سوريا بدها كل أولادها: صرخة ضد الحرب والكراهية في رواية «سعيد وظله الليلكي»

by | Oct 30, 2026

بحساسية عالية، ولغة تستمد مفرداتها من واقع الوجع السوري، تسرد الكاتبة مي عطّاف أحداث روايتها «سعيد وظله الليلكي» (دار التكوين، 2026)، عبر حكاية تناسلت منها حكايات أخرى، لحياة مزدحمة بالخراب وسط اقتتال الإخوة وهزيمة الأرواح وانكسار الأحلام. ففي مدرسة القرية التقى سعيد، بطل الرواية، ومالك، الشاب الذي وفد إلى القرية مع أهله من دمشق، وقد جمعت بين الاثنين صداقة قوية يصفها سعيد قائلاً: «صرنا أنا ومالك كالرجل وظله، ليس مهماً من الرجل ومن يكون الظل، نقضي الوقت سوياً منقوصاً منه فترة النوم فقط». لكن مالك كان يمثل المعادل الأخلاقي والوجداني لسعيد، الذي يعيش حالة من الاغتراب غير المعلن في كل تفاصيل حياته، وحتى مع أصدقائه، وهذا مؤشر على تشويش الذاكرة السورية واهتزاز علاقة الإنسان السوري بماضيه، فتشتغل الكاتبة على إعادة تشكيل شخصيته بما يتناسب مع إدراكه لمعطيات العالم الذي يعيش فيه.

في الجامعة جمعت سعيد ومالك صداقة متينة مع طارق وخالد وعامر، شباب جاؤوا من بيئات وانتماءات مختلفة، محمّلين بالآمال والرغبات في وطن يتمنونه على مقاس أحلامهم. لكن فجأة ترخي حرب ظالمة ظلالها على وطنهم، تلك الحرب التي شوّهت كل شيء وقلبت الموازين والقيم، فيتحدث عنها سعيد: «اندلعت الحرب في سورية بين الأخ وأخيه، بين الصديق وصديقه والجار وجاره، بين القرية والقرية المجاورة، وكدت أخسر صديقي مالك في نقاشات مطولة، واتهمني مراراً أني غير قادر على الخروج من عباءة السلطة، كوني ابن بلدة القرداحة معقل النظام».

تفتتح عطّاف روايتها بتمهيد من بطل الرواية سعيد، يُعرّف فيه عن نفسه قائلاً: «لستُ كاتب الرواية ولا أعلم إن كنتُ بطلاً أم هامشياً فيها، ليس مهماً بالنسبة لي، المهم أني أمين على الأحداث، فقد طلب الكاتب أن أروي بصدق وأمانة سيرة عمر من الصداقة وخصّ رحاب كشخصية ضرورية، أن أنقل، كما قال، الأيام التي جمعتنا على ورق بكلماتي». وقد تشارك سعيد في سرد أحداث الرواية مع الراوي الذي يتابع مصداقية سرد الأحداث، فيشرح موجبات هذه الشراكة بقوله: «لا الرغبة بالاختبار هي من دعتني لأطلب من سعيد أن يقصّ عليكم حكاية رحاب وسرد وقائع كان شاهداً عليها، بل لأكون أميناً، كعادتي للسرد السوري، وسأترك لكم في النهاية وطناً وأهله أمام مرآة الذاكرة، عساها كلما سئلَت: أيتها المرآة.. من هو السوري الأجمل؟ تكون قادرة على الإجابة».

تعرّف مالك على رحاب في الجامعة، ونشأت بينهما قصة حب كانت الأشهر في الجامعة، كما يروي سعيد: «ليس للحب العظيم كلما التقت عيونهما بل التي أولاها كل للآخر، فلم تظن به أو تغار من فتاة تمازحه ولم يكن ليسألها عن شاب وقفت لمساحة الثقة معه، قصة الحب جعلت لاسمهما وقع في القلوب، حتى صرنا نحن رفاقهما أشبه بحرّاسها، نزجر مالك لو أخطأ بحق رحاب دون قصد، ونعاتب رحاب إن أبدت للحظة زعلاً من مالك».

تقرأ الكاتبة الأحداث بعين أنثوية، فتقترب أحياناً من عمق التجربة، وأحياناً تذهب باتجاه الوجدان والعاطفة، حيث نلمس جرأة في الطرح وفي تكوين الشخصيات، فتقول على لسان بطلها سعيد: «الكتابة كفعل أدبي لا أجيده تماماً، فمنذ صغري لم أحبّْ درس التعبير واحتجتُ دوماً لمن يكتب مشاعري عني، لذلك لا أعرف تماماً ما إمكانات الكتابة لدي، وإن قبلت فلأني أجد أن سيرة حياة أصدقائي وتوثيقها فعل غاية في الأهمية جدير بنبلهم». كما توضح عطّاف أن «فكرة الرواية جاءت وفاءً لأولئك الذين يؤمنون بأن الحروب لا تبني الدول، بل تُراكم مآسيها»، معتبرة أن العنف ليس وسيلة للسيادة بقدر ما هو مدخل لانهيارها واستمرار أزماتها.

إذا توقفنا في قراءتنا للرواية عند الغلاف، تستوقفنا بدايةً لوحة تمثل صراعات الإنسان الوجودية منذ بدء الخليقة وحتى الآن، وقد ساعد في إظهار تفاصيل اللوحة ومكنوناتها الفضاء المتماوج الألوان بين الرمادي والأسود، ما يوحي بالتكامل الفني بين الشكل والمضمون. كما نتوقف عند حالات إنسانية مليئة بالهم الفردي والجماعي، فينمو الألم في داخلنا كشجرة ياسمين بيضاء تسافر في ثنايا المساءات المظلمة، ورغم كل شيء، نتأبط اغترابنا وحزننا ونمضي مفتشين عن مساحة من سلام نركن إليها. وبحسب الكاتبة، فإن «اختيار الغلاف لم يكن عفوياً، فهو يصوّر ما يشبه التابوت الممدد فوق طاولة، تحيط به كراسي مبعثرة، هذا المشهد يختزل المأساة السورية، فالتابوت هو دلالة على السوري الذي لم يعد مكتملاً، سواء جسدياً أو نفسياً، بفعل سنوات الحرب الطويلة، وترمز الطاولة والكراسي إلى طاولة الحوار أو السرديات المتعددة والمتضاربة التي تقاسمت الجسد السوري وكأنها تتقاسم تركة ميت».

تمثل الرواية إحدى مدونات الحرب من خلال غوصها في النسيج الاجتماعي وتداعيات الحرب عليه، فجاءت مرآة لهموم حياتية ونفسية تتقارب مع القارئ بصدقيتها، حيث إن الذاكرة، كفعل محرّض على الاسترجاع والاستحضار، تبدو الركن الأهم الذي تتكئ عليه أحداث الرواية، ويُقصد منها إشعال الذاكرة أيضاً كي تخزّن الأشياء الحميمية والغالية التي نخاف أن يهمّشها النسيان: «لولا أن رحاب التي نبت لها عشرون ذراعاً كانت تتمسك بنا وتقول جملتها: سورية بدها كل أولادها.. الكل يعني الكل».

حيث قدّمت عطّاف المرأة السورية كأيقونة حياتية تحمل في روحها عبق المرأة التي يلجأ إليها أبناؤها ليستمدوا منها القوة ويتجاوزوا ما يرهقهم، وهي المتعبة بأثقال الحياة. المرأة، تلك الإنسانة التي تشبه روحها وذاتها كثيراً، تجسد بصبرها أمثولة للعطاء الذي تنسجه رايةً من إرادة وصمود تحلّق في سماوات لا نعرفها، فاختصرت أبجديات اللغات، وكانت الأمينة على الرسالة التي وهبتها إياها الحياة، تغسل الكون بمائها المعسول بالصبر والأحلام وصيرورة الحياة. وهذا ما يؤكده سعيد بوصفه لرحاب: «ابنة القرية، ابنة الزرع والحصاد جعلت منا أبناءها، وأخذت منا عهداً ألا نمدّ بيننا جسور كراهية مهما اختلفنا، رحاب الأم التي تلوّح لنا بعينيها الجميلتين معاتبة لو طال بيننا الخصام». وبالرغم من متابعتها الشغوفة للسياسة، تطلب الهدوء منا حين تستمع لنشرات الأخبار، وما إن يعلو صوتنا حتى ترمي جملتها: «يلعن أبو السياسة والحكي فيها، بكفي اللي عم يموت بسببها». وهي أكثر الموجوعين، حيث فقدت حبيبها مالك الذي ذهب ضحية هذه الحرب.

المتأمل في أسلوب الرواية يتحسس فيه الإيحاء والتكثيف والتركيز والوصف والقدرة على تسلسل الأحداث وترابطها، فالكاتبة تشتغل على التوازي بشكل كلي، وترسم الفجوة الهائلة التي تسلط الضوء على المفارقات التي تعيشها شخصياتها، وتجارب أشخاص مختلفين بنوازعهم وأفكارهم وما تقع حواسها عليه، مع مخاطبتها الصورة التخيلية لذاتها، في لغة تجسد أزمتها في زمن نفسي يمتد للكشف عن الدوافع التي حركت شخوصها وأحاسيسها لتقمص الأدوار على التوالي.

مما جعل رواية «سعيد وظله الليلكي» تتسم بالواقعية الوصفية التي تنقل الواقع راسمةً الخط الواصل بين الظاهر والأعماق. فهي لا تكتفي بتقديم شهادة على حرب فاجرة هدّمت الحجر والبشر، بل إنها تتناول تبعات هذه الحرب وانعكاساتها على الإنسان السوري المثقل بالوجع والانكسارات، والانهيارات الاجتماعية والأخلاقية الناجمة عنها. وقد استطاعت أديبتنا، مع هذه التداعيات كلها، القفز باتجاه تنمية الإحساس بالمسؤولية عند أبناء جيلها، منبّهةً إلى دور الكلمة التي تستدعي العلاقة بها حماية الثقافة والأخلاق ومحبة الوطن، حيث تسكننا الصور والأفكار وتورق اللغة في حضرة الرواية، فيأسرنا الاخضرار رغم كل اليباس الذي يلحق ببعض شخصيات الرواية. وليس غريباً على مؤلفتها أن توقظ فينا فتيل الحزن في روايتها، فتعطّر الحروف والصفحات وأروقة الذاكرة والوجدان.

ينهي «الراوي» الحكاية بتوضيح عن دعوته لسعيد ليشاركه تفاصيل الحكاية، فيخاطب القارئ قائلاً: «دعوت سعيد ليكون بطلاً يشاركني الحكاية، أنا واحد مصاب بالرؤية والرؤيا، والآن بتَّ شريك اللحظة الصادقة، صديق الحكاية، قاربتَ الحقيقة فأكمل الرواية كما تشاء بمتعة أو نفور، خفة أو ثقل، حزن أو غبطة، اهتمام أو سخرية، رحاب بين دفتي ذاكرتك، فأقم عليها من الحبّ أو الحدّ ما شئت، هي تقول شيئاً واحداً: ما أحلى الموت بلا صخب.. اتركوني لأنام طويلاً بسلام».

«سعيد وظله الليلكي» رواية إنسانية بامتياز، تحاور الإنسان في زمن نحتاج فيه إلى الحوار والعقل والمشاعر معاً، وتمثل الواقع بكل وجوهه، كما تحمل الكثير من الشجن والأسى الموشّى بأطياف الحب الذي يمثل الوجه الآخر للوطن، بل هو الوطن ذاته، نعيش فيه ويعيش فينا. كما كان للأسلوب الرشيق المشغول بلغة شفافة ومعبّرة دوره الكبير في رسم خاتمة هذه الرواية، إذ تظهر بوضوح مهارة الكاتبة في سرد حكايات شخصياتها، وتحكّمها في أسلوب طرح القضايا التي تناولتها فيها، حيث تناوب الأسلوب عندها ما بين السرد والوصف، يُضاف إليهما الحوار المتكئ على رؤية فلسفية عميقة للأحداث في بعض الحالات.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

هل نفقد علاقتنا بالكتب؟ حكايات قرّاء من أجيال مختلفة

هل نفقد علاقتنا بالكتب؟ حكايات قرّاء من أجيال مختلفة

«إن القسم الأكبر من العالم يبدو لنا من خلال ما يقال لنا عنه». ميشال بوتور ربما يتفق معظم محبي الكتب على أن الكتب هي البوابات الأولى والأقدم للعبور من (الحياة الواقعية) إلى عوالم أخرى متنوعة ومدهشة، وممتدة كجسور بين العقل والوجدان البشري وبين الكون بوجوده الفيزيائي...

في بانياس: علاقات اقتصادية تفرضها الضرورة ونشاط رياضي يختبر حدود الانقسام الطائفي

في بانياس: علاقات اقتصادية تفرضها الضرورة ونشاط رياضي يختبر حدود الانقسام الطائفي

هل تفعل عودة العلاقات الاقتصادية والنشاطات الرياضية والاجتماعية ما عجزت عن فعله الشعارات والطروحات التي لم تتعدَّ الأقوال؟ هل يمكن لهذه العلاقات أن ترمم النسيج الاجتماعي المهلهل، إن لم نقل الممزق، وهل تعمل عمل المخمّد للتوتر والتشنّج الطائفي، أم أنّ الأمر لا يتعدى...

قبّةُ الخنق السوريّة :كيف ينجو الخائف من الخوف؟

قبّةُ الخنق السوريّة :كيف ينجو الخائف من الخوف؟

في صباح أكتوبر مددت يدي نحو سترتي المعلّقة خلف الباب، وأدخلت رأسي في قبّتها الطويلة قبل أن أخرج. فعلت ذلك بلا تفكير، كما أفعل كل يوم ثم توقفت لحظة وأنا أشعر بالقماش يحيط برقبتي. كانت دافئة، وهذا كل ما أريده؛ لكنها كانت تضغط قليلاً أيضاً، بالقدر الذي يجعلني أشعر...

تدريباتنا