ويتحسّر، لأن أقل طبخة منها تكلف معظم الراتب بحال توفر الغاز المنزلي للطهو، حتى إن جرة الغاز فرغت في إحدى البرامج على الهواء مباشرة، في أدق تعبير عن حالة المطبخ السوري.
ومن حسن حظ المواطن السوري أن الكهرباء تبقى مقطوعة في معظم الأوقات، وإلا كان سيشاهد “مجازر الطعام” على قناة «فتافيت» وأخواتها من قنوات الطبخ التي تبث الوصفات مما لذ وطاب على مدار الساعة.
الشيف عمر
يطهو «الشيف عمر»، وهو طباخ سوري مشهور، يعيش خارج البلاد عشرات الأطباق التي يشتهر بها المطبخ السوري. ويمتلىء «يوتيوب» بعشرات الطهاة الذين يقدمون لنا «الكبب بأنواعها، والشيش برك والشاكرية والمقلوبة والمحاشي واليلنجي والـ داوود باشا، والكباب».
يثني المتابعون العرب عبر التعليقات على المطبخ السوري، ويتضرعون بالدعاء من أجل سوريا. أما المواطن السوري، فيشاهد أطباق بلده بكل فخر واعتزاز، ويعود بعدها إلى الواقع ويتناول طبقه اليومي من شوربة العدس والمجدرة، التي لطالما كانت رمزاً للفقر، ومع ذلك أصبحت تكلفتها كبيرة نسبياً.
بيت المونة
أما «بيت المونة» الذي تمتاز به بيوت السوريين، وهو تراث صنعته جداتنا أيضاً، أصبح ركناً فارغاً تعبث به الفئران دون أن تجد ما تأكله. قطرميزات المكدوس والمربيات واللبنة والجبنة والزيتون، أصبحت جزءاً من الماضي وصار السوريون يشترونها بالغرامات.
غاب صحنا «الفتوش والتبولة» عن موائد السوريين المشهورة بأنها «عامرة» ومتنوعة، لأن تكلفتها باتت تعادل الحد الأدنى للأجور، وفي ظل تحليق أسعار الخضروات الأساسية أصبحت الفاكهة رفاهية غير متوفرة في جميع المواسم. أما الحلويات أصبح شراؤها ضرباً من الخيال، ولم تزر البقلاوة والكنافة وحلاوة الجبن بيوت معظم السوريين منذ فترة طويلة.
مطاعم خمس نجوم
على المقلب الآخر ، تمتلئ مطاعم سوريا من فئة الخمس نجوم بزبائن طبقة الـ 1 بالمئة المخملية التي تشكلت من “أمراء الحرب” والمسؤولين الفاسدين، ومحدثي النعمة، فيما أصبح الدخول إلى مطعم حلماً صعب المنال لـ 99 بالمئة من محدودي ومعدومي الدخل. هل هي حالة طبيعية أن يكون حلم المواطن السوري أن يتناول وجبة بسيطة في مطعم ولو لمرة واحدة في الشهر؟!.
تغيب اليوم ثقافة «الديليفري» في سوريا، ليس بحكم العادات والتقاليد، وإنما لأنها أصبحت رفاهية لا يملكها الموظف الفقير الذي لا يتجاوز دخله 20 دولاراً أميركياً. فيما يعتبر طلب «وجبة بيتزا ساخنة» إلى المنزل مثلاً أمراً اعتيادياً يقوم به مليارات البشر يومياً على هذا الكوكب.
النيل من هيبة المطبخ السوري
كي لا نُتهم بـ «النيل من هيبة المطبخ السوري والقدود الحلبية»، ونحن لا نقلل هنا من أهمية التراث المادي واللامادي والحفاظ عليه من السرقة. نقول إنه أمر بالغ الأهمية تسجيل وتوثيق كل ما له علاقة بالهوية الثقافية الجمعية للسوريين من آثار، وقدود حلبية، ومأكولات شعبية، وحرف تقليدية، ولا شك بأن سرقة العدو للفلافل والحمّص والزعتر استيلاء على الثقافة والهوية لا يقل عن جريمة سرقة الأرض. لكن ما الفائدة إذا سجلنا طبقاً ما على قائمة التراث العالمي، وأصحاب هذه الطبخة غير قادرين على طهوها؟.
أفضل طريقة للحفاظ على المأكولات السورية، هي أن نكون قادرين على طبخها باستمرار، لأن الجائع عادة لا يهتم بالتراث. هكذا يقول فقه الأولويات، ولا يمكن أن تتحول بلدنا من لاعب مهم ومؤثر على مستوى الشرق الأوسط، إلى خوض معارك المطبخ.
تعجز الحكومة اليوم عن تقديم حل منطقي لأزمة الجوع في سوريا. البلد الذي كان يتغنى بالاكتفاء الذاتي، وأصبح يستورد القمح في ظل العقوبات والحصار، والفساد الذي أكل الأخضر واليابس، وفي حين تأكل طبقة الواحدة بالمئة البيضة والتقشيرة، يأكل بعض أهل سوريا اليوم من حاويات القمامة.
أنا سوري آه يا نيالي
بث التلفزيون السوري خبراً عاجلاً ملأ نصف الشاشة ومفاده أن «اليونسكو أدرجت القدود الحلبية على لائحة التراث الإنساني». خبر بالغ الأهمية في ظل الصراع الثقافي، وربما يحفظ التراث من الضياع والتشويه والسرقة. لكن المواطن السوري، مهدد أيضاً بالانضمام إلى لائحة التراث العالمي بحال استمرت الكارثة الحالية.
الاحتفال العارم في ساحة الأمويين، وحالة الطبل والزمر وامتطاء التراث، لم تمنع المواطنين من إطلاق النكات. فالبعض وجد أن القدود الحلبية ترفع مستوى الصمود، و تعزز الشعور القومي، فيعيش المواطن مع القدود حالة من الطرب الدائم والسلطنة، تنسيه هم قلبه، فيواجه انقطاع الكهرباء بـ «رقص السماح والشيخاني» بدلاً من الدبكة، وربما يستخدم «قدك المياس» مع الزعتر بديلاً عن الزيت، ولا مانع من إدراج أغنية «أنا سوري آه يا نيالي» على قائمة اليونسكو، لتكون دليلاً على الكائن السوري على هذه البقعة من الأرض بعد انقراضه.
من مال الله يا محسنين
ــ دخل سائح أجنبي إلى سوريا، فاستوقفه متسول وقال له «من مال الله يا محسنين»، فقال السائح: كم هذا رائع! هل هذا من القدود الحلبية؟، فرد الشحاذ قائلاً: «لا والله يا غالي هاد موشح يومي للسوريين».
ــ يقول مواطن سوري ساخراً إن الحكومة قررت توزيع القدود الحلبية على المواطنين عبر البطاقة الذكية، ولكنه يتخوف من ظهور سوق سوداء للموشحات!.
ــ من يشاهد بعض فقرات الطبخ على بعض التلفزيونات يظن أن المطبخ السوري أفضل بـ 50 مرة من العام 2011.
ــ كما كان يفعل «أبو عنتر» في إحدى المسلسلات، يسعى بعض السوريين للحصول على إقامة في سجن عدرا، الذي يؤمن لهم الطعام والشراب والدفء مجاناً. ولهذا يرفعون سقف الانتقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لعل وعسى يطالهم قانون الجرائم المعلوماتية الجديد.
الشنكليش واليورانيوم
ــ يرى البعض أن العدو الذي يخصب اليورانيوم سوف يعجز عن سرقة طريقة جداتنا في تعفين «الشنكليش» وصناعة «الجظ مظ».
ــ يعتقد مواطن سوري أن سرقة المأكولات هو من اختصاص الحكومة الوطنية ولن نسمح للدول الإمبريالية أن تسرقها.
ــ فيما تستعد الحكومة لتسجيل المأكولات السورية على لائحة التراث العالمي، لم يحسم الجدل محلياً بعد حول إن كانت حلاوة الجبن حمصية أو حموية!.
ــ غابت ظاهرة موسوعة غينيس وأطول سيخ كباب وأكبر سيخ شاورما، نتيجة الأوضاع الاقتصادية.
ــ كانت دمشق وحلب تشتهر برائحة الطعام الشهي التي تفوح في حاراتها على مدار العام، ولكنها تفوح حالياً لمدة محدودة في «شارع الأكل» الذي تحول إلى مهرجان سنوي.
كل لقمة بغصّة
ــ غصّ مواطن سوري وكاد يختنق بلقمة الخبز التي كان يضعها في فمه عندما سمع تصريح رئيس الوزاء حسين عرنوس يقول إن “تكلفة ربطة الخبز ١٢٠٠ ليرة ونبيعها ب ٢٠٠ ليرة”، شعر هذا المواطن بالذنب لأنه يكلف الحكومة فوق طاقتها.
ــ أضافت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” ملف أكياس الخبز في سوريا إلى مفاوضات فيينا، للتأكد فيما إذا كانت مسرطنة، وعدَلت المنظمة عن الفكرة عندما رأت الشعب السوري يفرد الخبز على الأرض.
ــ نشرت وكالة “سانا” خبراً عن أطعمة يجب تجنبها عند الإصابة بتسمم غذائي ومنها “اللحم والدجاج والديك الرومي والمأكولات البحرية”، وهنا علق مواطن ساخراً بأن وكالة سانا نسيت الأفوكادو والكافيار.
حمام بارد
ــ جرب مواطن سوري نصيحة خبير استضافته إذاعة دمشق ونصح عبر أثيرها بالاستحمام بمياه باردة، فتعلم المواطن رقصات مايكل جاكسون جميعها تحت الدوش، وهو يتلقى العلاج في المستشفى حالياً.
ــ يترقب الجمهور السوري برنامجاً صباحياً على الإعلام الرسمي عن فوائد المجاعة بعد أن اقترب منها.
ــ من المواضيع المقترحة للبرامج الصباحية في الفترة المقبلة: فوائد الركض خلف السرفيس، أضرار الكهرباء، فوائد الوقوف على الطوابير، برنامج خاص عن مزايا عذاب القبر، وفوائد العيش في مقبرة.
*الصورة من صفحة سلوى زكزك
بواسطة ديالا الهاشم | ديسمبر 23, 2021 | العربية, غير مصنف
تكاد لا تمرّ أزمة على رؤوس السوريين، إلا وتظهر أطراف خفية تقوم باستغلالها مادياً وتتمنى استدامتها إلى ما لا نهاية. آخر هذه الأزمات المتلاحقة هي المتاجرة بجوازات السفر مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة، قد تصل إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية أي قرابة (1000) دولار حسب سعر السوق السوداء، والتربّح من نفاذ صبر المضطرين للسفر خارج البلاد. الغريب في الأمر هو وجود تفاوت كبير بين الأسعار بين وسيط وآخر، ففي الوقت الذي حددت فيه وزارة الداخلية رسوم منح وتجديد وثيقة السفر للمواطنين المتواجدين داخل الحدود السورية، والحصول عليها بشكل فوري على أن يتم استلامها في اليوم ذاته، مقابل مبلغ مالي قدره 100 ألف ليرة، غير أن إبراهيم (31 عاماً) دفع تسعة أضعاف هذا الرقم للحصول عليه. يقول الشاب لصالون سوريا :”دفعت مليون ليرة سورية خلال أربع ساعات مقابل تجديد جواز السفر وأنا مضطر للسفر ولا وقت لدي للانتظار في طابور طويل يمتد لأيام وأسابيع وربما شهور، ريثما يأتي دوري”. دفع الشاب المبلغ بأكمله مسبقاً لأحد الوسطاء الذين يعملون في تيسير الأمور في الهجرة والجوازات. قام أولاً بدفع الإيصال من أحد المصارف العقارية ليكمل الوسيط إتمام العملية كلها. يتابع الشاب: “كل ما فعلته هو انتظار الوسيط في السيارة، وصلنا إلى مقر الهجرة في الساعة التاسعة صباحاً لتنتهي الإجراءات عند الساعة الواحدة ظهراً، لا أستطيع انتظار دوري، فقد حصلت على فيزا عمل في دبي ولن أخسر فرصتي في السفر من أجل مليون ليرة، كما أن الموقع الإلكتروني للوزارة لا يستوعب الأعداد الهائلة التي تقوم بحجز أدوارها، فهو يستوعب حوالي مئتي اسم بينما المتقدمين يفوق عشرة آلاف شخص يومياً، ما يؤدي إلى تعطيل المنصة الالكترونية، إلى جانب رداءة الانترنت في البلاد وانقطاع التيار الكهربائي لساعات “. يتابع محمد: “هناك العديد من الناس الذين يستغلون حاجة الآخرين للسفر، ويتخذونها فرصة حقيقية لسرقتهم علناً (على عينك يا تاجر). والمؤلم في الأمر أنه لا يمكنك ردعهم لأنك بأمس الحاجة إلى الجواز المجدد وعدم تفويت فرصة السفر التي نادراً ما تأتي”.
أما جمال فباءت جميع محاولاته بالتسجيل عبر المنصة الإلكترونية بالفشل، يقول لصالون سوريا: “حاولت لمدة 15 يوماً دون طائل كما ذهبت إلى مقر الهجرة وانتظرت هناك أيضاً لأيام عديدة، لكن بلا فائدة، عليك الذهاب من مساء يوم الجمعة لتتمكن من حجز دور في اليوم التالي، الازدحام خانق ولا يسعك وضع قدم هناك”. لذلك اضطر الشاب للاستعانة بأحد الوسطاء ودفع مبلغ 400 ألف ليرة سورية للحصول على وثيقة سفر جديدة متضمّنة إذن سفر. يختم بالقول: “ما في طريقة تانية للأسف، بيستغلوا حاجتك”.
بينما تخشى كاتيا من حدوث عملية نصب، خاصة أن الوسيط رفض البدء بالمعاملة قبل دفع نصف المبلغ، تقول الشابة العشرينية:” تواصلت مع أحدهم لإصدار جواز سفر لابنة أخي، طلب مني دفع 400 ألف ليرة سورية، على أن أدفع النصف قبل التسليم، بينما المبلغ المتبقي بعد يومين”، تشعر الشابة بعد الارتياح إذ تخشى أن تتعرض لتزوير أوراق الجواز أو التصرف بالوثائق الشخصية. تضيف: “هناك تفاوت كبير في الأسعار، أحدهم طلب مني ضعفي المبلغ المذكور، أخاف أن تكون الاوراق المستخدمة للجواز مزيفة، أو أن يساء استخدام الصور والهوية الشخصية التي ستبقى معهم لغاية يوم التسليم.. سأبحث عن شخص موثوق، هذا أفضل”.
الاستيقاظ في الثالثة فجراً لحجز دور
اعتاد السوريون على ممارسة رياضة الانتظار منذ ساعات الصباح الأولى، بدءاً من حجز دور للظفر بربطة خبز، وصولاً إلى ورقة بيضاء مكتوب عليها رقم يخولك الحصول على جواز سفر، كحال أم ملهم التي استيقظت فجراً لتتوجه إلى مقر الهجرة والجوازات في دمشق وتفترش حافة الرصيف متلحفة ببطانية سميكة تحميها بالكاد من البرد القارس، وعند سؤالها منذ متى وهي تنتظر؟ تجيب السيدة لصالون سوريا: “منذ الثالثة فجراً، وها قد اقترب دوري حيث اقتربت الساعة من 11 صباحاً”. لا تستطيع المرأة الخمسينية تكبّد تكاليف الوسيط ودفع مبالغ كبيرة، لذلك لجأت للخيار الأكثر تعباً وإرهاقاً وهو الوقوف لساعات طويلة، تقول: “بدي سافر لعند ابني بأربيل، ومو قدرتي أدفع مليون ليرة للجواز، خلص بنطر، تعودنا”.
كذلك هو سليمان الذي تحوّل إلى أسير للانتظار، حيث بات مرابطاً على باب الهجرة والجوازات لمدة 12 ساعة، حاملاً معه عتاد القهوة لتبديد الساعات الثقيلة ومحاربة النعاس، يقول : “أمكث هنا منذ الساعة 12 ليلاً، فيما وصل دوري عند 12 ظهراً بعد ترقب مديد “.
تعرّض إسحاق لعملية نصب محبوكة من قبل أحد المكاتب في دمشق، فالشاب المقيم في أربيل اتفق مع أحد الوسطاء على تجديد جواز سفره الذي أوشكت صلاحيته على الانتهاء، ووفق الرسم القنصلي المحدد عند منح أو تجديد جواز أو وثيقة سفر بشكل فوري ومستعجل للمواطنين السوريين ومن في حكمهم المتواجدين خارج سوريا يكلف قرابة /800/ دولار أمريكي، لكن الشاب دفع 1100 دولار، يقول: “لا يوجد في أربيل سفارة سورية، بل فقط قنصلية، وفي أغلب الأحيان يكون القنصل غائباً، لذلك نسقت مع أحد المكاتب في دمشق على تجديد الجواز مقابل مبلغ 1100
أي أنني دفعت 300 دولار أتعاب المكتب”. يشير الشاب إلى صعوبة تأمين النقود فراتبه لا يتجاوز 700 دولاراً، يقول: “اضطررت لدفع المبلغ لأتمكن من تمديد إقامتي هنا، بالكادر أتدبر مصاريف معيشتي وإرسال بعض المال إلى أهلي الذين هم بأمس الحاجة “.
يضع رماح (اسم مستعار) تسعيرة ثابتة غير قابلة للمساومة والتفاوض لإصدار جواز سفر وتجديده، وهي 300 دولار ضمن نظام الدور كرسوم تقبضها الحكومة السورية، فيما يقضم 300 ألف ليرة سورية كعمولة له، وعند مناقشته بالمبلغ، يجيب بسرعة كبيرة: “هاد الموجود، روح دور عحدا غيري يعطيك بسعر أقل”، مبرراً الأمر بثقة “السرعة المنجزة، حيث التسليم خلال يومين”.
3000 استمارة أسبوعياً
تصدر الهجرة والجوازات قرابة 3000 استمارة أسبوعياً، إذ يتم توزيع الأدوار يوم السبت فقط، لينتظر كل مواطن دوره حسب اليوم المحدد له وفق التسلسل الرقمي المحدد، وذلك حسب مصدر في الهجرة والجوازات رفض الكشف عن اسمه.
وفي 16 تشرين الثاني عام 2020 ، كشفت وزارة الداخلية السورية عن إيرادات تجديد وإصدار جوازات السفر للمغتربين “تم استيفاء أكثر من 21.5 مليون دولار من جوازات السفر المُصدرة للمواطنين السوريين المغتربين”، لافتة إلى أن عددها وصل إلى أكثر من 67 ألف جواز على نظام الدور، و1769 جوازاً على نظام المستعجل، وذلك حسب جريدة الوطن المحلية .
ووفق الصحيفة بلغ عدد جوازات السفر المنجزة داخل سوريا أكثر من 143 ألف جواز سفر بصفة الدور، و75714 بصفة المستعجل، حيث وصلت المبالغ المستوفاة منها إلى أكثر من 3.3 مليار ليرة سورية.
بواسطة عامر فياض | ديسمبر 22, 2021 | العربية, مقالات
كنت أرمي كيس قمامة في إحدى الحاويات، ففاجئني طفل ظهر منها وكان ينبش في قمامتها. يغوص فيها لدرجة أنني لم أنتبه لوجوده، وكاد الكيس يرتطم برأسه. ذلك الطفل هو واحد من آلاف الفقراء والمعدمين الذين باتت الحاويات مصدر رزقهم الوحيد. فمن النادر اليوم أن ترى حاوية لا يوجد حولها أو في داخلها من ينبش في قمامتها بحثاً عما يمكن بيعه أو استخدامه أو حتى تناوله من بقايا الأطعمة، وقد أصبحت تلك الظاهرة مهنة شائعة غزت الشوارع ومجمعات القمامة بشكل كبير.
الأطفال أكبر ضحايا تلك المهنة
مع ساعات الصباح الأولى تنشط حركة الأطفال عند الحاويات بشكل كبير، وبالقرب من إحداها التقينا بالطفل حسن (15 عاماً) وأخويه الصغيرين وهم يزاولون عملهم اليومي. “نخرج من البيت عند الساعة الخامسة صباحاً لننبش في القمامة وننتقي منها بعض المواد التي يمكن بيعها (بلاستيك، كرتون، زجاج، معدن، نايلون، خشب وغير ذلك)، ثم نقوم بفرز كل نوعٍ منها ونضعه في كيسٍ خاص به”، يقول لنا حسن مضيفاً: “عند الساعة السابعة يعود أخوي إلى البيت ليستعدان للذهاب إلى المدرسة، فيما أتابع عملي حتى يأتي تاجر بسيارته ليشتري ما جمعناه من مواد، بعد أن يزنها “. ولا يقتصر عمل الأخوة الثلاثة على فترة الصباح بل يخرجون في الخامسة مساء، وأحيانا ترافقهم أمهم وأختهم الصغيرة، ليعملوا حتى التاسعة أو العاشرة ليلاً.
في أحد شوارع مدينة جرمانا استوقفني مشهد درامي مؤلم لطفل بعمر السادسة يقف داخل حاوية طافحة ويقوم برمي ما تحمله يداه الصغيرتان إلى الأرض ليفرز أخاه الأكبر ما يصلح منها للبيع. عند الاقتراب منهما يُسمع صراخ الأخ الأكبر الذي يحثُّ الأصغر على العمل بهمة ونشاط أكبر ويوبّخه لأنه يرمي بمواد لا حاجة لها. وعند سؤاله عن سبب اعتماده على الطفل في عمل كهذا يجيب: “هو خفيف الحركة ويستطيع القفز إلى داخل الحاوية بسهولة”. مضيفاً: “ليس هناك من يساعدني سواه فأبي مُقعَد لا يقوى على الحركة وأخويَّ يعملان في أحد المعامل لمدة عشر ساعات وأكثر، فيما تعمل أمي معظم الوقت في تنظيف البيوت”.
وفي مشهد آخر، قرب إحدى تجمعات الحاويات، أربع فتيات صغيرات ينهمكن في عمليات النبش وكأنها لعبة للأطفال، اللعبة الوحيدة التي يملكنها. الفتاتان الأكبر في الثانية عشر من العمر تقريباً ترتديان لثاماً لتخفيان وجهيهما خجلاً من المارة الذين اعتادوا وجودهن شبه الدائم في الشوارع، ورغم ذلك لم يخفِ اللثام تعابير عيونهن الطافحة بالقهر والوجع.
تمر الفتيات على عدة حاويات في أوقات متفرقة من النهار، مُحمَّلات بما جمعنه من أكياس، قد تفوقهن حجماً، يتنقلن بها لمسافات طويلة، حالهن كحال آلاف الأطفال الذين باتوا جزءاً من تفاصيل الشوارع التي تحاصرهم بنظرات الشفقة والدونية، وهم يعبرونها بأكياس بالية محمولة على الظهور أو بواسطة عربة مصنوعة من الخردة، كيفما اتفق وفي أحسن الأحوال، بواسطة دراجة. إلا أن الدراجة قد تُشَكِّل خطراً كبيراً على من يقودها كونها تُحمَّل عادة بأوزان ثقيلة وأحجام ضخمة من أكياس القمامة المعلَّقة على يمينها ويسارها، وهو ما يجعلها عرضة للسقوط بأي لحظة أو عرضة لأن تعرقل المارة أو تصدمها السيارات التي تعبر بجوارها.
مهنة عائلية
وبدل أن تخرج العائلات في سيران أو رحلة أو حتى زيارة ما، كما اعتادت فيما مضى، أصبح بعضها يخرج اليوم ليعبر أمام حاويات القمامة في محاولة بائسة لتأمين لقمة العيش المريرة. عائلة أبو أحمد مثلاً تعمل بشكل شبه يومي في أماكن مختلفة بتناغم كبير. الأولاد الثلاثة يغوصون في قلب الحاوية يُخرجون منها بعض المواد والأكياس الممتلئة مختلفة الأحجام وأبو أحمد ينتقي منها ما يصلح للبيع، يمزِّق الكراتين إلى أحجام صغيرة كي يسهل نقلها، يدوس العلب المعدنية والبلاستيكية بقدمه لكي يضغطها، ويكسِّر القطع الخشبية والبلاستيكية الكبيرة إلى أجزاء، فيما تقوم أم أحمد بلملمة تلك المواد وفرزها في أكياس وصناديق خاصة. وعند امتلائها يحملونها جميعهم إلى سيارة شخص معتمد يتعامل مع عدد من نابشي القمامة.
وعند سؤال أبو أحمد عن حجم الدخل الذي تجنيه العائلة من تلك المهنة يقول: ” نزاول المهنة منذ خمس سنوات، وقد تراجعت في العامين الأخيرين نتيجة فقر الناس، فالحاويات تعكس الواقع المعيشي المتردي الذي يعيشونه”. ويضيف: “نجني يومياً ما بين 15 إلى20 ألف ليرة (5 أو 6 دولارت) حيث نجمع بشكل تقريبي نحو 15 كيلو كرتون (سعر الكيلو 300 ليرة) و15 كيلو بلاستيك (الكيلو 500 ليرة) وحوالي أربعة أو خمسة كيلو من المعدن ( الكيلو بين 700 و1200 ليرة) بالإضافة لبعض المواد الأخرى”.
وتبقى عائلة أبو ضياء أفضل حالاً من عائلة أبو أحمد كونها تملك سيارة صغيرة بثلاث عجلات (طرطيرة)، تُمكّنها هي التي تعمل في الصباح وفي المساء من نقل ما تجمعه من مواد صالحة للبيع إلى بعض معامل البلاستيك والكرتون والزجاج في منطقتي صحنايا وسبينة.
إلى جانب ذلك، ومع قدوم الشتاء وغياب جميع وسائل التدفئة، تجمع العائلة في أكياس خاصة أية مواد يمكن إشعالها لتعود عليهم بالدفء كقطع الخشب والورق وأكياس الخيش والنايلون والأقمشة وغيرها.
بعد انتهاء عمل العائلة نجد السيارة طافحة بالأكياس، وقد عُلّقت على جانبيها أيضاً أكياس أخرى ذات أحجام كبيرة. تجلس أم ضياء إلى جوار زوجها، الذي يقود السيارة، وهي تحتضن طفلها الصغير، فيما يتعلق الأطفال الثلاثة الآخرين على الحواف الخلفية للسيارة بشكل بهلواني قد يعرّضهم للسقوط.
قمامة المطاعم والمقاهي كنز ثمين
بشكل يومي يذهب أبو حسان وولديه في ثلاث جولات إلى عدد من المطاعم لكي يأخذوا قمامتها مما يخفّف عن العمال عناء نقلها إلى الحاويات. يحمل الثلاثة ما يستطيعون حمله من أكياس ليضعونها عند أقرب حاوية ثم يقومون بإفراغها واستخراج ما يمكن بيعه من كرتون وبلاستيك وأكياس نايلون وفوارغ معدنية وزجاجية، بالإضافة لبقايا الخبز والسندويش والمعجنات التي يضعونها في أكياس خاصة لتباع إلى تجار الخبز اليابس. وإلى جانب ذلك يحظون أحياناً بما يمكن أكله من بقايا السندويش والوجبات. إذ لا يقتصر الأمر على ما يمكن بيعه فقمامة المطاعم باتت توفر طعاماً لعدد كبير من الفقراء. وحول هذا الموضوع يحدثنا صاحب مطعم للوجبات السريعة في منطقة الدويلعة: “كثير من الفقراء ينتظرون مواعيد نقل قمامة المطعم ليبدأوا على الفور بنبش محتوياتها وانتقاء ما يمكن تناوله، في مشهد مؤلم يُدمي القلب، ولكي نجنّبهم الإحساس بالغبن صرنا نجمع بقايا الطعام التي يتركها الزبائن داخل أكياس خاصة نقوم بوضعها أمام باب المطعم، وبمجرد أن يلمحونها يتهافتون عليها، وبذلك يحصلون على طعام نظيف قدر الإمكان”.
مهنة لا تخلو من الخلافات والمشاكل
هذه “المهنة” قد تخلق في أحيان كثيرة مشاكل وتوتّرات بين نابشي القمامة وخاصة الأطفال منهم. وقد تتطور إلى تبادل الشتائم والعراك في خلاف على تقاسم أماكن العمل وبشكل خاص في المناطق التي تسكنها الطبقة الثرية أو التي تكثر فيها المطاعم والمقاهي.
قبل أيام، وأثناء مساعدتي لصديقي في إعادة ترتيب منزله ونقل بعض الأشياء التي استغنى عنها إلى الحاوية، صادفنا أربعة أطفال يزاولون عملهم وحين رأوا ما نحمله (كتب تالفة، أوراق، كراتين والكثير من العبوات البلاستيكية والزجاجية وغير ذلك) تهافتوا علينا وكأننا نحمل كنزاً ثميناً فتشاجروا على تقاسمه، ما دفعنا لتوزيع تلك الأشياء بالتساوي عليهم.
الطفلان عمر (16 عاماً) وأخوه الذي يصغره بعامين وجدا حلاً مناسباً لتجنّب المشاكل التي قد تحدث مع مزاولي تلك المهنة فاختارا أن يسهرا حتى الفجر بشكل يومي بجانب إحدى تجمعات حاويات القمامة. يروي لنا عمر: “خلال الليل من النادر أن يمر نابشو القمامة على الحاويات وبالتالي ليس هناك من ينافسنا، لذا نغتنم فرصة النبش طوال الليل قبل أن تنشط حركتهم عند الفجر، وبذلك نجمع كميات جيدة من المواد الصالحة للبيع، حيث تكثر في الليل حركة رمي قمامة المنازل والمطاعم والمقاهي القريبة”.
وخلال جلوسهما الطويل، يلتحف الطفلان ببطانية صوفية بالية ويشعلان الخشب والكرتون ليحصلا على بعض الدفء، فيما يتسولان من المارة وسائقي السيارات ما تيسر من نقود أو طعام أو سجائر.
كثيرة هي الأضرار والمخاطر الصحية التي تسبّبها هذه “المهنة” نتيجة الاحتكاك الدائم مع بيئة غنية بالجراثيم قد تجعل أي جرحٍ يصيب نابش القمامة جرحاً مهدّداً للحياة، هذا إلى جانب الكثير من الأمراض الجلدية والهضمية أو التنفسية الناتجة عن استنشاق الروائح المتخمرة. لكن معظم مزاولي تلك المهنة لا يعيرون أي أهتمام لما ذكر رغم آلاف التحذيرات الطبية، بعد أن انعدمت لديهم كل مقومات الحياة، وبات الخوف من الموت جوعاً يطغى على الخوف من الموت مرضاً.