by Rana Haj Ibrahim | Feb 19, 2018 | News - EN, Uncategorized
في شوارع برلين الواسعة وفي وسائل نقلها المتعددة، كثيراً ما تسمع لهجة السوريين وأصواتهم العالية، حين تنظر من دون تردد إلى الوجوه، تجد بعضها سعيداً مبتسماً، وأخرى حزينة كئيبة… ما يجعلك تتساءل عن سبب الاختلاف وما يجعل البعض متفائلاً والآخر متشائماً.
عائلة أبو مجد الدمشقية التي جاءت إلى ألمانيا منذ عامين، ترى أن سبب كآبتها يعود إلى عدم حصولها حتى الآن على بطاقة الإقامة التي وعدت بها مراراً وتكراراً. وتوضح أم مجد لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ الشهر التاسع عام 2016 وهم ينتظرون قدوم قرار الإقامة ما جعلهم يوكلون محامياً لم يستفيدوا منه شيئاً «بل قام بتأخير تنفيذ الإجراءات والأوراق، خصوصاً ورقة الموافقة على تبادل المعلومات بين ألمانيا وباقي الدول الأوروبية، التي وصلتهم منذ يومين لتوقيعها، وكان يجب أن تصل إليهم قبل أشهر». وتضيف: «إدارة الهجرة الألمانية لديها حجة بأن لديها أعداداً كبيرة من اللاجئين، ولديها ضغط كبير في العمل، ما جعل كثيراً من الإضبارات تضيع ويعاد إنجازها، لكن المشكلة الأساسية كانت بالنسبة للإدارة هي مرور عائلات سورية عبر بلدان أوروبية أخرى، وإيجاد بصمتها في هذه البلدان، الأمر الذي تغاضت عنه ألمانيا في البداية، ولكنها لم تعد تستطع فعل ذلك حالياً مع دخول اتفاقية دبلن حيز التنفيذ».
أما المسؤول عن العائلة حسام فيجد أن «السوريين الذين جاءوا منذ بدء استقبال اللاجئين، أي قبل عام 2015، حصلوا على ميزات أفضل، وتلقوا بطاقات الإقامة بسهولة وسرعة. في حين بدأت التعقيدات بعد أن استغلَّ حزب اليمين المشكلات التي تسبب بها اللاجئون للصعود سياسياً». ويضيف: «سياسة (أهلاً وسهلاً) باللاجئين في ألمانيا قد انتهت في الوقت الحالي، وأصبح اللجوء صعباً خصوصاً مع السياسة التي وضعها الاتحاد المسيحي الألماني أي ائتلاف الحزبين المعارضين للحزب اليميني. بعض العائلات السورية طلبت اللجوء من نحو سنتين حتى ثلاث سنوات، وحتى الآن لم تحصل على بطاقة الإقامة».
ويوضح حسام: «معظم طالبي اللجوء السوريين أصبحوا يفتشون عن أي عمل، كي يكون عقد العمل الذي يحصلون عليه ضامناً لهم ولحصولهم على إقامة، وبقائهم على الأراضي الألمانية. فأصبحنا نرى كثيراً من الشبان السوريين حتى ممن لديهم شهادات جامعية، يعملون في مطاعم تركية مستفيدين من اللغة التي أتقنوها في تركيا قبل مجيئهم لأوروبا. لكن الشبان السوريين الذين يسعون للحصول على أي عمل، أصبحوا يتعرضون لاستغلال ومحاربة باقي الجاليات التي ثبتت أقدامها منذ زمن بعيد في ألمانيا، فأصبح صاحب مطعم قديم يشتكي من مطعم سوري جديد، وهكذا الأمر في باقي القطاعات».
الأكاديمي السوري عمران علوني أشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «في قلب ألمانيا هناك دولتان، دولة القطاع الخاص المنظمة والمدارة بشكل جيد، ودولة القطاع الحكومي، التي أصبحنا نعتبرها من أسوأ الحكومات، نظراً لكثرة الروتين. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على معاملات اللاجئين، ففي حال أراد ألماني أن يصدر شهادة قيادة سيارة، لن يجد موعداً قبل شهرين، وكذلك لو أراد الحصول على جواز سفر ألماني. البيروقراطية قاتلة، وتدفع الناس للمطالبة بالخصخصة أكثر».
الصحافية الألمانية كريستينا شولزر تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الشعب الألماني عانى مسبقاً من ويلات الحرب خلال الحرب العالمية الثانية، ومن مقتل كثيرين ممن حاولوا اجتياز جدار برلين قبل سقوطه عام 1989. لذا رأى الألمان ضرورة استقبال الكثير من اللاجئين الهاربين من الحرب السورية، لكن بدء جذب حزب (بديل لألمانيا) اليميني لكثير من المريدين الذين يرون في مشكلات اللاجئين تحدياً لهدوء المجتمع الألماني، جعل الحكومة تحد من استقبال اللاجئين، وتتأنى في دراسة ملفات طلبات اللجوء. ومع بدء تطبيق اتفاقية دبلن، لم تعد ألمانيا تقبل باللاجئين القادمين من دول أوروبية أخرى، بل تعيدهم فوراً إلى البلد الذي مروا وبصموا به».
ويتعاطى معظم اللاجئين مع ما يتردد في الإعلام الألماني عن إمكانية إعادة اللاجئين السوريين من ألمانيا بالحذر والخوف، ويترقب معظمهم ما ستفعله الحكومة تجاه من لم يحصل بعد على بطاقة إقامة، ومن حصل على بطاقة لعام واحد، ولم يتمكن من لَمّ شمل عائلته. ويبحثون عن حلول قد يكون بعضها غير شرعي، كالعودة مجدداً إلى تركيا مجتازين طريق التهريب المعاكس.
الجدير بالذكر أن الإحصاءات الرسمية الألمانية تفيد بوجود 650 ألف لاجئ سوري في ألمانيا، بينما تؤكد بعض الجهات والجمعيات أن العدد أكبر بكثير من ذلك.
تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»
by Syria in a Week Editors | Feb 19, 2018 | Media Roundups - EN, Syria in a Week - EN, Uncategorized
“سوريا المفيدة” مع أميركا وحلفائها
١٤ شباط / فبراير
قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في ختام أعمال الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد «داعش» في الكويت في ١٣ شباط أن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها يسيطرون على 30 في المائة من الأراضي السورية وحقول النفط، علماً بأن مساحة سوريا تبلغ 185 ألف كيلومتر مربع.
وقال تيلرسون: «نحن نشطاء تجاه الدفع نحو مفاوضات جنيف، وهناك جهود لتوحيد المعارضة». وأضاف: «نعمل مع روسيا، التي لها النفوذ والتأثير على نظام بشار الأسد لتحضره إلى جنيف من أجل الوصول إلى سوريا موحدة.”
جاء ذلك تزامناً مع عقد نحو ١٥ وزير دفاع، يمثلون دولاً في التحالف الدولي، اجتماعاً في روما ناقشوا خلاله مواصلة تحركهم المشترك. وتحدث وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس عن ضرورة إعادة إطلاق الخدمات العامة في المناطق الواقعة شرق سوريا التي طرد منها تنظيم “داعش” على أيدي “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة.
في المقابل، حذَّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من «خطوات أحادية خطرة» تقوم بها الولايات المتحدة شرق سوريا، قائلاً إن تلك الخطوات “تهدّد بتقويض وحدة البلاد.”
ضجة بسبب “مرتزقة” روس
١٤ شباط/فبراير
ظهرت في موسكو ضجة كبرى بسبب تسريبات عن تعرض وحدات من «المرتزقة الروس» الذين يقاتلون في سوريا إلى جانب قوات النظام السوري، لضربة عنيفة في ليل ٨ فبراير (شباط) الحالي قرب دير الزور من القوات الأميركية أسفرت عن مقتل عدد كبير منهم.
تسربت تسجيلات لمكالمات هاتفية أجراها ناجون من “المجزرة”، تحدثوا فيها عن تفاصيل الهجوم المفاجئ ونتائجه، وانتقدوا فيها بقوة السلطات الروسية “التي تجنبت حتى الإشارة إلى الكارثة وكأننا لسنا بشرا.”
التسجيلات تسربت من أوكرانيا، بحسب وسائل اعلام، حيث ينشط “زملاء” لـ”المرتزقة الروس” في المعارك الدائرة هناك في شرق البلاد، في إطار ما يعرف بـ”جيش فاغنر”، وهو يضم تشكيلات مسلحة غير نظامية تدفع رواتب مجزية للمتعاقدين معها في مقابل تنفيذ عمليات عسكرية خاصة.
ونشرت على نطاق واسع تفاصيل عن مشاركة هذ الجيش إلى جانب قوات النظام في معارك استهدفت السيطرة على مواقع نفطية في سوريا. ونشط بقوة قبل ذلك في الحرب الدائرة في أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين المدعومين من جانب موسكو، لكن الحكومة الروسية لا تعترف رسميا بوجود “الجيش الخاص” في سوريا ولا تدرج عادة خسائره ضمن الخسائر العسكرية الروسية المعلنة.
وفي ٣ اتصالات هاتفية أجراها ناجون من القصف الأميركي مع أصدقائهم، أوضح المتحدثون تفاصيل ما جرى في تلك الليلة. اللافت أنه قبل تسريب التسجيلات الصوتية مباشرة، آثار متطوعون روس في أوكرانيا ضجة حول “المأساة” التي تعرض لها رفاقهم في سوريا. وأعلن الكرملين أنه لا معلومات لديه عن تقارير بشأن مقتل مرتزقة روس في سوريا، قائلا إنه لا علم لديه سوى عن وجود أفراد من القوات المُسلحة الروسية.
نقطة تركية في ادلب
١٦ شباط /فبراير
ذكرت وسائل إعلام حكومية، أمس، أن القوات التركية أقامت “نقطة مراقبة” جديدة في محافظة إدلب. وقالت وكالة أنباء الأناضول الحكومية إن النقطة، وهي مركز ينتشر فيه عدد قليل من الجنود لرصد أي اشتباك، تبعد نحو ٧٠ كلم عن الحدود التركية في المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا.
وأضافت الوكالة أن قافلة عسكرية تركية عبرت الحدود التركية – السورية. وأقيمت النقطة الأخيرة في بلدة معرة النعمان بجنوب شرقي إدلب. وهذه سادس نقطة في المحافظة، بعد اثنتين أقامهما الجيش التركي في وقت سابق هذا الشهر، والنقاط الثلاث الأخرى أقيمت في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني). وتعرضت قوافل عسكرية تركية لهجمات، منها هجوم وقع مطلع فبراير (شباط)، وقتل فيه جندي.
عفرين ومنبج
١٧ شباط /فبراير
بدأت ملامح تفاهمات دولية – إقليمية لتوزيع شمال سوريا، بحيث تنتشر قوات أميركية – تركية في مدينة منبج مقابل “وجود رمزي” لقوات النظام السوري في مدينة عفرين برعاية روسية.
جرت اتصالات بين “وحدات حماية الشعب” الكردية ودمشق لإقرار اتفاق نص على “دخول قوات رمزية للجيش النظامي السوري ومؤسسات أمنية إلى وسط عفرين.” وتزامن ذلك مع سماح النظام للأكراد بالتظاهر في دمشق ضد العملية التركية حاملين صور قائد “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان الذي اعتقل قبل ١٩ سنة بعدما طردته دمشق بموجب تفاهم مع أنقرة، واعتبر “حزب العمال الكردستاني”» منذاك تنظيماً إرهابياً. تزامن ذلك مع تفاهم أنقرة مع وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون على نشر قوات تركية – أميركية في منبج وإخراج “وحدات حماية الشعب” الكردية إلى شرق الفرات.
غوطة دمشق: نهاية التهدئة؟
١٨ شباط / فبراير
شهدت الغوطة الشرقية لدمشق سباقاً بين مفاوضات للتوصل إلى اتفاق والحسم العسكري الذي تستعد قوات النظام له عبر حشد قواته بقيادة العميد سهيل الحسن، المعروف بلقب “النمر”. وأفادت مصادر إعلامية مقربة من قوات النظام بوصول تعزيزات عسكرية كبيرة يقودها العميد سهيل حسن المعروف إلى أطراف الغوطة الشرقية على أطراف دمشق. وقالت المصادر لوكالة الأنباء الألمانية إن التعزيزات وصلت من ريف إدلب إلى منطقة تل كردي على الأطراف الشمالية للغوطة، لبدء هجوم واسع على مواقع المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية بغية السيطرة عليها. وكثفت القوات النظامية مدعومة بالطائرات الحربية السورية والروسية قصفها على الغوطة الشرقية الأسبوع الماضي، ما أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من ١٥٠٠ شخص.
وأعلن مركز المصالحة الروسي الذي يتخذ من قاعدة حميميم الجوية أن موسكو “ستدعم تحركات القوات الحكومية البرية في منطقة خفض التصعيد في الغوطة الشرقية للقضاء على تنظيم جبهة النصرة في حال لم تفلح الوسائل السلمية في تحقيق ذلك”، وذلك في إشارة إلى العملية البرية المقبلة.
by Michel Duclos | Feb 17, 2018 | News - EN, Uncategorized
من شأن وجود نوع من الاتفاق بين القوى العالمية والإقليمية أن يكون حاسماً بصورة كبيرة، للتوصل لأي حل سلمي في سوريا. وكان ينبغي لذلك أن يكون واضحاً منذ بداية الصراع.
وسواء كان العالم مروعاً، أو متعاطفاً، أو غير عابئ، شهدنا جميعاً انتفاضة الشعب المسالم ضد الديكتاتورية الشرسة. وكان عصيان السخط والغضب فوق كل اعتبار. وأيضاً، كان يجب على المجتمع الدولي ولا يزال يتوجب عليه، التعامل مع التهديدات الإرهابية الفظيعة. لكن، من الصحيح كذلك أن الصراع في سوريا كان يدور دوماً حول مخاوف القوى السنية الإقليمية في المنطقة، وصعود النفوذ الإيراني فيها، والمصالح التركية الخاصة، ومخاوف دولة إسرائيل، واستعداد روسيا لتسجيل النقاط على حساب العالم الغربي، وتردد الولايات المتحدة المزري.
ومن الغريب بدرجة كبيرة تقويض هذا البعد الإقليمي والدولي على أيدي الأمم المتحدة. إذ ركزت الوساطة الأممية بالأساس على السعي اليائس نحو الحوار، وربما بعض أشكال التفاهم بين نظام دمشق وممثلي قوى المعارضة. وفي الأثناء ذاتها، لعب الروس دوراً كبيراً ورائداً في صياغة خريطة الطريق للأمم المتحدة، وكان ذلك في مقامه الأول لأجل استخدامهم المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. وفي المقام الثاني، بسبب الاستثمارات العسكرية الخاصة بهم على الأرض. وساد وهم كبير بشأن أن الروس كانوا في موقف يسمح لهم بقيادة الحوار السوري – السوري على مسار الحل النهائي الذي يتفق مع «السلام الروسي» المنشود. وتأييد هذا الوهم بعدد من النتائج الإيجابية النسبية لعملية آستانة، مع مساعدة من تركيا وإيران، والتي بلغت ذروتها في الطريق إلى مؤتمر سوتشي.
تبخر هذا الوهم بصورة أو بأخرى مع مرور الوقت. ويظن أحدنا أن الوقت قد حان لصياغة نهج بديل، يستند إلى ضرورة العمل على النظر في إمكانات الاتساق مع مصالح القوى الإقليمية والدولية. وما من شك أن هذا المقترح يبدو أكثر صعوبة من حيث التنفيذ – وقد يقول البعض إنه أقرب إلى المحال – من أي وقت مضى. وهو لا يزال غير صالح للتنفيذ من النهج الحالي بين الأمم المتحدة وروسيا.
دَعُونا في هذا المقام، نؤكد سببين أو ثلاثة تستحق الاعتبار من الزاوية «الإقليمية – الدولية». أولاً، لن يصدق أحد بعد الآن أنه بعد 7 سنوات من الكراهية والفظائع والموت والدمار، أن إجراء حوار بين النظام والمعارضة في سوريا، من دون إطار دولي مناسب، سيسفر عن شيء مثمر. ثانياً، كانت النتيجة الصافية لكل ما حدث حتى الآن هو التقسيم الحقيقي للبلاد إلى مناطق نفوذ متعددة. ولن يمكن لأحد الادعاء بأن هذه الوصفة موثوقة ومؤكدة لإعادة الاستقرار إلى ربوع البلاد. بل على العكس من ذلك، وهذه هي النقطة الثالثة، أننا الآن على مشارف مرحلة خطرة للغاية تكون فيها القوى الإقليمية والعالمية على حافة المواجهات العسكرية المباشرة، كما شهدنا في عفرين، ودير الزور، ويوم السبت الماضي بعد اختراق طائرة إيرانية مسيَّرة (من دون طيار) الأجواء الإسرائيلية.
وإيجازاً للقول، صار الأمر أكثر وضوحاً يوماً عن يوم أن التواصل والتنسيق، ونمط من أنماط التفاهم، هي من الأمور الحاسمة للغاية إن كان الهدف هو تفادي اندلاع حرب إقليمية في المنطقة. إذ إن نزع الصراع أو خفض التصعيد أو المساعي الروسية الحميدة لم تعد كافية بعد الآن.
ولقد أشار أحدهم بالفعل إلى أن الحوار الوثيق بين القوى العالمية والإقليمية قد يكون من المناسب إجراؤه الآن. كما صنع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تماماً. إذ طرح اقتراح «مجموعة الاتصال» حول هذه «الصيغة» الجديدة. ولم يلق هذا المقترح الترحيب المنتظر، وربما ذلك بسبب أن موعده قد تأخر كثيراً؛ فلقد ترسخت بالفعل جملة من الأمور في أرض الواقع، وأصبح من المحال على فرنسا أن تتمكن من تغيير مسار العمليات الدولية الجارية (عملية جنيف، وعملية آستانة، وما سواهما). أو ربما بسبب أن المقترح لم يبلغ حد النضج السياسي بعد.
لكن، والآن، وبعد سقوط المقاتلات الروسية والإسرائيلية، والمروحيات التركية أيضاً، ومع مقتل المرتزقة أو الجنود الروس على ضفاف الفرات وفي غير ذلك من الأماكن، ومع تحطم الطائرة الإيرانية المسيّرة بالنيابة عن الدفاعات الجوية السورية، ينبغي على صناع القرار إدراك أن الوقت قد حان لالتقاط النفس العميق، ومحاولة التفكير في الأمر مرة أخرى. قد تكون هناك خطوة على المسار الصحيح من خلال إنشاء «مجموعة مصغرة» تحت قيادة الولايات المتحدة وتتألف من فرنسا، والمملكة المتحدة، ودول إقليمية أخرى.
فلقد اجتمعت هذه الدول في باريس على المستوى الوزاري يوم 23 يناير (كانون الثاني) الماضي. ولم تكن الغاية من هذه المجموعة المصغرة تشكيل مصدر بديل عن القيادة، ولكن مجرد المساهمة في أي عملية دولية مرتقبة. وإن تُمكّن من العثور على جسر التواصل، تحت ضغط الظروف الراهنة، بين هذه المجموعة وبين روسيا، يمكن التوصل إلى نقطة المنعطف المنشودة في الأحداث الجارية.
وإنْ تم التوصل إلى نقطة المنعطف تلك، فهناك أمران على قدر كبير من الأهمية. أولاً، غير مسموح بارتكاب أي نوع من الأخطاء على جدول الأعمال. والسؤال الأساسي المطروح حالياً يتعلق بمعرفة كيفية تجنب تحول حالة التقسيم الواقعية في سوريا إلى نزاع إقليمي أو على أقل تقدير تحولها إلى خطر إقليمي متصاعد ومستمر. ولا يعني ذلك أنه ينبغي لنظام دمشق أن يظل ثابتاً إلى الأبد من أجل الاستقرار، وأن يتم تجاهل الوصول إلى وقف ثابت للنار، بل يعني أنه يتعين معالجة الجوانب الإقليمية والجوانب المحلية للمأساة السورية معاً.
ثانياً، ينبغي للتقارب بين روسيا والولايات المتحدة والمجموعة المصغرة المذكورة، عند مرحلة من المراحل، أن يسفر عن عقد مؤتمر على غرار «دايتون» بشأن سوريا. وكان اتفاق دايتون قد وضع حد النهاية في عام 1995، للحروب المندلعة في الاتحاد اليوغوسلافي السابق، لكن هذا المؤتمر المقترح، ولجملة من الأسباب، ليس النموذج المثالي لإنهاء حالة الحرب اللانهائية في سوريا. ولكن ما يمكن الاحتفاظ به من عملية دايتون، في الوقت المناسب بالطبع، أي بعد التحضير الدقيق للأمر، هو الأسلوب: أي الاجتماع الذي يجمع كل أصحاب المصالح على مائدة واحدة والمكوث في نفس الغرفة لأطول فترة ممكنة، ما دامت الحاجة دعت إلى إبرام اتفاق. أي اتفاق سلام لسوريا ولمنطقة الشرق الأوسط بأسرها.
– السفير الفرنسي السابق في سوريا
-خاص بـ«الشرق الأوسط»
تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»
by Ibrahim Hamidi | Feb 17, 2018 | News - EN, Uncategorized
بدأت ملامح تفاهمات دولية – إقليمية لتوزيع شمال سوريا، بحيث تنتشر قوات أميركية – تركية في مدينة منبج وإخراج «وحدات حماية الشعب» الكردية إلى شرق نهر الفرات مقابل «وجود رمزي» لقوات النظام السوري في مدينة عفرين برعاية روسية.
وكشف قيادي كردي لـ«الشرق الأوسط» أمس أنه منذ بدء العمليات العسكرية التركية مع فصائل معارضة ضمن حملة «غصن الزيتون» أجرى قياديون في «وحدات حماية الشعب» الكردية اتصالات مع دمشق كي ترسل «حرس الحدود» للدفاع على الحدود السورية شمال البلاد، غير أن «الجواب من دمشق، كان أن موسكو تمنع حصول ذلك» على خلفية وجود تفاهم تركي – روسي سمح ببدء «غصن الزيتون» بمشاركة القوات البرية والطيران التركيين بعدما حصلت أنقرة من موسكو على «ضوء أخضر بالدفاع عن الأمن القومي شمال سوريا». كما سحب الجيش الروسي قواته من عفرين إلى مناطق أخرى.
ومع مرور الوقت و«التقدم البطيء» لعملية «غصن الزيتون» باتجاه عفرين وتعقد العلاقات الأميركية – التركية – الروسية، استمر التواصل بين قياديي «الوحدات» ودمشق. وقال مسؤول غربي: «اقترحت دمشق أن ترسل قواتها إلى عفرين وتسيطر عليها في شكل كامل كما حصل في أي منطقة معارضة أخرى وأن تتم السيطرة على الأسلحة الثقيلة للوحدات الكردية».
لكن قادة «الوحدات» رفضوا هذا الاقتراح لأن في عفرين «الكثير من المطلوبين للنظام ولا نأمن عدم تعرضهم للأذى». وحافظ قياديون في «الوحدات» على التواصل مع دمشق إلى أن أبلغوا رئيس مكتب الأمن القومي اللواء علي مملوك بقبول «دخول قوات سورية رمزية للجيش ومؤسسات أمنية إلى وسط عفرين، كما هو الحال في مناطق أخرى» في إشارة إلى القامشلي والحسكة شرق نهر الفرات، حيث توجد فروع لأجهزة الأمن وحواجز لقوات النظام والعلم الرسمي السوري. وقال مسؤول كردي أمس: «يبدو أن موسكو التي رفضت التعاون قبل أسبوعين، وافقت على صيغة جديدة تسمح بوجود الدولة في عفرين. ويتوقع أن تتوجه عناصر من قوات النظام من حلب إلى عفرين في الساعات المقبلة».
«عودة» أوجلان إلى دمشق
تزامن ذلك مع سماح دمشق لأكراد بالتظاهر في أحد أحياء العاصمة السورية حاملين صور قائد «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان وانتقاد «غصن الزيتون»، علما بأن أوجلان اعتقل قبل 19 سنة بعدما طردته دمشق بموجب تفاهم مع أنقرة، حيث اعتبر منذاك «العمال الكردستاني» تنظيماً إرهابياً وتعرض عناصره للملاحقة والاعتقال.
وكانت «وحدات حماية الشعب» الكردية سلمت مناطق في ريف حلب إلى قوات النظام في ريف حلب لقطع الطريق على قوات «درع الفرات» التي أطلقت عملية عسكرية تركي نهاية 2016 للسيطرة على مناطق شمال سوريا، للتوغل باتجاه منبج وشرق حلب. كما عقد تفاهم بين «الوحدات» الكردية وقوات النظام برعاية روسية للانتشار في حي الشيخ مقصود في حلب. وقال قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية لـ«الشرق الأوسط» أمس: «هناك اعتداء من تركيا على الدولة السورية والأولوية الآن للحفاظ على السيادة السورية. ورغم الخلافات مع النظام على أمور أخرى، فإن المفهوم الوطني اقتضى التعاون في عفرين والسماح بوجود الدولة وتأجيل الخلافات الأخرى». وأضاف: «بعد ذلك، فإن أي اعتداء على عفرين من تركيا أو أي قصف عليها، سيتحول إلى موضوع إقليمي – دولي».
وكانت دمشق أعلنت نشر بطاريات صواريخ شمال البلاد. كما قال مسؤولون في دمشق إنهم سيستهدفون أي طائرة غير سورية بعد إسقاط طائرة «إف – 16» إسرائيلية السبت الماضي، مع العلم أن منظومة الدفاع الجوي السوري تحت سيطرة الروس في قاعدة حميميم.
وأبلغ قياديون أكراد «الشرق الأوسط» بأن الجيش الأميركي أبلغهم أكثر من مرة بأنه لا علاقة له بعفرين وهي خارج النفوذ الأميركي وتابعة لنفوذ روسيا، مشيرين إلى أنهم أطلعوا قادة في الجيش الأميركي شرق نهر الفرات بالاتصالات مع دمشق حول عفرين وأن «الأميركيين لم يكن لديهم مانع من حصول ذلك للحفاظ على وحدة سوريا وفق القرار 2254».
في حال أنجز هذا التفاهم حول عفرين، فإنه يتزامن مع تقدم لإنجاز تفاهم آخر حول منبج. إذ قالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط» إن أنقرة اقترحت على واشنطن نشر قوات تركية – أميركية في منبج وإخراج «وحدات حماية الشعب» الكردية إلى شرق نهر الفرات.
ويعتقد أن روسيا جزء من هذا الحوار، ذلك أن قواتها تنتشر في منطقة عريما في ريف منبج مقابل القوات الأميركية المنتشرة في المدينة دعما لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم «الوحدات» الكردية.
وكان مسؤول تركي أبلغ وكالة «رويترز» أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تلرسون وعد الجانب التركي أمس بدرس اقتراح نشر قوات مشتركة في منبج التي تقع على بعد 100 كيلومتر شرق عفرين، وكان الرئيس رجب طيب إردوغان قال إن قواته ستتوغل باتجاهها. لكن الجيش الأميركي بعث كبار ضباطه إليها لطمأنة حلفائه الأكراد.
وأوضحت المصادر التركية أمس أنه في حال نفذ الاتفاق التركي – الأميركي في منبج سيكون خطوة لاستعادة الثقة والقيام بخطوات أخرى بين الجانبين، تشمل «التنسيق الكامل» في العمليات العسكرية شمال حلب بين القوات الأميركية و«درع الفرات» بين منبج واعزاز وجرابلس، إضافة إلى الانتقال إلى البند اللاحق المتعلق في بحث إقامة شريط أمني شمال سوريا على طول حدود تركيا. وذكرت أن موافقة الجانب الأميركي على ذكر رفض «التغيير الديموغرافي» سيكون أساسيا في التعاون بين الجانبين في منطقة شرق نهر الفرات الخاضعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» بدعم التحالف الدولي بقيادة أميركا. ونص البيان على تأكيد الطرفين «التزام الحفاظ على وحدة أراضي والوحدة الوطنية لسوريا ورفض إيجاد تغييرات ميدانية وتغيرات ديمغرافية» مقابل «التنسيق لإنجاز التحول السياسي والاستقرار في سوريا وفق القرار 2254 ومؤتمر جنيف».
تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»
by Abdullah Al Hassan | Feb 16, 2018 | Cost of War - EN, Uncategorized
تُعتبر منطقة الشمال السوري من أصعب المناطق التي يمكن التكلم عنها والبحث فيها، بسبب صراع المصالح الداخلية والخارجية وتوزع أماكن السيطرة والنفوذ، والذي أدّى في النهاية إلى تدخلات عسكرية خارجية سواء في وسط محافظة إدلب أو في مدينة عفرين شمال سوريا، صحيح بأن مدينة عفرين لم تدخل في مناطق” خفض التصعيد” إلا أنها متّصلة بشكل مباشر بما يحدث فيها، كونها جزءاً أساسياً في مثلث صراع المصالح الروسي – التركي – الأمريكي، والذي زاد من حدّته في الآونة الأخيرة.
تمت تسمية محافظة إدلب وبعض من امتداداتها داخل محافظتي حماه واللاذقية بمنطقة ”خفض تصعيد“ رابعة في سوريا، وجرى الاتفاق عليها في لقاء ”أستانة – ٦” بين الدول الثلاث الضامنة، روسيا وتركيا وإيران، وهي في معطياتها تشبه مناطق خفض التصعيد السابقة كما وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “إذا أقيمت منطقة تخفيف التصعيد، فحينئذ لن يحلّق فوقها الطيران شرط ألا يسجَّل أي نشاط عسكري في تلك المناطق“ وأضاف ”إنّ محاربة التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم “داعش” أو “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، ستتواصل رغم احتمال إقرار المناطق الآمنة“.
تحمل منطقة ”خفض التصعيد“ في محافظة إدلب صفتين خاصتين، أولهما أنها تشمل المنطقة الجغرافية المعنية وتستثني فصائل المعارضة المتواجدة فيها، حيث أن الاتفاق تم توقيعه بين الدول الثلاث الراعية لمؤتمر أستانة، وثانيهما أنه سيتم نشر قوات تركية في ١٢ نقطة مراقبة من جانب مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، فيما سيتم نشر قوات مراقبة روسية وإيرانية من جانب سيطرة النظام السوري. وفعلاً بدأت عناصر القوات المسلحة التركية بإنشاء مراكز مراقبة اعتباراً من ١٢ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٧، حيث أقيمت ثلاث منها على محور إدلب – عفرين، قرب قرية صولة وقلعة سمعان، وتلة الشيخ عقيل، ومع وصول الجيش السوري وسيطرته على مطار ”أبو الضهور“ العسكري مؤخراً، وصلت قوة عسكرية تركية إلى ”تلة العيس“ لإنشاء نقطة مراقبة رابعة ملاصقة لأماكن تواجد الجيش السوري، كذلك أجرى وفد عسكري للقوات التركية مساء الثلاثاء الفائت، جولة استطلاعية داخل مطار تفتناز العسكري شمال شرق إدلب، تمهيداً لإقامة نقطة مراقبة خامسة في المنطقة. ورجّحت بعض المصادر التركية – بحسب وسائل إعلامية تركية – بأن تُنهي القوات التركية انتشارها في جميع النقاط الـ١٢ المُتفق عليها، في إدلب وأرياف حلب وحماة والساحل خلال عشرة أيام فقط، مما يعني تسريعاً في تنفيذ العملية وانتقاء نقاط المراقبة بالتزامن مع تقدم الجيش السوري والقوات الحليفة نحو سراقب ومعرة النعمان من الجهة الشرقية. مما يوحي بأنها تحديد لمناطق النفوذ أكثر منها للمراقبة، فلا معنى لمراقبة انتهاكات خفض التصعيد – التي كنّا نتطلّع إليها – مع كل هذا التصعيد في المنطقة.
لقد أصبحت تركيا حليفاً مهماً لروسيا في الشمال السوري، وبدونها لما استطاعت روسيا تحقيق نجاح عسكري في مدينة حلب، ولا إنتاج مناطق خفض التصعيد في سوريا، والتي كان من أهم نتائجها تحجيم مناطق سيطرة تنظيم داعش في دير الزور، وإنهاء تواجدها تماماً في البادية السورية (ضمن حصّة روسيا والجيش السوري في قتال داعش)، بالإضافة إلى حصر تواجد عناصر جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) في منطقة إدلب وريفها، بعد اتفاقيات وعمليات نقلهم من مناطق الصراع المختلفة (عرسال لبنان وجبال القلمون غرب العاصمة دمشق، الغوطة الشرقية، مخيم اليرموك ومناطق جنوب دمشق، درعا). كما نتج من التعاون التركي الروسي عملية فصل لفصائل المعارضة المُصنفة معتدلة عن هيئة تحرير الشام، والتي طالبت بها روسيا كثيراً، ولم تستطِع أو ترغب القيادة الأمريكية في تحقيقها، ولكن تركيا استطاعت فعل ذلك، من خلال سحب فصائل معارضة من شرقي مدينة حلب وجعلهم إلى جانبها في عملية ”درع الفرات“ التي انطلقت إلى جرابلس لطرد تنظيم داعش، ثم توسعت لتشمل إبعاد المقاتلين الأكراد إلى شرق نهر الفرات، ومرة أخرى في سحب فصائل معارضة من محافظة إدلب وانخراطهم معها في عملية ”غصن الزيتون“ ضد وحدات حماية الشعب الكردي في مدينة عفرين، بالإضافة إلى تحييدها فصيل ”حركة أحرار الشام“ الذي شارك بصورة متأخرة في اجتماعات أستانة، ووافق على مخرجاتها بعد أن انقسم شاقولياً بين متشدّد انضم إلى هيئة تحرير الشام، ومعتدل اتّخذ من منطقة الغاب في الريف الحموي وبعض مناطق الريف الإدلبي مكاناً ثابتاً له.
كما هو ملاحظ، حققت تركيا الكثير من أهدافها من خلال هذا التعاون، فقد أصبحت تملك أكثر من قاعدة عسكرية في الشمال السوري حيث مناطق سيطرتها مع حلفائها من المعارضة، ونقاط مراقبة خفض تصعيد منتشرة في محافظة إدلب تحدد وتحمي مناطق نفوذها، بالإضافة إلى دخول جوي للأجواء السورية كان محظوراً عليها في السابق، مما مكّنها من التوغل في الأراضي السورية وحماية أمنها القومي كما تدّعي.
لكن هذا التعاون والتنسيق يحمل الكثير من تباين الرؤى بين الطرفين، فروسيا تنظر إلى الحل السوري بشكل كامل وشامل، ولكن من زاوية محدّدة تقتضي دعم الحليف ”النظام السوري“ وإقصاء جميع معارضيه، بينما تنظر تركيا إلى مصالحها من زاوية الطموح الكردي في الشمال السوري، إضافة لأطماع ومكاسب أصبح بالإمكان تحقيقها، وهذا خلق نوع من الندّية وبعض التصادم سياسياً وعسكرياً، وإن كان بطريقة غير مباشرة. فمثلاً استنكرت تركيا دعوة روسيا لممثلين من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية لحضور مؤتمر ”الحوار الوطني“ في سوتشي، وعند دخول الجيش السوري المدعوم بالطيران الروسي إلى ريف إدلب وسيطرته على العديد من القرى والبلدات هناك، تصدّت بعض فصائل المعارضة الصغيرة لهذا التقدم السريع واستطاعت أن تحدّ منه وتسترجع الكثير من المناطق التي خسرتها، كانت كما يبدو بدعم وتسليح تركي، حتى أن صور المدرّعات التركية التي استخدمتها قوات المعارضة كانت واضحة في وسائل الإعلام وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، ناهيك عن عملية استهداف الرتل العسكري التركي المتوجه إلى ”تلة العيس“ من مناطق سيطرة الجيش السوري والرد التركي عليها، ثم مؤخراً بعد بدء عملية ”غصن الزيتون“ بأيام قام الجيش السوري بنشر وحدات دفاع جوي جديدة وصواريخ مضادة للطائرات في الخطوط الأمامية في ريفي حلب وإدلب لتُغطّي كامل المجال الجوي في شمال سوريا.
أما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فكما تبَيّن بأنهم منقسمون إلى فريقين، فريق يميل إلى التنسيق والدخول في الرؤية الروسية للحل مع توفّر ضمانات يجب تحقيقها ضمن الدولة السورية، وهذا كان واضحاً في تصريحات الرئيس المشترك لـ ”قوات سوريا الديمقراطية“ السيد رياض درار حول أن هذه القوات ستنضم للجيش السوري الذي سيتكفل بتسليحها عندما تتحقق التسوية السورية، وفريق – أكثر ترجيحاً – يميل نحو الانخراط في المشروع الأمريكي المأمول تحقيقه شرق الفرات، والذي أدى إلى رفض الطرح الروسي الذي يقترح دخول الجيش السوري إلى مدينة عفرين لوقف العملية العسكرية التركية فيها. رغم ذلك من الملاحظ بأن عملية ”غصن الزيتون“ لازالت في محيط المدينة، والجيش التركي – الذي دخل المعركة بالتنسيق مع الروس – غير منخرط فيها بشكل مباشر على الأرض، بل تقوم فصائل المعارضة السورية بالدور الأكبر في الهجوم البري، مع مساندة للمدفعية والمروحيات التركية، بالإضافة إلى الطيران الحربي، وهذا يدل بأن هناك متّسعاً من الوقت لتحقيق مخرج سياسي ما، وأن روسيا – التي لم تسحب كامل جنودها من عفرين – لا تزال متمسكة بالورقة الكردية في محاولة منها لإبعادهم عن المشروع الأمريكي الذي سوف يؤدي حتماً إلى تقسيم سوريا، وهذا يتناغم بشدة مع مصالح كل من تركيا وإيران اللتين تعملان جنباً إلى جنب مع الروس لمنع تحقيقه، رغم تضارب المصالح فيما بينهم. لكن يبدو أن ”الماكينة“ الروسية تعمل في أفضل حالاتها، فعين على المشروع الأمريكي شرق الفرات والقضية الكردية، وأخرى على مخاوف وطموح تركيا، ومتابعة التنسيق معها لأجل القضاء على هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في إدلب وريفها، بالإضافة إلى متابعة تطور الوضع في الجنوب السوري وما يجري بين الايرانيين والإسرائيليين، كل ذلك ضمن سعيها لتطبيق الحل وفق رؤيتها، وبما يتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ الخاص بسوريا.
لكن – رغم ذلك – تظهر بعض الأمور غير المتوقعة، فمع قدوم العام الجديد، وفي السادس من يناير/كانون الثاني، تعرّضت قاعدة حميميم الجوية العسكرية التابعة للقوات الروسية في سوريا، إلى هجوم هو الأول من نوعه، بعدما حلَّقت ١٣ طائرة من دون طيار مزودة بقنابل يدوية الصنع هاجمت القاعدة الجوية الروسية في حميميم والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس، ولكن الهجوم فشل، بعد تصدي الدفاعات الأرضية لها، صحيح بأنه لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجوم، لكن بحسب وزارة الدفاع الروسية فإن الطائرات المسيّرة بدون طيار ”الدرونات“ انطلقت من جنوب غرب منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، ولاحقاً مع التصعيد العسكري الأخير واشتداد القصف على مدينة سراقب في ريف إدلب، تمّ اسقاط طائرة سوخوي روسية بمضاد طيران محمول على الكتف، وهو سلاح محرّم على فصائل المعارضة امتلاكه منذ بداية الأزمة. لم تخرج روسيا حتى الآن بأي تصريح اتهامي، ولكنها طالبت بأجزاء طائرتها المحطمة لفحصها بغاية الكشف عن مصدر الصاروخ الذي أسقطها ونوعه، وأخيراً كان التصعيد الإسرائيلي في الجنوب بعد إسقاط مقاتلة F16 الإسرائيلية بمضادات طيران سورية، و ما تلاه من توعّد اسرائيلي لتواجد ايران في الجنوب السوري، ناهيك عن التصعيد الأمريكي – الغربي في مجلس الأمن ضد النظام السوري لاستخدامه غاز الكلور في الغوطة الشرقية وريف إدلب ضد معارضيه.
كل ذلك يرسم الكثير من علامات الاستفهام والقليل من الدلالات، فمن له مصلحة بقصف قاعدة حميميم ويملك هذه التقنية المتطورة؟ ومن سرّب لعناصر هيئة تحرير الشام مضاد الطيران المحمول على الكتف؟
هي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، ومن الصعب الجزم بها، لكن يمكن تبيّن بعض من ملامحها من خلال من يريد تعطيل الحل الذي تقترحه وتنفذه روسيا في ظل تضارب وتجاذب مثلث المصالح في الشمال السوري، طبعاً دون أن ننسى من استثمر كثيراً في” هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وغاب عن المشهد مؤخراً لأسباب خارجة عن إرادته.
إن ما نلاحظه ونعمل على متابعته اليوم في الشمال السوري، قد نرى مثله في الجنوب مع اختلاف اللاعبين وتشابه المصالح وتشابكها، هي أيام عسيرة على سوريا والسوريين، لا يمكن التنبؤ بها، لكن ما هو واضح بأن من يدفع الثمن هو الشعب السوري وحده، بعيداً حتى عن التعاطف الكاذب الذي كان في بداية الأزمة، فمنظر الأطفال والنساء الذين يتم استخراجهم من تحت الركام لم يعد يحرّك مشاعر أحد، بل بات الأمر أكثر وقاحة في استثمار الدم السوري لتحقيق مصالح أكثر.
by Abdul Karim BaderKhan | Feb 15, 2018 | Culture - EN, Uncategorized
عندما نكتب عن الشعر السوري الجديد (وليس الحديث، فللجِدّة معيار وقتي، بينما للحداثة معايير فنية)، لا يمكننا أن نغفل أنه خطابٌ مرتبط بالموروث الثقافي العربي-الإسلامي ارتباطًا زمنيًّا (diachronic)، ومرتبط بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية لمرحلة الثورة/الحرب السورية ارتباطًا تزامنيًّا (synchronic). ومن الارتباط الأول تنشأ ثنائيات: التقليد والتجديد، التراث والحداثة، وجدالات غير مُنتِجة حول الأشكال الشعرية. ومن الارتباط الثاني تنشأ ثنائيات: الحرية والاستبداد، الحبّ والحرب، وجدالات غير مُنتِجة حول “دور المثقف”. سأبتعد عن كل ذلك، إذ لسنا بحاجة إلى المزيد من النقاشات المحكومة بمنطق الثنائيّات الإقصائي.
لا أعتقد أن الحديث عن الشعر السوري الحالي؛ مثيرٌ للاهتمام، سواءً لدى القارئ العادي أو المختصّ. إذ بات الـمُنتَج الشعري مطروحًا في السوق الأدبية مجانًا، وبكثرةٍ غير مسبوقة، مُتخلّيًا عن أيّ كرامةٍ عُرفَتْ عن الشعراء، وعن أي قداسةٍ وَسَـمَـتِ الشعر في العصور السابقة. لا بُدّ إنّ كثرة الـمُـنتَج الشعري دليلٌ على أزمة الشعر، لا على صِحّته. ولا بدّ أنّ كلّ تغييراتٍ كميّة سوف تؤدي حتمًا إلى تغييراتٍ نوعيّة، وتعود التغييرات النوعيّة بدورِها لتُحدِث تغييراتٍ في الكمّ من جديد. وبدلًا من محاكمة هذا الكمّ، من الأجدى فهمُه وفهمُ أسبابه، وفهمُ إنسان القرن الحادي والعشرين الذي لا يملك من الحقوق والحريات أكثر مما امتلك أسلافه، وذلك لأن النظام السياسي- الاقتصادي- الاجتماعي العالمي؛ قد غيَّـر أساليب الاستغلال والاستعباد، لكنه لم يغيّـر ماهيّتها. إنسانُ اليوم عاجزٌ عن الفعل، عاجز عن إحداث تغييرٍ حقيقي في أيّ مجالٍ وعلى أيّ مستوى، لكنه قادر على الكلام، ومسموحٌ لهُ أن يتكلّم نسبيًّا، لكي يُفرّغ الـحَصْر النفسي أولًا، ولأن الأقوال -مهما كثُرتْ- لن تُحدِثَ أثـرًا كالأفعال -مهما قلَّتْ-. تقول مايا آنجلو في هذا الشأن: “جناحاهُ مقصوصان/ قدماهُ موثقتان/ فليسَ لهُ سوى… أنْ يفتحَ حنجرته ويغـنّـي”.[1]
واستكمالًا للحديث عن كثرة الـمُنتَج الشعري، أشيرُ إلى أنني سأتحدثُ عن الشعر السوري الجديد بعد قراءة ثلاثين مجموعة شعرية صادرة في السنوات الخمس الأخيرة، مع يقيني بأن عدد المجموعات الصادرة خلال هذه المدة يفوقُ ذلك بثلاثة أضعاف أو أكثر.
لكن، من أي زاوية سأقارب الشعر السوري الجديد؟
اليوم، في زمن الـ “ما بَعْدَات” (بعد الحداثة، بعد الكولونيالية، بعد النظرية الثقافية)، لم تعد موضوعات مثل: دور الشعر، المثقف العضوي، الأدب الملتزم، الأدب الثوري، أدب السجون، الحب والحرب، التراث والحداثة… مُغريةً للقارئ أو الدارس، ما هو مثيرٌ(sexy) حقًّا، هو الجنس (sex) نفسُه.[2]
الإيروس والثاناتوس
سأحاول مقاربة النصوص التي بين يديّ عبر ثنائية الإيروس (eros) والثاناتوس (thanatos)، فالأول هو الحب وغريزة الحياة، والثاني هو الكراهية وغريزة الموت. ولا يخفى على القارئ أن المصطلحين قادمان من النظرية الفرويدية، وكتاب “ما فوق مبدأ اللذة.” يرى فرويد أنّ كل إنسان يحمل في داخله غريزة الحياة وحفظ النسل والبقاء، وتُعزَّز هذه الغريزة بالحب والرغبة الجنسيّة (إيروس). وكذلك فإنّ كلّ إنسانٍ يحمل في داخله غريزة الموت والنزعة التدميرية، والرغبة بفناء المادة العضوية وتلاشيها (ثاناتوس) [3]. وهذه الثنائية ليست إقصائية فيما أرى، بل هي بنّاءة وتركيبية.[4]
صحيح أن دافع الحياة وحفظ النوع، وبشكله التصعيدي: الحب، موجود عند كل إنسان، لكنه يزداد إلحاحًا في زمن الحروب والكوارث. وما يعنينا هو كيف تناوله الشاعر السوري اليوم؛ هل استمرّ بالغناء عنه من بعيد؟ أم استبعده جانبًا، مُعطيًا اهتمامه الأكبر لاحتياجاتٍ أُخرى؟ أم تناوله كقضيّة مركزية ومهمة للبقاء؟
الإيروس:
ينطلق نصُّ حسن ابراهيم الحسن من الأرض، من التراب الذي ما إنْ تتوطّد علاقة الإنسان السليمة معه، حتى يبدأ بالارتقاء درجةً إثر درجة حتى بلوغه قمة النقاء الروحي. ويكون حب الإنسان للإنسان، وعشق الرجل للمرأة، الدافع الأول للحياة، والسلَّم الأمثل للارتقاء من الماديات إلى الروحانيات:
“ليديكِ رائحةُ التراب (…)
مُسّينيْ لأنسى ذكرياتِ الحرب، (…)
ليديكِ رائحةُ البلادِ
وقهوةُ البدو،
احضُنينيْ…
كلُّ ما في الأرضِ بعدكِ باردٌ، (…)
ليديكِ رائحةُ البيادرِ
نملةٌ جوعيْ وقمحُكِ صاخبٌ جدًّا، (…)
مرةً قولي أحبّكَ علَّ ماءِ الروحِ يصفُو”. [5]
ومثلما يصيرُ الهوى ذليلًا “كلما ذلَّ للرجالِ جبينُ” حسب وصف القبّاني [6]، فإن الهوى وحدَه مَنْ يُعيد للرجل كرامتَه المهدورة في زمن الحرب. ويكون الترابطُ بين الهوى والكرامة عضويًّا، يسقطان معًا ويرتقيانِ معًا، إذ لا يمكن للنصر (أو الهزيمة) أنْ يقتصر على جناحٍ منهما دون الآخر. وفي هذا السياق يصفُ محمد طه العثمان كيف شاختْ نوارسه، وفقدت القدرة على التحليق. وكيف أنّ “نابَـهُ” بما يحمله من دلالات القوة (نَصْل السيف/ رأس الرمح) ودلالات الذكورة (القَرْن/الشارب المعقوف/ القضيب) مجروح! مجروح بزهر النهد، النهد الغائب، المرجَـوِّ قدومه ليشفي الجرح:
“مُرّيْ على جسدي
ولا تستدرجيْ حُـمّـى القصائد في غيابـيْ
مُـرّيْ
فكلُّ نوارسي شاختْ
وأوجَعَ زهرُ نهدكِ جرحَ نابـيْ”. [7]
أما الإيروس عند أنور عمران فليسَ دافعًا للحياة ومنقذًا من الموت فحسب، بل هو ما يجعل الإنسان إنسانًا، ومنه تستقي الأخلاقُ وبهِ تتهذّب، وإليه تُعزى منجزاتُ الحضارة في جانبها القِيَمي والـمُـثُـلي:
“لنفترضْ أنني لم أقدّم الماءَ للأعمى في محطة القطارات هذا الصباح،
ولم أساعد الطفلةَ الكسولةَ في تمارين الحساب…
لنفترضْ أنني لم أضَعِ الآسَ على صورة أصدقائي،
ولم أُشعلِ النارَ في خاطرِ جاري الذي يغمرُهُ الثلج،
أو أنني لم أكُنْ عكّازًا للمُسِـنّـةِ التي سألتْني عن موقع الصيدلية،
لنفترضْ أنني لم أتصرّفْ كما تصرّفتُ اليومَ
ما الذي كنتُ سأفعلُه بحبّكِ إذن؟!” [8]
وكأن الشاعر هنا، يستعيد حكاية أنكيدو بلغةٍ وفهمٍ حديثين.
الثاناتوس:
قلنا -نقلًا عن فرويد- إنّ كل إنسان يحمل في داخله الإيروس (الحب وغريزة الحياة) إلى جانب الثاناتوس (النزعة التدميرية وغريزة الموت)، كما أنّ كل إيروس في الظاهر قد يخفي ثاناتوسًا في الباطن، والعكس بالعكس. ما يعنينا هنا؛ هل أوصلت الحربُ الإنسانَ السوري إلى حدّ الاستسلام واليأس من الحياة؟ هل أيقظتْ في داخله النزعة التدميرية الغافية، ورغبةَ المادة بالتلاشي؟ ما شكْلُ هذا الـمَوَات الجمعي وكيف تناوله الشعراء؟
في مجموعة رشا عمران “بانوراما الموت والوحشة” يتمدّد الموتُ على معظم الصفحات ويحاصر القارئ من كل الجهات، وهو ليس الموتَ بمعناه البيولوجي فحسب، إذ هو يشمل الأحياءَ والأموات، بل إنّ الأحياءَ أكثرُ موتًا من الموتى. فالشاعرة/الراوية تُعيد في آخر الليل “أعضاءَها المبعثرة إلى أمكنتها” لكي تستيقظ في الصباح “جثةً مكتملة”. وتقدّم في نصٍّ آخر صورةً سوريالية لموت الكائن الحيّ أثناء حياته، إذ مزّقتْه الحربُ وباعدتْ أشلاءه عن بعضها، لكنها أبقتْ على بصيص ضوءٍ في رأسه، يُوهمه أنه على قيد الحياة. وكأنها تقدّم صورةً معكوسةً للموت السريري، فالدماغ هنا هو “الحيّ”، بينما سائر الأعضاء الأخرى ممزّقة ومبعثرة:
“كنتُ أراقبُ أعضائي موزّعةً على البلاط…
تلك اليدُ أعرفُها جيدًا، وأعرفُ أصابع القدم اليسرى المبعثرة، وأعرف الشامةَ السوداء في أعلى الظهر، الشامة التي كنتُ أبرزها دائمًا كلما نسيتُ اسمي…
أعرفُ بقعةَ الدمِ أسفل الجدار، وأعرف السرّة الملقاة تحت السرير كمنديلٍ عتيق…
وحدَه الرأسُ بكلّ تفاصيله، الرأسُ المعلّق أمام الشاشةِ السوداءِ كمسمارٍ في فراغ الحائط
كان غريباً عني”. [9]
أما عند هنادي زرقة، فيصبح دافع الموت (ثاناتوس) شهوةً مُتملّكة، تحلُّ محلَّ الشهوة الجنسية أو هي نفسها لكنْ بصورة جديدة. وهنا أتدخّل وأشير إلى أن النزعة التدميرية كثيرًا ما تنصبُّ على الآخر، وفي هذه الحالة تُوصف بالسادية عندما ترافقها المتعة. في هذا المقطع تصف الشاعرة حالةَ صراعٍ بين شهوتين مُتعارضتين في الجذر والأهداف؛ شهوة نساء وشهوة رجال:
“يذهبُ الرجالُ إلى الحرب
وتفرَغُ الأسرّةُ من الشهوة
تاركينَ نساءً لا يكفُفْنَ عن الصُراخ
وضَرْبِ الأولاد،
يذهبُ الرجالُ إلى الحرب
الحربُ شهوةٌ أيضًا!” [10]
وفي السياق ذاته، وكتعبيرٍ عن حالة الموت العضوي والنفسي والاجتماعي، آخذُ نصًّا يُغني عن عديدٍ من النصوص، فهو يصوّر الحرب في أثرها الإنساني والواقعي المعيش، بعيدًا عن شعارات أمرائها وأحقاد تـجّارها، إنها الحرب في “بشريّـتها” إنْ صحَّ التعبير. يتميز النصُّ بأنه لا يصف الحرب وآثارها من بعيد، فيغصبُ أو يثور أو يرثي أو يندب، بل يصف حالة الموات/اليباب من الداخل، من صميمها ومن أدقِّ خلاياها. وهو نصّ/خطاب مُقتنعٌ بكونه جزءًا من الموت الجماعي، وراضٍ بكونه سائرًا في سيرورة التلاشي، إنه نصُّ الثاناتوس في أعلى صوره. تبدأ مناهل السَّـهْوي بوصف حالة الـمَوَات/اليباب من انقطاع العلاقات بين الجنسين:
“الثورةُ لا تمنحُنا رجالًا
لا الوطن،
ولا حتى المغصُ المقيتُ قبل العادة الشهرية”
في المستوى الثاني، تعمّقُ الشاعرة الحفرَ في الجرح الشخصي-العام، وتلمسُ اختلالَ ميزان الحياة بفعلِ تكاثُر كفّةٍ وتناقص الأُخرى، وتشير إلى رحلة سيزيفية بين الرمل والماء:
“نحنُ النساء نطرحُ الدم
كما تفعلُ الحروب
ونتكاثر في المعارك،
نخرجُ من كلّ مكانٍ
كصغار السلاحف
تفقسُ في الرمل البارد
وتجري بفطرةٍ إلى الماء”
تزيد الشاعرة من تعميق معاناة المكان/الأرض/ الجسد، عندما تشير إلى أنّ الحياة مستمرة، لكن في مكانٍ/ أرض/ جسد آخر، فتصبح المقارنة الضمنيّة موجعةً بين الأرض/ الأم/ الحبيبة التي فقدتْ أبناءها وأحبّتها، والقارة العجوز التي كسبتْهم وهي لا تحبُّهم أو تستحقُّهم:
“يختفي رجالُنا
عشاقُنا
وأبناؤنا
فمُ الحرب أكبرُ من شفتي بحرٍ
يدلقُهما على قارتين،
ما أكبرَ فمَ البحر حين شاهدناه من فوق!
يختفي الرجالُ الواحد تلو الآخر
في الشفاه المفتوحة
في القبلات الحارة،
يختفي الرجال
كما لو أنّ البحرَ امرأةٌ تمتصُّ الرجالَ كلَّهم
بجوعٍ مُعـمِّـر”
وفي النهاية، تؤكّد الشاعرة على موت “الإيروس”، وانعدام الرغبة بالحياة بكُلّيتها وتفاصيلها، ودخول الجميع في حالةٍ من “الثاناتوس”، في حالةٍ من السعي الجمعي إلى الفناء، يأخذ شكلَ الانتحار الجماعي أو الاستشهاد العبثيّ دون تحقيق الغاية المنشودة منه:
“نحن النساء في الحروب
لا نقصدُ اكتشافَ أطعمةٍ بديلة
ولا تدفئةٍ بديلة
ولا حركاتٍ شِعرية جديدة،
نحن فقط نجري نحو رائحة الزبد
ونغرق…” [11]
والزبد بطبيعته كينونةٌ في طور التلاشي، ولهُ دلالاتُ الولادة والذكورة، فأفروديت وُلِدتْ من زبد البحر، وقد جاء هذا الزبد من خصيتي أورانوس (أسطورة إغريقية). لكنّ الزبدَ هنا لا يأتي بأيّ ولادةٍ جديدة، إنه محضُ سرابٍ ذكوريّ موهوم، يقودُ الساعي وراءَه نحو هلاكٍ وشيك.
الأقنعة الجنسيّة
ليس المقصود بالقناع هنا؛ التقنية الدرامية التي يستخدمها الشاعرُ للتخفيف من الغنائية والمباشرة، كأنْ يستعير شخصيةً تاريخية (نيرون، أيوب، المتنبي…) فيرتدي وجهَها ويأخذ ملامحها وصوتها، ليمرّرَ من خلالها -ومعها- مقولتَه وصوته. وهو ما يقابله الـ (mask) بالمصطلَح النقدي. المقصود بالقناع هنا هو الـ (persona) أي الوجه الذي يتقدّم به الإنسانُ إلى المجتمع، فنحن في حياتنا اليومية قد نجد ضرورةً لأنْ نغلّف الذات الحقيقية بغلاف خادع، ونلبسها قناعًا لتبدو في مظهرٍ لائقٍ ومقبولٍ من الجماعة. ولا يخفى على القارئ أن المصطلح قادم من نظرية ك.غ. يونغ.[12]
إذًا، يتألف القناعُ من وجهٍ ظاهر ومعنىً مخفي. أما من حيث إضافة القناع إلى الجنس، فلا بدّ من الإشارة إلى أن المنظومة السياسية-الدينية لم تستطع على مرّ العصور إلحاقَ الهزيمة بالموروث الوثني، بل أزاحتْه إلى الهوامش فقط، حيث بقيَ هناك، في الجانب المعتم والمحرّم، يزدهر ويتطوّر ويُلقي بظلاله على المركز المسيطر [13]. نحن في النهار كائنات اجتماعية، لكننا ننزلق في الليل إلى عالم الأحلام، حيث تتولى الفطرة مقاليد الأمور، فترمي التابوهات الاجتماعية جانبًا، وتعطي للغريزة والأنانية مقاليد الحكم. يقول شاعرنا العربي: “نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا دَنَـا / ليَ الليلُ هـزَتْـنـيْ إليكِ المضاجعُ.”[14]
تتألف الأقنعة الجنسية من سلسلةٍ غير محدودة من الإشارات والرموز، تمتدُّ من الإنسان الاجتماعي إلى الإنسان البدائي. وتتشعّب هذه السلسلة في مجالات الأدب والموسيقى والمسرح وغيرها. لكنْ لماذا يلجأ الشاعر السوري اليوم إلى القناع؟ وما حدود حرية القول التي يتمتع بها؟ وهل للحرب دورٌ في إذكاء الحنين إلى العصور البائدة؟
الإلهة الأنثى:
استكمالًا لما قلتُ عن استمرار الثقافة الوثنية في الهوامش، رغمَ إقصائها عن المركز السياسي-الديني لعدة قرون، نأخذ الإلهة-الأنثى موضوعًا للدرس. لقد استطاع الإسلامُ تحريمَ عبادة الأوثان، وهي تعودُ في غالبها إلى آلهةٍ مؤنثة، وأخرجها من مجال الممارسة الدينية والاجتماعية. لكنها ما لبثتْ أنْ عاودت الظهورَ في الأدب، فتحوّلتْ “ليليت” (أو اللات) إلى “ليلى”، وعادت ابتهالاتُ الشعراء تصبو إليها. ولا أحسبُ توظيفَ الأسطورة في الشعر الحديث غيرَ تَـمَظْهُرٍ (representation) جديدٍ للثقافة الوثنية.
يقدّم أحمد م. أحمد نصًّا إيروتيكيًّا طويلًا بعنوان “بالقولِ تحبلُ الأنثى”، وفيه لا تظهر الإلهة-الأنثى بصورةٍ مفارقة للواقع، ولا تسكن في السماء أو تتجلّى في شمسٍ أو قمر. بل هي إلهةٌ أرضية وتجلّياتُها طبيعية وملموسة: “سآوي إلى البقايا: شِـقّ الرمّانة، رائحة السرو والطيّون في عـشِّـها/الورد-الملاذ”. ويكون التواصل بين العاشق الـمُبتهِل والمعشوقة الإلهة بالحواسّ البشرية الخمس، لا بلغة العشاق العُذريين أو الصوفيين:
“انظُريني ما أقرَبَـنـيْ إليكِ: أشـمُّكِ كغزالتي،
وأدورُ حولك، ويضوعُ عطرُكِ في الخصب العميم.
سأسمعُ بعد حينٍ شهيقك، وأضيعُ في حياة
الرغبة القصيّة عند سقفِ الموت اللذيذ…” [15]
وهنا لا يكون للقناع الجنسي دورُ إخفاء الجنس وتقديمه بصورة مقبولة اجتماعيًّا، فهو واضح وصريح. بل دور إخفاء طقوس الجنس الوثنية، وتقديمها بصورة مقبولة اجتماعيًّا، بصورة حبّ لا ديانة، مع أن الوثنية تشي بنفسها في عباراتٍ مثل “أدور حولك” و “الخصب العميم”، ويزلُّ لسانُها في مكانٍ آخرَ من النص: “الله الذي جبلْـتُه من مائك، وبَرقِ حلمتيك.” وليس كلُّ ذلك سوى هروبٍ فرديّ من الزمن الحالي نحو زمن الفطرة والبداءة، وإنكارٍ ضمنـيّ للمنظومة السياسية-الدينية-الاجتماعية القائمة.
وفي السياق ذاته، نجد شعراء آخرين قد وضعوا الحبّ قناعًا، يخفي الرغبةَ بالعودة إلى الوثنية وطقوسها. نقرأ عند واحدٍ منهم: “يا امرأةً… طالَ ركُوعي بين يديك” [16]، وعند آخر: “ألعقُ فخذيكِ طوال الليلِ كأنهما الماء” [17]، بينما يقول ثالث: “وكأنها المعنى الحقيقيُّ الأخير/ لما تجسَّدَ من زوالِ أُلوهةِ الأُنثى” [18]. لا يا صديقي! ألوهة الأنثى لم تزل، وها هو نصُّك يقول ذلك.
الإله الذكر:
أعتقد أنه لم توجدْ ثقافة أبويّة بالمطلق، ولا أموميّة بالمطلق. وكذلك يتعذّر وصفُ ثقافةٍ ما بالغربية الصافية أو الشرقية الصافية، وما ثقافتُنا إلا نتاجٌ من إسهاماتِ البشرية جمعاء. وفي الوقت الذي كانت فيه الثقافة العربية متمركزة حول المرأة (قبل الإسلام)، كانت الثقافة اليونانية متمركزة حول الرجل. فنُصبَتْ له التماثيل الضخمة، وتسلّلتْ رموزُهُ الجنسية في مختلف مظاهر الحضارة والسلطة، ليست الأعمدة الشاهقة والأبراج سوى بعضٍ منها. كل ذلك قبل اكتشاف حضارات الشرق القديم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ودخولها في الأدب العربي منتصف القرن العشرين.
من صفات الإله-الذكر/البعل المعتادة؛ أنه يسكن في السماء مقابلَ الأرض-الأنثى، وأنه يتجلّى على شكل مطر. هذا الارتباطُ بين الرجل والماء نطالعه في عديدٍ من النصوص حتى اليوم، إذ يحضر الماءُ حيث يحضر الرجل، كقول سارة حبيب: “الكتابةُ عنكَ تحت المطر/ بَـلَـلٌ مُضاعَف”، وفي مكانٍ آخر: “كلّما رفعتَ يدكَ من بعيد/ تحسَّسْتُ مائي” [19]. ويكون للماء وظيفةُ إخصابِ الأرض المؤنثة، لتعشبَ وتزهر من جديد، تقول بسمة شيخو: “مَنْ غيري/ تُنبِتُ العشبَ تحت أقدامك”، وفي النص ذاته: “مَنْ غيري/ لجسدها عناقيدُ/ تنتظرُ نظراتكَ لتعتّقها. وتفاحٌ مُـحـرّمٌ/ ينتظرُ أنْ تقبّـلَ وجنته” [20]. ونلحظ هنا أنّ استعادة الفردوس المفقود، وامتلاءَ الجسد الأنثوي/الأرض بالعناقيد والتفاح، لا يكونان إلّا عند حضور الرجل/الماء، وقيامه بدوره “الزراعي”.
حتى في قصيدة المدينة، تظهر الرموز الوثنية تحت أقنعةٍ جنسية. فنطالع عند هنادي زرقة: “أكادُ أصطدمُ بالأشجار وأعمدةِ الإنارة/ وألعنُ سوءَ تنظيمِ هذه المدينة طيلة الوقت.” فهنا لا يشير الاصطدامُ بالأشجار والأعمدة إلى فوضى في الذهن فحسب، بل إلى فوضى في اللاوعي كذلك، إذ ليست الأشجار والأعمدة سوى رموز ذكورية لبستْ قناعًا مقبولًا اجتماعيًّا، وهذا ما تشي به تتمةُ النص: “لديّ رغبةٌ بالوقوع في الحبّ/ لكنّ المدينةَ سوداءُ/ ورجالُها واجمونَ/ مثلَ صوتٍ جافّ” [21]. ولا نأتي بجديد إذ نقول إنّ الجفاف هو العقم ولا شيء غيره.
وكما أرى، ليست هذه الأقنعة سوى هروبٍ من زمن الحرب والموت والعقم، وتحليقٍ عكسَ الساعة إلى زمن الفطرة البدائية والحرية الحقيقية. وهي تُخفي (وتكشِفُ) موقفًا نفسيًّا يرفضُ المنظومة السياسية- الدينية- الاجتماعية القائمة، و “يكفُر” بها.
الهوامش:
- آنجلو، مايا: امرأة استثنائية. تر: عبد الكريم بدرخان، دار الأدهم، القاهرة 2015. ص 85.
- استعرتُ الجملة الأخيرة من تيري إيغلتون، من كتابه “ما بعد النظرية”.
- Freud, Sigmund: “Beyond the Pleasure Principle”. Bartleby. New York, 2010. P. 54-64.
- ليست ثنائية إقصائية في نظري، لأنّ فرويد اعتمد “مبدأ وحدة الأضداد وصراعها” كقانون ناظم لمبدأ اللذة، وهذا المبدأ قادم من الجدل الهيغيلي (أطروحة×نقيض=تركيب) مرورًا بالمادية الديالكتيكية، ما يعني أنها ثنائية بنّاءة وتركيبية. وهكذا يقوم مبدأ اللذة على بُنيان تتوحّدُ فيه الأضداد ضمن منظومةٍ متكاملة، يحكمها قانون عامّ للذة والألم. وهنا لا يكون الألمُ استثناءً من مبدأ اللذة، بل هو عنصرٌ مكمّل له. حيث أنّ كلّ سعي وراء اللذة يتضمّن تجنُّب الألم، وكلُّ هروبٍ من الألم يتضمّن رغبةً بتحقيق اللذة.
- الحسن، حسن إبراهيم: غامض مثل الحياة وواضح كالموت. جائزة دبي الثقافية للإبداع-الدورة الثامنة، دبي 2015. ص 33.
- من قصيدة “ترصيع بالذهب على سيف دمشقي”.
- العثمان، محمد طه: جاءت تربّي الضوء. دار فضاءات، عمّان 2016. ص 11.
- عمران، أنور: أسند ظهري إلى الرياح. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2017. ص 55.
- عمران، رشا: بانوراما الموت والوحشة. دار نون، رأس الخيمة 2014. ص 5.
- زرقة، هنادي: الحياة هادئة في الفيترين. دار النهضة العربية، بيروت 2016. ص 35.
- السهوي، مناهل: جوع النساء المعمّر. جريدة الديار، عدد 1/شباط/2017. ص 26.
- فتحي، إبراهيم: معجم المصطلحات الأدبية. المؤسسة العربية للناشرين المتحدين، صفاقس 1986. ص 279.
- للتوسع في الموضوع، أُحيل القارئ إلى ميشيل فوكو “إرادة المعرفة” أو نيتشه “مولد التراجيديا”، أو إلى أيّ دراسةٍ اعتمدتْ واحدًا من هذين المنهجين.
- يُنسَب إلى قيس بن الملوح.
- أحمد، أحمد م: أحرق سفنه إلا نعشًا. دار أرواد، طرطوس 2015. ص 124-127.
- عباس، د. موسى رحوم: فبَصَرُك اليوم حديد. دار فضاءات، عمّان 2014. ص 30.
- حمودة، إياد: بوسعي أن أرى الطائر كاملًا. دار أرواد، طرطوس 2015. ص 82.
- عثمان، أحمد شكري: كمآذن ألِـفَـتْ مراثي الريح. جائزة الشارقة للإبداع العربي، الشارقة 2017. ص 82.
- حبيب، سارة: النجاة حدث مملّ للغاية. دار أرواد، طرطوس 2017. ص 34-35.
- شيخو، بسمة: شهقة ضوء. مركز التفكير الحرّ، جدّة 2015. ص 86-87.
- زرقة، هنادي: نفسه. ص 41.