رواية بيت حُدُد بين عالم الثورة وعالم السلطة

رواية بيت حُدُد بين عالم الثورة وعالم السلطة

يثير اسم الرواية التباساً أوّليّاً، فهل الرواية تتحدث عن إلهٍ أسطوري، أم عن دمشق وسورية، وما يعتمل بها بدءاً من ثورة 2011؟ الرواية تريد قراءة السنوات السبع الأخيرة، فلماذا الإله حدُدُ؟ أزمنة الرواية ليست خطية وتبدأ بالتاريخ السابق الذكر وتتصاعد، بل هي تتعدد بتعدد شخصياتها، وبتعدد الأماكن وبالاستطرادات الكثيرة، والتي لا يجد المرء سبباً مقنعاً لوجودها في حبكة العمل الروائي، كالإسهاب عن حياة فيديل في بريطانيا وزواجه المتعدد، أو في دبي كفصل الشم أو الحلاج مثلاً.

فضاء رواية بيت حدد متغيرٌ بتغير الشخصيات فهو تارة لندن، وتارة دمشق، وتارة دبي، وهكذا. بل يتغير مع تغير الحوار وفصول الرواية. المكان هذا، تنقلنا فيه الرواية بين الماضي والحاضر، فحين يعود الدكتور أنيس من لندن لبيع بيت خاله، باعتباره الوريث الوحيد، ويتعرف على أهمية البيت من خلال المحامية سامية والشاعر “الفاشل” والسياسي المعتقل عيسى، والباحثين الذي جلبتهم سامية لتقييم منزل خاله من الناحية التاريخية والمالية؛ حينها يعود بنا الروائي إلى أزمنة وأمكنة قديمة، ويستعرض ذلك بإسهاب كبير، وبحديثٍ طويل عن بيت حدد وسيف الإله حدد، والذي لا يُقهر أبداً من يحمله، ويفترض بالرواية هنا أنها تسرد أصل الإله “الماضي” ليكون عوناً للثورة السورية “في الحاضر”، ولكن ذلك لا يحصل؟

نجد الإله حدُدُ ثانية في الجامع الأموي، حينما تذهب إليه الدكتورة ليل، المخذولة من زوجها وأسرتها، حيث تتعرض لمحنة كبيرة، بسبب دعوة عشاء ومشاعر عاطفية مفاجئة وقبلة وحيدة على جبل قاسيون. مشكلتها تبدأ مع مراقبة الأمن لها من قبل عناصر الطبيب سابقاً وضابط الأمن لاحقاً عباس جوهر، ومن ثم تسريب المعلومة لكل من الدكتور سعد الدين وزوجها عادل، وهنا تصبح ليل مخذولة من الجميع، وعليها أن تدفع ثمن ذلك لزوجها وترضي شهوات الدكتور سعد الدين، والذي يَعدُ زوجها بشراكةٍ في مشفى جديد، وسيعود عليه بأموالٍ طائلة. الإله حدد أيضاً يوجد له مقام في الجامع الأموي، والذي تخرج منه مظاهرة للإطاحة بالنظام. لندقق هنا: فبيت خاله يصبح مكاناً لخلية من الشباب الثائر، ومن الجامع تخرج مظاهرة كذلك، وبالتالي ربما أراد الكاتب هنا إيجاد رابط بين المكانين، والقول إن الإله حدد يثور مجدّداً، ولا بد أن ينتصر. طبعاً نهاية الرواية تعاكس تماماً أهمية الإله حدد؛ فالمنزل يباع من قبل الدكتور أنيس لرجلٍ إيراني “كراماني” وكأنّ الكاتب يريد القول لقد فشل الإله حدد حامي دمشق، واستولى الإيرانيون على البلد؛ هنا يبدو في الأمر تناقض، فكيف يفشل الإله حدد في الوقوف مع أهل دمشق وينصرهم؟

تسير الرواية بعدّة خطوط سردية، وتتحكم بها شخصيات أساسية وهي الدكتور أنيس من ناحية، والمخرج الإعلاني فيديل/فضل من ناحية أخرى. تعيش الشخصيتان خارج سورية وتعودان لأسبابٍ مختلفة. أنيس لبيع منزل خاله، وهنا يتعرف على التاريخ والثورة، وواقع البلاد الغارقة بالفساد والطائفية والهيمنة الإيرانية، وتنشأ علاقة حب مع المحامية سامية تبقيه في البلاد، ويعايش سنوات الثورة، وتحولها إلى مسلحة، ولاحقاً إلى مناطق محكومة من أصوليين متطرفين وجهاديين أكثر تطرفاً. فيديل المتخم بالملذات في دبي، له حكاية أخرى وتتطوّر علاقته بليل لتكون عشقه الحقيقي وكذلك تبادله ليل ذلك في دبي وتعود لاحقاً إلى سورية لتنقذه من داعش، ولكنه الأخير يقتله بينما يتم تهريب ليل، وتكون قد حملت في أحشائها ابنا لها وتنجبه في لندن وتسميه فيديل. قد يستغرب القارئ كثرة السرد الخاص به؛ فمنذ لحظة ولادته لأبٍ شيوعي وأم تقليدية عائلتها متدينة، الأب ذاك يتعرض للاعتقال، ويخرج لاحقاً مهيض الجناح، وينتحر أخيراً. فيديل يسميه والده على اسم فيديل كاسترو، ولكن والدته وأخواله يسمونه فضل، لأنه وُلد سليماَ ولم يمت أو يكون بمرض كأخوته. استطرد الكاتب هنا، فهو يلاحق فضل منذ ولادته، وكيف تتصارع الشخصية الدينية والعلمانية داخله. لا أعرف لماذا هذا الاستطراد بشخصية فيديل، رغم أنه لا ينتمي إلى الثورة، بل وحتى حينما عاد في المرة الثانية ليخرج عنها فلماً ويكفر فيه عن مجيئه الأول لسورية من أجل تغطية إطلاق مشفى لكبار رجالات السلطة! وحتى في زيارته الثانية هذه، يقبل عرضاً من تنظيم داعش ليخرج له أفلامه وإعلاناته؛ أي أن فيديل يمثل ذاته ولا يمثل نموذجاً للمجتمع أو للثورة، ولكن دون شك شخصيته وفقاً للرواية محبوكة بشكل متميز، وخطها الدرامي ليس متضارباً.

الدكتور أنيس بدوره ليس له دور فاعل في الثورة، وكل ما عاناه بسبب علاقته بالمحامية سامية. يتم اعتقال أنيس في المرة الثانية بسبب زيارته إلى سامية في الغوطة بعد أن اضطرت للهرب خوفاً من الاعتقال. سامية محامية علوية، وباكتشاف أن علاقة الدكتور والمحامية ليست شرعية أي زواج، يتم تهديدها وكذلك وبوقتٍ أخر، تهّدد لأنّها علمانية وعلوية؛ يعود أنيس لدمشق فيُقبض عليه، وهنا لا يخرج أبداً من الاعتقال إلا بصفقة تبادلٍ، وذلك بعد أن يمضي أوراق بيع بيت حدد للإيراني السيد كراماني. طبعاً أنيس يتعرض لتعذيب وحشي، ثم يُجبر على العمل مع شخص اسمه الشيف، والذي سيُقتل لاحقاً كما يرد في آخر الرواية، وتُلصق به تهمة “إرهابي يمارس تجارة الأعضاء البشرية”، وذلك لأنه يجرد السجناء من أعضائهم الداخلية، ولصالح مافيات في السلطة؛ فيتدبر الشيف له صفقة يبيع بموجبها المنزل، ويبادله بسامية التي أصبحت معتقلة لدى جماعة متطرفة ربما النصرة، فيسلم أنيس لداعش ويُطلق سراح سامية.

الحقيقة أن الرواية لا تقارب الواقع قبل الثورة إلّا من زاوية السياسة، ولهذا توثق للمظاهرات الأولى ولمن قام بها، وكيف بدأت الثورة في الداخل والصفحة التي حاولت إدارتها من الخارج؛ ولكن تلك القضايا لا يتم التطرق إليها إلا بشكل عرضي وهامشي، وعبر جمل محدودة في بعض فصول الرواية؛ كالكلام عن الجفاف ووجود ثلاثة ملايين سوري مفقر في الرقة وكذلك عن بيع العقارات في درعا، وكذلك مجموعة الشباب في بيت حدد وهم يناقشون أوضاع الثورة وتغطيتها، ولاحقاً من خلال المجموعة الثورية التي تذهب إليها سامية، ولاحقاً تذهب ليال إلى مجموعة أخرى لتصل إلى فيديل عند داعش.

تكاد لا تظهر أسباب ما قبل الثورة وفعاليات الثورة في الرواية. فلنلاحظ مثلاً المجموعة التي تستقبلها ليال في منزلها؛ فهناك عباس الطبيب وقد أصبح ضابط أمن، وعادل زوجة ليال ولا علاقة له بالثورة بشكل مطلق، وكذلك عيسى وسامية وزوجة عباس؛ المجموعة هذه تفرقها انتماءاتها للثورة أو السلطة. ورغم محاولة رسم شخصيات روائية أساسية كسامية وعيسى مثلاً، وشخصيات سلطوية كسعد وعباس، فإن الرواية لا تقنعنا بأنها تقدم أسباباً للثورة؛ لا نتكلم هنا عن الواقع الحقيقي بل عن الواقع الخيالي الذي يصنعه الروائي.

صحيح أن الدكتور سعد الدين فاسد، وطائفي، وعباس ضابط أمن ومنحاز للسلطة، والاثنان يعملان مع الإيرانيين كما أوضحت الرواية، لكن الرواية لا تقدم أسباباً كافية لانطلاقة الثورة وتطوراتها؛ وهنا تفشل خيوط الرواية في تقديم أفكار وتصورات مقنعة للثورة ولتطوراتها. ولنلاحظ مثلاً الخطأ الذي يقع به الكاتب، فيقول إن كل ضابط في الأجهزة الأمنية ليتم ترفيعه من عقيد لرتبة عميد يجب أن يخضع لدورة دينية ويجب أن يكون علوياً، فبينما لا شيء من هذا الأمر صحيح بالواقع؛ فهناك احتكار لقيادات الأجهزة الأمنية لأفراد محددين من الطائفة العلوية، ولكن ذلك لا يتم بعد دورة دينية.

تتضمن الرواية كلاماً على لسان شخصياتها وتتناول قضايا كثيرة تخص الثورة وتطوراتها، وكثير منها مكتوب بشكل تقريري، وحينما يسرد الروائي قصصاً تخيلية تظل بعيدة عن إقناعنا كأسبابٍ لاندلاعها، كما الحال حين يسرد واقعة كتابة الأطفال على الجدران في درعا، والحريق الذي يشتعل بسبب ماس كهربائي، ثم يتطور الأمر نحو اعتقالات الأطفال، ويليه سرد كيفية بدء الثورة في درعا. كان بإمكان الرواية أن توثق أو تقدم الأمور بشكلٍ تقريري وبشكل أدق، ولكن هذا أمر صعب على من لم يعايش الثورة في سورية. إن المراوحة بين التقريري والتخييلي لا يُقدم لنا أية أفكار جديدة أو حبكة قصصية أو إثارة للقارئ تدهشه أو تفرض عليه متابعتها بشكلٍ حثيث. ربما كان الكاتب يريد عرض الواقع، ولكن ذلك ظل هامشياً لأن الكاتب لم يتطرق لأسباب الثورة كما ذكرت، والواقع الذي كان يعيشه الناس، ولم يظهر ذلك على لسان الشخصيات بكل الأحوال؛ بل لا نجد شخصية واحدة تمثل مدينة درعا مثلاً.

يهرب الروائي عبر تقطيع عمله إلى فصول، وربما هذا أمر أكثر عملية كي لا يكون نصاً متصلاً، ويقوم بدلاً من ذلك بكتابة روايته على شكل مشاهد سينمائية. وهو ما يُسهل له القطع والوصل والانتقال عبر الأزمنة والأمكنة والشخصيات بسهولة بالغة. أقصد هنا أن الرواية تتطلب التفصيل بينما السينما تكتفي بالتكثيف، فهي قائمة بذاتها، بينما النص السينمائي ليس كذلك.

يخطئ الروائي بتسمية روايته ببيت حدد لما عرضناه أعلاه، وليس من شخصيات تمثل الثورة إلا نادراً وتحديداً سامية وعيسى. ولكن الرواية ربما تقدم لنا نصاً يوضح بعض ممارسات السلطة، وما فعلته. ربما يمكننا القول إن الرواية تمثل عالم السلطة أكثر مما تمثل عالم الثورة، وذلك من خلال السرد الطويل عن المحامي وعباس وسعد والشيف وعمران وحتى فيديل.

الرواية صادرة عام 2017، وعن دار الآداب اللبنانية، ورُشحت لجائزة بوكر عن القائمة الطويلة للروايات،. كاتبها الشاعر والروائي والإعلامي السوري فادي عزام.

محاولات لتعميم الإسلام المعتدل في سوريا

محاولات لتعميم الإسلام المعتدل في سوريا

في دروس اللغة العربية البسيطة، للمبتدئين في اللغة، وفي السياسة عندما تصبح عمليات سرية وألعاباً خفية، ما يسمّى بالضمير المستتر، وهو فاعل رأى أنّ من الأسلم لمراميه التلطي خلف مقتطفات اللغة، فيفعل من خلف الستار ما لا يرغب بإظهاره للعلن. على سبيل المثال، بالقول أنّ “الحكومة ضيّعت البلاد” أو “إنّ الاتفاقيات تجري من تحت أنوفنا”، يقضي الفاعل المستتر هنا على البقية الباقية من الأنفاس في هواء البلاد لخدمة أهداف لا نرغب بمعرفتها أصلاً. ومن هذا أيضاً ما تناولته وسائل الإعلام مؤخراً عن عقد اتفاقية بين مديرية الأوقاف وجامعة البعث في حمص، وتهدف الاتفاقية كما جاء حرفياً على الموقع الرسمي لجامعة البعث “إلى تبادل الخبرات والمعلومات في جميع المجالات المشتركة وذلك انطلاقاً من المبادئ والقيم الإنسانية السامية من أجل النهوض بالمستوى الفكري للفرد خاصةً والمجتمع عامةً نحو الأفضل في ظل الظروف الراهنة التي تتعرض لها سورية.”

وأكد الدكتور بسام إبراهيم رئيس جامعة البعث على أهمية هذه الاتفاقية المشتركة والتي سيكون لها دور مهم في عملية بناء الإنسان من خلال تعريف جيل الشباب بالقيم الدينية الصحيحة ودعوتهم إلى المحبة والتآخي والتسامح. ورغم أن لا شيء واضح في مندرجات الاتفاق، من يقف خلفه؟ وهل هو توجه عام أم تصرف فردي مثلا؟ لكن معرفتنا بطرق صنع القرار في وزاراتنا تجعلنا متيقنين أن الهدف المعلن هو نفسه الهدف المستتر، أي تخفيف حدة الخطاب الديني المتطرف وامتصاص الفكر الجهادي عبر تطويع الخطاب المعتدل وتمكينه لكن هذا الهدف وإن برئت مراميه لا يتم تحقيقه عبر دعاة / موظفين خارجين أصلاً من رحم نص مقدس لا يجوز المساس به.

نضيف إلى هذا أن الجامعات أصلاً ليست المكان المناسب لمكافحة التطرف إذ إنها ليست البيئة الحاضنة له إذا توفرت بيئة حاضنة، إنما معاهد تحفيظ القرآن والمعاهد الشرعية والجوامع وحلقات الدراسات القرآنية هي الأولى بذلك، أي من المفترض أن تتقدم الجامعة بهذا المشروع لتضع هذه المعاهد والمدارس الدعوية تحت سيطرتها لا العكس، ونستطيع التساؤل أيضا بكثير من حسن النية عن المشاريع المشتركة التي تجمع مديرية تعنى بالشؤون الدينية والدعاة والوعّاظ مع جامعة يجب أن يكون هدفها الوحيد القريب والبعيد هو البحث العلمي، إلا إذا كان الهدف هو تطويع الدراسات جميعها لصالح دراسة أثر الخالق في الاقتصاد والميكانيك والكهرباء!

لكن ما هي الخبرات والمعلومات التي تتمتع بها مديرية أوقاف في بلدٍ يتهاوى، أو في بلد يتعافى من هاوية حرب أهلية شكّل الخطاب الديني المتطرف جزءاً لا يستهان به من أسلحة خوضها، هل سيوزعون صكوك غفران جديدة؟ أم سيدرسون تأثير اللحى في الوقاية من سرطان الجلد؟

وهذا الاتفاق بحد ذاته لا يشكل فرقاً جوهرياً في الحقيقة إذ طالما تشابهت المؤسسات التعليمية في سوريا من حيث آلية التعليم أو قل التلقين فيها مع المعاهد الدينية، لكنه يبقى مؤشراً يدعو للقلق طالماً يتزامن مع انتصارٍ حقيقي أو شبه حقيقي للقوى الوطنية كما تصنّف هذه القوى نفسها في حرب وجود ضد الفكر الإقصائي؟ سبق هذا الاتفاق بلاغاً آخر  مثيرٌ للجدل وسبق تعميمه على المدينة الجامعية في جامعة حلب حذّر فيه أحد المسؤولين الطلابَ من مغبة الإجهار بالإفطار في رمضان ووجوب الالتزام باللباس المحتشم ومنع الخلوات غير الشرعية، وكأن الوزارات بأكملها أنجزت المهام الموكلة لها بحفظ أمن المواطن وضمان معيشته ولم يتبق إلا الأخلاق الحميدة لتوزعها عليه في أكياس صغيرة لتنقذه من العطب اليومي، أو كأنّ الحكومة رأت أن الفساد الأخلاقي والجهر بالإفطار في رمضان هو سبب الدماء الجارية في الشوارع فرأت أن تقضي على المشكلة من جذرها بالقضاء على الأخوة الطلاب.

لكن هناك خطباً ما ألا وهو أنّ هذا الاتفاق الغريب يأتي بعد أقل من سنة من إغلاق المدارس الدعوية التي تتبع مجمّع الرسول الأعظم (ثلاث مدارس) والذي كان يتلقى تمويله من هيئات دينية إيرانية، إضافة لهدوء غير مفهوم على الجبهات التي تشكل القوات التركية جزءاً منها، الأمر الذي يقود إلى التفكير بالهدف الآخر غير المعلن.

المستتر

ربّت أغلب الحكومات، ديمقراطية أم ديكتاتورية، متطرفين في الباحة الخلفية ليتم استخدامهم في مهمات مريبة لا تسمح لها ديمقراطيتها المعلنة أو خطابها العام إعلان مسؤوليتها عنها، وأحياناً قامت بهذا حكومات بوليسية الهوى لوضع المقارنة موضع الالتباس عند من يرغب بصنع تغيير ما، عبر المفاضلة بين السيئ والأسوأ، وهذا ما شهدناه بأم العين وأخت البصيرة في بلدان الشرق المسكينة. ذلك أن الدول أيضا اكتشفت التكلفة الكبيرة لاستيراد متطرفين عقائديين تواجه بهم متطرفين عقائديين آخرين، فآثرت والحال كذلك استيلادهم محلياً بتكلفة صنع أرخص، فعل ذلك الجميع بطرق متعددة، عبر اصطناع مشاكل كبيرة لا حل لها إلا باستقدام الوكيل الخاص بنا، حتى استقرّت المناقصة الكبرى على الإسلامي المتطرّف الذي يرغب بتدمير العالم بأكمله وعلى الحكم الوطني الذي لن يسمح له بفعل ذلك ولو كانت التكلفة تدمير الوطن على رؤوس سكّانه، فلماذا نشذّ نحن عن قواعد أرست مراسيها دول كبرى وحكومات برلمانية الواجهة وتعاطت بها بنفس الطريقة؟

لماذا نكون أكثر عدالة أو نصرة للحق الإنساني طالما أن سبل السياسة انحفرت بهذا المعول وعلى هدي هذه المطارق، والتغيرات الجديدة في الصفقات الكبرى تحفر مجاريها أيضاً، على فيضٍ من اتفاقياتٍ سريةٍ تجري جري السلاحف في الأكمات، اتفاقيات يُمنح بموجبها تيار الإسلاميين “المعتدلين” حصّة ما في أجهزة الحكم المدنية مقابل تخفيض لهجته الجهادية وتنزيل الأزمة إلى مستوى السيطرة العامة على دوائر صغيرة في الحكومة، الأمر الذي قد لمحنا براعمه في تمكين هذا التيار الموصوف بالمعتدل من وسائل إعلام جديدة وتجمعات شبابية دينية، على نية أن تأخذ الحكومات هذا المد إلى أمكنة يُعتقد أنها تحت السيطرة وهذا ما لن يحصل.

صفقات صغيرة  بين دول كبرى

صفقات صغيرة بين دول كبرى

ضربة غامضة على «الحشد الشعبي» العراقي وميليشيات تدعمها إيران في ريف دير الزور على ما تعرف بـ«طريق طهران – دمشق» شمال شرقي سوريا… مفاوضات مكثفة بين الجيش الروسي ونظيره الإسرائيلي في تل أبيب لبلورة ترتيبات لمنطقة خفض التصعيد جنوب غربي سوريا وعمق إبعاد إيران، بالتزامن مع تعزيزات من القوات الحكومية السورية إلى «مثلث الجنوب» وسط استئناف للقصف الجوي.

في شمال غربي البلاد، بدأ الجيش التركي تسيير دوريات على خط التماس في ريف منبج بين «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية التي تدعمها واشنطن، وبين قوات «درع الفرات» المدعومة من أنقرة، بموجب اتفاق أميركي – تركي أبرم في 4 يونيو (حزيران) الحالي. وعلى بعد عشرات الكيلومترات، تتأهب قوات الجيش التركي وفصائل سورية معارضة للدخول إلى تل رفعت بدلاً من قوات الحكومة السورية وميليشيات إيرانية، بموجب تفاهم تركي – روسي.

سياسياً؛ انتهى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في جنيف أمس، من جولته الأولى من المشاورات مع الدول الثلاث «الضامنة» لـ«عملية آستانة»، على أن يدعو ممثلي هذه الدول إلى جولة ثانية بعد لقائه الاثنين والثلاثاء المقبلين مع ممثلي دول «النواة الصلبة» الست؛ أميركا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن وألمانيا.

مفاوضات وتعزيزات وغارات

أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن طائرات حربية قصفت منطقة خاضعة للمعارضة في محافظة درعا في تصعيد بمنطقة تستعد القوات الحكومية لمهاجمتها. واستهدفت الضربات منطقة قرية مسيكة في شمال شرقي المحافظة، وذلك بالتزامن مع وصول تعزيزات من قوات العميد سهيل الحسن المعروف بـ«النمر» و«قوات الغيث» في الحرس الجمهوري. وتعهد معارضون بصد الهجمات وبثوا فيديو أظهر تعرض رتل من قوات النظام لهجوم. واستهدفت فصائل معارضة بالقذائف مدينة السويداء للمرة الأولى منذ 3 سنوات، بحسب «المرصد».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت قبل يومين أنها «لا تزال تشعر بالقلق من تقارير عن عمليات عسكرية وشيكة للحكومة السورية جنوب غربي سوريا ضمن حدود منطقة خفض التصعيد التي تم التفاوض حولها بين الولايات المتحدة والأردن وروسيا في العام الماضي… ونؤكد مرة أخرى أن الولايات المتحدة ستتخذ تدابير صارمة ومناسبة ردا على انتهاكات الحكومة في هذه المنطقة».

بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه التهديدات والتعزيزات تزامنت مع محادثات مكثفة بين الجيشين الروسي والإسرائيلي للوصول إلى تفاهمات تتعلق بالجنوب السوري. ودعم هذه المفاوضات مقترح مساعد نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد بانسحاب «حزب الله» وميليشيات إيران بعمق بين 20 و25 كيلومترا من خط فك الاشتباك في الجولان المحتل، وترتيبات تسمح بانتشار قوات الحكومة في الجنوب، وتسيير دوريات روسية للشرطة العسكرية ونشر نقاط مراقبة، ونقل ما بين 10 آلاف و12 ألف معارض وعائلاتهم وممن لا يقبلون بالتسوية من الجنوب إلى إدلب. كما تضمن الاقتراح استعداد واشنطن لتفكيك قاعدة التنف بعد التأكد من التزام روسيا بتعهدات إبعاد إيران و«حزب الله» بموجب آلية رقابة صارمة.

لكن الجديد، بحسب المعلومات، أن إسرائيل طالبت بإبعاد إيران بعمق 80 كيلومترا عن الجولان؛ أي إلى ما وراء دمشق، مع التأكد من حصول ذلك، وامتلاك إيران صلاحية شن غارات ضد ما تعده خرقا لذلك من دون اعتراض روسي. وكان هذا ضمن اتصال الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنامين نتنياهو واتصال وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي مايك بومبيو الذي أكد على ضرورة «التزام ترتيبات» اتفاق بوتين – ترمب حول الجنوب.

وضمن الخلاف حول عمق الانتشار الإيراني بين 20 و25، و80 كيلومترا، وعرض الانتشار بين القنيطرة والجولان وريف السويداء نحو قاعدة التنف، جاءت الغارات الغامضة على عناصر تدعمها إيران في أقصى العمق السوري في شمال شرقي البلاد.

قاعدة أم انسحاب؟

أفادت معلومات بأن الجيش الأميركي عزز وجوده في مطار الطبقة العسكري بمناطق «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل ثلث مساحة البلاد. والمطار أحد أهم المطارات العسكرية السورية الذي كان التحالف الدولي استعجل السيطرة عليه قبل وصول قوات الحكومة والجيش الروسي إليه. بذلك، يرتفع عدد القواعد الأميركية إلى 6 كبيرة، فيما تقول أنقرة إن عددها يزيد على 20 قاعدة أو مركزا.

جاء ذلك في ظل توسيع مساهمة التحالف في المعركة الأخيرة ضد «داعش» حيث انضم عشرات ومئات المستشارين الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين إلى ألفي جندي أميركي، وذلك بموجب طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الحلفاء المساهمة في المعارك ضد «داعش» والمساهمة في تحمل العبء العسكري والمالي.

وكان ترمب قرر استعجال سحب قواته من شمال شرقي سوريا، لكن نصائح من أركان الإدارة الأميركية وحلفاء واشنطن في أوروبا والشرق الأوسط أدت إلى تأجيل ذلك. وتم ربط الوجود الأميركي بثلاثة أمور: الأول: القضاء الكامل على «داعش» في آخر جيوبه. الثاني: تقليص النفوذ الإيراني وقطع طريق طهران – دمشق. الثالث: تحقيق تقدم في عملية السلام عبر بوابة جنيف.

لكن صفقة منبج بين واشنطن وأنقرة من جهة؛ وسيطرة فصائل سورية معارضة تدعمها أنقرة على عفرين من جهة ثانية، دفعتا «وحدات حماية الشعب» الكردية المنضوية في «قوات سوريا الديمقراطية» للتريث في القضاء على «داعش» قرب حدود العراق، وإن كانت حققت كثيرا من التقدم في اليومين الماضيين. وتردد الأكراد دفع واشنطن إلى تعزيز الاعتماد على القوات العراقية داخل أراضي سوريا والضغط لتشكيل غرفة عمليات بين «قوات سوريا الديمقراطية» والقوات العراقية لطرد «داعش».

وبحسب المعلومات، فإن ترمب لم يصدر إلى الآن قراره بالانسحاب من شمال شرقي سوريا، وإن «مهمة أركان إدارته وحلفائه اليومية إقناعه بضرورة البقاء وتحقيق الأهداف الثلاثة وعدم ترك فراع تملأه طهران ودمشق وموسكو».

وفي حال قرر ترمب عشية الانتخابات النصفية للكونغرس في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل الانسحاب وفق وعوده الانتخابية ومنع تقدم الديمقراطيين، فإن تنفيذ الأمر يتطلب ما بين 3 و5 أشهر، لكن عدم الوضوح من جهة، وتهديدات دمشق، وحصول اغتيالات غامضة شرق الفرات، وظهور حركات مسلحة تدعمها دمشق وطهران ضد الأميركيين، دفعت «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها السياسي إلى توسيع الانفتاح على خيار التفاوض للوصول إلى ترتيبات سياسية وعسكرية واقتصادية مع الحكومة السورية تتناول اللامركزية وحقوق الأكراد والتشارك في الموارد الاقتصادية.

صفقات وخيبات

نشرت وكالة «تسنيم» الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» أمس تقريراً يتحدث عن بنود «اتفاق غير مسبوق في تاريخ السنوات الثماني من عمر الأزمة السورية» قضى بتسليم مدينة تل رفعت شمال سوريا إلى تركيا. وقالت إن الاتفاق يشكل نقطة انطلاق لعهد جديد من التعاون الروسي – التركي؛ حيث ستدخل قوات الجيش التركي بشكل رسمي إلى المدينة لتطلع بمهام إدارة المدينة الكبيرة. وقالت: «في الوقت الراهن تتسلم القوات النظامية السورية المقربة من جبهة المقاومة؛ سيما الوحدات العسكرية المحلية في مدن نبل والزهراء والسفيرة والمجموعات من قبيل (لواء الباقر) و(فوج النيرب)، مسؤولية إدارة مدينة تل رفعت ومحيطها إلى جانب (الوحدات) الكردية التابعة لـ(قوات سوريا الديمقراطية)». في الاتفاق، تعهدت روسيا بإخراج عناصر إيران وقوات الدفاع الوطني الموالية لدمشق من تل رفعت وإدخال عناصر «الجيش الحر» إلى هذه المناطق وإلى داخل المدينة التي ستدار كغيرها من المناطق التي دعمت أنقرة فصائل سورية فيها.

وكان الجيش الروسي أقام مركزا له في تل رفعت، مما يشكل تكرارا لصفقات سابقة حصلت بين روسيا وتركيا في عفرين بداية العام الحالي قضت بطرد «وحدات حماية الشعب»، وفي «درع الفرات» بين الباب وجرابلس قضت بطرد «داعش». لكن اللافت أن صفقة تل رفعت جاءت فور بدء أنقرة وواشنطن تنفيذ صفقة منبج؛ إذ بدأ الجيش التركي تسيير دوريات في خط التماس بين «درع الفرات» و«سوريا الديمقراطية» على أن يتم تنفيذ الاتفاق خطوة بعد خطوة وصولا إلى إخراج «الوحدات» الكردية وتسير دوريات أميركية – تركية مشتركة وتشكيل مجلس محلي مدعوم من «مجلس منبج العسكري» من دون دخول الأتراك إلى المدينة.

من جهتها، نددت الخارجية السورية أمس بـ«التوغل» التركي – الأميركي في محيط منبج، عادّة أن ذلك يأتي «في سياق العدوان التركي والأميركي المتواصل على سيادة وسلامة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية». وقالت في بيان رسمي إن دمشق «عازمة على تحرير كامل التراب السوري من أي وجود أجنبي».

وكانت تركيا أقامت 12 نقطة مراقبة في أطراف إدلب من جهة محافظات حلب وحماة واللاذقية ضمن اتفاق «الضامنين» الثلاثة لـ«عملية آستانة». وتسعى أنقرة إلى عملية متدحرجة لعزل «هيئة تحرير الشام» التي تضم «فتح الشام» («النصرة» سابقا)، ومنع حصول هجوم عسكري من قوات الحكومة منعا لتدفق مزيد من اللاجئين، ذلك أن إدلب باتت تضم 2.5 مليون شخص أكثر من نصفهم هجروا من مناطق أخرى سيطرت عليها دمشق.

وهناك اعتقاد أميركي بأنه في إدلب 12 ألف عنصر أجنبي وموالين لـ«القاعدة» سيتم استهدافهم بعمليات اغتيال بغارات جوية أو عمليات استخباراتية بالتزامن مع دعم المجلس المحلي والفصائل المسلحة المعتدلة.

الفجوة كبيرة بين ما يجري في جنيف والصفقات الصغيرة بين الدول الكبرى في الأرض. لكن الجامع بينهما هو غياب السوريين أنفسهم حكومة ومعارضة. وليس هناك رابط مباشر وعاجل بين مسار جنيف الدولي – الإقليمي المتعلق بتشكيل لجنة لصوغ الدستور السوري من جهة؛ والعمليات العسكرية والصفقات والتفاهمات على الأرض من جهة ثانية. لكن دبلوماسيين غربيين يتوقعون استمرار الواقع الميداني المتأرجح في جنوب غربي سوريا وشمالها الشرقي وشمالها الغربي، إلى أن يثبت على صيغة تتقاطع مع موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المرتقبة في 2021. وقتها، ستتم ترجمة مناطق النفوذ الخارجية في نصوص الدستور السوري.

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

فيديو: حرمانها من حاستي السمع والنطق لم يقفا عائقاً أمام إرادتها

فيديو: حرمانها من حاستي السمع والنطق لم يقفا عائقاً أمام إرادتها

نوهات رضوان بكماء كردية-سورية ترسم من وحي الحرب مفاتيح الأمل. هي فتاة عشرينية بكماء منذ الولادة تبدع في الرسم وتصميم الاكسسواروالمشغولات اليدوية وصناعة الدمى. ولدت نوهات في عائلة مؤلفة من عشرة أشخاص في مدينة القامشلي حرمانها من حاستي السمع والنطق لم يقفا عائقاً أمام إرادتها. لم ترتد أية مدرسة متخصصة في الرسم ولدت موهبتها الفريدة منذ نعومة أظافرها. تأثرت بالحرب الدائرة في بلادها والتي تسببت بتهجير العشرات ممن عرفتهم من اصدقائها واقربائها وجيرانها. لم تبخل ريشتها في رسم معاناة المهاجرين واللاجئين السوريين كقصة الطفل آلان الكردي الذي غرق في أحد الجزر اليونانية قبل سنوات. شاركت نوهات في العديد من المعارض التي أقيمت في مدينتها وتطمح أن تشارك يوماً في معارض عالمية. 

اعداد لامار اركندي
نصوير ومونتاج : ياسر حمزة
سوريا / القامشلي

السوريون في فرنسا: الألزاس مثالاً

السوريون في فرنسا: الألزاس مثالاً

ستراسبورغ

تقع مدينة ستراسبورغ  في إقليم الألزاس الذي تم تغيير اسمه إلى إقليم الشرق الكبير بعد دمج عدة أقاليم معه لأسباب اقتصادية بحتة  هدفت لرفع مستوى تلك الأقاليم الضعيفة النمو الاقتصادي والناتج العام. وتُعتبر مدينة ستراسبورغ المدينة الثالثة  في فرنسا من حيث مستوى الدخل والرفاهية بعد مدينتي بوردو ورين .

قبل الحرب السورية كان  عدد السوريين في المدينة لا يتجاوز المائة شخص، وهم غالباً من الطلاب الذين أنهوا دراساتهم الجامعية العليا وتزوجوا من سيدات فرنسيات واستقروا فيها. وبعد العام 2014 بدأت العوائل السورية تتوافد إلى المدينة ليصل الرقم حالياً إلى ما بين ألفين وألفين وخمسمائة سوري، ويتضمن هذا الرقم عائلات وشابات وشباب عازبين يدرسون ويعملون. وتجدر الإشارة الى أن عدداً كبيراً من العائلات  قد قررت التجمع معاً في منطقة واحدة محددة بناء على ارتباطاتهم العائلية أو الأقلوية كالطائفة أو بلد المنشأ أو علاقات الصداقة المميزة بين تلك العائلات، المهم تلك القناعة أنّ وجودهم معاً هو علامة الأمان الأقوى والأكثر خيراً على الجميع.

لا يوجد رابطة رسمية للسوريين في المدينة، إلا أنّ الغالبية تعرف بعضها من الأسماء، فالأسماء والألقاب معروفة وإن غابت الوجوه عن مساحة المعرفة البصرية أو الذاكرة.

***

أحمد إيزولي مهندس ميكانيك حاصل على درجة الماجستير في تنقية المياه ومحطات المعالجة، يقيم في المدينة منذ عام 1993، زوجته سورية وناشطة في مسرح الهواة وقد حصلت الفرقة المسرحية التي تعتبر عضواً أساسياً من أعضائها على جوائز فنية عالية وبشكل متكرر. افتتح المهندس المذكور مطعماً أسماه “حبيبي” باللغة العربية، ويقدم ً  تبولة ومسبحة وبرغل ببندورة وفلافل وشاورما وكبة وبرك جبنة وسبانخ، وفي شهر رمضان يقدم وجبات خاصة للصائمين، يضيف إليها شوربة العدس والتمر وشراب التمر هندي والمشمش والليمون، مع الإشارة إلى أن غالبية زبائنه من الفرنسيين. وقد نافس مطعم أحمد من سبقه من أصحاب المطاعم اللبنانية، وكل متصفح لصفحة المطعم على الفيس بوك يتعرف إلى ما يقدمه المطعم وبالتالي يمكن عبر الموقع نفسه  التعرف على المستوى المميز والرفيع للمطعم ونوعية ما يقدمه وحسن تعامل صاحبيه مع الزبائن .

***

يتميز الطلبة السوريون بانتظامهم في المدارس فور وصولهم وسعيهم الحثيث للتعلم، ويبرعون في اختبارات الطب والفنون وهندسة المعلوماتية. حسن رب عائلة سورية قدمت إلى ستراسبورغ من حوالي السنتين، ابنه البكر كان في الصف العاشر الثانوي  وخلال سنته الدراسية الأولى تجاوز صعوبات تعلم لغة جديدة وهو الآن في الثانوية وقد قام باختيار العلوم الطبية للدراسة بعد ما خيرته إدارة المدرسة بين هذا الاختصاص واختصاص الهندسة المدنية نظراً لارتفاع معدل علاماته في الصف الحادي عشر.

السمة الغالبة للعائلات السورية في المدينة هي قدومها مجتمعة عبر برنامج اللجوء في منظمة الهجرة الدولية بمكتبها في بيروت، وبالتالي فإن عذابات الغربة جاءت أخف لأنّ الأسرة تقاسمت صدمة التعرف إلى بلد جديد وروتين إداري مقيت وطويل ومبالغ فيه، لدرجة أن أحدهم أعلمني بأن ما قدمه من الأوراق لدوائر الضمان الصحي واللجوء والإعانة والسكن يبلغ حجمها حقيبة بوزن أربعين كيلو غراماً.

لكن ثمة من قدم وحيداً واختبر مشقة الانتظار ولوعة الوحدة والقلق على من تبقى من أفراد عائلته في سورية أو في ما يخص موافقات لم الشمل وتوقيت الاجتماع بالعائلة مجدداً. يروي أحد السوريين أنه قد تعرف على لاجئٍ جديدٍ في المدينة، وقد شكا وبكى وندب حظه لدرجة دفعت الشاب المقيم منذ مدة للتوسط  لدى أحد الأصدقاء الفرنسيين لإيوائه كي يوفر عليه بدل الإيجار والخدمات حتى موعد حلول الوقت المناسب لتؤمن له الدوائر المختصة كل ذلك، ليكتشف الشاب المغيث والفرنسي صاحب النخوة أن السوري الميمون لديه حساب بنكي يتجاوز الخمسين ألف يورو!

لانا طفلة سورية عمرها خمسة أعوام قدمت الى المدينة منذ سبعة أشهر وهي الآن “بلبل بالفرنسي” (حسب التعبير الشائع  لدى السوريين الذين يعانون من نقص حاد في معارفهم اللغوية بالعربية فكيف باللغات الأخرى!). لانا متفوقة على كافة زملائها بالمدرسة وقد بدأت  بالانخراط بصف الرقص وتبدي نجاحاً مميزاً واندماجاً كبيراً ما بين أقرانها من الجيران وزملائها ومعلميها في المدرسة.

في نهاية كل عام دراسي تقيم المدارس حفلاً وداعياً لطلابها، غالباً ما يكون يرافقه نشاطات متنوعة وله صفة المرح فحسب، لكن بعد قدوم أستاذ موسيقا جديد وهو شاب سوري تغيرت نكهة الحفل وتفاصيله، خاصةً بعد إصراره ونجاحه في تشكيل أوركسترا وكورال من الطلاب أنفسهم بعد أن تحولت دروس الموسيقا إلى منجمٍ من ذهب لاكتشاف المواهب والميول الفنية  وتوظيفها وتطويرها، لدرجة أنّ الأهالي وإدارة المدارس طالبت المحافظة بلحظ رصيد مالي محدد وسنوي لتأمين تكاليف رعاية واستمرار وتطور الكورال والأوركسترا، واللافت أنّ بداية الحفل كانت بأغنية “لما بدا يتثنى” والتي أدّاها طلابٌ لا يوجد بينهم طالبٌ عربي واحد.

كما أنّ الأستاذ المذكور قد فاز بعقدي عمل مع المحافظة، الأول لورشات عمل تحت عنوان “العلاج بالموسيقا للأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة”، والثاني “ورشات عمل بمجال الموسيقا مع أطفال اللاجئين وحكايا اللجوء والنجاة”.

***

اللجوء أكثر من مكان جديد ومن حكايا شوقٍ وترقبٍ ونجاةٍ، اللجوء هو أماكن التسوق بلكنتك الغريبة وبحثك عن بائع خضار سوري أو مغاربي ليطمئن قلبك فتبالغ بالشراء، اللجوء هو التدقيق في ممتلكات الآخر شريكك في بلدك الأصلي وسؤال النفقات والمقدرة والخوف من العجز والإفلاس، اللجوء هو السؤال عن راتب اللجوء وهل لديك طبيب للوصفات الإضافية، ونميمة بأنّ فلاناً لديه أربعة أطفال مما يعني خمسمائة يورو إضافية عن راتبك الشهري والتعويضات، اللجوء هو أن تقرّش كل يورو حسب الليرة السورية وتقرّر حينها فقط هل تشتري تلك الحاجة أم لا.

يوقفني رجل فرنسي وأنا عائدة من سوق الخضار الشعبي ليقول بلكنة فرنسية خالصة “سيري Syrie؟”  أي سورية! ( وعندما أجيب بنعم يقول لي مشيراً إلى ربطات البقدونس التي أحملها (تبولة!)).

العلامة الفارقة هي براعة السوريين في التعرف إلى الأماكن العامة وخاصة مراكز التسوق بسرعة، وقلة الاختلاط بالفرنسيين مع أن جلّهم بادر بإقامة علاقات اجتماعية مع الجوار وخاصة الجيران في ذات المبنى، خاصة إذا كانوا من اللاجئين أو المهاجرين أمثالهم، لكنها باءت جميعها بالفشل. ولابد من الإشارة إلى أنّ علاقاتٍ مميزةٍ جمعت بعض العائلات السورية ببعضها البعض بعد أن تم التعارف في ستراسبورغ عبر أو بعد رحلة الاستقرار في الوطن الجديد.

أكثر الأسئلة مدعاةً للضياع كان “هل تشعر بأن فرنسا هي وطنك الثاني؟” سؤال استدعى معنى الوطن والحقوق والواجبات والحرب والغربة ومتاهات العزلة والاندماج، وظل معلقاً دونما جواب، كالأرواح الهائمة في عشق المكان وذكرياته وفي رحلة التعرف إلى جديد لا خيار في الامتثال لشروط العيش فيه وإن بدت عبارة الشروط مجرد تغيير طارئ سيعيد ترتيب نفسه هناك في المكان المعلق بين العودة أو عدمها! أما الزمان والتوقيت فمجرد هلام لا يُكمش ويتسرب كالحلم من بين أصابع الزمن.

صياح الديك

صياح الديك

لا أعرف من أين أتى الديك إلى هذه المدينة، يهزُّ ليلها المعتم بصياحه الفوضوي. ما مذهب هذا الديك، وإلى أيّ أرومة فلسفية ينتمي؟

فكرت وأنا في غمرة يأسي أن أكتب رسالة إلى السيدة الدولة، متمثلة بأعلى رموزها، أشكو لها الفساد الشامل، دون أن أتطرَّق ولو بإشارة إلى حقوق الإنسان، أو حقوق الأقليات، أو حقوق المرأة، فأنا أعتقد أن الدولة شديدة الحساسية من هذه الفذلكات، وربما هي على حق.

في هذه اللحظات السوداوية، اكتشفت اكتشافاً مريعاً؛ هو أن الناس في الحي الذي أقطنه يسمّون مصلح التلفزيونات ” أفلاطون” وأنا أعرف أن له اسماً آخر، وتبين لي، وهنا مكمن استنكاري أن لقب أفلاطون يطلقونه على الأغبياء ومدعي الذكاء! كيف أصبح اسم أفلاطون مرادفاً للغباء البشري؟ هل هذا نوع من البلاغة الشعبية، أن تقول الشيء وتقصد عكسه؟ لا أدري إذا ما كانت هذه بلاغة، من يستطيع أن يحل لي هذه المعضلة التي جعلتني أتفطر حزناً على الإغريق وعلى أفلاطون، وأتساءل: هل سكان حارتي اسبارطيون أم عثمانيون جدد، يكرهون الإغريق القدامى والجدد؟ لا أدري.

إن كلمة “لا أدري” هذه تصلح كديانة جديدة للعقلاء والمعتدلين، بشرط أن يقولوا عن كل شيء لا أدري أو ما يوازي هذه الكلمة أو ما يتفرع عنها، مثل: ممكن،احتمال، هذا وارد… عندما أكون في وضع مناسب سأبشر بهذا الدين الذي لا يحتاج إلى ضحايا ولا إلى مجاهدين، ولا إلى أحاديث تلفزيونية. ريثما يتم لي ذلك، اعتذرت في نفسي لليونانيين القدماء، ونويت أن أبكي، إلا أنني قلت لا شأن لي بكل هذا، فأنا أحبُّ السيد أفلاطون، وأرسطو، وسقراط، واكسماندرس، وهيرقليطس الذي يقول: ” أنت لاتستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين” رغم أنني استحممت بماء النهر مرتين وأكثر، عندما أغلقت مجراه مع أصحابي من أبناء القرية، ولم يكن في ذلك أي تحدّ لهيرقليطس، ولم يخطر ببال أحد منا أن يطلق على هيرقليطس اسم أفلاطون. كنا في زمن غير هذا الزمن. أذكر أن أستاذ المدرسة، أراد أن يسخر من أحد التلاميذ الأغبياء وأسماه “أنشتاين”! ربما كانت هذه البادرة التهكمية من الأستاذ نوعاً من البلاغة، إذ جعلتنا في قرانا النائية المنقطعة عن العالم وعن الكهرباء، نعرف من هو أنشتاين، وفي طريقنا لمعرفته تعرفنا على “أديسون” وعلى السيد “كوخ”  مكتشف عصيات السل، وتعرفنا على مخترعين آخرين. إذن، هذه بلاغة موصوفة لم يتحدث عنها الجرجاني ولا الآمدي ولا ابن قتيبة ولا المرزباني ولا ابن رشيق. وخلاصة القول؛ كنت وما أزال أحب أفلاطون الحقيقي، أَعلم هو بذلك أم لم يعلم. حين صاح الديك للمرة الثانية، تذكرت مأساة السيد المصلوب، حين تخلى عنه تلامذته وأنكروه واحداً تلو الآخر، أنكره أحدهم مرتين أو ثلاثاً قبل صياح الديك!

تمنيت ألا يكون هذا قد حدث بالفعل، ويبدو أنه قد حدث، ولا أدري. رغم أنني أدري بعض الأشياء، وهذا نوع من المكر أو سوء النية الفلسفي. الحقيقة لا أدري لماذا قررت بشكل مفاجئ أن أعبر الشارع نحو الحديقة العامة، منذ زمن طويل لم أدخل حديقة عامة، اكتشفت في منتصف الشارع، أنني جازفت وعرقلت حركة سير السيارات، التي تباطأت وشكلت اختناقاً مرورياً، ولا أدري إذا ما شتمني أحد السفهاء من السائقين، جرى ذلك للحظات، وأنا أتردد في العبور، استيقظ في ذاكرتي حمار جدي، كان يحرن كلما تحسس خطراً، أأمضي الآن إلى الأمام أم إلى الخلف؟ دفعني الارتباك إلى رفع يدي مستسلماً لقدري وموحياً بلا اعتذار لجميع السائقين العموميين وغير العموميين. لكن، ما لم يكن بالحسبان أن بيتاً من الشعر للمتنبي داهمني في هذا المأزق الحرج، وجعلني أندفع إلى الأمام وأنا أردده متحدياً كل هذه العربات المتحفزة:

      إذا اعتاد الفتى خوض المنايا             فأهون ما تمرُّ به الوحول

حين اجتزت الشارع شعرت بسعادة لا توصف، قلت بانتشاء، كمن خلص من مهلكة: ما أروعك يا أبا الطيب! كانت الحديقة تعج بالعشاق، رغم الحرب الدائرة في محيط المدينة، دائماً يخرج الإيروس متحدياً الموت، ألم يقل شاعرنا الحديث: “إذا ضحك الموت في شفتيك/ بكت من حنين إليك الحياة.”

على كل مقعد في الحديقة، يجلس عاشق ومعشوقته. لم أعثر على مقعد فارغ لأجلس وأرنو إلى البط في البحيرة، والحقيقة لم يكن ثمة بط ولا بحيرة، كان هذا موجوداً في ماضي هذه الحديقة ، قبل الحرب على الأرجح! لا أدري كيف مضت الأمور إلى زوال، وبأمر من؟ رحت أرنو إلى العشاق، هذه هواية قديمة لا زمتني منذ صباي، لا أستطيع حتى الآن مقاومة غريزة التلصص على العشاق. كنت أحياناً أتوارى خلف جذع شجرة وأراقب، فعلت ذلك مرة في بيروت، وكانت بيروت في زمن حرب أيضاَ. في هذه الحديقة، واحدة من الفتيات تجاوزت كل مألوف، وأظهرت اندفاعاً ثورياً يفوق التصور، أمسكت صاحبها وأدارته نحوها، ثم مدت يدها إلى ذقنه وجذبته نحوها وانقضت عليه، استمرت زمناً أطول من أي مشهد سينمائي مصري، ولم يصفر لها أحد، بل سرت العدوى منها إلى الأخريات. قلت في نفسي؛ عليَّ أن أكون سعيداً لهذا التحول في مجتمع محافظ، فالعالم يتغير دون أن يكون لديَّ يقين، إذا ما كان يتغير نحو الأمام أم نحو الوراء! كأنني أنتمي إلى العالم القديم. لا مكان لي في هذه الحديقة، لأذهب حالاً إلى المقهى الذي لم أدخله منذ سنوات بسبب غلاء الأسعار، أنا الآن أقتر على نفسي، وما كنت مقتراً. في شارع البرلمان، تحلق الناس حول امرأة، ورجل كهل يتشاجران، أغمض الرجل عينيه وراح يلكم الهواء مثل أعمى فقد صوابه، لم تُصب أي من لكماته المرأة التي اندفعت نحوه وهي تصرخ بهستريا. اجتمع خلق كثير وراحوا ينظرون بحياد، كأنهم يشاهدون مسرحية في الهواء الطلق. انقضت المرأة مثل خفاش على وجه الرجل الذي راح يترنح، أنشبت أظفارها في لحم خده، انبجس دم، وراح هو الآخر يصرخ كأن أفعى لدغته، وهو يشتم بأقذع المفردات التي يحذفها  موظفو الرقابة عادة بعد ان يستمتعوا بقرائتها. خمدت المعركة بعد أن تعب الطرفان. هدأت المرأة ومسدت فستانها، وتأكدت أنها لم تخسر أي شيء في هذه المعركة، بل كسبت الكثير من الصفات التي تجعلها أشد اعتزازاً بذاتها. لكن سرعان ماتبين أنها لم تكتف بما فعلته بوجه الرجل، بل ختمت فصلها الأخير بأن بصقت في وجهه، وهي تغادر مرفوعة الرأس، ولم تبال بالتعليقات الجنسية التي انطلقت من أفواه بعض الزعران! مالذي يجري في هذه المدينة، التي عرفت عبر تاريخها باللين والدماثة، كأن العالم السفلي قد خرج وطرد العوالم الوديعة!

دخلتُ المقهى دخولاً مظفراً، مدفوعاً بامتياز الرواد القدامى. هنا كان لي صولات في سنوات مضت. صفق لي النادل مرحباً وكأنني أعود إلى بيتي الذي هجرته، وراح يعاتبني على انقطاعي. اشرأبت أعناق أصدقائي لظهوري غير المتوقع، كما هي العادة، من الصعب أن يجتمع هذا العدد على طاولة واحدة، مع أخذ الخصومات والصراعات الكلامية بالحسبان، وقد ارتفع منسوب الصراعات في هذا الزمن الدامي، زمن الشقاق، التشتت التفكك. كان علي أن أوزع نفسي في جسوم عديدة. اخترت طاولة الصديق الأقرب إلى الباب. سألني أحدهم عن رأيي بما يجري، إلا أنني تريثت بالإجابة، تصدى للإجابة عني شخص لم أكن أعرفه، وقال: لينين انتقد عفوية الجماهير. قلت مازحاً: وأنا أيضاً ضد تقديس عفوية الجماهير. ابتسم الرجل وشعر بالنصر، وزاد من اعتداده أن دخلت فتاة أو امرأة، لا أدري، إذا ما كان هذا مهماً، كانت مثيرة في الحدود الدنيا من الأناقة، اتجهت صوبنا وتعانقت مع الرجل اللينيني، تهامسا بجانبنا، ثم ذهبا وجلسا في عمق المقهى. سألت صديقي: من هذه؟ معتقداً أنها من الكاتبات الجديدات. قال صديقي ببذاءته المعهودة: إنها قحبة ثورية. قحبة ثورية إذن؟ هذا فائض قوة جديدة للثورات الملونة أو المزركشة أو الدموية. لو أن الخال العزيز أبا داؤود موجود، لديه غرام شديد بمثل هذا النوع من الثوريات بشكل خاص! أما أنا فلست إلى هذا الحد. بل أستطيع القول إن ميلي يتجهة عكس ذلك، ولا رغبة عندي في كشف ميولي، لكن الشيء بالشيء يُذكر. حضر أبو داؤود معظم مؤتمراتي السوريالية، ومؤتمرات الأممية السادسة، وكان حاضراً بقوة في آخر مؤتمر عقدته في غرفة القابون، تسعينيات القرن المنصرم، أعلنت فيه حل الأممية السادسة. كان حماس أبي داؤود عالياً دائماً. اسكندر وكريستين وكريم، سحرتهم شخصية أبي داؤود، يعتقدون أنه إرهابي قديم، من رجالات الثورة الفلسطينية، يستحق التبجيل، راح الشعراء الجدد يقرأون له أشعارهم النثرية منتظرين منه اعترافاً.

خرجت من المقهى، دون أن أشغل نفسي بالتفكير في جسد تلك الثورية، لدى الإنسان كثير من المشاغل والهموم تشغله عن التفكير باللحظات العابرة مهما كانت دلالاتها وإيحاءاتها. كنت أفكر بالحرب، والمآسي التي تنتج عن الحرب. وجدت نفسي في دوامة من الكآبة التي لا شفاء منها. في الطريق صادفت أحد معارفي القدامى، قال لي إنه يعد نفسه للهجرة، وقال: هذا الشرق لعنة قدرية، فنحن كل عشر سنوات أو عشرين سنة أمام حرب من هذا النوع القذر. كان الرجل في غاية السوداوية، ناقماً على كل الناس، وكل الجهات بالمقدار نفسه. لم ينتظر مني تأييداً أو تعاطفاً، ودعني متمنياً لي ولأسرتي السلامة، ثم بكى. شعرت بالحاجة الماسة للعودة السريعة إلى البيت، لم أعد أحتمل أن أرى أكثر مما رأيت في هذا اليوم. يوم طويل في حياة مواطن عايش الحرب بكل حواسه، وانفعل مع آلامها منذ اللحظة الأولى. بدا لي أن الطريق إلى البيت أطول مما هو عليه في الواقع، لا أدري كيف أشرح ذلك، ولم يخطر ببالي أن أقحم مدة برغسون في الموضوع، سأترك الأمر للتخمينات. في الطرق قفزت في رؤاي صورة ذلك الرجل الذي بكى وهو يودعني، وتذكرت ذلك البيت من الشعر، أعتقد أنه للمهلهل بن ربيعة، يقول:

” ونبكي حين نذكركم عليكم          ونقتلكم كأنا لا نبالي”

لكن رجلاً له ماض لا تهزه دموع رجل خائب ممخرق قرر السفر عند أول مشهد للخراب، تمنيت أن أستوقفه وأقول له: إلى أين تمضي؟ فإذا كانت حياتك هنا خراباً في خراب، فستكون خراباً في خراب أينما توجهت، وهذا اقتباس مشوه من قصيدة اليوناني الاسكندراني كفافيس. في شبابي كنت ألوح لنفسي بهذا المقطع الشعري كلما لاحت لي فرصة للسفر أو للهجرة. ويَصلح هذا الشعر كأنشودة للمتقاعسين عن السفر والكسالى الذين لا يحبون أن يغادروا أماكنهم.

في الحي الذي أسكنه، بدأ الليل قبل أوانه، كما في كل يوم، إذ يأبى النهار أن يأتينا كاملاً. تسقط العتمة وتحل علينا كضيف ثقيل الظل بل كمستبد أرعن. الإرهابيون جعلوا التيار الكهربائي هدفاً يومياً، لماذا يفعلون ذلك، أليسوا ثواراً، ويتوجب عليهم أن يكرهوا الظلام؟ قلت هذا لأحد المتعاطفين معهم عن بعد. قال لي: هذه مقولات بائدة عن النور والأنوار، على العكس، نحن الثوار الجدد علينا أن نحب الظلام والأنفاق، نحن ثوار ما بعد الثورات لنا قاموسنا الجديد. استفاض الرجل في حذلقة فلسفية، لا أدري، ربما ووفق الوضع المابعد الحداثوي، نكون نحن كائنات عصر الأنوار قد أصبحنا حقاً من عالم الأمس.

استمر انقطاع الكهرباء كل الليل، مما جعلنا نسمع دويَّ انفجارات من بعيد ومن قريب. النوم في مثل هذه الظروف شبه مستحيل إذ تهاجمك عصابات من ميلشيات الناموس، بعضها يطنُّ وبعضها يتسلل دون طنين. إنه توزيع أدوار حربية، إذ يمكن للإنسان أن يتعلم فن الحرب من خبرات هذه الحشرات الجوية التي تتمتع بطاقات كبيرة على المناورة وتختبئ في النهار تحت السرير أو خلف الستائر أو في خزانة الملابس، تخرج عندما ترى الوقت مناسباً، حتى أن الذباب يبدو متخلفاً عن هذا الفصيل البرغشي المتمرس، وأعتقد ليس أمام الذباب من خيار إلا أن يتجدد أو يتحول إلى ناموس حتى يضمن لجنسه الاستمرار. خطر لي أن التفكير في هذه الأشياء هو جزء من تفاهة زمن الحرب، وعلى الإنسان الحصيف الجدي ألا ينجر إلى مثل هذه السخافات اليومية، الحياة الضاغطة لا تحتمل كثيراً من هذه التأويلات.

قبل بزوغ الفجر عاد الديك الغريب ليصيح، ردَّ عليه ديك آخر من مكان آخر، كأنه يحتج على الخطأ في التوقيت، أو أن الدنيا كلها باتت في حالة خصام، فعل ورد فعل، ربما هو فائض الحيوية، فائض العدوانية، فائض المكبوتات، كل شيء يعبر عن نفسه بالحدود القصوى.

في زمن الحرب والموت، لا قيمة لشيء له قيمة، القيمة الكبرى تغدو لكل ما ليس له قيمة حقيقية. زمن يتمنى فيه المرء أنه لم يولد ولم يلد، زمن الفتنة الكبرى وما بعد بعد الفتنة الكبرى. في زمن الحرب والموت ننسى جمال ما حولنا، ننسى كل النعم والهبات التي منحتنا إياها الطبيعة، في زمن الحرب والموت تطل من كل الكوى والنوافذ والآفاق ألسنة البذاءة والخداع، لنردد إذن مع حصان المتنبي بفجائعية وهجائية للجنس الآدمي:

   ” أبوكم آدم سنَّ المعاصي                وعلمكم مفارقة الجنان”

صباح هذا اليوم سقطت ثلاث قذائف هاون على الحي، من حسن الحظ لا توجد إصابات في الأرواح البشرية، اقتصرت الأضرار على الماديات، أخشى أن يكون الديك الصائح قد تعرض للضرر، وفي حال كان الأمر كذلك، أرجو أن يحل ديك بديل يقوم بالدور، فأنا لم أعد أستطيع العيش في هذا الحي دون سماع صياح الديك.

*****

هل هي لعبة، كما يقول المحللون التلفزيونيون، لا أدري. لكن من المؤكد أن الأمر أخطر، تعالوا انظروا الدماء في الشوارع، أستعير هذه الجملة من الشاعر بابلو نيرودا وهو يتحدث عن الحرب الأهلية في إسبانيا. إذن، ليس الأمر مجرد لعبة  يلعبها اللاعبون الدوليون، لكن ربما تكون في أحد جوانبها لعبة قذرة يلعبها مجرمون، أنا لا أغفل دور اللعب في التاريخ. ويالها من لعبة قتل متدحرجة لاتريد أن تنتهي. قالت امرأة ثكلى، وهي تنتظر جثمان ابنها الشهيد: ياخوفي أن تذهب دماء الشهداء هدراً.

انتابني في غمرة الليل شوق عارم للبحر، ولم أكن يوماً مغرماً بالبحر ولا بالبحيرات، بل مغرم بالأنهار والينابيع والغدران الرقراقة. منذ سنوات لم أجلس على شاطئ، ولم أحدق بالأفق المفتوح كما كنت أفعل في سنوات الصبا والشباب، ذاكرتي تحتفظ بانطباع جيد عن الأفق، بصرف النظر عن هذا الأزرق الصلف ورائحته التي لا أحبها في الصيف. ظلت مشاعري الفوضوية تتحكم بي، لا تزال تستهويني فوضى المشاعر. قد يداهمني بعد لحظات التفكير في صحراء تدمر، أو جبال البتراء، أو في تخيل مدينة تيماء الصحراوية، ولا أعرف أين تقع تيماء هذه. قد أفكر بمدينة الرقة أو بمسقط رأسي في ديرالزور. أنا الآن تحت وطأة صياح الديك المرتقب، وتحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي، لا أعرف لماذا داهمتني رغبة في سماع نصري شمس الدين، وكنت على استعداد بأن أدفع كل ما في جيبي من نقود مقابل سماع نصري، وكأن نصري في هذه اللحظات إكسير مضاد للسأم والكآبة والحرب، وتذكرت المشهد المؤلم لرحيل هذا الفنان، كان تابوته محملاً فوق سيارة أجرة تنقله من دمشق إلى بيروت. هكذا يموت العظماء الحقيقيون يا نصري، غرباء بلا مشيعين وبلا جنازات هادرة. أحمد الله أن الدولة لا تزال موجودة، وهي تؤكد لنا ذلك عبر النبضات المتقطعة للتيار الكهربائي، وكأنها تقول: أنا هنا. أحد رجالات الدولة من قريتي، هو من أبناء جيلي، مرح ويحب المقالب، رغم أنه فاسد من الطراز الأول، زرته منذ أيام في مكتبه للتضامن التهكمي مع رجالات الدولة، قال لي باختصار: سننتصر على الإرهاب. كانت أسنانه جديدة، غير تلك التي عهدناها في فمه، وفعل بها الزمن بعض الأفاعيل، قلت له مازحاً: أسنانك هذه عثرت عليها قبل الأزمة أم بعدها؟ قال: لم يمض عليها سوى أيام، ولكن إياك أن تظن أنها مسروقة. قلت: لم يخطر ببالي ذلك. قال هذا يجعلني أفتح معك صفحة جديدة، لكن هل تعتقد أن تركيب أسنان جديدة في هذه الظروف يثير الشبهات؟ قلت: لا تقلق، يبدو أن كل شيء مباح الآن. قال: العرصات أمراء الإرهاب، يحظون بكل شيء؛ البترول والنساء وتجارة الأعضاء وكل شيء على الأرض السورية والعراقية والليبية. قلت: ويريدون أن يحجزوا لهم السماء أيضاً.