بواسطة عامر فياض | أبريل 5, 2020 | Cost of War, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
على الرغم من الإجراءات الحكومية، التي اتُخذت للوقاية من انتشار وباء كورونا، كإغلاق المدارس والجامعات، وتعليق الدوام الرسمي لمعظم الموظفين، وإيقاف حركة المواصلات العامة، وإغلاق المطاعم والمقاهي والأسواق التجارية، وحظر التجول المسائي، ومنع التنقل بين المحافظات، وعلى الرغم من إعلان الأمم المتحدة بأن الوضع في سوريا قد يكون كارثياً، وارتفاع عدد المصابين بكورونا إلى نحو 10حالات بينهم حالتي وفاة، لا يكترث كثيرٌ من الناس في دمشق بكل ما ذكر، حيث نجد معظم الشوارع، خلال فترة النهار، مليئة بالمارة، تعج بضجيج السيارات وأصوات الباعة المتجولين.
حين أطل من شرفتي وأرى حركة الناس في الشارع، أتساءل: ألا يخشى هؤلاء البشر على حياتهم؟، ألا يرعبهم كورونا؟، لماذا لا يحجرون أنفسهم في بيوتهم أسوةً بمعظم شعوب العالم؟، فتأتيني الإجابة من وجوههم المنهكة ومن خطاهم المتهالكة. ببساطة هم ليسوا كشعوب العالم ولا يشبهون سوى بلادهم التي مازالت ترزخ تحت وطأة وباء الحرب الذي يحاصرهم منذ تسعة أعوامٍ اختبروا خلالها أنواعاً لا تحصى من الموت.
الفقراء لا يملكون حتى خيار الخوف من كورونا
في الساعة السابعة صباحاً، يكنِّس أبو عبدالله الشارع أمام بعض البقاليات ومحلات الخضار، التي نجت من قرار الإغلاق، ثم ينقل القمامة بكفيه إلى العربة. لا يرتدي كمامة أو قفازات طبية، فهو لا يكترث للوباء: “تسع سنوات ونحن نلعب مع الموت، نجونا منه أكثر من مرة، لن أتوقع أن رب العالمين سيقتلنا بفايروسٍ غير مرئي”. أبو عبدالله ليس موظفاَ في البلدية وإنما يزاول عمله هذا مقابل بعض المال الذي يجنيه من أصحاب تلك المحلات، إلى جانب بقايا الخضار والفاكهة والخبز اليابس التي يهبونه إياها دون مقابل.
وليس ببعيدٍ عن أبو أحمد، وأمام أحد أكشاك معتمدي بيع الخبز الحكومي يتجمهر عشرات الناس في ازدحامٍ مخيفٍ. نظرة سريعة على هيئاتهم ستكشف أن معظمهم ينتمي للفقراء والمعدمين. أوقفتُ سيدةً كانت خارجة لتوها من قلب ذلك الازدحام، وقد نزعت، بتأففٍ وغضبٍ، شالها الذي غطت به وجهها كبديلٍ عن الكمامة، وسألتها عن خوفها من خطر التواجد في الأمكنة المزدحمة فأجابت لاهثةً وبكثيرٍ من القهر:” لو كان باستطاعتي شراء الخبز السياحي لما أتيت إلى هنا، فسعر ربطة ذلك الخبز (700 ليرة) يكفيني وأولادي ثمن وجبة طعام. نحن الفقراء ممنوعٌ علينا أن نخاف من الوباء”.
الطفل عدنان، عامل توصيل الطلبات في سوبرماركت، هو أيضاً لا يكترث للكورونا. يرتدي كمامته ويواصل عمله مبتسماً، ليصعد كل يومٍ عشرات البنايات محملاً بطلبات الزبائن الذين اختاروا البقاء في بيوتهم حرصاً على سلامتهم، وهو خيار ليس بمقدور عدنان وأخيه -الذي يعمل في عملٍ مشابه- اتخاذه، فهما المعيلان الوحيدان لعائلتهما النازحة والتي تعاني ظروفاً معيشية قاهرة.
وخلف عربةٍ صغيرة لبيع الفريز والعوجة يقف أبو غسان، مرتدياً كمامته وقفازاته لينادي على بضاعته القليلة. البائع مقتنعٌ بأهمية وضرورة الحجر الصحي ولكنه لا يستطيع تطبيق ذلك :” أتمنى أن أجلس في بيتي لأرتاح من كابوس الوباء الذي يلاحقني طوال عملي، حيث أضطر للاحتكاك مع عشرات الزبائن، ولكن إن جلست في البيت، ربما أنجو من الكورونا ولكني قد لا أنجو من الجوع”.
قبل أيامٍ، وبالتزامن مع حملة “خليك بالبيت” وتنفيذ قرار حظر التجول المسائي، وفي مشهدٍ درامي، اكتظت معظم المحامص، التي مررت بجانبها، بالزبائن الذين كانوا يشترون مؤونة وفيرة، من المكسرات والموالح وغير ذلك، تكفيهم أياماً وربما أسابيع، وذلك استعداداً لتطبيق خيار الحجر المنزلي. مقابل إحدى تلك المحامص وقف متسولٌ عجوزٌ يستجدي المارة والخارجين بصحبة أكياسهم، منادياً: “ساعدوني الله يبعد عنكن الكورونا”، وعلى بعد أمتارٍ منه كان طفلٌ ينام على الرصيف بأسماله البالية غير آبهٍ بالوباء الذي يرعب العالم.
كورونا يهدد مصدر رزق الفقراء
في إحدى ساحات مدينة جرمانا يقف سائق التاكسي أبو راشد لأكثر من ساعتين، منتظراً ركاباً، باتوا شبه معدومين، كي يصعدوا إلى سيارته التي يتكفل بتعقيمها عدة مراتٍ في اليوم. يشتكي السائق واقع حاله: ” تضرر عملنا بعد قرار إغلاق المطاعم وبعض الأسواق والمحلات التجارية حيث شُلت حركة الناس بشكلٍ كبيرٍ، كما أن الرعب قد تسلل لقلوبهم فباتوا يخافون من الصعود معنا خشية احتمال إصابتهم بالفايروس”. ويضيف :” أدفع لصاحب التاكسي مبلغاً شهرياً لقاء استثمارها، ونتيجة حظر التجول المسائي تراجعت ساعات عملي ما قد يجعلني عاجزاً عن دفع ذلك المبلغ”.
في ساحة أخرى يتجمع عدد من الرجال الذين يعملون في مهنة العتالة ونقل الأثاث ومواد البناء. تحدق وجوههم، الطافحة بمعالم القهر والوجع، في كل الاتجاهات علَّها تلتقط أحداً يطلبهم في عملٍ ما.
يحدثني أبو ياسر أحد أولئك الرجال عن واقع عملهم خلال أزمة الكورونا: ” قبل يومين قمت بنقل أربعة أكياس رمل وكيسيْ إسمنت إلى شقةٍ في الطابق الخامس لقاء ثلاثة آلاف ليرة، وكان هذا آخر عملٍ قمت به وقد كنت محظوظاً به مقارنة بمعظم العتالين الذين لم يحظوا بأي عملٍ يذكر منذ عدة أيام”. مضيفاً :”عملنا هذا يؤمن قوتنا يوماً بيوم، وقد أصبحنا الآن مهددين بخسارته، إذ لا أحد سيحتاج لجهودنا في مثل هذه الظروف؟”.
وعند الظهيرة تصدح في الشارع عربة بائع البوشار بأغنية “طير وفرقع يا بوشار”، ولكن دون أطفالٍ يتحلقون حولها كما اعتاد البائع الذي يقول:” في السابق كنت أحقق مبيعاتٍ كبيرة، خاصة خلال عودة الأطفال من مدارسهم، وبعد أزمة الكورونا انخفضت مبيعاتي لأكثر من 70% نتيجة انحسار وجودهم في الشوارع، وأخشى أن يسوء الوضع أكثر فأضطر لإيقاف عملي الذي يشكل مصدر رزقي الوحيد”.
وحدهم الفقراء يدفعون ثمن القرارات الوقائية
نتيجة قرارات الإغلاق وإيقاف حركة المواصلات العامة تحول آلاف الناس إلى عاطلين عن العمل، وباتوا مهددين بغدٍ مخيفٍ ومجهولٍ، خاصة من ليس لديهم أي مصدرٍ مالي آخر أو أي داعم يلجؤون إليه.
لم يفرح الشاب شادي بمقهاه الجديد الذي أغلقه بعد أسبوعٍ من افتتاحه، حيث يقول: “لنحو شهرين وأنا أستعد للافتتاح. بشق النفس جهّزت المكان وبذلت جهداً في تصميم ديكوراته وقد استدنت لأجل ذلك نحو مليون ليرة، كما أن معظم المستلزمات التي أحضرتها للمقهى لم أسدد ثمنها بعد”. ويضيف بقهر: “ماذا سأفعل الآن لتعويض خسارتي وكيف سأسدد إيجار المكان؟”، أخشى أن يطول أمر الإغلاق وحظر التجول لأنني حينها قد أموت من القهر وليس من الكورونا”.
ويحدثنا سائق السرفيس أبو عمر عن تداعيات توقفه عن عمله: ” كان السرفيس يؤمن عملاً لثلاثة سائقين فتعتاش منه ثلاث عائلات، وخلال الأيام الماضية تقلص دخلنا لأكثر من النصف، ومع قرار إيقاف حركة المواصلات العامة حُرمت عوائلنا من أي دخلٍ وبتنا مهددين بالعوز والحاجة، ولولا المساعدات المالية التي يمدني بها أخوتي لكنت مهدداً بالجوع بشكلٍ فعلي”.
معاناة أخرى يعيشها الشاب مهند الذي كان يعمل نادلاً في مطعم حيث يقول” أتفهم مدى أهمية قرار الإغلاق في الحفاظ على السلامة العامة، ولكن بالمقابل، هل سيدفع لي صاحب المطعم أي تعويضٍ يساعدني على تأمين قوت يومي، وهل سيعفيني صاحب البيت الذي أسكنه من دفع إيجاره؟، وهل سأجد من يؤمن أدوية الضغط والسكري لأمي المريضة؟”.
الإجراءات الوقائية تكلف غالياً
“درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”. بالرغم من أهمية ذلك المثل إلا أنه لا يناسب الكثير من الناس في سوريا، إذ باتت الوقاية تحتاج لقناطير من المال، نتيجة جشع تجار الأزمات، فقد وصل سعر الكمامة الجيدة إلى 700 ليرة وأكثر، والسعر ذاته لعلبة الكحول الصغيرة، كما طال الغلاء الفاحش أسعار الصابون ومواد التنظيف، وهو ما شكل عبئاً إضافياً على المواطن الذي بالكاد يتمكن من تأمين لقمة عيشه. وفي مفارقة مؤلمة، دفع أبو غسان (بائع الفريز والعوجة) كل ما جناه من عمل يومٍ كاملٍ لشراء كمامته وقفازاته وعلبة معقمٍ صغيرة.
وتحتاج تقوية الجهاز المناعي لتناول الأغذية الصحية المتنوعة إلى جانب الراحة النفسية والابتعاد عن التوتر، لكن معظم الناس لا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، في ظل تحليق أسعار الفاكهة والخضار، فعلى سبيل المثال، وصل سعر الموز والتفاح والبصل إلى ألف ليرة، فيما تجاوز سعر الليمون والفليفلة – الغنيين بفيتامين C- الـ 1600 ليرة. أما اللحوم فقد أصبح شراؤها حلماً بعيد المنال.
ولعل الرجل الذي صادفته في محل بيع الخضار يلخص واقع الحال، فبعد أن كان عازماً على شراء كيلوين من الليمون والبصل، تراجع عن ذلك بغضب حين علم بسعرهما مكتفياً بشراء بصلتين وليمونتين صغيرتين، ومعلقاً بسخرية رمادية: “ينصحوننا بضرورة تقوية مناعتنا !، هل سنقويها بتناول الخبز والعدس والبرغل؟. إن الفقر والألم والحرمان الذي نعيشه كفيلٌ بتدمير جميع أعضاء جسدنا. يبدو أنه ليس لنا من منقذٍ سوى الرعاية الإلهية”.
وعند سؤال أحد اللحامين عن مدى إقبال الناس على ملحمته أجاب متنهداً :”معظم الزبائن يكتفون بشراء مئة أو مئتين غرام لا أكثر، وهناك من يكتفي بشراء العظام لكي يضعها مع الحساء ممنياً نفسه بطعم اللحم، فالناس اليوم بالكاد يستطيعون شراء الخبز والخضراوات الرخيصة”.
مع بداية موعد حظر التجول المسائي وحلول الليل يعم الصمت فجأة، ليخوض الناس معاناة أخرى داخل بيوتهم التي تغيب عنها معظم وسائل الترفيه والتسلية وأبسط مقومات الحياة، نتيجة الأزمات السابقة التي مازالوا يعايشونها، كفقدان الغاز المنزلي والانقطاع الطويل للكهرباء وسوء خدمات الإنترنت التي تعيق إمكانية التواصل الالكتروني الذي بات المتنفس الوحيد أمامهم.
أحدِّق في نوافذ البيوت المعتمة، أفكر بحال ساكنيها. ماذا يفعلون الآن؟ وماذا يخبئ الغد لهم؟، ترى هل يستطيعون إلى النوم سبيلاً في ظل الكوابيس التي تداهمهم في نومهم وصحوهم؟.
بواسطة Haifa Hakim | أبريل 3, 2020 | Cost of War, Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات“
منذ إعلان فيروس الكورونا كوباء عالمي، ظل الإعلام السوري ينفي وجود أيه حالة إصابة به، رغم أن لبنان أعلن عن إصابات بفيروس كورونا واتخذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشار الفيروس، بينما وزير الصحة السوري وهو طبعاً طبيب أعلن أن لا إصابة بفيروس كورونا في سوريا وبأن الجيش السوري البطل قضى على الفيروسات والجراثيم! وبذلك حول علم الطب إلى مادة القومية التي يدرسها طلاب سوريا في المدارس والجامعات. لكن النظام اضطر فجأة إلى اتخاذ إجراءات وقائية من فيروس كورونا، أحس بالحرج وبشيء من الخجل، فدول العالم كلها أعلنت عن إصاباتها بفيروس كورونا ما عدا سوريا. وأعلن النظام السوري إغلاق المدارس والجامعات ودور العبادة والمقاهي والأراجيل ( لكنه لم يغلق أبداً أي من محلات بيع الدخان ومعسل الأراكيل!). وجاء إعلانه بإيقاف النقل العام (باصات الدولة الكبيرة) والميكروباصات التي تنقل المواطنين من قرى اللاذقية إلى مركز المدينة.
ولأنني على إحتكاك يومي مع الشارع السوري وأتكلم مع مختلف شرائح المجتمع سأنقل صوت أخوتي السوريين في اللاذقية، و لكن قبل نقل معاناة السوريين في اللاذقية في زمن كورونا يجب الإشارة إلى القوانين التي أصدرتها الحكومة السورية بشأن كورونا؛ ففي مجال المحاكم والقضاء وبناء على قرار وزارة العدل رقم 5708م يتوقف العمل في المحاكم السورية حتى تاريخ 16 – 4 – 2020. إلا في الحالات الإسعافية كبعض القضايا الجنائية. ومعظم المحامين توقف عملهم في مكاتبهم التي يداومون فيها بعد الظهر من الساعة الخامسة ألى الثامنة أو التاسعة لأن المواطن مضطر أن يلتزم الحجر في المنزل تمام الساعة السادسة. وإن كان من أهل القرى المجاورة القريبة من اللاذقية فعليه أن يلتزم الحجر في منزله الساعة الثانية ظهراً لأن المواصلات بين اللاذقية والقرى المجاورة أو المناطق البعيدة تتوقف. أما بالنسبة للمدارس فاتخذت الحكومة السورية قراراً بإغلاقها حتى 16 نيسان، ولكنه قرار قابل للتمديد حسب تفشي فيروس كورونا. ويبقى الطلاب بدون مدرسة وبدون علم. ولأن فكرة التعليم عن بعد التي تطبقها معظم الدول (ومنها بعض المدارس والجامعات في لبنان) غير ممكنة في سوريا؛ فمعظم الطلاب يعيشون تحت خط الفقر ولا يملكون لاب توب في بيوتهم، وهم بالكاد يعيشون على الخبز والشاي. القرار الأهم الذي التزمت به الدولة بشكل جدي للغاية هو إصدار مرسوم بتغريم كل مواطن يخرج من بيته بعد الساعة السادسة مساء، والغرامة تترواح بين 50 ألف وبين 100 ألف ليرة سورية. وقد شهد محامي صديق تطبيق تلك الغرامة أمامه وإصرار الشرطي رغم توسل المواطن المروع من الجوع أنه لا يملك هذا المبلغ؛ لكن استطاع الإتصال ببعض الأصدقاء ليؤمنوا له مبلغ المخالفة مئة ألف ليرة.
إنها قمة المهزلة والظلم حقاً أن تجد في كل شوارع اللاذقية خاصة عند صرافات قبض الراتب وعند مراكز توزيع المساعدات الغذائية حشداً من السوريين المتلاصقين يزيد عددهم عن 400 شخص أو 500 بانتظار توزيع الراتب، وترى سوريين يبيعون الخضار والفاكهة والبطاطا في سوزوكي. وفي الأحياء الشعبية مثل قنينص وفي ساحة مديرية التربية ترى بسطات كثيرة وعلاقات ثياب على حامل معدني تبيع الأبسة المستعملة أي البالة. كل هذا لا يعني الدولة السورية لا يهمها بشيء بل المهم هو الحجر التام الساعة 6 في المنزل . أما بالنسبة لأهل القرى والمناطق المجاورة والبعيدة نسبياً عن مدينة اللاذقية؛ فقد انتظر بعضهم ساعات حتى حان دوره في قبض الراتب لكن من سوء حظهم إنتهى الدوام وقاربت الساعة الثانية وربعاً ظهراً فقالوا لأهل القرى عودوا غداً. البعض انتابه حالات هستيرية حقيقية لدرجة أن رجلا في السبعين من عمره هده من التعب والوقوف بانتظار الراتب أخذ يلطم وجهه ويلعن حياته ويقول كل انتظاره من أجل راتب تقاعدي 18 ألف ليرة وبأنه دفع نصفها في المواصلات. الكل يتساءل (وأنا منهم) هل حقاً الحكومة السورية حريصة على صحة المواطن السوري! وحين ترى تلك الحشود في النهار وحتى الساعة 2 ظهراً متلاصقة لساعات بانتظار ربطة خبز أو كيس رز ألا ترى خطر كورونا! ومعظم هذه الحشود في ساحة 8 آذار وقرب مخفر الشيخ ضاهر حيث توجد مراكز توزيع (مخفر الشيخ ضاهر – ومشفى الأسد الجامعي) ألا تعنيها صحتهم قبل الساعة 2 ظهراً؟ أقسم لي بعض الموظفين أنهم انتظروا أكثر من 8 ساعات حتى قبضوا رواتبهم، لأن الجوع كافر ولأن الموت من الجوع أخطر وأكثر من الموت بكورونا. أما الأصرار على أن يُغرم المواطن السوري الذي بالكاد يسد جوع أولاده بالخبز بـ 100 ألف ليرة أو خمسين ألف ليرة ( حسب مزاج الشرطي ) إذا وجد خارج منزله بعد الساعة 6 والإصرار على هذه الغرامة فهو برأيي باب للنصب واضح ولا يمكن تفسيره بطريقة أخرى! الآن أصبحت حياة المواطن تهمكم بعد الثانية ظهراً؛ فتحبسونه في البيت بدون كهرباء (حيث بلغ انقطاعها 5 ساعات متواصلة) وبدون ماء ساخن.
كما أصدرت الحكومة السورية قراراً بمنع التنقل بين مدينة اللاذقية والقرى المحيطة بها بعد الساعة الثانية ظهراً؛ وكلنا نعرف أن ريف اللاذقية بأسوأ حالة ولا توجد فيه خدمات طبية أبداً. لنفرض أحد هؤلاء المواطنين أصيب بجلطة قلبية أو انفجار في الزائدة الدودية أو نوبة ربو وكلها حالات تستدعي الإسعاف السريع ما يعني وجوب أن يكون المريض في غرفة العناية المركزة خلال عشر دقائق، فكيف يتصرف أهل القرى؟ سألت فقالوا لي هناك خطوط ساخنة يتصل بها المواطن وهذه الخطوط الساخنة لا تجيب! وإذا حدثت معجزة وردت على شكوى المواطن فإن اتخاذ الإجراءات اللازمة لإسعاف المريض تستغرق وقتاً يكون فيه المريض قد انتقل للحياة الأخرى. أما الغلاء الفاحش فأمر لا يُصدق إذ يومياً يزيد سعر كل السلع الاستهلاكية مئات الليرات، أصبح كليلو البطاطا بـ 1200 ليرة وكيلو اللحم بـ 15 ألف ليرة وكيلو ليمون الرتقال بـ 1200 ليرة وكيلو ليمون الحامض بـ 1600 ليرة. حتى البصل سعر الكيلو 1000 ليرة. ورواتب الاحتقار هي ذاتها 30 أو 40 دولاراً في الشهر. والتموين لا يبالي ولم يشهد أحد أن التموين حاسب تاجراً على زيادته للأسعار. أترك لأخوتي السوريين الذين التقيهم كل يوم التعبير عن حالتهم.
عامر: التقيت بعامر، 40 سنة أستاذ للمرحلة الإبتدائية حين كان يقف في طابور لأكثر من 300 مواطن سوري (رجال ونساء ومجندون) عند بوابة مؤسسة استهلاكية في شارع 8 آذار؛ سألته: ماذا تنتظر؟ أيه مادة سيوزعون؟؛ فرد بغضب لم يستطع إخفاءه: الخبز. وأشار إلى شاحنه عملاقة ممتلئة بربطات الخبز، وقال لي: عيشة كلاب يا محلى الأفران. صحيح كنا نقف طوابير على باب الأفران لكن كان هنالك شيء من تنظيم، كان هناك (على باب الأفران) ثلاثة كوات أو نوافذ: نافذه للرجال وأخرى للنساء وثالثة للعساكر (الجنود)؛ لكن الدولة السورية أرادت أن تخفف الضغط على الأفران واحتكاك الناس ببعضهم فأقامت مراكز لتوزيع الخبز وغيرها من المواد كالسكر والرز وزجاجة الزيت النباتي وكما ترين الازدحام على مراكز التوزيع أكثر بكثير من الازدحام على الأفران. عامر طاش صوابه من الغضب ولعن ذل العيش وقال لي: أصبح الخبز رديئاً جداً، غير مخبوز بشكل كاف. سألت عن السبب أحد العاملين في الأفران فقال لي بأنهم يفتقدون للمازوت ولا يكفي المازوت الشحيح لإنضاج الخبز فتخرج الأرغفة قبل أن تنضج.
هذا المشهد، أي إزدحام الناس الكبير (أكثر من 300 شخص) على أبواب المؤسسات الإستهلاكية أو مراكز توزيع المعونات نراه في كل زوايا اللاذقية، وتبدو إجراءات العزل كإغلاق المدارس والجامعات والمقاهي كنكتة. فمقابل مخفر الشيخ ضاهر في اللاذقية الملاصق لثانوية جول جمال التي تحولت إلى خرابة وثكنة عسكرية هنالك أيضاً مركز توزيع معونات كالسكر والأرز ويحتشد المئات من السوريين بأجساد متلاصقة لاستلام المعونات على البطاقة الذكية، بينما كل المقاهي المجاورة مُغلقة بقرار حكيم من الدولة السورية بمنع التجمعات حفاظاً على صحة المواطن من فيروس كورونا!
وداد: هي أم لأربعة أطفال التقيتها تصرخ وتبكي في صيدلية، المسكينة فقدت أعصابها لأنها قصدت أكثر من عشر صيدليات بحثاً عن دواء للغدة الدرقية؛ فهي مصابة بفرط نشاط الغدة الدرقية والدواء مقطوع (مثل الكثير من الأدوية الرئيسية). تحدثتُ إليها وحاولتُ مواساتها ونصحتها أن تلجأ إلى مشافي الدولة عسى يؤمنون لها الدواء، واعتقدت أن الدواء متوفر في المشافي، قالت لي: لا تواخذينني، أشعر أنني امرأة شريرة صرتُ أضرب أولادي بقسوة ثم أندم وأبكي والسبب أنني منذ ثلاثة أشهر لا أتناول دواء فرط نشاط الغدة الدرقية فهو مقطوع، وهذا يسبب لي تسرعاً في القلب ورجفة في الأيدي وعصبية شديدة. وأضافت بأن كل الصيدليات التي قصدتها وعدتها أن تؤمن لها الدواء، لكن كل صيدلي أعطاها سعراً مُختلفاً. ويشتكي العديد من السوريين في اللاذقية الذين التقيتهم من جشع الصيادلة وكيف يتحكمون بسعر الدواء ويضاعفون سعره حسب مزاجهم ولا أحد يحاسبهم.
فواز: 44 سنة محامي عديم الضمير مُرتش وبارع في الكلام، تجمعني به معرفة قديمة، اعترض طريقي بوقاحة وأراد أن يمنعني من التقاط صور لحشد من المواطنين في اللاذقية ينتظرون توزيع السكر؛ فتحديته وقلت له بأي حق تمنعني من التقاط الصور! قال: أنت تشوهين صورة بلدك وعيب عليك نشر الغسيل الوسخ! ذكرني كلامه بخطاب الأجهزة الأمنية. كلهم مولعون بعبارة (عيب نشر الغسيل الوسخ). قلت له بسخرية: المفروض أن تدافع عن شعبك لأنك محامي والمحامي يدافع عن الحق و…. لم يتركني أكمل صرخ بوجهي: أتسمين هذا شعباً هؤلاء حمير وبقر تأمليهم كيف يقفون كالقطيع بانتظار ربطة خبز أو كيس سكر. وهؤلاء البقر والحمير غير مدركين خطورة فيروس كورونا وسيتسببون لنا بكارثة في حال انتشر الوباء! امتصصت غضبي بالسخرية منه وقلت له: عجيب كيف تصف شعبك بالحمير والبقر. تأكد هؤلاء يعرفون تماماً خطر فيروس كورونا ويعرفون تماماً أنهم يعرضون حياتهم للخطر لكنهم مضطرون، وعلا صوتي: هل تعرف معنى (مضطرون)، لأن أعلى راتب في الدولة السورية 30 دولاراً وأقصى راتب 50 دولاراً، لذا هم مضطرون لتحمل الذل واحتمال الإصابة بمرض كورونا المميت لأنهم وأطفالهم جياع . أنت وأسيادك لم تجربوا شعور الجوع فالجوع كافر. وكان “محامي الشعب” قد وضع صورة على صفحته على الفيس لرجل يبدو كبدوي يلبس رداء أبيض وبيده عصا وبجانبه حمار يجره غصباً إلى الزريبة وكتب تحت الصورة هكذا تضطر الدولة السورية للتعامل مع الشعب السوري الحمار في اللاذقية بأن تجبره على الحجر في المنزل. قلتُ له بمناسبة الصورة لو أن الدولة السورية تحب شعبها وحريصة أن تحجره في المنزل كي لا يصاب بالأمراض لكانت أعطته راتباً على الأقل 400 شو إسمو (أي دولار لأن اسم الدولار في سوريا الشو اسمو واسم الكورونا ذات الرئه) وكل شيء في هذا الوطن له اسمان. قال لي: يا للعار تشوهين صورة مدينتك وتنشرين صوراً بشعة ومهينة عنها. قلت له: معك حق الحقيقة موجعة. ومن هذا الحبق شتلات كما يقولون ومثل المحامي عديم الضمير هناك كثيرون مثله. لا أحد يجرؤ على كتابة أو قول: أية إجراءات عزل هذه وحجر الناس في بيوتها وإغلاق المدارس والجامعات الخ، والناس يحتشدون بالمئات على أبواب مراكز توزيع المعونات الإستهلاكية!
أحمد: 30 سنة يسكن في قرية قرب اللاذقية ويعمل في البناء (معلم باطون)، أي أنه يضطر أن يخرج من بيته كل يوم ومدخوله من المال يومي، في اليوم الذي لا يعمل به لا يقبض مالاً. كان في حالة نفسية شبه منهارة وهو يقول: كيف سألزم المنزل! يجب أن أعمل كل يوم لأطعم أطفالي، لو أن الدولة تعطيني (وأمثالي) تعويضاً بدل حجرنا في البيت ثم إن قريتنا (كمعظم القرى) ليس فيها الحد الأدنى من الخدمات، وأي إجراء ظالم ولامنطقي منع المواصلات! والميكروباصات من القرى إلى اللاذقية، افرضي انتابنتي جلطة قلبية! ماذا أعمل! لا قدرة لدي لأطلب تاكسي لا أملك المال! كيف سيتم إسعافي، وأنت تعرفين الجلطة القلبية تُميت بدقائق إن لم يتم إسعافها. ماذا يفعل أبناء القرى وقد عزلوهم في بيوتهم ولا توجد أية خدمات صحية ولو اضطروا لأسباب كثيرة صحية وخدمية أن يسافروا إلى اللاذقية فلا توجد مواصلات! لو أنهم يعقمون الميكروباصات المهترئه وحالتها مزرية ولا يسمحون إلا لثلاثة أشخاص بركوبها يكون هذا حلاً معقولاً، أما أن يحجرونا في منازلنا ويقطعون المواصلات بالكامل فهذا يعني أن نموت مما يمكن أن نتعرض له .
سالم: موظف في مؤسسة المياه لا يلتزم بالحجر الصحي على الإطلاق. يقصد كل يومين سوق الخضار المركزي في اللاذقية ويدخل إلى دهاليزه الداخلية وهي عبارة عن دهاليز أو أزقة ضيقة جداً موغلة في القذارة وسخام الزبالة وتتراص فيها بسطات الباعة الذين يبيعون الخضار والفاكهة واللحوم وغيرها من المواد الغذائية بأسعار أرخص قليلاً من الدكاكين الأنيقة. سالم يقضي كل يوم ساعتين في تلك الدهاليزليشتري مثلاً كيلو البطاطا بـ 900 ليرة بدل ألف ليرة في الدكاكين الأنيقة، مصعوقاً من ارتفاع الأسعار الجنوني حيث صار سعر كيلو الليمون الحامض 1600 ليرة سورية، وسعر البيضة 70 ليرة سورية وسعر كيلو اللحم 14 ألف ليرة سورية، وهو لا يشتري اللحم أبداً وأولاده لم يذوقوا اللحم منذ سنتين كما قال لي. يعرف سالم أي خطر يحدق بصحته في دهاليز سوق الخضار المركزي في اللاذقية، وهو ليس فقط خطر الكورونا بل خطر كل أنواع الجراثيم والفيروسات لكنه مضطر أن يشتري من هذا السوق القذر ليطعم أطفاله كي لا يموتوا من الجوع. يسأل سالم أين التموين؟ أين جمعية حماية المستهلك! هل هنالك حقاً جمعية لحماية المستهلك!
طفل سوري لا يزيد عمره عن خمس سنوات، يعتلي حاوية قمامة طافحة بالزبالة وينكش فيها بحرية. أرجوه أن ينزل، فلا يبالي بي، أغويه بالمال فلا يبالي؛ حواليه عدة قطط تنبش معه في القمامة في شارع 8 آذار أي مركز اللاذقية ومعظم حاويات القمامة الثلاث المتلاصقة المتخمة بالزبالة عند الباب الخلفي لمشفى الأسد الجامعي الذي تحول إلى المشفى العسكري وتحول المشفى العسكري الكبير إلى مركز لتركيب الأطراف الاصطناعية للمتضررين من الحرب. وقد شهد معظم سكان اللاذقية الشاحنة العملاقة وقد امتلأت بكل أنواع الأطراف الاصطناعية ولم يكلف أحد نفسه أن يغطيها بقماش. منظر هذه الشاحنة أوهن الشعور القومي للمواطن السوري إلى الحضيض؛ شعر كل من شاهدها أن مصيره قد يكون إنساناً معطوباً تهتم به الدولة وتهديه قدماً اصطناعية أو يداً اصطناعية أو عيناً زجاجية ترأف به كي لا يرى وحشية الواقع. طفل الزبالة نراه في كل مكان وفي معظم الحاويات. الموجع أنه في كل بلدان العالم حتى في لبنان الشقيق فإن حاويات الزبالة تكون مبطنة بأكياس خاصة من النايلون السميك وحين إفراغها يتم استبدال كيس الزبالة بكيس جديد نظيف؛ ما عدا في سوريا (اللاذقية) حاويات الزبالة مُقرفة ويفرشها سخام من القذارة وهي مستودع نموذجي ومثالي لتكاثر كل أنواع الجراثيم والفيروسات. المؤلم أن ترى عاملاً في اللاذقية موظفاً في البلدية على الأرجح يرش الشوارع بمادة معقمة الله أعلم ما هي، ويتطاير رذاذ المادة المعقمة فوق سخام حاويات الزبالة، وحول الحشد من 300 سوري أجسادهم متلاصقة بانتظار توزيع معونة غذائية! لوحة جميلة بوجعها، أعلى درجات المرارة والسخرية تعقيم الحشد الشعبي. ومن الضروري أن نذكر أن محلات بيع الدخان وكل أنواع معسل الأركيلة لم تُغلق ولم يُتخذ قرار بإغلاقها. ومن المهم أن نذكر أن الحشد الشعبي على أشده عند كوات الصرافات الآلية لقبض الراتب، وبأن بعض المصارف الخاصة اتخذت إجراءات وقائية بأن يدخل مواطن واحد فقط إلى المصرف وثمة موظف يلبس قفازات ويضع كمامة على أنفه وفمه يقيس حرارة المواطن ويرش في يديه مادة معقمة، لكن حشد المواطنين عند باب المصرف كبير ولا توجد أيه مسافة أمان بين شخص وآخر. وحين صرخ بهم موظف المصرف ابتعدوا قليلاً عن بعضكم، أجاب أحد المواطنين لو ابتعدنا كل منا عن الآخر مسافة مترين لوصل الرتل إلى أستراليا. وأخيراً ولأن شر البلية ما يضحك فقد أخبرني زملائي الصيادلة أن الشعب السوري بحالة لهاث لتموين السيتامول (دواء ضد الصداع)، هستيريا تموين السيتامول تدل على أن الكثير من السوريين انعطب تفكيرهم من المعاناة كما لو أن السيتامول سيقيهم من آلام رأس قادمة في زمن العزل.
مسكين يا شعبي ألم تشعر بالصداع إلا في زمن كورونا فتعلقت بقشة اسمها سيتامول؟
بواسطة Soltan Salit | يناير 21, 2020 | Cost of War, غير مصنف
“بدنا نعيش” جملة صغيرة كُتبت على رغيفِ الخبز لتكون شعاراً لاحتجاجاتٍ شعبيةٍ انطلقت في مدينة السويداء السورية نتيجةً لتردّي الواقع المعيشي لأغلب السكان ووصول الفقر إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في ظلّ انهيارٍ متسارعٍ لليرة السورية حيث وصلَ سعر صرف الدولار الواحد 1200 ليرة سورية في السوق السوداء إن وُجِد أصلاً؛ كما ارتفعت الأسعار بشكلٍ جنونيٍ في الوقت الذي لا يزال دخل الفرد عموماً متدنياّ ومحدوداّ بحيث لا يتجاوز بشكلٍ وسطي 50 ألف ليرة شهرياً (أي ما يُعادل نحو 45 دولاراً) ولا يمكن أن يغطي حتى أبسط الاحتياجات الأساسية اليومية.
مما لاشكّ فيه أنّ الواقع الاقتصادي المتدهور ليس وليد اللحظة، فخلال سنوات الحرب المتواصلة لم يكن الحال بأفضل منه اليوم، فالسويداء وإن بقيت خارج نطاق العمليات العسكرية المباشرة إلا أنها عانت من ضائقة معيشية وتهميشٍ كبيرٍ وغلاء أسعارٍ جعل خط الفقر يتدنى إلى مستويات غير مسبوقة حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ 80 بالمائة من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر.
ما يبدو جديداّ اليوم هو حالة الإفلاس العامة التي وصل إليها الجميع، والتي دفعتهم للمطالبة بالنزول إلى الشارع كحلٍ أخيرٍ، فالوعود الحكومية بتحسين المعيشة والنهوض بالاقتصاد بقيت حبراّ على ورق ولم تقدّم الحكومة أي إجراءات أو خطط لحل الأزمات الموجودة وسط مناشدات متكررة من الجميع، بل على العكس من ذلك فقد قامت الحكومة بإيقاف تحويل الأموال من والى سورية وحصرها بالمصرف المركزي أو ببعض الشركات المحسوبة عليه وبسعر صرف (434 ليرة) مما لا يتناسب أبداً مع غلاء البضائع الذي تفرضه أسعار الصرف بالسوق السوداء. انعكس هذا الأمر سلباّ على أحوال الناس المعيشية وساهم في زيادة فجائية في الأسعار واحتكار السلع وتدهور الليرة وخصوصاً في السويداء التي تعتمد على التحويلات والأموال القادمة من المقيمين خارجها بشكل رئيسي.
بدايةً كانت الدعوات لمقاطعة الأسواق والعيش لمدة أسبوع على الخبز فقط ثمّ تطّور الموضوع إلى الدعوة للنزول إلى الشارع والاعتصام أمام مبنى المحافظة وخاصةً بعد التصريح الاستفزازي التي أدلت به المستشارة الإعلامية والسياسية بثينة شعبان في حوارٍ بثته قناة الميادين حيث زعمت شعبان بأنّ الاقتصاد السوري اليوم أفضل مما كان عليه في العام 2011 بخمسين ضعفاّ. الأمر الذي أثار موجةً من الاستنكار والتذمر لدى الجميع.
انطلقت الاحتجاجات يوم الأربعاء 15 كانون الثاني إلا أّن أعداد المشاركين في الاحتجاج تعتبر قليلة حتى اليوم حيث قًدّرت في اليوم الرابع بين 150 -200 شخص. الشعارات التي رُفعت كانت واضحة ومحددة بعيداّ عن أي بعد سياسي ودون أن تتبناها أي جهة، واقتصرت على المطالبة بتحسين الوضع المعيشي والحدّ من غلاء الأسعار وانهيار الليرة ومحاسبة المسؤولين والفاسدين وتجار الأزمات، وأيضاً الدعوة إلى إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة، كما نددت الاحتجاجات بالإعلام السوري الغائب عن هموم الناس ووصفته بأنه إعلام كاذب.
لاقت الاحتجاجات الكثير من ردود الأفعال المتباينة سواء داخل السويداء أو خارجها وتجلّى ذلك بشدة على مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد الكثير من الآراء المؤيدة للاحتجاج ولعفويته وسلميته معتبرةً أن الخروج للشارع هو الحل الوحيد لإيصال صوت الناس والتعبير عن مظالمها وخاصةً أنّ الاحتجاج اتّسم بالسلمية المطلقة سواء بالشعارات أو بالتطبيق حيث لم يحدث أي صدام مع القوى الأمنية الموجودة بل بالعكس قام المحتجون بتوزيع الورد على عناصر الشرطة عند مدخل مبنى المحافظة وتنظيف الساحة بعد الانتهاء من الاعتصام. المؤيدون لهذه الاحتجاجات يعتبرونها لسان حال كافة المناطق والمدن السورية مطالبين بوحدة الحل على مستوى الدولة ومطالبين باقي المدن بالخروج في احتجاجاتٍ مشابهة للضغط على الحكومة، وقد أُنشِئت عدّة صفحاتٍ على الفيس بوك تدعو إلى تنظيم مظاهراتٍٍ محلية كصفحة “بدنا نعيش-مدينة السلمية”، كما نشر أفرادٌ من مختلف المناطق السورية صوراً للوحاتٍ كرتونيةٍ تضامنية مع حراك السويداء نُشرت على صفحة “بدنا نعيش” الرئيسية.
لكن لم تنجو هذه الاحتجاجات من سخرية البعض، وخاصة من معارضي النظام السوري في الخارج، حيثُ استهجنوا بخروجها في هذا الوقت، معتبرين أنها تأخرت 10 سنوات على حد قولهم في إشارةٍ لربطها باحتجاجات 2011 والتقليل من شأنها حيث المطالبة بالخبز لا ترقى لتضحيات “ثورة الكرامة” على حدّ تعبيرهم. لكن لم يقتصر الأمر على المعارضين فهناك طرفٌ آخر موالٍ للنظام السوري ممن عارضها معتبراّ إياها مؤامرة ًمن الخارج لتقويض الاستقرار الذي وصلت له البلد بعد سيطرة الحكومة على أغلب المناطق التي كانت خارج سيطرتها محذرين بأنها ستؤدي إلى الفوضى في آخر الأمر على غرار ما حدث في باقي المدن السورية.
من جانبٍ آخر، هناك الكثير ممن يؤيدون توقف الاحتجاجات حالياّ وإعطاء فرصة للحكومة على أن تتجدّد لاحقاً إذا لم يكن هناك إجراءات حقيقية لتحسين الواقع المعيشي المتردِّ، وبذلك يتم قطع الطريق على أي مخططٍ لإثارة العنف وحرف المطالب من أي جهة كانت على حسب رأيهم.
وبالمقابل أصرّ المحتجون على سلمية حراكهم وعلى حقهم في التعبير دون صدامٍ مع أحد أو إثارة أعمال شغب معتبرين أنّ هذا حقهم الذي يكفله لهم دستور بلادهم ونصوص القانون، وأنّ غايتهم فقط إيصال صوتهم ورسائلهم عبر الشعارات التي رفعوها والتي كان من أبرزها “بدنا نعيش بكرامة ” و”لحتى نعيد الإعمار ما بدنا الليرة تنهار”، “إذا ابنك شبعان ابني جوعان يا بثينة شعبان”، “مطالبنا شعبية ما بدنا حرامية ” وغيرها الكثير.
حتى اليوم لم يصدر أي تصريح رسمي من الحكومة باستثناء مرسومين جمهوريين صدرا بتاريخ 18 كانون ثاني مرسوم رقم 3 ورقم 4 ينصان على مضاعفة العقوبة والغرامات على من يتعامل بغير الليرة السورية في تداولات الأسواق وعلى ملاحقة ومعاقبة كل من ينشر “أخباراً مغلوطةً” تضرّ بالاقتصاد والعملة.
لا يمكن لأحد أن يتكهن بما ستؤول عليه الأوضاع في السويداء في قادم الأيام، هل سيستمر الاحتجاج ويتوسع؟ أم سينكفئ ويبقى محدوداً تحت ضغط الخوف والقلق من ردود الفعل العنيفة سيما وأنّ للمدينة ملفاتٍ شائكةً كثيرة ليس أولها موقفها المحايد من الحرب والتجنيد ولا آخرها وجود عصابات القتل والخطف والسرقة التي رّوعت المدينة ولا تزال.