زيت الزيتون… بالقطارة

زيت الزيتون… بالقطارة

في سوريا تبدلت عادات الناس الشرائية خلال سنوات الحرب، إذ أفقد الانهيار المستمر لقيمة الليرة الكثير من السوريين أمنهم الغذائي وسط أزمات اقتصادية ومعيشية وضعتهم تحت نار اللجوء للاستدانة أو الاقتراض مما توفره مؤسسات الحكومة من قروض حياتية. 

“لم نشتر زيت الزيتون هذا العام” تقول هدى صافي، الخمسينية التي تعيش مع عائلتها في العاصمة دمشق.  “وصل سعر صحيفة الزيت لحوالي الــ 300 ألف ليرة (88 دولار أمريكي) وهو ما يفوق دخل أي موظف في سوريا سواء كان عاملاً في القطاع الحكومي أو الخاص”، تضيف هدى. خصوصاً في ظل انفلات الأسواق المحلية من أية ضوابط حكومية وتدهور الوضع المعيشي للسكان.

يلاحظ سكان مدينة دمشق أن سعر زيت الزيتون لهذا العام ارتفع أضعافاً عن العام الماضي، ما يحرم الكثير من الأسر القدرة على شرائه، إذ سجل السعر حوالي 100 ألف ليرة للصحيفة السنة الماضية بحسب عدد من السكان التقاهم “صالون سوريا”. وكشف “خطار عماد” رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين أن إنتاج الزيتون للعام الحالي أقل من العام الماضي، لافتاً إلى وجود انخفاض في الإنتاج لا يقل عن 20 % عن الموسم الماضي.

وقدرت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في الحكومة السورية إنتاج سوريا من الزيتون بأكثر من 645 ألف طن لهذا الموسم مقابل أكثر من 850 ألف طن إنتاج الموسم الماضي. أما كمية إنتاج الزيت فقدرت بــ 103 آلاف طن علماً أن مردود الزيت يمكن أن ينخفض في حال استمرت درجات الحرارة بالارتفاع عن معدلاتها الطبيعية.

أسعار مرتفعة 

تشهد مناطق سيطرة الحكومة السورية ارتفاعاً في أسعار السلع والمنتجات الغذائية ومنها زيت الزيتون الذي وصل سعر الصحيفة منه (16 ليتراً) لحوالي الـ 300 ألف ليرة للنوع الممتاز، وبحدود 250 إلى 200 ألف للنوع العادي.

وفيما اعتاد السوريون على أن يكون زيت الزيتون من أهم المواد الغذائية على موائدهم، قررت هدى وعائلتها الاستغناء عنه لهذا العام والاستعاضة  بالزيت النباتي الذي تحصل عليه من إحدى الجمعيات الخيرية التي تؤمن لها كرتونة مساعدات شهرية تتضمن مادة الزيت النباتي.  وتقول لــ “صالون سوريا”: حتى الزيت النباتي لم نعد نستطيع شراءه نظراً لسعره المرتفع، إذ يبلغ سعر العبوة واحد ليتر 8500 ليرة.

أما عائلة أبو خالد التي كانت تشتري زيت الزيتون بكميات كبيرة في السنوات السابقة، فقررت هذا العام اقتصار الشراء على 16 لتراً فقط، وتقنين استهلاكها بالحد الأدنى، واستخدام الزيت لصنع سندوتشات الزعتر للأولاد في المدرسة.

يقول لــ “صالون سوريا”: كتر خير الله استطعنا شراء بيدون واحد هذا العام بعد استدانة ثمنه من عدة أقارب. مضيفاً أنَّ أسعار الزيت لهذا العام غير منطقية نهائياً.

قروض لشراء الزيت

فيما استدان أبو خالد ثمن صحيفة زيت الزيتون، قررت سامية (44عاماً) الموظفة الحكومية الحصول على قرض لشراء 16 ليتراً من زيت الزيتون.  صرّح رئيس مكتب التسويق في الاتحاد العام للفلاحين في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أن الاتحاد سيقوم باستجرار زيت الزيتون من المحافظات المنتجة خلال مدة شهر تقريباً بعد الانتهاء من عصر الزيتون بهدف بيعه لموظفي القطاع العام بالتقسيط.

تقول سامية لــ “صالون سوريا”: قررت التوجه نحو القرض الحكومي كي أستطيع تأمين زيت الزيتون لأسرتي وقمت بإجراء معاملة القرض بضمانة راتبي للحصول على 16 ليتر من زيت زيتون بثمن 150 ألف ليرة.  وتضيف أن قرض شراء الزيت مدته ثلاثة سنوات مع فوائد. “تخيل صرنا نقترض لحتى نشتري زيت زيتون!”.

أما سامر (33عاماً) وهو موظف حكومي أيضاً فقرر وعائلته شراء زيت الزيتون لهذا العام حسب حاجته الشهرية وحسب ما يتوفر لديه من نقود، ويقول لــ “صالون سوريا”: نشتري نصف كيلو من الزيت وأحياناً نشتري بــ ألفين ليرة فقط. ويرفض سامر التقدّم بطلب قرض من مؤسسته لشراء زيت الزيتون، معتبراً أن هذا القرض “مسخرة”، إذ يحتاج لمعاملة طويلة كي يحصل عليه وإحدى شروطه هو رهن الراتب لمدة ثلاث سنوات. “ناهيك عن أنك لا يمكن أن تثق بأن يكون هذا الزيت غير مغشوش”.

المزارع غير راضٍ

يشتكي مزارعو الزيتون من ارتفاع التكاليف السنوية للعناية بحقولهم، إذ تصل كلفة الهكتار الواحد سنوياً إلى ثلاثة ملايين ليرة، إضافة إلى تكاليف السقاية ومواد مكافحة الحشرات والأسمدة والأدوية الزراعية الأخرى التي أصبحت تكاليفها عشرات الأضعاف عما كانت عليه قبل الحرب.

يقول خالد (55عاماً) وهو مزارع من ريف دمشق لــ “صالون سوريا”: إنَّ موسم هذا العام تعرض لآفة الذبابة البيضاء ما أدّى لإسقاط زهر الشجر قبل أن تنتقل لمرحلة النمو التالية.  ويضيف أن الظروف المناخية كالجفاف ساهمت في تخفيض نسبة نضج ثمار الزيتون.

ويشرح لــ “صالون سوريا” أن أجور اليد العاملة في الزيتون وأجور عصره، كلها ارتفعت بشكل كبير ما ساهم في رفع سعره. ويشير إلى أنه رغم ذلك لا زالت أسعار بيع الزيت لا تغطي كافة مستلزمات إنتاجه  وفي بعض الأحيان لا تغطي التكاليف التي ينفقها المزارع في حقله.

شتاء درعا…شهر البرد والمعاناة

شتاء درعا…شهر البرد والمعاناة

يرتبط فصل الشتاء في أذهان معظم سكّان العالم بالحميمية والدفء والملابس الشتوية الأنيقة، باستثناء السوريين في جميع أنحاء سوريا. مع بدء فصل الشتاء لا تعبر مخيّلاتهم وهواجسهم سوى أفكار مرتبطة بالبرد القارس وبكيفية الحصول على أكبر قدر من الوقود للتدفئة من خلال مخصصات حكومية أو عبر جمع بعض انواع الحطب والملابس المهترئة والتي لا تغطّي غالباً سوى بضعة أسابيع من فصل الشتاء الطويل.
كما هو الحال في الأعوام الماضية، لا تستطيع حكومة النظام أن تؤمن لهذا الـعام مادة الديزل للتدفئة إلا بكميات شحيحة تكاد لا تكفي لأكثر من 20 يوماً حيث تقلصت مخصصات العائلة الواحدة إلى 50 لتراً من مادة الديزل بعد أن كانت 200 لتراً في سابقها من الأعوام.
في محافظة درعا جنوب سوريا يحدثنا خالد المسالمة (مالك محطة وقود) بعد سؤالنا له عن إمكانية توزيع دفعة ثانية من مادة الديزل : “حتى الآن لم يتم توزيع نصف الكميات المطلوبة لتغطية عدد العائلات (٥٠ لتراً لكل عائلة) فمن غير الممكن الحديث عن توزيع دفعة ثانية من مادة الديزل ما لم نستطع توزيع الدفعة الأولى على كافة العائلات وبرأيي هذا سيكون أفضل الخيارات الممكن توفيرها من قبل الحكومة فهي عاجزة عن تأمين الوقود للدوائر الحكومية والمستشفيات والمدارس، ما البال لو تحدّثنا عن تأمين دفعات أخرى من مادة الديزل على العائلات”.
يُذكر أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام قد رفعت سعر لتر الديزل المدعوم من 180 إلى 500 ليرة، وغير المدعوم من 2400 إلى 3500 ليرة في يوليو/تموز من هذا العام بينما تجاوز سعر السوق السوداء عتبة الـ 4000 ليرة سورية لليتر الواحد.
لا تُعتبر مادة الديزل مادة رئيسة للتدفئة في محافظة درعا حيث يعتمد معظم السكان على الحطب للتدفئة نتيجة الشح الكبير في المحروقات وغلاء سعرها. إلا أن الحطب تحول مع اقتراب شتاء هذا العام إلى ترف حيث بات الحصول عليه بالنسبة للكثير من العائلات أمراً شبه مستحيل نتيجة الارتفاع الجنوني بأسعاره. بات الحطب نادراً بسبب ندرة الأشجار بعد سنوات من التحطيب المستمر ونتيجة فرض حواجز النظام العسكرية الاتاوات على نقل الحطب فبلغ ثمن طن الحطب 650 الليرة (200$) ويبلغ متوسط استهلاك العائلة طنّين خلال فصل الشتاء! أي أن العائلة تحتاج إلى مليون وثلاثمئة ألف ليرة سورية للتدفئة خلال فصل الشتاء! أي ما يعادل (400$) وهذا ما يصعب توفيره لدى الغالبية العظمى من أهالي درعا في ظل حياتهم في بلد يعتبر اقتصاده من أسوأ الاقتصادات على مستوى العالم.
أبو محمد أحد سكان مدينة صيدا في ريف درعا الشرقي يحكي لنا عن معاناته في تأمين الحطب هذا العام : “أنا أعمل في محل حدادة وأتقاضى راتباً شهرياً يبلغ ثلاثمئة ألف ليرة وهذا الراتب لا يغطي احتياجاتنا من الطعام ناهيك عن باقي مستلزمات الحياة التي لم نعد نفكر بها أساساً فكيف سأستطيع تأمين مبلغ مليون ونصف ليرة لشراء الحطب؟ مستحيل. أقوم حالياً بجمع بعض الأقمشة المهترئة والأخشاب المتناثرة على جوانب الطرقات وأقوم بتكسير بعض اللوازم القديمة من منزلي للتدفئة خلال الأيام الأشد برداً. وأعتمد في معظم هذه الأيام على تغطية الأولاد بلحف النوم المصنوعة من الصوف عوضاً عن تشغيل مدفئة الحطب في الأيام الأقل برودة”.
لا تنتهي معاناة الأهالي عند توفير الحطب ومواد التدفئة المختلفة فتأمين اللباس الشتوي للأطفال يشكّل هاجساً كبيراً لمعظم السكان. حيث بلغ سعر المعطف لطفل في عمر ٨ سنوات 90 ألف ليرة. تقول أم محمد من أهالي مدينة درعا البلد: “لا نعلم كيف سيمرّ علينا الشتاء هذا العام فبعد عودتنا إلى منزلنا عام 2019 وجدناه مدمراً نسبياً وقد نُهب بشكل كامل. كان خاوياً تماماً، حتى النوافذ والأبواب اقتلعت. قمنا بسدّ النوافذ بأكياس من النايلون وبعض الأقمشة وهذا العام لا يوجد مازوت ولا حطب. كنت ألجأ في الأعوام السابقة إلى شراء معاطف جيدة لأطفالي تقيهم برودة الطقس في المنزل ولدى خروجهم منه. إلا أنني عاجزة هذا العام عن شراء الألبسة الشتوية فسعر المعطف الرديء تجاوز عتبة ال100 الف ليرة فكيف لي أن أشتري ملابس شتوية جيدة لستة أطفال! زوجي يعمل سائق سرفيس على خط درعا دمشق لا يكاد دخله يكفي لسدّ الرمق فلا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل”.
فقدان القدرة الشرائية لمواد التدفئة لدى الغالبية العظمى من السوريين في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الحطب والديزل وحتى البدائل الأقل نجاعة في التدفئة كالغاز والكهرباء لم تعد متوفرة حيث بلغ سعر جرة الغاز في السوق السوداء 110 آلاف ليرة والكهرباء لا تتوفر إلا ثلاث ساعات على مدار الـ24 ساعة.
لا يبدو أن شتاء هذا العام سيكون ضيفاً عادياً على الشعب السوري وسط ظروف اقتصادية هي الأصعب على مستوى العالم ووسط حالة فقر مدقع بين أوساط السكان وانعدام الحلول المادية لدى غالبية الناس ناهيك عن جائحة كورونا التي تفاقم من سوء معاناة السوريين على امتداد جغرافيتهم.

كبار السن في دمشق… الحياة ثقيلة هنا

كبار السن في دمشق… الحياة ثقيلة هنا

في الحروب، يحصي المتقاتلون عدد القتلى وكأنه الإنجاز الأهم لهم، ويتبادل الصحفيون أرقام الضحايا في جداول تحتل الأهمية الأولى على شاشات الأخبار. أما السياسيون وموظفو المنظمات، فيركزون على مشاهد الدمار والدم، في ظن منهم بأنهم بذلك يدقون ناقوس الخطر.
في الحرب، وما بعدها، وحين يتوقف موسم القتل المباشر بكل صنوف الأسلحة، تبدو الصورة الواضحة للخراب. خلال استعراض هذه الصورة يكون النقص سمة عامة، الغالبية تركز على الأطفال كضحايا، وينفرد الصحفيون الاستقصائيون بذكر عدد الضحايا من النساء على حدة ومن الرجال على حدة، ويصوبون الأنظار إلى فداحة موت الأطفال والأمهات، وكأن كل الرجال مقاتلون! الضحية ضحية، مهما حاولت وسائل الإعلام التمييز بين صريع أو صريعة، بين طفل أو كهل، كل الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ترتدي هنا ثوب الإنكار لمعنى موت الأشخاص، أي شخص كان، رجلا، أم امرأة أم طفل، المعنى هنا مجرد رقم.
اللافت في الرؤية العامة للمشهد هو غياب سمة الاستمرارية والمتابعة، المشاريع آنية التخطيط ومتكررة الأهداف، والاستدامة لا تعني البناء على ما تم عمله، بل تعني استمرار التمويل واستمرار النزيف، حتى لو تكررت نفس العناوين بنفس الأساليب ولنفس الأشخاص، لا خبرات متراكمة لمشاريع طويلة الأمد وتشغيلية، تولد من لدنها فرصا متجددة تستقطب أفواجا متتالية من المستفيدين/ات من برامجها وجدواها.
تبدو المقدمة طويلة وتغص بالتفاصيل قبل الوصول للفكرة الرئيسية، لماذا وكيف تُرك كبار السن وحيدين ووحيدات؟ لماذا تضخمت مشاكلهن/م حتى شكلت مشهدا مربكا وخانقا وعاجزا؟ لماذا عجزت كل البرامج عن إدماجهم/ن في الخطط الوطنية والإنمائية بل والتكافلية؟ والمبررات هنا ضحلة وسطحية، ليسوا بذات أهمية؟ أحوالهم / ليست إسعافية، إذن هم خارج الأولويات.
يبدو أن أحدا لم يخطط مشروعا من أجلهم في الأساس، ُتركوا للعناية الإلهية أو للرعاية العائلية الهشة، أو للنسيان والتجاهل، نعم إن توصيف ما جرى ويجري هو تجاهل تام واستنكاف جمعي ومؤسساتي عن تقديم الخدمات المطلوبة لهذه الفئة من السكان.
قد يقول البعض: “الأطفال في المرتبة الأولى من الأهمية لأنهم مستقبل البلاد!” وقد يقول البعض الآخر: “إن عملية التنمية لا تتطلب إدماجهم وتتجاوزهم نحو فئات شابة أكثر حاجة للعمل وللخدمات ولمشاريع التأهيل، وأكثر انتاجا وإبداعا وأقل تكلفة”.
يتعرض كبار السن للإهمال والتهميش، وتصبح حيواتهم ثقيلة يتمنون الموت بدلا عنها، وتبقى أحوالهم أسيرة الكتمان وكأنه هروب إلى الأمام من حقيقة ساطعة وموجعة، وتتحمل النساء العبء الأكبر، مع أن بعض الرجال يقوم بخدمة نفسه وحيدا، وأحيانا يقوم على خدمة زوجته أيضا في آن معا، لغياب الداعمين والمساعدين، بل قد يضطر الرجال للعمل في مهن لا تناسب أعمارهم وأجسادهم المتعبة كشطف الأدراج أو البيع على بسطات بائسة أو التسول، عدا عن غياب الضمان الصحي الذي يؤمن الاستشفاء الكريم للمتقدمين في السن وهو حق وضرورة.
سارة سيدة سبعينية غير متزوجة وبلا عائلة، فقدت كل مدخراتها خلال عشر سنوات من الحرب المكلفة والمرعبة، منحت بيتها لإحدى الجمعيات وهو يساوي الكثير مقابل أن تنتقل إلى دار عجزة عائد لهذه الجمعية، حيث يتم الاعتناء بها و “تطبيبها” وتقديم وجبات الطعام لها، هي الآن مصابة بكسر في عنق الفخذ، لم يجروا لها عملية جراحية تحت ذريعة أن وضعها الصحي لا يحتمل إجراءها، تشعر بالغبن والندم، لا شيء يعود للوراء، بيتها صار ملك للجمعية وهي تنتظر موتها بين ساعة وأخرى، وقلبها وعقلها في مكان مختلف.
طالما تقدمت بعض المنخرطات في قضايا المرأة مقترحات عديدة لبعض الجهات الرسمية أو الأهلية أو المانحة، لتأسيس مأوى للعجزة في بعض المدن، ملجأ للنساء الهاربات من العنف والتهديد بالقتل أو من الإجبار أو الاضطرار على العودة إلى بيئات غير آمنة عائليا ومجتمعيا، مأوى للنساء الوحيدات بلا عائلة أو أقارب، أو ممن سافر أبناؤهن وتركن وحيدات أو تحت اشراف الأقارب، أو المساعدات المرافقات غير الخبيرات، أو النساء المعوزات اللاتي فقدن بيوتهن أو تم طردهن من بيوت العائلة بعد إشغالها من طوابير المهجرين وفاقدي القدرة على شراء بيوت جديدة أو استئجارها، النساء المكتئبات أو فاقدات القدرة على خدمة أنفسهن وإدارة تصاريف حيواتهن اليومية.
تعمل حلا كمرافقة صباحية لسيدة وحيدة، يتكفل ابنها باجر حلا وتتكفل ابنتها بأجر مرافقة أخرى للفترة المسائية. لا مشكلة مادية في حياة السيدة مريم، يصر ولداها على تزويد والدتهما بكل شيء أساسي وكمالي، يدللان المرافقتين ويرسلان الهدايا لهما، كل أدوية الأم مرسلة من كندا حيث يقيم الولدان، لكن السيدة مريم لم تعد قادرة على تحمل وجود أيا من المرافقتين معها، تصرخ بهما، ترفض مساعدتهما، لا تسمح لهما بالأكل ، وقد تعرضتا للطرد من قبلها عدة مرات، شخص الطبيب النفسي إصابة السيدة مريم باكتئاب حاد وحاجة ماسة لمتابعة علاجها في مركز متخصص يضم أقرانا للسيدة مريم، شركاء وشريكات بنشاطات مختبرة وضرورية، باتت السيدة مريم مصدر خطر على نفسها وعلى المرافقتين، مما استدعى قدوم ابنتها من كندا وإغلاق بيت العائلة وإيداع والدتها في مركز غير مؤهل للعلاج والدعم النفسي، تعالج السيدة مريم بالإبر المهدئة والأدوية التي تكبح نشاطها البدني وردود أفعالها الطبيعية، بدلا من النشاطات المعاوضة والدائمة ، علاج متخلف وقاس، ولا يلبي إنسانية العلاج، لكن ما باليد حيلة ، هكذا تقول ابنتها وهي تبكي لأن والدتها لم تتعرف حتى إلى ابنتها.
وماذا عن كبار السن فاقدي الملكية والذين يضطر بعضهم للنوم في الحدائق أو في زوايا الأرصفة أو مداخل الأبنية؟ ماذا عن كبيرات السن اللواتي لم يفكر أحد ذات يوم بدمجهم في نشاط اقتصادي مدر للدخل، ليتم بعده تسويق ما صنعته أيديهم، فيؤمن لهم دخل داعم وإحساس بجدوى العمل وجدوى الحياة.
تعيش سامية وكأن حياتها كلها برنامج من المناوبات الليلية، كل يومين في بيت اخت لها، فقدت بيتها ولا تملك مالا لدفعه بدلا للإيجار، اجتمعت الأخوات الأربع وقررن أن تنام في بيوتهن بالدور، تحاول قضاء يومها في الطرقات أو في الأسواق الشعبية أو في الحدائق الحزينة والمكتظة بالغرباء مثلها، لتخفف من ثقل وجودها، تنسى في أي بيت تركت معطفها البني أو خفها المنزلي المريح، لا تفتح الثلاجة في أي بيت تنام فيه، وثيابها المتسخة يتعذر غسلها حسب الحاجة، عليها انتظار شقيقاتها ليسألنها عما ترغب بغسله. خارج الفهم الحقيقي لعملية التنمية، وتراكما لقاعدة تمييزية تخرج كبار السن من دائرة الأحقية بالرعاية، وبأن هذه الرعاية هي تنمية مجتمعية ترفع مستوى الحياة بشكل عام وتؤسس لتعاقد مجتمعي تشاركي ومؤسساتي، تغدو الحيلة ثقيلة، مرعبة وغادرة، وثقل الحياة غير قابل للتليين أو التخفيف، لأنه يحرم فئة واسعة ومهمة من حقوقها الإنسانية الأساسية.
تكاد أن تخلو البلاد من فئاتها الشابة أثناء الحروب وبعدها، وتبقى فئة المتقدمين/ات بالسن فئة واسعة العدد وخارج المشاركة، وقد يكسبها المجتمع لو استثمرت طاقاتها الحية ولو وظفت خبراتها المتراكمة في إحداث تواصل معرفي ووجداني منتج، لابد من تخفيف وطأة الحياة الثقيلة ودعم كبار السن، ليس من أجل حياة أكثر عدلا وإنسانية، بل من أجل مساواة مواطنية، حقيقية وبناءة.
وإن كانت الحروب هدامة، فالمساواة وحدها الكفيلة بالبناء، التنمية عملية متواصلة وتعنى بالجميع، أطفالا وشبابا وكهولا.

دمشق في 30 أيلول 2021

 الصورة: محمد تاج الدين، دمشق

النسوية السورية زمن الحرب

النسوية السورية زمن الحرب

تأثير سنوات الحرب الطويلة طال أدق تفاصيل الحياة اليومية والمظاهر الاجتماعية والإنسانية. كانت السنوات العشر كفيلة بقلب كل المعايير والموازين داخل المجتمع السوري وخارجه. أصلاً لم يعد معروفاً ما هو المجتمع السوري وما هو داخله وما هو خارجه. مجتمعات بأكملها انزاحت جغرافياً في حين تشكّلت مجتمعات جديدة في أماكن مختلفة بينما تحلّلت مجتمعات أخرى بالكامل أو تشكّلت من جديد بعيداً في الشتات.

أفكر كثيراً بتاء التأنيث في (سوريا) أو (سورية). التاء التي وإن بدت بديهية وغير ملحوظة من فرط تكرارها في العبارات المعلوكة مثل (عاشت سوريا) و(ماتت سورية) و(دخلت سوريا عامها التاسع من أعوام الحرب)، لكنها ما تزال تحمل بعض الكبرياء والغرور وإن كان يعلو حوافه بعض الصدأ. كبرياء استمدّ من التاريخ السوري الذي تباهى بملكاته وسرد مراراً وتكراراً مناقبهن وحكاياتهن وسير السطوة التي حكمن بها أجزاء واسعة من العالم. لكن لمن كانت تحكى الحكاية؟ هل كانت التركة الأنثوية كافية لتتقاسمها السوريات فيعبرن بها حرباً أو أكثر؟ هل كان لدى هؤلاء النسوة كما يظهر في أغلب المسلسلات علبة خشبية يخبّئن فيها قطعة ثمينة من الذهب تخرج للضوء عند اشتداد الأزمات؟

ربما نعم، الأمر ليس سراً ولا علبة مخبأة في صندوق العرس، وليس استعارة أدبية درامية تحاول توصيف الحالة النسوية السورية على أنها جبروت جاء من العدم. هناك تحوّل حصل على مراحل في البيئة الاجتماعية السورية، لكن المراحل لم تكن بطيئة، كانت انكسارات دراماتيكية ضخمة، شروخ على امتداد المحددات الأفقية للمجتمع، ولا يمكن الجزم إن كانت طبيعة المرأة بشكل عام أو العوامل الأخرى المحيطة بها هي ما جعلها أكثر مرونة في التجاوب مع التغيرات المتسارعة. فخلال أشهر قليلة فقط تقدمت المرأة إلى الصفوف الامامية فيما يتعلق بإدارة المتطلبات الحياتية الأساسية، لأن عدداً كبيراً من الرجال تغيب عن الساحة، وهذا العدد استمر في الازدياد وبالتالي تزايد عدد النساء اللواتي بدأن يتولين مهمات جديدة.

لم نسمع أحاديث كثيرة حول هذا الأمر. لم تحدث جلبة حول وقوف النساء الطويل في طوابير الخبز وكيف يجدن طريقهن إلى مراكز دفع الفواتير ويقمن بتركيب جرات الغاز. كان انتقالاً سلساً وصامتاً في البداية، لكن كثيرات من بينهن فقدن أزواجهن وإخوتهن وآبائهن وأدركن أن هذا الحال ليس مؤقتاً. ثم دون كثير من التفكير ودون وضع تسمية خاصة بكل مرحلة، انتقلن إلى طوابير البحث عن العمل، وتفكيك حيثيات معيشية مثل العيش وحيدات مع أبنائهن أو العودة إلى جناح الأسرة الأكبر، وهذا ما كان ليكون مفروضاً ومسلّماً به لولا أن مخيم العائلة أيضاً كان يعاني من تشققات خطيرة ومخيفة في سقوفه، فترك في أحيان كثيرة للنساء أن يتدبرن أمرهن، على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”.

هناك قصص كثيرة يمكن للمرء أن يرويها في هذا الصدد. قصص نساء عشن في قرى بعيدة كل البعد عن مراكز المدن وعن صخب الحياة فيها. منهن من توقّفت في تعليمها عند المرحلة الابتدائية، وبعد وفاة زوحها، حصلت على وظيفة لم يكن يخطر لها الخوض فيها لولا هذه الظروف.

سمعت عن سيدة في حمص لا تملك سوى شهادة الصف السادس (هذا إن صحت تسميتها شهادة)، توفي زوجها وحصلت على وظيفة في مركز المدينة. انتقلت واستأجرت منزلاً وسجّلت ولديها في مدرسة جديدة، ثم تدرجت في السلم الوظيفي صعوداً ووصلت إلى مناصب ذات تأثير مباشر على قيادات سياسية وعسكرية! دخلت الشأن العام من أوسع أبوابه وجعلته بابها الخاص، وصار يطرق هذا الباب مسؤولون ورجال أعمال وقادة مجموعات وغيرهم، طلباً للـ”خدمات” التي يمكن لها تأمينها من خلال “المنصب”.

في مناطق أخرى، كان التغيير الديموغرافي وموجات النزوح الداخلي هو الأثر الأكبر على النساء، الوافدون مثلاً من ريف حلب وإدلب إلى سواحل طرطوس واللاذقية، الوافدون من ريف دمشق إلى قلب العاصمة، حيث تلكأ كل مجتمع في حمل أدبياته إلى بيئته الجديدة، ومنهم من تخفف منها كلياً. انفتحت عيون نساء كثيرات على عوالم جديدة تنقلن فيها بين مراكز الإيواء وبين البيوت المستأجرة بمبالغ كبيرة وبين صالونات التدريب على المهن اليدوية وحياكة الصوف والكروشيه التي انتشرت مثل الوباء عند بداية ظهور المنظمات الدولية في سوريا. انخرطت النساء في مشاغل الحياة التي انقلبت رأساً على عقب وعملن بسرعة على الإحاطة بالواقع الجديد بما أمكن من أسيجة الأمان، وعلى تخفيف وطأة الانتقال. الرجال هم أكثر من عانى من تلك الوطأة ومن أحداث كانت لتحتاج سنيناً وسنين كي تجري لولا تكات ساعة الحرب المتسارعة. بل بالعكس، عانى الرجال من بطء في الحركة على الصعيد الشخصي أمام التضييقات الكثيرة والعوائق التي وضعت أمامهم، منها الخدمة العسكرية ومنها أعباء المواقف السياسية ولقمة العيش وغيرها.

تروي سيدات وافدات من ريف حلب ويعشن حالياً في طرطوس، كيف أنهن لم يحلمن ولا مرة بأن يأتي اليوم الذي تتمكّن فيه من الحديث إلى الرجال بشكل مباشر. وأنهن الآن قادرات على القيام بما كان يبدو مستحيلاً في زمن يبدو غابراً، كالأكل في الشارع مثلاً! وليس من تحت النقاب! كالركوب في الحافلات إلى جانب الرجال! المصافحة باليد! هذه التفاصيل التي ما هي إلا انعكاسات لتغيرات أكبر فرضت واقعاً جديداً مكّن البنات من دخول المدارس وأخّر سن الزواج وقلّل من عدد الزوجات للرجل الواحد. ولحقت بذلك أيضاً تغيرات في شكل اللباس والحركة وأدخلت مفردات جديدة إلى القواميس النسائية كما وضعت في أيديهن أدوات جديدة وامتلكن صوتاً أعلى من الماضي.

يبدو هذا جيداً من بعض النواحي، وأشبه بدفعة إلى الأمام حصلت عليها المراة السورية دون أن تخرج في اعتصامات وتشكل تنظيمات نسوية ومكاتب تنسيق. لكن في العمق، هل حقاً حصلت نهضة في واقع المرأة؟ هل حقاً يمكن تسمية ما تعيشه الآن بمكتسبات الحرب؟ برغم ما يبدو براقاً امام الناشطات النسويات وما يبدو أنها خطوات واسعة على طريق تحرر المرأة فإن الواقع أكثر ظلاماً. إذ لم تنتقل كل الشرائح المجتمعية بذات السرعة وذات الانسيابية، بل شهدت بعض المجتمعات مزيداً من التصلّب كردة فعل على ما تحاول الحرب إجبارهم عليه. بالنسبة للبعض ما يزال خروج الزوجة أو الإبنة إلى العمل هو أصعب ما يمكن تخيّله. ولمواجهة هذا الاحتمال ضاعف البعض عنفه على النساء، وفي حالات الفقر الشديد كان تزويج الفتيات هو الملجأ للتخفف من أعباء الحياة. هناك شريحة واسعة اليوم من زوجات – أو أرامل – الشباب المقاتلين في الجيوش المتعددة. هناك أيضاً شريحة الزوجات المنتظرات لمّ الشمل، وشريحة المتزوجات عبر الحدود. فلا يمكن للمسافر من سورية إلى لبنان مثلاً إلا أن يلاحظ عدد النساء برفقة أطفالهن –غالباً طفلين وأكثر- والواضح أنهن من طبقة فقيرة يحاولن العبور إلى أزواجهن، وغالباً أيضاً ما يتم إرجاعهن خائبات من المعبر الحدودي لنقص في الأوراق أو لعدم اقتناع الضابط المناوب بمنطقية الحجز الفندقي المؤمن على عجل من السماسرة، وبالتالي يلجأن إلى طرق أخرى يهربن عبرها إلى حيث يعمل رجالهن أعمالاً شاقة أصعبها حمل صفة (اللاجئ) التي تزن آلاف الأطنان.

من هنا أعود إلى السؤال الأساسي الذي بنيت عليه فكرة هذا المقال: كيف تبدّلت الهوية النسوية السورية خلال الحرب؟ في الواقع، الإجابة عنه قد تحتاج إلى صفحات وكتب. وكان علينا طرحه قبل وقت طويل. السؤال الأصعب في الأساس هوعن الهوية السورية عموماً ونحن اليوم في سعي حثيث للتنظير لهوية واحدة يمكننا تبنّيها بعد انتهاء الحرب. فهل كان للسوريين عموماً هوية واحدة؟ ولو وجدت، هل تبدّلت ضمن مسار واحد وباطراد زمني معيّن؟ ربما لا. وكذلك الحال بالنسبة للمرأة السورية إذ هل يصحّ القياس عندما يكون المقياس مشوّهاً؟ وهل تستوي معايرة المجتمع السوري اليوم بمنظار واحد؟ التقيت بنساء في قلب دمشق يتذمرن مما آل إليه الحال، ولا يجدن في انخراط المرأة في التعليم أو العمل حالة إيجابية. قد لا يمرّ أسبوع دون أن تجلس بجانبي في الباص امرأة خمسينية أو أكبر، تحدثني عن معاناتها هي التي لم تعتد يوماً على ركوب وسائل النقل العامة، ولم تعتد على حمل أكياس الخضار. تحكي كيف عاشت حياتها “معززة مكرمة” و”كل شي بيوصل لعندها”، ولم تتخيل أن يأتي اليوم الذي يتوزع فيه أبناؤها في شتات الأرض، لتبقى وحيدة مع زوج كهل ومحبط يترك لها أن تتحمّل مسؤوليات كثيرة. يكاد لا يمر يوم دون أن تشتكي لي زميلتي في العمل، المسؤولة عن تنظيف المكتب وإعداد القهوة والشاي من تدهور حياتها والكوارث التي انهالت عليها منذ اعتقال زوجها واختفائه، بدءاً من هرعها بين سجن وآخر بحثاً عنه، وصولاً إلى يأسها وانشغالها بتربية الأطفال الأربعة ثم البحث عن عمل واضطرارها لإخفاء طبيعة العمل عن أهلها وأهل زوجها كي لا “تنكسر عينها أمامهم”.

تتشكل الهوية بناء على المساحة التي يتحرك ضمنها الفرد. تتسع أو تضيق، تتسطح أو تتعمق، وقد لا يتطلب تشكل الهوية وعياً بذاته، لكن تبدّلها أو تسيير هذا التبدل باتجاه معين يتطلب وعياً كبيراً وإدراكاً. هذا ما يبدو أن المنظمات والجمعيات النسوية والناشطات والباحثات وكل المهتمين بشؤون المرأة في سوريا يسعون لتحقيقه. تثبيت المكتسبات التي حصلت عليها النساء وتوعيتهن بالجانب المشرق لها، تدريبهن على تقبل الواقع الجديد وإدارته لصالحهن. صار مقبولاً في سوريا اليوم أن تقول: “بفضل الحرب حصل كذا وكذا…”، نعم بفضل الحرب صارت النساء تعمل وتتعلم وتتكلم وتسكن وحدها غير تابعة لأي سلطة ذكورية. لم يعد ممكناً الرجوع إلى الوراء، لكن بالإمكان السير إلى الأمام.

في منطقة الدويلعة صادفت شابة تعمل في محل خردوات، قالت إنها مشغوفة بعملها وسعيدة به، وإن أحداً لا يستنكر مهنتها الغريبة عادة عن النساء. الجميع يدرك أن المهم في الأمر هو العمل وتأمين لقمة العيش فقط. إحدى السيدات اللواتي نزحن من إدلب وقابلتها في جلسة حوارية أقامتها إحدى الجمعيات قالت لي: “والله عايشة حياة ما كنت أحلم فيها، إذا بيفكر زوجي يرجعني متل ما كنت قسماً بالله إلا أبلغ عليه!”، لا أعرف إن كانت تمزح أو تتكلم بجدية ولا أعرف ما إذا كانت ستبلّغ عنه بالفعل أو لمن ستشتكيه؟ ولم أسألها. اكتفيت بالإصغاء إلى ضحكات النساء حولها يوافقنها بشدّة.

بين هذه السيدة وسيدة أخرى صادفتها تصرخ في وجه الرجال أمام السرفيس لأنهم يسابقون النساء إلى المقاعد وتتحسر على أيام زمان حين كان يقال “السيدات أولاً”، يبدو أن هناك مدى واسع جداً واختلافا بنيويا عميقا، لكن الحقيقة أن السيّدتين تنتميان إلى البيئة ذاتها وتمتلكان نفس المقومات، إلا أن كلاً منهما هضمت التغيير بطريقتها وعبّرت عنه بمفرداتها. تعاطفت مع السيدة الأولى بينما نظرت بشفقة إلى رجل تنازل أمام صراخ السيدة الثانية وابتعد قائلاً: “شو عم تحكي هي؟ هلأ بقي مرا ورجال؟ المهم نركب مو شايفة كيف الدنيا تغيرت؟”.

بالفعل لقد تغيرت الدنيا.

*اللوحة: جورج مكتبي georgemaktabi@

جابرني، الله يجبرك… صرخة في دمشق

جابرني، الله يجبرك… صرخة في دمشق

على استحياء، تمد امرأة ثلاثينية يدها وفيها قطعتان من البسكويت من نوافذ السيارات المتوقفة في ساعة متأخرة من الليل على أحد شاخصات المرور وسط دمشق، وتقول لكل سائق بلهجة مسكورة القلب والخاطر: “جابرني الله يجبرك. جابرني الله يجبر خاطرك. جابرني الله يخلي أولادك”.
المرأة التي تظهر عليها معالم الفقر الذي تعشيه من جسدها النحيل، وشحوب وجهها، وثيابها البالية. وبعد ترديدها لعباراتها السابقة لكل سائق، تمعن النظر بوجهه وملامحه وكلماته، ترقبا لردة فعله. فبعض السائقين ومن دون نبسهم ببنت شفة، يأخذون قطعة من البسكويت ويدفعون ثمنها المحدد من قبل المرأة بـ500 ليرة سورية، وآخرون يأخذوا قطعتين أو ثلاث ويدفعوا ثمنها مع ابتسامة خفيفة، بينما يدفع سائقون ثمن القطعة ضعف، وبعضهم يشتري عدد أكبر من القطع، وهو ما يدخل السرور على قلب المرأة وتظهر علاماته على وجهها، مع ترديدها عبارات الدعاء لهم من قبيل: “الله يجبرك. الله يوفقك. الله يخلي ولادك. الله يحفظك من كل شر”.
بالمقابل، يحجم سائقون عن الشراء، ويوحون بذلك إما برفع الحاجبين، أو رفع كف اليد، أو الرأس، في حين يعبر البعض عن رفضه بترديد عبارة: “الله يبعتلك”. مرة أو أكثر. اخرون يردون بإغلاق نوافذ السيارة والامتناع عن النظر إلى المرأة التي تقابل ذلك بصدر رحب وعدم الإلحاح عليهم والانصراف من أمام سيارتهم.

عزة نفس
وفي دلالة على عزة نفس كبيرة لدى المرأة، رصد “صالون سوريا” امتناعها عن أخذ مبلغ مالي من أحد أصحاب السيارات الفارهة من دون أن يأخذ مقابله البسكويت، ودخولها في جدل معه بسبب إصراره عليها لكي تأخذ المبلغ على حين تشترط هي عليه أخذ البسكويت لكي تأخذ المبلغ، وقولها له مع سيطرة حالة من التوتر عليها “أنا لست شحّاده. أنا قوية. أنا اعمل لأعيش. بتحب تشتري أهلا وسهلا، ما بتحب براحتك”، الأمر الذي رد عليه السائق بشراء علبة بسكويت كاملة منها تحتوي نحو 40 قطعة ودفعه ثمنها رزمة من الأوراق المالية تقدر ما بين 20 – 50 ألفا، والقول لها “الله يقويك اكتر، روحي نامي”.
خلال دردشة قصيرة مع “صالون سوريا” أثناء توقفها على نافذة السيارة وشراء عدد من قطع البسكويت منها، أوضحت المرأة أن الحرب أفقدتها “عمود بيت العيلة” (زوجها)، ودمرت “بيتنا يلي كان ساترنا” بريف دمشق، فوجدت نفسها “مجبرة على العمل لنقضّي بقية هالعيشة المرة أنا والأولاد”. وبعدما توضح أنها تسكن في بيت إيجار في محيط العاصمة، تشير إلى أن عملها في كل يوم يمتد من الساعة السادسة مساء وحتى 12 ليلا، وأنها تختار هذه الفترة كون “الناس بتكون رايقة شوي، على حين في فترة النهار بصير عجقة كتير وكلو بيكون معصّب، وما حدا فاضي لحدا، وما حدا برد على حدا”.
وتذكر المرأة أنها أرباحها في الأيام العادية، تصل “ما بين 5 – 7 آلاف” ليرة في اليوم “عم نستر حالنا فيهون”، في حين يؤكد خبراء اقتصاديين أن الأسرة المؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج حاليا نحو مليون ليرة سورية في الشهر لتعيش في مستوى متوسط، والمؤلفة من خمسة أشخاص تحتاج نحو مليون ونصف المليون، بينما لا يتجاوز المرتب الشهري للموظف الحكومي 80 ألف ليرة، ووسط استمرار فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي الذي يساوي نحو 3500 ليرة، بعدما كان قبل سنوات الحرب ما بين 45 – 50 ليرة.

ازمة خانقة
ورغم أن ظاهرة التسول موجودة في سوريا منذ القديم، فإنها ازدادت منذ اندلاع الحرب فيها قبل أكثر من 10 أعوام وما خلفته من أزمة معيشية خانقة يعاني منها أغلبية السوريين وغلاء فاحش وفقر مدقع وجوع ومآس ودمار ونزوح، وتكاثرت الظاهرة جداً مؤخراً وبنسبة أكبر حالياً مع تواصل تردي الأوضاع المعيشية للأغلبية العظمى من الأسر إلى مستويات تفوق قدرتهم على التحمّل (منظمات دولية وتقارير أعلنت أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في سورية وصلت الى 94 في المئة)، إذ تعج أي سوق من أسواق دمشق وحدائقها وشوارعها بعشرات المتسولين (أطفال، ونساء، ورجال).
وبخلاف عزة النفس الموجودة لدى المرأة بائعة البسكويت، يقوم كثير من المتسولين بالإلحاح بشدة على الناس لكي يعطوهم مالا، ويبادر البعض منهم إلى البكاء من أجل الحصول عليه، بينما بات آخرون يدقون أبواب المنازل ويطلبون “شوية أكل على حب الله” أو “كم رغيف خبر مشان الله” لـ”سد جوعهم”.
ومع تزايد تفاقم مسألة الجوع في دمشق، شهد “صالون سوريا” أكثر من مرة، قيام متسولين في ساعات الصباح الأولى قبل أن تدب الحركة في الطرقات، بالبحث عن بقايا طعام في أكياس القمامة الموضوعة إلى جانب أبواب المنازل، في حين لا يجد بعضهم حرجا بالبحث في ساعات وضح النهار في حاويات القمامة المنتشرة على جوانب الطرق الرئيسية عن بقايا طعام.
وبات مألوفا مشهد افتراش كثير من المتسولين وبعضهم مع أطفالهم لأرصفة شوارع رئيسية في دمشق وأرصفة ساحاتها، ويسألون المارة بصوت عال وبعبارات تثير العواطف، إعطاءهم من «مال الله»، أو مما يوجد في أكياس يحملون (خضار، فاكهة، خبز، مواد غذائية).
والبعض لا يكتفي بافتراش الأرصفة للتسول، وإنما يتخذ منها أيضا مكانا للنوم كما هو الحال على رصيف ساحة تبعد عشرات الأمتار عن الشاخصة المرورية التي تقف عندها بائعة البسكويت، إذ يشاهد بشكل يومي في ساعات المساء والليل منذ فترة طويلة رجل طاعن في السن يرتدي ثيابا ممزقة ومتسخة، إما جالسا أو ممددا على رصيف الساحة وتحت قطعة من حرام قديم جدا، بينما أمامه عدد من أطباق الطعام بعضها مغلق وأخرى مفتوحة وفيها بقايا مأكولات، قد يكون بعض مرتادي محال المأكولات المحيطة بالساحة أو المارة تصدقوا بها عليه.
وعلى حين يبادر بعض المارة، كل حسب إمكانياته، إلى إعطاء متسولين ما تيسر من مال أو مما يحملونه، بعد التدقيق بهم وتولد شعور لديهم بأنهم لا يمتهنون التسول للإثراء وأنهم فعلا محتاجين، يحجم آخرون عن إعطائهم، في حين لا يكتفي مارة بالإحجام عن إعطائهم، بل يتلفظون بعبارات تحمل في طياتها “الشَّمَاتَة” بهم من قبيل “بتستاهلوا.. الله لا يقيمكون” و”بدكون ثورة وحرية.. هي الثورة وهي الحرية انبسطوا وكيفوا”.
ونشرت صحيفة “تشرين” الرسمية في بداية العام الجاري إحصائية من الدراسات الاجتماعية وتقدر عدد المتسولين في سوريا بشكل تقريبي بحوالي 250 ألف متسول في مختلف المحافظات 51،1 منهن إناث و48،9 ذكور، 64،4 منهم يمارسون التسول بشكل احترافي، ويشكل الأطفال 10في المئة أي حوالي25الف طفل، لكن خبراء يقدرون أن الأرقام أكثر من ذلك بكثير مع استمرار تردي الأوضاع المعيشية للأغلبية العظمى من الأسر.