أعلنت الرئاسة التنفيذية للإدارة الذاتية بشمال شرقي سوريا تشكيل خلية أزمة بهدف وضع خطة لحل الأزمات التي تعصف بالمنطقة وعلى رأسها تأمين رغيف الخبز، وعقدت الشهر الماضي سلسلة اجتماعات مع هيئات ورؤساء التموين والمطاحن وشركات التطوير الزراعي؛ وأعلنت عن خطة لشراء 100 ألف طن من القمح من خارج مناطق نفوذها في سابقة هي الأولى منذ سنوات، في وقت عادت أزمة السكر لتطل برأسها من جديد وسط تذبذب توفر المادة واسعارها في أسواق مناطق الإدارة شمال شرقي سوريا. وهذه الأزمات دفعت رواد مواقع التواصل الاجتماعي للتفاعل معها بعد قرار هيئة الاقتصاد بإنتاج الخبز ممزوجاً بـ 20% من دقيق الذرة أزمة حادة، ونشروا صوراً تظهر رداءة رغيف الخبز الجديد والتي أشعلت منصات “سوشيال ميديا”، التي تشير الى أن الكميات أكبر من تلك المعلنة؛ تزامنت مع مرور المنطقة بسنة ثانية من الجفاف عصفت بعاصمة سوريا الغذائية، ورفعت أسعار رغيف الخبز الواحد إلى 3 أضعاف وشهدت المخابز العامة والخاصة والحجرية وقوف طوابير طويلة للحصول على قوتهم اليومي.
يقول نقل عبد حامد المهباش رئيس المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، إن “الادارة”، شكلت خلية أزمة لمعالجة القضايا الخدمية والمعيشية في المنطقة. وقال لـ “صالون سوريا”، أن قرار تشكيل اللجنة الفنية “يهدف لمراقبة عمل الأفران والمطاحن وكانت هذه أهم مخرجات الاجتماعات الطارئة للإدارة الخاصة بالجوانب الخدمية المتعلقة بحياة الناس”، وأقرت الإدارة بتراجع جودة الخبز ومدى توفر المادة في مراكز التوزيع والمخابز العامة والخاصة ولفت المهباش أن: “أعضاء الخلية سيعملون على مراقبة جودة الخبز وتلافي حدوث أزمات معيشية مستقبلاً”. وبات مشهد وقوف طوابير من السكان أمام أبواب الأفران العامة والخاصة والحجرية مألوفاً في منطقة تحتوي على 80 بالمائة من المخزون الاستراتيجي لمحصول القمح، وتضاعفت سعر ربطة الخبز المكونة من 700 غرام من 700 ليرة سورية الى ألفي ليرة (تعادل 6 سنت أمريكي)، أما رغيف الخبز الحجري يباع حجم المتوسط بـ 500 ليرة اما الكبير يتراوح سعره بين 700 وألف ليرة. وسوريا التي كانت تنتج قبل عام 2011 نحو 4 ملايين طن قمح تكفي الاحتياجات الذاتية غير أن هذه الأرقام تراجعت بعد سنوات الحرب وبلغ إنتاجها في موسم العام الفائت أقل من مليون طن، وتقدر احتياجات البلاد بنحو 2.5 مليون طن ولسد العجز الحاصل في مناطق نفوذها، قررت الإدارة الذاتية خلط 20 بالمائة من دقيق الذرة مع عجينة القمح لإنتاج رغيف الخبز، وأوضحت أمل خزيم الرئيسة المشاركة بهيئة الاقتصاد لـ “صالون سوريا”، أَن جودة الخبر تراجعت بعد إضافة دقيق الذرة الصفراء إلى طحين القمح وتعزو السبب الى نقص كميات القمح بسبب موجة الجفاف للسنة الثانية على التوالي. وتابعت: “احتياجات سكان مناطق شمال وشرق البلاد تقدَّر بـ 700 مائة ألف طن من القمح، والهيئة اشترت نحو مائتي ألف طن وكان هناك مخزون احتياطي يبلغ 200 ألف طن”، الأمر الذي دفع القائمين على الهيئة الايعاز الى المطاحن بخلط الطحين بدقيق الذرة بنسبة لا تتجاوز 20 بالمائة ولفتت قائلة: “لتفادي العجز ووقوع نقص في توفير الخبز للأهالي، لذلك قمنا بخلط 20 بالمائة من دقيق الذرة الى طحين القمح لإنتاج الخبز”. وبحسب مسؤولي الإدارة، يقدر العجز في دقيق القمح بنحو 300 إلى 400 ألف طن لوجود أكثر من 4 ملايين نسمة في مناطق نفوذها شرقي الفرات، وانتشار مخيمات في معظم مناطقها أكبرها مخيمي الهول ورأس العين بالحسكة، وأوضحت خزيم بأن الإدارة تخسر 90 بالمائة عن كل 1 طن من القمح، “إذ يبلغ السعر الوسطي لطن القمح 350 دولارا أميركيا، يُستخرج 750 كلغ طحين و230 كلغ نخالة و20كلغ نواتج غربلة ويباع الكيلو غرام الواحد من الطحين المدعوم للأفران بستين ليرة سورية”، وأكدت أن الهيئة شكلت لجنة تفتيش من أصحاب الخبرات للإشراف بشكل مباشر على رقابة معايير مطاحن الذرة الصفراء والتأكد من نظافتها ونسبة الخلط مع الطحين، لتزيد: “وضعنا خطة إسعافيه لشراء كميات من القمح بموجب عقد مبرم بين الإدارة وجهات أخرى وقدرها مائة ألف طن، للاستغناء عن خلط الذرة بالقمح مما يساعد في تحسين جودة الخبز المدعوم”.
وللتعبير عن رفضهم لتدهور الأوضاع المعيشية والأزمات الأمنية بعد أحداث سجن غويران جنوبي مدينة الحسكة نهاية الشهر الماضي، تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير مع الأحوال السيئة التي تؤول إليها مناطق نفوذ الإدارة والتي لم يسلم منها حتى رغيف الخبز، حيث جاءت أغلب التعليقات والصور المنشورة “معارضة” لقرار الهيئة خلط دقيق الذرة بطحين القمح. ونشر الناشط جابر جندو المتحدر المنحدر من بلدة عامودا شمالي محافظة الحسكة على صفحته بموقع “فيسبوك”: “الناس قبل 2010 كانت تقول كل خيرات الجزيرة تذهب للداخل وعدم التساوي بين المحافظات في توزيع الخيرات، لكن الإدارة عاجزة اعطاء تفسير لجودة الخبز وانقطاعه”، ونشر صوراً للخبز الجديد وأضاف قائلاً: “قلنا راح نقبل بالذرة تخلط مع الخبز بس الشباب استعجلوا وحطو محارم كمان بخبز القامشلي”. وكانت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور تؤمن احتياجات البلاد من طحين القمح والبذار بنسبة 90 بالمائة، وتعتبر سابقة خلال سنوات حكم سلطات الإدارة على هذه المناطق الغنية بالنفط والطاقة والغاز بعد لجؤها الى شراء القمح وتلقي المساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين البذار لسد احتياجات سكانها، وبحسب أرقام هيئة الاقتصاد والزراعة لدى الإدارة لموسم القمح الفائت قامت بشراء نحو نصف مليون طن من القمح من المزارعين لتأمين احتياجات أبناء المنطقة، وبحسب مصادر وتقارير أخباريه فقد باعت الإدارة جزءاً من إنتاجها وقدرت الكميات بنحو 300 ألف إلى شخصيات وشركات تجارية على صلة بالحكومة السورية. أما الإعلامي والمصور إيفان حسيب المتحدر من مدينة الحسكة، نشر صوراً لرغيف خبز على صفحته في “فايسبوك”، تظهر رداءة رغيف الخبز وبداخلها كتل من العجين وعلق عليها: “المسؤولين ما ينفوا صحة رداءة نوعية الخبز وكم منافق وانتهازي مستعد يكذب كل الشعب كرمال يثبت لأسياده بأنه ملتزم بخط سير القطيع”.
ورغم أن مناطق الإدارة تعد عاصمة سوريا الغذائية غير أن انعدام الهطولات المطرية للعام الثاني على التوالي والجفاف تسبب بتفاقم شحّ مادة الطحين المدعوم لدى مطاحنها العامة والخاصة، ودعا الخبير الاقتصادي الدكتور شوقي محمد سلطات الإدارة الذاتية إلى الامتناع عن استيراد الطحين التركي والإيراني بغية ضبط السوق وأسعار الطحين، “فالمطلوب إعداد حسابات تكلفة حقيقية لمادة الطحين وفقاً لأسعار القمح والمازوت بالمنطقة”، لافتاً الى إنه ليس من المهم توفر الموارد الاقتصادية، “بل الأهم هو إدارة هذه الموارد وفق أسس علمية صحيحة ومنظومة قوانين اقتصادية متكاملة”. فيما سخر الناشط عكيد جولي على صفحته الزرقاء أن مكونات الخبز الجديدة بعد قرار هيئة الاقتصاد خلط الذرة بطحين القمح تكون كالتالي: “5 بالمائة طحين، و40 بالمائة ذرة صفراء، و40 بالمائة نخالة، و15 بالمائة شوائب وماء وملح، قد يتم استعاضة الطحين بالشعير في قادم الأيام”، واتفق معه الناشط زبير الشواخ من أبناء مدينة الرقة ونشر صورة للخبز الجديد على صفحته بموقع الفيسبوك وكتب تحتها: “اكتشاف لقى أثرية ولوحات موزاييك في شمال وشرق سوريا تعود لعصور مختلفة، ملاحظة 1 الصورة لبعض القطع الأثرية المستكشفة بالرقة، ملاحظة 2 هذا ليس خبزاً وشكراً”. غير أن الصحفي جمعة عكاش المتحدر من بلدة المالكية أو (ديريك) بحسب تسميتها الكردية ويعمل مراسلاً لقناة “العربية”؛ قال على صفحته أن أغلب صور الخبز التي نشرت خلال الأيام الماضية غير صحيحة، “بعض الصفحات والاشخاص ارادت الاساءة للإدارة الذاتية، ووقع الكثيرون في فخ النشر دون التوثيق والتأكد لكن هذا ليس كل شيئ”، وأكد في منشوره أن الخبز الذي تنتجه أفران الادارة سيئ ورديء في نوعيته لدى أغلب الأفران والبلدات، ليضيف: “الادارة تخسر حوالي ألف ليرة بكل ربطة خبز تنتجه هذه الافران، لأن اغلب كميات الخبز تستخدم كعلف للمواشي والدواجن خاصة في القرى”، لحيث تباع ربطة الخبز (300 ليرة) وهي أرخص بكثير من سعر كيلو العلف الذي يبلغ 1600 ليرة. وذكر بأن الادارة تستنزف احتياطي القمح وتخسر سمعتها لدى الناس وهي غير قادرة على تحسين نوعية الخبز رغم المحاولات لسنوات، وطرح بعض الحلول من بينها: “تزويد الافران السياحية بكميات القمح التي تخصصها للأفران العادية مقابل تخفيض ربطة الخبز السياحي لـ 500 ليرة”، حتى يصبح هذا الخبز المنافس متاحا للجميع وانتهاء عصر الخبز المشؤوم على حد تعبيره، “أو تخصيص الافران الحكومية وتسليمها للقطاع الخاص بحيث يستطيع ان يديرها ويستثمر فيها ويجددها بشروط”.
“هزّت المجتمع السوري، جريمة قتل طفلة على يد أهلها، بعد علمهم باغتصابها وهي بعمر خمس سنوات”، هكذا يقول الخبر. ما لفت نظري ليس الجريمة البشعة بل أنها “هزّت المجتمع السوري”. مجتمع تحكمه قوانين عشائرية عفا عنها الزمن. لا تزال راسخةً ضمن نصوصه القانونية الوضعية وليست فقط الشرعية، لن “تهزّه” هكذا جريمة. مجتمع اعتاد على قتل نساء لمجرّد الشبهة بالحب معتمداً على نصوص القانون والإجتهادات التي تحمي القتله، بل تدفع بهم لارتكاب هذه الجرائم، لن يتوانى عن قتل الإناث ولو كان عمرهن يوماً واحداً فقط لغسل العار. وأي عار هذا الملحق بالإناث فقط، الإناث اللواتي يُقتلن بعد خروجهنّ من المعتقلات أو من أماكن اختطافن خوفاً من شبهة العار، والإناث اللواتي يتم تزويجهن من مغتصبهنّ وبرعاية القانون (حتى بعد تعديله عام 2008)، والإناث اللواتي يتم تصفيتهنّ بعد تزويجهن زواجاً عشائرياً من قبل الأهل بعد انتهاء مهمتهن بالمصالحة بين العشائر،والإناث اللواتي يستخدمن لإذلال عائلاتهن ومجتمهنّ لأنهن رمز الشرف. وكل هذا يتكريس من القانون والإجتهادات التشريعية.
الجسد هتك العرض، العورة، الشرف، العفة، تدنيس السمعة، غشاء البكارة ودوره في المهر والنفقة وفداحة الجرم وتوصيفه. هي وغيرها من المفاهيم يحفل بها قانون العقوبات السوري والإجتهادات القضائية تساعد القضاة والمحامين/ات في توصيف الجرم وتكييفه ما بين الجنحة والجناية والتخفيف من العقوبة وسابقاً في الحلّ منها نهائياً. من الأمثلة التي تطلقها الإجتهادات القضائية الشارحة لقانون العقوبات السوري والمكرّسة لتشيء جسد الإناث: 1- “إن الكشف عن مواطن العفة من المرأة ولمسها إنما يعتبر هتكًا للعرض على اعتبار أن ذلك يؤذيها في عفتها ويلحق بها العار ويدنس لها سمعتها” . 2- “إن الفخذ من المرأة عورة فلمسه وقرصه على سبيل المغازلة يعد هتك عرض” . “مواطن العفّة” و “هتك العرض” و “يلحق بها العار” و “يدنّس لها سمعتها”، عبارات تمرّ بسلاسة وبشكل طبيعي مع أنها تحمل من التمييز ضد النساء ما تحمله، فلا تدنّس سمعة الرجال بالقانون إلا من خلال جسد المرأة ، ولا يوجد مواطن للعفّة إلا عند المرأة، ولا يلحق العار إلا بالمرأة (وهي تنقل هذا العار لذكور القبيلة) ، كل تلك التعابير الفضفاضة تتعلّق بالنساء فما هي السمعة الحسنة والسمعة السيئة، وما هي العفة؟ وما هو العار؟ كلها مصطلحات لا يوجد لها تعريف محدد.
البكارة ويعتبر الإجتهاد والقانون السوري “غشاءَ البكارة”، مقياسًا لمدى خطورة الفعل، بين احمراره أو انتزاعه أو وجوده بالأصل أو عدم وجوده. هذا الإعتبار لـ “الغشاء”، تكريسٌ للفكر الذكوري الذي يضع “غشاء البكارة (وجسد المرأة) معيارًا، ويقوّي العرف والذهنية العاميّة في مفهوم الشرف ودلالة غشاء البكارة عليه. يوجد لهذا مقابل في قوانين الأحوال الشخصية الشرعية التي تميّز بين “المرأة البكر” و “المرأة الثيب”، وبين الدخول بالمرأة وعدم الدخول بها، في مسائل عديدة منها المهر، ومقدرتها على تزويج نفسها أم لا، فهو مقياس للطهارة والعذرية والبتولية وشرف العائلة، وله دور في قيمة المهر، ولذكور العائلة الحق في الحفاظ عليه، مثلا: 1-التعويض من جرم فض البكارة يكون للولي كونه هو الذي تمّ إيذائه بشرفه. “والد المجني عليها في جرم فض البكارة بوعد الزواج وهو الولي الشرعي، بموجب أحكام المادة 20 و21 من قانون الأحوال الشخصية، وبهذا الوصف فهو متضرر أدبيًا مما أصاب ابنته، ويحق له إقامة الدعوى بطلب التعويض، ويؤيد ذلك أن المادة 475 عقوبات المعدلة علّقت الملاحقة في دعوى زنا المرأة غير المتزوجة على شكوى وليها”. الأب أوأي ولي شرعي هو المتضرر أدبياً، كم تحمل هذه العبارة من تحييد لإنسانية الأنثى (الطفلة، الفتاة، المرأة). 2- غشاء البكارة يغيّر وصف الجرم. “اذا لم يقتصر الفعل على ملامسة العورة بالآلة التناسلية، وإنما تعدى ذلك إلى الإيلاج حتى لامس غشاء البكارة وأحدث به احمرارًا، والمجنى عليها لم تتم الثانية عشر من عمرها، يكون فعل الجماع قد اكتمل ويعاقَب الفعل بموجب أحكام المادة 491 من قانون العقوبات السوري” . و”توجد عقوبة خاصة تتعلق بفض البكارة بالرضى على أساس الوعد بالزواج لكن لو لم تقع بالرضا أي بالإكراه لتمت عليها عقوبة الاغتصاب” ، وهنا تفريق بين الزنى والاغتصاب في القانون، يميزهما عن بعضهما الرضى. وما يهمّنا هنا مدى اهتمام القانون بـ “العورة” و “الإيلاج”. و “الإيلاج” في القانون لا يحدث إلا من الرجل على المرأة في مكان التناسل وبعضوه فقط، أي “غشاء البكارة” و “فضّ البكارة”. النصوص القانونية التي يجب أن ترفع معاني العنف ضد المرأة لتواكب الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة العالمية الذي يقول: “يُفهم من العنف ضد المرأة أنه يشمل ما يلي: العنف الجسدي والجنسي والنفسي الذي يحدث في الأسرة بما في ذلك الاعتداء الجنسي على الأطفال الإناث في الأسرة والعنف المرتبط بالمهر والاغتصاب الزوجي وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وغيرها من الممارسات التقليدية الضارة بالمرأة والعنف غير الزوجي والعنف المرتبط بالاستغلال”. نجدها لاتزال ضمن مفردات قانونيّة تمييزية داعمة لقتل النساء كونها تعتبرهم مقياس للشرف والحياء العام والعرض والسمعة. بغض النظر عن الإعتداءات عليهنّ كإنسان وليس شيء تابع للذكور. لذلك لن يهتز مجتمعنا لقتل طفلة مغتصبة بل سيقولون في سرّهم : “ارتاحوا من عارها. وارتاحت من وصمة العار”.
بتحدٍ وإصرار يحاول الرسام عمار (34 عاما) متابعة مشروعه الفني “مجموعة لوحات عن ذاكرة الحرب”، الذي بدأه قبل نحو عام، لكن ظروف الحياة اليومية التي يعيشها تمنعه من تحقيق حجم الإنجاز المطلوب. يقول: “البرد ينخر عظامي ويكاد يُجمِّد أصابعي حتى أعجز عن تحريك ريشة الألوان. الإنارة الخافتة تُشعرني بالكآبة وتمنعني من رؤية ألوان وخطوط اللوحة بوضوح. هل تصدق أن فناناً في هذا العصر يستعين بضوء الشموع أو الهاتف المحمول لكي يرى ما يرسم؟. أنتظر قدوم الكهرباء لأحظى ببعض الدفء وأعد فنجان قهوة. لا غاز في منزلي منذ أسابيع. وما زلت أنتظر صعود المياه إلى بيتي منذ عشرة أيام”. هكذا يلخص الفنان عمار بعضاً من معاناته اليومية، التي تشبه معاناة كثير من الفنانين في سوريا، وهو الذي لم يغادر البلاد وبقي فيها لكي ينجز بعض مشاريعه الفنية المتعلقة بدمشق وتفاصيلها المليئة بالحكايات والصور، بالإضافة لمرحلة الحرب التي يحاول توثيق بعض مشاهدها وذاكرتها فنياً. ولكن ذلك كله “يحتاج إلى بيئة مناسبة تتوفر فيها، على الأقل، أبسط مقومات الحياة وشيئاً من الراحة الجسدية والنفسية”، بحسب عمار الذي يضيف: “كيف سنبدع وخيالنا محاصر بصور الوجع والحرمان والمنغصات؟. كل شيء حولي يؤذيني ويشوّش على أفكاري ليمنع ذهني من التركيز، فيما يحرمني واقعي الاقتصادي المزري من تحقيق أبسط رغباتي بما فيها زيارة البحر والطبيعة التي يحتاجها أي فنان”.
غياب مقومات الفن “لدي كثير من الأحلام الفنية التي أتمنى تحقيقها، أريد تنمية موهبتي ومهاراتي عبر استخدام طرق وتقنيات بعض المدارس الفنية (تجريدية، سريالية، انطباعية) التي يمكنني التعبير من خلالها عن أفكاري وتصوراتي، لكن ذلك كله يحتاج لكثيرٍ من المواد والمستلزمات كبعض أنواع الألوان (زيتي، إكريليك، غواش) والقماش والأخشاب وغير ذلك، ونتيجة ارتفاع أسعارها بشكل جنوني أقف عاجزاً عن شراء أردأ أنواعها، حيث ستكلفني أبسط مجموعة ألوان نحو 300 ألف ليرة فيما ستحتاج أصغر لوحة لأكثر من مئة ألف ليرة، وأنا بالكاد أتدبر لقمة عيشي وثمن سجائري”. هكذا يصف الرسام تمام (26عام) واقعه المؤلم الذي حرمه من تنفيذ مشاريعه الفنية وأغلق الآفاق بوجهه ليكتفي باستخدام تقنية الرسم على ورق الكانسون بواسطة قلم الرصاص أو الفحم وذلك لكي يبقى على تواصل مع الفن. ونتيجة عجزها عن استئجار مرسم، حوَّلَت الفنانة التشكيلية رغد (29 عاما)غرفتها إلى مكانٍ للرسم، حيث تقول: “رغم ضيق غرفتي، التي بالكاد تتسع للسرير والخزانة والمكتبة، أضطر للرسم فيها، حيث تحاصرني اللوحات والأخشاب ومواد الرسم الأخرى الموزعة في كل مكان حولي لتحد من نشاطي وحركتي وتؤثِّر على مزاجي النفسي والإبداعي. وحين أنام تكاد تخنقني، في كثير من الأحيان، رائحة الغراء والألوان الزيتية والمواد النفطية فأضطر لفتح النافذة ليداهمني المزيد من البرد”. وتوضح: “عملي الفني يحتاج إلى مرسمٍ واسعٍ أستطيع أن أتحرك فيه بحرية، وأُعاين ما أرسمه بدقة، وأُعلِّق لوحاتي على الجدران لكي أراها كمشهدٍ واحد، فيما يمكنني دعوة أصدقائي ليطلعوا على تجربتي، لكن ذلك بات شبه مستحيل في هذه الظروف إذ يصل إيجار أي قبوٍ عادي وصغير لنحو 200 ألف ليرة شهرياً، فيما سيحتاج أيضاً لكثير من التجهيزات والمعدات، كالإنارات البديلة وبطاريات الشحن وغير ذلك”. من جهته، يتحدث النحات عدنان (31 عاما) عن بعض العقبات التي تواجه عمله الفني. ويقول: “انقطاع الكهرباء قتل الكثير من مشاريعي الفنية، التي تحتاج لتشغيل المنشار الكهربائي وأدوات القص والحفر والجلخ وغيرها، فبات عملي يحتاج لاقتناء مولدة كهرباء سيكلفني شراءها أكثر من مليون ليرة وهو مبلغ أعجز عن تدبيره”. ويضيف عدنان: “لكي أنجز بعض الأعمال الضرورية أضطر أحياناً لاستئجار مولدة بتكلفة 20 ألف ليرة في اليوم، فيما تحتاج لأكثر من ثلاثة ليترات مازوت (12ألف ليرة)، وهذا يكلفني نصف ما أجنيه من عملي”. وإلى جانب ذلك يعاني الفنان عدنان كثيراً، كغيره من الفنانين، في توفير بعض أنواع الأخشاب التي يستخدمها في النحت، حيث غاب معظمها عن الأسواق نتيجة ظروف الحرب وتبعاتها، وتحويل كثير من الأشجار إلى حطب، هذا بالإضافة لتوقف استيراد الكثير من الأخشاب في الفترة الأخيرة، وارتفاع أسعار معظم الأنواع المتوفرة بشكلٍ جنوني.
خيارات بديلة “يعتاش معظم الفنانون التشكيليون في العالم من مبيعات لوحاتهم وأعمالهم الفنية، لكن هذا الأمر بات من الصعب تحقيقه في بلد كسوريا، حيث تباع الأعمال – هذا إن وجدت سوقاً لها- بأسعار زهيدة تستغل معاناة الفنان الذي بات مهدداً بلقمة عيشه، وذلك في ظل انحسار أعداد المعارض الفنية وتراجع نسبة من يقتنون اللوحات والأعمال الفنية، حيث خسرت البلاد الكثير ممن كانوا يقدرون الفن ويدعمونه”. هكذا تصف الرسامة عبير (32عاما) واقع الفن الذي أجبرها على التوجه نحو الفن التجاري الذي لا يُعبّر عن هويتها الفنية ولا تشعر نحوه بأي شغف. تقول: “أعمل أحياناً في رسم بعض اللوحات التجارية البسيطة والرائجة كالأعمال الدمشقية والمشاهد الطبيعية وبورتريهات بعض المشاهير، وذلك لكي أتمكن من جمع بعض المال لإنجاز مشروعي الفني الخاص”. ورغم ذلك “لم تعد تلك الأعمال تحقق مبيعات جيدة، بعد تردي الواقع المعيشي عند أغلب الناس، ليصبح شراءها نوعاً من الكماليات” بحسب عبير. لواقع ذاته أجبر النحات يزن (29 عاما) على العمل في نحت بعض التحف والصحون الخشبية متنوعة الأشكال والتي يوزعها على بعض المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي، وعن سبب لجوءه لذلك العمل يقول: “أصبح الفن في هذه الظروف لا يُطعم خبزاً فيما تحتاج الأعمال الفنية الكبيرة والاحترافية لكثير من الوقت والمال وبالمقابل لا تحقق مبيعات جيدة، لذا أنا بحاجة لعمل آخر أتدبر من خلاله لقمة عيشي وأدخر منه بعض التكاليف التي تحتاجها أعمالي الفنية التي أحاول إنجازها بشق النفس”.
الرأحلام تتحطم “ما نفع الفن إذا كنت محروماً من أبسط متطلبات الحياة العادية والبسيطة”، يقول النحات طارق (33 عاما) الذي انسحب من المشاركة بإحدى المعارض الجماعية التي أقيمت في دمشق، مضيفاً: “لم أتمكن من تحضير العمل النحتي الذي كنت سأشارك به، فهو من مادة البرونز غالية الثمن، ورغم صغر حجمه سيكلف نحو 700 ألف ليرة، لذا كان علي الإختيار بينه وبين شراء بعض المستلزمات الضرورية والملحة التي يحتاجها أي إنسان عادي”. أنفق الفنان طارق نحو ثلثي المبلغ، الذي كان سيحتاجه عمله الفني، في شراء اسطوانة غاز منزلي (100 ألف ليرة)، خمسين ليتر مازوت للتدفئة (175 ألف)، بطارية للكومبيوتر المحمول (70 ألف) الذي شُلَّ عمله في غياب الكهرباء، بطارية صغيرة للإنارة البديلة (65 ألف ليرة)، وأُخرى للراوتر (80 ألف ليرة) لإتاحة استخدام الإنترنت عند الحاجة إليه. من رسام يسعى لشق طريقه في عالم الفن إلى دَهَّان يطلي جدران الشقق، هذا هو حال الفنان أحمد (26عاما) الذي يوضح سبب ابتعاده عن الرسم، قائلا:” كنت بحاجة لعمل أعتاش منه فبدأت في رسم بعض الزخارف والمشاهد الطبيعية على جدران بعض المقاهي والمنتزهات، وخلال ذلك العمل تعرفت على بعض الدهانين فبدأت العمل معهم، حيث استفادوا من معرفتي في مزج الألوان واستخراج ما هو جديد ومميز منها، ثم استمر عملي هذا حتى تحول إلى ما يشبه المهنة التي أنستني مزاولتها الطويلة أنني رسام “. يعمل أحمد لنحو ثمانية ساعاتٍ يومياً ليعود إلى البيت منهكاً وخائر القوة، لا قدرة له على التفكير في الفن، لا مزاج يحرِّضه على أي إبداع، ولا رغبة تدفعه لمسك ريشة الألوان أو حتى قلم الرصاص. ما ذكر أعلاه قد يترك آثاراً سلبية كبيرة على مستقبل الفن التشكيلي في البلاد، فالفنانون الشباب هم من تقع على عاتقهم مسؤولية تشكيل الهوية والبصمة الفنية لهذه المرحلة من تاريخ البلاد، والتي بدورها ستكون بوصلة ومرجعاً فنياً للأجيال القادمة.
تشكل الهجرة مقصداً لشريحة واسعة من أبناء جنوب سوريا قبل الحرب، ولكن بعدها ارتفعت نسبة المهاجرين بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة جملة أسباب تتعلق بالضائقة المعيشة، وقلة فرص العمل، والأزمات الأمنية والسياسية وانسداد أفق الحل للوضع العام في البلاد. في الآونة الأخيرة هناك موجة سفر جديدة بدأت تظهر ملامحها منذ عامين. ورغم عدم وجود أرقام حكومية رسمية لأعداد المسافرين، لكن إحصائيات محلية في درعا والسويداء قالت أن كل شهر منذ الصيف الماضي يغادر حوالى 2000 شخص من السويداء ودرعا.
الاسباب بحسب أحمد، وهو مهندس مدني في الأربعين من العمر من مدينة درعا، فان أي شاب في جنوب سوريا تتهيأ له وسائل السفر من تأجيل عن الخدمة العسكرية والمبالغ المالية، يختار السفر من سوريا سواء كان جامعيا أو أميا، لأن سوريا تعاني ضائقة اقتصادية ومعيشية وفسادا إداريا، حيث لا يحصل العامل سواء في القطاع الخاص أو العام على حقة أو يعامل حسب قدرته ومعرفته وهذا الشي منذ أكثر من عشر سنوات أي قبل الحرب في سوريا، لكن الحرب زادت وضاعفت هذه المشكلات التي تدفع الشباب للسفر. ويضيف ان ما دفعه مؤخرا لقرار السفر والوصول إلى دولة الإمارات هو الفقر حيث أن العمل الخاص بات معدوما في درعا والمرتب الشهري الذي يتقاضاه هو مصروف اسبوع واحد فقط في أحسن الحالات. واعتبر أن البقاء في سوريا بنسبة له هو انتحار بطيء وتعب نفسي وفكري وجسدي دون جدوة أو منفعة. ويحاول أن يستغل ما بقي في عمره للعمل خارج سوريا لتحصيل دخل مادي جيد يعود بالنفع الوفير على عائلته فلديه 3 أولاد وابنته تدرس في الجامعة، يريد لهم حياه كريمة وتعليم جيد دون منغصات أو نواقص مادية بحسب تعبيره. اما جهاد، فهو شاب في العشرينات من عمره من السويداء حصل على إجازة جامعية مؤخراً، وقرر السفر إلى أوروبا لانه لو بقي في سوريا “سيكون المستقبل مجهولا باعتبار البلد كله ومصيره مجهول”، وأنه فضل السفر إلى أوروبا لاعتبارات كثيرة ذكرها منها أن دول الخليج لم تعد تستقبل العمالة الأجنبية بدون خبرات إضافية للإجازة الجامعية وهو خريج جديد لا يملك سنوات خبرة، إضافة أن المرتبات الشهرية في دولة الامارات التي يصلها السوريون بكثرة مؤخراً، تعتبر متدنية للعمل العادي في بداية السنة الأولى أو الثانية للعمل. وذكر أن أخاه سافر إلى دولة الإمارات قبل 5 أشهر، ويعمل هناك في مطعم ومرتبه الشهري لا يتجاوز 600$ أميركي لا يكفيه إلا الاستمرار على قيد الحياة في بلد مثل الإمارات وسائل الرفاهية والحياة فيها كثيرة وجميلة، ويرى أن بمجرد وصوله إلى أوروبا يستطيع بعد تعلم اللغة أن يصبح حتى ولو عامل عادي بدون إجازة جامعية أن يكون معيل فعلي لعائلته التي تركها في سوريا تعاني ضنك العيش.
الوطن؟ “لم يعد هذا الوطن موجودا في ذهني وما تبقي منه لا اريده”، بهذه الكلمات بدأ محمد، وهو في الثلاثين من العمر، حديثه. ويقول أنه تعرض للاعتقال في عام 2013، بعد تخرجه من الجامعة بأيام في العاصمة دمشق، رغم أنه كان طالبا ومدنيا ولم يكن يزور منطقته التي خرجت في ريف درعا الغربي عن سيطرة النظام السوري في بداية عام 2013. وبعد خروجه من المعتقل والتخرج من الجامعة بات مطلوبا للالتحاق بالخدمة العسكرية. فضل البقاء في مدينته على الذهاب إلى الخدمة، وبعد عام ٢٠١٨ والتسويات حصل على تأجيل بموجب التسوية لم يؤهله للسفر فقط كان تأجيل ضمن القطر السوري لمدة 6 أشهر، لكن صدر القرار الأخير الخاص بأبناء محافظة درعا ومنحهم تأجيل عن الخدمة العسكرية والسماح لهم بالسفر. سارع مثل الكثيرين من الشباب لاستخراج جواز سفر ووصل إلى دولة الإمارات، فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تقبل دخول السورين منذ 3 سنوات، وبات السفر إليها غير مكلف مقارنة مع باقي الدول. يقول: “أعمل الأن في مدرسة خاصة ومرتبه فيها يعادل 450 دولارا تقريباً تكفيني أجرة سرير في غرفة مشتركة وطعام وشراب واتصالات”، لكنه يأمل مع مرور الوقت أن يحصل على امتيازات وزيادات في مرتبه أو فرص عمل أفضل، كانت بنسبة له معدومة في سوريا، وفق ما قال، فإن مصيره لو أنه لم يسافر واستغل فرصة التأجيل الإداري الذي منح لأبناء درعا لكان مصيره بعد انتهاء فتره التأجيل الالتحاق بالخدمة العسكرية أو البقاء فارا من الذهاب إلى الخدمة.
جامعيون قال ريان معروف مسؤول تحرير “شبكة السويداء24” لـ «صالون سوريا»: “لا ينحصر السفر في السويداء بحملة الشهادات العلمية بل يشمل كافة الشرائح. لكن نسبة كبيرة من بين المسافرين فعلاً يحملون شهادات علمية وخصوصاً الطب والهندسة، نتيجة لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى. المهندسون على سبيل المثال، سافر منهم خارج البلاد أكثر من 800 مهندس من أصل 3000 مهندس مسجلين في نقابة المهندسين بالسويداء بين 2011 و2019. ومن 2021 حتى 2022 غادر حوالي 150 مهندساً. وهنا مؤشر واضح على تزايد الإقبال على السفر مؤخراً. المشكلة الأخطر تتعلق بسفر الأطباء بحثاً عن فرص عمل خارج سوريا، مما ساهم بنقص حاد في الكادر الطبي. المشافي الحكومية في السويداء باتت تعتمد على بعض الأطباء المقيمين الذين تتناقص أعدادهم إلى درجة أصبحت بعص الأقسام خالية من طبيب مقيم ويتم الاستعاضة عنه بطبيب من قسم أخر أحياناً”. وبحسب ناشطين من مناطق جنوب سوريا في درعا والسويداء، فإن المنطقة تشهد أيضاً هجرة عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع في المنطقة إلى خارج البلاد، نتيجة تردي الأوضاع الأمنية في المنطقة، حيث تعرض عدد من هؤلاء لعمليات ابتزاز من قبل أشخاص مسلحين، وطلب مبالغ مالية كبيرة مقابل عدم التعرض لهم، ما دفعهم إلى الهروب، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية السيئة.
بيدين ترتجفان من البرد القارس وكنزة بالية وحذاء مهترئ، يتجول الفتى عامر (11عاما) في شوارع مدينة الدانا المزدحمة، ليبيع أكياس المحارم للمارة، سعياً منه للحصول على ثمن لقمة العيش له وأسرته، بسبب الظروف المعيشية المتردية التي دفعته ومئات الأطفال للنزول إلى الشوارع والأسواق والأماكن التي تشهد إزدحاماً، بحثاً منهم عن فرصة عمل في هذا المجال، لسد رمقهم وتأمين لقمة عيشهم وذويهم. بعد مقتل والده منذ خمسة أعوام، بقصف جوي على مدينة حلب، يعيش عامر مع أمه وأخواه الصغيران في قرية الحنان النموذجية للاجئين بريف مدينة الدانا شمال إدلب، ظروفاً إنسانية صعبة، لايجدون في كثير من الأوقات ما يسد رمقهم ولقمة عيشهم، ما دفعه مؤخراً للنزول إلى الشارع والعمل في بيع المحارم والبسكويت للمارة و وسط الأماكن المزدحمة في مدينة الدانا، وعرضها على المارة ويطرق نوافذ السيارات بهدوء مطالباً أصحابها بطريقة الإستعطاف شراء علبة محارم، كل ذلك مقابل كسب المال، وسد جزءً من متطلبات أسرته اليومية.
ديسك يقول عامر، إن “والدته ذات الـ 31 عاماً، لم تعد قادرة على العمل، بعد إصابتها بمرض الديسك في الظهر نتيجة العمل المجهد في تنظيف البيوت تارة، وتارة أخرى في تخريط أوراق الملوخية والنعناع بالأجرة لأحد الباعة في فصل الصيف وجلوسها الطويل أثناء العمل، ليجد نفسه في النهاية، وصياً على العائلة، وتتطلب منه توفير المال لسد حاجة عائلته من غذاء ودواء ومستلزمات حياتية أخرى”. ويضيف، أنه إستطاع “كثب ثقة أحد أصحاب محلات بيع الجملة”، ويحصل منه يومياً في الصباح على طرد من أكياس المحارم وكرتونة بسكويت، ويمضي بعد ذلك متجولاً في الأسواق والطرق المزدحمة لبيعها للمارة وأصحاب المحال التجارية وسائقي السيارات في مدينة الدانا. وفي نهاية اليوم يذهب إلى صاحب محل الجملة بعد بيع ما أخذه من أشياء صباحاً، لسداد ثمنها، محتفظاً بالأرباح وتصل تقريباً إلى 20 ليرة تركية يومياً، ويعود بعد ذلك إلى المنزل وتقديم ما كسبه من نقود لأمه لإعانتها على سد حاجة أسرتها اليومية من طعام وشراب”. وأضاف، أنه “أثناء تجواله لبيع المحارم والبسكويت في الشوارع والأسواق يشاهد الأطفال من عمره وهم في طريقهم إلى المدارس، وفي نفسه رغبة بمتابعة التعليم، إلا أن ظروف عائلته الصعبة وفقرها، لا تسمح له بذلك”. ولفت، أنه “فضل العمل في البرد والصقيع، على أن يتسول المارة من أجل كسب النقود، وأنه يتعرض في كثير من الأحيان للتهكم والطرد من قبل البعض والصراخ عليه، إلا أن ذلك لا يثنيه عن متابعة البيع”.
تسول بغطاء البيع يخرج من المخيمات العشوائية المحيطة بمدينة سرمدا كل صباح، عشرات الأطفال، بقصد التسول، وكل منهم يحمل كرتونة صغيرة من البسكويت ذو الجودة الرديئة، ويجوبون الشوارع ويحاولون إستعطاف المارة بإلحاح شديد، لشراء البسكويت. فالبعض يعطيهم النقود دون أن يأخذ البسكوتة، وأخرون يحاولون إبعادهم أو الصراخ عليهم، حتى أصبحت ظاهرة إجتماعية تنتشر في كل مدينة أو منطقة تشهد إزدحاماً سكانياً أو تجارياً أو صناعياً في شمال غربي سوريا، تسبب بها الفقر والغلاء وتراجع حجم المساعدات الإنسانية، وعدم توفر جهات إنسانية ترعى شؤون الأطفال، وتحافظ عليهم من الإنزلاق نحو مشاكل أخطر من التسول، بينما عدد من الأطفال يخرجون للتسول بدفع من الأهل لكسب المزيد من المال. وقال أحمد (10 أعوام)، وهو نازح من ريف أدلب الشرقي في مخيم قريب من مدينة سرمدا، أنه “أبن عائلة مهجرة منذ 3 أعوام، في مخيم يفتقر لأبسط مقومات الحياة، بينما المساعدات الإنسانية التي تقدمها إحدى المنظمات الإنسانية شهرياً، وما يحصل الأب عليه من أجور عمله في معمل لتسوية الحديد، لا يكفيهم سوى بضعة أيام من الشهر، نظراً لعدد أفراد الأسرة (9) أشخاص وحاجتهم للغذاء الكثير يومياً، ما دفعه للنزول إلى الشارع والتسول تحت غطاء بيع البسكويت للمارة، وإن “ما يجنيه من التسول من نقود بحجة بيع البسكويت للناس يومياً، ساهم بتحسين الوضع المعيشي لعائلته”. اما حسين (13عاما)، وهو نازح من ريف حماة الشرقي، فيقول: “بداخلي شعور بعدم الرضى بأن أكون متسولاً في الشوارع، ولكن هذه رغبة أبي وأمي، من أجل الحصول على المال يومياً من خلال تسول الناس، والعودة إلى المخيم بمبلغ يُمكن والدي من سد حاجة العائلة، وغالباً ما أعود بمبلغ يتراوح ما بين 20 إلى 30 ليرة تركية يومياً، بينما علبة البسكويت تبقى كاملة في كثير من الأيام”. ويضيف، “بالرغم من أنه صدمتني سيارة مجهولة قبل نحو 6 أشهر وكسرت قدمي ويدي، إلا أنه بعدها شفيت ودفعني والدي مجدداً للعودة إلى التسول”.
تزاحم الأطفال عند دوار سرمدا والطرق المؤدية له، يترقب عشرات الأطفال السيارات المارة، وما أن تتوقف سيارة أو تبطء سيرها يتهافت عليها عدد من الأطفال، سعياً منهم إقناع السائق لشراء بسكوتة، وغالباً ما يكون سعرها أقل من نصف ليرة تركية، فالبعض يعطي ثمنها للطفل ليرة تركية، وأحياناً 5 ليرات، وهنا تصيب الطفل فرحة كبيرة لا توصف، وتشجعه على الإستمرار بالتسول تحت غطاء البيع، بينما بعض السائقين ما أن يتجمع الأطفال حول سياراتهم، يمضون مسرعين، وغالباً ما يتعرض بعض الأطفال لحوادث سير خطيرة. ويرى الناشط سائر السيد علي في إدلب، أن “ظاهرة التسول من أخطر الظواهر التي تصيب الشعوب والمجتمعات، وغالباً ما تكون دوافعها الفقر والحاجة في تأمين أبسط المستلزمات المعيشية، وأيضاً دوافع اخرى لكسب المال بشكل وفير دون عناء أو جهد بالعمل، وهذا ما تشهده محافظة إدلب خلال الأونة الأخيرة، وإنتشار ظاهرة التسول بشكل كبير في الشوارع، ونسبتها الأكبر بين الفئات العمرية هم الأطفال ما دون العاشرة من العمر”. ويضيف، “تكمن خطورة ظاهرة التسول للأطفال، في التخلي عن كرامتهم الإنسانية، منذ الصغر، فضلاً عن فقدانهم بشعور القيمة والأهمية كطفل من حقه التعلم والعيش بأمان من الفقر والعوز” ويأتي ذلك من خلال إتباع الأطفال أساليب في التسول غالباً ما تكون ملتوية وغير أخلاقية، من أشخاص لايحسنون التعامل مع هذه الظاهرة، فغالباً ما يكون الرد بالزجر أو الضرب والإبعاد بالقوة، مما يهدد ذلك حياة الأطفال المتسولين ومستقبلهم للخطر وانحرافهم أخلاقياً. وقال الحقوقي أكرم جنيد، إن “الحرب خلفت أعداداً كبيرة من الأيتام، وشردت آلاف الأطفال، فضلاً عن إرتفاع نسبة الفقر، في ظل النزوح والتشرد، ما دفع بالأطفال للنزول إلى الشوارع والتسول”.