روسيا و “الاستفراد”بجنوب سوريا

روسيا و “الاستفراد”بجنوب سوريا

تحاول روسيا مؤخراً فرض نفسها ووجودها أكثر في مناطق الجنوب السوري خاصة في درعا والقنيطرة، من خلال استمرار الدوريات العسكرية الروسية وزيارات وفود روسية إلى درعا، ودخولها على خط تقديم الخدمات والمساعدات للقطاعات المدنية في المحافظة.
كما زار المحافظة مؤخراً عدة شخصيات روسية رسمية وغير رسمية منهم نائب رئيس مركز المصالحة الروسية الضابط كوليت فاديم والمنسقة بين وزارتي التربية السورية والروسية سفيتلانا روديفينا، ومسؤولين في جمعيات خيرية روسية، وأكد نائب رئيس مركز المصالحة الروسي خلال زيارته إلى محافظة درعا مؤخراً عبر وسائل إعلام محسوبة على دمشق، أن روسيا مستمرة في دعم سوريا ومحافظة درعا على وجه الخصوص.

نشيد… وعلم
وافتتح الجانب الروسي في درعا يوم الخميس 18 تشرين الثاني (نوفمبر) مركزاً لتعليم اللغة الروسية في مدرسة إسماعيل ابو نبوت في مدينة درعا المحطة، بحضور شخصيات حكومية رسمية سورية من درعا مثل قائد الشرطة ومدير التربية ونائب المحافظ، وحضر الافتتاح الجنرال الروسي كوليت فاديم وسفيتلانا روديفينا المنسقة بين وزارتي التربية السورية والروسية وقوات من الشرطة العسكرية الروسية.
حيث ابتدأ الحفل برفع النشيد السوري ثم الروسي، وتخلل افتتاح المركز فقرات فنية وشعرية باللغة الروسية، وعرض مجموعة من رسومات الطلاب تعبر عن التآخي بين الشعبين السوري والروسي، وقدمت نسخة من القرآن الكريم مترجمة باللغة الروسية، ثم ألقى الضابط الروسي كلمة تعبر عن استمرار الدعم الروسي للمركز الذي سوف يشمل عددا كبيراً من الراغبين في تعلم اللغة الروسية، وسيتم دعم المركز بالتجهيزات الحاسوبية والمراجع الأدبية لتعلم اللغة الروسية. واعتبرت اكسانا غنيم أن تعلم اللغة الروسية مسألة مهمة لتعميق العلاقات الثقافية والتاريخية بين الشعبين مبينة أن المركز سيوفر المكان المناسب لممارسة الهوايات في مجال الشعر والفنون والرسم.
كما قدم الجانب الروسي مؤخراً إلى المستشفى الوطني فى مدينة درعا السورية شحنة مساعدات طبية وغذائية روسية، أرسلتها إدارة شؤون الرئيس الروسي، تضم فرشات وبطانيات وأغطية وبعض اللوازم الطبية وأدوات التعقيم ومولد كهربائي بطاقة ألف كيلوواط، لضمان استمرار عمل المستشفى والمعدات فيه، لا سيما مع الضغط الكبير الذي تشهده المشفى مع تزايد حالات الإصابة بفايروس كورونا في درعا.
كما أرسل الجانب الروسي مولدا كهربائيا للمستشفى الوطني في مدينة إزرع شمال درعا، وحضرت الشرطة الروسية برفقة بعثة من الكنيسة الروسية ورابطة المحاربين القدماء وجمعية الإخوة الروسية إلى مدينة بصرى الشام بريف درعا الشرقي، وقدمت مساعدات إنسانية ومستلزمات مدرسية للمجمع التربوي في المدينة تضمنت قرطاسية وحقائب ومعاطف لعدد من طلاب المدارس، إضافة إلى أنها قدمت أدوية وبعض المستلزمات الطبية لمشفى بصرى الشام، واطلعت على واقع المشفى في المدينة.
من جهته، أكد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، ضمن فعاليات أعمال المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين والمهاجرين السوريين، أن «روسيا ستواصل تقديم المساعدة للشعب السوري بهدف تحسين الوضع الاقتصادي والإنساني، وهناك الكثير من العمل الدؤوب في هذا المجال مستقبلاً». وذلك بحضور ممثلين عن منظمة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية. التي نشطت مؤخراً في درعا وخاصة في مجال الخدمات الإنسانية كترميم المدارس المدمرة خلال السنوات الماضية، وبناء مرافق صحية واقامة مشاريع زراعية كحفر الآبار وغيرها.

انفراد روسي
وفسر ناشطون في درعا ذلك بالرغبة الروسية بالانفراد بادراه المنطقة الجنوبية خاصة درعا بعد طرحها للتسويات الأخيرة، وسحب السلاح الخفيف والمتوسط من المنطقة، واعطاء صلاحيات أمنية جديدة للقوات الحكومية بملاحقة المطلوبين والرافضين للتسوية في المنطقة الجنوبية، وانهاء حالة التشكيلات والمجموعات العسكرية المسجلة لدى الأجهزة الأمنية أو الفرقة الرابعة أو الفيلق الخامس وتوحيد تبعيتها مؤخراً لإدارة المخابرات العسكرية، وتشكيل قوة عسكرية كبيرة وذات تبعية واحدة موالية لها في جنوب سوريا، تبعد أي منافسين لها في المنطقة.
ويرى مراقبون أن روسيا وإيران لا تتنافسان جنوب سوريا، وان “التعاون موجود في سوريا وحتى روسيا استخدمته مؤخراً في مشاركة قوات موالية لإيران في معارك درعا البلد قبل تطبيق التسويات الأخيرة، وهي نفسها من طلبت بانسحابها عند انتهاء مهمتها، فالتعاون بين الدول الحليفة لسوريا قائم ولكن روسيا تعارض إيران عند مصالحها في سوريا، وباعتبارات إقليمية وتعهدات روسية عام ٢٠١٨، بإبعاد ايران عن المنطقة الجنوبية، دفعت روسيا إلى ابراز سيطرة النظام الفعلية وايجاد قوة عسكرية لها في المنطقة وحكمتها مؤخراً بتبعية عسكرية واحدة تناسب النظام وتحت إدارتها وتناسب أبناء المنطقة الجنوبية الذين يفضلون البقاء في المنطقة وعدم المشاركة بأعمال عسكرية خارج المحافظة”.
فعلياً وبشكل علني لا تواجد لتشكيلات أو قوات عسكرية موالية لإيران و “حزب الله” في درعا، وإيران وحزب الله متواجدة في سوريا حتى قبل عام ٢٠١١، والظهور العسكري العلني هو ما أثار المخاوف من هيمنتها على المناطق السورية، وبقي جنوب سوريا المنطقة الأكثر حساسية بنسبة للدول الإقليمية والخليجية باعتباره بوابه سوريا الجنوبية، واستحسنت الدول فرضية سيطرة النظام على الجنوب السوري مقابل عدة تفاهمات أجرتها روسيا مع دول المنطقة قبيل السيطرة عليها عام ٢٠١٨ وكان أولها إبعاد إيران عن المنطقة، فتحاول روسيا اخذ ضمانات أكثر لسوريا أو تطبيع أكثر وإعادة قبول النظام السوري، مقابل استخدام ورقة إبعاد إيران عن المنطقة، وبالتالي إيران ووكلائها في المنطقة طالما اعتبروا سوريا صلة الوصل سابقاً مع العالم العربي، والتفاهمات أو المفاوضات الإيرانية العربية والعالمية الأخيرة تقرب المسافة من رغبات إيران بعدم دخولها بحرب ولو بالوكالة، ولن تعارض أن تكون سوريا نقطة لقاء جديدة بينها وبين الوسط العربي الذي يرغب بإبعاد إيران عن جنوب سوريا.
ولأن روسيا تشكل ثقلاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً بالنسبة لسوريا، أن روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على ضبط الأمور السورية وإيقاف تسرب الممنوعات البشرية أو الاصطناعية حيث إن هناك القاعدة وداعش، هذا بالإضافة إلى قوات أجنبية كثيرة، والمخدرات والحشيشة، وقد تثق الجهات الدولية بروسيا أكثر بالحفاظ وضبط الحدود وهذا ما يرجح الكف الروسي جنوب سوريا على القوى الثانية في سوريا.

جولة في ركام مخيم اليرموك…عاصمة الشتات

جولة في ركام مخيم اليرموك…عاصمة الشتات

شكل ما حدث في “مخيم اليرموك” جنوب دمشق والمعروف بـ“عاصمة الشتات الفلسطيني”، خلال سنوات الحرب، من سيطرة فصائل المعارضة المسلحة عليه أواخر العام 2012، ومن ثم “هيئة تحرير الشام” و“داعش”، ووصولا إلى العملية العسكرية التي شنتها دمشق وأفضت إلى استعادة السيطرة عليه ودمار جزء كبير من أبنيته وبناه التحتية وأسواقه التجارية وبنيته الديموغرافية، نكبة وفاجعة مؤلمة لنازحيه ما تزال ماثلة حتى الآن.
أسئلة كثيرة يطرحها أغلبية النازحين من “مخيم اليرموك” حاليا، منها: هل ستحقق عودتهم إلى منازلهم وجاداتهم؟، وهل سيعود المخيم منطقة حيوية وقلب دمشق التجاري كما كان؟، وهل فعلا سيعود المخيم “عاصمة الشتات الفلسطينيين” ورمز لحق العودة إلى فلسطين؟
ويعتبر “مخيم اليرموك” من أبرز مناطق جنوب العاصمة، ويتبع إدارياً محافظة دمشق، ويشكل بوابتها من الجهة الجنوبية، ويقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتصل مساحته إلى نحو كيلومترين مربعين. ويحده من الجهة الجنوبية “الحجر الأسود”، ومن الجهة الغربية حي “القدم” ومن الشرق حي “لتضامن” ومن الشمال منطقة “الزاهرة”.

النشأة
وتم انشأ “مخيم اليرموك” عام 1957 على بقعة زراعية صغيرة، ومع مرور الزمن تحول إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودول الجوار، وراح اللاجئون يحسّنون مساكنهم ويشيدون الأبنية الطابقية لتتسع للعائلات الكبيرة والمتنامية، وبات كمنطقة حيوية تستقطب السوريين من الريف للعيش فيها، لقربها من دمشق، ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه قبل الحرب المستمرة منذ عقد من الزمن إلى أكثر من 200 ألف لاجئ من أصل نحو 450 ألف لاجئ في عموم سورية، حتى لُقّب ب”عاصمة الشتات الفلسطيني”، علما بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيما تتوزع على ست مدن. وإلى جانب اللاجئين الفلسطينيين كان يعيش في “مخيم اليرموك” نحو 400 ألف سوري من محافظات عدة، وكان منذ ستينات القرن الماضي يتمتع بخصوصية إدارية مُنِحت له بقرار رسمي بأن تديره “لجنة محلية” بشكل مستقل.
وتسارع التطور العمراني في المخيم في بدايات القرن العشرين وتحسنت الخدمات بشكل ملحوظ فيه، وتم افتتاح العديد من المراكز والمؤسسات الحكومية والأسواق التجارية لدرجة بات منطقة حيوية جدا أكثر من أحياء وسط العاصمة التي استقطب تجارها لفتح فروع لمحالهم التجارية فيه للاستفادة من الكثافة السكانية وجني أكبر قدر ممكن من الأرباح في أسواق باتت الأكبر والأكثر حيوية في العاصمة السورية.
وبعد التوسع الكبير الذي طاله، بات “مخيم اليرموك” يقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول هو “مخيم اليرموك”، ويمتد بين شارعي اليرموك الرئيسي غرباً وفلسطين شرقاً، ومن مدخل المخيم شمالاً وحتى شارع المدارس جنوباً منتصف المخيم، والثاني منطقة “غرب اليرموك” وتمتد من شارع اليرموك الرئيسي شرقاً وحتى شارع الثلاثين غرباً، ومن مدخل المخيم شمالاً وحتى سوق السيارات جنوباً، وأما القسم الثالث فيسمى منطقة “التقدم» وتمتد من سوق السيارات شمالاً وحتى مقبرة الشهداء جنوباً، ومن منطقة دوار فلسطين شرقاً وحتى حدود المخيم المحاذية للحجر الأسود غرباً.
وكان سوق شارع اليرموك الرئيسي للألبسة والأحذية والصاغة والمفروشات والمأكولات الجاهزة من أهم أسواق المخيم، حيث كانت العديد من محاله تفتح على مدار اليوم، بينما يعتبر سوقا شارع لوبية وصفد من أهم أسواق الألبسة الجاهزة، على حين كان سوق الخضار في شارع فلسطين من أكبر أسواق العاصمة ويؤمه الدمشقيون من معظم أحياء العاصمة.
وبمجرد الوصول إلى “مخيم اليرموك”، والدخول في شارع اليرموك الرئيسي من مدخله الشمالي، كان المرء يواجه سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه على الأرصفة لإيجاد مكان لها وتتقدم ببطئ كالسلحفاة، في وقت لا يختلف المشهد في سوقي لوبية وصفد، حيث يبدو الشارعان والمحلات أكثر اكتظاظا، لدرجة أن الكثيرين كانوا يصفون المشهد هناك بـ”يوم الحشر”.
وإن كان سر الإقبال على أسواق “مخيم اليرموك” من قبل الباعة، هو استثمار الاكتظاظ السكاني الكبير فيها، بطرح البضائع بأسعار أقل مما هي عليه في أسواق أخرى وفق أسلوب “ربح أقل وبيع أكثر”، فإن إقبال المواطنين عليها من كل حدب وصوب كان سببه تنوع المعروضات وأناقة المحال والعاملين فيها والأهم من كل ذلك تدني الأسعار عما هي عليه في أسواق وسط العاصمة.
النكبة.

حراك… وحرب
بعد اندلاع الحراك السلمي في عدد من المدن والمناطق السورية منتصف مارس (اذار) 2011 وتحوله إلى حرب طاحنة بعد عدة أشهر، تشكلت في “مخيم اليرموك” الذي يحمل رمزية لحق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها عام 1948، مجموعات شبابية ضمت مواطنين سوريين ولاجئين فلسطينيين انحازات إلى الحراك الشعبي، وسط تحذيرات وتهديدات متواصلة أطلقها حينها مسؤولون للأهالي والفصائل الفلسطينية الموالية له من مغبة التعاطف مع ما يسميه “الإرهابيين” في المناطق المجاورة للمخيم وجعله حاضنة لهم، إذ كانت فصائل “الجيش الحر” في ذلك الوقت تسيطر على مناطق محيطة به منها “الحجر الأسود” وبلدتي “يلدا” و“بييلا” القريبة منه من الجهة الجنوبية الشرقية.
وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2012 تمكنت فصائل “الجيش الحر” من السيطرة على المخيم، لتحل في اليوم التالي نكبة بسكانه تجاوزت في مآسيها نكبة عام 1948 ونكسة 1967، عندما أطلقت طائرات النظام ثلاثة صواريخ عليه أصابت إحدها مسجد عبد القادر الحسيني في “المخيم القديم”، حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه.
ومع بقاء الوضع على هو عليه في داخل المخيم من سيطرة لـ“الجيش الحر”، وتمركز عناصر من الجيش النظامي والفصائل الفلسطينية على مدخله الشمالي لمنع تقدم الأول نحو قلب العاصمة وحصول اشتباكات بين الجانبين بين الحين والآخر، ظهرت في الداخل “جبهة النصرة“ التي تحولت فيما بعد إلى “هيئة تحرير الشام”، كما تشكلت فيه فصائل معارضة مسلحة أخرى منها فلسطينية وأخرى سورية – فلسطينية، أبرزها “كتائب أكناف بيت المقدس” و“أحرار جيش التحرير” الذي ضم عناصر منشقين من “جيش التحرير الفلسطيني”.

مفاوضات
لم يبق الوضع على ما هو عليه في “مخيم اليرموك” لفترة طويلة مع تردد أنباء عن مفاوضات تحصل بين بعض الفصائل ودمشق لاستعادة الأخيرة السيطرة عليه، إذ ظهرت صراعات داخلية على النفوذ بين الفصائل المتواجدة فيه، إلى أن هاجم المخيم في ابريل (نيسان) 2015 تنظيم “داعش” الذي كان يسيطر على “الحجر الأسود” وعدد مسلحيه في مناطق سيطرته بجنوب دمشق يصل حينها إلى نحو 2000 مسلح، وتمكن من إقصاء “كتائب أكناف بيت المقدس“ و“أحرار جيش التحرير“ وبقية الفصائل والسيطرة على أغلب مناطق المخيم وحصار “جبهة النصرة” في مربع “المحكمة” غرب اليرموك.
وبعد سيطرة داعش لم يحصل تطورات لافتة على مدخل المخيم الشمالي، حيث ظلت عناصر الجيش النظامي والفصائل الفلسطينية متمركز في مواقعها لمنع تقدم الأول نحو قلب العاصمة، مع حصول اشتباكات بين الجانبين كل فترة، حتى منتصف 2016 حين ابرمت دمشق اتفاقا مع “النصرة” للخروج من مربعها غرب اليرموك إلى إدلب، بينما بقي تنظيم داعش في داخل المخيم.
وفي مايو (أيار) 2018، ترددت بقوة أنباء عن توصل دمشق وداعش إلى اتفاق يقضي بخروج الأخير إلى البادية شرق سوريا، وفعلا حضرت عشرات الحافلات الكبيرة إلى مدخل المخيم لنقل مسلحي التنظيم من دون السماح للمدنيين أو الصحافيين التواجد في مدخل المخيم لتصوير عملية الخروج على غرار ما حصل أثناء خروج “جهة النصرة”.
لكن الأهالي والمتابعين لتطورات الأوضاع في المخيم، تفاجئوا في مساء اليوم نفسه الذي حضرت فيه الحافلات لنقل مسلحي “داعش”، بشن الجيش الحكومي وفصائل فلسطينية موالية له عملية عسكرية جوية وبرية عنيفة في المخيم “لتحريره” بعد فشل تنفيذ الاتفاق، وذلك بحسب ما ذكرت وسائل إعلام محلية وفصائل فلسطينية موالية لدمشق.
وقد أنهت العملية سيطرة “داعش” على المنطقة، وتسببت بحجم دمار في المخيم يتجاوز نسبة 60 في المائة من الأبنية والمؤسسات والأسواق والبنى التحتية، بينما النسبة المتبقية تحتاج إلى ترميم كبير يكلف مبالغ مالية باهظة للغاية. وتحدثت لـ“صالون سوريا” مصادر أهلية ممن فضلت البقاء في داخل المخيم أثناء سيطرة فصائل المعارضة المسلحة وتنظيمي “هيئة تحرير الشام” و“داعش” (تُعدّ على أصابع اليد) لتدفع عن نفسها مأساة التشرد والنزوح والغلاء، وحضرت العملية العسكرية للجيش النظامي وحلفائه، أن “معظم الدمار الذي حصل في المخيم حدث أثناء العملية العسكرية الأخيرة”.
مخطط

مفاجأة
ومع بقاء “مخيم اليرموك” لعدة أشهر بعد استعادة دمشق السيطرة عليه غارقاً في الدمار، وعدم ظهور مؤشرات على إعادة إعماره وعودة سكانه، كان مفاجئا إصدار مجلس الوزراء السوري في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 قرارا يقضي بأن تحل محافظة دمشق محل “اللجنة المحلية” لمخيم اليرموك بما لها من حقوق وعليها من واجبات، وأن يوضع العاملون في اللجنة القائمون على رأس عملهم تحت تصرّف المحافظة، الأمر الذي أثار مخاوف لدى النازحين من نيات مبيتة حول مصير المنطقة.
وتعززت مخاوف النازحين مع كشف محافظة دمشق في مارس ( اذار) 2020 عن مخطط تنظيمي جديد لـ“مخيم اليرموك” من شأنه تغيير الواقع العمراني والديموغرافي للمخيم بعدما دمرت الحرب أجزاء واسعة منه وشردت سكانه بين نازحين في الداخل السوري ولاجئين في دول الجوار وبلدان غربية، وذلك رغم أن هناك مخطط تنظمي خاص به تم وضعه منذ العام 2004.
وحينها بات نازحو المخيم القاطنين في مناطق محيطة بدمشق ينعون في جلساتهم الخاصة المخيم الذي بنوه حجراً على حجر، خلال عقود من الزمن، في حال تنفيذ المخطط الجديد، بينما شن نشطاء منه هجوما عنيفا على محافظة دمشق، واعتبروا أن ما يجري بالنسبة للمخيم ليس مجرد عملية تنظيم، أو إعادة إعمار ما تدمر بقدر ما هو مرتبط بالوضع السياسي العام في المنطقة والعالم، في إشارة إلى التناحر الدولي الكبير الحاصل في سوريا، وحذروا من أنه قد لا يعود كأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ورمز لـحق العودة إلى أراضيهم في فلسطين.
وعود
وعلى إثر ذلك تراجعت محافظة دمشق عن المخطط التنظيمي الجديد بعد رفضه من أغلبية كبيرة من النازحين، وأعلنت في بداية أكتوبر (تشرين الأول) 2020 عن قرار بإعادة أهالٍ إلى منازلهم، ووضعت 3 شروط لعودتهم؛ هي: “أن يكون البناء سليماً»، و“إثبات المالك ملكية المنزل العائد إليه”، و“حصول المالكين على الموافقات اللازمة للعودة إلى منازلهم”.
وبدأت المحافظة بعد ذلك في الشهر نفسه، تسجيل أسماء الراغبين بالعودة إلى المخيم، وتم منح بضعة مئات “موافقات أمنية” للعودة من أصل عدة آلاف تقدموا بطلبات، علما أن هناك 200 – 300 عائلة فقط تعيش في داخله، ومعظمها عائلات عناصر فصائل فلسطينية، وذلك وسط انعدام مطلق للخدمات والبنى التحتية. وخلال زيارات عديدة قام بها مسؤولون من المحافظة للمنطقة أكدوا أنها ستقوم بإزالة الأنقاض والركام وتأمين البنى التحتية وإعادة الخدمات للمنطقة.
وفي حين تم فتح الطرقات الرئيسية (شارع اليرموك، شارع فلسطين، شارع الثلاثين) على نفقة منظمة التحرير الفلسطينية، تفاجئ نازحو المخيم، بأن عملية إزالة الأنقاض والركام التي تقوم بها المحافظة من الطرقات الفرعية والجادات تقوم بها آلية أو آليتان، وفي أحسن الأحوال ثلاثة، بينما لم يتم البدء بإعادة الخدمات الأساسية، ووصفوا حينها عمل المحافظة بـ“المخزي”، والذي ترافق مع عمليات نهب وتعفيش كثيفة ومتواصلة، ومشاهدة شاحنات كبيرة تخرج وبشكل شبه يومي من مدخل المخيم الشمالي وهي محملة بالمواد المسروقة من حديد البناء المستعمل، وواجهات المحلات التجارية، وكذلك بقايا ما تبقى في المنازل من سيراميك وبلاط ورخام وأبواب خشب وحديد وأثاث منزلي، وسط حالة من التحسر تبدو على النازحين الذين يعانون الأمرين من ارتفاع إيجارات المنازل والأسعار وصعوبة الحياة المعيشية.

مطالب… وركام
ووسط تصاعد مطالبات الأهالي للحكومة بالإسراع في إزالة الأنقاض والركام وفتح الطرق وإعادة الخدمات، التقى وفد من “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة”، برئاسة أمينها العام طلال ناجي الرئيس السوري بشار الأسد في بداية سبتمبر (أيلول) الماضي، وكشف الأول عن قرار للثاني بتسهيل عودة الأهالي إلى “مخيم اليرموك” بدءا من يوم 10 الشهر نفسه “دون قيد أو شرط”.
وذكر ناجي، أن القرار وجه الجهات المختصة السورية وبالتعاون مع الأهالي لإزالة الركام والردم من البيوت، تمهيداً لدخول آليات محافظة دمشق لإزالة الركام وتنظيف الشوارع الفرعية والحارات الداخلية، واستكمال مد شبكات المياه والكهرباء والهاتف، استعداداً لعودة الأهالي واستقرارهم في المخيم. وأشار إلى أن إزالة الركام ستتم بالتنسيق بين محافظة مدينة دمشق والفصائل الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين، فيما تم تحديد الفترة الممتدة من 10 سبتمبر (أيلول) الماضي وحتى الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لإزالة الأنقاض من المنازل.
وأوضح، أن الأسد وجه الأمانة العامة السورية للتنمية بتوفير البيئة المناسبة لفتح بعض المحلات التجارية (سمانة، بيع الخضراوات والفواكه… إلخ)، ومساعدة أصحاب المحلات مادياً للقيام بتخديم المخيم.
وبينما تجري حاليا بوتيرة عالية عملية إزالة الأنقاض الردم وفتح الطرقات على نفقة “منظمة التحرير الفلسطينية”، بحسب مصادر عليمة تحدثت لـ”صالون سوريا”، وتشاهد بشكل يومي عشرات الشاحنات الكبيرة المحملة بالأنقاض والردم وهي تخرج من المخيم، تظهر على وجوه بعض المتوافدين إليه من النازحين ملامح الفرح، إلا أنهم يشكون من عدم تسهيل عودتهم إلى منازلهم، رغم صدور قرار رئاسي بتسهيلها “دون قيد أو شرط“، في إشارة إلى التدقيق الكبير في البطاقات الشخصية للراغبين بالدخول من قبل الحاجز الأمني في المدخل الشمالي، وعدم إلغاء شرط “الموافقة الأمنية“ للعودة، وأن الموافقات التي يحصلون عليها حاليا وبشق النفس هي “فقط لإزالة الركام من المنازل، ومن يدخل في الصباح يجب عليه الخروج مساء“.
عجوز في العقد السابع من العمر وهو يسير بخطى متثاقلة في شارع اليرموك الرئيسي باتجاه منزله لتفقده، رد بلهجة شعبية فلسطينية على سؤال لـ“صالون سوريا“، إن كان عاد إلى منزله، بالمثل العامي الشهير “لا تقول فول ليصير بالعدول“، في إشارة إلى استمرار المماطلة في إعادة الناس وعرقلتها، ويضيف: “شبعنا وعود وما رجعنا، وبعدنا عايشين على أمل الرجعة”.
وبكلمات عامية تحمل الكثير من المعاني السياسية يختم العجوز الذي يبدو من كلماته أنه مثقف وواعي لما يحصل حديثه بالقول: “خيا، يمكن أنا وأمثالي نرجع، بس الأكيد رح نموت وما ترجع أهالي اليرموك تلتم متل أول. رح نموت وتموت اجيال ورانا وما يرجع المخيم متل ما كان. وسلامة فهمك. نقطة انتهى”.

دمشق… و “نعمة” قراءة الفنجان

دمشق… و “نعمة” قراءة الفنجان

فنجان مقلوب رأساً على عقب، متكىء على صحن دائري صغير بانتظار أن يجف، في جوفه رسومات وأشكال مبهمة، وأخرى مكونة من رموز وحيوانات جميعها قد تشكلت من بقايا البن المحمص، لكن لا يمكن أبداً الاستهانة بآثار البن المترسبة في قاع الفنجان لأنها قد تكشف عن خبايا المستقبل، ودليل مرشد في خطوات الكثير من المهوسين بقراءة الفنجان وفتح الطالع والحظوظ ومعرفة النصيب.
تمتهن “لودي” (اسم مستعار) قراءة الفنجان منذ حوالي ثلاث سنوات، ذلك بفضل موهبتها التي اكتشفتها مبكراً، حين كانت طفلة صغيرة تلهو في الشارع مع أبناء الحي. تقول لـ “صالون سوريا”: “لكل منا موهبته الخاصة خصصها له الله. هناك من يمنحهم الصوت الجميل أو الرسم، أما أنا فأعطاني القدرة على قراءة أفكار الآخرين، وخصني بحدس قوي بما يشبه الرؤية وذلك كله بإذنه ومشيئته”.
بدأت ملامح موهبة “لودي” تتجلى حين كانت ترى أحداثاً معينة في منامها لتفاجأ أنها تتحقق بعد أيام معدودة، إلى أن بدأت بمراقبة الأحداث من حولها واكتشاف قدرتها على تفسير الرسومات التي تظهر على جدار الفنجان المقلوب على هيئة طائر أو أفعى، توضح: “كنت أمعن النظر جيداً في قعر الفنجان وأركز فيه بقوة لأفسر الأشكال التي كنت أراها، فرؤية الأفعى تدل على امرأة خبيثة تحوم حول الشخص ومقربة منه، بينما رأس الطائر فيدل على وجود رزق ومال سيحصل عليه صاحب الفنجان، كما استعنت بكتب تعليم قراءة الفنجان والتنجيم لتنمية قدراتي وأدواتي”.
بعد ذلك قررت “لودي” (40 عاماً) تطويع ملكتها في تأمين لقمة العيش، لاسيما بعد أن أقفلت أبواب العمل في وجهها. وبالرغم من شهادتها الدراسية في النقد، لكنها لم تجد لغاية الآن فرصة عمل، لتتخذ من قراءة الفنجان مصدر دخل لها، تعقب “اضطررت لاستثمار موهبتي مالياً، لقد تعرضت لضائقة مالية، لا أطلب من الزبائن مبلغ معين، أتركهم لسماحة أنفسهم، ولا مشكلة لدي إذا لم يدفع الزبون، فهناك الكثير يرغبون بمعرفة حظهم لكنهم غير ميسوري الحال كطالبات الجامعة التي تكفيهم مصاريفهم الجامعية”.

ممثلون وأطباء
تتنوع شريحة الزبائن التي تقصد “لودي” بدءاً من أقلهم مالاً وصولاً إلى أكثرهم نفوذاً وسلطة، تقول لـ “صالون سوريا”: ” يأتوني أشكال وألوان، كالموظفين والأطباء والصيادلة والمهندسين والممثلين”. تشير السيدة إلى أن رجال السلطة ممن يتبوأون مناصب حساسة في الدولة هم الأكثر تعطشاً لمعرفة خفايا مستقبلهم والاطلاع على الأحداث القادمة خوفاً من خسارتهم الكرسي وخشية من وقوع وشايات غير محسوبة، إذ يطلبون مني الأسماء ومواصفات الأشخاص بدقة متناهية ويحفظونها عن ظهر قلب تحسباً لأي طارئ”، مضيفة: “يكون أصحاب النفوذ كالمسؤولين والضباط ذو المراتب العليا على أحر من الجمر لسماع ما سأقوله بانتظار أخبار ترقيات أو سفر يخصهم، خاصة في الفترات الحرجة التي تتحدث عن حصول تغيير مرتقب”. كذلك الحال بالنسبة لأصحاب الأموال”.
تتابع حديثها “فقد تملكهم الخوف والتوجس من خسارة مشاريعهم واستثمارها في المكان الخاطئ، خاصة بسبب ظروف الحرب وتدهور الاقتصاد، لدرجة أنهم أصبحوا مدمنين على قراءة الفنجان، فيطلبون مني فعل ذلك كل ثلاث أيام، ولا يتجرأون على اتخاذ قرار سواء بشراء و بيع عقار أو الدخول بمشروع ضخم قبل فتح الفنجان، أنهم يتبعون حذافير كلام الفنجان على نحو يفوق إرادتهم”.

زوجات غيورات
قررت ديالا، وهي زوجة أحد المسؤولين المهمين في البلاد، رصد تحركات زوجها وكشف “خياناته” العاطفية عبر قراءة الفنجان وتتبع مواصفات عشيقاته السريات، وذلك بعد أن باءت جميع محاولاتها بضبطه بجرم “الخيانة” بالفشل. توضح لـ “صالون سوريا”: “أنا على يقين تام بخيانة زوجي لي، لكن لا أملك الدليل القاطع لإدانته وإدانة النساء الأخريات، لذلك أقوم بإرسال فنجانه بعد احتسائه معا وخروجه إلى العمل، وأطلب مواصفات كل امرأة تظهر في ظهر الفنجان مع ذكر الأسماء بدقة وماذا يعملن بالضبط، وبعدها أبدأ بتحرياتي الخاصة لضبطهما فأحصر دائرة المتهمات”، تتابع “قد يبدو الأمر مثيراً للسخرية والعجب، لكني مقتنعة بذلك وهذا يكفي”

كمين… ونجاة
تروي “لودي”، أن أحد زبائنها كان من الجنود الذين يخدمون في أحد “المناطق الساخنة”. إذ كانت تمده بأحداث معينة ستحصل معه حول توقيت غارات عسكرية مرتقبة أو كمين أو وشايات من رفاق السلاح، تقول:” كنت أحذره من أسماء أشخاص ضمن مجموعته القتالية وأنها مقبلة على خيانته والطعن به، وفي أحد المرات أخبرته أنهم سيتعرضون لغارات جوية من إحدى الجهات ونصحته بأخذ الحيطة وأنه لن ينجو منها إلا القليل وهو من ضمنهم، لكنه سيصاب، وبالفعل حصل ذلك”.
خلفت الحرب السورية ورائها آلاف المفقودين الذين دخلوا في غياهب النسيان، ليختفوا كلياً دون أي خبر عن مصيرهم أو أية إشارة تدل على أنهم أحياء أم أموات، تعقب “لودي” :” كان يتردد إلى منزلي الكثير من الأمهات والآباء والأخوة للاطمئنان على أحبائهم ممن فقدوا في الحرب وانقطعت أخبارهم نهائياً، كانوا يسألون إذا ما زالوا على قيد الحياة وعن عودة قريبة لهم، كنت اتجنب إخبارهم بأنهم ماتوا كي لا أقطع أملهم وأحاول الهرب من الإجابة بأي وسيلة كانت، فالغريق يتعلق بقشة”، مضيفة :كان قلبي يؤلمني لفقدهم، لطالما حرصت على إخبارهم بالأمور الإيجابية فقط إذا ما رأيت عودة أو إطلاق سراح لأحد المخطوفين كي أمنحهم جرعات التفاؤل”.

أحمي نفسي من طوفان
تلجأ سونيا بين الفينة والأخرى إلى قراءة الفنجان لتلقي جرعات من الأمل تساعدها على تجاوز الضغوط النفسية المحاطة بها في بلد يعاني من تداعيات ما بعد الحرب وينسيها غلاء المعيشة وانعدام مقومات الحياة. تقول لـ “صالون سوريا”: ” نحن محاطون بطوق لا ينتهي من الشحنات السلبية، يبدأ نهارنا اليومي باللهاث وراء مقعد في سرفيس، مروراً بمشقة الحصول على رغيف خبز و حمل جرة غاز تدفء أجسادنا المنهكة من الانتظار، نحن بحاجة لرشفة أمل نتجرعها من فنجان قهوة ولو كان كذب، إذ يمدني بالأمل والبدء من جديد بعد كل خيبة أمل تصفعنا بها هذه البلاد”

زيارة لأحلام “نساء الشام”… واوجاعهن

زيارة لأحلام “نساء الشام”… واوجاعهن

ماذا لو نزلنا إلى الشارع، وسألنا “نساء بالشام” عن معنى يوم الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني كل عام؟
لن نسألهن عن جدوى تسليط الضوء على العنف القائم على النوع الاجتماعي والمسلط على النساء، ولن ندعوهن لرواية كل أشكال العنف التي يتعرضن لها.
للعنف ألسن طليقة، تعرّف عن نفسها وتتباهى بالأحدث، والأعنف. لسان العنف يروي ويستزيد من قهر “نساء الشام” عنفا مسكوت عنه، مبرر، مقبول، متعدد، مشخص، وعام.
الخامسة والنصف صباحا، موعد بدء توزيع الخبز. على رصيف الفرن طابوران عظيمان: واحد للرجال وآخر للنساء، امرأة اصطحبت معها ابنتها الصغيرة وهي غافية في عربتها، وامرأة في السبعين من عمرها، تتكئ على زند جارتها لأنها مصابة بتصلب لويحي والمشي عملية صعبة جدا في ظل وضع صحي كوضعها.
الفقر مؤنث، وطوابير النساء والطفلات على الخبز ومراكز توزيع الإعانات والمواد المدعومة تؤكد ذلك.
في السوق الملاصق لموقع الفرن، تجلس بائعات الخضار الريفيات، يعرضن بضائعهن التي جلبوها من قراهم القريبة أو من سوق الهال المركزي، في أي وقت استيقظت تلك النسوة؟ كم دفعوا ايجارا للانتقال من ضواحيهم البعيدة في ظل اختناق ونقص حاد في عدد وسائط النقل وحمى ارتفاع أسعار المحروقات.

نوافد ورشاقة
تقف السيدة الخمسينية شبه متيبسة على باب الحافلة، لا مكان لها، تقول: “الشباب يحجزون أمكنة لهم ويدخلون من النوافذ، كيف لنا أن نصل إلى أعمالنا أو بيوتنا؟”
بات شرط توفر لياقة للدخول عبر النوافذ شرطا أساسيا لكسب مقعد في حافلة متهالكة وخانقةِ، ماذا عن ملابسهن المقيِدة؟ وتعذر القيام بذلك لألف سبب؟ إذن تتغير يوميا قواعد تأمين الحاجات الضرورية، وتدفع النساء الأثمان مضاعفة حتى الخروج من المنزل بات عملية عنيفة تستجلب القهر والتعب والتمييز! تتساءل تلك السيدة: هل أصبح دخول الحافلات عبر النوافذ هو القاعدة العامة؟ وتبكي.
وفي ضواحي دمشق صارت الشاحنات الصغيرة واسطة النقل الوحيدة، السيدات واقفات في صندوق الشاحنة، وأطفالهن نيام في أحضانهن، برد وغبار وغياب للأمان الشخصي والكل يردد: “خلوا الحريم بجهة وحدة! لا حدا يقرب ع جهة النسوان!”.
على إحدى القنوات الإذاعية وعبر برنامج طبي، يستضيف أحد الأطباء الاختصاصيين، تقول متصلة: “عندي خمس أطفال يعانون من ضمر في الدماغ، أريد مركزا يستقبلهم، انكسر ظهري من العناية بهم وحيدة!”. يصمت المذيع والطبيب، يتعاطفان ضمن صياغات نمطية وموحدة: ” الله يعينك ويكفي!”. ربما سيطلقها زوجها لأن القرابة بينهما كانت مسؤولة عن حال أطفالها والعلاج مستحيل والبقاء بلا أطفال جدد وأصحاء مستحيل أيضا، لم تكن قادرة يوما على اتخاذ قرار بوقف الحمل، من صلاحيات جميع أفراد العائلة التدخل لوقف قرارها بعدم الإنجاب، سيهددها زوجها بالطلاق، وستقول والدتها ربما ستدلين.

ثقل التعب
صبيا سليما! في كل حمل تستعد مثقلة بالتعب والهموم لمصيبة جديدة، لا أحد يعينها على خدمتهم، لا أقارب ولا أفراد ولا مؤسسات، يكفيها لقب الصابرة ومتى كانت الألقاب تأشيرات لدخول الحياة من أبوابها الطبيعية؟ وكيف ستعيد لحياتها مجراها الطبيعي، أو شعلة العيش الإنساني الكريم؟
يعشش العنف في البيوت، في الشوارع وفي القلوب، تختلف قاعدة الصمت وتتغير من امرأة لأخرى، بات الكلام المهدور والمحكي أكبر من حجم أي موقع صحفي، أو من خطابات المنظمات النسوية.
على الرصيف سيدة ستينية تشكو على الهاتف لابنتها: تخيلي: السيد ابوك بهدلني اليوم بوشاية من زوجته الجديدة لأني لم أقم بتنظيف البراد! أي عنف هذا؟ زوجتان لرجل واحد تعيشان معا تحت سقف واحد، توزع المهام المنزلية بقرار من الرجل، والوشاية سلاح لكسب الرضا أو لسحبه عن الأخرى، تتحول الحياة لصراع مرير، صراع حقوق، كل النساء فيه محقات وكلهن في دائرة الاتهام.
خرجت نساء الشام للعمل، يقلن إنهن خرجن مرغمات على ذلك بفعل غياب الرجال أو عجزهم، أو ارتفاع تكاليف المعيشة التي لم يعد دخل الرجال كافيا لإطعام أفواه تنتظر اللقمة، بعضهن احتفلن بذلك وتغيرت مواقعهن في العائلة، ليس بحكم التقدير بل بحكم ما يجلبنه من دخل، والبعض الآخر أثقلن بمهام إضافية فرضت عليهن النوم وقوفا أو أثناء العمل من شدة التعب، لدرجة أنهن لا يترددن في إخراج أكبر الأبناء من المدرسة لإعالة العائلة.

عينان تائهتان
متسولة، بصوت حزين وعينان تائهتان، تقول: “من مال الله حسنة لها الأيتام”. وسيدة أخرى تبيع الجوارب تنادي: “اشتروا مني كي أتمكن من دفع ايجار الغرفة، سنصير بالشارع أنا وأولادي!”. ليس مهما أن تصدق الحكايات، المهم أن خوفا حقيقيا من التشرد عانته وتعانيه النساء بسبب فقدانهن للمأوى وتعذر تأمين بديل عنه أو إيجارا له.
في سيارته الفارهة يجلس رجل ستيني، يضغط على بوق السيارة، يبدو انه يقصد سيدة محددة تقف على موقف الباص. لا تتجاوب السيدة. يعيد الضغط ويقترب من السيدة، ترجع خطوة إلى الوراء بوجه غاضب ومتوهج من الخجل، يرميها بشتيمة كبيرة. “عاملة حالك شريفة”، يقولها ويمضي. تترك السيدة الموقف وتمشي على غير هدى، تعلق سيدة واقفة: “يبدو أنه يعرفها جيدا”. تجلدها السيدة مرة أخرى، تتهمها دون أية معرفة وتوحي للمنتظرين والمنتظرات على الموقف بأن المتحرش الوقح على حق!
من يريد أن يجمع حكايات اخرى من النساء، فليذهب إلى قصر العدل، إلى أبواب محاكم الوصاية والولاية والإرث، إلى مؤسسة الرواتب التقاعدية وتعويضات الوفاة لرجال ماتوا ولن يعودوا، صاروا اسما على ورق، وأرقام ضئيلة لرواتب اسمها تقاعدية أو تعويضات لا تشبع ولا تغني من جوع والأعم أنها لا تعيد الرجال أحياء.
في يد سيدة فقدت قدرتها على التواصل صورة لشاب عشريني، تقترب من الجميع وتسألهم بصوت مرتجف: (شفتوا هالشب؟) هذا ابني وتصمت.
في اليوم العالمي لمناهضة كافة أشكال العنف ضد النساء، هل نكتفي بجمع الحكايات؟ هل نرددها سردية من أجل استجرار التعاطف؟ ام نقول للبلاد يكفي عنفا ضد النساء، يكفي عنفا أيتها البلاد التي تحرم أبناءها رجالا ونساء من الحقوق وتهدرها كالمياه.
سلوى زكزك
25 تشرين الثاني 2021

جمركة الهاتف النقال بدمشق… “سرقة عينك-عينك”

جمركة الهاتف النقال بدمشق… “سرقة عينك-عينك”

لم يكن يعلم رامي ما ينتظره بعد نهاية يوم طويل من العمل. انتقل فيه من عمل إلى آخر في رحلته الشهرية لتأمين القليل من المال بهدف شراء ما يكفيه من الطعام والشراب لعائلته.
وقف رامي ينتظر لأكثر من ساعة وسيلة نقل توصله من منطقة البرامكة في دمشق إلى جديدة عرطوز بريف العاصمة، قبل أن يأتي الفرج أخيراً بوصول سرفيس أقل زحمة من غيره. ما إن وصل إلى باب السرفيس حتى تجمع كثيرون، لكنه تمكن من الدخول بسلام، وقبل أن يجلس على المقعد تفقد هاتفه الجوال واكتشف أنه سُرق.

صدمة
تنتشر ظاهرة السرقة في مناطق الحكومة السورية بكثرة ومنها الهواتف المحمولة، وسط تدهور الحالة الأمنية، وارتفاع معدلات الفقر التي وصلت إلى 90 % حسب الأمم المتحدة. وأوضح المحامي الأول في دمشق محمد أديب المهايني لصحيفة “الوطن” المحلية، أن عدد الهواتف المحمولة التي تسرق يومياً في العاصمة يبلغ 70 هاتفاً.
بعد أيام استفاق رامي من صدمته وذهب لتقديم شكوى في القصر العدلي بشأن سرقة هاتفه. وعقب انتظار لنصف ساعة إثر الازدحام الكبير على المكتب المعني، قدم ضبطاً بما حصل معه، وأخبره الموظف بأن يراجعه بعد ثلاثة أشهر على الأقل.
قرر رامي بعد عدة أسابيع شراء هاتف جديد بعد تعطله عن العمل، وتمكن من استدانة مبلغ بسيط من أصدقائه، قبل أن يفاجأ بأن ما يملكه من المال لا يشتري له سوى جهاز من الطراز القديم من أجهزة النوكيا.
وارتفعت أسعار أجهزة الهاتف المحمول في مناطق الحكومة السورية بشكل كبيرٍ هذا العام، مع تدهور قيمة العملة وارتفاع سعر صرف الدولار إلى (3500 = $1).
يضاف إلى ذلك ضريبة الجمركة التي تفرضها الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد على الأجهزة، والتي ارتفعت قبل شهر إلى 30% تضاف إلى سعر كل جهاز.
هذا ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأجهزة بشكل جنوني، وباتت حلماً جديداً يضاف إلى قائمة أحلام السوريين والتي تبدأ بالحصول على كميات كافية من الطعام والشراب.
وحسب مدير مديرية الشؤون الفنية في الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد وائل سابا في تصريحات لوسائل إعلام محلية، فإن “الأساس الذي تتحدد وفقه جمركة كل جهاز يكون بناء على السعر الرائج عالمياً، الذي يحدد عن طريق منظومة خاصة بتحديد الأسعار، وتحتسب بعدها القيمة الجمركية، وبالتالي تعتمد على نوع الجهاز والمواصفات الفنية والطرازات”.
وذكر سابا أن قيمة الجمركة تتراوح بين 30 ألف ليرة للهواتف بالمواصفات القليلة، وأكثر من مليونين ونصف للأجهزة الحديثة حسب نوعه ومواصفاته.
حاول رامي استدانة مبلغ جديد بما يناسب أسعار الأجهزة، لكن صديقه أخبره بطريقة لتخفيف أعبائه المالية عبر شراء جهاز من أشخاص محددين يحضرونها من لبنان، ثم القيام بجمركته داخل سوريا مما يخفف التكلفة.
إذ لجأ بعض السوريين في الفترة الأخيرة إلى شراء أجهزة من لبنان أسعارها حسب السعر العالمي، ثم يبيعونها في الداخل السوري بالليرة السورية على أن يقوم الشاري بعملية الجمركة.
وفي حال شراء جهاز من خارج سوريا أو القدوم إليها يُمنح الشخص فترة شهر يعمل خلاله هاتفه بشكل كامل، ثم يطلب منه الجمركة وإلا سيتوقف الجهاز عن العمل على الشبكة السورية.

تفتيش
قرر رامي شراء هاتف من أحد الأشخاص الذين يحضرونها من لبنان، قبل أن يكتشف أنه قبض عليه من قبل الأجهزة الأمنية وهو يتنقل في دمشق.
وعلم رامي لاحقاً أن هذا الشخص خرج بعد أسبوع من السجن، وتم أخذ 15 جهازاً كانوا بحوزته (تقدر أسعارها بـ10 ملايين ليرة سورية)، إضافة إلى مليون ونصف ليرة منه.
وفي الفترة الأخيرة ازدادت عمليات تفتيش الحواجز بحثاً عن أي أشخاص يبيعون أجهزة مهربة، بعد لجوء السوريين إلى شراء الأجهزة من لبنان وبيعها داخل البلاد، حيث يمنع على أي شخص حمل أكثر من جهازين عند التنقل من منطقة إلى أخرى.
ويحتكر عملية استيراد الأجهزة في مناطق الحكومة السورية عدة أشخاص، ويملكون شركات معينة تقوم بعمليات البيع وتكون الأجهزة مجمركة وبأسعار مرتفعة.
كل ذلك جعل من الهاتف المحمول بعيداً عن متناول السوريين، فلم يعد هناك مجال لشراء جهاز بمميزات وتحديثات جديدة، حيث إن شراء الطعام والشراب والحاجات الأساسية غطت على كل شيء في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه السوريون.
ويذكر سعيد أنه تخلى عن فكرة شراء جهاز جديد رغم أن هاتفه فيه أكثر من عطل، بعد أن رأى أسعار الأجهزة والتي يبلغ سعر المتوسط منها مليون ليرة سورية.
أما عبير فتقول غاضبة: “عم يربحوا بسعر الجهاز أكتر من الشركة المصنعة. وفوق هاد جمركة بدون أي سبب بس حتى يسرقوا هي سرقة عينك عينك”.
عندما تسير في شوارع العاصمة السورية ستجد الناس ممسكين بهواتفهم بإحكام خوفاً من سرقتها، وبالتالي الاضطرار إلى شراء جهاز جديد. وبعد أن كانت جمركة الأجهزة في عام 2019 ما بين 15 إلى 25 ألف ليرة سورية، وصل بعضها اليوم إلى أكثر من مليونين.
ويشير أحد الخبراء إلى أن رفع أسعار الأجهزة والجمركة يعيق وصول السوريين إلى التطبيقات والتقنيات الحديثة، في ظل إعلان الحكومة السورية أنها تتجه نحو التحول الرقمي.
في النهاية تمكن رامي من الحصول على جهاز قديم من أحد أصدقائه، عله يتمكن في السنين القادمة من شراء جهاز جديد على الرغم من أن قائمة أمنياته تعدت الـ50 شيئاً، وكلها تتطلب المال لتحقيقها، لكن حلمه الأول وكان ولايزال السفر خارج سوريا وبدأ حياة جديدة.

لماذا يسافر السوري… الى الصومال؟

لماذا يسافر السوري… الى الصومال؟

“لماذا سافرت برأيك؟، هل هو ترف السياحة؟، أم هي الحاجة للعيش؟، نعم أنا طبيب، قضيت عمري أدرس حتى اتخرج، ثم هات حظاً لأفتح عيادة واتعاقد مع مستشفى ثم أن يكون لديّ مرضى أو لا يكون، ثم ما هو مستقبلي في البلد؟، ومهما جنيت كم سأجني؟، الصومال ليست الخيار الذي كنت أطمح إليه، ولكن للأسف صارت وجهتنا كأطباء مكره أخانا لا بطل”، يقول طبيب دخل عامه الثاني في مقديشو، يرفض الكشف عن هويته، يقول أنّه يخاف تبعات ما قد يقوله لشدة ما وصل إليه من إحباط، قبل أن يودع حواري الشام، على حد تعبيره.
وبلهجة لا تخلو من الحزن يكمل: “شباب ضائع، حاضر سيء، مستقبل غامض، لا أدعي أنني تأقلمت في الصومال، ولكن على الأقل لست نادماً على هذه الخطوة بقدر ما أنا حزين أنّها خطوة لم تكن اختيارية بالمطلق، الظروف المادية والنفسية والمعنوية، وفوقهم الحرب، ومخاطر ما بعد الحرب، وضيق الحال، وضعف الاقتصاد، وانعدام فرص العمل، كل هذا بعض من العوامل التي جعلتني أكون حيث أنا الآن، وحيث أنا الآن هناك الكثير من أقراني السوريين، جميعنا نسأل بحرقة، أما كان يمكن ألّا يقدر لبلادنا كل هذا العذاب؟”.

جهاراً نهاراً
“هام: فرص عمل مميزة برواتب ومزايا عالية في قطر واليمن والصومال، للأطباء الأخصائيين من كافة الاختصاصات، وحسب توافر الشاغر، لتصلك عروض التوظيف مباشرة، أرسل سيرتك الذاتية وصورة عن الشهادات الدراسية والخبرة على واتس اب، وسنتواصل معك قريباً جداً”.
هذا نص لمنشور وضعته صفحة اسمها “فرص العمل للسوريين في الخليج والصومال” على موقع “فيسبوك”، وختمت منشورها بوضع رقم عائد لشخص يسمى الدكتور ميخائيل من حمص، يعمل ضمن شركة اسمها موارد تأسست في عام 1999 كما جاء في النص.
انهالت التعليقات على المنشور، ايمان درويش قالت: “هل هناك شروط خاصة للعمر”، فيما طلب منذر منذر فرصة عمل لشيف شرقي، أما أمينة زهرة فقد قالت أنها مهندسة وتريد السفر، وصادق البشاري قدّم نفسه على أنّه فني أسنان مهتم بالفرصة، وآخرون راحوا يشيرون لأصدقائهم في التعليقات.
لا يمكن وصف الحالة بالطبيعية، فأي شيء وصله السوري حتى يسعى للسفر إلى الصومال؟، هذا سؤال تبدو الإجابة عليه أعقد من الإيجاز فيها.

2200 دولار
“الغريب أنّ التعاقد صار الآن يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، يقول الطبيب شادي حلوم لـ “صالون سوري”، ويكمل: “عرض عليّ أكثر من مرة السفر والعمل في الصومال ولكنني بالطبع رفضت وسأظل أرفض، تخيل يتم التواصل معي عبر فيسبوك مرة وعبر واتس آب مرة أخرى، وضمن هذه المرات كانت شركة طبية هي من تتواصل، بالتأكيد لن أهرب من سوريا لأموت في الصومال، نحن هنا جائعون ولا عمل يفي بالمطلوب ولا فرص كنا نسعى إليها سنصلها، وصحيح أنّني سأخدم عسكريتي ولكن لقد حددت مدتها لي كطبيب وهذا أمر ممتاز، بالمختصر لم أمت في عشر سنوات من الحرب السورية، لن أذهب لأموت في لحظة اشتباك أو تفجير في الصومال، ثم لنسأل هل نحن حقاً نعرف الوضع في الصومال؟، كم هرمنا وتعبنا وهزمتنا الظروف حتى صرنا نهرب من بلد حرب، إلى بلد حرب آخر!”.
علي طبيب آخر في دمشق، لا يزال يفكر في عرض قُدِمَ إليه للسفر والعمل في الصومال، “لقد قدم لي عرض للسفر والعمل في أحد مستشفيات مدينة بيلدوين الصومالية مقابل راتب 2900 دولار شهرياً، وعلاوةً على ذلك الراتب قابل للزيادة، والسكن مؤمن، والطعام، والإجازة السنوية شهر كامل مدفوعة الأجر، وقيل لي أنّ تعداد سكان هذه المدينة أقل من مليون نسمة وأنها آمنة نسبياً، لذا، لا زالت أدرس العرض، ربما أوافق، بالنهاية لا يوجد عمل في بلدنا، والخيارات والسبل والدروب باتت شبه مسدودة في أوجه الشباب”.
يمكن للطبيب نفسه أن يبحث عن فرص عمل للسوريين في الصومال عبر الانترنت، بعض المنشورات تقدم رواتباً تصل حدّ خمسة آلاف دولار، وهو ما يحتاج السوري لسنين لجمعه في بلده، على اعتبار أنّه مقابل كل طبيب يعمل هناك عشرة لا يعملون، وهذا طبيعي بالسياق المهني العام، ولكنّه غير طبيعي إذا ما خضع لمبدأ ترغيب الأطباء بالهجرة مقابل المال، إفراغ سوريا من أطبائها ومهندسيها وشهاداتها بصورة عامة، سيجعل تعافي هذا البلد بطيئاً أكثر من المتخيل، هذا في حال تعافى، وهذا رأيٌّ يذهب إليه جمهور يدعي الواقعية لا السوداوية.

جار عليهم الزمن
صفحة أخرى على موقع “فيسبوك” تقول في تعريفها إنّها غير ربحية وإنما الهدف منها هو التواصل والتعاون بين الأطباء السوريين في الصومال بعد أن “جار عليهم الزمن”، وبدورها تبدو هذه الصفحة سخية، إذ تقدم رواتب تصل حتى 3500 دولار مع نسبة 10% للطبيب، وبسهولة يمكن البحث وإيجاد عشرات وربما مئات فرص العمل للسوريين في البلد الشقيق لشامهم، الشقيق في الحرب وعداد الموت المطرد مع الأيام.
“لم أكن أريد بأي شكل لولدي أن يسافر، وإلى أين؟، إلى الصومال!، إلى بلد آخر مزقته الحرب، أمسك له كلما استطعت الصلاة النارية، وأذكره بالدعاء مع كل قيام ليل، ماذا بيدي أن أفعل؟، أتواصل معه كلما سنحت له الفرصة، والله لا أفوت لحظة دون دعاء له، ختمت القرآن على نية عودته سالما، ولكن ماذا بعد؟، إلى متى سأعيش هذا الجحيم من الخوف عليه؟”، تقول أم سامر والدة طبيب هاجر قبل ثمانية أشهر إلى الصومال، تقول ذلك وهي تدرك بكل ثقة أنّه ما من مستقبل لابنها الوحيد هنا، “لكنه قلب الأم.. ما باليد حيلة”.

خسارة الأطباء
وافادت صحيفة “الشرق الأوسط” في مادة نشرتها الشهر الماضي أنّ سوريا خسرت 400 من كادرها الطبي بينهم 230 طبيباً نتيجة تفشي فايروس “كورونا”، بينهم عدد من أهم وأكفئ الأطباء المختصين، وهو –والكلام للصحيفة- ما أثار مخاوف العاملين بالقطاع الصحي ودفع كثيرين منهم للتفكير لمغادرة سوريا.
مصدر في وزارة الصحة أكد لـ “صالون سوريا” دقة أعداد الوفيات، مبيناً أنّ سوريا اليوم تدق ناقوس الخطر بفعل النقص الفادح بأعداد الأطباء، الأطباء الذين نالت منهم الحرب خلال السنوات الماضية، والمهاجرين الجدد، والذين قضوا في أزمة كورونا.
يبقى أنّ نقيب الأطباء السوريين اعترف في حديث سابق أنّ الأطباء يهاجرون إلى الصومال لأنّ الرواتب هناك أفضل، وفي الإطار قالت مصادر متقاطعة لـ “صالون سوريا” أنّ المعيشة في الصومال رخيصة جداً قياساً بدخلهم بالدولار الأميركي، وبأنّ الشعب الصومالي ودود و”معشراني” ويحب السوريين، ربما يحبهم على قاعدة أشقاء الدم والعذاب في الأرض، وقليل من الاحترام لوافدين من بلد كان يحتل مرتبة متقدمة في الأمن وضمناً الغذائي والمائي، وصار اليوم أكثر من 83% من سكانه تحت خط الفقر.. ولولا أنّ السوريّ جاع لما كان سافر إلى الصومال التي ما كان يعرف عنها غير الخوف عبر ما كان يُعرَض في نشرات الأخبار قبل أن تصير سوريا عنوان المشهد المستمر في نشرات الأخبار.