“Michael McFaul analyzes the many angles of Russia’s approach to the Syrian conflict.
Michael McFaul served as U.S. ambassador to Russia from 2012 to 2014. Before that, he worked as senior director for Russian and Eurasian affairs at the U.S. National Security Council. Today, he is a senior fellow at the Freeman Spogli Institute for International Studies at Stanford University, where he is also a professor of political science. In addition, McFaul is the Peter and Helen Bing senior fellow at the Hoover Institution at Stanford.
Diwan interviewed McFaul on Russia’s policy with regard to Syria. The interview took place on the margins of a conference in Washington, D.C. held on September 6–7. It was organized by the Carnegie Endowment for International Peace and Stanford University’s Center on Democracy, Development, and the Rule of Law, and was titled “Security, Prosperity, and Governance in the Middle East/North Africa.”
عقد “حزب الاتحاد الديمقراطي السوري” الكردي مؤتمره الاعتيادي السابع يومي 27 و28 أيلول (سبتمبر) الماضي في بلدة الرميلان (أقصى شمال شرق سوريا) بحضور 450 عضواً حزبياً، وانتخبوا قيادة جديدة للحزب ومجلساً عاماً مؤلفاً من 49 شخصية بينهنّ 23 امرأة.
واختير شاهوز حسن الى جانب عائشة حسو لرئاسة الحزب المشتركة، بدلاً من صالح مسلم واسيا عبد الله اللذين شغلا المنصب منذ عام 2010، ويسمح البرنامج الداخلي للحزب ان يشغل الرئيس منصبه لدورتين متتاليتين.
وتبنى المؤتمر شعار «من روج أفا (غرب كردستان) حرة، نحو فيدرالية سوريا الديمقراطية»، في إشارة الى مشروع “فيدرالية شمال سوري” الذي أعلنه الحزب في مارس (آذار) 2016 بالتحالف مع جهات عربية وسريانية مسيحية، في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي والولايات المتحدة الامريكية.
ومنح انسحاب النظام السوري من مناطق عديدة من البلاد صيف العام 2012، الاكراد لتشكيل حكومات محلية لإدارة مناطقهم.
رئاسة مشتركة
وأكد الحزب في بيانه الختامي المنشور على حسابه الرسمي بتاريخ 29 الشهر الفائت، “صحة رؤيتنا للأزمة السورية وعموم أزمات الشرق الأوسط”، منوهاً ان الحزب اختار الخط الثالث “يكون عبر ترجمة وتأسيس مشروع سوري ديمقراطي يلبي طموحات جميع مكونات شعب سوريا كما في حالته المثلى فيدرالية سوريا الديمقراطية»”، متخذاً جملة من القرارات التنظيمية والسياسية «لتنفيذ استراتيجيته كحزب مؤسساتي فعال، يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة في شمال سوريا وعمومها، وتحظى فيه المرأة والشبيبة بدورهما الطليعي»، كما لفت البيان إلى الدور الريادي للحزب في تأسيس «مجلس سوريا الديمقراطية» أواخر 2015، وتأسيس المجلسين التأسيسي والتنفيذي «لفيدرالية شمال سوريا» ربيع 2016.
ويعتمد “حزب الاتحاد الديمقراطي” على نظام الرئاسة المشتركة، على ان تكون مناصفة بين رجل وامرأة، وعائشة حسو تنحدر من مدينة عفرين (شمال حلب)، ومنذ بداية العام 2014 كانت تترأس هيئة المرأة التابعة للإدارة الذاتية في عفرين الإقليم الثالث لفيدرالية شمال سوريا، وبعد تأسيس حزب الاتحاد سنة 2003؛ عملت الى جانب كوادر الحزب النسائية، على تأسيس (مؤتمر ستار) وشغلت منصباً قيادياً في مجلسها العام.
فيما ينحدر الرئيس المشترك شاهوز حسن من مدينة الحسكة، شارك في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003، وانتخب عضواً قيادياً سنة 2010، وانتقل الى العمل الإعلامي بداية العام 2012، وتولى منصباً إدارياً في مؤسسة روناهي الإعلامية التابعة لحركة المجتمع الديمقراطي (tev.dem)، وأنتقل بالعام 2015 للعمل في «مجلس سورية الديمقراطية»، وتعد المظلة السياسية لقوات سورية الديمقراطية، وبعد إعلان فيدرالية شمال سوريا عمل شاهوز حسن في لجنتها التحضيرية.
مقاطعة كردية
وأجرت الإدارة الذاتية في شمال سوريا في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، انتخابات محلية في مناطق سيطرتها بعد نحو عام ونصف من إعلان نظام فيدرالي هناك، على ثلاث مراحل تبدأ باختيار لجان الأحياء الصغيرة التي تعرف محلياً باسم «الكومين»، وانتخابات المدن والبلدات والقرى في الثالث من الشهر القادم، وتنتهي في 19 يناير (كانون الثاني) 2018.
وعلق شاهوز حسن على الانتخابات قائلاً: “نعمل على أن يكون نظام الحكم في سوريا المستقبلية فيدرالي يمثل جميع مكونات الشعب السوري، أعلنا النظام الفيدرالي ربيع 2016، وانتهينا من أول خطوة في إرساء الفيدرالية بانتخاب رؤساء مجالس الأحياء (الكومين)»، مضيفاً: «خلال الست سنوات الماضية، أثبتت تقلبات المشهد الميداني والتطورات السياسية، صحة رؤيتنا وقراءتنا للواقع السوري”، وأشار ان حزبه تمكن من تأسيس قاعدة جماهيرية كبيرة؛ لأنه تبنى مشروع الإدارة الذاتية بداية عام 2014، بحسب الرئيس الجديد لحزب الاتحاد الديمقراطي.
لكن الانتخابات المحلية اقتصرت على الأحزاب المنضوية تحت راية الإدارة، في حين امتنعت أحزاب “المجلس الوطني الكردي” عن التصويت، ورفضوا المشاركة في العملية الانتخابية.
يقول إبراهيم برو، رئيس المجلس الكردي “المعارض” ان هذه الإدارة الكردية ليست “شرعية لأنها لم تأتي عبر صناديق الانتخابات، وعليه فان الانتخابات التي جرت لا تحمل اية صفة شرعية”، على حد تعبيره.
ولفت برو ان الإدارة الذاتية تخضع لسلطة حزب الاتحاد، ويزيد: “أنها سلطة بالوكالة عن النظام الحاكم في سوريا، فبعد انسحابه من المناطق الكردية، أفسحت المجال لعناصر حزب الاتحاد الديمقراطي لفرض سيطرتهم بقوة السلاح”، مضيفاً “لم يعد خافياً على أحد عن وجود مربع أمني في مدينتي الحسكة والقامشلي، يمارس النظام عمله من خلال مؤسساته الأمنية وأفرع مخابراته وقطع الجيش”.
من ناحيته، أكد شلال كدو رئيس “حزب اليسار الكردي” في سوريا، وعضو “الائتلاف الوطني” المعارض، أن الإدارة الذاتية تتبع حزب الاتحاد الديمقراطي، وإنها معلنة من طرف واحد، وقال: “كل ما يصدر عن هذه الإدارة من مؤسسات وهيئات وانتخابات غير شرعية، نحن لا نعترف بها ولن نعمل معها. موقف أحزاب المجلس الكردي ثابت من هذه الخطوات”.
مواقف كردية متباينة
من جانبها، قالت هدية يوسف الرئيسة المشتركة لمجلس فيدرالية شمال سوريا: إن “الإقبال الجماهيري الكبير على الانتخابات كان رداً لكل من يقف ضد إرادة شعبنا الذي قرر اختيار ممثليه. هي بداية لشعب يكتب تاريخه بيده”، ولفتت بأن روح المنافسة ظهرت بين المرشحين والمرشحات خلال فترة الانتخابات، وأضافت: “إن دلت هذه الحالة على شيء فإنها تدل على أن مجتمعنا اختار مصيره ورسم مستقبله بيده، وأن إرادة شعبنا في شمال سوريا بمكوناته كافة قادرة على فعل المستحيل”.
واتهم كدو مجالس الأحياء على إنها: «الكومين ربما هي مؤسسات رديفة لمؤسسات نظام حزب البعث الحاكم الذي لا يزال يحكم في معظم المناطق الكردية في سوريا»، مشيراً إلى أن «هذه الهيئات ترهق كاهل الشعب الكردي، من بيروقراطية ومحسوبية حزبية ضيقة؛ الأمر الذي جعل المواطنين بين سندان النظام الحاكم ومطرقة مؤسسات حزب الاتحاد الديمقراطي».
وذكرت هدية يوسف، أن القوى الدولية لم تتخذ مواقف سلبية من إجراء الانتخابات: «حتى موعد إجراء الانتخابات لم تصرح أي دولة بعدم قبولها، ولم تظهر معارضتها أو تأييدها أيضا، لكن يمكننا القول إن سكوت الرأي العام الدولي يفسر على أنه قبول ضمنيا، رغم عداء بعض الجهات المحلية التي تقف مع تركيا والنظام ضد إرادة شعوب شمال سوريا».
وبعد اندلاع الانتفاضة في سورية ربيع العام 2011، رفض حزب الاتحاد الديمقراطي الانضمام إلى الإطار الأوسع آنذاك من أحزاب المعارضة الكردية التي شكّلت «المجلس الوطني الكردي» في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وقام بتأسيس «مجلس شعب غربي كردستان» في 16 (ديسمبر) كانون الأول 2011، ومنذ صيف العام 2013 دخل المجلسين في صراع سياسي محتدم، ولم تنجح مساعي رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في إيجاد أرضية مشتركة وحل الخلافات بين الاطارين.
ويعمل المجلس الكردي في الائتلاف الوطني المعارض، الأمر الذي تسبب في زيادة الخلافات الكردية، وكشف برو إلى وجود معتقلين سياسيين في سجون الإدارة الذاتية، وقال: «لدينا أكثر من 122 معتقلاً سياسياً معارضاً في سجون حزب الاتحاد، يواجهون تهما عديدة أبرزها عدم الاعتراف بالإدارة الذاتية، والخروج بمظاهرات من دون الحصول على ترخيص، نحن لا نعترف بإدارته حتى نطلب منها الترخيص»، مؤكداً أن ما يفعله حزب الاتحاد في المناطق الكردية، «لم يفعله النظام عندما كان يحكم المنطقة، حيث إن الأول تسبب في هجرة الآلاف من أبناء المنطقة، وتمارس سياسة القمع بالنصف الآخر، وفرض منهاج كردي مؤدلج ومنع الحياة السياسية، وعمد إلى الاعتقالات لقمع الرأي الحر والمعارض»، على حد تعبير رئيس المجلس الوطني الكردي.
محادثات السلام السورية
لعب حزب الاتحاد الديمقراطي دوراً في المعارضة السورية كعضو مؤسّس لهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي نهاية 2011، لكنه انسحب منه في العام 2016، وتعزو أمل نصر الباحثة في شؤون اقتصاديات الحرب وإعادة الإعمار، ان الحزب جمد عضويته بسبب: “رضوخ الهيئة للفيتو الذي تبنته قوى المعارضة المشاركة في مؤتمر الرياض نهاية 2015 في إقصاء مشاركته للمؤتمر تماشياً للأجندة التركية التي فرضت ذلك الإقصاء”.
بدروه، أكد الدكتور سيهانوك ديبو مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، دور تركيا في استبعاد الحزب من حضور أي مؤتمر أو اجتماع لحل الأزمة السورية؛ وقال: “كنا متأكدين فيما لو لم نحضر؛ لن يحضر الحل. المسألة تتعلق بأننا اخترنا حل الأزمة السورية بطرح نموذج فيدرالية شمال سوريا، كما حاربنا الإرهاب والتنظيمات المتطرفة وتقديم النموذج الأفضل الذي يفضي إلى التغيير الديمقراطي”.
وشدد البيان الختامي للحزب، العمل على إنجاح «العملية التفاوضية لإيجاد حل للأزمة السورية، بالاستناد على مشروع الفيدرالية والقرار الأممي 2254»، وتساءلت أمل نصر عن الأسباب التي دفعت هذه الجهات الى إقصاء حزب الاتحاد من محادثات السلام السورية، سيما وإنّ جميعها تتبنى بما فيها حزب الاتحاد بيان جنيف 30 حزيران 2012 وكافة القرارات الأممية ذات الصلة وصولا الى قرار 2254 الذي أقر بمشاركة كافة أطياف المعارضة السورية في العملية السياسية برعاية أممية، وعلقت قائلة: “فلماذا قامت بعض أطياف المعارضة السورية اقصائه، رغم تمثل الفصائل العسكرية معهم في تلك المباحثات، وتبنت هذه الأطراف بعض الفصائل المتطرفة التي غيرت اسمها ولونها وحافظت على مضمونها لبقاء مشاركتها”.
وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم، قال في تصريحات صحفية نهاية الشهر الماضي، إن “الأكراد يريدون شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية ضمن حدود الجمهورية العربية السورية، وهذا الموضوع قابل للتفاوض والحوار”.
وفي رده على تصريحات المعلم، رحب شاهوز حسن بالحوار، وقال: “إننا مستعدون للتفاوض لأننا أصحاب مشروع يملك إمكانية حل كل القضايا في سوريا، نحن نملك الإرادة السياسية للبدء بالتفاوض على النظام الفيدرالي الديمقراطي الذي نراه حلاً شاملاً لكل سوريا”.
“A resurgence of traditional leadership is not welcomed by all in Swaida.
In May in the southern province of Swaida, following a local kidnapping, the Syrian Military Security intelligence service and the Baath Party in Swaida supported bringing back an 18th-century Druze document known as ‘Blood Spill’ into effect. The document allows major Druze families to take blood revenge in cases where a Druze commits a crime against another Druze.
If implemented, the ‘Blood Spill’ would mark an increase in the authority of major Druze family leaders, but would be a violation of state judicial authorities. Resurrecting this document not only reflects the regime’s attempt at consolidating its control at the local level, but also the agent/client relationship between the regime and the traditional leaders.
This method of exerting authority is not new for the regime but its extent has been increasing since 2011. In August 2011, at the outbreak of the Syrian conflict, the regime issued Legislative Decree 107 as a way of increasing its authority at the local level through utilizing local authority figures and structures as tools of control. The decree includes a law on local administration that aims to ‘decentralize powers and responsibilities and concentrate them in the hands of different elements of the people’.
But far from being a way to devolve power, this decree as well as the later blessing of the ‘Blood Spill’ are part of a return to traditional leadership structures being pushed by the regime, which sees Syrian society as a collection of sects, confessional groups and tribes, who can be governed through traditional and religious leaders, rather than citizenship and a state governed by the law.
The fact that the regime has totally ignored the civil movement in Swaida, including widespread protests with many demands including from the influential Lawyers’ Syndicate that revolve around strengthening the rule of law, can be seen as a culmination of this effort to profile Syrian society in confessional and tribal terms.
Self-governance debate
The regime’s apparent ‘empowerment’ of traditional leaders, which in reality is actually about consolidating regime power, takes advantage of the historical marginalization of the Druze community from the state that has existed since the coup that brought late president Hafiz Al-Assad to power in 1970, and has led to a split in Druze society between those who call for self-governance as a way to overcome marginalization and those who oppose it.
The regime’s support for increasing the authority of family leaders suits the traditional leadership in Syria’s Druze community, which has been marginalized since the Baath party took power in 1963. When the Syrian revolution began in 2011, the regime restored a certain amount of influence to local traditional leaders it saw as loyal, giving a major boost to the three ‘Uqqal Sheikhs as mediators between the authorities and Druze society. This was the result of an implicit agreement between the two sides that allowed young Druze men to avoid ‘mandatory and reserve military service’ in the regime’s forces, providing they remained in their areas or volunteered in local militias.
Today, following the self-isolation of the current first ‘Uqqalsheikh, Al-Hajari, who is considered the strongest supporter of the regime, the other two ‘Uqqal sheikhs are attempting to form an alliance with the head of the Atrash family in the town of ‘Ira. The recent reconciliation between the two ‘Uqqalsheikhs and the Sheikhs of Karama, a militia formed by young religious Druze that had opposed the regime after the start of the Syrian uprising, appears to have given weight to this traditional leadership.
On the other side of the argument is a large group of Swaida residents who are against self-government. Their narrative is based on Syrian nationalism, the role of the Druze in winning Syrian independence in 1946 and their leading role in the Syrian revolution of 1925 against the French Mandate. For these people, any talk of self-government or decentralized administration is tantamount to secession from Syria and would be a mark of national shame. Some of those who hold this view are people who benefit from the status quo.
On the other hand, leaders of various Druze militias have arisen as new elites. They have been quieter and more cautious in dealing with the issue of self-government, for reasons related to how they came into existence and the support they are given by the regime’s security apparatus, as well as the fact that some of them rely on Iran for finance, training and weaponry. Druze militia leaders have not been able to turn their military clout into political influence, but have remained hostage to their financial interests, which in turn are determined by their involvement in the war economy through smuggling, kidnapping and killing. Public anger at the lack of security has been directed towards these militias, which have faced a crippling financial crisis since the closure of smuggling routes into and out of ISIS-held territory in the east of the province.
The militias are now trying to get around this crisis by brokering deals with the traditional leaders. It is those deals, between the traditional leadership and the elites in the militias sponsored by the regime, that will determine the shape of local governance mechanisms in Swaida that might come into effect in the future.”
[This article was originally published by Chatham House].
تنفيذ التفاهم الروسي – التركي – الإيراني لإدخال إدلب ضمن مناطق «خفض التصعيد»، كان ينتظر أمرين: الأول، اجتماع مجلس الأمن القومي التركي في 22 الشهر الحالي بعد عودة الرئيس رجب طيب إردوغان لإقرار خطة عسكرية تركية لدعم نحو خمسة آلاف من فصائل «الجيش الحر» والتوغل في إدلب بغطاء جوي تركي – روسي وإطلاق «حرب استنزاف» ضد «جبهة النصرة» وحلفائها. الآخر، اتفاق خبراء الأمن والجيش على خريطة انتشار نحو 1500 من المراقبين العسكريين الروس والأتراك والإيرانيين.
لكن «هيئة تحرير الشام» التي تضم فصائل، بينها «فتح الشام» (النصرة سابقاً) استعجلت تنفيذ الاتفاق بضربتين استباقيتين: سياسية، بدأت حملة لتشكيل مجلس مدني في إدلب قرب حدود تركيا وإعلان «حكومة داخلية» لإدارة محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة «جيش الفتح» الذي يضم فصائل بينها «النصرة» و«أحرار الشام» منذ ربيع 2015 قبل أن تبتلع الأولى الثانية في الأسابيع الأخيرة. هذه الخطوة وضعت الدول المانحة والمعارضة السياسية السورية في الزاوية؛ ما تطلب اتخاذ موقف جرى التعبير عنه من الحكومة المؤقتة التابعة لـ«الائتلاف الوطني السوري» المعارض برفض هذه «الحكومة» وتشكيل هيئة أركان جديدة لفصائل معارضة.
كما دفعت «الضربة المدنية»، دولاً مانحة للتلويح بتجميد المساعدات والإغاثة عن إدلب التي تضم مليوني شخص، هجر عدد منهم مناطق أخرى. وقال المبعوث البريطاني إلى سوريا غاريث بايلي أمس: إن «قيادة (هيئة تحرير الشام) لم تغير طبيعتها المتطرفة، ويشكل وجودها في إدلب خطراً على الخدمات التي تساعد أهالي المنطقة». وزاد بايلي الذي تشكل بلاده إحدى الدول المانحة في إدلب: «حاولت (هيئة تحرير الشام) التقليل من شأن ارتباطها بتنظيم القاعدة لتقدم نفسها صديقا لأهالي إدلب لتحكمهم من خلال مؤسسات مدنية تشكلها، وهي تسعى لتمويه نفسها وإخفاء نواياها الحقيقية، لكن قيادتها لم تغيّر طبيعتها المتطرفة والتي تشكل تهديدا لكل من يقدّر التعددية ويحترم حقوق الإنسان».
الضربة الاستباقية الثانية من «هيئة تحرير الشام» كانت عسكرية بفتح معركة في الريف الشمالي لحماة المجاور لجنوب إدلب أمس. هدف المعركة هو فتح ممر آمن لـ«هيئة تحرير الشام» من ريف حماة باتجاه شرق حماة، وقد يصل إلى وادي الفرات للالتقاء بـ«داعش» الذي يتعرض لهزيمة مزدوجة في دير الزور من قوات النظام و«حزب الله» وميلشيات إيران بدعم روسي، وفي الرقة من «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم أميركا، بحسب اعتقاد مسؤول غربي. وأضاف: «ما حصل أمس عجّل فتح المعركة ضد (هيئة تحرير الشام)».
كان مسؤولون روس وأتراك وإيرانيون عكفوا لأسابيع على عقد صفقة لإدخال إدلب إلى مناطق «خفض التصعيد» بعد اتفاقات غوطة دمشق وريف حمص وجنوب غربي سوريا. وتضمنت المحادثات تبادل معلومات استخباراتية عن مناطق انتشار عناصر «هيئة تحرير الشام» وصفقات تبادل أراض ومناطق سيطرة. وبحسب المسؤول الغربي، فإن الاتفاق الذي أنجز في آستانة قبل أيام تضمن منطقتين: «الأولى، بين سكة الحديد وطريق حلب – حمص، هي منطقة عمليات عسكرية لروسيا ضد (هيئة تحرير الشام) بحيث تضم هذه المنطقة إلى مناطق النظام. الأخرى، بين الطريق وريف اللاذقية غرباً هي منطقة خفض التصعيد». وكان لافتاً تقديم الجانب الروسي خريطة تفصيلية لمناطق انتشار «النصرة» وفصائل قريبة منها، بفضل طائرات الاستطلاع التي لم تغادر أجواء إدلب في السنتين الماضيتين.
ماذا يحصل في منطقة «خفض التصعيد»؟ بحسب المسؤول، تراوحت التقديرات المتطابقة من أن عدد عناصر «هيئة تحرير الشام» يبلغ بين 15 و16 ألفاً. (واشنطن تقدرهم بعشرة آلاف). الخطة تضمنت ثلاثة عناصر: عسكري، تقوم تركيا بحشد قواتها على الحدود لـ«الضغط» على قيادة «هيئة تحرير الشام» لدفعهم لحل التنظيم وإخراج القياديين الأجانب والتابعين لـ«القاعدة» إلى مناطق «داعش». مدني، تشكيل مجلس مدني بعيد من «النصرة» لإدارة إدلب. يختلف عن المجلس الذي تدعمه «النصرة» حالياً. إداري، تحويل فصائل «الجيش الحر» إلى شرطة مدنية تكون مرتبطة بتركيا، كما حصل في مناطق «درع الفرات» شمال حلب.
وكان مقرراً أن ينتشر المراقبون الأتراك بين غرب الطريق وسكة الحديد وريف اللاذقية بعدد يبلغ نحو 500 عنصر. وينتشر ألف عنصر من روسيا وإيران (وربما مصر والعراق وكازاخستان) للفصل بين فصائل المعارضة من جهة وقوات النظام في أرياف إدلب وحلب واللاذقية من جهة ثانية. واتفقت الدول الثلاث على محادثات إضافية لتنظيم مناطق انتشار «المراقبين». وتكفلت روسيا بنقل الملف إلى مجلس الأمن لإصدار قرار يبارك الاتفاق الثلاثي؛ ما سيحرج الدول الغربية، خصوصاً وسط اعتراض واشنطن على الدور الإيراني في عملية آستانة.
ماذا لو لم توافق «النصرة» على حل نفسها؟ قدمت تركيا «خطة ب» وتضمنت نسخ عملية «درع الفرات» التي جرت نهاية العام الماضي شمال حلب وتضمن تحرير ألفي كيلومتر مربع من «داعش». وفي إدلب، تضمنت تشكيل «جيش سوريا الوطني الموحد» ويضم 4 – 5 آلاف مقاتل من 40 فصيلا للقيام بعملية عسكرية ضد «النصرة» وقيام الطيران الروسي والتركي بجولات استطلاعية و«حرب استنزف» لهذا التنظيم والفصائل التابعة له والقيادات والمقرات التابعة لهذه التنظيمات والفصائل. وقال المسؤول: «معركة ريف حماة أمس عجّلت قصف روسيا مناطق المعارضة، بما في ذلك مستشفيات ومراكز للدفاع المدني. كما قامت طائرات تركيا بجولات استطلاع فوق إدلب، وشنّت إحداها غارة على ريف كفرنبل في جبل الزاوية في ريف إدلب».
لكن الملف العسكري الموسع، ينتظر عودة إردوغان إلى أنقرة لترؤس اجتماع مجلس الأمن القومي كي تعطي الحكومة التركية الضوء الأخضر للعملية العسكرية الموسعة بداية الأسبوع المقبل: فصائل معارضة وقوات تركية خاصة على الأرض وطائرات روسية – تركية فوق إدلب. ويساهم تنفيذ هذا الاتفاق في منع «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعتبرها أنقرة «تنظيماً إرهابياً» من التمدد من شمال حلب إلى البحر المتوسط، بحسب قناعة الجانب التركي، وإن كانت بعض المصادر التركية حذرت من «الغرق في المستنقع السوري وردود فعل المتطرفين من شمال سوريا».
تتسابق القوى السورية وداعموها للسيطرة على تركة تنظيم الدولة الاسلامية / داعش في شرق سوريا بعد الانهيارات المستمرة في صفوف التنظيم الذي سيطر على تلك المناطق قبل حوالي اربع سنوات في مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث بعد الحرب الأولى عندما تبارزت كبريات الدول للفوز بحصة الأسد من تركة السلطنة العثمانية المنهارة.
السباق للسيطرة على المساحات الأكبر وآبار النفط الغنية بها المنطقة الشرقية وإن بدا للمتابع العادي بين القوات المحلية السوري فإن الحقيقة ليست كذلك مطلقا فالسباق أولا وأخيرا بطله الولايات المتحدة وروسيا التي نزلت كل منهما الى الميدان السوري ولم تكتف بمناصرة حلفائها سياسيا واقتصاديا.
ومع تقدم المعارك ضد داعش وتوغل الجيش السوري وحلفائه شرقا يتضح أكثر فأكثر التقسيم الواضح لميدان كل فصيل أو قوة على الأرض الذي اعتمد عليه بخطوطه المتعرجة وفق جريان نهر الفرات حيث اصطلح ( شرق وغرب ) بحيث تكون مناطق شرق النهر مع تعرجات لها لقوات سورية الديمقراطية وغرب النهر للنظام السوري وفق تفاهم روسي امريكي ، فالولايات المتحدة التي تدعم على الارض وفي الجو قوات سورية الديمقراطية لا تريد وجودا للقوات الحكومية السورية شرق نهر الفرات وهذا ما يؤكده المتحدث باسم قوات سورية الديمقراطية العميد طلال سلو بقوله “لن نقبل دخول قوات النظام السوري إلى شرق الفرات.”
قوات النظام السوري التي اجتازت مساحات واسعة في عمق البادية السورية لتصل إلى مدينة دير الزور وتفك الحصار عنها بدت للوهلة الأولى أنها قادمة لاجتياح دير الزور مدينة وريفا قبل أن تغير مسارها وتتجه شرقا دون الدخول في متاهات أحياء المدينة الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة وفي هذا السياق يقول اللواء في الجيش السوري سليم حربا.. “هدفنا التوجه شرقا لتحرير الميادين والبوكمال على التوالي بالتعاون مع أصدقائنا المتقدمين من الجنوب ما سيسهل علينا المهمة.”
تغيير مسار تقدم قوات النظام السوري تم الكشف عنه والتأكد منه بعد ساعات قليلة فقط على إعلان قوات سوريا الديمقراطية حملة أطلقت عليها “عاصفة الجزيرة” وهدفها بحسب العميد سلو “السيطرة على كل مناطق شرق الفرات بشكل كامل ولن نقبل دون ذلك ابدا.”
هذه التطورات المتسارعة تؤكد مرة جديدة عن تفاهم روسي أمريكي بخصوص مناطق السيطرة في المنطقة الشرقية وترجح فتح ملف مدينة الطبقة مجددا وتسليمها لقوات النظام السوري مع العديد من القرى والبلدات جنوب الرقة ليتحقق بذلك تقسيم مناطق النفوذ شرق سوريا بمسار نهر الفرات حصرا وجعله حاجزا مائيا طبيعيا. ويقلل اللواء حربا من أهمية عاصفة الجزيرة وخطورتها ويبرر في الوقت نفسه عدم تقدم الجيش داخل مدينة دير الزور أي غرب النهر بالقول.. “الأولوية الآن للريف الشرقي حيث مدينة الميادين والبوكمال وبالتالي قطع خطوط الإمداد بين التنظيم في المنطقة.” ويقر اللواء حربا بوجود شبه تفاهم على التقسيم بين غرب النهر وشماله معتبرا أن هذا الأمر ستتم معاجلته بطرق أخرى في وقت لاحق ملمحا إلى أن العشائر العربية التي تشكل السواد الأعظم من سكان غرب الفرات ستكون السلاح بيد النظام السوري لاستعادة السيطرة على هذه المنطقة وإنما في الوقت المناسب.
تفاهمات روسيا وأمريكا لا ترضي قوات سورية الديمقراطية الحليف الامريكي على الارض ورأس حربته لقتال داعش وحجة محاربة الارهاب، واطلاق حملة عاصفة الجزيرة يبدو لقطع الطريق على القوات الحكومية السورية وحلفائها من عبور نهر الفرات بعد نقل قاعدة حميميم جسوراً متحركة لنصبها في بعض مناطق دير الزور ويؤكد هنا نوري معمو وهو متحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية أنه “ليس هناك خط فاصل بين اي قوة في سوريا نحن نحارب ارهاب داعش نعمل على انهاء هذا الارهاب من اجل تهيئة الارضية من اجل حوار الديمقراطي” معتبرا أن في الوقت نفسه أن قوات قسد لن تنسحب من اي مكان لصالح اي قوة “لأننا نعمل من اجل سورية موحدة لكل الشعوب والثقافات والمعتقدات الموجودة فيها”.
حملة يشكك البعض في قدرتها على قتال داعش الذي يكون قتاله هذه المرة مسألة حياة او موت فلا منطقة امامه للانسحاب اليها بعد وصول الجيش السوري وحلفائه الى مدينة دير الزور والخطط العسكرية لمعارك الريف الشرقي وضعت ، وترى اوساط في المعارضة السورية في تركيا أن ” الهدف من عملية عاصفة الجزيرة اعلامي بل تنسيق روسي امريكي (النظام السوري – قسد) لتشتيت عناصر داعش في اربعة جبهات هي الرقة وريفها الجنوبي ومعركة مدينة دير الزور ومعركة شرق نهر الفرات وعدد القوات المشاركة في عاصفة الحزم لا تتجاوز 700 عنصر على الاكثر والهدف منها ليس تحرير ريف دير الزور شرق النهر ( الجزيرة ) بل حماية القاعدة الامريكية في مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي وابعاد خطر داعش عنها قدر الامكان.”
بعدسة خليل الهملو: دير الزُّور
وترى اوساط المعارضة ان “وصول تلك القوات الى اطراف مدينة دير الزور ودخولها المدينة الصناعية بسبب الضربات الجوية التي تشنها الطائرات الامريكية تحرك بموازاة نهر الفرات شرقاً ربما يكون بالتوازي مع تقدم الجيش السوري” الا ان محافظ دير الزور محمد سمرة يعتبر وصول الجيش السوري الى مدينة دير الزور وكسر الحصار عنها “مهمة الجيش هي تحرير كل شبر من محافظة دير الزور شرقاً باتجاه الحدود السورية العراقية وعلى ضفتي نهر الفرات وبالنسبة لقوات سورية الديمقراطية والقوى الاخرى التي لها علاقات مريبة وارتباط مع التحالف الدولي وسوف يتم معالجة موضوع قوات سورية الديمقراطية والقوات الاخرى ولكن الجيش له اولويات اخرى حالياً.”
ضبابية المشهد واستمرار العمل الروسي الأمريكي في الكواليس من تحت الطاولة لم يستطع أن يخفي تفاصيل تفاهم إن لم نقل اتفاق موسكو وواشنطن وظهر ذلك بوضوح في نشر شرطة عسكرية روسية قبل أيام في بلدة تل رفعت وهي غرب النهر المتنازع عليها بين القوات الحكومية السورية وقسد وكتائب درع الفرات التابعة للجيش الحر وفق تفاهمات روسية امريكية.
اللهجة الحادة لتصريحات قوات سوريا الديمقراطية عن غرب الفرات تسببت بامتعاض النظام السوري الذي يحرص على التأكيد أنه لن يتوقف عند حد معين وسيتقدم في جميع الأراضي السورية وآخر هذه التأكيدات جاءت على لسان نائب وزير الخارجية فيصل المقداد “لا يوجد ما يمنع الجيش من الوصول إلى أي مكان يريد وكل مساحة سوريا هي مقدسة وسوريا ستبقى واحدة.”
هذه التصريحات رد عليها مصطفى بالي أحد المتحدثين باسم “قسد” نحن لا نؤمن بالحدود داخل بلادنا وسنلاحق الإرهاب إينما كان، والنظام جزء من المشكلة وليس جزء من الحل وقوات سوريا الديمقراطية لا تنسحب من المناطق التي حررتها بدماء مقاتليها.”
ويبدو التفاهم الامريكي الروسي واضحاً في محافظة الرقة التي ابتعدت القوات الحكومية جنوب مدينة الطبقة 50 كم غرب مدينة الرقة والتي تسيطر عليها قوات قسد وعندما تقدمت تلك القوات شمال مدينة الرصافة الاثرية 20 كم جنوب مدينة الطبقة في ريف الرقة الغربي حذرت الطائرات الامريكية تلك القوات التي واصلت تقدما باتجاه بلدة المنصورة 10 كم جنوب شرق الطبقة ما دفع مقاتل اف 16 الامريكية لإسقاط طائرة حربية سورية نهاية شمر تموز / يوليو الماضي الامر الذي دفع دمشق لوقف تقدم قواتها شمالاً والتوجه شرقاً الى ريف الرقة الجنوبي الشرقي ( غرب الفرات ).
مجمل التطورات والتصريحات تؤكد أن المعارك ضد داعش سواء من قوات النظام أو قسد خلال الأيام والأسابيع القادمة ستكون متسارعة الخطى وهذا ما سيسرع بالكشف عن المزيد من الحقائق عن التفاهم الأمريكي الروسي حول تقسيم شرق وغرب الفرات على الأقل في المرحلة الراهنة وربما بانتظار تفاهمات سياسية أخرى تجري في أروقة استانا وجنيف أو موسكو وواشنطن.
«الراديكاليّة الحقّيقيّة هي أن تجعل الأمل ممكناً، لا أن تجعل اليأس مُقْنِعاً.»
ريموند وليامز
تحل هذه الأيّام الذكرى السابعة لانطلاق الثورات العربيّة، والتي تسمّى أحياناً «الربيع العربي». ومهما اختلفنا حول كونها «ثورات» أو «انتفاضات»، فيستحسن العزوف عن استخدام مصطلح «الربيع العربي». وذلك لأنه إشكاليّ ويرتبط بفرضيات خاطئة وبخطاب معيّن تترتب عليه تبعات سلبيّة سنتطرق لها. فلم يختر صانعو هذه الثورات هذا المصطلح ولا أطلقوه هم على ما قاموا به. بل جاء، عموماً، من «مراقبين» أجانب لم يفهم معظمهم جذور هذه الثورات ووقعها وآثارها. ولم يتعب هؤلاء أنفسهم بقراءتها ووضعها في سياقها التاريخي المحلّي الصحيح. وكان معظمهم قد شكّكوا، أصلاً، مثلهم مثل غالبية الأكاديميين والـ «خبراء» المختصّين، ولعقود، بإمكانية قيام ثورات كهذه في بلادنا. البلاد التي قيل لنا مراراً وتكراراً في كتب ومؤتمرات ودراسات ومقالات وبحوث شتّى أنّ تركيبتها الاجتماعية وثقافتها السياسيّة، وموروث دين الأغلبية فيها، مجتمعة كعوامل، مع غلبة الأخير، تجعلها أكثر تعايشاً مع الاستبداد، وغير مؤهلة، بل طاردة، للتحرّر بكافة نسخه، باستثناء تلك التي ترتبط بالدين وبالماضويّة. وبذلك ليست نزعات التحرّر الفاعلة هذه إلا انتقالاً من سجن الحاضر إلى سجن الماضي. كما أنّ مصطلح «الربيع» الذي سارع هؤلاء لإلصاقه بالثورات العربيّة يضع سلالة ومرجعيّة هذه الثورات في سياق تاريخي آخر ويجيّرها لصالح سرديّة رثّة، لكنها تظل تعمل بقوة. تُرجِع هذه السردية أصول كل انعطافة تاريخيّة، أو تغيّر مفصلي، أو حدث يقع أو سيقع في أي بقعة في العالم، إلى «غرب» جغرافيّ أو خطابيّ. وهكذا فإن الثورات العربيّة تفقد خصوصيتها باستعمال هذه المصطلح وتصبح محض «استكمال متأخّر» أو «لحاق» بركب التاريخ (الذي بدأ أوربيّاً، والإشارة هي إلى «الربيع» الذي أعقب انهيار الاتّحاد السوڤييتي)، وهي فكرة خاطئة بالطبع. ويجب أن نتذكر كيف كانت هناك محاولات لإسقاط وتهميش دور المواطنين الذين فجّروا هذه الثورات واختزال تاريخ من النضال وذاكرة ثورية متجذّرة بعزو هذه الثورات إلى الأدوات التي استخدمت فيها وخلطها بها وبالتكنولوجيا التي أنتجها وطورها «الغرب» (الفيسبوك، بصورة رئيسية، والتويتر). حتى أصبح طقس تبجيل وشكر مارك زوكربرغ فرض.اً وكأن الثورات لا تستخدم في كل عصر ما تيّسر من وسائل وأدوات. قد يقول قائل: ما أهميّة التوصيف الذي نستخدمه لهذه الثورات، والآن بالذات، بعد أن لم يبق منها شيء وبعد أن هُزِمت وتحوّلت إلى حروب أهليّة شردت الملايين ودمّرت المدن ومزّقت الخرائط، وأطلقت عنان داعش وأخواتها، أو قادت إلى عودة دكتاتوريّات عسكريّة أكثر تغوّلاً من الأنظمة التي أسقطتها، وصار «الربيع» خريفاً، بل شتاء طويلاً كما يردد البعض؟
للتوصيف أهميته الكبرى. فالكيفية التي نستوعب فيها أي حدث مفصلي، والسردية التاريخيّة التي سيتموضع فيها، ستحدّدان معناه في القاموس السياسي ومكانه في الوعي والذاكرة الجمعية. وبالتالي ما ينتج عن استعادته، والدور الذي يؤديه رمزياً كحدث ملهم أو بذرة لتغيير مستقبلي، مهما كان الحاضر معتماً. يستدعي الحديث عن الثورات بالضرورة الحديث عن نقيضها: الثورات المضادة. وانتصار الأخيرة، المؤقت، امتد من الميادين والشوارع إلى الحقل الخطابي ليتغلغل فيه. خطاب الثورات المضادة هو الذي يهيمن الآن على المشهد العام. ويمكن أن نرى ونقرأ أعراضه في كل مكان. لا يتّسع المجال هنا للاستفاضة، لكن يكفي أن نشير إلى ثيمات رئيسيّة يعاد تكرارها واجترارها. وهي تنتمي إلى ذات الخطاب الرثّ (أعني بذلك الخطاب الذي كان يؤكد استحالة قيام ثورات لأسباب ثقافويّة متهافتة) بل هي تنويعات عليه. ومنها القول الآن إن الثورات في هذه المنطقة لا تؤدي إلا إلى كوارث و«ليتها لم تكن» (وكأن الخيار كان متاحاً: ثورات أم لا!) أو أنه لا يمكن لها أن تنجح أبداً (لذات الأسباب التي ذكرت أعلاه). أو أنّ كل الثورات في هذه المنطقة تقود بالضرورة إلى الحروب الأهليّة وتطييف المجتمعات (المطيّفة أصلاً منذ زمن) أو إلى سيطرة الحركات الأصولية، أو إلى عودة أكثر شراسة للأنظمة الاستبداديّة. ويضاف إلى كل هذا خلاصة مفادها أن هذه الثورات لم تكن إلا مؤامرات حيكت في دوائر الاستخبارات الغربية لتدمير بلادنا. والمقولة الأخيرة تسخيف للواقع والتاريخ وكسل وعقم فكري.
ليس سرّاً أن محاولة إحداث تغييرات ثورية في منطقة استراتيجيّة، واحتمال امتداد ووصول الموجة الثورية إلى ممالك النفط والغاز، بتحالفاتها المعروفة وأهميّتها الاستراتيجيّة الهائلة، شكّلت تهديداً بالغ الخطورة للنظام الاقتصادي العالمي السائد. وبذلك ليس سرّاً ولا مفاجأة أنه تم تجنيد كافة الوسائل المتاحة لإفشال المدّ الثوري منذ اللحظة الأولى. وذلك بهدف إضعافه، وكبح جماحه، وتشتيته، والتأثير عليه لتحويل زخمه وتمظهراته وتفاعلاته إلى فوضى، أو حروب أهلية يمكن التدخّل فيها والتأثير على مجرياتها. لكن هذا يختلف كثيراً جداً عن سرديّة المؤامرات الاختزاليّة. لست هنا في معرض التقليل من كارثيّة ما حدث من جراء قمع وذبح الثورات والدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت، كما المعاناة البشرية المستمرة من جرّاء هزيمة المد الثوري. لكن اعتبار التوق الطبيعي إلى حياة أكثر عدالة ومساواة، والذي يبلوره الشعار الخالد: «خبز، حريّة، عدالة اجتماعيّة» وإلى تغيير أنظمة استبدادية مجرمة، اعتبار ذلك هو السبب في ما آلت إليه الثورات ليس إلا كسلاً فكرياً في أحسن الأحوال. فوحشيّة هذه الأنظمة ووحشيّة شبكة المصالح الاقتصادية الإقليمية والعالميّة التي تساندها في مواجهة هذه الثورات والتآمر عليها هي السبب الرئيسي في ما آلت إليه الأحوال. لا يعني هذا، بالطبع، عدم توجيه النقد الضروري ودراسة الأسباب المعقّدة للإخفاق والفشل في استغلال اللحظة الاستثنائية وترجمتها إلى مكاسب سياسية. ولقد بدأ هذا وهو بالغ الضرورة للاستفادة مستقبلاً. ومن المهم أن نتذكّر أن الانتكاسات والهزائم، التي تعقب الثورات غالباً، لا تعني بالضرورة موت المثال الثوري الذي تجذّر في الذاكرة الجمعية، مهما بدا وكأن تراب الثورات المضادة وإعلامها وخطابها قد غطّاه كليّاً. من المهم أن نستعيد معنى هذه الثورات كأحداث هائلة حملت بذور التغيير الجذري وبشّرت بإمكان حدوثه وزرعت الأمل. وألّا ندع المنتصرين يزوّرون التاريخ ويفرضون روايتهم. اليأس، في النهاية، عتاد لأسلحة الاستبداد، بكافة أنواعه وتمظهراته، لإقناع المواطنين بأنّ التغيير مستحيل أو أنّه يقود دائماً إلى الأسوأ.