دمشق والاكراد: اوهام متبادلة

دمشق والاكراد: اوهام متبادلة

زيارة وفد «مجلس سوريا الديمقراطية» الكردي – العربي إلى دمشق لم تكشف عمق الفجوة بين الطرفين فحسب؛ بل انطباعات خاطئة لكل طرف عن «خصمه» الجديد الذي كان «حليفاً» في سنوات سابقة… أيضاً، عدم دقة رهان كل منها على حليفه الدولي؛ واشنطن بالنسبة إلى الأكراد، وموسكو بالنسبة لدمشق.

بالنسبة لوفد «سوريا الديمقراطية»، جاء إلى دمشق متسلحاً باعتقاده أن التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة واشنطن، باق في شمال شرقي نهر الفرات. قادة أكراد عسكريون وسياسيون يعتقدون أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يسحب قواته من شرق سوريا لسببين: الأول؛ تقليص النفوذ الإيراني وقطع طريق طهران – بغداد – دمشق – بيروت. الثاني؛ هزيمة تنظيم «داعش» وعدم ظهوره ثانية… أي؛ عدم تكرار ترمب خطأ سلفه باراك أوباما عندما انسحب من العراق.

لذلك، فإن وفد «سوريا الديمقراطية»، رفع سقف توقعاته: البدء أولاً بعودة الخدمات من كهرباء وصحة ومياه وتعليم في مناطق «قوات سوريا الديمقراطية»، التي تشكل ثلث مساحة سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، إضافة إلى التوصل إلى صيغة مباشرة تخدم «المصلحة المشتركة» لاستثمار حقول النفط التي تشكل 90 في المائة من الإنتاج السوري، والغاز الذي يشكل نحو نصف الإنتاج الوطني.

بالنسبة إلى الوفد الزائر، فإن النجاح في «إجراءات بناء الثقة» يؤدي إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل سيطرة «الدولة السورية» على معابر الحدود مع العراق وتركيا ونشر أجهزة الأمن، إضافة إلى بحث صيغة للتجنيد الإجباري لشباب المنطقة الشرقية وعلاقة الـ75 ألف مقاتل من «قوات سوريا الديمقراطية» بالجيش السوري المستقبلي.

أما المرحلة الثالثة، فستتناول طبيعة الحكم – النظام السوري. الوفد، يعتقد أنه قادر على فرض صيغة «الإدارات الذاتية»، خصوصاً بعدما شكل مجلسا للتنسيق بين الإدارات في المحافظات الثلاث الحسكة ودير الزور والرقة والمناطق ذات الغالبية الكردية والكردية.

في المقابل، بدا أن دمشق، من خلال الكلام القليل لوفد «مجلس الأمن الوطني» الذي رأسه اللواء علي مملوك مع زواره من شرق سوريا، ليست في عجلة من أمرها. كان واضحاً، بحسب المعلومات، أن دمشق تتحدث عن «خطوط حمر»؛ هي: السيطرة على جميع المعابر الحدودية بما فيها تلك الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» مع العراق وتركيا، ورفع العلم الرسمي على جميع النقاط الحدودية والمؤسسات العامة، وعدم قبول «أي خطوة انفصالية».

لذلك، ترى أن أي خطوة لإعادة الخدمات يجب أن تكون ملزمة بحراسة أمنية من المركز. ولم تكن دمشق متعجلة لإجراء مفاوضات مباشرة لاستثمار حقول النفط والغاز، وهي تفضل التعاطي عبر وسطاء، باتوا «أمراء حرب»، جمعوا مئات ملايين الدولارات عبر نقل صهاريج النفط من حقلي الرميلان وعمر إلى مصفاة حمص.

لم يكن الوفد الأمني، الذي غاب عنه السياسيون والحكوميون، مستعدا لبحث اللامركزية أو الإدارات الذاتية، بل هناك قناعة بأن القانون رقم «107» الذي يتحدث عن مجالس محلية تابعة لوزارة الإدارة المحلية، كاف لمعالجة الشواغل الكردية، إضافة إلى بعض «التنازلات» المتعلقة بحقوق الأكراد اللغوية والاحتفالية والخدمة.

الواضح أن دمشق تستند في تشدد موقفها لثلاثة أمور: المكاسب العسكرية الأخيرة قرب دمشق وحمص وجنوب سوريا، والدعم الروسي جواً والإيراني براً، والرهان على أن الأميركيين سيغادرون سوريا وأن الوقت لصالح دمشق. وهناك رهان رابع خفي؛ القدرة على تطويع المنطقة الشرقية باختراقات نابعة من تحالفات سابقة مع عشائر عربية أو تنظيمات كردية. لذلك، لم تقم دمشق بإعلان بيان رسمي عن اللقاءات، واكتفت ببضع كلمات نقلا عن «مصدر مطلع» تضمنت نفيا لبحث موضوع اللامركزية.

وأمام هذه الفجوة، كان «الإنجاز» الوحيد للقاءات رفع الحظر في دمشق عن ذهاب فنيين وخبراء لإصلاح عنفات توليد الكهرباء في سد الطبقة على نهر الفرات، وموظفين لمنشآت صحية، مع بطء شديد في تشكيل لجنة مشتركة لبحث التعاون المستقبلي ضمن «لعبة شراء الوقت».

من هنا، جاء اقتراح كردي جديد لإحداث اختراق: التعاون معاً لشن هجوم على عفرين وإدلب… أي إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستحضار التعاون السابق بين دمشق و«حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان ضد تركيا.

المشكلة في هذا الرهان، هو الانطباعات الخاطئة لكل طرف عن «حليفه»… روسيا لم تسمح لدمشق بتقديم المعاونة لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية في عفرين بداية العام، بل إنها تخلت عن «الوحدات» لصالح تركيا. كما أن روسيا لم تسمح لقوات الحكومة بشن عملية شاملة ضد فصائل معارضة وإسلامية في إدلب. أيضاً، فإن الأميركيين؛ حلفاء «قوات سوريا الديمقراطية» شرق نهر الفرات، عقدوا اتفاقا مع تركيا لحل ملف منبج وقد يكون على حساب «وحدات الحماية».

قد يعيد التاريخ نفسه: يخيب الروس دمشق في إدلب، ويخيب الروس «الوحدات» في عفرين، ويخيب الأميركيون «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات كما خيبهم الروس في «درع الفرات» و«غصن الزيتون».

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

الميليشيات المحلية الموالية للنظام في سوريا

الميليشيات المحلية الموالية للنظام في سوريا

رغم الضغوطات غير المسبوقة التي تعرض لها الجيش السوري خلال الحرب السورية، على الأقل حتى التدخل الروسي في سبتمبر أيلول عام ٢٠١٥، لم يحدث أن حصل عصيان أو تمرد جماعي داخل صفوفه، ولم تتأثر سلسلة الرتب والقيادات فيه، لكن قابله تطور ظاهرة “التهرب” من أداء الخدمة العسكرية، وبدرجة أقل ظاهرة “الانشقاق” عنه. وتختلف ظاهرة “الانشقاق” التي تنطوي على قضية سياسية ترتبط بتخلّي المرء عن وحدته العسكرية ليقاتل في صفوف المعارضة (دوروثي اوهل، مركز كارينغي، 2015) عن ظاهرة “التهرب” التي تعني فقط عدم الالتحاق بخدمة العلم المفروضة وفق القانون السوري.

وقد قامت المؤسسة العسكرية السورية بتحفيزات اقتصادية في محاولة منها لضبط حالات التهرب من الخدمة، كزيادة رواتب العسكريين خمس مرات خلال سنوات الحرب السبع، لكن هذا الإجراء لم ينجح بسب تجاوز التضخم قيمة الزيادة. فعلى سبيل المثال حتى عام ٢٠١٨ تضاعف راتب المجند السوري أربع أو خمس مرات، في حين انخفضت قيمة الليرة السورية إلى عُشر قيمتها في نفس الفترة مقارنة بعام ٢٠١٠. سعت أيضاً المؤسسة العسكرية مُمثلة بإدارة التوجيه المعنوي في الجيش ردع حالات التهرب عبر خلق رأي عام طائفي يروج لفكرة مصير الأقليات، عززتها ممارسات فعلية للفصائل الإسلامية المعارضة على الأرض.

ساهم هذا الرأي الطائفي جزئياً في ظاهرة “التهرب” والتوجه الى ميليشيات أكثر تعبيراً عن الاصطفاف الطائفي المتزايد خلال الحرب. إن ظاهرة “التهرب” مؤشر لحقيقة جوهرية، وهي أن الشباب السوري ضمن البيئات الموالية) ورغم عدم قناعته بـالثورة (ضد النظام السوري) يحمل في فكره عدم إيمان عميق بالنظام السياسي القائم.

في الحقيقة هذه النقطة هي التي ستسقط النظام السوري مستقبلاً وليست القوة العسكرية التي لم ولن تسقطه. نُشير هنا إلى أن العناصر المتهربة من الخدمة الإلزامية هي متنوعة للغاية من حيث الجغرافيا والطائفة والوضع المادي والاجتماعي والأكاديمي. أما قول إن معظمهم من طائفة “السنّة” فهذا لأن النسبة الأكبر من سكان سوريا هي من هذه الطائفة، بالتالي تنتفي حصرية الصفة الطائفية كسبب للتهرب من الخدمة العسكرية.

بينت الأحداث اللاحقة لانطلاق الأزمة السورية أن آليات اتخاذ القرار كانت بشكل أو بآخر غير دقيقة في تقدير خطط انتشار الجيش السوري وأولويات تنفيذ عمله، وصوابية عدد من مهماته من منظور المصلحة الاستراتيجية العليا. في الواقع كان لدى النظام السوري قناعة شبه مطلقة بأن الوضع في سوريا لن يصل إلى ماوصلت إليه الدول العربية التي أصابها “الربيع العربي”.

وفقاً لهذه القناعة لم تحصل أية مراجعة حقيقية لمكامن الخطأ في بنية ومفاصل الدولة السورية، خاصة الفضاء الاقتصادي ومنظومة البنية المدنية التي تعرضت لأكبر ضرر يمكن أن يتصوره أحد. ورغم أن جنودها أُهمِلوا، ورُمي بهم في بعض الأحيان لقمةً سائغة إلى الموت بقيت المؤسسة العسكرية السورية على مستوى عالي من التماسك. لكن مع نهاية العام الأول من الحرب فُرِض واقع جديد؛ بدأ الشباب السوري يعزف عن الالتحاق بالجيش السوري، قسم منه التحق بـ”الثورة السورية”، وقسم هرب خارج سوريا كلاجئ أو مهاجر، والقسم المتبقي ممن كانوا تحديداً من المناطق الجغرافية التي يسيطر عليها النظام تهربوا بشكل شبه مطلق عن الالتحاق بالخدمة العسكرية. هذا الوضع أدى إلى انخفاض عدد الجيش السوري إلى نحو مئة وعشرين ألف عنصر عام ٢٠١٤، بعدما كان إجمالي عدده يقارب ٣٠٠  ألف قبل الحرب (تشارلز ليستر، مركز بروكينغ الدوحة، 2014). من الناحية النظرية، يمكن القول أنه كان بإمكان الدولة السورية وقتها استدعاء مايقارب ١.٧ مليون مقاتل (جوزف هوليداي، معهد الحرب الاميركي، 2013). لقد احتاج النظام نتيجة نقص العدد في قواته إلى وسائل جديدة لحث الشباب أو من يقدر على حمل السلاح للتطوع، وبما أن الساحل السوري مثل الخزان البشري للنظام بحكم الطائفة وهواجس الأقلية، ابتكر النظام طريقة لحث المتطوعين للانضمام إليه، وهي سحق الاقتصاد الزراعي في ريف هذا الساحل، وتجويع القاعدة الشعبية الريفية الداعمة له، لدفع الشباب الى التطوع في الميليشيات المحلية أو الالتحاق بالخدمة العسكرية مقابل عائد مادي يسد رمق أسرهم. ومن نتائج هذه السياسة أنه قد تم تدمير الدورة الاقتصادية لإنتاج الحمضيات في محافظتي اللاذقية وطرطوس.

ديناميات القوة: نحو الميليشيا المحلية الموالية

لقد أدت عوامل كـ(ضعف الاهتمام بالمقاتل السوري، والتخلي عنه في جبهات القتال، وسرقة مخصصاته الغذائية، وإعطاء ضباط الجيش إجازات له مقابل تخليه عن جزء من راتبه أو راتبه كله) إلى تهرب المجندين من الالتحاق بالجيش السوري النظامي نحو الالتحاق بالميليشيات المحلية، مثل ميليشيات “الدفاع الوطني”، “الألوية الطوعية”، “صقور الصحراء”، “لواء القدس” وغيرها من تلك المحلية، أو من تلك المدعومة من إيران كـ”لواء ذو الفقار”، “لواء أسد الله”، “سرايا الزهراء”، و”حركة حزب الله النجباء”.

نشأت هذه الميليشيات من حيث المبدأ لدعم الجهود العسكرية للجيش السوري، عبر مجموعات محلية خفيفة التسليح، تشكل نوعاً من الدعم الذاتي، مالبثت أن بدأت تتوسع وتقاتل على مساحات شاسعة من سوريا. لكن في العمق، ظهرت هذه الميليشيات بفعل ديناميات اقتصادية واجتماعية خضعت لها شريحة واسعة من المجتمع بسبب الحرب. وقد وجدت العناصر المتطوعة عبر هذه الميليشيات ملاذاً من أي ارتباطات قانونية وسبيلاً للهروب من أداء الخدمة الإلزامية في الجيش النظامي، حيث يُعاني المجند من الإهمال والجوع والاحتفاظ طويل الأمد.

لقد خَلقت هذه الميليشيات بيئة آمنة قائمة على مبدأ التخصص، بمعنى التمييز الحمائي من القانون واكتساب درجة من النفوذ السلطوي، مع العطاءات المادية التي يمكن أن تأتي، إما عن طريق وسائل مشروعة على شكل رواتب نظامية، أو عن طريق وسائل غير مشروعة أصبحت معروفة محلياً في سوريا بظاهرة “التعفيش.” ومن المعروف في الأوساط الشعبية في مناطق عديدة من سوريا أنه تمّ تحديد عشرات الآلاف من عمليات التعفيش الممنهج التي قامت بها عناصر من الميليشيات المحلية، بشكل فردي أو جماعي على خلفيات طائفية كما في حلب الشرقية وريف حماه الشمالي، أو على خلفيات قومية كما في عين العرب وتلّ أبيض وتل تمر، أو على خلفيات عشائرية كما في ريف الميادين وريف البوكمال. وشوهدت علامات فارقة على البيوت المنهوبة تُشير إلى ديانة أو قومية ساكنيها. و تمّت في حالات أخرى سرقة المحاصيل الزراعية كمحاصيل اللوزيات في ريف حمص، والقمح في الشمال السوري، بتنسيق ممنهج لمنظومة عسكرية كاملة.

وخلال الحرب السورية ولحظة سقوط أي بلدة أو قرية بيد الميليشيات المحلية تتم سرقة البيوت والمحال من كل ما يمكن حمله، ثم يتم تفكيك المواد مثل أسلاك الكهرباء، نوافذ الألمنيوم، أبواب الحديد وغيرها من المواد التي يمكن إعادة استخدامها. لاحقاً يتم تحميلها علانية بآليات قد تكون لأشخاص مدنيين لم يشاركوا بالتعفيش، وتباع علانية في أسواق خاصة دون أي محاسبة.

رغم عدم إنكار أن العديد ممن تطوعوا في هذه الميليشيات هم من الشرفاء ومنهم من قدم حياته في المعركة إلا أن هذه  الميليشيات ساهمت إلى حد كبير في تضرر الصورة المعنوية للجيش السوري، وأصبح بعض قيادييها أقوى من سلطة الدولة نفسها، وحصلت بعض الحوادث التي ظهر فيها قادة هذه الميليشيات أكثر نفوذاً من قادة الجيش السوري أنفسهم، مُعززةً بذلك التمايز وردود الفعل بين مجندي الجيش النظامي وبين مجندي هذه الميليشيات من حيث العائد المادي والنفوذ السلطوي. كما أدت هذه الميليشيات الى ارتفاع نسبة الجريمة والفوضى في البلاد. باختصار إن السرديات المافيوية لهذه الميليشيات في محافظتي اللاذقية وحلب يندى لها الجبين، لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه الميليشيات ممولة من رجال أعمال وشخصيات اعتبارية عشائرية أو حزبية سورية ومرتبطة بشكل او بآخر بالأجهزة الأمنية.

أفول المليشيات المحلية الموالية

بدأت في مايو\أيار ٢٠١٨ ملامح تغييرات تحصل على الأرض فيما يتعلق بالميليشيات المحلية، إذ توقف صرف رواتب عناصر ميليشيا “الدفاع الوطني” في أغلب قطاعات الغوطة الغربية من دمشق، ورافق ذلك حملة تنقلات وإعفاءات لقادة بعض هذه القطاعات. وتمت أيضاً إزالة حواجز تابعة للجان الشعبية والميليشيات الأخرى غير الرسمية في كل من دمشق وحمص وبقية المدن الرئيسية الأخرى. كما صدر قرار بحلّ بعض هذه الميليشيات وأهمها: ميليشيا أحمد الدرويش وعلي الشلّة في حماه، وسيمون الوكيل وأيمن صيادي في ريف حلب الجنوبي، وسُحبت البطاقات الأمنية من عناصرهم، كذلك ميليشيا “صقور الصحراء” التي كان يتزعمها أيمن جابر الذي سُحبِت منه رخص استيراد وتوزيع الدخان المستورد، وتسود حالياً حالة من القلق عند عناصر هذه الميليشيات حول مصيرهم مستقبلاً.

بالتأكيد حلّ هذه الميليشيات جاء نتيجة جملة من المتغيرات السياسية والعسكرية. فبعد سقوط الغوطة الشرقية تمكن النظام من استلام زمام الأمور ميدانياً، وأصبح له عدد عسكري متوافر، بالتالي لم يعد بحاجة ماسة إلى هذه الميليشيات في ضبط بعض الجغرافيات، أو ضبط الأمن في قطاعات سكنية ومدنية معينة. سياسياً، يبدو أن روسيا قد ضغطت أيضاً على النظام في إطار جملة من الشروط الدولية التي تدعو إلى حل ومحاربة جميع الكيانات العسكرية غير المعترف بها والتي تشمل أيضاً وفق المنظور الغربي الميليشيات المحلية وتلك “الإيرانية” الخارجية الداعمة للنظام.

وترى موسكو وحتى واشنطن أن تحييد الجيش السوري على حساب الميليشيات لن يحقق أي حل سياسي دولي للأزمة السورية، لأن أي قوات دولية سواء كانت بقيادة روسية أم لا، لن تجد جيشاً وطنياً تعتمد عليه لحفظ النظام واستتباب الأمن في أي عملية تهدف لحل سلمي مستقبلاً لسوريا، بل ستجد أمامها كيانات عسكرية غير منضبطة في حالة مشابهة للحالة الليبية.

إن حل الميليشيات يحمل بُعداً اقتصادياً أيضاً يرتبط بإعادة الإعمار، فمن سيمول سيفرض شروطه في أي استثمار، وأهم هذه الشروط حماية هذا التمويل وإلزام الدولة السورية على إصلاح إداري وقانوني شامل يحمي الاستثمارات الخارجية من تعديات محتملة لكيانات عسكرية أو أمنية غير قانونية، في مقدمتها الميليشيات المحلية والمقربة من عائلة النظام السوري المعروفة تاريخياً بوسائلها غير الشرعية في نهب الاقتصاد السوري والتعدي على القوانين، ونفوذها التسلطي على مؤسسات الدولة السورية. وفي بلد تُوصف دولته بالفساد الممنهج والأسطوري، لا عجب أن يلعب قادة الميليشيات العسكرية دوراً مافيوياً رئيسياً في اقتصاد ما بعد الحرب. وتتخوف القيادة الروسية من سيناريو شبيه بنموذج “الحشد الشعبي” في العراق الذي نشأ لأسباب أمنية-عسكرية وتحول لاحقاً الى مؤثر في العملية السياسية. إن سير عملية الإصلاح سيكون مسؤولية الطرف الذي سيتولى قيادة إعادة إعمار سوريا وهو غالباً روسيا لأنها دفعت الكثير لضمان مصالحها في سوريا، ولا تستطيع الميليشيات المحلية الموالية للنظام أن تقف في طريق هذه المصالح الروسية ولاحتى النظام نفسه.

سامر فوز هدفٌ بارز لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية

سامر فوز هدفٌ بارز لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية

عاد اسم رجل الأعمال السوري البارز سامر فوز إلى الظهور مجدداً على الساحة الإعلامية، لكن هذه المرة كهدف لوزارة الخزانة الأمريكية ضمن برنامج العقوبات التي تستهدف نظام بشار الأسد مالياً.

عُرف سامر فوز إثر شرائه حصة الأمير السعودي “الوليد بن طلال” في فندق “فور سيزنز” في العاصمة دمشق، حين كشفت آنذاك صحيفة «فايننشال تايمز» عن عملية الشراء، مشيرةً إلى أن رجل الأعمال المذكور مرتبط برأس النظام السوري بشار الأسد.

صحيفة “The Hill” السياسية الأمريكية نشرت مؤخراً مقالاً للمحلل السياسي ومدير قسم الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات “ديفيد أديزنيك” دعا فيه حكومة بلاده إلى تجديد وتوسيع دائرة العقوبات الاقتصادية على النظام السوري، الأمر الذي سيدفع إيران إلى تحمّل أعباء مالية أكثر إزاء دعمها لدمشق.

وقال أديزنيك إن “بشار الأسد قد وجدَ رجال الأعمال المناسبين ممن يديرون ويشرفون على المبالغ الضخمة في البلاد لإنقاذ نظامه الذي يعاني ضائقة مالية”، اثنان منهم يبرزان كأهداف رئيسية لوزارة الخزانة الأمريكية، أوّلهما سامر فوز.

فوز محامٍ، تاجر حبوب، يبلغ من العمر ٤٤ عاماً، وهو من مواليد مدينة اللاذقية الساحلية السورية، متزوجٌ وله ٤ أولاد، بنى إمبراطورية من الشركات الممتدة حول العالم منذ بداية الحرب؛ تضعه صفقة شراء حصة الأمير السعودي من الفندق الشهير في ذات الدرجة التي تتمتع بها وزارة السياحة السورية، والتي يخضع وزيرها “بشر يازجي” لعقوبات الاتحاد الأوروبي.

كما يترأس فوز العديد من المناصب في الشركات والمؤسسات التي تتبع له كـ  رئيس مجلس إدارة “مجموعة الفوز القابضة” التي أُسست عام ١٩٨٨، والرئيس التنفيذي لمجموعة “أمان” القابضة، والتي يتفرع منها شركات (فوز للتجارة، فوز التجارية، المهيمن للنقل والمقاولات، صروح الإعمار)، إضافة إلى ما يتفرع عن (مجموعة الفوز القابضة) من استثمارات متنوعة في مجالات استيراد وتصدير المواد الغذائية، وذلك قبل أن يتجه أخيراً إلى الاستثمار العقاري بمشاريع في سوريا ولبنان وروسيا وغيرها، إضافة إلى استعداده إطلاق قناة تلفزيونية تدعى “لنا”.

أما الشخصية الثانية، البارزة كهدف أمام وزارة الخزانة -حسب أديزنيك- فهي عضو مجلس الشعب السوري “حسام قاطرجي”، قائد إحدى الميليشيات المسلحة التابعة للنظام في حلب، والذي أسس شركة “أرفادا” البترولية برأس مال يصل حتى مليار ليرة سورية، وثّق تحقيق لرويترز دوره في نقل القمح من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” آنذاك، إلى تلك الخاضعة لسيطرة النظام؛ كما تحدثت تقارير عدة عن دوره في إبرام صفقات نقل النفط من المناطق التي تسيطر عليها جماعات كردية، إلى مناطق سيطرة النظام.

قاطرجي، من مواليد الرقة ١٩٨٢، لم يكن معروفا ضمن الأسماء المتداولة في منظومة آل الأسد الاقتصادية، سوى أنه كان تاجراً في حلب، ورئيساً لـ “مجموعة قاطرجي الدولية” التي تضم العديد من الشركات من ضمنها شركة “قاطرجي للتطوير والاستثمار العقاري”، وشركة “البوابة الذهبية للسياحة والنقل”، وشركة “الذهب الأبيض الصناعية”، إلا أنه برز خلال العام ٢٠١٧ بعد تعاملاته السرية مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، لصالح النظام السوري.

يصنّف رجلا الأعمال السوريان (قاطرجي، وفوز) كـ “حيتان حرب” ضمن مجموعة حيان ظهرت بعد العام ٢٠١١، إلا أن الأخير (سامر فوز) لا يزال الأكبر حجماً، والأكثر غموضاً، من تأسيسه مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانب قوات النظام السوري، إحداها في اللاذقية تدعى «درع الأمن العسكري» إلى اعتدائه مرةً بالضرب على فنانة لبنانية تدعى «قمر» لعلاقتها بشقيقه (عامر) بعد أن كشفت الأخيرة عن عمليات تجارة مخدرات، حتى قضية قتلٍ تلاحقه بحق رجل الأعمال المصري-الأوكراني “رمزي متّى” في تركيا منذ العام ٢٠١٣، ويُرتقب صدور حكمها النهائي شهر آب/ أغسطس القادم.

يؤكد بعض المحللين الاقتصاديين أنّ فوز على علاقة بالروس على خلفية كونه السبب في إلغاء صفقة استيراد قمح من إيران نهاية العام الفائت، والتي وجهها بدوره إلى شركة «أوف شور» التابعة له في روسيا؛ ويرى البعض الآخر أنه واجهة إيران في دمشق، على خلفية شرائه أراضٍ وعقارات لصالح إيرانيين في البلاد.

في هذا الوقت تجدد وزارة الخارجية الروسية دعواتها لرفع العقوبات عن النظام السوري، بحجة إعادة إعمار البلاد، وعودة اللاجئين إلى موطنهم، والتي «ستساهم في استقرار الوضع داخل سوريا، والمنطقة بأسرها» على حد تعبير ماريا زاخاروفا المتحدثة باسمها في مؤتمر صحفي.

كما مرّر قبل بضعة أيام مسؤولون في حزب البديل لأجل ألمانيا (AFD) اليميني قراراً خلال مؤتمر للحزب في مدينة “أوغسبورغ”، دعوا فيه إلى رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية المفروضة على النظام السوري، وذلك ضمن مساعيه المتواصلة للتخلص من اللاجئين السوريين في ألمانيا.

وبين الدعوات لفرض وتوسيع دائرة العقوبات من جهة، ورفعها عن النظام السوري برجالاته المالية من جهة أخرى، لا يزال الجدل محتدماً حول فاعلية مثل هذه الإجراءات، ففي حين يتم التشكيك بمدى قدرة العقوبات الاقتصادية على التأثير في البنية الشمولية للنظام السوري، يشار في الوقت نفسه إلى أنها نمّت بيئة خصبة لتعزيز دور البُنى المالية-المافيويّة على شاكلة سامر فوز وغيره، إضافة إلى أنها دمرّت الاقتصاد المحلّي، الأمر الذي انعكسَ سلباً على السكان بالمجمل.

هويّة شوّهتها العقائد والمصالح

هويّة شوّهتها العقائد والمصالح

أليست الهوية تكثيفاً للماهية؟ وإذا كانت كذلك فهذا يعني أنها يجب أن تعكس سماتها وأبعادها وعمقها، السمات التي تعكس مظهرها وتبدياته بكل وجوهه وألوانه وأشكاله، وأبعادها التي تمتد عميقا في التاريخ، مبرزة ما تركته أحداثه وصروفه من آثار تتبدى عبر صفة أو سمة أصيلة من سماتها. وأما عمقها فهو يبرز طبائعها النفسية والاجتماعية التي انتهت إليها.

الهوية هي بطاقة التعريف التي يفترض ألا تحتمل التأويل والتفسير لأنها الدلالة الواضحة على الشخص، الكينونة أو الكيان.

الهوية السورية مصطلح بحاجة إلى تعيين وتحديد يأخذان التاريخ والجغرافيا بعين الاعتبار، ويستدلان باللغة والثقافة والمحمول النفسي وما تركه هذا كله من أثر على هذه الهويّة، تعيين وتحديد يفضي إلى فهم موحد للموضوع درءاً لكل غموض أو التباس أو سوء فهم.

كانت سورية تعني الهلال الخصيب كاملاً حتى تاريخ سقوط بابل عام ١٢٩ ق .م بيد البارثيين. بدأ مع هذا التاريخ التحول في معنى المفهوم التاريخي\الجغرافي لكلمة “سورية”، وأخذت تدل على المنطقة التي بقيت بيد السلوقيين، أي ساحل المتوسط. وفي عهد الروم قام اغنايوس بومبيوس ماغنوس بضم سورية إلى الجمهورية الرومية عام ٦٤ ق.م وأعلنها مركزاً للإمبراطورية الرومانية في الشرق. وحافظ هذا المفهوم الجغرافي على دلالته حتى مطلع القرن العشرين؛ فمع اتفاق سايكس–بيكو حدث تغيير جديد في دلالة هذا المفهوم أي “سورية.” إ اقتُطع منها فلسطين ودولة لبنان وما سمي بشرق الأردن كيليكيا ولواء الاسكندرون. وها نحن اليوم وفي العام السابع للأزمة السورية نرى احتلالات متعددة على الأرض السورية من “إسرائيل” في الجولان إلى تركيا في اللواء قديماً وفي جزء كبير من الشمال حديثاً إلى تواجد قوات عسكرية لدول كبرى وإقليمية متعددة في مناطق متعددة من الجغرافيا السورية.

على الباحث أن يتجنب الاستسلام لرغباته أو أحلامه، أو أن يتكل على مسلماته الشخصية. هو معني بالغوص عميقاً لكي يحيط بالشخصية السورية ويكتشف أبعادها وتبديّاتها التي تظهر من خلالها في الواقع.

من أهم الأسئلة المطروحة اليوم، هو عن أية سوريا نتحدث؟ هل عن سوريا قبل ٣٠٠ ق.م أم عن سوريا بعد٣٠٠ م؟ هل عن سوريا الهلال الخصيب أم بلاد الشام أم سوريا الحاضر أوائل القرن ٢١؟

هل من يحدد الشخصية السورية هو ذلك الناطق بالعربية أو الناطق بالسريانية أو الآرامية؟ هل هو العربي أم الآشوري؟ أليست سوريا كأرض وجغرافيا أقدم من كل ساكنيها؟ أليس سكنهم وعيشهم فيها هو الذي أكسبهم الصفة السورية؟ ألم تعش العديد من اللغات وتستخدم في سوريا إلى أن تمت الغلبة للعربية بحكم التطور والاصطفاء؟ أليست العروبة سمة صبغت وشكلت بثقافتها وباللغة العربية الإنسان السوري؟ أليست سوريا هي موطن العربية؟ أكثر من ذلك أليست الأرض السورية هي موطن العرب؟ وأخيرا أليست الأرض السورية هي المكان الذي منه انطلقت المدنية؟ وفيه عاش أو عاشت أقوام مختلفة جنباً إلى جنب لآلاف السنين حيث انصهروا في نسيج واحد وثقافة واحدة وحملوا تاريخاً مشتركاً؟ ألم تختلط دماؤهم في ري هذه الأرض وهم يدافعون عنها، كما اختلطت بالتزاوج لتنتج أجيالا جديدة ومتجددة؟ أليس هذا هو التاريخ السوري؟

بهدوء وثقة يمكن القول أن السوري هو من ينتمي بالولادة والحياة والولاء لسوريا الجغرافيا والتاريخ. وانطلاقاً من الجغرافيا السورية التي سنضيف إليها الصيرورة والسيرورة التاريخيتين لسكانها، سنجد أن العربية لغتها والعروبة هوية وثقافة لها. وسيجمع على ذلك كل سوري: العربي، والآشوري والسرياني والمسلم والمسيحي وما عدا ذلك. قد نجد بعض الاعتراضات هنا وهناك لكنها لا تذكر.

وسنرى أن هذه الهوية المنجزة على المستوى النظري تاريخياً وواقعياً غير منجزة على الصعيد العملي، حقوقياً وسياسياً. ويمكن تفسير ذلك وإرجاعه إلى الفتن الدينية والمذهبية والعرقية التي كانت تتسبب فيها سياسة الحاكم واستبداد السلطة والعامل الخارجي الذي كان دائما يضع سوريا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي في أولوية أهدافه. وهذا الأمر لا يزال قائما إلى اليوم. أمر آخر حال دون أن تتحول هذه الهوية إلى واقع منجز هو عدم تشكل دولة وطنية: دولة مؤسسات، دولة قائمة على عقد اجتماعي ودستور ناظم وقوانين مستمدة منه، وتشريعات معتمدة عليه.

وكما في الماضي كذلك هو اليوم. إن ما عطل وأخر وخصى مشروع الدولة هو السلطة الاستبدادية. التفرد بالسلطة وحكم الحزب الواحد الذي أقصى الجميع  مجتمعاً وقوى سياسية) عن أن يكونوا منخرطين وفاعلين في الدولة. وهذا ليس مقتصراً على سوريا بل هو يطال دولا عربية أخرى كثيرة.

لقد كان لتدخل العسكر بالحياة السياسية عبر الانقلابات بدءاً من انقلاب حسني الزعيم عام ١٩٤٩ أثر كبير في الحياة السياسية. فهو وإن أعطاها زخما، وأذكى الحالة العامة حماساً إلا أنه ومع الوحدة السورية المصرية التي حلت الأحزاب بداية، تم التأسيس للقمع وتدخل الأمن وسيطرة الحزب الواحد على العمل السياسي، الأمر الذي سيتبدّى جلياً للعيان بعيد استيلاء وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد على السلطة في سوريا عام ١٩٧٠ م.

وإذ كانت العربية هي اللغة والثقافة الإسلامية السائدة بفعل الدور الكبير الذي لعبه الدين الإسلامي كمرجع روحي وأخلاقي وتشريعي وعقيدي لغالبية السكان، وبفعل التراكم التاريخي، فإن هوية عربية الملامح إسلامية الثقافة متفاعلة ومتعاضدة مع كل الموروث الديني والثقافي والحضاري لمنطقة بلاد الشام، برزت واضحة وجلية، بحيث أن زعيماً عربياً كعبد الناصر وحزباً قوميا كحزب البعث وظفاها وأبرزاها كل بطريقته ليتشكل ما سمي في حينه المد القومي الذي طرح الوحدة العربية كشعار له. وبقدر ما لعبا دوراً مهماً في إبراز هذه الهوية، كان حكمهما والسلطة التي مارساها، والاستبداد الذي عمماه، هي التي شوهت هذه الهوية من جهة، وساهمت في خلق أعدائها من جهة أخرى. وإذا أضفنا التغييب المتعمد للفكر والمفكرين، وللثقافة والمثقفين، وللناس عموماً عن الانخراط في الحياة العامة وعن ممارسة النشاط السياسي، نكون قد شخصنا جزءاً كبيراً من إشكالية الهوية والوعي في سوريا كما في البلدان العربية الأخرى.

إن صعود الفكر القومي عبر أنظمة الحكم المتمثلة بعبد الناصر والبعث ورغم التجاذب الكبير بينهما، أسس لهوية عربية تحددت ملامحها. وعندما نقول عربية فنحن نعني هوية قامت على فكرة العروبة الثقافية والحضارية المتكئة على التراث والثقافة الإسلاميين. ولكن الاستبداد الذي رافقهما، وتغييب المجتمع، وعدم السماح للمجتمع المدني بالتقدم والتطور الذي يكفل له قدرة الدفاع عن الهوية واغنائها؛ وعدم الالتفات إلى التأسيس الحقيقي للدولة الوطنية القائمة على عقد اجتماعي ودستور ومؤسسات تحميهما، هو الذي قاد في النهاية ليس إلى فشل المشروع القومي فقط، وإنما إلى خلخلة الهوية وضعفها بحيث لم تتطور إلى مستوى ناضج وواضح ومستقر.

هنا لا يمكننا إلا أن نعرج على الدور السلبي للقوى الدينية وفكرها وممثليها السياسيين، سواء عبر الوهابية أو من خلال تنظيم الإخوان المسلمين، الذين لم يقتصروا على مناكفة الفكر القومي ومشروعه فقط بل وصل الأمر إلى حد طرح هوية بديلة، قائمة على الفكر الديني وخاصة السلفي منه. لقد طرحوا الهوية الإسلامية وعملوا على محاولة فرضها على المجتمع سياسياً من خلال مبدأ الحاكمية وفكرياً من خلال الفكر الإسلامي ( القرآن والحديث) كمرجعية وحيدة للتشريع. ولا يخفى أننا بتنا أمام طرفين يمارسان الإقصاء: الفكر القومي من جهة والفكر الإسلامي من جهة أخرى. وإذا أضفنا إلى هذا كله قصور وعجز الفكر الماركسي ومعه الليبرالي عن إثبات نفسيهما وعدم قدرتهما على التأسيس لتواجد فاعل ومستمر في ضوء الممارسات التي مارسها خصومهما، ندرك إلى أي مدى نحن بعيدون عن نضوج الهوية وتخلقها النهائي بحيث تصبح سمة دالة وواضحة المعالم بذاتها.

من الصعب على الشعب السوري، بعد هذه السنين السبع من حرب دمرت كل شيء، أن يستطيع الاتفاق أو التوافق على هوية واحدة واضحة ومتماسكة. بل ومن الظلم أن يطلب منه ذلك. لأن المخيّر بين الموت والحياة، سيختار الحياة ولن تهمه طبيعة المكان ولا المناخ السائد فيه بل قدرة هذا المكان على تأمين استمراريته في الحياة والعيش الآمن الذي يوفره له. بهذا المعنى، فإن طبيعة الهوية سيحددها واحد من أمرين: إما التوافق، وفي هذه الحالة ستكون هوية مؤقتة، ولظروف انتقالية؛ أو الفرض اعتمادا على مبدأ القوة والغلبة. وهنا ليس لنا أن نتيقن كثيراً من قدرتها على الاستمرار والتوضع النهائي.

إن الاختيار (ونحن هنا لسنا في موقع المفاضلة أو الاختيار) بين دولة علمانية ودولة تعتبر الدين مرجعية لها، وفي وضعنا الراهن هو شرك خطير وقد يكون قاتلا لأن من شأنه أن يؤدي إلى إقصاء طرف ويحوله إلى خصم مناكف، مثابر ومعاند، مشتت للجهد ومعيق للتقدم. قد يقول قائل إن هذا يصح في الدولة الدينية، لكن المنطق يقول إن النتائج ستكون واحدة لأي من الخيارين، ولسبب بسيط، وهو أن الدول إنما تبنى بالإنسان، أداتها الرئيسة كما موضوعها هو الفرد الإنساني، أي المجتمع، وعندما يكون نصف أو ثلث أو ربع هذا المجتمع – لن أقول معادياً–  بل مشلولاً، ماذا ستكون النتيجة؟ إعاقة بامتياز!

إن العيش المشترك بين مختلفين قد لا يقود بالضرورة إلى التشارك والمشاركة الكلية، ولكنه سيقود إلى التشارك أو المشاركة في أشياء عديدة. هذه العملية التطورية عبر التاريخ، ومن خلال التراكم، هي التي تشكل الهوية أو الهويات في منطقتنا، وفي سوريا خاصة، لم تنته هذه الصيرورة. يمكن القول إن الهوية السورية الموغلة في القدم، والتي كانت موطناً للعرب وللعربية مذ انتشرت هذه الأخيرة لتحل محل الآرامية والسريانية، قد عرفت نوعاً من التطور اللافت مع الفتح الإسلامي وما تلاه من انتشار للإسلام وما عرفته من قدوم تلاه توطن واستقرار للفرس والروم ومن ثم المغول والأذريين والشركس والترك والكرد والديالمة وغيرهم.

إذن يمكن القول إن هذه الهوية السورية– التي استقرت على العربية لغة، والثقافة الإسلامية فضاء مع حفظ والتمسك بـ: حق الديانات والمذاهب وأي تنوع حضاري آخر بالوجود والاستمرارية– قطعت شوطاً بعيداً في اكتساب ماهيتها المتفردة وكينونتها الخاصة، وليس أدل على ذلك من رد فعلها التلقائي والمقاوم لعملية التتريك التي قام بها العثمانيون. و ينبغي التنويه، على سبيل الملاحظة والتذكير، إلى الدور الذي قام به مسيحيو المنطقة، وكذلك إلى دور العديد من الشخصيات ذات الأصول غير العربية من كرد وغيرهم.

مع كل هذه الأقوام التي سكنت البلاد وعمرتها وامتزجت مع أبنائها تزاوجا وعيشا ولغة، سنجد أن الكثير من البثور والنتوءات ستطفو على السطح هنا أو هناك، أو ربما بقيت مختفية تحته منتظرة اللحظة المناسبة لتبرز من جديد، وهل هناك ظرف، أو بيئة أكثر ملاءمة من البيئة التي لازمت الأزمة السورية وما رافقها من تحريض وتجييش وإقصاء وقتل وتدمير؟

إن عملية الصهر أو الانصهار هذه وان تمت، إلا أنها لم تصل بعد مداها. في هذه الهوية الكثير من صفات العناصر التي شكلتها تاريخياً ولا تزال تشكلها إلى اليوم. وهي إذ حسمت مسألة اللغة والفضاء الثقافي والحضاري وحصرتهما بالعربية لغة وبالثقافة والحضارة الإسلامية فضاء، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى العديد من التعيينات اللونية الخاصة بها، كما هي بحاجة إلى تعيينات أخرى تتعلق بدور العقل وموقعه، ودور الدين وموقعه، ودور الإنسان وموقعه، وجملة الأهداف والغايات الأخرى التي تتطلع إليها.

إن من حق أبناء هذه الهوية أن يشعروا بالفخر لأنهم خلاصة هذا التلاقح والانصهار التاريخي الذي حصل على أرضهم وفيها. والى أن تتعين وتتحدد من حقها على أبنائها أن ينظروا إلى المستقبل بثقة تاركين الماضي للتاريخ والباحثين فيه.

مُخرِب الأحلام

مُخرِب الأحلام

كان الشاب المدعو- آدم  والذي صار لقبه فيما بعد – الفيل – يجلس في الباحة السماوية تحت شجرة النارنج، عندما رأى فقاعة أشبه بفقاعة الصابون، تخرج من نافذة الغرفة التي ينام فيها والده وعروسه، وتقترب نحوه .

كان والده قد يئس من أية إمكانية لجعله آدمياً، فقد  طُرد من مدرسته على إثر ضربه لأحد أساتذته كما فشل في كل المهن التي تنقل فيها وكان على قناعة راسخة أنه لم يخلق ليؤدي عملاً نافعاً. بل يتعمد أن  يفسد الأشياء التي يفترض أن يصلحها، كأن يترك في المدافئ ثقوباً ليتسرب منها الوقود وتحرق البيوت بقاطنيها أو يغرس في الأحذية مسامير مسننة، أو يحدث في أقفال الأبواب ثغرة كي يخلعها اللص  ووصل به الأمر إلى وضع العث والديدان في المعاطف التي يبيعها .

بعد  طرده صار يمضي وقته  في باحة البيت تحت شجرة النارنج،  يسهر ليلاً وينام نهاراً. وكان الأب الذي طلق والدة آدم وتزوج شابة صغيرة  يشعر أن منتهى سعادته هي أن ينام ولده حتى وقت متأخر ويتمنى أن لا يستيقظ أبداً.

عندما صارت الفقاعة على بعد إنشين منه ارتجف جسده ورأى ما اعتبره خيانة زوجية تحدث في غفلة عن والده . كانت  زوجة والده، وجارهم الشاب يركضان في الفقاعة الشفافة الحمراء، وكانت الفقاعة التي بحجم كرة قدم تزداد توهجاً مع ضحكاتهما وعناقهما المحموم  بينما تتبدل ألوانها من الفضي إلى الوردي الفاتح إلى الأرجواني المتوهج.

في اليوم التالي لم يخرج كعادته لملاقاة أصحابه، بل أمضى يومه يراقب الزوجة الشابة وهي ترابط عند النافذة وتنظر بعيني قط محروم إلى باب الجيران.  

عند الغروب جلس خلف نافذته يراقب الزوجين وهما ينهيان آخر عاداتهما اليومية. سمع قرقعة الصحون وانسياب الماء في الحمام… دعسات والده… وقفل باب غرفتهما. عندها سحب كرسيه وجلس تحت شجرة النارنج  ينتظر الفقاعة التي اقتربت منه، وقدمت نفسها له كشاشة سينما أبطالها زوجة أبيه وجارهم الشاب. كانا يسبحان عاريين في مغطس ماء حار.

يتعانقان …يركضان على الحافة الدائرية للمسبح …يغيبان في أروقة قصر باذخ،  ثم يقفزان في الماء، و يواصلان السباحة.

غرس سبابته فأحس بلزوجة الفقاعة أخرجها ثم غرسها مجدداً كمن يوجه طعنة بسكين  فانقبض وجه المرأة وتراجعت للخلف، وهي تنظر حولها بذعر، شعر العاشق بالخطر فسبح هارباً خارج الحيز الذي يشمله الحلم لكن آدم ضربه في ظهره بسبابته فانزلق الشاب عند طرف الحوض وارتطم رأسه بالرخام، وسالت دماء كثيرة،  ثم تحول لون الفقاعة قبل أن تتبدد من الوردي إلى الأسود عندها سمع صرختين من الغرفة، وركض والده -الذي كان شخيره قبل ثوان يملأ الأرجاء – هلعاً ليملأ كوب ماء.

ما اعتبره  هواية ومارسه لسنوات  في المقهى وفي الشارع مع  المتشردين تحول بعد وفاة والده إلى حرفة حيث قصده الناس من كل مكان، وطارت سمعته إلى أوروبا وأفريقيا. قصده إعلاميون فاشلون وصحفيون يبحثون عن الشهرة بأي ثمن و دفعوا أموالاً طائلة لكي يروا قدراته الخارقة.

قصده الجميع بما فيهم الفنانون والسياسيون، والأساتذة الجامعيون، وأخيراً السحرة الذين أرادوا أن  يتعلموا منه طريقته في تحويل الحلم الأخضر إلى حلم يابس والأحلام الوردية إلى أحلام سوداء وكوابيس.

كان باب بيته مزدحماً واضطروا إلى هدم حارتين لكي يوسعوا الشارع المؤدي إلى بيته باعتباره ثروة إنسانية كما وقف خمسة عشر شرطياً وثلاثمائة متطوع  لتنظيم حركة المرور، واستعمل مئات المساعدين لتنظيم الزبائن في باحة البيت وفي الشوارع والمقاهي الجانبية والذين كانوا من كل الأجناس والأعمار.

كانت تقصده النساء لكي يباغت أزواجهن وعشيقاتهم في أسرتهن، ويحول أحلامهم  إلى كوابيس….

…الرجال الذين  يطلبون منه أن يتجسس على أحلام رؤسائهم في العمل

…آخرون يتفرجون على رغبات حبيباتهن ولكل شيء تسعيرة  فمشاهدة الحلم لها ثمن، والعبث به له ثمنه أيضاً.

كان كل شيء يسير باعتياد إلى أن أتى ذلك اليوم ….

في البداية أرسلوا إليه أشخاصاً يلبسون قبعات جلدية تخفي عيونهم  يجلسون في باحة البيت، و يراقبون باب مكتبه ويتهامسون فيما بينهم. في صباح أحد الأيام احترق منزله وفي يوم آخر نهبت نقوده ثم طردوا زبائنه وفي النهاية طلبوا إليه أن يعمل لحسابهم.

– تعمل لدينا ويعود لك ما أخذ منك مضاعفاً. عملك الآن سيختلف. نحن لا تهمنا خيانة الأزواج ولا الزوجات ولا ترهات العشاق والمراهقين.

على من سأتجسس إذاً؟

ستعرف لاحقاً.

كان تصنيف الأحلام يتدرج من عالية الخطورة كالأحلام المتعلقة بالأفكار  وأطلق عليها أحلام المجانين… إلى متوسطة الخطورة كالبيوت الفارهة أو السيارات الجميلة أو النساء الفاتنات وسميت أحلام اليائسين… إلى لا خطر منها وهي المتعلقة بوجبات الطعام  كأن يحلم الشخص بدجاجة مشوية أو مرطبان من العسل أو سلة من الفواكه وسميت أحلام الأموات.

لكن رئيسه في العمل أصر على أن كل الأحلام  خطرة لأنه إذا حظي الحالم بمرطبان العسل فسينتقل إلى المرتبة الأعلى، وهكذا حتى يبدأ بإطلاق أفكاره كما يطلق ريحاً من مؤخرته دون حسيب أو رقيب ، وكان يخبره كل صباح  مقطوعته اليتيمة: نحن لم نبن لك هذا المكتب كي تترك تلك الحشرات الخطرة تعبر من سماء المدينة .

وبذلك  صار يعمل دون ملل ويطلق العنان للشر الذي رباه في صدره طيلة السنوات الماضية تحت شجرة النارنج .

في بعض الأحيان كان يقبض على شخص وهو يعبر بوابة بيت ذي إطلالة جميلة أو يتأمل شرفة قصرعندها يلامس الفقاعة بصاعق كهربائي  فتهتز الفقاعة وينهار البيت فوق رأس الحالم، قد يعاود الحالم الكرة في الليلة التالية لكن بعد محاولتين أو ثلاث سيستيقظ مذعوراً بمجرد رؤيته لإطلالة جميلة أو بيت مترف.

وفي أحيان أخرى يجد أحدهم متأنقاً ويمشي بزهو فيوجه مروحة إلى حلمه تجعله يتأرجح وسط دوامة ريح عاصفة ثم يسكب الماء الممزوج بالوحل على ثيابه ولا يكتفي بتخريب هندامه وبعثرة شعره بل يطلق خلفه كلاباً متوحشة.

أحلام الشعراء والفلاسفة صنفت ضمن عالية الخطورة حيث يلقي هؤلاء المواعظ والنظريات حتى في نومهم لذلك  كان يسكب فوقهم دلواً من الأسيد وهو يقسم أن يجعلهم: يتبولون في أسرتهم وعلى زوجاتهم وبالفعل كانوا يستيقظون وقد نسوا كل تفصيل ما عدا رائحة الأسيد والفراش المبلل ولعنات الزوجات.

تسليته الوحيدة هي أحلام الفقراء كأن يباغت شخصاً مع تفاحة أو حبة موز يضع فوق سبابته دودة ويغرسها في الفقاعة فتتحول الثمرة إلى حشرة ضخمة.

أمضى حياته يدخل زلازل في الأحلام  يسكب الأسيد والكيروسين يطلق كلاباً وأفاعيَ، يرمي في طعام الفقراء حشرات وقذارات ولم يترك حلماً يكتمل وكان يردد الحكمة التي سمعها من دون أن يفهمها: للأحلام قوة تجعلهم يستيقظون ويفهمون لكن الكوابيس تفعل العكس.

في النهار يقضي وقته  في الحانة ثم ينام بضع ساعات. في الليل يبدأ عمله صار لديه مساعدون وتلاميذ مثله ضخام الهيئة لذلك أطلق عليهم الفيلة، وأضيف بجانب اسم كل منهم رقم، مثل الفيل واحد، الفيل اثنان، الفيل ألف.

مع الوقت ازداد عدد الفيلة، وصارت الأحلام تُبتر من منتصفها، وتتحول إلى كوابيس، وكان  لكل حلم فيل ينتظره على مفترق الطريق، بعد زمن لم تعد تمر أية فقاعات متوهجة فقط الفقاعات السوداء كانت تستطيع المرور عبر سماء المدينة.  

سوريا في أسبوع، ٣٠ تموز

سوريا في أسبوع، ٣٠ تموز

إدلب في عين العاصفة
٢٦-٢٩ تموز/يوليو

بعد سيطرة قوات الحكومة على الجنوب، بات التركيز على إدلب حيث يقيم ٢.٥ مليون شخص نصفهم من النازحين، إضافة إلى ٤٠-٥٠ ألف مقاتل بينهم متطرفون. وكشف مصدر في المعارضة عن قيام فصائل المعارضة في الشمال السوري بتشكيل جيش جديد  لمواجهة القوات الحكومية التي تستعد للتوجه إلى محافظة إدلب.

وقال المصدر: “توحدت فصائل المعارضة وأبرزها جبهة تحرير سورية وهيئة تحرير الشام والجبهة الوطنية وجيش الإسلام وجيش إدلب الحر في تشكيل جيش جديد أطلق عليه اسم ‘جيش الفتح’، والذي يزيد عدد مقاتليه عن  أكثر من ٧٥ ألف شخص بهدف التصدي للقوات الحكومية التي بدأت تحتشد باتجاه المنطقة من محاور ريف حلب الجنوبي والغربي وريف إدلب الغربي وريف اللاذقية، وتم تحديد مهام كل جبهة من تلك الجبهات.”

وتوقع المصدر أن تبدأ العمليات العسكرية قبل نهاية شهر آب/أغسطس القادم وذلك بعد خروج أهالي بلدتي كفريا والفوعة من ريف إدلب، وبدأت القوات الحكومية بإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى شمال وغرب سورية.

في المقابل، استبعد رئيس هيئة التفاوض السورية نصر الحريري حصول معركة في محافظة إدلب، لأنها “لن تكون سهلة”، معولا على “ضمانة” تركية للحؤول دون هذه المعركة التي يسعى إليها النظام وحلفاؤه.

وكان الرئيس السوري بشار الأسد  قال في مقابلة مع وسائل إعلام روسية نشرت الخميس على أن الأولوية الحالية للنظام هي استعادة السيطرة على محافظة إدلب في شمال غرب سوريا. وقال الأسد “هدفنا الآن هو إدلب على الرغم من أنها ليست الهدف الوحيد.” وأوضح “هناك بالطبع أراض في شرق سوريا تسيطر عليها جماعات متنوعة. لهذا السبب سنتقدم إلى كل هذه المناطق، والعسكريون سيحددون الأولويات، وإدلب واحدة منها.”

وكشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أن بلاده تخطط لاستضافة قمة بمشاركة روسيا وفرنسا وألمانيا في أيلول/سبتمبر تركز على التطورات في سوريا ومستقبل إدلب على طاولة اجتماع ضامني عملية استانة (روسيا، ايران، تركيا) في سوتشي الاثنين والثلاثاء.

يوم دام في سويداء القلب
٢٦-٢٧ تموز/يوليو

شيعت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية الخميس عشرات من أبنائها الذين قتلوا في هجمات لتنظيم “داعش” أودت بأكثر من ٢٥٠ شخصاً، في أكبر عملية للجهاديين في هذه المنطقة منذ بداية النزاع في ٢٠١١.

وتمكنت قوات النظام مع مسلحين محليين من صد هجوم الجهاديين في مدينة السويداء وقرى في ريفيها الشمالي والشرقي، فيما أفادت آخر حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل ٢٥٢ شخصاً بينهم ١٣٩ مدنياً، والباقون من المقاتلين الموالين للنظام وغالبيتهم “سكان محليون حملوا السلاح دفاعاً عن قراهم.”

وارتفعت الحصيلة تدريجياً منذ صباح الأربعاء مع وفاة جرحى والعثور على جثث مزيد من المدنيين قال المرصد إنه “تم اعدامهم داخل منازلهم بالإضافة الى وفاة مصابين متأثرين بجراحهم.”

وبدأ التنظيم هجومه صباح الأربعاء بتفجير أربعة انتحاريين أحزمتهم الناسفة في مدينة السويداء تزامناً مع تفجيرات مماثلة استهدفت قرى في ريفها قبل أن يشن هجوماً على تلك القرى ويسيطر على عدد منها. وبعد ساعات من القصف والاشتباكات، تمكنت قوات النظام من صد الهجوم، وفق المرصد والإعلام الرسمي. وقتل خلال الهجوم وما لحقه من قصف واشتباكات ٦٣ من مقاتلي التنظيم بينهم سبعة انتحاريين، وفق المرصد.

ونقل التلفزيون السوري الرسمي الخميس مشاهد مباشرة من مراسم تشييع القتلى الذين سقطوا في ريف السويداء وسط أجواء من الحزن والغضب. ووضعت نعوش ملفوفة بالعلم السوري وسط قاعة تجمع فيها مئات من الشباب والمشايخ الدروز. وحمل بعض الشباب صور القتلى التي وضعت أيضاً فوق كل نعش، وحمل اثنان منهم على الأقل وهما يرقصان رشاشين على وقع التصفيق وترداد الأهازيج.

ودانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على حسابها على تويتر الهجمات. وكتبت “من السويداء… أخبار مفجعة. المدنيون ليسوا أهدافاً.” وتبنى “داعش” الأربعاء في بيانين منفصلين الهجمات التي قال إن “جنود الخلافة” نفذوها في مدينة السويداء وريفها.

وقال وزير الخارجية السورية وليد المعلم الخميس إن “عناصر تنظيم داعش الإرهابي القادمين من البادية” ارتكبوا “جريمة همجية بشعة راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى” في السويداء.

ويعد هذا الاعتداء الأكبر على المحافظة التي بقيت الى حد كبير بمنأى عن النزاع. وتسيطر قوات النظام على كامل المحافظة فيما يقتصر وجود مقاتلي التنظيم على منطقة صحراوية عند أطرافها الشمالية الشرقية.

وبعد طرده من مناطق واسعة في سوريا والعراق المجاور، لا يزال التنظيم قادراً على التسلل من الجيوب والمناطق الصحراوية التي يتحصن فيها لتنفيذ هجمات دموية.

وتمكنت قوات النظام في أيار/مايو من طرد التنظيم من أحياء في جنوب دمشق، وتم إجلاء مئات من المقاتلين من مخيم اليرموك وأحياء مجاورة إلى البادية السورية الممتدة من وسط سوريا حتى الحدود مع العراق وتتضمن جزءاً من أطراف محافظة السويداء.

ومنذ إجلائهم، ينفذ الجهاديون هجمات على نقاط لقوات النظام وحلفائها في البادية والمناطق المحيطة بها، وفق المرصد.

ونشرت شبكات إعلامية محلية على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً قالت إنها تعود لمقاتلين من التنظيم قتلوا خلال اشتباكات الأربعاء. وأفادت عن العثور على بطاقات هوية بحوزتهم تظهر أنهم من مخيم اليرموك.

العلم يعود الى الركام المحرر
٢٧ تموز/يوليو

احتفل نحو ٣٠٠ شخص من جنود سوريين ومدنيين في مراسم رمزية الجمعة باستعادة النظام السيطرة على مدينة القنيطرة في الجنوب بعد خروج المقاتلين المعارضين منها.

وتقع مدينة القنيطرة شبه المهجورة والمدمرة منذ الحروب العربية – الإسرائيلية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، في المنطقة منزوعة السلاح، قرب القسم الذي تحتله إسرائيل من هضبة الجولان السورية.زسيطرت فصائل معارضة وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على المدينة إثر اندلاع النزاع في سوريا في ٢٠١١.

وتوشك قوات النظام السوري السيطرة على كامل الخط الحدودي مع هضبة الجولان المحتلة، بعدما استعادت الجزء الأكبر من محافظة القنيطرة إثر عملية عسكرية ثم اتفاق تسوية أبرمته روسيا مع الفصائل المتمركزة فيها، والذي خرج بموجبه الأسبوع الماضي مئات المقاتلين والمدنيين إلى الشمال السوري.

و”للاحتفال” بالنصر، تجمع نحو ٣٠٠ شخص من جنود ومدنيين ومقاتلين وافقوا على تسليم سلاحهم في المدينة للمشاركة في مراسم رمزية شملت رفع العلم السوري في الساحة. كما عُلقت صورة للرئيس السوري بشار الأسد على نصب مدمر في وسط “ساحة التحرير”، بحسب ما أفاد مراسل لوكالة فرانس برس شارك في رحلة نظمتها السلطات.

خلاف حول شروط الإعمار
٢٨ تموز/يوليو

دعت روسيا القوى العظمى الجمعة إلى مساعدة سوريا على إنعاش اقتصادها وعودة اللاجئين بينما تواصل حليفتها دمشق حملتها لاستعادة الأراضي التي فقدت السيطرة عليها في النزاع المستمر منذ العام ٢٠١١.

ودعا مساعد السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ديمتري بوليانسكي إلى رفع العقوبات الأحادية المفروضة على سوريا، وقال إن الدول يجب ألا تربط المساعدة بمطالبها بإجراء تغييرات سياسية في نظام بشار الأسد.

وقال بوليانسكي أمام مجلس الأمن الدولي إن “إنعاش الاقتصاد السوري” يشكل “تحديا حاسما” بينما تعاني سوريا من نقص حاد في مواد البناء والآليات الثقيلة والمحروقات لإعادة بناء مناطق بأكملها دُمرت في المعارك. وأضاف “سيكون من الحكمة لكل الشركاء الدوليين الانضمام إلى المساعدة في جهود تعافي سوريا والابتعاد عن الربط المصطنع بالضغط السياسي.”

إلا أن فرنسا قالت بوضوح إنه لن يتم تخصيص مساعدات لإعادة إعمار سوريا ما لم يوافق الأسد على مرحلة انتقالية سياسية تشمل صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات. ورأى السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرنسوا دولاتر في مجلس الأمن أن الأسد يحقق “انتصارات بدون سلام”، مشددا على الحاجة إلى محادثات سياسية حول تسوية نهائية. وقال “لن نشارك في إعادة إعمار سوريا ما لم يجر انتقال سياسي فعليا بمواكبة عمليتين دستورية وانتخابية (…) بطريقة جدية ومجدية.”

وأضاف أن انتقالا سياسيا هو شرط “أساسي” للاستقرار، مؤكدا أنه بدون استقرار “لا سبب يبرر لفرنسا والاتحاد الأوروبي تمويل جهود إعادة الإعمار وكانت روسيا قدمت خلال الشهر الجاري مقترحات لإعادة اللاجئين السوريين من الأردن وتركيا ولبنان ومصر تتطلب دعما ماليا دوليا.

خريطة كردية – بعثية
٢٨ تموز/يوليو

أعلن مجلس سوريا الديموقراطية، الذراع السياسية لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، السبت إثر لقاء مع ممثلين لدمشق تشكيل لجان بين الطرفين لتطوير المفاوضات بهدف وضع خارطة طريق تقود إلى حكم “لامركزي” في البلاد.

وتُعد هذه المحادثات الأولى الرسمية العلنية بين مجلس سوريا الديموقراطية ودمشق لبحث مستقبل مناطق الإدارة الذاتية في الشمال السوري، في خطوة تأتي بعدما استعاد النظام مناطق واسعة من البلاد خسرها في بداية النزاع المستمر منذ ٢٠١١.

وجاءت زيارة وفد مجلس سوريا الديمقراطية التي بدأت الخميس، لدمشق بدعوة من الحكومة السورية، وفق بيان صدر السبت عن المجلس ونشر على حسابه على فايسبوك.

وأسفر اجتماع عُقد الخميس، بحسب البيان، عن “اتخاذ قرارات بتشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولا إلى وضع نهاية للعنف والحرب التي أنهكت الشعب والمجتمع السوري من جهة، ورسم خارطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لا مركزية.”

ولم يصدر أي تصريح رسمي من دمشق. وطوال سنوات النزاع، بقيت المواجهات العسكرية على الأرض بين قوات النظام والمقاتلين الأكراد نادرة.

بعد عقود من التهميش، تصاعد نفوذ الأكراد في سوريا مع انسحاب قوات النظام تدريجياً من مناطقها في العام ٢٠١٢ ليعلنوا لاحقاً الإدارة الذاتية ثم النظام الفدرالي قبل نحو عامين في منطقة “روج أفا” (غرب كردستان).

وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية التي تعد وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري على نحو ثلاثين في المئة من مساحة البلاد تتركز في الشمال، لتكون بذلك ثاني قوة مسيطرة على الأرض بعد الجيش السوري.

وتأخذ دمشق على المقاتلين الأكراد تحالفهم مع واشنطن، التي قدمت لهم عبر التحالف الدولي غطاء جوياً لعملياتهم العسكرية ضد تنظيم “داعش” ودعمتهم بالتدريب والسلاح والمستشارين على الأرض. وكان الرئيس السوري بشار الأسد وضع الأكراد في وقت سابق أمام خيار المفاوضات أو الحسم العسكري.

عودة “طوعية”
٢٨ تموز/يوليو

أمنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، اليوم السبت، العودة الطوعية لـ ٧٢٢ نازحاً سورياً من منطقتي شبعا جنوب لبنان والبقاع الأوسط شرق لبنان عبر مركز المصنع الحدودي شرق لبنان باتجاه الأراضي السورية.

وأعلن بيان صادر عن المديرية العامة للأمن العام أنه “في إطار متابعة موضوع النازحين السوريين الراغبين بالعودة الطوعية إلى بلداتهم، قامت المديرية العامة للأمن العام بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بتأمين العودة الطوعية لـ ٧٢٢ نازحا سوريا من منطقتي شبعا والبقاع الأوسط عبر مركز المصنع الحدودي باتجاه الأراضي السورية.”

وكان المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، قد أعلن أن الفترة المقبلة ستشهد عودة مئات الآلاف من النازحين السوريين من لبنان إلى سوريا. يذكر أن عدد النازحين السوريين في لبنان يبلغ نحو مليون نازح، أمّنت كل من المديرية العامة للأمن العـام العودة الطوعية للمئات منهم حتى الآن بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. جاء ذلك بعد زيارة المبعوث الروسي الكسندر لافرينييف إلى دمشق وبيروت وعمان لبحث عودة اللاجئين من دول الجوار.

قوائم التعذيب
٢٨ تموز/يوليو

شدد نائب رئيس “الائتلاف الوطني السوري” المعارض بدر جاموس، على أن تسليم النظام قوائم بأسماء المعتقلين المتوفين تحت التعذيب لسجلات النفوس “يكشف حجم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية داخل معتقلات النظام، والتي اعتبر أنه لا يمكن للأمم المتحدة أو لجنة التحقيق الدولية التغاضي عنها.”

وشهدت الأيام الأخيرة تسليم النظام لسجلات النفوس في مختلف المحافظات السورية، قوائم بأسماء القتلى الذين ماتوا تحت التعذيب في المعتقلات، وذكر ناشطون حقوقيون أن القوائم ضمت ألف سجين من مدينة داريا بريف دمشق، و٧٥٠  من الحسكة، و٥٥٠ من حلب، و٤٦٠ من المعضمية، و٣٠ من يبرود.

وقال جاموس أن الهدف من الكشف عن تلك القوائم هو “تخفيف الكارثة عندما يتم إعلان الإفراج عن المعتقلين بأوامر من روسيا”، وأضاف أن النظام قتل عشرات الآلاف من المعتقلين والكشف عن ذلك دفعة واحدة سيشكل صدمة كبيرة، وتابع قائلاً: “وأيضا لدينا خوف من استمرار القتل فى المعتقلات لتصفية أكبر عدد ممكن مع هذا الصمت الدولي.”

وأشار أيضاً إلى أن تسليم تلك القوائم للنفوس وإسقاط هويات المتوفين وإصدار شهادات وفاة لهم، سيساعد دمشق في مصادرة أملاكهم ضمن القانون رقم ١٠ الذي يخطط النظام من خلاله لإجراء عمليات تغيير ديموغرافية واسعة في البلاد.