حرائق السويداء: نار أصابت رغيف الخبز

حرائق السويداء: نار أصابت رغيف الخبز

أكثر من 72 حريقاً خلال شهر واحد في السويداء قطعت الشك لدى الجميع بأن أسبابها ليست طبيعة، لكنها أعادت إلى الواجهة خلافات عميقة وقسمّت الآراء بين طرفي الصيغة السورية المشهورة (موالاة_معارضة) في محاولة الجواب عن سؤال من يقف وراءها ومن المستفيد منها؟

ما يجمع الآراء الآن أن النار تلتهم محاصيلهم دون تفرقة بين موال ومعارض، إلا أنهم ورغم ذلك ما يزالون على نفس الخطى القديمة في تفسير ما يجري و تبادل الاتهامات عن مسؤولية ما يحدث. ما يثير الاستياء حقاً هو تكرار نفس التبريرات والجمل والمحاجات وكأن ما مرّ على السوريين من أهوال الحرب لم يغير في لغتهم ومواقفهم أي شيء؛ فما يزال وليد جنبلاط برأي البعض هو المسؤول عن افتعال أي مشكلة في السويداء ويدعمه ويقف خلفه بحكم الضرورة الإسرائيليون وتتوسع دائرة الاتهامات لتصل حداً لا معقولاً فإحدى صفحات الأخبار المحلية نشرت إشاعة مفادها أن ترامب أمر بحرق قمح السويداء ليزيد الضغط على الحكومة السورية مع اقتراب تطبيق قانون سيزر في أول شهر حزيران. أيضاً الأسطوانة نفسها نجدها في الطرف المقابل الذي يتهم عملاء إيران والميليشيات وتجار الأزمات بالوقوف خلف تلك الحرائق، وإن صح ما يدعيه هؤلاء أحياناً من جهة تحليل الموقف وقراءته بالنظر للجهة المستفيدة إلا أن ردات الفعل لم ترق حتى لأبسط أشكال اتخاذ القرارات الصحيحة والتي طالت هذه المرة قوت يوم الناس وأرزاقهم بشكل فج ومباشر واقتصرت على بعض الاتهامات والمناكفات هنا وهناك، وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تم أيضاً إنشاء صفحات ومجموعات متنوعة تحت أسماء ارتجالية كمجموعة “خنقتونا وحرقتونا وحطمتونا”، والتي دعت مؤخراً لوقفة احتجاجية بساحة المدينة أمام مبنى المحافظة للتعبير عن رفض ما يحصل ومطالبة الحكومة بتحمل مسؤوليتها ومحاسبة الفاعلين.

أبو أمجد، فلاح ستيني، احترق محصوله هذا العام، لكنه رفض المشاركة بهذه الاحتجاجات واعتبرها مهزلة لا طائل منها، ويقول والغصة واضحة في حنجرته: “كفانا كلاماً وحركات ودعوات فارغة لا نفع منها، تعبنا وأرزاقنا ليست شماعة ليستخدمها هؤلاء للظهور والخطابات الفارغة، لو أن الدعوات بتشكيل فرق حراسة ونواطير قد تم أخذها بشكل جاد لما وصلنا إلى هنا.” ويضيف: “بعد كل تلك السنين يطلبون من الجهة المتهمة أن تكون هي المسؤولة عن حمايتهم بدل أن تشكل مجموعات حراسة تقطع الطريق على تخريب أي شيء وتحمي أرزاق الناس من الحرق، لدينا في المحافظة عشرات الميليشيات المسلحة التي لم نر عنصراً واحداً منها في مهام كهذه وكأن ما يجري لا يعنيهم، ما لم تتحرك الناس لحماية أراضيها بقوة السلاح سوف تبقى الحرائق تتجدد هنا وهناك دوماً، فلنحمي الأرض أولاً وبعدها فلنحتج كما نشاء.”

وبالرغم من بعض المبادرات التي قامت بها بعض القرى بإنشاء دوريات حراسة إلا أن التجربة لم تعمم على كافة المناطق وجاءت متأخرة كثيراً في مناطق أخرى بعدما التهمت النيران مئات الدونمات ومئات الأشجار أيضاً للسنة الثانية على التوالي.

باتت لا تطاق الطريقة المُبسطة للبعض في طرح الموضوع والتعامل معه ولا تختلف بين الحكومة ومعارضتها، فنجد مثلاً من يخرج علينا على الشاشات ليحلل هل فعلاً الحرائق مفتعلة أم لا، وإذا كانت كذلك فمن المستفيد، ليتحفونا في آخر المطاف بأن الفاعل لا بد وأن يكون إحدى العصابات التي لها ارتباطاتها ومصالحها سواء مع جهات في الداخل أو الخارج أو كليهما معاً، مستغلين الموقف في استعراضات فارغة وجعجعة كلامية فارغة. وما بين الدعوة للوقوف في وجه المخططات الغربية للنيل من سوريا وصمودها من جهة، والدعوة لأحرار السويداء بالانتفاض والثورة على السلطة المستبدة من جهة أخرى، تتوسع دائرة النيران التي لم يخبرنا أحد سبل إيقافها.

يبقى ميزان الكلام ما يقوله الناس المتضررون على أرض الواقع وقد وقفوا عاجزين أمام لهيب يحرق كل شيء أمام أعينهم ووصل رماده إلى حناجرهم. الكل غاضب ويشتم بأعلى صوته، حكوا كثيرا عما يحدث، فمثلاً فارس (فلاح، 42 سنة) يمتلك جراراً زراعياً وقد شارك بإخماد الحريق الذي أتى على 100 دونم مزروعة قمح يملكها مناصفة مع أخيه، ويقول فارس عن نكبته: “خسارتي لا تعوض هذا العام فثمن البذار وتكاليف الحراثة بلغ قرابة المليون ليرة وخسارتنا في المحصول تقدر بحوالي 3 مليون هي كل ما كنا نحلم به لتأمين موسم هذا العام يقينا الجوع والحاجة”، ويتابع شكواه قائلاً: “نحن فلاحون أباً عن جد ولم يحدث أن اندلعت النيران في حقولنا ولا مرة، لكن السنة الماضية وهذه السنة هناك من يقوم بإحراق المحاصيل عمداً، لا أحد فعلياً يمكنه إثبات أو تأكيد أي اتهام لأي جهة كانت، لكن برأيي الشخصي أن شركات القمح الروسية هي من يقف وراء الحرائق كونها المستفيد الأكبر من ذلك.”

وبالفعل هناك كثير من الآراء التي تؤيد رأي فارس حيث بات من المعروف أن سوريا تستورد كميات كبيرة من القمح الروسي وبخاصة في السنوات الأخيرة، إلا أن كميات الأمطار الجيدة والاستثنائية في السنتين الأخيرتين كانت ستقلب الموازين وتشكل تهديداً لسوق تلك الشركات على حد رأيهم.

إلا أن سعيد (37 سنة، مدرس) لا يتفق مع هكذا طرح ويقلل من أهميته، فيقول: “لروسيا مصالح ومكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة في سوريا منذ أن تدخلت في الحرب السورية واستولت على مفاصل البلد الحيوية واستثمرت في الموارد السورية بعقود طويلة وما يهمها في النهاية هو الحفاظ على الهدوء والاتفاقات والمصالحات التي رعتها وأبرمتها في كثير من المناطق السورية ولا أظنها تسعى لمقايضتها لتبيع بعض القمح وتفتعل مشكلات وتوترات هي في غنى عنها.” ويتابع سعيد موضحاً: “برأيي أن الموضوع ليس أكثر من رسائل سياسية تريد إيران وأتباعها على الأرض أن يوصلوها للآخرين بأنهم لن يجلسوا متفرجين وهم يرون محاولات إخراجهم من الملف السوري، وخاصة بعد ما يشاع مؤخراً عن تنسيق دولي بدعم روسي لقطع طريق طهران بيروت عبر البادية والقيام بعملية عسكرية كبيرة للسيطرة على مناطق نفوذ الميليشيات التي تدعمها إيران انطلاقاً من الحدود العراقية شرقاً إلى حدود إسرائيل جنوباً، وهو ما يفسره أيضا ًعودة داعش وخلاياها النائمة للنشاط في أكثر من مكان في البادية السورية مع اتهام الحكومة بإطلاق سراح بعض العناصر والقيادات المحتجزة لديها بالتزامن مع تقديم تعزيزات عسكرية من الميليشيات العراقية للمناطق الشرقية وإعادة انتشار وتموضع للقوى الإيرانية ولحزب الله وخصوصا في مناطق الجنوب والبادية.”

وفي نفس السياق يقول عامر (40 سنة، موظف) أن “إحدى أهم سياسات إيران في التعامل مع الملف السوري هي محاولة الدخول في النسيج الاجتماعي للمناطق التي تريد فرض سيطرتها عليها ويتم ذلك بطرق كثيرة منها التشيع والمشاريع الاقتصادية وشراء الولاءات مروراً بإنشاء عصابات تقوم على تخريب وتفكيك العلاقات داخل المجتمع ونشر الخوف والترويع بين السكان، إضافة إلى الترويج لأعمال مشبوهة كتجارة المخدرات وتعاطيها وتهريب السلاح والخطف والسرقات وغيرها مما يجعل المجتمع مفككاً وضعيفاً ويسهل السيطرة والتحكم به واستخدامه كورقة ضغط إن اقتضى الأمر فيما بعد.”  وهذا ما يراه عامر اليوم سبباً مباشراً لافتعال الحرائق في أرزاق الناس في أغلب المناطق السورية من حقول الجزيرة شمالاً حتى حوران جنوباً لإيصال رسالة واضحة للجميع بمدى نفوذ وقوة إيران على الأرض.

لدى يارا (46 سنة، صحفية) وجهة نظر مختلفة فهي لا تستبعد كل تلك الأسباب والاحتمالات السابقة إلا أنها تعتقد: “أن ما يجري ناجم عن استكمالاً استمرار إدارة البلاد ومتغيرات الأحداث على الأرض بنفس الذهنية والعقلية الأمنية والتي غالباً ما تعتمد على زيادة التوتر وافتعال مشاكل جديدة لتبرير الحالة الكارثية التي وصلت إليها سوريا وخصوصاً أن الانهيار الاقتصادي المتسارع وغلاء الأسعار بات حملاً لا يقدر أحد على تحمله ولا تقدر الحكومة أيضاً على إيجاد أي حل له. بالإضافة أن ما يجري في الآونة الأخيرة من خلافات بين رامي مخلوف والرئيس تندرج ضمن نفس السياق، وأن هذا الخلاف له أثر مباشر على الاقتصاد في بلد كسوريا فربما يكون إخراج هكذا خلافات للعلن له غاية واضحة في جعله شماعة للخراب الاقتصادي الحاصل وتحميله كل النتائج التي يمكن أن تتطور إليها الأحداث خصوصاً وأن رامي مخلوف في مشهد الحطب من خلفه كان قد هدد جهاراً بكوارث لتطال الاقتصاد السوري فيما لو أزيح من المشهد، وهذا ما بتنا نسمعه في الشارع ويردده الكثيرون اليوم من أن الغلاء وتدهور سعر صرف الليرة وحتى الحرائق هي من أفعال رامي مخلوف.” وتضيف يارا: “صحيح أن الحرائق قد طالت العديد من المناطق السورية إلا أن للسويداء حصة مختلفة ووضعاً خاصا ًحيث أن ما يجري ليس إلا عقاباً واستكمالاً لحالة الإهمال والإفقار المتعمدة تجاه المحافظة التي آثرت اعتماد بعض الحياد في المقتلة السورية رافضة إرسال أبنائها للخدمة العسكرية.”

قد تطول الرواية في سرد تداعياتها واستعراض أسبابها ومن يقف وراءها ويستفيد منها، لكن كل ذلك يبقى بعيداً عن إيجاد حلول عملية للمشكلة، ومن البديهي أن الحكومة هي المسؤولة عن حفظ الأمن العام والغذائي في البلد وأن المسؤولية الأكبر تقع على عاتقها، لكن من غير البديهي مطلقاً الانتظار والأمل منها أن تؤدي ذلك الدور، أو الخروج بوقفات احتجاجية للتنديد بتقاعسها بحماية الناس فقط، المطلوب اليوم هو حماية المحاصيل بأي ثمن لحين الانتهاء من العمليات الزراعية.

سوريا في أسبوع 25-31  أيار/مايو 2020

سوريا في أسبوع 25-31 أيار/مايو 2020

رفع الحظر

31  أيار/مايو

قررت الحكومة السورية عودة العمل في الجهات الحكومية بداية من الاثنين، وذلك بعد تعليق الدوام لأكثر من شهرين ونصف الشهر .

ووفقا لبيان، حصلت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه، فقد أقر مجلس الوزراء السوري خلال جلسته اليوم “إعادة دوام العاملين في جميع جهات القطاع العام اعتبارا من يوم الاثنين، بدءا من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، مع التقيد بجميع الشروط الوقائية والصحية”.

وبدأت الجامعات السورية الحكومية والخاصة بالعودة للدوام، الأحد لاستكمال الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي 2020-2019 ، وذلك بالتزامن مع استئناف امتحانات التعليم المفتوح للفصل الدراسي الأول وسط التزام بالإجراءات الاحترازية المتخذة للتصدي لوباء كورونا.

وكانت الحكومة قد ألغت الأسبوع الماضي حظر التجول الليلي المفروض بشكل كامل ورفعت منع التنقل بين المحافظات.

وعلقت الحكومة السورية دوام الجهات العامة والخاصة والمدارس والجامعات بعد تسجيل إصابات بفيروس كورونا نهاية شهر شباط/فبراير الماضي.

وبلغ إجمالي الإصابات بفيروس كورونا في سورية 122 حالة، شفي منها 43، وتوفيت منها أربع حالات.

طمأنة روسية

30  أيار/مايو

في خطوة ترمي إلى «طمأنة» دمشق، سلمت القوات الجوية الروسية في قاعدة حميميم في اللاذقية النظام السوري دفعة أولى من مقاتلات متطورة من طراز «ميغ 29»، وذلك بعد يومين من طلب الرئيس فلاديمير بوتين توسيع الحضور العسكري في سوريا.

وأفادت «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) أمس أن التسليم جرى في «حفل خاص» في حميميم وأن المقاتلات «التي تعد أكثر فعالية من جيلها السابق، نفذت تحليقها من القاعدة إلى مناطق تمركزها في المطارات العسكرية السورية»، حيث سيبدأ اعتباراً من غد طيارون سوريون «تنفيذ المناوبات المقررة بهذه الطائرات».

وكان بوتين طلب من وزارتي الدفاع والخارجية العمل مع دمشق لتوقيع بروتوكول إضافي يوسّع الوجود العسكري الروسي في سوريا بموجب اتفاق وقع في 2015.

على صعيد آخر، يدخل «قانون قيصر» الأميركي حيز التنفيذ منتصف يونيو (حزيران) المقبل، لينقل العقوبات الأميركية إلى مستوى جديد، يصل إلى ملاحقة المتعاونين مع النظام السوري ويربكه مع حلفائه في موسكو وطهران. ولا يشكل القانون، ضربة للجهود الروسية، وحسب، بل تتجاوز آثاره المنتظرة البعد السياسي ليضرب بقوة خططا طموحة لقطاعات اقتصادية في روسيا جهزت نفسها طويلا لـ«ما بعد الحرب».

سورياً، هناك انقسام حوله؛ إذ إن الشارع في دمشق قلق من انعكاس العقوبات على الوضع المعيشي بينما يتوقع قياديون في «الإدارة الذاتية» أن يستثني حلفاؤهم الأميركيون مناطق شرق الفرات من العقاب.

قبضة بوتين

29 ايار/مايو

أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحلة لتعزيز «القبضة العسكرية» في سوريا، ذلك في أول خطوة ملموسة بعد قراره قبل أيام، تعيين سفيره في دمشق «مبعوثا رئاسيا» بصلاحيات واسعة لتطوير العلاقات الثنائية.

ووقّع بوتين أمس، مرسوماً يفوض وزارتي الدفاع والخارجية العمل مع الحكومة السورية لتوقيع بروتوكول إضافي يوسّع الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية الذي يضم قاعدتي حميميم وطرطوس في الساحل والقامشلي شرق البلاد. ونص على «موافقة الرئيس الروسي» على اقتراح الحكومة بوضع بروتوكول إضافي ليكون ملحقاً بالاتفاقية الموقّعة مع دمشق في 26 أغسطس (آب) 2015، التي سمحت بوجود عسكري في سوريا.

ووفقاً للبروتوكول، سيتم «تسليم ممتلكات غير منقولة ومناطق بحرية إضافية» في استكمال وتوسيع للاتفاقية السابقة. وبدا التطور لافتاً في شكله ومضمونه، ومن ناحية الشكل، فإن وزارة الدفاع الروسية لن تبدأ مفاوضات مع دمشق للتوصل إلى اتفاق، بل ستقدم بروتوكولاً جاهزاً للتوقيع عليه.

جاءت هذه الخطوة بعد أيام من وصول القوات العسكرية الروسية إلى معبر فيشخابور، في أعمق نقطة تصلها في زاوية الحدود السورية – العراقية – التركية التي كانت تعتبر منطقة نفوذ أميركية.

اقتتال موالين لتركيا

28 ايار/مايو

قُتل مدنيون في اقتتال بين فصيلين موالين لأنقرة في مدينة عفرين في ريف حلب شمال سوريا، وهي ذات غالبية كردية كانت فصائل مدعومة من الجيش التركي سيطرت عليها بداية 2018.

وتحدث «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن «اقتتال مسلح عنيف بين مسلحين من «فرقة الحمزة» من جهة، ومسلحين مهجرين من الغوطة الشرقية من جهة أخرى، عقب محاولة مجموعة عسكرية تابعة لـ«فرقة الحمزة» السطو على محل تجاري، يتحدر صاحبه من منطقة عربين في الغوطة الشرقية ومحاولتهم أخذ بعض المواد الغذائية دون دفع ثمنها. وبعد رفض البائع قاموا باستهداف محله بقنبلة، ليتطور الأمر ويتحول إلى اشتباكات بالأسلحة الرشاشة، بين أبناء الغوطة الشرقية وبمؤازرة بعض عناصر حركة أحرار الشام الإسلامية، ضد عناصر فرقة الحمزات وذلك قرب شارع راجو بمدينة عفرين». وأسفر الاقتتال «عن وقوع 8 جرحى ومقتل مسلح من الغوطة الشرقية، وطفل بنار عشوائي جراء الاشتباكات».

وأعلنت «فرقة الحمزة» أنها ترفض «وتدين ما جرى في مدينة عفرين، وسيتم فتح تحقيق في الحادثة ومحاسبة المذنبين من عناصر الفرقة وسيتم تسليمهم إلى الشرطة العسكرية وإحالتهم إلى القضاء لينالوا عقابهم».

كانت القوات التركية والروسية سيرت أمس الدورية الثالثة عشرة على طريق حلب – اللاذقية من قرية ترنبة بريف سراقب شرق إدلب باتجاه منطقة محمبل غرب المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا، وذلك بعد إعلان أنقرة مقتل جندي تركي في انفجار قنبلة في إدلب أول من أمس.

رامي… إنساني

28 ايار/مايو

أعلن رجل الأعمال السوري، رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، تنازله عن ملكية أسهمه في العديد من البنوك وشركات التأمين، لصالح مؤسسة «راماك للمشاريع التنموية والإنسانية»، التي وصفها بأنها «وقف لا تُورَّث ولا تُباع»، وأن أرباحها تعود إلى «أعمال خيرية بالكامل»، متعهداً بـ«نشر كل وثائق معاملة نقل الملكية بعد إتمامها».

وقالت مصادر حقوقية في دمشق إن «تنازل رامي مخلوف عن ملكية أسهمه في المصارف وشركات التأمين وتحويلها إلى مال وقف، محاولة لإبطال مفاعيل قرارات الحجز على أمواله؛ إذ لا توجد قوانين تفرض الضرائب على الجمعيات الخيرية والإنسانية».

وكانت الحكومة في دمشق اتخذت سلسلة إجراءات ضد رامي مخلوف، الأسبوع الماضي، بينها الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، وأسهمه في 12 مصرفاً، بالإضافة إلى منعه من السفر، ومنعه من التعاقد مع الدولة لمدة خمس سنوات، وذلك ضمن إجراءات وزارتي المالية والاتصالات لتحصيل ضرائب مستحقة على شركة «سيريتل» للاتصالات المملوكة من مخلوف.

توتر في إدلب

27 ايار/مايو

برزت معلومات عن إرسال الجيش التركي تعزيزات إلى ريف إدلب، بالتوازي مع حشد قوات النظام السوري موالين لها في خطوط الجبهات، ما أشار إلى اتجاه الوضع في إدلب نحو مزيد من التدهور.

وأعلن رئيس المركز الروسي للمصالحة في سوريا، أوليغ جورافليوف، أن مسلحي «جبهة النصرة» قصفوا بلدة معرة موخص في إدلب. لكنه لفت إلى «عدم رصد أي عملية قصف من قبل تشكيلات غير شرعية موالية لتركيا». وبرزت إشارات إلى أن تبايناً بين موسكو وأنقرة حيال ليبيا انعكس على الوضع بإدلب.

ووقع انفجار أثناء مرور رتلٍ تابع للقوات التركية وفصائل المعارضة الموالية لها في الغسانية، جنوب غربي إدلب، قرب طريق حلب – اللاذقية، أثناء تحليق الطيران الروسي.

وتضاربت الأنباء حول الأسباب؛ حيث قالت مصادر محلية إن الانفجار نجم عن عبوات ناسفة استهدفت الرتل التركي، بينما قالت مصادر أخرى إنه وقع أثناء طلعات الطيران الروسي تمهيداً لتسيير دورية عسكرية مشتركة مع القوات التركية على طريق حلب – اللاذقية.

وأرسل الجيش التركي، مساء أول من أمس، تعزيزات إلى نقاط المراقبة شمال إدلب، في وقت قال القيادي في «الجيش الحر» العقيد مصطفى بكور، أمس: «رصدنا حشوداً عسكرية للنظام والميليشيات الإيرانية تمركزت على خطوط المواجهة في ريفي إدلب وحماة الغربي». وزاد: «هناك تحذيرات من الجانب التركي للفصائل بضرورة الاستعداد تحسباً لعملية للنظام».

أرقام الكارثة السورية

26 ايار/مايو

بلغ إجمالي الخسائر الاقتصادية في سوريا خلال 9 سنوات من الحرب 530 مليار دولار أميركي. كما تضرر 40 في المائة من البنية التحتية، في وقت وصل معدل الفقر إلى 86 في المائة بين السوريين البالغ عددهم نحو 22 مليوناً.

بشرياً، بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع 690 ألفاً، بينهم 570 ألفا قتلوا بشكل مباشر نتيجة الحرب التي أدت إلى خروج 13 مليوناً من بيوتهم نازحين ولاجئين، في وقت يعيش 2.4 مليون طفل خارج المدارس داخل البلاد، التي تعلم 6 مناهج في «مناطق النفوذ» المختلفة. ويشكل هؤلاء نحو 35 في المائة من الأطفال في سن الدراسة. وهناك نسبة مشابهة للأطفال السوريين خارج البلاد.

كانت هذه بعض خلاصات بحث أعده «المركز السوري لبحوث السياسات» وتعلن نتائجه في بيروت اليوم (الأربعاء). وقال الباحث في المركز ربيع نصر لـ«الشرق الأوسط» أمس، إنه أمام هذه المؤشرات «لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار قبل معالجة جذور النزاع، وأهمها الظلم السياسي والظلم الاقتصادي والظلم الاجتماعي».

وكان مسؤولون روس تحدثوا قبل سنتين عن 400 مليار دولار تكلفة الدمار. ولا شك أن الأرقام الجديدة، تشكل تحدياً كبيراً أمام روسيا في أي خطة لإعمار سوريا، خصوصاً في ضوء الوضع الداخلي والأزمات الاقتصادية في العالم بعد وباء «كورونا». وقال أحد الباحثين «هذه الأرقام الصادمة تجعل من الإعمار أقرب إلى الوهم».

مبعوث دائم لبوتين

26  أيار/مايو

أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً بتعيين ألكسندر يفيموف، السفير الروسي فوق العادة والمفوض لدى سوريا، «ممثلاً خاصاً له لتطوير العلاقات مع سوريا»؛ الأمر الذي عدّه مراقبون رغبة من بوتين في تحرك أوسع بالملف السوري.

ويسمح هذا القرار للسفير يفيموف بالحديث في دمشق باسم بوتين لرعاية الشؤون الروسية التي تشمل قواعد عسكرية في حميميم وطرطوس والقامشلي وطموحات عسكرية وسياسية. وأعلنت موسكو أن المرسوم، الذي نشر في الموقع الرسمي للمعلومات القانونية، دخل حيّز التنفيذ بدءاً من أمس.

ويعيد هذا التعيين إلى الأذهان تجربة السفير الأميركي بول بريمر الذي عيّنه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش (الابن) رئيساً للإدارة المدنية للإشراف على إعادة إعمار العراق بعد 2003، لكنه عُرف بأنه «حاكم العراق».

إلى ذلك؛ فتحت القوات الروسية، أمس، الطريق الرئيسية بين القامشلي وحلب وتفرعاتها الاستراتيجية، المعروفة بـ«شرايين» منطقة شرق الفرات التي كانت خاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة أميركا. وأعلن الجانب الروسي فتح الطريق أمام حركة السير المدنية والتبادل التجاري، حيث تربط مدن وبلدات عين العرب (كوباني) ومنبج والعريمة، غرب نهر الفرات، بمناطق الجزيرة السورية شرقاً، بعد انقطاع عن الخدمة استمر 7 أشهر بسبب العملية التركية الأخيرة.

عودة رفعت؟

25 ايار/مايو

كشف دريد الأسد، ابن عمّ الرئيس السوري بشار الأسد، عن طموح والده، رفعت الأسد، في المشاركة بالعملية السياسية خلال المرحلة المقبلة. وقال دريد عبر صفحته الرسمية على «فيسوك»، إن والده يتطلع إلى «بناء سوريا، التي تتشارك بها جميع القوى السياسية الوطنية عبر عملية سياسية شاملة ترعى المشاركة الحقيقية في صنع مستقبل سوريا».

وبعد غمزه من قناة زوجة الرئيس السوري؛ أسماء الأسد، على خلفية النزاع الحاصل بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف، أكد دريد الأسد على نأي عائلة العمّ رفعت الأسد عما يجري في الداخل السوري، وقال: «مثلما نأى رفعت الأسد بنفسه عن كل ما يجري بالداخل السوري منذ 36 عاماً، بسبب الخلاف السياسي الكبير مع السلطة السياسية، وطرائق معالجتها للعديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه ينأى اليوم مع أسرته وأولاده عن كل ما يجري بداخل سوريا!».

ويعيش رفعت الأسد (82 عاماً)، المتهم بارتكاب مجازر مروعة في حماة خلال الثمانينات من القرن الماضي، منفياً خارج البلاد منذ محاولته الانقلاب على أخيه حافظ الأسد في 1984، وذلك بعد تسوية بين الشقيقين سمح فيها حافظ الأسد لشقيقه بأخذ ثروته والابتعاد عن السلطة.

الحكومة تضع الكرة في ملعب الشعب: النجاة فردية!

الحكومة تضع الكرة في ملعب الشعب: النجاة فردية!

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

“قرر الفريق الحكومي المعني بإجراءات التصدي لوباء كورونا خلال اجتماعه اليوم إلغاء حظر التجول الليلي المفروض بشكل كامل”. بهذا التصريح المقتضب طالعت الحكومة السورية شعبها بقرارها الصادر عن ما تسميه “الفريق الحكومي المعني بإجراءات التصدي لكورونا”، لكن غاب عنها أن التسمية خاطئة من أساسها، كان الأجدر بها تسميته “الفريق المعني بمكافحة الوباء”، لا التصدي له في بلد تمارس فيه “لجنته المتصدية” تجاوزات وأخطاء وحدها كفيلة بانتشار الفايروس في أي لحظة، ما لم يتم تعديل معظم الإجراءات الارتجالية الحالية، والسابقة، وغالباً اللاحقة.

بتتابع لحظي تكفلت صفحة رئاسة مجلس الوزراء السوري، على موقع Facebook، بنشر كل ما صدر من قرارات عن الفريق الحكومي، وسرعان ما نشرت قرارهم الثاني المتعلق برفع حظر التنقل بين المدن، وبين المدن والأرياف، وكذا القرار المرفق بالسماح بفتح المحلات التجارية من الثامنة صباحاً وحتى السابعة مساء. ولم تنس الحكومة أن توجه صفعة للسوريين العالقين في الخارج حيث “تقرر استمرار قرار تعليق قدومهم إلى إشعار آخر، على أن يتم مناقشة هذا الموضوع بعد معالجة جميع الحالات وانتهاء مدة الحجر للمتواجدين في مراكز الحجر”. وكذلك الداخلون إلى سوريا بطرق غير قانونية، فهؤلاء يحجرون لـ14 يوماً، ثم يتم تحويلهم للقضاء، وأيضاً إعادة دوام الجامعات التي يصل تعداد طلاب بعضها إلى عشرات الآلاف، وذكر الفريق أن دوام الجامعات يبدأ من التاسعة والنصف صباحاً، وحتى التاسعة والنصف مساء، وهو أمر غير مسبوق حتى قبل بداية الحرب في سوريا.

إلى جانب كل ما ذكر، أصدرت الحكومة الكثير من القرارات المتعلقة برفع الحظر وآليته، وهي بمجملها قرارات متخبطة، وبعضها متناقض، على ما يقول الكثير من الناس، ومنهم رؤى التي تشكو: “الحكومة تقرر، والشعب ينفذ، والكورونا على وشك أن ينتشر” وتضيف: “خلص إذا بدهم يانا نموت منزت حالنا تحت شي سيارة، مو حابة اعطيهن فرصة ليموتوني بالكورونا”.

قد يكون ما ذكر أعلاه من قرارات مقبولاً لدى بعض السوريين، ولكن قسماً كبيراً رفضه، وعبر عن رفضه على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت منبراً ومكاناً يؤخذ به لقراءة المزاج العام، سيما في سوريا، حيث لا منابر أخرى ليعبر الناس فيها عن آرائهم، ولكن الحكومة تركت الباب مفتوحاً لاحتمال إعلان حظر تام وكامل في أي لحظة، وفق المتغيرات وأهميتها، على ما قالته في تصريح لاحق.

رفض واستنكار

قد يكون لا حصر لما قاله السوريون هازئين بالقرارات هذه، متسائلين كيف يُرفع الحظر وقد بلغ مصابو سوريا بالفايروس 122 مواطناً، بينما كان الحظر مطبقاً بشدة منذ نهاية آذار\مارس وحتى 15 أيار\مايو، حيث سجلت البلاد لذاك التاريخ 50 إصابة فقط، وبعدها سجلت أكثر من 70 إصابة في 12 يوماً، فرفع الفريق المعني الحظر دفعةً واحدة.

” يا أما نحن عايشين ببلد وحكومتنا ببلد تاني، أو أن حكومتنا مبسوطة بالكورونا وحابة تجربه”، يقول ماجد مكملاً: “خلص وصلنا لمرحلة ما بقى قادرين نفهم الحكومة ولا نتفاهم معها، كيف عندن كل هالقدرة يجربوا فينا”. ولا تختلف ريم مع ماجد، فهي ترى أيضاً أن ما يحصل غير منطقي متسائلة عن آلية هذه القرارات: “مين أعطى لهاد الفريق صلاحية التجريب والاجتهاد، هاد وباء عالمي أصاب الملايين، على شو معولة حكومتنا، على وعينا، طيب نحن أثبتنا أننا بلا وعي، شوف مناظر الطرقات بعد ما انرفع الحظر”.

المتنفس الأزرق

اللافت في بعض التعليقات والتدوينات على موقع Facebook هو جرأة الناس على رفض كل ما يحصل، وعادة لا يحصل هذا في بلد كسوريا، واتضح ذلك من تعليقاتهم المباشرة على صفحة رئاسة مجلس الوزراء، حيث قال محمد أشرفي في تعليق له: “يا عمي خلصونا بقى من كورونا، واجتمعوا لتوقفوا انهيار المواطن، اجتمعوا لتوقفوا انهيار البلد، اجتمعوا واعملوا أي شي منيح، مشان الله لا بقى تجتمعوا مشان كورونا”. أما أسماء الدغيم فكتبت: “حلو، بيعدوا بعض وبتنتشر الكوارث، برافو”. وعلاء الدين لم يوفر فرصة للتندر على الفريق قائلاً: “3 إصابات: حظر تجول ووقف الشغل والمدارس والجامعات وكل الحياة أما122  إصابة: الغاء حظر التجول ورجعت الجامعات ووسائل النقل”، وختم تعليقه: “مين لعبان بإعدادات سوريا”. وهنا وجد الكثير من السوريين العالقين في الخارج مكاناً لإرسال آمالهم لحكومة بلادهم أن تعيدهم بسرعة إلى وطنهم، كما قالت شامية علبي: “رجاء ساعدونا بالعودة إلى الشام نحن الزوار العالقين في السعودية بدنا نرجع لعائلاتنا ووظائفنا بسوريا”.

بعض القبول

في تعليقها على صفحة رئاسة الوزراء قالت غزل: “أحلى خبر، أي هيك ها”، أما ريمه الفائز فقد كانت سعيدة: “صار فيي اطلع ع اللاذقية أخيراً”، وتساءل محمد عبيد في تعليق لا يخلو من السخرية: “يعني هلأ منطلع لبرا ونمشي قدام دوريات الشرطة وما بيحاكونا”.

لارا واحدة من المعجبين بالقرارات الصادرة، وتعتقد أن خنق الشعب كما حصل خلال فترة الحجر لن يفيد بشيء، وتقول لنا: “بدنا نتنفس، رح نموت ببيوتنا من الخنقة، يعني خلص شو رح نستفيد، هيك هيك العالم شالحة الكمامات ولا متقيدة أبداً بمعايير السلامة الصحية”. ويتفق مازن معها في تصريحه لنا: “ليش الحبسة بالبيت إذا في عالم خير الله برا مو قابضة القصة وعم تتابع حياتها ولا كأنو في شي”، وتساءل مازن: “انحجر واحبس حالي والعالم برا كأنها ناطرة الكورونا، أي خلص ما بتروح غير عليي شهرين قاعد بالبيت والناس برا بلا وعي”.

الوعي السوري مع وقف التنفيذ

ما أن أعلنت الحكومة الحظر في نهايات آذار\مارس الماضي، حتى راح السوريون يبحثون عن أول شيء يهمهم، وهو استثناء التجوال وغيره من الاستثناءات التي كانت تمنح غالباً بناء على العلاقات والمعارف، وكأن إجراءات الحكومة كانت من باب الخجل أمام دول العالم، غير المكترثة أصلاً؛ ففي الأيام الثلاث الأولى كانت وزارة الداخلية تنشر يومياً أعداد من تم توقيفهم لخرق حظر التجوال، ولكن فجأة توقفت أخبار هؤلاء الذين يجب إيقافهم إذا ما خرقوا الحظر، يبدو أن الفريق إياه قد اقتنع بأن الكثير من الإجراءات مبالغ فيها، فالسوري يكفيه ما يكفيه مما عاشه خلال السنوات الماضية.

صار بعض الناس يستمتعون بخرق الحظر، فالسوري في الداخل يستلذ بأفعال بعينها وهي ظاهرة سورية غير سليمة وترتبط بمفرزات الحرب: “كوصف نفسه بأنه لن يتجرأ أحد عليه”، وعلى هذا نقيس، فشوارع النهار مزدحمة أيما ازدحام، ففي الشهر الأول من الحظر كان يمكن أن تشاهد ارتفاعا نسبياً في معدل ارتداء الكمامة والقفازات بين الناس، في الشهر الثاني صرت محتاجاً للبحث والتدقيق لتعثر على شخص يرتديها، المسألة مرتبطة بالوعي، وربما بحالة التنصل من المأساة، كما أشار “فرويد” مراراً في مؤلفاته.

المأساة الكوميدية

هل يمكن تصديق أن الناس خرجت لتحتفل بإلغاء الحظر، نعم، سجل ناشطون مقطعا مصوراً يظهر آلاف السوريين متجمعين في حي الشعلان الدمشقي وهم يرقصون ويمرحون محتفلين بقرار الحكومة. هؤلاء عينة حقيقية لم تدرس أبعاد القرار، ولا يعرفون من أصدره غالباً، ولكنهم سعيدون على مبدأ الأعمى الذي يقود أعمى، فكل تجمع ولو بدأ صغيراً فسيكبر ويكبر، فضول السوريين يفعل أكثر، ولو أنهم قاربوا الأمر من زاوية أخرى، فهم كان مسموحاً لهم بالتحرك أساساً لغاية السابعة والنصف مساء، ولكن العتب على حكومة جعلت كثيراً من رعاياها يقبلون ما لا يفهمونه.

الحكومة في واد والشعب في واد

ليست هذه أول مرة تصدر فيها الحكومة قرارات “اعتباطية”، وأكيد أنها لن تكون الأخيرة، وقد يكون من الظلم في مكان تعميم الأمر على جميع الوزراء فيها، فثمة وزراء يقومون بعملهم التنفيذي بجدية بعيداً عن الحياة اليومية المباشرة، ولكن هذا ليس موضوع بحثنا، المهم في الأمر هو ما يقوله الناس في الطرقات، لا أحد راض، لا أحد مرتاح، حس الانتقاد بلغ مستويات غير مسبوقة، لقمة العيش لدى الجميع هي الأولوية هذه الأيام. ورغم ذلك فإن ما يحصل في ملف فايروس كورونا ينذر بوقائع سوداء، على اعتبار أن أدنى حقوق السوري أن يسأل عما يحصل مؤخراً، فكيف يخرج شخص من الحجر الصحي الذي يستمر 14 يوماً، يخرج ليكتشف لاحقاً أنه مصاب بالفايروس بعد أن خالط من خالطهم. حصل هذا قبل أيام فعلاً، ومثله ربما حالات ستتكشف مع الأيام، وربما لا، العلم عند الحكومة ، والتي حاولت مستدركةً تحت ضغط الناس أن تبرر الأمر بتصريح يقول: “نتيجة التحليل للحالة الأخيرة كانت سلبية، وعاد للمنزل، ثم ظهرت عليه الأعراض، وتبين إصابته بالفايروس، فقمنا بعزله”، ولكن بعد ماذا، بعد اختلاطه بأهله وسواهم. في حين أشارت “منظمة الصحة السورية”، وهي منظمة محلية غير رسمية أن “هذه الحالة بالتحديد غير مبشرة بالخير، فاحتمال أن يكون هناك عدة حالات مشابهة بين الذين تم تخريجهم من الحجر، وبالتالي من الممكن قريباً أن نرى الكثير من الإصابات المحلية”، وأكملت المنظمة: “نحن اليوم أمام خطر أكبر من ذلك الذي كان مع تسجيل أول إصابة، وقتذاك خضعنا لكثير من إجراءات الحظر ونسبة لا بأس بها من الالتزام، لكن اليوم نحن أمام احتمال انتشار الوباء دون قوانين مساعدة”. ومن باب المنطق يسأل الناس كيف يخرج من لديه واسطة من الحجر بعد  3 لـ 4 أيام فقط، حتى في هذه هناك وساطات (توصيات) في بلد الوسايط؛ فيوماً بعد يوم يتكشف أن كل شيء في هذه البلاد محكوم بالمعارف حتى الكورونا، الفايروس الذي يخشى خبراء انفجار إصاباته بأي لحظة. في ظل كل تلك المعطيات التي صارت أمراً واقعاً في بلد غير مهيأ لأي حدث طبي أكان بسيطاً أم خطيراً، فالإمكانيات الطبية تكاد تكون معدومة، وهذا ما تجلى من سوء مراكز الحجر والتأخر في أخذ المسحات الطبية والكثير من الأمور التي لا تبدأ من الأدوية ولا تنتهي عند التجهيزات.

إذن، الحكومة كعادتها رمت الكرة في ملعب السوريين، وكأنها تقول لهم، النجاة فردية، كل شخص فيكم مسؤول عن نفسه، مُتم أم عشتم، هذه قضيتكم وحدكم.

سورية الدولة والهوية: خلود الزغير تبحث في أسئلة الهويات والانتماء الوطني

سورية الدولة والهوية: خلود الزغير تبحث في أسئلة الهويات والانتماء الوطني

«سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري (1946-1963)»، عنوان كتاب جديد للكاتبة والباحثة الاجتماعية السورية الدكتورة خلود الزغير، صدر مؤخرًا عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، وهو عمل يتميّز عن غيره من المؤلفات التي تناولت الدولة والهوية السورية من خلال قراءة رصينة لثلاثة مفاهيم هي (الأمّة والقوميّة والدولة الوطنيّة)، بكونه يندرج في سياق البحوث والدراسات العلمية الموضوعية، من خلال بحث مؤلّفته في الطروحات والمفاهيم المركزية التي قام عليها النقاش، داخل خطاب الأحزاب السياسية السورية التي تصدرت المشهد السياسي بعد الاستقلال التام لسورية عام 1946 حتى وصول اللجنة العسكرية لحزب البعث إلى السلطة في العام 1963، سواء الأحزاب التي وُجِدت في السلطة أو التي كانت في المعارضة، انطلاقًا من أنّ أيّ قراءة في سؤال الدولة والهوية اليوم تحتاج إلى فهم الإشكاليات والظروف والسياقات التي تشكلت ضمنها الدولة السورية وهويتها في المراحل السابقة، خصوصًا أنّ السؤال حول وجود هوية سياسية – اجتماعية لسورية أو هوية وطنية سورية جامعة أمرٌ لا يزال مطروحًا.

تستهل الباحثة الاجتماعية مقدّمة كتابها، الذي جاء في (272 صفحة بالقطع الوسط)، بالقول: “إنّ تشكل هوية الدولة السورية منذ إعلان أوّل استقلال لها في المؤتمر السوري العام في 8 آذار/مارس 1920 إلى اليوم إحدى القضايا المركزية في السجال السياسي والاجتماعي والفكري؛ فبعد قيام الكيان السوري الحالي، برزت على الساحة السياسية هويات أيديولوجية متعددة ارتبطت من جهة في ظروف الصراع الدولي والإقليمي على مناطق النفوذ في المنطقة، ومن جهة ثانية كانت هذه الهويات امتدادًا لتيارات سياسية – فكرية عالمية شكلت آنذاك نماذج ملهمة للحراك السياسي في سوريا والعديد من دول العالم، كان الأنموذج القومي الاشتراكي أبرزها”. “الزغير” بيّنت في السياق، أنّ أجواء الحريات السياسية والفكرية وطبيعة النظام شبه الديمقراطي القائم منذ بداية الأربعينات وحتى أواخر الخمسينات سمحت بأن “يبلور كل تيار سياسي نظريته حول أهمية الأمّة ومكوَّناتها الأساسيّة، وبأنّ تدخل هذه التيارات في سجال سياسي وعقائدي فيما بينها حول المفاهيم المتعلقة بالهوية”، مع إشارتها أنّه “على الرغم من تنوّع هذه الطروحات والمنظورات الفكرية، التزمت معظم التيارات بتعريف الدولة بالجمهورية السورية. لاحقًا، وخلال فترة الوحدة مع مصر (22 شباط/فبراير 1958 – 28 أيلول/سبتمبر 1961)، أصبحت الجمهورية السورية جزءًا من الجمهورية العربية المتحدة، حيث تحوَّلت هوية العروبة إلى واقع عملي بعد أن كانت شعارًا ونظرية”. لافتة إلى أنّه “بعد إعلان حلّ الوحدة، لم تتخيلَّ حكومة فترتي الانفصال عن “الهوية العربية”، وحوَّل اسم الجمهورية السورية إلى الجمهورية العربية السورية، في محاولة لنفي تهمة الانفصالية عنها، وإثبات التمسك بالهوية “القومية العربية”..”.

“الزغير” لفتت في مقدّمتها إلى أنّ “الاطلاع على أدبيات النخبة السياسية السورية ووثائقها في المرحلة بين عامي 1946 و1963، يبرز الحضور القوي والمتكرر لمفهوم (الأمّة) ولمفهوم (الهوية)، من دون أن يعني ذلك الاشتراك أو الاتفاق على تعريفهما. بل إنّه وعلى العكس من ذلك، يشير إلى اختلاف جليّ في فهم وتعريف كل حزب أو تيار سياسي لهذه المصطلحات؛ حيث يبدو مفهوم (الأمّة) واحدًا من أبرز المفاهيم الني جسدت إشكالية وعي السوريين بهويتهم، ليس من فجر الاستقلال فحسب، بل منذ عصر النهضة حتى اليوم. وإذا كانت ظاهرة الأمّة قد شكلت، في العموم، قضية موضوعية ومنطلقًا للنقاش حول التحوَّلات التي عاشتها المجتمعات منذ الحرب العالمية الثانية، وحول العولمة والنظام الدولي وصراع الحضارات، فإنّها بقيت في سوريا مسألة مطروحة للنقاش داخل بعض التيارات حين يتم تناول علاقة الأمّة بالدولة، والهوية الوطنية، ونظام الحكم ومستقبل الصراع السياسي.

  • التباس المفاهيم مع نشوء الدولة المعاصرة..

تضمن الكتاب تسعة فصول، بحثت ضمن رؤية تحليلية هادئة وقراءة جد عقلانية، جملة من التساؤلات مثل: “هل سورية المعاصرة جزء من كل أكبر، أم دولة – أمّة، أم تجميع لهويات وأجزاء مختلفة؟”، و”هل ساهم عدم إنجاز الدولة الوطنية الحديثة القائمة على العقد الاجتماعي بشكل تام وفعلي والذي يؤسّس لدستور يتوافق عليه الجميع، إضافة إلى حالة الالتباس النظري حول مفاهيم الوطنية والقومية والدولة في الوعي السياسي السوري، بأن يبقى مفهوم الأمّة وهويتها مفهومًا إشكاليًا ومتبدلًا من تيار سياسي إلى آخر؟ وبالتالي، لأن تبقى مسألة الهوية والانتماء الوطني موضوعًا للانقسام والتناحر بين الأحزاب السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم”.

حمل أوّل فصل في الكتاب عنوان: “الهوية السياسية والإشكالية الجغرافية والاجتماعية”؛ وفيه بحثت المؤلّفة التناقض بين الجغرافيا والولاء السياسي، والمسألة الاجتماعية والمجتمع السياسي. كاشفة عن التحدّيات الداخلية التي رافقت نشوء الدولة السورية وأحزابها السياسية، وأبرزها؛ أوّلًا: الإشكالية الجغرافية المتمثلة في مسألة التناقض بين جغرافية الكيان السوري الناشئ في مطلع عشرينيات القرن الماضي والانتماء السياسي إليه.

ثانيًا: الإشكالية الاجتماعية المتعلقة ببنية المجتمع السوري من حيث طبقاته ونخبه السياسية، ودور المسألة الاجتماعية في تشكيل التوجهات السياسية لكل حزب.

أما في الفصل الثاني، الذي جاء تحت عنوان: “التحدّيات الخارجية للكيان الوطني السوري”، فتعالج “الزغير” التحدّيات الخارجية للكيان الوطني السوري والإطار الإقليمي والدولي الذي نشأ فيه، مفككة مفهوم الوطنية والانتماء الوطني الذي تشكل في ظل الموقف من الآخر الخارجي وبالتحدي معه.

فيما تقدّم المؤلّفة عرضًا تفصيليًا في الفصل الثالث، المعنون: “المؤسّسة السياسية والمؤسّسات المحلية التقليدية”، لبنية مؤسّسة الدولة، وإلى أيّ درجة شكّل المجتمع السياسي السوري ومؤسّساته دولة وطنية حديثة، وأثر الانتماءات فوق الوطنية أو تحت الوطنية في مؤسّسات سياسية (كالأحزاب والبرلمان مثلًا).

إلى ذلك درست الباحثة السورية في الفصل الرابع، الموسوم بـ “أثر الفكر القومي الغربي في التنظير لمفهوم الأمّة”، ما أحدثه الفكر القومي الغربي، وخصوصًا النظريتين الفرنسية والألمانية، من أثر في الأحزاب القومية التي بدأت تُنظّر لمفهومَي (الأمّة) و(القومية) اللذين طغيا على مفهوم (الوطنية). معتمدة في هذا الشأن حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي؛ بغية الكشف عن الإرث القومي الغربي في خطابهما النظري، وعلاقته بواقع ظهور هذه الأحزاب.

“بين الوطنية السورية والقومية العربية”، هو عنوان الفصل الخامس من الكتاب، وفيه تناقش المؤلّفة الازدواجية أو التأرجح بين مفهومي الوطنية السورية والقومية العربية في خطاب الأحزاب السياسية السورية، وإلى أيّ درجة يعكس هذا التأرجح إشكالية عدم التوافق حول تعريف الكيان السوري كدولة – أمّة، أو كقطر ينتمي إلى أمّة أوسع، إضافةً إلى الدور الذي تؤديه الظروف المحيطة وشبكة المصالح في تبدل استخدام هذين المفهومين.

فيما ناقشت وحلّلت في الفصل السادس، الذي جاء تحت عنوان “الأمّة واللغة”، علاقة الأمّة باللغة؛ ذلك أنّ لغة الضاد أدت دورًا مركزيًا في تشكيل الهوية العربية في العصر الحديث، إذ أنّ التيارات القومية العربية بَنَت تصوّرها للأمّة على أساس اللغة، التي هي المحدّد الأساسي والأوّل لكيان الأمّة؛ بناءً على أنّ وحدة اللغة هي محدّد وحدة الكيان القومي. باحثة في هذا السياق، “التصوّر اللغوي – التاريخي” عند ساطع الحصري، و”التصوّر اللغوي – الميتافيزيقي” عند زكي الأرسوزي، و”التصوّر اللغوي – السياسي” عند حزب البعث. وهي قبل هذا كله أكدت أنّ نضالات السوريين فرضت وحدة سورية في حدوها الحالية، ودعمت الرابطة الوطنية السورية، ما ساعد في إرساء مجال سياسي وفّر الفرص لبزوغ الأحزاب والكتل السياسية بتنوّعاتها المختلفة.

  • التاريخ بوصفه مرجعيَّةً للأمّة وعامل وحدتها..

يتناول الكتاب في الفصل السابع، الذي ورد بعنوان “الأمّة والتاريخ”، تساؤلات أساسيّة مثل: “علاقة الأمّة بالتاريخ”، خصوصًا التاريخ الذي شكّل في خطاب الأحزاب السياسية السورية مقومًا أساسيًا من مقومات تكوين الأمّة من جهة، ومرجعيَّة فكرية وإرثًا تُبنى عليه الأمّة المعاصرة من جهة ثانية. دون أن تغفل في سياقٍ تحليلي، إلقاء نظرة على موقع التاريخ في خطاب الأحزاب السياسية بشأن الأمّة، ولا سيما على مستوى الوظيفة، وعلى مستوى الدور الذي أداه. وفي هذا الفصل تعالج المؤلّفة التاريخ بوصفه مرجعيَّةً للأمّة وإرثها، وعامل وحدة لها.

وتُخصّص الباحثة السورية الفصل الثامن، “الأمّة – الاقتصاد – الطبقة”، لتقارب علاقة الأمّة بالاقتصاد من منظور الأحزاب السياسية، خصوصًا أنّ حزبين فقط طرحا دور العامل الاقتصادي في تكوين الأمّة؛ هما الحزب الشيوعي، والحزب السوري القومي الاجتماعي. لتوضّح بالتحليل أنّ الجدل تصاعد بين اتّجاه يرى أنّ الأمّة العربية هي أمّة مُكوَّنة، وقد مثّل هذا الاتّجاه القوميون العرب واليساريون غير الدائرين في فلك السوفيات، واتّجاه يرى أنّ الأمّة ما زالت في طور التكوُّن وأنّها تبقى كذلك حتى تتحقق وحدتها الاقتصادية، ومثّل هذا الاتّجاه الماركسيون الشيوعيون العرب الدائرون في فلك السوفيات، في حين يرى اتّجاه مثّله السوريون القوميون الاجتماعيون أنّ الأمّة متكوَّنة وأنّها تمثّل وحدة تامة، لكنَّ بعثها يحتاج إلى ما سمّوه النهضة القومية الاجتماعية، وبناء المتحد القومي الاجتماعي.

أما في الفصل التاسع والأخير، وعنوانه: “الأمّة والدين”، فتحلّل “الزغير” علاقة الأمّة بالدين الإسلامي، وفي الاختلاف الفكري الواضح بين الأحزاب السياسية السورية حول مسألة وحدة الأمّة على أساس الدين، وحول علاقة الدين بالدولة والسياسة. فإذا كانت عقيدة العروبة قد استطاعت إيجاد نقاط تلاقٍ مع عقيدة الإسلام، فإنّ عقائد أخرى كالشيوعية والقومية السورية كانت أكثر جذرية في استبعادها العامل الديني، على نحو تكون فيه المؤسّسة الدينية في ما يتعلق بالمؤسّسة السياسية مؤسّسة محايدة، على الرغم من أنّ تلك العقائد قدّمت نفسها، أحيانًا، كـ “أديان” جديدة.

إنّ ما يحسب للباحثة السورية خلود الزغير في تجربتها البحثيّة هذه، هو عدم استسهالها للجانب البحثيّ والمعرفيّ في نتاجها، حيث لم تعتمد كغيرها ممن يعملون على جمع ما نشروه من مقالات وبحوث في سنوات خلت في كتاب، إنّما احترمت قدسيَّة العمل البحثي، ومنحت الدراسة ما تستحقه من جهد ووقت، فكانت النتيجة كتاب سيبقى أثرًا للباحثين السوريين والمهتمين بتاريخ سوريا المعاصر.

جديرٌ بالذكر أنّ خلود الزغير كاتبة وشاعرة سورية تقيم حاليًا في باريس، درست علم الاجتماع في جامعة دمشق 2002، ثم انتقلت إلى باريس في عام 2007، فحصلت على ماجستير من قسم اللغات، في جامعة السوربون الجديدة “باريس 3″، في عام 2009؛ ونالت في عام 2017 درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من الجامعة نفسها في اختصاص علم اجتماع المعرفة. وكان أن عملت معيدة في جامعة دمشق خلال المدّة بين 2005 و2007، ونشرت مجموعة من المقالات والدراسات في مراكز الأبحاث والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية تتعلق بالوضع السوري المعاصر والراهن، وتحديدًا مسألتي الخطاب السياسي والهوية، إضافة إلى مؤسّسة الجيش السوري، وثورة شعبها منذ آذار/مارس 2011 وحتى يومنا هذا. كما ترجمت العديد من الأبحاث والمقالات من اللغة الفرنسية إلى العربية.

ولديها ثلاث مجموعات شعرية طبعت على التوالي في دمشق وبيروت وباريس.

عيد الفطر في سوريا زمن الكورونا: فرحة مقننة

عيد الفطر في سوريا زمن الكورونا: فرحة مقننة

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

“عيد بأي حال عدت يا عيد”، هذا مطلع من قصيدة للمتنبي في هجاء أحواله التي تزامنت مع قدوم العيد، ويبدو أن معظم السوريين يتبنون بحسرة هذه المقولة التي تعكس بدقة سوء أوضاعهم في ظروف الحجر الصحي وسط مخاوف من انتشار كورونا الذي اتفق حدوثه مع أهم مناسبة يحتفل بها السوريون في عيد الفطر. وقد غيرت ضرورة اتباع إرشادات السلامة العامة من عاداتهم المحلية وفرضت عليهم واقعاً جديداً وعادات معينة تُغير من طقوس الاحتفال بالأعياد وكل ما اعتادوا عليه خلال عقود، من زيارات أهلية وعناقات بالجملة وقبلات حارة والتنزه في الحدائق، جميعها عادات نسفت من قاموس السوريين هذا العام، ليقتصر الوضع على رسائل معايدات من خلف شاشة الجهاز الخليوي والاستعانة بإيموجي العناق الافتراضي الذي أدرجه مؤخراً الحائط الأزرق كبديل للعناق الحي.  ناهيك عن الأعباء المادية لتكبد نفقات الحلوى وملابس العيد، حيث أصبحت هذه الأشياء صعبة المتناول لا يصل إليها إلا بمشقة شديدة قليلٌ من الناس. وأكثر من يعاني العوز والقلة جراء الظروف الحالية هم الشريحة التي تعمل في وظائف مياومة حيث يحصل هؤلاء الناس على قوت عملهم يومياً وانقطع مصدر رزقهم بسبب جائحة كورونا.

اضطرت سماهر التي تعمل سكرتيرة في عيادة الطبيب إلى أخذ سلفة مالية من عملها لكي تتمكن من شراء ملابس جديدة لابنتها الوحيدة فراتبها لا يصمد حتى منتصف الشهر، لكنها لم توفق كثيراً فاضطرت إلى أن تقصد سوق البالة، وتقول عن وضعها: “ذهبت أمس إلى السوق بعد أن أخذت سلفة بقيمة 15 ألفاً على راتبي عند طبيب العيون الذي أعمل لديه واشتريت بها بنطال، جينز بـ 10 آلاف ليرة، أما الباقي فاشتريت به قميصاً قطنياً من سوق الملابس المستعملة لأن ثمنها أرخص”.

 أما سلمى فليست بأفضل حال، فقد اشترت ثياب العيد لطفليها بالتقسيط بعد معركة طويلة خاضتها في إقناع البائع الذي استسلم أخيراً ووافق على بيعها رأفة بحالها، وتوضح معاناتها: “لم يتوفر معي المال الكافي لشراء الملابس، إلا أن البائع وافق على بيعي إياها بالتقسيط على دفعتين بعد أن أعطيته مبلغ 10 آلاف ليرة كدفعة أولى، والثانية بعد العيد مباشرة”.

 أما رهف فلم تتمكن من اقتناء ثياب جديدة لابنتيها بسبب توقف زوجها عن العمل على خلفية جائحة كورونا، وتُفسر حالها: “لم أشتر لطفلتَي أي ملابس جديدة هذا العيد، واكتفيت بثيابهما القديمة، فلدينا أولويات أخرى كدفع أجرة المنزل ومصاريف الطعام والشراب، لاسيما أن عمل زوجي تراجع كثيراً خلال فترة الحجر الصحي، حيث يعمل خياطاً وبقي محله مغلقاً لمدة شهر ونصف، أما راتبي الذي لا يتجاوز 25 ألف ليرة كسكرتيرة طبيب نسائية لا يكفي لسد نفقات أول أسبوع من الشهر”.

 وبالنسبة لفراس الذي يعمل في مكان يحسده عليه الكثيرون، وهو موظف في بنك خاص، فقد اضطر إلى المفاضلة بين صيانة سيارته وشراء الملابس، مرجحاً الكفة الأولى، علاوة على الأسعار الجنونية التي تحتاج إلى راتب بأكمله لشراء بدلة كاملة (بنطال ـ كنزة ـ حذاء)، ويعقب بالقول: “بالرغم من أن راتبي يُعد جيداً، لكنني لا أستطيع تحمل نفقات تصليح السيارة وشراء الملابس في آن معاً، فالأخيرة أصبحت غالية جداً لا تتوافق مع نوعيتها الرديئة التي تهترئ بسرعة، وفي حال قررت شراء ثياب فستكون حتماً من البالة لسعرها المناسب وجودتها المتميزة ناهيك عن التزامات أخرى أكثر أهمية كدفع أجرة المنزل أو توفير بعض النقود للزواج”.

سياسة التقنين لحلوى العيد 

اعتاد بعض السوريين على شراء حلويات العيد من المحلات، إلا أن البعض منهم تخلى عن هذا الخيار خوفاً من انتشار فيروس كورونا أولاً، ولغلاء سعرها ثانياً. أما من كان معتاداً على صنع الحلوى في المنزل فاتبع سياسة التقنين في المقادير بسبب كلفتها الباهظة، كسمر التي قلصت كمية الحلوى إلى النصف، حيث تَعَوَّدَت على إعداد كميات كبيرة إلا أن هذا العيد كانت تجربتها مختلفة وعن هذا تقول: “لا قيمة للعيد بدون حلوى، لم أعتد على صنع كميات صغيرة منه، ولكن يبقى أفضل من صنع لا شيء، فأسعار مكونات الحلوى باهظة للغاية لا يمكن تكبدها، أما شراؤها جاهزة فسعرها مضاعف، حيث بلغ سعر كيلو المبرومة 35 ألف ليرة “. في حين استبعدت شيرين مادة الفستق الحلبي من لائحة حلويات هذا العام نظراً لكلفتها العالية التي يصل سعر الكيلو الواحد منها إلى راتب موظف لمدة شهر والاستعاضة عنها بالتمر: “اكتفيت هذا العيد بصنع الحلويات المحشوة بالتمر والجوز فقط وبكميات مقننة على غير العادة، أما تلك المملوءة بالفستق فنسفتها من قائمتي فور علمي بسعر الكيلو الذي بلغ 45 ألف ليرة”.

هذا واتجهت بعض العوائل السورية ممن لا يستطيعون تكبد نفقات الحلويات إلى ابتكار وصفات تقشفية والاستعانة بالمواد الأولية وتقديمها إلى مائدة الضيوف كحلوى تقول لانا وهي أم لثلاثة أطفال: “استعنتُ بوصفة جدتي البدائية وغير المكلفة والتي تُدعى التمرية حلوى الفقراء، وهي عبارة عن كرات من التمر يوضع معها ملعقة من السمن لجعلها متماسكة، ثم دحرجتها بوعاء من السمسم أو جوز الهند، بعد ذلك توضع  في الفرن ثم  يرش عليه بعض السكر، فالرمد أفضل من العمى”.

مسافة أمان

قررت ميس شراء منامة للمنزل لكونها على يقين بأنها لن تخرج خلال أيام العيد، فساعات حظر التجول تبدأ من الساعة السابعة مساء وهو الوقت الأمثل للخروج، لينحصر الأمر على استقبال الضيوف من المقربين، وهو ما يستدعي شراء منامة بمظهر لائق، بينما تؤيدها نيرمين فتنشر منشور على (الفيسبوك) تسأل فيه بجدية بالغة عن محل لبيع ملابس نوم أنيقة وبأسعار مناسبة واتخاذها كملابس للعيد.

أما فيما يتعلق بالزائرين فأعدادهم انخفضت هذا العام، واقتصرت لائحة الضيوف على المقربين جداً ورافقها إرشادات بإطلاق القبلات الهوائية دون لمس الشخص وعدم المصافحة مع الحرص على ترك مسافة أمان بين الضيوف. ويقول غيث عن واقع العيد في زمن الكورونا: “فرض علينا فيروس كورونا عادة جديدة مغايرة لتلك التي اعتدنا عليها وهي المصافحة والتقبيل المبالغ فيه، خاصة وأن هذه العادتين تدلان في مجتمعنا على التعبير عن مشاعر الود والمحبة للآخر، كنا جالسين ومسافة متر تفصل بين أفراد عائلتي، فنحن مجبرون على تفهم الواقع المفروض، لكننا في الوقت ذاته تعودنا عليه”.