بواسطة هيفاء بيطار | فبراير 25, 2020 | Cost of War, غير مصنف
في بداية هذا الشهر، اشتريتُ كيلوغراماً من اللحم من عند لحام أشتري من عنده منذ سنوات بـ 14 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ صعقني لأن الأسعار لكل المنتجات الغذائية وغير الغذائية ترتفع بسرعة جنونية ولامنطقية.عدتُ إلى البيت بشعور بالخجل أنني قادرة على شراء كيلو اللحم بـ 14 ألف ليرة سورية، أي بما يعادل نصف أو على الأكثر ثلث راتب موظف جامعي في الدولة السورية. وأحسستُ بغضب وأنا أعي هول الذل الذي يتحمله الشعب السوري الجائع والمروع من الخوف والصامت. ووجدتني أضع كيلو اللحم في صحن وأستف بجانبها أوراقاً من العملة السورية، من فئة ألفين ليرة، ووضعت الصورة على صفحتي على الفيس وكتبتُ بأنني (وكوني طبيبة) أحب أن ألفت نظر الناس أن ثمة ثمانية بروتينات رئيسية في اللحم غير موجودة في الخضار والبقول والفاكهة، وهذه البروتينات الثمانية في اللحم ضرورية جداً لبناء العضلات والعظام والدماغ. وكتبتُ أيضاً: بما أن سوريا شعب فتي وأكثر من 70 بالمئة من سكانه أعمارهم تحت 23 سنة لذا يجب أن يتغذى هذا الجيل جيداً لأن العقل السليم في الجسم السليم، ولأن هؤلاء الأطفال والشبان الذين نعلق عليهم الآمال لبناء سوريا يجب أن يتغذوا جيداً. بعد أقل من ربع ساعة على نشري الصورة إياها ( صورة اللحم مع أوراق العملة السورية ) أتاني إنذار قوي اللهجة وصلني كرسالة على الفيس بوك بأن علي أن أمحو الصورة فوراً، ووجدتني أسكن الذهول، وأظن كل الشعب السوري يسكن الذهول، وفيما أنا أفكر من عساه بتلك السرعة الخيالية أن ينتبه لهذا المنشور ويسارع ليطلب مني بلهجة تهديدية أن أمحوها. وأنا في ذهولي وصلتني رسالة ثانية تضمنت المرسوم 3 والمرسوم 4 حول الليرة السورية والعقوبات الفظيعة التي يتعرض لها المواطن الذي يمس هيبة الليرة السورية والتي قد تصل إلى السجن لسنوات. فما كان مني إلا أن استشرت محامياً مشهوراً فقال لي موبخاً: “امحيها فوراً”. ومحوتُ الصورة.
فكرتُ أي عيش ذليل نتحمله، وتعجبتُ من السرعة العجيبة لإنذاري بمحو الصورة، يبدو أن ثمة طاقم محترف يراقب كل ما نكتبه أو ما يكتبه البعض. لقد رجعتُ إلى اللاذقية تاركة أمان العيش في باريس وتاركة أسرتي عارفة سلفاً أيه صعوبات فظيعة سوف أتعرض لها في حياتي هنا في اللاذقية، كوني امرأة وحيدة وكاتبة قرفت من الخوف وقررت أن تكون صوت الصامتين وأن أنقل وجعهم وآلامهم وأكتبها عارفة أنني أجازف بكل أمان زائف في حياتنا، هذا الأمان الأشبه تماماً بأمان الدجاجات في القفص. وعرفتُ أنني كمن يضع نفسه في قارورة ويرميها في البحر تاركاً مصيره للموج، لكنني قد وصلت إلى مرحلة القرف من الخوف. ونظراً لأن الموت صار سهلاً جداً وعادياً جداً في سوريا، فإنني صرت أشعر بصداقة مع الموت فكل النشاطات الإجتماعية في سوريا تنحصر في التعازي. وصرت أشعر أن روحي ليست أغلى ولا أكثر قيمة من أرواح السوريين الذين ماتوا غرقاً أو في المعتقلات أو على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة.
تحولت سوريا لمسرح كبير يقدم كل يوم تنويعات للموت، حتى أن بعض الأطفال في سوريا ماتوا بسبب توتر عالي للكهرباء التي صعقتهم بعد انقطاع خمس ساعات، يعني عندنا شهداء الكهرباء، وشهداء الغاز لأن الحصول على جرة غاز يتطلب انتظاراً لأيام في البرد والليل والصقيع والذل. واقع يزيده ألماً وقاحة التلفزيون السوري الذي يعرض حواراً بين مواطن ومذيعة تسأله: “هل وصلتك رسالة على الأنترنيت أو هاتفك الخليوي عن موعد استلامك جرة الغاز”، فيرد المواطن:”طبعاً ” (ووجهه يعكس أسى يمزق القلب)؛ وتسأله: “وهل مركز توزيع جرات الغاز قرب بيتك”، فيشير بإصبعه إلى مبنى لا يبعد عنه أمتاراً ويقول” “قريب جداً ها هو”!!! لا أعرف إن كان أحد في سوريا يصدق هذه التمثيلية، فحتى الموالون للنظام أخذوا يتذمرون بشكل صارخ من نفاق تلك الرسائل التي تصلهم على هاتفهم الخليوي عن موعد استلام جرة الغاز، وسرعان ما يتبعوها برسالة أخرى بأن الموعد تأجل شهر، ثم برسالة ثالثة بأن الموعد تأجل إلى أمد غير محدد. ويلهث الناس وراء الغاز كما يلهثون وراء رغيف الخبز وكما يلهثون للحصول على راتب الاحتقار عند الصرافات، وتتحول الحياة إلى لهاث.
وقد وصل سعر جرة الغاز في السوق السوداء 40 ألف ليرة سورية وأنا شاهدة على صديق اشتراها بهذا المبلغ. وحين كتبتُ مقالاً بأن سقف الحرية في سوريا هو فقط انتقاد وزارة الكهرباء لأننا بتنا نعيش في ظلام، وصلتني رسائل كثيرة من أصدقاء كثيرين إضطروا أن يتركوا سوريا بعد أن اعتقل معظمهم لاشتراكهم بمظاهرات أول الثورة السورية، كتبوا لي انتبهي أنت تتجاوزين الخطوط الحمراء، وكانوا يطلبون مني أن أمحو المحادثة بيني وبينهم حال انتهاء الكتابة على تطبيقات الواتس آب أو إيمو، وكنت أتساءل ببراءة جاهل: “ما هي الخطوط الحمر”!! صدقاً كنت أتساءل طويلاً وأعصر دماغي لأحدد ما هي الخطوط الحمر في سوريا، ويأتيني الجواب من عقلي الذي يتابع باهتمام كل ما يجري في وطني بأن كل شيء خط أحمر، حتى وجودنا نفسه خط أحمر.
لا يجرؤ سوري ممن يعيش داخل سوريا أن يُلمح أو يذكر أنه حضر فيلم سما مثلاً، الذي شاهده العالم كله، ففيلم سما خط أحمر، وأحدهم يدعي أنه فنان وهو شبيح قذر كتب على صفحته وقدم شكوى لفرع أمني بأنني يجب أن أحاكم لأنني لست وطنية ولأنني كتبت ذات يوم عن فيلم علي الأتاسي (بلدنا الرهيب) الذي حضرته في معهد العالم العربي في باريس، ولأنني كتبتُ عن الخوذ البيضاء، ولأنني.. لا أعرف بماذا خونني أيضاً. ومن المهم أن أذكر أن هذا الشبيح القذر من الطائفة المسيحية ولا يتطاول إلا على المثقفين والناشطين المسيحيين كي يثبت للنظام أنه مُخلص أكثر من إخلاص الكلب لصاحبه. وجاءت حادثة الصورة إياها (صورة اللحم مع كومة الأوراق النقدية السورية) لتبرهن لي أنه فعلاً في سوريا كل شيء هو خط أحمر، وأن الوطن كله صار أحمر بلون دماء الشعب السوري. وكم أحسستُ بالخزي حين أطلقوا شعار (ليرتنا عزتنا) ولم يجرؤ أحد على الاعتراض على هذا التعبير، أيه عزة هذه وقد انهارت تماماً ليرتنا وصار لفظ كلمة دولار خط أحمر فسماه الناس “الشو اسمو”. وتعجبتُ من كم الذل والخوف حين قرأتُ على صفحات سوريين هُجروا من حلب وإدلب وغيرها من المناطق الملتهبة في سوريا ويشكون من الفقر والغلاء الفاحش لأجارات البيوت في اللاذقية ووجعهم الكبير لترك مدنهم وبيوتهم التي دمر معظمها، هؤلاء الخاسرون المروعون كلهم كتبوا على صفحاتهم (ليرتنا عزتنا) وتمنيت لو أكتب: “ليرتنا عرّتْنا”، لكنني لم أجرؤ وكنتُ أعاني من وجع كتم الحقيقة وهو أقسى وجع يمكن أن يواجهه إنسان وأتحدى كل ما درسته في كلية الطب عن أن أقسى الآلام هي ألم حصاة في الكلية أو آلام الأسنان وأقدم براءة اختراع عشتها بأن أقسى ألم هو ألم كتم الحقيقة لأنني لم أجرؤ على كتابة ما أتوق إليه وأؤمن به بأن “ليرتنا عرّتْنا”، وصرنا عراة بالمعنى المجازي والحقيقي للكلمة، على أي عيش سأشهد!!
حين كتبتُ عن الجوع في سوريا تلقيت رسالة من مُدرسة في الرمل الفلسطيني والسكنتوري وهي من الأحياء الشعبية الفقيرة، وطلبت أن نلتقي وحكت لي كيف يأتي طلاب الابتدائي إلى المدرسة وهم بحالة دوار من الجوع، يترنحون من الجوع ولا يحملون حتى مجرد رغيف خبز، وتقوم المدرسة بالتعاون مع إدارة المدرسة بشراء الخبز والحلاوة أو اللبنة لأطفال سوريا الجياع، كيف سيفهمون الدرس وهم جياع!! كيف ستنمو عضلاتهم وعظامهم ودماغهم وهم جياع، ويبدو أن الكلام عن الجوع خط أحمر أيضاً، والدليل التهديد الذي وصلني لمجرد نشري صورة اللحم مع العملة السورية. كل شيء في سوريا خط أحمر. لكنني أؤمن بشرف الكلمة كما قال ألبير كامو وأجد أن من الخيانه والعار أن أكون شاهدة زور أو أن أكون يهوذا وأخون شعبي وهذا ما فعله الكثير من المثقفين للأسف. لقد عدت من باريس لأشهد. وقد كتبت هذه الشهادة والكهرباء مقطوعة منذ أربع ساعات ودرجة الحرارة 3 مئوية.
بواسطة Jihan Badrakhan | فبراير 18, 2020 | Reports, غير مصنف
داخل محل لبيع الملابس المستعملة وسط مدينة القامشلي تتأمل “رغد زكي” ما يُعرض فيه من أحذية وألبسة شتوية قديمة متنوعة الأحجام، وتقف حائرة في انتقاء ما يناسب أطفالها الخمسة من كسوة الشتاء وتشكو: “لم نعد قادرين على إكساء أولادنا من محلات الألبسة الجديدة بسبب الغلاء والأزمة الاقتصادية بعد انهيار الليرة السورية أمام العملة الأجنبية (الدولار) فأسعار الثياب والأحذية الجديدة ارتفعت ثلاثة أضعاف مقارنة مع أسعار العام الماضي”.
وتقف إلى جانبها الشابة العشرينية “روشن” ممسكة بزوج حذاء أسود تتفحصه لتتأكد أنه يستحق السعر الذي قدره البائع لها بـ 8آلاف ليرة سورية وتعلق: “شراء قطعة من (البالة) ذات جودة عالية، أفضل من شرائها من المحلات الجديدة التي أغلبها بضاعة صينية لا تتميز بالجودة العالية، إضافة لأسعارها الباهظة التي تقدر بين بـ15ألف ليرة سورية إن كانت بمواصفات متوسطة الجودة”.
أسعار الغذاء
في بدايات شهر كانون الأول الفائت وصل سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار لـ 950، وسط تداول احتمالات عن وصول سعر الدولار إلى ألف ليرة.
وفي جولة بالأسواق لتفحص أسعار بعض الخضروات، فقد وصل سعر كيلو البطاطا إلى300 ليرة وكيلو البندورةإلى 700 ليرة وكيلو الموز إلى 1400 ليرة، وتجاوز سعر كيلوغرام اللحمة الـ 7000 ليرة بدل ال4000 ليرة.
وبحسب التجّار فقد زاد سعر كيلو السكر من 400 ليرة إلى 550. وشملت موجة الغلاء مواد غذائية أخرى، حيث زادت بمقدار الضعفين أسعار زيوت الطعام والأرز والأجبان والعدس والبيض، وهي من أساسيات الغذاء السوري.
ولم يقتصر تأثير ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على ارتفاع أسعار الألبسة والمواد الغذائية والمحروقات بل وصل لمواد البناء مما أدى لعرقلة الحركة العمرانية التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا؛ فبحسب المكاتب العقارية ارتفعت أسعار تأجير وبيع الشقق السكنية والمحلات التجارية للضعفين.
تقليص الاحتياجات الضرورية
وتعاني سوريا نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، وترتفع في السوق السوداء قيمة الدولار على نحو متزايد، وهو ما يتسبب في ارتفاع الأسعار ودفع المواطنين لتقليص احتياجاتهم الضرورية.
وعلى سبيل المثال، قرر “ابراهيم سعد” ( عامل في خياطة الملابس النسائية) تقليل احتياجات عائلته الغذائية كحلول لمواجهة غلاء السلع، لكنه ينوه “على الرغم من ذلك لم نسلم من العجز والديون الثقيلة.”
ولا يختلف حال “أحمد” (سائق سرفيس عمومي لخط قناة السويس) إذ يشكو تدهور وضعه المعيشي، ويؤكد أنه يصرف نصف دخله اليومي على بنزين سيارته، بينما يسخر الباقي لمصروف عائلته المكونة من سبعة أشخاص والذي لا يغطي ربع احتياجاتها الضرورية كما يوضح.
وتقول “سمية غانم” (زوجة حلاق رجالي في مدينة الحسكة وأم لأربعة أبناء) إن فاتورة تسوقها ارتفعت من 100 ألف ليرة سورية إلى 200 ألف وتضيف: “اضطررتُ لاختصار الكثير من الحاجات، وتخليتُ عن شراء المعلبات كالسردين والتونة والمربى، واستبدلتُ بعض أنواع الصابون ومستحضرات النظافة التي كنت أستخدمها بأنواع أرخص”.
الإدارة الذاتية ترفع أجور موظفيها
و بعد ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء البضائع والمستلزمات الرئيسية للحياة في الأسواق، أعلنت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا رفع أجور الموظفين لديها خلال اجتماع عقدته الهيئة الرئاسية للمجلس التنفيذي مع هيئة المالية في 27 من تشرين الثاني (نوفمبر)، ويبلغ عدد موظفي الإدارة نحو 220 ألف موظف بين مدني وعسكري.
وبحسب القرار فإن الزيادة وُزعت على ثلاث شرائح: الأولى تخص الفئة التي تتقاضى 80 ألف ليرة وما دون، وستكون الزيادة بنسبة 35% من الراتب. أما الشريحة الثانية فتخص الفئة التي تتقاضى من 81 ألف إلى 100 ألف ليرة، وسوف تكون الزيادة بنسبة 25% من الراتب. والشريحة الثالثة: تخص الفئة التي تتقاضى 101 ألف وما فوق، وستكون الزيادة 15% من الراتب.
ومع ذلك، فإن الزيادة بعيدة عن تلبية مطالب الأسرة السورية المتوسطة نتيجة لارتفاع الأسعار والانخفاض الحاد في قيمة الليرة السورية.
وقام بعض التجار بإغلاق متاجرهم عن طيب خاطر بسبب الفوضى في أسعار الصرف وأسعار الدولار، حيث أن الأسعار ارتفعت بالفعل عشرة أضعاف منذ بداية الحرب السورية إلى الآن. فالحرب التي دخلت عامها التاسع هدمت الاقتصاد السوري وأوقفته بشكل شبه كامل، وتسببت في كارثة إنسانية مهولة للسوريين.
وبلغت الموازنة السنوية بحسب تقارير اقتصادية لعام 2019 خمسة مليارات دولار بعد أن كانت 17 ملياراً في 2011، وهي موازنة تعجز عن سداد رواتب موظفي الدولة.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب بلغت 400 مليار دولار، إضافة إلى أن 9 ملايين سوري أصبحوا عاطلين عن العمل.
وأشار الخبير الاقتصادي “يونس السعيد” أن الناتج المحلي للبلاد سجل منذ بداية الأزمة والحرب خسائر بقيمة 226 مليار دولار، مشيراً إلى أن نسبة 67% من القدرة الصناعية دُمرت بالكامل، وتحولت سورية إلى بلد مستورد للمحاصيل الزراعية بعد أن كان مصدر لها. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن سوريا بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار من أجل إعادة تحريك الاقتصاد.
بواسطة Salma Salamah | فبراير 17, 2020 | Cost of War, غير مصنف
يختبر السوريون منذ حوالي الأسبوعين حرباً من نوع مختلف، كانوا وكأنهم ينتظرونها، لكن ليس من موقع المرحّب، بل من موقع العالم بمسيرة الأحوال التي تعني لهم اقتراب موت كان مؤجلاً، لكنه الآن انحرف بسرعة حادة وجنونية وبات لصيقاً بهم ومشرفاً على اختناقهم ومتدخلا ًبنهايتهم الموجعة.
المحال التجارية مغلقة، وجوم حاد في قسمات الوجوه العابرة، والجميع مشغول بمتابعة أسعار الدولار الذي حلّق عالياً ويبدو أنه مصرٌّ على بلوغ الذرى دون تهيب أو تردد.
في الحافلة العامة الصغيرة يدور حديث واحد (حديث الأسعار الجديدة)، ويطوف رعب واحد (الرعب من تغول التجار ومن فشل أي تدخل حكومي)، يجمع ما بين قلوب الجميع ويوحد ترقبهم الحذر لدرجة القلق الوجودي الحاد وسؤال البقاء من عدمه.
اعتاد السوريون على الاعتراض بالسخرية من أحوالهم البائسة بدلاً من لغة الصمت أو الفعل المهدد لسلامتهم الشخصية، لكن ردود الفعل الساخرة هذه المرة اكتست بالمرارة وبالتعاطف شبه العام مع اللبنانيين في مخاض ليرتهم العسير، في صيغة نقلت فرح السوريين بالثورة اللبنانية وخوفهم على أشقائهم في حالة خاصة كسرت الحساسية المعهودة والاتهامات المتبادلة.
واعتادت السياسات الحكومية على التهديد والوعيد للتجار الصغار والتهديد بعقوبات رادعة وقاسية. وسارت دوريات المراقبة التموينية لتخالف بأرقام كبيرة الباعة الذين لم يضعوا لوحة للتسعير أو ممن لم يظهروا فواتير نظامية، مما دفع الباعة للتوقف عن البيع وإغلاق محالهم خوفاً من الغرامات التي يعجزون عن سدادها وكي يأخذوا وقتهم ويتلمسوا طبيعة السوق الراهنة وحالة الأسعار أولاً فأول في حالة يسمونها اللوحة الواضحة خوفاً من خسارات محققة، لدرجة قال لي صاحب أحد محال السمانة بأنه يخاف من بيع أية مادة ولو بربح إضافي خوفاً من اضطراره لشرائها مجدداً بسعر لا يقدر عليه، وإن قدر على شرائه ومن ثم بيعه فلن يحقق له ربحاً يكفي معيشته وحاجاته الضرورية. أي أن هامش الربح تضاءل بصورة مرعبة وباتت محصلة الأرباح لا تفي بأبسط الاحتياجات. وتجدر الإشارة إلى أن الباعة السوريين يصفون حالة الكساد بتعبير (إننا نأكل رأسمالنا)، بمعنى أنهم مضطرون للإنفاق من قيمة رأس المال الفعلية التي يجب أن تبقى مصانة لشراء البضائع وليس للإنفاق.
للمرة الأولى أيضاً طفا على السطح تعاطف غير مسبوق بين الباعة وخاصة باعة الخضار وبين عامة السوريين. كنت شاهدة حين منح بائع الخضار سيدة ثلاث رؤوس من القرنبيط مجاناً، وكل ما فعلته بعد شكره بأن وجهت السطح العلوي للرؤوس نحو أسفل الكيس لأنها مصابة بالسواد نتيجة قدم قطافها وببعض البقع العفنة خجلاً من تعليق الجوار أومن المارة بأنها قد اشترت نفايات الخضار وما لا يصلح للطعام البشري.
رتبت مها خزانة المونة في حالة هيستيرية، قسمت كل ما لديها ليكفيها ثلاثة شهور، قسّمت الأرز بكأس الشاي وكذلك العدس والبرغل، أما زيت الزيتون فقررت أن تستعمل منه ملعقة واحدة لكل طبخة. الخوف الأكبر كان فيما يخص ما تمتلكه من مازوت شحيح للتدفئة (في ظل تقنين حاد طال الكهرباء)، إضافة لقلة حبات الدواء التي لن تكفيها لآخر الشهر مما دفعها للتخلي عن شراء اللحم ودفعت ما كان مرصوداً له لشراء علب دواء في حركة استباقية خوفاً من ارتفاع متوقع وغير قابل للمهادنة بأسعار الأدوية الدائمة الموصوفة لمعالجة الأمراض المزمنة.
كل ما فعلته الحكومة لتطمين السوريين هو إعلانها عن توفر سلة غذائية تحتوي على خمسة كيلوغرامات من السكر وثلاثة من الأرز و ثلاثة من البرغل وعبوة زيت نباتي سعة ليترين وعلبة سمن نباتي سعة كيلوغرام واحد وكيلو من الحمص وكيلو من العدس وكيلو من الشعيرية وربطتي معكرونة بمبلغ مقداره عشرة آلاف ليرة. لكن وعلى الرغم من أن كافة الأصناف المذكورة هي من الدرجة الثانية ومتدنية الجودة، إلا أن أعداد السلة المذكورة تبخرت بسرعة فائقة ولم يستفد منها إلا من تتوفر بين يديه العشرة آلاف وواسطة نقل سهلة أو مجانية، أي وبصريح العبارة فإن المستحقين الفعليين لهذه السلة لم يستفيدوا منها لضيق ذات اليد ولتعثر وصولهم إليها.
تخلى البعض عن عادة شرب القهوة بعد أن وصل سعر كيلو القهوة المهيّلة إلى خمسة آلاف والقهوة بدون هيل وفي المحال الشعبية إلى ثلاثة آلاف ومائتي ليرة، والبعض توقف عن التدخين نهائياً. أما التوقف عن تناول اللحوم فقد وصل إلى حده الأعلى في مسيرة طويلة تمتد منذ سنين بعيدة تدّرج عبرها السوريون من الشراء بالكيلو وصولاً إلى الشراء بمبلغ مقطوع مقداره خمسمائة ليرة فقط وهي لا تكفي ثمناً لمائة غرام من اللحم المدهن ومن النخب الثالث.
لكن الصورة الأشد قتامةً تكمن في ترافق هذا الارتفاع الهائل مع قدوم فصل الشتاء وغياب الكهرباء في ظل عملية تقنين تصل إلى غياب كامل للكهرباء لمدة ست عشرة ساعة يومياً مترافق مع غياب شبه كامل للمحروقات وخاصة المازوت والغاز بالأسعار النظامية. هذا الوضع يعني أن السوق السوداء باتت هي المجال الوحيد أمام السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والتي تتضاعف فيها أسعار كافة المواد دونما حسيب أو رقيب، لابل وعلى سبيل المثال لا الحصر يتوفر المازوت وبصورة علنية ومستجر مباشرة من المصدر الرسمي للتوزيع ولكن بسعر مضاعف تماماً للسعر الرسمي المعلن عنه.
يفتقد السوريون الراحة حتى في قسمات وجوههم ويخافون من ارتفاع سعر الخبز المدعوم من قبل الدولة، ويدب الهلع في نفوسهم من مجرد التفكير بأنهم سيفقدون نصف أرغفتهم التي تحشو بطونهم وبطون أطفالهم إن تم رفع سعر الخبز أو نقص عدد الأرغفة في الربطة، لا شيء يرعب السوريين أكثر من خطر فقدانهم لخبزهم اليومي، يقول أجود لابنه: “من اليوم وطالع رغيف بزيت وزعتر أو بلبنة والرغيف الثاني حاف.”
فكيف إذا عرفنا أن الزيت المرافق للزعتر هو الزيت النباتي وبأن اللبنة مغشوشة وممزوجة بالنشاء ليشتد قوامها. ولقد كنت شاهدة عيان على تخلي شاب يعمل مياوماً في سوق باب سريجة عن سندويشته الثانية التي اعتاد أكلها في وجبة الغداء نظراً لارتفاع سعر السندويش عامة. يبدو أن السوريين يتدربون بشكل متتال على إدارة أمعائهم الخاوية بتقنين عجيب يستهلك طاقتهم على مواصلة العيش ويفتك بقوتهم وبأسباب بقائهم.
يتضامن السوريون في الحد الأدنى المتاح، لكن الأفق غامض وداكن السواد، وما تعجز عن امتلاكه لا يمكنك تقاسمه مع غيرك وإن كان ابنك. ارتفاع سعر الدولار وضبابية أشكال التدخل الرسمي للجم الآثار المدمرة لهذا الارتفاع يسم الحاضر والقادم بالخشية حيال إمكانات العيش في صلب احتياجاته الأساسية.
أمام دكان بيع الفلافل يقترب فتى على عربة مدولبة من أذني قائلاً لي في طريقة تشبه الهمس وكأنني قريبة مباشرة له: “تشتريلي سندويشة فلافل معك؟”. نعم أشتري له اليوم وبكل تضامن وبكل رضى، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن احتياجات أخرى كاللباس أو الدوا؟ وأين أهله؟ أين يسكن؟ وكم من الوقت والمال يحتاج لشراء أو تركيب ساقين اصطناعيين؟ أو هل سيذهب إلى المدرسة أم أنه سيبقى في عرض الطريق متروكاً لكل العبث؟
تترافق الأزمة الحادة التي خلقها ارتفاع الدولار مع هشاشة بالغة في الوضع الاقتصادي بشكل عام، تتجاوز الجمهور الأكثر فقراً، لتلامس أصحاب الورش الصغيرة التي توقفت عن العمل وسرحت عمالها وكما يقولون قطعت برزق عائلات بأكملها، حتى أن بعض المعامل المتوسطة قد أجبرت موظفيها على أخذ إجازات من عملهم للعجز الحاصل في السيولة وفي تأمين المواد الأولية التي يتم الحصول عليها بالدولار فقط.
العجز الساطع إن صح التعبير، يهيمن على البنية الهشة فيخلع عنها ما كان يعتقد البعض أنه ركائز داعمة في مسيرة تحصيل ما يلزم من أجل عيش غير كريم لكنه أقوى من الموت أو الانهيار. الطمأنينة في غياب مضطرد ومخيف، والحياة تبدو مجرد ترتيب لما تبقى من الوقت، والموت متدفق كالسيل بالجلطات والسكتات القلبية والأغلبية تمشي وهي تكلم نفسها وكأنها شريك العمر الأوحد.