Available Now: The Political Theology of ISIS by Ahmad Dallal

Available Now: The Political Theology of ISIS by Ahmad Dallal

Ahmad Dallal’s The Political Theology of ISIS: Prophets, Messiahs, & “the Extinction of the Grayzone” is now available for purchase on TadweenPublishing.com! Read a description of the book below and place an order today:

Description

The Political Theology of ISIS: Prophets, Messiahs, & “the Extinction of the Grayzone”

More than any other actor on the contemporary Arab political landscape, ISIS represents the most expansive and potent threat to the territoriality of the modern Arab nation states, and it has exceeded the expectations of all observers in its expansiveness and resilience. While it is true that the rise of ISIS was enabled by a confluence of interests, it is now abundantly clear that ISIS has a dynamic project of its own and is not a mere proxy for such interests. ISIS entirely rejects the current order and its beneficiaries, and as such, it claims to carry the revolutionary project to its conclusion. The ISIS alternative to the failed Arab states is not just a normative Islamic cultural identity that guides the actions of the state, but an Islamic State that is itself the embodiment of the imagined new order. By examining the political theology of ISIS, this essay aims to understand the challenge posed by ISIS to the struggle for justice in the contemporary Arab and Muslim World.

Table of Contents

Introduction
The Religiousity of ISIS
Pedigrees of the Political Constructions of ISIS
The Pillars of the ISIS Ideology
The Conflation of Prophetic and Messianic Justice in the ISIS Tradition
Endnotes
About the Author

Praise

Ebrahim Moosa, professor of Islamic Studies, Keough School of Global Affairs, University of Notre Dame: In a nuanced but bitingly critical reading of the ideology and ideologues of the proponents of the Islamic State in Iraq and Syria (ISIS), also known as Daesh, as well as the propaganda of al-Qa’ida, Ahmad Dallal points out the threat these groups pose to Muslim thought and practice in the world today. Dallal points out that the political theology of ISIS is nihilistic: to sacrifice self and other for the sake of a blind justice that justifies unlimited retaliatory cruelty. In many ways ISIS is an extreme throwback of similar mid-twentieth century radical groups who mocked the entire complex history of Muslim thought by turning to hollow slogans such as “sovereignty derives from God.” The ideologues of ISIS are shrewd: they deploy narratives of truth in the service of falsehood-kalimatu ḥaqqin urīda bihā bāṭilun-as a well-known Muslim theological aphorism states. They succeed in hoodwinking the naive and lead astray the earnest Muslims onto a path that Dallal describes “a twisted model of prophetic justice.” In Dallal’s view, with which few can disagree, ISIS and radical groups consist of a cocktail of maladies and poisons dating back decades. They are the harvest of failing and corrupt political orders in Muslim majority societies tied to the merciless politics of globalization and ambitious Western political designs. This is compulsory reading for its incisive, bracing and honest accounting of ISIS and a more than subtle indictment of the reigning theologies of contemporary Islam.

About the Author

Ahmad Dallal has a storied intellectual history between Lebanon and the United States, where he has demonstrated his core interest in research and teaching about the cultural traditions of the Islamic world. Dallal is currently professor of history at the American University of Beirut. Between 2009 and 2015 he served as Provost of the American University of Beirut. Prior to that, between 2003 and 2009, Dallal served as chair of the Department of Arabic and Islamic Studies at Georgetown University. He had previously taught at Stanford University, Yale University, and Smith College. Dallal has written and lectured widely on a variety of topics, including the Islamic disciplines of learning in  medieval and early modern Islamic societies, the development of traditional and exact Islamic sciences, Islamic medieval thought, the early-modern evolution of Islamic revivalism and intellectual movements, Islamic law, and the causes and consequences of 11 September 2001 attacks. Dallal earned his PhD from Columbia University in Islamic studies, and his BE in mechanical engineering from the American University of Beirut. He is the author of An Islamic Response to Greek Astronomy: Kitab Ta‘dil Hay’at al-Aflak of Sadr al-Shari‘a (1995), and Islam, Science and the Challenge of History (2012).

[This article is published jointly in partnership with Jadaliyya.]

التعليم في سوريا وفق منهج الترغيب والترهيب

التعليم في سوريا وفق منهج الترغيب والترهيب

يدير ديوان التعليم في تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الآن شخص لقبه “ذو القرنين”. وذو القرنين هذا مصري من الصعيد يحمل شهادة الدكتوراة في التربية.

بداية، كيف تسنى لذي القرنين هذا أن يجمع بين شهادة دكتوراة وفق العلوم الحديثة، التي لم تكن موجودة في زمن “السلف الصالح”، وبين لقبه المرعب الذي لا يصلح سوى لمحارب اعتاد لون الدم. لعلها مصادفة، أو تعاقب مراحل، أو قدر إذا شاء بعضنا!

في ما يشبه الخطف خلفاً، بدأنا من ذي القرنين، لكننا في الحديث عن التعليم، عموماً، لن نضطر للعودة إلى بداية بعيدة في عالمنا العربي، فتعميم المدارس، والتوسع العمودي والأفقي فيها، حدث قريب العهد لا يرقى إلى أبعد من عقد الخمسينيات من القرن الماضي.

لابد من مثال، وسيكون هذا عن مكان أدَّعي أنني أعرفه، أولاً، وأقصد مدينة الرقة منذ نهايات سبعينيات القرن الماضي. وثانياً، أتاحت لي الظروف أن أخوض تجربة خاطفة كمعلم في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، ولمدة شهرين فقط.

أكثر ما أذكره كان علاقتي الطيبة مع الأطفال في الصفوف الرابع والخامس والسادس، وعلاقتي الحذرة مع مدير المدرسة.
علمت الأولاد والبنات اللغة العربية والرياضيات والعلوم العامة (بيولوجيا)، وكنت أتنقل بين الصفوف، متبادلاً الأماكن مع المعلمات المجازات من معهد إعداد المدرسين، إذ كنت المعلم الوحيد بين ست معلمات. تلك المعلمات فضلن تعليم المواد “السهلة”، من الموسيقا، والخط، إلى الرياضة، كما فضلن تعليم الأولاد الصغار في الأول والثاني والثالث الابتدائي. وهي في رأيي الصفوف الأصعب.

علاقتي مع المدير كانت تقتصر على تقديم دفتر التحضير في وقت ما من اليوم الدراسي، ليضع ملاحظاته، ويصحح لي ترتيب الخطوات في الدروس. الأمر المتكرر الذي اختلفنا عليه كل يوم، هو وضعه علامة بالقلم الأحمر على جملة “أن يفهم الطالب”، ليكتب إلى جانبها “أن يُعرِّف الطالب”. حاولت أن أشرح له خطأ عبارته، فلم يفاجئني بأنهم تعلموا ذلك في المعهد، ويطبقون ما تعلموه على التلاميذ الصغار.

بالطبع، لم يختبرني أحد عندما تقدمت بطلب تعييني كمعلم وكيل إلى مديرية التربية في الرقة، طلبوا فقط صورة من شهادتي الثانوية، وكتبت في الطلب أني طالب في كلية الاقتصاد.

هكذا أصبحت معلماً، وتسلمت مسؤولية تعليم الأولاد، أو أن مصير الأولاد أصبح في يد مجهول تقدم ليصبح معلماً دون مؤهلات، أو اختبارات. وعلى هذا النحو يجري تعيين آلاف المعلمين الوكلاء الذين يلقنون الأولاد في مراحل مبكرة ما قد يبقى في أذهانهم إلى الأبد.

الأبد نفسه لم يكن يعنيه من أمري سوى اتجاهي السياسي، عندما زار المدرسة مسؤول حزبي في المزرعة/ القرية، ليتأكد من خلفية القادم المجهول، وليطمئن أنني لن ألقن الأولاد والبنات أفكاراً تشوش على فكر حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يتلقاه الأولاد والبنات في مرحلة طلائع البعث خلال المرحلة الابتدائية.

“أن يُعرِّف الطالب”، و”أن لا يكون للمعلم اتجاه حزبي مخالف”، تلك الثنائية كانت كافية ليطمئن القائمون على المدرسة أنهم يقومون بعملهم على أكمل وجه.

اقتنع المسؤول الحزبي رغم نظراته المشككة بأني حيادي سياسياً، لكن المدير ظل على إصراره أن الطالب يجب أن يُعرِّف، وأنا لم أغير في قناعتي بأهمية المفهوم، وليعرِّف الطالب ما فهمه بالكلمات والطرق التي يرقى إليها عقله كلما اكتسب معلومة ما من أي مصدر كان.

بدأت الخطوات الأولى لانهيار التعليم في الستينيات، واكتمل الهدم في السبعينيات، بالرغم من التوسع الأفقي، وازدياد قدرة استيعاب المدارس، حيث اقتصرت شروط البنية التحتية للعملية التعليمية على البناء المدرسي النموذجي (المدارس متشابهة في كل أنحاء سوريا)، وعلى تجهيزات فقيرة لا تتعدى غالباً لوح الكتابة والطباشير، وإذا توافرت وسائل مساعدة، مثل الصور والخرائط، فإن ذلك يعتبر شيئاً متقدماً.

بداية الانهيار، كانت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، مع استحكام التحالف بين الإيديولوجيا القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والإيديولوجيا الإسلامية، بهدف إضعاف الشيوعيين. لم تنجح الخطة، بعد إعلان الإخوان المسلمين الحرب على نظام حافظ الأسد. واتسم عقد الثمانينيات بتعميم القمع على كل السياسيين والمثقفين الذين ينتقدون السلطة، وشمل القمع إلى الإخوان والشيوعيين حزب البعث اليميني، أي المتهمين بتأييد حزب البعث العراقي وصدام حسين.

وعندما استحكم نظام حافظ الأسد بالوضع السياسي في البلاد، وصمد في وجه الضغوط الإقليمية والدولية، استطاع تجييش البعثيين والانتهازيين، في معركته الداخلية، وكان أكبر الخاسرين هي العملية التعليمية، واقتصاد الناس، وذهب هذان كفرق عملة في سبيل تثبيت السلطة، و”التصدي للمؤامرات الخارجية”.

بالعودة إلى أسئلة الملف، سأحاول الإجابة عنها بشكل مباشر، بعد تلك المداورة:

ــ أكاد لا أذكر شيئاً من المناهج التي درستها، لأن ما كنت أحفظه في الصف الثالث، كتعاريف، كنت أنساه في السنة اللاحقة لأفرغ في دماغي مساحة لتعاريف جديدة. أذكر فقط معلمين جيدين حرضوني على القراءة في وقت مبكر. في النتيجة، تعلمت القراءة والكتابة في المرحلة الابتدائية، ومبادئ الحساب. وفي المرحلتين الإعدادية والثانوية تعلقت باللغة العربية، وكنت جيداً في الرياضيات، لكنني نسيت الأخيرة بشكل شبه كامل.

كذلك الأمر في المرحلة الجامعية، حيث درست الاقتصاد في جامعة حلب، وكنت طالباً كسولاً بإصراري على الفهم، فاصطدمت بطرق التدريس والمناهج المركبة على لازمة “أن يعرِّف الطالب”.

ــ نعم، غيرت تلك المناهج من نظرتي إلى الواقع، لكن بطريقة عكسية، أي من خلال رفضي للمفاهيم التلقينية التي تقدمها تلك المناهج، وبالتالي رفض الواقع الذي يتقدم ببطء شديد، أو يتأخر غالباً حتى بالمقارنة مع عقود سابقة كانت تعد السوريين بمستقبل أفضل للبلاد.

ــ لم تواكب المناهج التطورات العلمية في العالم، بل هي متخلفة حتى بالمقارنة مع المناهج في لبنان. وأقول ذلك كوني اطلعت على بعض مناهج الدراسة في لبنان.

ــ المناهج السورية في جوهرها “سلفية”، إذا جاز التعبير. فالتلقين أحد ثوابت الدين عموماً، والإسلام خصوصاً، وحافظت مناهج التعليم على هذا المنهج، في استمرار للشكل والمضمون، مع ادعاءات أن المناهج تراعي التطورات العلمية في العالم، لكن المقررات العلمية بقيت شبه ثابتة خلال نصف القرن الماضي، وما زال الطلاب يدرسون فيزياء نيوتين على اللوح، ومراحل انقسام الخلية من خلال صور ثابتة، وعروض الشعر العربي من خلال التقطيع الصوتي على اللوح.

ــ بالطبع، أدت تلك المناهج التلقينية إلى تنشئة أجيال أوقفت الزمن في البلاد، وحكمت الناس بالحديد والنار، وأنشأت أجيالاً من الخائفين. واستمر كتاب “الترغيب والترهيب” الإسلامي، بطبعاته المتعددة دون تنقيح، محتلاً موقع الكتاب الأكثر قراءة، حتى لمن لا يتقنون القراءة.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]
اللاجئون السوريّون في المدن الألمانيّة: آليّات إعادة توطينهم وآثارها على البنى العمرانيّة في المدينة

اللاجئون السوريّون في المدن الألمانيّة: آليّات إعادة توطينهم وآثارها على البنى العمرانيّة في المدينة

تتطرّق هذه المقالة إلى سكن اللاجئين السورييّن المقيمين في ألمانيا. بناءً على تجربتي في المعيشة في مخيم للّاجئين في مدينة كولن والمواد المتوفرة المتعلّقة بالموضوع تتطرق هذه المقالة بالدرجة الأولى إلى الأنماط المختلفة للمساكن المؤقّتة للّاجئين السوريين في ألمانيا و بالدرجة الثانية إلى العمليّة التي يمرّ اللاجئون السوريون من خلالها أثناء بحثهم عن مساكن دائمة. تناقش المقالة بالدرجة الثالثة و الأهم التغيّر الجاري في البنى العمرانيّة و الاجتماعيّة في ضوء العمليّة المستجدّة لإعادة توطين اللاجئين. على الرغم من وجود مستوىً معيّن من الفصل العمراني المتجلّي في البنية العمرانيّة لمدينة كولن على شكل تجمّعات للمهاجرين كالعديد من المدن الألمانيّة الأخرى (Friedrichs 1998, p.1) إلّا أنني أعتقد بالمقابل بأنّ إعادة توطين اللاجئين السوريين تأخذ شكلاً متّسقاً و متخلخلاً في آنٍ معاً. ترافق هذه المقالة مجموعة من الخرائط الإستقصائيّة التي تتناول الجانب الفراغي لتوزيع هذه المساكن.

تتميّز حالة اللاجئين السوريين بشكل خاص عن غيرها ضمن أزمة اللاجئين هذه بأن ليس لها حلّ منظور. فحال البلد في تدهور مستمرّ و من المرجّح بقاؤهم في البلاد التي تستضيفهم و منها ألمانيا بشكل رئيسي. كثيراً ما يبدي اللاجئون السوريون رغبتهم في إنهاء فترة السكن المؤقت و الإنتقال إلى سكن دائم. يمكن إرجاع ذلك إلى ظروف المساكن المؤقّتة بحدّ ذاتها إلّا أنّه يعود أساساً إلى حاجتهم للاستقرار الدائم الذي يفتقدون إليه منذ بداية الحرب في سوريا.

المعيشة في السكن المؤقّت

يتم توزيع اللاجئين إلى مساكن مؤقّتة تختلف عن بعضها البعض بحسب ظروفها كالمدينة التي يتواجدون فيها و موقعهم فيها إضافة إلى الوظيفة الأصليّة للبناء قبل تحويله إلى سكن مؤقت للاجئين. قد يكون بعضها عبارة عن مساكن اجتماعيّة أو فنادق أو صالات بالأساس و حاليّاً كل ما يمكن أن يؤمّن فراغاً لإيواء الدفق الهائل من الواصلين.

من خلال تجربتي الشخصيّة في المساكن المؤقّتة في كولن بُلّ و سؤال بعض الأصدقاء من اللاجئين توصّلت إلى أنّ الظروف تختلف في هذي المساكن المؤقّتة بشكل واسع فبعضها كافٍ تماماً حيث يعيش شخصان أو شخص واحد أحياناً في استوديو (فراغ معيشي مستقل بخدماته) في حين يكون بعضها الآخر أقلّ جودة فتتدرج الظروف فيها لدرجة أن تتم مشاركة الخدمات الصحيّة ما بين عشرة أشخاص. تحتوي بعض هذه المساكن على السوريين حصراً في حين يمتزج السوريون مع جنسيّات أخرى من المهاجرين العرب أو شرق أوروبا و البلقان و افريقيا في حالات أخرى حيث يتشارك المهاجرون السوريون و العرب الفراغ المعيشي ذاته و قد يتشاركون الخدمات كالحمامات و المطابخ. يتواجد السوريون في حالات أخرى مع مهاجرين من شرق أوروبا في البناء ذاته و لكنهم قد يتشاركون في حالات أخرى الفراغ التعايشي الشبه عام ما بين بنائين كمستوى ثالث من المزج، و يكون لكلّ من البنائين في هذه الحالة فراغه التعايشي الخاص به كما في كولن بُلّ.

تؤمّن إقامة اللاجئين في المخيمات لهم ميزات عديدة حيث تصلهم المعونات بشكل دائم أو شبه دائم كما تمنحهم فرصاً أكبر للقاء الأشخاص أو المنظمات التي تعنى بشؤون اللاجئين إضافة إلى إبقائهم على تواصل بتلك المعرفة المتداولة فيما بينهم في المخيم حول مواضيع تخصّ حياتهم الجديدة التي يعيشون. مع ذلك و بالرغم من أنّ لهذه المساكن المؤقّتة مستويات مختلفة من الراحة التي تقدّمها لا يزال جميع اللاجئين السوريين يسعون للحصول على السكن الدائم بالسرعة الممكنة بغرض الاستقرار. تمتاز حياة المواطن السوري الطبيعية فيما قبل الحرب باستقرارها و سكونها لذلك فإنّ تجربة السنين الأربع الفائتة تؤجّج حاجة ماسّة للاستقرار من جديد.

البحث عن الإقامة الدائمة المستقلّة:

تواجه اللاجئين أثناء بحثهم عن إقامة دائمة مستقلّة العديد من العقبات. بحسب مشاهدتي في المخيم فإنّ معظم الناس لا يبحثون بأنفسهم عن السكن و يعود ذلك إلى عدم قدرتهم على تغطية متطلبات اللغة و قلّة خبرتهم بآلية سير الأمور في ألمانيا. بموازاة ذلك فإنّ أصحاب البيوت يتردّدون عندما يتعلق الأمر بتعاملهم مع مكتب العمل 1. على أيّة حال هناك مغالطة كبيرة في ذلك التصرّف فالتعامل مع مكتب العمل فيما يتعلّق بدفع الإيجار هو الأكثر أماناً كونه يمثّل مؤسّسة حكوميّة. لربّما يمكننا إرجاع هذا التصرّف لميل بعض أصحاب البيوت إلى رفض التعامل مع المهاجرين. “قد يبدو توزّع المهاجرين في أحياء معيّنة عائداً إلى خيارات المهاجرين للمعيشة بقرب أولئك القادمين من بلدانهم ذاتها إلّا أن رغبة مهاجر ما للمعيشة بالقرب من عائلته تبدو عاملاً أقلّ تأثيراً من القيود المفروضة على المهاجرين. فلا يعود السبب في وجود الفصل الإثني لمجموعة ما إلى مستواها الاجتماعي-الاقتصادي المنخفض في سوق العقارات فحسب بل يتعدّى ذلك إلى التمييز العنصري من قبل مزوّدي المساكن(GdW 1998, p. 23)” (Münch 2009, p.5)

بما أن معظم اللاجئين غير قادرين على إيجاد منزل بذات الطريقة التي يتّبعها الألمان فإنهم يعتمدون على مؤسّسات متعدّدة كالكاريتاز و الصليب الأحمر و مكتب العمل و قسم السكن في دائرة الأجانب ذاتها. يقوم معظم أولئك العازمين على مغادرة المخيّم بالتسجيل في إحدى هذه المؤسّسات حيث يتمّ وضعهم على قائمة انتظار. يمكن للّاجئين إبداء خياراتهم بالنسبة للمواقع التي يفضّلونها و التي عادة ما تكون مناطقاً مأهولة بمجتمع من المهاجرين و مخدّمة بالأساسيّات مما يساعدهم على سدّ احتياجاتهم الثقافيّة الأساسيّة كالطعام الحلال و حاجتهم للتواصل إلخ. (انظر الخريطة 1) إلّا أنهم عادةً لا يقومون بإبداء خياراتهم المفضّلة هذه لخوفهم من أنّ ذلك قد يقلّل من فرصة الحصول على سكن لائق أو قد يؤجّل موعد الحصول على السكن لمدّة أطول. عندما تجد المؤسّسة السكن لّلاجئين تعرضها عليهم و لأصحاب العلاقة الحقّ في القبول أو الرفض ثم انتظار فرصة أخرى. عادةً ما يركّز صاحب العلاقة اهتمامه على ظروف السكن بحدّ ذاته أكثر من موقعه طالما أنّه لازال ضمن نطاق المدينة.

(مناطق ذات نسب مرتفعة من السكان العرب و الأتراك في مدينة كولن)

بما أنّ اللاجئين غير قادرين على تحمّل نفقات المسكن فإنّهم يعتمدون على المعونة الماليّة المقدّمة من مكتب العمل. عند توفّر بدائل السكن يقوم مكتب العمل بالتحقق من أنّ الإيجار لا يتجاوز الحدّ الأعلى المنصوص عليه و الذي يتراوح بدوره بحسب عدد و أعمار أفراد الأسرة. يتحكم الحدّ الأعلى بإمكانيّة اختيار موقع في مركز المدينة أو في أحيائها الأعلى كلفة إضافةً إلى ذلك فإن إقرار صرف السلفة و العمولة يحتاج إلى بعض الوقت في مكتب العمل.

يميل اللاجئون إلى عدم تسجيل خيارات مفضّلة بالنسبة لمناطق السكن بل يقومون عادةً بقبول أول المساكن المناسبة التي تعرض عليهم بسبب توقهم إلى إقامة مستقرّة بالسرعة الممكنة. يعدّ هذا العامل أساسيّاً و يشكّل بالإضافة إلى خصوصيّة المؤسّسات الداعمة و صعوبات أخرى تخضع لها أحوال اللاجئين مجموعة من الآليّات المفروضة التي تحدّ من إمكانيّات اختيارهم و تشكّل هذه العوامل معاً نظاماً معقّداً يؤدّي إلى توزيع اللاجئين السوريين بشكل متناثر في مناطق المدينة المختلفة.

الظروف والنتائج العمرانيّة لعمليّة إعادة التوطين الجارية

تقتضي إعادة توطين اللاجئين في المدن الألمانيّة ضمناً توزيعاً دائماً ما بين المناطق المدينيّة المختلفة و بالتالي يساهم شكل هذا التوزيع في شكل المدينة ذاتها خصوصاً بالنظر إلى العدد الهائل المتوقّع من اللاجئين. في هذه الفترة لا يتم إعادة تشكيل الشخصيّة العمرانية للمدينة فحسب بل شبكاتها الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الثقافيّة على حدٍّ سواء. يفيد مصدر من التسعينات بوجود أحياء للمهاجرين مفصولة أساساً بالمعنى المديني (Friedrichs 1998, p.1) مما يدفعنا للتساؤل عن الشكل الحضري الذي تتخذه المدينة خلال هذه الفترة.

الفصل المديني – التخلخل المديني

“تقتضي إعادة توطين اللاجئين في المدن الألمانيّة ضمناً توزيعاً دائماً ما بين المناطق المدينيّة المختلفة و بالتالي قلّما يتم الحديث في الدراسات المعنيّة عن الآثار الجانبيّة الإيجابيّة لدرجات معيّنة من الأحياء المخصّصة. يدفعنا هذا إلى التساؤل فيما إن كان علينا الإهتمام (بالتجلّيات الجديدة) للفصل العمراني.” (Smets/Salman 2008, p. 6)

أعتقد بأنّ التوزّع البؤري لتجمّعات المهاجرين قد يساهم في تشكيل شخصيّة ثقافيّة في مناطق محدّدة لأنّها تفرز طابعاً معيّناً من المحال التجاريّة و المطاعم و الملتقيات الثقافيّة إلخ. يمكن رصد هذا في حالة مدينة كولن في كل من مناطق الكالك و مولهايم و نيبيس حيث تتوضّع المجتمعات العربيّة و التركيّة (انظر الخريطة 1) إلّا أنّ هذا الإعتقاد يغضّ الطرف في ذات الوقت عن أنّ هذه الشخصيّة الثقافيّة تنطبق على المناطق المدينيّة الأقلّ اندماجاً:

“يرتبط الفصل المديني بجانبه الفراغي بالشروخ الاجتماعيّة فعلى سبيل المثال فإنّ سوق العمل و التعليم يزيد من الهوّة في قيمة المدخول (Ratcliffe 2002, pp. 23, 30-33; Robinson, 2002, p. 96) إذا تمت إضافة البعد العرقيّ (كما هو في حالة السوريّين) و يمكن أن يؤدّي ذلك إلى زيادة الفصل العرقي في المدارس” (Smets/Salman 2008, p. 5).

قد يعزّر هذا مستقبلاً شبكات اجتماعيّة و اقتصاديّة و ثقافيّة غير متجانسة تعمل خارج إطار المدينة: “هناك بالفعل أدلّة متزايدة على الآثار السلبيّة للمعيشة في أحياء مفصولة على الحصيلة الاجتماعيّة الاقتصاديّة لأفراد الأقلّيات” (Sager 2011, p. 3) و بالتالي إذا تم توطين اللاجئين السوريين في المناطق المفصولة أساساً سيعانون على المدى الطويل من عدم الاندماج و سيعمّقون من آثار الفصل على المدينة ذاتها. “لا تطابق المدن التي تعاني من درجات مرتفعة من الفصل المديني وضعف الإندماجيّة المقاييس الجديدة للمدن بل على العكس من ذلك ستؤدّي إلى تفاقم الفقر المديني (Massey and Denton, 1993)” (Musterd 2006, p. 5).

بالمقابل إذا كان هذا المجتمع الجديد من اللاجئين متخلخلاً في أحياء مختلفة حول المدينة فسيكون بإمكانه الإعتماد على المجتمعات ذات الثقافة الشبيهة الموجودة مسبقاً كالعربيّة و التركيّة (انظر الخريطة 1) لسدّ بعض الحاجات. في ذات الوقت فسيكون من الملائم لو تمّ توزّع مجتمع السوريين في المناطق المختلفة حول المدينة و بالتالي حصوله على إمكانيّة أكبر للاندماج اجتماعيّاً و ثقافيّاً و اقتصاديّاً: “تعزز الأحياء الأكثر خليطاً الفرص الاجتماعيّة على المستوى الفردي فتقوم بالحاصل بتمكين الاقتصاد المديني” (Musterd 2006, p. 1)

[التوزع المتناثر للّاجئين السوريين في مساكنهم الدائمة في مدينة كولن]

تظهر الخريطة 2 توضّعات المساكن الدائمة لعيّنة منتقاة عشوائيّاً من اللاجئين السوريين في مدينة كولن و تبيّن تشتّتاً واضحاً للتوضّعات (انظر الخريطة 2). بالكاد تتراكب هذه البقع على المناطق المفصولة حاليّاً (انظر الخريطة 3) مما يعكس توزّعاً منتظماً لمواقع سكن اللاجئين الناشئة في المدينة. يمكن ملاحظة عدم وجود مواقع لسكن اللاجئين في منطقة المركز في حين أنّ هناك تركّزاً طفيفاً في الكالك بثلاثة مواقع. يمكن إرجاع ذلك إلى الكلفة المرتفعة والشحّ في المرافق السكنيّة في المركز وإلى رغبة السوريين في الاستقرار في الكالك أو مناطق أخرى ذات غالبيّة مرتفعة من المهاجرين لما تؤمّنه من ميّزات ثقافيّة. على الغالب فإن أولئك المقيمين في مناطق المهاجرين سيحظون بفرص أقلّ لزيارة المحال التجاريّة والمطاعم الألمانيّة وغيرها من المرافق بالمقارنة مع أولئك الساكنين في مناطق أخرى من المدينة حيث سيقوم حتى الجيل الأوّل من المهاجرين الناشئ حاليّاً على سبيل المثال بشراء حاجيّات من الأسواق وزيارة المرافق الألمانيّة فيكون بالتالي أكثر تواصلاً من الناحية اللّغويّة والثقافيّة مما لو كان في مناطق المهاجرين. على التوازي يحظى الأطفال بفرص أعلى للإندماج عند ذهابهم إلى المدارس حيث الأطفال الألمان كمثال بسيط على التبادل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

المخاطر والاستنتاجات

قد يؤدّي هذا التيّار من اللاجئين و الحاجة المستعجلة للمساكن التي يخلقها مستقبلاً إلى إبقاء اللاجئين في ذات المخيّمات حيث وصلوا بسبب عدم مقدرة المصادر العمرانيّة المتاحة لتغطية الحاجات الناشئة.
تحدّ المنظومة التي تحكم إعادة توطين اللاجئين السوريّين من قدرتهم على الاختيار ممّا يؤدّي إلى توزّع مكاني مبعثر لهم حول كولن. يبيّن التوضّع المكاني للمساكن الدائمة للاجئين السوريين الظاهر في الخريطة 3 حالة من الخلخلة (التبعثر) وليس التركّز العمراني إلّا أنه يمكن رصد تركّز طفيف مع ذلك في مناطق المهاجرين.

بالرّغم من وجود مستوى معين من الفصل المديني في كولن و هو في حالة تراجع (Friedrichs 1998, p. 1) فإنّ هذه المجموعة الناشئة من اللاجئين السوريين لا تعزّز الفصل المديني الحالي و إنّما تسرّع على العكس من ذلك عمليّة الخلخلة لتجمّعات المهاجرين حول المدينة مما يساهم في تحسين اندماج الأقلّيّات مع المجتمع المضيف في مناطق المدينة المختلفة و لهذا تأثير إيجابي مشترك على كلّ من المجتمع الأصلي و الأقليّات الناشئة فيه.

المراجع:
إضافة إلى تجربتي الشخصيّة للمعيشة في السكن المؤقّت للاجئين لمدّة 3 أشهر بين العائلات السوريّة في كولن بُلّ و المعرفة المتداولة المبنيّة على تجاربهم الشخصيّة تستعين هذه المقالة بمراجع أكاديميّة مختلفة

• Smets, P. and Salman, T. (2008): Countering urban segregation: theoretical and policy innovations from around the globe, Urban Studies 45 (7) 1307-1332.

• Ratcliffe, P. (2002): Theorising ethnic and ‚racial‘ exclusion in housing, in: Summerville, P. and Steele, A. (Ed.), Race, housing and social exclusion, London.
• Robinson, D. (2002): Missing the target? Discrimination and exclusion in the allocation of social housing, in: Summerville, P. and Steele, A. (Ed.), Race, housing and social exclusion, London.
• Musterd, S. (2006): Segregation, urban space and the resurgent city, in: Urban Studies 43 (8), 1325-1340.
• Massey, D. S. and Denton, N. A. (1993): American Apartheid, Cambridge, MA.
• Sager, L. (2011): Residential segregation and socioeconomic neighborhood sorting: evidence at the micro-neighborhood level for migrant groups in Germany, in: Urban Studies 29 (12), 2617-2623.
• Münch, S. (2009): „It’s all in the mix“ constructing ethnic segregation as a social problem in Germany, in: Journal of Housing and the Built Environ 2009 (24): 441-455.
• GdW (Ed.). (1998): Überforderte Nachbarschaften. Zwei sozialwissenschaftliche Studien über Wohnquartiere in den alten und den neuen Bundesländern im Auftrag des GdW, Schriften 48.
• Friedrichs, J. (1998): Ethnic segregation in Cologne, Germany, 1984-94, Urban Studies 35 (10), 1745-1763. 
 

1. يحقّ للاجئين العاطلين عن العمل الحصول على مستحقّات اجتماعيّة من الدولة. مكتب العمل هو المؤسّسة الحكوميّة للتوظيف و التي تتحمّل نفقات الإيجار و السلفة للاجئين العاطلين عن العمل.

شكر:
أودّ شكر عائلتي التي يتوزّع أفرادها كلاجئين حول أوروبا لدفعهم لي و أخصّ بالشكر والداي لتفسيرهما الفائض لأوضاع اللاجئين إضافة إلى جيراني و أصدقائي من اللاجئين في كولن بُلّ. شكر خاص لليزا كاترينا بوغيرتس لدعوتها لي للكتابة و لتعليقاتها و تحريرها للمقال باللغة الانكليزيّة. شكراً أيضاً لهيلين عجّوري لدعمها و مساعدتها في جمع معلومات الخرائط و لفرانشسكو ميمو لتعليقه المفيد حول الموضوع. أودّ أن أشكرأخيراً منى حرب من صفحة “مدن” في “جدليّة” لإتاحتها الفرصة لي لإعادة النشر باللغة العربية.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]
كابوس دمشـق وســماواتها: يوميات سورية

كابوس دمشـق وســماواتها: يوميات سورية

العودة إلى الشام

14  آب/أغسطس 2011 

وقفتُ في الدور قلقاً بعض الشيء. لطالما أثار فيَّ مطارُ دمشق، أنا الكردي العراقي بجنسيتين عراقية وأخرى أمريكية مع اسم عليّ أن أردده أكثر من مرة قبل ترجمته، خليطاً غريباً من مشاعر التوجس والقلق وصولاً إلى الخوف. تُعتبر المطارات واجهة مصغرة لمدنها وهي بمثابة بوابتها التي تمنحك نكهة روح المدينة. مثّلَ مطارُ دمشق بالنسبة لي بالوجوه العابسة لضباطه وشرطته غرفة تحقيق هائلة وظيفتها بث القلق والخضوع  استعداداً للدخول الى فضاء المدينة العام.   

وقفتُ في الصف حاملاً حاسوبي المحمول منتظراً دوري لكي يختم الشرطي جوازي. بدأت أتمرن على إجابات وأنا أحاول التهيؤ لمواجهة عاصفة من الأسئلة المستحيلة. قبل سفري مغادراً المدينة كنت قد شُحنت بقصص تم نسجها في فضاء الرعب حول كيف أن شرطة مطار دمشق تطلب من صحفيين أو كتاب، خصوصاً المغادرين، فتح حواسيبهم المحمولة لتبحث عن صور أو مقاطع فيديو بل وتطلب منهم في بعض الأحيان فتح صفحاتهم الشخصية على موقع الفيسبوك. ومن هنا جاءت النكتة التي كان يتداولها بعض السوريين عن أن ضابطاً في المطار سأل أحد المسافرين من الذين كانت تتدلى من على أكتافهم حواسيب محمولة: تعا لهون شو معك؟ انترنيت لو الفيسبوك؟ فما كان من المسافر وهو يعرف مدى خطورة الفيسبوك، الذي يعتبر أحد المتهمين البارزين بإشعال حركات الاحتجاج في الأوطان العربية، إلا أن يرد: ما معي الفيسبوك سيدي بس معي انترنيت. 

كان في الدور أمامي رجل وزوجته، أجنبيان من الجنسية الكندية، وحين قدما جوازهما إلى الشرطي حاول الرجل ان يسأل الشرطي سؤالاً باللغة الإنكليزية لكنهما لم يستطيعا أن يتفاهما فتقدمتُ للترجمة بعد أن سألني الشرطي إذا ما كنت أعرف اللغة الإنكليزية. بعد أن أتممت الترجمة له نظر إلي الرجل الكندي وقال بصوت عال ضاحكاً: “قضيتُ أربع سنوات في هذا البلد ولكن ربما سيكون يوم غد مختلفاً”. أجبْته هامساً مبتسماً “أتمنى ذلك.” أعطيتُ الشرطي جواز سفري وباستثناء الاستفسار عن مكان إقامتي لم يسألني سؤالاً واحداً وحين سلمني جوازي قال بصوت خافت “ما بدك تكارمنا؟” لم أفعل متحججاً بعدم امتلاكي العملة السورية. هكذا ولأول مرة أدخل إلى “الجمهورية العربية السورية” بهذه السرعة والسهولة ودون إعطاء مكرمة.. 

دمشق تبدو هادئة

كان هذا انطباعي الأول لحظة وصولي إلى المدينة التي غبتُ عنها أقل من شهرين. رؤية أولية لظاهر المدينة تقترح أن كل شيء يبدو هادئاً في عاصمة تحاول جاهدة أن تتظاهر بعادية وطبيعية الأمور فيها وعدم اكتراثها بما يحدث من حركات احتجاج ومظاهرات ضخمة على أطرافها القريبة. فعلى بعد كيلومترات معدودات كانت دوما ومعضمية الشام وداريا وبلدات اخرى تنام وتصحو على قتل أبنائها وحملات الاعتقالات العشوائية والقنابل والرصاص. لكن سرعان ما يزول الانطباع العادي هذا عن دمشق  بمجرد أن تتمشى من ساحة السبع بحرات إلى تمثال يوسف العظمة في ساحة المحافظة لتكتشف خلال بضعة مئات الأمتار هذه كماً هائلاً من عناصر المخابرات الذين تم دفعهم إلى كل زوايا الشارع بالإضافة إلى ازدياد نقاط التفتيش التي بدأت تقطع أوصال دمشق عن ضواحيها. كان الرعب واضحاً على وجه السلطة التي كانت قد باشرت بدورها تدشين استعراض الرعب وبث القسوة في شوارع المدينة. 

حوالى منتصف الليل رأيت س (في مكالمة حديثة طلب مني س إخفاء هويته) وهو شاب من محافظة الرقة يسكن دمشق. كنت قد التقيت به قبل سفري مع شباب آخرين كان بعضهم من المنظمين الأساسين لتظاهرات الشعلان وساحة عرنوس وساحة المحافظة وتظاهرات طيارة أخرى داخل مدينة الشام. تم اعتقال س وهو يعاني من مرض القلب (ارتفاع التوتر الشرياني) بالرغم من أنه لا يتجاوز العقد الثاني من عمره، في أواخر شهر نيسان أثناء مشاركته في مظاهرة ساحة عرنوس بقلب دمشق حيث تم تعذيبه بشكل متواصل لمدة أربعة أيام. في اليوم الأول من اعتقاله في فرع أمن الدولة بالطلياني صادر عناصر الأمن أدويته مما أدى الى ارتفاع ضغط دمه، لكن أعيدت له الأدوية في اليوم التالي بعد ان بلغت حالته الصحية وضعاً حرجاً كاد أن يودي بحياته. تم نقلهم بعد يومين إلى إدارة المخابرات العامة داخل المربع الأمني حيث القسوة أكثر كثافة وشدة. وهناك صودرت منه الأدوية مرة أخرى ولم تعاد له بالرغم من تدهور وضعه الصحي بشكل في غاية السوء. كان س قد عاد من محافظة الرقة قبل يوم من لقائي به غاضباً محبطاً بعض الشيء من بعض الأهالي هناك الذين “يستغلون النازحين بشكل فاضح” حسب قوله. هؤلاء النازحين يلجأون إلى الرقة هاربين من جحيم القتل والاعتقالات في دير الزور ومدن أخرى تشهد عاصفة الثورة “يؤجر بعض أهالي الرقة البيوت والغرف بسعر أكثر من مضاعف للنازحين والفارين من ديرالزور” قال س بنبرة فيها الكثير من الغضب والخيبة. بل والمؤلم أكثر من هذا “هو وصمهم من قبل البعض بانهم أهل المشاكل ويستحقون ما حدث لهم وإلا فلماذا يخرجون ويتظاهرون؟” كان أحد معارف س يؤجر بيته بأقل من عشرة آلاف ليرة سورية قبل نزوح أهالي ديرالزور إلى الرقة، لكن بعد دخول أفواج النازحين إلى المدينة بدأ يطالب بأكثر من عشرين ألف ليرة.

ليلة 18  آب / أغسطس 

خرجت تظاهرة ليلية من عدة مئات الأشخاص أمام جامع أبو أيوب الأنصاري في حي الميدان. بدأت الهتافات بالتكبير ولا اله إلا الله لتنتقل بعدها إلى اطلاق شعار يجمع الوطن والله مع بعض حين صار الجمع يهتف “قولوا الله قولوا الله هاي سوريا مو حي الله.”  لكن فجأة  وبعد عدة دقائق من الله وتكبيراته بدى الحماس والغضب اللذان هتفت الجموع بهما شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” أكثر نشوة وأكثر عمقاً في صدقيته من الشعارات الأخرى ومن ضمنها التكبيرات والهتافات الإسلامية والتي إذا ما قورنت بصيحات الإسقاط الغاضبة التي كانت يطلقها الحشد لبدت أكثر إنشائية ومونوتونية الصوت.    

– لي ما بتروح و تهتف معهم؟ 

كنت واقفاً على الطرف الآخر من الشارع أراقب من بعيد، حين التفتُ إلى مصدر الصوت الذي كاد أن يكون همساً من شدة خفوته رأيت أبو سعيد واقفاً إلى يميني. كنت قد التقيته مرتين أو ثلاثاً في ساروجة حيث كنت أقيم قبل أشهر. يقترب أبو سعيد من السبعين في عمره لكنه لازال يملك وجها طفولياً جميلاً مليئاً بالتجاعيد.

– يالله امشي معي.

اقتربت منه وهمست في أذنه خوفاً من أن يسمعني أحدهم “عم يكبروا وعم يهتفوا الله الله وأنت شيوعي شو دخل الشيوعيين بالله يا أبو سعيد؟”

رفع سبابته ووجهها نحو النساء والصبايا اللواتي كن يسرن خلف الجموع ويهتفن بكل حرقة بإسقاط النظام “أنا الآن أكثر الناس إيماناً بهذا الله الذين يهتفون له.”

 وبعد أن اندس أبو سعيد بين الجموع فكرت بأدونيس وجدلية الجامع والثورة متسائلاً مع نفسي هل هناك فضاء مثالي تنطلق منه ثورة مثالية؟ كان فضاء الجامع هو الفضاء الاجتماعي الوحيد الذي بقي متاحاُ ونشطاً للجميع ولتجمعاتهم بحرية تامة بعد إغلاق الفضاءات العامة الأخرى في دولة الأسد أو الهيمنة عليها وبعثنتها كلياً.

بعد عدة أيام التقيت بالصديق الشاعر السوري (م.ع) في شارع العابد. كنت متلهفاً لمعرفة رأيه فيما يحدث. عبر عن اعتقاده بوجود أياد خارجية وراء الحركة الاحتجاجية، كما قال بوجود مسلحين داخل المظاهرات يقتلون القوات الأمنية “وإلا كيف يموت الجنود وعناصر الأمن خيو؟” سؤاله الذي بدا تكراراً فجاً آلياً لكلام المحللين السلطويين من أمثال د. طالب ابراهيم وأحمد الحاج علي وشريف شحاده لم يغرني في دخول النقاش معه لكنني قلت له بنوع من الشرود: “بس عم ينقتل العشرات والعشرات من المتظاهرين كل جمعة بل وكل يوم”. رد علي م. قائلا “هناك متظاهرين بس في مسلحين كمان.” وحين سألته عن رأيه في المدة الزمنية التي من الممكن أن تستغرقها الأزمة قال بتفاؤل كله ثقة بالذات:”هناك سيطرة على الأوضاع باستثناء بعض المناطق الجنوبية ولكن ثق أن الأمر سينتهي قريباً.” أفزعني هذا التفاؤل بالنصر القريب الذي يهيمن على رؤية الطرفين ويتشبثان به، التفاؤل الذي لم يكن سوى علامة مبكرة على أن الوضع سيستغرق سنوات دموية قاتمة. لكن ما أرعبني أكثر هو الشرخ الذي كان يتعمق يوماً بعد آخر في النسيج المجتمعي الذي لم يتورع عن الإعلان عن ذاته جهاراً عبر اللجوء السريع للناس نحو هوياتها الصغيرة والانكفاء داخلها. بعد يومين من عودتي جوبهت بأول سؤال طائفي من صديق كان يسكن في جوبر “زوجتك السورية سنية؟” بينما لم يتورع مثقف آخر عن تصريح طائفي مقيت وهو يحاول شرح الوضع لي بلغة مليئة بسخرية طائفية مقيتة: “أهل دوما لا يصلحون للثورة بل لزراعة الزيتون والبطاطا. لك حتى زيتونهن محجب يا أخي”.

اعتقال مطر

4 أيلول/سبتمبر

رأيته يوم أمس يعلن عن نفسه جهاراً وهو يتأبط ذراع حبيبته في شارع الصالحية. كان هناك تحدي واضح في مشيته وضحكته التي كانت تملأ المكان هو الذي يبرع في إتقانه فن التحدي والاستفزاز. كان متيقناً أن السلطة تبحث عنه لكن ومع ذلك كان بارعاً في الاعلان عن نفسه في وضح النهار وفي قلب دمشق متحدياً الدولة وكتبة تقاريرها ووشاتها: الناشط عامر مطر تم اعتقاله اليوم للمرة الثانية.

11 أيلول/سبتمبر

بينما كنت أقوم بمعاملة إقامتي في دائرة الهجرة والجوازات في البرامكة دخلت إلى غرفة من أجل توقيع لكن الشرطي أمرني بالانتظار عند الباب. كانوا منشغلين بامرأة آسيوية جميلة تجلس معهم متحدثة بعربية منكسرة. قالت لهم المرأة ” شفت مظاهرة في التلفزيون..” وهنا حين سمع عناصر الشرطة كلمة المظاهرات بدت علامات الاستفزاز واضحة على وجوههم. قاطعها أحدهم مباشرة قائلاً :”هؤلاء لا يتعدون عشرة أو خمسة عشر شخصاً وسنفرمهم تحت صبابيطنا.” لا أدري ان كانت المرأة الآسيوية التي كانت بالكاد تتحدث العربية فهمت “سنفرمهم” و”صبابيطنا” لكنها بدت غير مكترثة بما كان العناصر يتسابقون في قولهم لها. “شفت مظاهرة ولافتة تقول ان الصين تز تز باد باد وشفتهم حرقوا العلم الصيني. انا بخاف كتير اذا سألني واحد بالشارع من وين أنا لن أقول من الصين سأقول لهم انا من الفلبين!” 

22 أيلول/سبتمبر

كان شون مكالستر قد عاد قبل حوالى أسبوع ليكمل فلمه الوثائقي “قصة حب سورية” عن عامر داوود ورغدة حسن واستأجر بيتاً في حي ساروجة. تعرفت على شون وهو مخرج وثائقي بريطاني في 2010 في دمشق. توطدت علاقتنا حيث أصبحتُ جزءاً من عملية إنتاج الفلم منذ بداياته. لكن علاقة الصداقة هذه لم تخلُ من تعرجات ومنعطفات عاصفة كادت أن تودي إلى القطيعة لأكثر من مرة. 

التقيت بعمر البغدادي والناشط الكردي في مجال الأمن الإكتروني دلشاد عثمان ليلة الخميس في 22 أيلول في ساروجة في بيت شون. عمر شاب وسيم يبدو في أواسط العشرينيات من عمره وهو أحد الشباب الناشطين البارزين من منظمي التظاهرات في مدينته دوما. بدا وهو يتحدث عن الثورة وكأنه عهد نفسه كليا لها. تحدث عن مخططه لحرق علم البرازيل في مظاهرات يوم الجمعة مع دعوة صحفي برازيلي لتصوير عملية حرق العلم. قال عمر وهو يروي قصص التعذيب التي تعرض لها رفاقه في سجون الدولة إنه يفضل أن يردى بالرصاص أو أن يطلق النار على نفسه على أن يتم اعتقاله. حين سألته عن المظاهر المسلحة التي بدأت الثورة تكتسبها في بعض المناطق من ضمنها مدينة دوما قال إنه لا يفصح لأي صحفي أجنبي بأنه هناك ناس يحملون الأسلحة للدفاع عن أنفسهم. “هناك ناس ينتقمون من ضباط أمن وشبيحة الذين قتلوا أخوتهم أو آباءهم او أبناء عمومتهم أو أي أحد من العائلة، ولكن عليك أن تعرف أن دوما مدينة إسلامية سنية حنبلية محافظة ومتدينة جداً تعتبر قتل النفس البريئة من الكبائر ولهذا لا يتم قتل أي شخص إلا حين يتم التأكيد أن الهدف قاتل بالفعل. نعم هناك ناس يأخذون بثأرهم ولكن ليست هناك جماعات مسلحة منظمة.” 

جمهورية الخوف

26 أيلول/سبتمبر 

في حوالى الساعة الثامنة مساء من ليلة 26 اتصل صديقي رياض نعمة وقال بصوت مرتجف قليلاً: “لا تذهب الى صديقك في حي ساروجة.” لم أفهم ما يقصده فقلت له تعال إلى البيت. بدت علامات الاضطراب والخوف على وجهه 

– أبو موسى قال لي إن رجال أمن سألوا عنك.

– مجرد أسئلة أو يطلبونني؟

– أعتقد مجرد أسئلة من قبيل من أنت و شتشغل، أشياء من هذا القبيل. 

تناقشنا أنا ورياض في تلك الليلة، ووصل الأمر إلى ملاسنة متوترة حادة بيننا. رياض كان أكثر مراعاة للوضع الأمني مني وهو بالرغم من شيوعيته وإعلانه الإلحاد بدا أنه يفضل أن “يمشي الحيط الحيط ويقول يا ربي السترة”. بعد نقاش منهك نظر إلي وكأنه تعب من كثرة التوتر والصراخ قائلاً: “يا أخي أنا أؤمن بالمثل الذي يقول إن للجدران آذاناً. لقد تعلمت أن اعيش هكذا في العراق البعث وأعيش هنا في سوريا البعث هكذا. ثم أنا ليس لي أي جواز أجنبي أو أي مكان أذهب إليه” فهمت ما يقصده تماماً لكنني لم أحاول أن أقول له إن الجواز الذي تلمح إليه سيكون نقمة مرعبة عليّ في حال حدوث أي شيء. 

لكن أثبت لي مازن ربيع في وقت متأخر من الليلة نفسها ونحن جالسون في مطعم نينار في باب شرقي صواب خوف رياض ومنطقه الحذر ونظريته بأن في دول شمولية قاسية مثل سوريا الأسد وعراق صدام ليس فقط  للجدران آذان بل حتى للشوارع والأرصفة والسرافيس والطاولات والكراسي في المطاعم والبارات آذان وعيون وأنوف ترى وتسمع وتشتم كل ما يقال وما يحدث أو ما سيحدث وتنقلها إلى الدولة معلومة معلومة. 

 كان مازن قد اعتقل مع علا رمضان وعامر أبو حشيش وبيسان جاسم في تموز وهم في طريقهم إلى بيروت. قضى خمس ليال وستة أيام في سجن فرع كفر سوسة لكن دون أن يتم تعذيبه. روى مازن كيف واجهه المحققون بتفاصيل كلام قد قاله في جلساته مع أصدقائه في مطعم نينار، بل أنهم واجهوه بحكاية السرفيس الذي أوقفه الشباب بعد منتصف إحدى الليالي أمام مدخل باب شرقي وسألوه ما الذي كان يعنيه بسرفيس الحرية؟ ذات ليلة بعد أن خرج مازن وأصدقاؤه من مطعم نينار حث مازن أصدقاءه أن يسرعوا الخطى قليلاً “يالله شباب سرفيس يرموك- كراجات واقف.” كان هناك شابان خلفه مباشرة فلاطفهم مازن “تفضلوا باشباب” فرد عليه أحد الشابين بملاحظة في غاية الطائفية قائلاً “هادا سرفيس سنة- كراجات” بينما هما ينتظران سرفيس “علوية- كراجات.” وكان يقصد منطقة التضامن- عسالي. حينذاك ترجل مازن من السرفيس (الباص الصغير) بعد أن كان قد صعد إليه واقترب من المقدمة رافعا يده اليمنى وهو يشير إلى العلامة الضوئية المكتوبة ويقول لهما بلغة هادئة تقترح الصداقة ” هادا السرفيس مو سنة كراجات ولا علوية كراجات هادا سرفيس حرية- كراجات تفضلوا في محل للجميع.” وبينما كان في غرفة التحقيق معصوب العينين أصابته رعشة خوف حين سأله المحقق عما كان يعني بسرفيس الحرية. 

7 تشرين الأول/اكتوبر 

زارني الدكتور جلال نوفل وخولة دنيا مساء. لطالما مثل لي جلال وخولة بتمردهما المجتمعي ورفضهما السياسي سورياي الخيالية المثلى التي أعشق. كان الاثنان قد اعتقلا في زمن الأسد الأب حين كانا ينتميان إلى حزب العمل الشيوعي وتم تعذيبهما في السجن. تم اعتقال جلال في نيسان 2011 في بداية شارع الحمرا بعد مشاركته في مظاهرة ساحة عرنوس. بدأت عملية تعذيبه هو ومن كان معه من المعتقلين ومن ضمنهم (س) من اللحظة الأولى من القبض عليهم بلكمهم وضربهم على وجوههم و رؤوسهم ومناطق حساسة أخرى من أجسادهم من قبل عناصر الأمن وهم يحشرونهم في السرافيس الواقفة في شارع الحمراء. استمرت عملية التعذيب لأربعة أيام متخذة أشكالاً قاسية في فرع الأمن بالطلياني ومن ثم في إدارة المخابرات العامة.  

بدأت خولة التي كانت مشحونة بالأمل الثوري أنه لم يعجبها رأي في المعارضة السورية “المتشرذمة المتشتتة” في تلك الليلة وأنا انتقدت عدم قدرتها على التوحيد والاتحاد وانقسامها بين الداخل والخارج وتمزقها وتفتتها في جماعات صغيرة والانزلاق السريع لبعضها لفخ “الفتنة” الذي نصبته السلطة منذ تصريحات بثينة شعبان الشهيرة ” الطائفية” واستعارة بعضها الآخر لغة النظام الديماغوجية في تصريحاتها ومؤتمراتها. كانت المعارضة تستعير لغة البعث وأدواته لتتهم الدولة السورية البعثية بعدم وطنيتها وعمالتها للغرب أو بمعنى آخر لطالما اتهمت المعارضة النظام بعدم كفاية معاداته للغرب. 

ربما لم يعجب “حشر أنفي” في الموضوع السوري بعضاً من أصدقائي المقربين الذين كنت أعرفهم لفترات طويلة. حين كان النقاش يتركز على الملامح الطائفية التي اكتسبها المشهد السوري مبكراً واستيقاظ الانتماء إلى الهويات الصغرى، غالباً ما كان يتم اختزال النقاش وحسمه بجملة “سوريا ليست العراق ولن تتحول إلى العراق” التي سرعان ما بدأ يرددها معارضون وموالون في نقاشاتهم ولقاءاتهم ومؤتمراتهم وبنفس المستوى من التفاؤل الذي كان ليس فقط مدفوعاً بثقة غبية عمياء بل بجهل تاريخي صريح باشتغال الدولة طائفياً ليس على مستوى السياسة فقط بل مجتمعياً أيضاً. 

كنت أفكر بين حين وآخر اذا كان حشر أنفي في الموضوع السوري يزعج أقرب أصدقائي الذين أعرفهم لفترات طويلة فيا ترى ما الذي سيكون رأي سلطة البعث الشمولية إذا ما نشرتُ مقالاً حول ما يجري الآن من قتل وتعذيب واذلال جماعي؟ فكرت في الصحافي الجزائري خالد سيد مهند الذي اعتقل في نيسان الماضي وقضى حوالي شهراً في كفر سوسة حيث تم تهديده لأكثر من مرة من قبل المحققين باقتلاع عضوه التناسلي وانتزاع قلبه من صدره إذا لم يجب على أسئلة المحققين. 

انتابني ما يشبه طمأننية الجبن وراحته وأنا أفكر في الكاتبة “بشرى سعيد” التي اختلقتها لكي أختبئ وراء اسمها حين نشرت لأول مرة قبل شهر من بدء الاحتجاجات مقالا باللغة الانكليزية”Damascus is Shaking ”  باسمها في مجلة اكس بونتو الإلكترونية بتاريخ 10 شباط 2011. ظللت أختبئ خلف اسمها حتى خروجي من دمشق أواسط 2012 فظهرت اسمها في الأوان والحياة والمستقبل واوبن ديموكراسي. 

نوستالجيا للأب الدكتاتور

8 تشرين الأول/ اكتوبر 

في اليوم التالي حين دخلت نادي الصحفيين وجدت الباحة الخلفية مليئة بشباب وشابات عراقيين وهم يرقصون على أنغام أغنية “قلب قلب وين وين” وأغاني هابطة أخرى. وحين انتهوا من الرقص جلسوا منفصلين تماماً الشباب في الجهة اليسرى والشابات في الجهة اليمنى. رأيت إحداهن وهي لا تتعدى بداية العشرينيات من عمرها تلبس قلادة عليها صورة صدام حسين. بينما يحمل شاب آخر العلم العراقي القديم الذي كتب صدام حسين عبارة الله أكبر عليه بخط يده. شعوب تحاول التخلص من ديكتاتورياتها وشعوب تصاب بالنوستالجيا محاولة استعادة دكتاتور الزمن الغابر الجميل: صدام حسين الذي كان مهووساً بجسده وهو يظهر في أوضاع مختلفة بأزياء متنوعة وكأنه عارض أزياء فحل يحاول إلباس العراق جسده في عملية تماهٍ مرعبة بين الدولة والقائد الأوحد! 

يصيب الدكتاتور ولع غريب بالوطن والديمقراطية والإصلاح أثناء الأزمات والثورات التي تهدد باقتلاع وجوده وكيانه ورميه خارج الوطن والسلطة. ويظهر هوساً مرضياً بكلمة “الوطن” وكأنه من مؤسسي هذا الوطن ومخترعيه بل ومالكه الوحيد. وربما يمثل علي عبدالله صالح وبشار الأسد أفضل إثبات على ذلك. فمنذ اندلاع الاحتجاجات في البلدين لم يتوقف الاثنان في كل خطبهما ولقاءاتهما وكأنهما مصابان بحمى الوطن وهذيان الديمقراطية  عن حرصهما الشفاهي على ترسيخ الإصلاح والديمقراطية في الوطن: السلطة لا تعني شيئاً إنه الوطن الذي نريد.

ظهر اليوم علي عبدالله صالح بقفازاته وحروقه معلناً استعداده للتخلي عن السلطة بعد 33 عاماً من احتكارها ” هذا كلام، مش احنا نشتهي سلطة أنا أرفض السلطة وسأرفضها في الأيام القادمة وسأتخلى عنها” .

الجمعة 14 تشرين الأول/أكتوبر 

كنت قد رجوت شون أن يكون أكثر حذراً و ألا يخرج يوم الجمعة مع كاميرته وأن يتجنب بالمطلق التكلم في أمور سياسية حساسة في مكالماته الهاتفية الكثيرة. اتصلت به حوالى الثانية ظهراً رد علي بأنه مشغول واقترح أن نتناول الغذاء مع بعض في نادي الصحافيين في العفيف حوالى الرابعة وذلك بعد أن أذهب إلى ساروجة لأصطحب زينة الفتاة اللبنانية التي كانت تعمل معه. قالت لي زينة إن شون بدا مرتبكاً قليلاً وخرج مسرعاً مع كاميرته ليقابل ناشطاً. عاودت الاتصال به من جديد لكنه لم يرد. وبينما كنا أنا وزينة نتفرج على بسطة الكتب القديمة عند مدخل الصالحية تحت ملهى سميراميس اتصل شون قبل الثالثة تماماً وسأل عن مكان وجودنا ليلتحق بنا. انتظرنا قليلاً لكنه لم يأت. اتصلت به بعد حوالى ربع ساعة قال بأنه بالقرب من مقهى هافانا وإنه في في طريقه إلينا، لكنه عاد واتصل بعد دقيقتين ليقول بأنه سيستمر في التصوير وليس علينا أن ننتظره، فاتجهنا أنا وزينة إلى نادي الصحفيين. آخر اتصال وردني من شون كان في الساعة الرابعة والدقيقة الرابعة والثلاثين بالضبط. كان من المفترض أن يكون شون معنا قبل الساعة الخامسة، شعرت بقلق ولكنني سرعان ما اكتشف بأنني خائف أكثر من أكون قلقاً. تيقنت في الساعة السابعة بأنه تم تم اعتقال شون وذلك بعد عدة اتصالات ورسائل لم يرد عليها بالرغم من أن هاتفه كان مفتوحاً ويرن. حاولت الاتصال به مرة أخرى في الساعة التاسعة، كان التلفون لا يزال غير مقفل. اتصلت زينة من تلفونها غير السوري بعامر وسألت عن الشاب الناشط الذي اقترحته إحدى الصديقات لشون لمقابلته وأبلغت عامر بأن شون مختف منذ حوالى خمس ساعات. قال عامر بأنه سيتحقق من الأمر. عادت زينة اتصلت به بعد خمس دقائق ليخبرها عامر بأن تلفون الشاب “جهاد” مغلق وهذا أمر سيء. كان على عامر ورغدة أن يختفيا بأقصى سرعة. كانت زينة قد تركت أغراضها في البيت بساروجة خائفة من أن تعود إليه. اقترحت عليها ألا تعود وأنها تستطيع ان تقضي الليل هنا والسفر صباحاً إلى بيروت. اتصلت زينة بخطيبها وأصدقائها وأعلمتهم بالأمر. اتصلتُ بدلشاد وبعض الأصدقاء الآخرين واقترحتُ عليهم أن يختفوا، وأكدت على دلشاد أن يبلغ عمر البغدادي لأنني لم أكن أملك رقم هاتفه. 

وفعلاً ترك عمر سوريا متجهاً إلى تركيا في أواخر 2011 لكنه سيعود في 2012 لينضم إلى كتائب الطليعة المقاتلة ويتخذ اسماً جديدا “أبو هادي الدوماني” ويتحول إلى القائد العسكري لكتائب الطليعة المقاتلة في ريف حلب بحسب موقع تنسيقية دوما ومواقع أخرى. قتل عمر أثناء اقتحام مطار منغ العسكري في حلب في 24 آذار 2013. 

الكوابيس وطعم الخراء

لم أستطع النوم تلك الليلة. كنت أنتظر أن يطرق الباب في أية لحظة. حين نظرت إلى مكالماتي الصادرة والواردة خلال الأيام القليلة الماضية كان هناك أكثر من 37 مكالمة متبادلة بيني وبين شون. كنت أعرف أن أول ما تفعله المخابرات هو التدقيق في أرقام الهواتف والرسائل في تلفون الشخص المعتقل، هذا بالإضافة إلى كثرة مراسلة الإيميلات بيننا. تمددت زينة على إحدى كنبايات غرفة الجلوس وأنا ذهبت إلى غرفة النوم. لا أحد طرق الباب في تلك الليلة لكن كثرة وشدة الكوابيس منعتني من النوم. حين استفاقت زينة صباحاً روت لي كابوسها الذي بدا كشريط سينمائي قديم مغبر يكرر ذاته برتابة مخيفة دون توقف بسبب خلل ما في آلة العرض.. من شدة خوفها كانت تنهض من الكنبة وتأتي إلى غرفتي وتقول: “هوشنك أنا خائفة ولا أستطيع النوم”. لكنها فجأة ومن شدة جفاف فمها وارتعاش جسدها خوفاً تفزُ من النوم مرعوبة لتجد نفسها أنها لازالت متمددة على الكنبة في غرفة الجلوس وتبدأ بتفحص الأغراض: التلفزيون والمصباح العمودي ولوحة المقهى لجبر علوان لتتأكد من أنها لازالت في غرفة الجلوس ثم تنهض متثاقلة وتقطع الصالون وتأتي إلى غرفتي وتوقظني وتقول: “هوشنك أنا خائفة ولا أستطيع النوم.” لكنها وبينما تحاول إيقاظي تستيقظ فجأة بجسد يرتعش وهو يتصبب عرقاً لتكتشف بأنها لازالت في غرفة الجلوس وتبدأ مرة أخرى بتفحص الأغراض الموجودة من حولها: التلفزيون و المصباح العمودي ولوحة جبر علوان لتكتشف بأنها لازالت متمددة على كنبة غرفة الجلوس فتستيقظ متثاقلة وتهرول مسرعة الى غرفتي وتبدأ باستيقاظي بصوت عال وهي مذعورة “هوشنك أنا خائفة ولا استطيع النوم” لكنها فجأة تفز من النوم وهي تغرق في عرقها.. وهكذا.. كان هذا كابوسها الطويل المكرر حتى الصباح وحين استيقظت صباحاً وخزت معصمها بدبوس وجدته على الطاولة لتتأكد من أنها مستيقظة وليست في كابوس دائري أبدي. أما أنا فكابوسي كان أكثر بساطة لكنه أشد رعباً، كان أحدهم يجبرني على أكل الخراء، خرائي أنا.

في حوالى التاسعة صباحاً اتفقنا أن تذهب زينة وحدها إلى البيت وأن أنتظرها أنا في الشارع العام تحت جسر فيكتوريا أمام فندق سميراميس لمدة عشر دقائق فقط وإذا لم تعد سأذهب أنا. عادت بعد 13 دقيقة وكان وجهها شاحباً مرعوباً. كان الأمن قد سبقوها الى هناك. في حوالى الساعة الثانية بعد الظهر اتصلت زينة لتخبرني بانها عبرت الى الجانب اللبناني. 

الأيام اللاحقة 

مرت الأيام اللاحقة ثقيلة بطيئة لم أخرج خلالها كثيراً ولم أستطع أكل أي شيء إلا وكان له مذاق الكابوس الذي كنت قد رأيته في تلك الليلة مع استعادة كاملة لتقاصيله البصرية المقززة. تم إطلاق سراح شون مساء 20 أكتوبر وتسفيره في الليلة ذاتها لكن خروجه لم يزل طعم الكابوس من لساني.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]
اللاجئون السوريون والخليج: لحظة فك السحر

اللاجئون السوريون والخليج: لحظة فك السحر

عندما كتب ميشيل فوكو عن علاقة المعرفة بالسلطة ركز على أهمية العلوم الاجتماعية لتقديم المعرفة الدقيقة اللازمة لأي سلطة تريد تنوير أو ترويض رعيتها. فالإحصائيات والأرقام والمسوحات والاستبيانات والمقابلات المعمقة هدفها تقديم حد أدنى من المعلومات التي على ضوئها سيتم تفسيرها من قبل السلطات السياسية، وإنشاء ما يسمى “بنظام الحقيقة”. ومع كل أسف ما نجده هذه الأيام من جدل حول لماذا لم تستقبل دول الخليج اللاجئين السوريين هو تتويج لنظام يتناقض كلياً مع “نظام الحقيقة”: إنه “نظام الجهل” أو سلطة “الجهل”. وكلمة الجهل هنا هي كلمة منمقة لكي لا نقول “نظام التضليل الشعبوي”.

فمنذ سنوات عدة، لم أتمكن أبداً، كمتخصص بموضوع الهجرة واللجوء، من الحصول على أية أرقام تفصيلية عن حجم الجاليات المقيمة في دول الخليج. وهذه معلومات نجدها في  أغلب بلدان العالم، حيث تقدم المكاتب الوطنية للإحصاء البيانات الناتجة عن التعدادات السكانية والمسوحات المختلفة حول الكثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية، والتي هي ضرورة لأي باحث يريد إنتاج معرفة حول مجتمعات هذه الدول.

بعد اهتزاز الضمير العالمي عندما رأى صورة الطفل آلان مرمياً جثة هامدة على الشاطئ التركي، انتشرت انتقادات لدول الخليج لعدم استقبالها للاجئين السوريين، مما اضطر المسؤولين السياسيين في هذه الدول إلى إعلانهم أنهم استُقبِلوا الكثير بعد عام 2011، حيث أعلنت السعودية أنها استقبلت 500 ألف سوري (ستيفنز 2015) والإمارات 100 ألف سوري (CNN 2015) والكويت 120 ألف سوري (ولكن لانعرف إن كان هذا الرقم منذ بداية الأزمة أو قبلها).. وحتى إن صحت هذه الأرقام فتبقى قليلة مقارنة مع ما استقبلته دول كألمانيا التي قبلت وحدها 450 ألف لاجئ (أغلبهم سوريين) منذ بداية هذه السنة فقط (جريدة اللواء) 2015.

 لقد قضيت هذا الصباح وأنا اتصفح المكاتب الوطنية لدول الخليج والوزارات المعنية بالقوى العاملة والهجرة ولم أجد على الإطلاق أي معلومة عن جنسيات المهاجرين لديهم. كل ما يمكن أن نجده هو عدد السكان الوطنيين والمقيمين الأجانب. ولذا لا يمكن تثبيت صحة الأرقام التي يوردها بعض السياسيين والصحفيين. ولكن ما يثبت بهتان هذه الأرقام هو معلومات اثنوغرافية جمعتها خلال السنوات الثلاثة خلال عملي مع اللاجئين السوريين، والتي تثبت أن هناك “نظاماً أمنياً” قد منع ليس فقط دخول السوريين والفلسطينيين السوريين إلا في حالات استثنائية ولكن أيضاً منع لم شملهم. وأكد ذلك في حالات كثيرة من وجود الزوج في الخليج وعدم قدرته على إحضار عائلته.

لقد تضخمت البيروقراطية الأمنية لدرجة أنها أصبحت توجّه السياسي بدلاً من أن تأخذ توجيهاتها منه. يقوم السياسي بإصدار تشريعات تحاول محاكاة أعراف ومواثيق حقوق الإنسان، بينما يقوم الأمني بخلق حالة استثناء، بالمعنى الذي أعطاه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبين له، أي تلك التي تهدف إلى إقصاء غير المرغوب بهم والذين يشكلون فئة “يحتمل أن تكون خطرة”، وعدم الاستفادة من تشريعات السياسي.

وما يثبت هيمنة الأمني على السياسي في هذه الدول أنه إذا تصفحت المواقع الإلكترونية لوزارات الخارجية هناك فلن تجد أي معلومة تظهر تمييزاً إيجابياً لصالح السوريين، ولا حتى سياسات إجرائية واضحة. وهنا يتبين أن القرار ليس للنخبة السياسية ولكن للنخبة الأمنية. وهنا أتساءل لماذا هناك قرار بدعم الانتفاضة السورية والتخلي عن نتائج هذا القرار عندما يؤدي إلى تهجير الملايين من السوريين (ويشمل هذا التساؤل كلاً من إيران وروسيا اللتان دعمتا النظام السوري في حين لم تستقبلا لاجئين)؟ لماذا لم تتم مناقشة هذا الموضوع في مجلس وزرائهم؟ ولماذا لاينسق وزيرا الداخلية والدفاع مع وزير الخارجية؟ لماذا لم يتم ترجمة ما وصفه الصديق الأكاديمي الإماراتي بـ”اللحظة الخليجية” في عام 2011 إلى سياسات لاستقبال للاجئين؟ عندما يدخل السوري إلى السعودية كزائر ويبقى، تقوم السلطات بتجديد إقامته لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر ويدفع في كل مرة 100 ريال (27 دولار)، ويستحيل تسجيل أبنائهم في المدارس، والاستثناء الوحيد الإيجابي الذي قامت به السعودية هو السماح لأبنائهم بدخول المدارس والجامعات الحكومية. إذاً هناك معاملة تنفي بشكل عام عنهم سمة اللاجئ، وكما يظهر ذلك في تصريح فيصل النواف: “السوريون المقيمون في الكويت ليسوا لاجئين وهم في بلدهم وبين أهلهم وإخوانهم ويساهمون مساهمة فعالة في المجتمع، ويحظون برعاية واهتمام القيادة السياسية”.

ما معنى أن هؤلاء في بلدهم؟ هل ساعدتهم على لم شملهم؟ هل هناك معونات لهم حتى يستطيعوا أن يجدوا عملاً هناك؟ يذهلني كيف يقوم الخليج باعتبار نفسه خارج الإنسانية. استقبال اللاجئين هو تتويج لمفهوم الإنسانية. لقد دفع الخليج أموالاً هائلة لدعم لبنان والأردن على استقبال اللاجئين السوريين، تقدر بأقل من مليار دولار ولكنها قليلة للغاية مقارنة بميزانيتها العسكري (التي تقدر بـ 100 مليار في عام 2012 وحده). ولكن هذا ليس إلا مؤشراً واهياً للتمتع بالقيم الإنسانية. يعرف السياسيون الخليجيون من تاريخهم البعيد قصة الأنصار والمهاجرين. فلماذا لم يتحلوا بسمات الأنصار في استقبالهم “للمهاجرين السوريين”؟ هذا الموقف المتخاذل من اللاجئين السوريون كان موضع استهجان من بعض المشايخ السعوديين (ولعلهم هم ذووا الأصوات العالية في المجتمع المدني في هذه الدول!!) ولكن بدون أن يؤدي ذلك إلى جدل عام مجتمعي أو تعبئة ما يؤثر في قرار السياسي الخليجي.

لقد أسقطت الأزمة السورية ورقة التوت عن كثير من المفاهيم التي استخدمتها بعض الأدبيات الإسلامية الصفراء التي قسمت العالم بين ثنائيات دار حرب/ دار سلام، خير/ شر، وربطت الفضيلة بالأخلاق الإسلامية فقط، ومبادئ داعش والقاعدة ليست إلا تجسيداً فاقعاً لذلك. إننا امام لحظة فك السحر، فلم يعد يقنع جموع المؤمنين أن “أمراء” المؤمنين هم أكثر فضيلة من أنجيلا ميركل، فلقد سقطوا على مذبح مفهوم اللاإنسانية. ولذا ما أكثر السوريين الذين يغادرون الخليج بهجرة غير شرعية إلى أوربا باحثين عن كرامتهم واستقرارهم بعيداً عن نظام الكفالة والإقامة السنوية التي يمكن ان تجدد أو لا تجدد. وفي حالة عدم التجديد عليهم المغادرة خلال أسبوع.

لم يعد يقنع المؤمنون أن عليهم تقسيم العالم طائفياً أو دينياً. ففي البلاد ذات الأكثرية المسلمة من استقبل اللاجئين (الأردن وتركيا) ومنهم من خذلهم. وفي البلاد ذات الأكثرية المسيحية منهم من استقبلهم (المانيا والدول الاسكندنافية) ومنهم من خذلهم كأكثر دول أوربا الشرقية (وخاصة هنغاريا ذات النظام السياسي المتحالف مع اليمين المتطرف) وكذلك الولايات المتحدة وكندا. التقسيم الذي له معنى هو من هي الدول التي لديها عدالة اجتماعية (شرط أساسي لمفهوم المواطنة) وتضامن مع ضحايا العالم (شرط للقيم الإنسانية) ومن ليس لها. 

وهنا سأختم هذه المقالة بالتحدث عن كندا هذا البلد الذي تغنى به العالم بأنه البلد الذي كان في قمة الرقي حسب مؤشر التنمية الإنسانية، كيف أصبح تحت تأثير اليمين السياسي الحاكم ذي الطبيعة المسيانية، بلداً لا يسمح حتى للمرأة أو الرجل الكندي أن يلم شمل عائلته السورية. تابعت بعض الحالات وقد قابلت مسؤولا في السفارة الكندية في لبنان حول حالة تم فيها رفض ملف زوج سوري موجود في مخيم في البقاع لا يستطيع الحركة فهو الهارب من سوريا والمقيم غير الشرعي في لبنان بحجة أن زوجته الكندية لا تستطيع إعالته في كندا، فكان جوابهم أنه يستطيع تقديم الطلب مرة أخرى ولكن الرد يحتاج إلى سنتين. وفعلا من بين الـ 400 حالة لم شمل تقدم لها السوريون في بداية 2012 تم إعطاء 9 حالات فقط حتى آب 2013، حسب المجلس الكندي للاجئين. وكان شعوري في نهاية مقابلته أنني أمام عقلية بيروقراطية (البزنس كالمعتاد) لا تختلف عن تلك التي تتولد من تصريحات أدولف آيخمان النازي الذي دافع عن المساهمة ينقل اليهود إلى معسكرات الموت مدعياً أنه كأي بيروقراطي ينفذ التعليمات بدون أن يفكر بغاية عمله. هذا هو ابتذال وتعميم الشر (Banality of evil) التي تحدثت عنه حنا آرنت في كتابها الرائد (آيخمان في القدس) والذي ينطبق على كثير من البيروقراطيين عرباً كانوا أم أجانب.

+++

المراجع

CNN. 2015. “الإمارات: استقبلنا 100 ألف لاجئ سوري وقدمنا 530 مليون دولار منذ بدء الحرب السورية.” 

جريدة اللواء، 2015. “450 ألف مهاجر في المانيا و٥ آلاف على الحدود الصربية المجرية.”

ستيفنز, مايكل. 2015. “أزمة المهاجرين: لماذا لا تسمح دول الخليج باستقبال السوريين.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]
مدينة الرقة السورية: من المدنية إلى مستقبل مجهول

مدينة الرقة السورية: من المدنية إلى مستقبل مجهول

منازل الدنيا أربعة (دمشق والرقّة والري وسمرقند)، هذا ما قاله الخليفة العباسي هارون الرشيد، أما الرقّة فهي محافظة في شمال شرق سورية تقع على ضفاف نهر الفرات، وفيها يلتقي رافده نهر البليخ، وفي اللغة العربية يعني اسمها الأرض الملساء التي يغمرها الماء ثم ينحسر عنها. أصبحت الرقة محافظة مستقلة عن دير الزور في ستينيات القرن الماضي، وحظيت باهتمام الحكومة السورية في السبعينيات بإقامة مشروعات حيوية مثل سدي الفرات والبعث إلا أنها تحولت خلال العقود القليلة الماضية إلى إحدى المدن المنسية، وسقطت من خطط الحكومة التنموية باستثناء محاولات متواضعة لتغيير واقعها في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ولم يُكتب لها الاستمرار.

الواقع الحالي

خرجت محافظة الرقة عن سيطرة الدولة السورية في بداية شهر آذار عام 2013، منذ ذلك الوقت والمدينة تصارع من أجل البقاء، آلاف المسلحين اقتحموا المدينة من جهاتها الأربع، يقول المواطن محمد الصالح: «يُقدر عدد الكتائب المسلحة التي دخلت مدينة الرشيد بأكثر من مئة كتيبة، ذات انتماءات مختلفة، منها مُبايع لتنظيم «القاعدة» مثل «جبهة النصرة»، ومنها يتبع لما يُسمى بـ«الجيش الحر»، وأخرى لا تتبع لأي جهة وهي عبارة عن مجموعة مارقين من أرباب السوابق، وسجناء بجنايات وجرائم مختلفة أطلق سراحهم من السجن المركزي إبان سقوط الرقة».

تحولت المدينة الأكثر هدوءاً في سورية منذ عقود إلى ساحة معركة مفتوحة بين تلك الكتائب، خلافات أحدثها تقاسم الغنائم والمسروقات، واختلاف الرؤى والمنهج الذي تتبعه كل واحدة، إلى أن أعُلن عن تشكيل تنظيم «الدولة الإسلامية» في المدينة من قبل بعض المنشقين عن «جبهة النصرة» بعد شهر من سقوط المدينة، وبعد تسعة أشهر من الصراع بدأت الكتائب بتصفية بعضها، وانتصر تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على جميع الكتائب ليُعلن رسمياً نشوء «ولاية الرقة» أولى ولاياته في الشام، ويتخذها عاصمة للتنظيم.

يوثق أحد الصحفيين ما جرى هناك، ورغم اعتزاله الصحافة خشية الموت إلا أنه يراقب ما يجري بصمت ويدونه في يوميات المدينة التي يكتبها، فيقول: «ما زال الناس في مدينة الرقة يحاولون إيجاد سبل للبقاء على قيد الحياة، وأنت تسير في شوارع المدينة تسمع لغات مختلفة، أصبح أهالي المدينة حتى الأميين منهم يميزون اللغات العالمية، الفرنسية هي الأكثر انتشاراً فعدد العائلات الفرنسية كبير».

تحولت ساحات المدينة العامة إلى منصات لتنفيذ أحكام الإعدام، والتمثيل بالجثث وتقطيع الرؤوس والأيدي والأرجل، يطغى على المدينة جو من الخوف والحذر، إلا أن سكانها اعتادوا مع مرور الوقت رؤية جثة معلقة على أحد أسوار الحدائق، أو رمي شخص من بناء شاهق، أو رجم امرأة بالحجارة حتى الموت، ويُعتبر جلد شخص وسط السوق مشهداً مألوفاً في مدينة يحكمها تنظيم الدولة.

يعيش عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» مع أسرهم وأطفالهم في بيوت من هاجروا من أهالي الرقة، ومن صودرت أملاكهم بتهمة تأييدهم للنظام «النصيري الكافر»، مقاتلون من جنسيات مختلفة تتجاوز سبعين جنسية بما فيها العربية يعيشون مع عائلاتهم في الرقة، لهم فيها الحكم المطلق، وأصدرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قراراً فرضت بموجبه الحجاب والعباءة على الفتيات من عمر 11 سنة فما فوق، ومنعت لبس البنطلون للفتيات والتبرج والعطر الصارخ، كما مُنع سماع الأغاني، وإقامة حفلات الزفاف، ومُنع الشبان من ارتداء القلائد، وأُعلن أن عقوبة كل من يشرب الخمر أو لا يصوم شهر رمضان الجلد. وسبق أن أصدرت «الدولة الإسلامية» قراراً منعت بموجبه «الأراكيل» في المقاهي. بعد ساعة من صدور القرار اختفت «الأراكيل» من المدينة. ومنعت النساء من السفر خارج حدود «الولاية» إلا في حالات المرض المثبتة بتقرير طبي ممهور بخاتم أمير الطبية في «الولاية».

«ليست غاية تنظيم الدولة الذي تنتشر دورياته في أحياء المدينة وأسواقها، فرض العقوبات على مواطنيها، بل نشر تعاليم الدين الإسلامي كما جاء في فكر التنظيم، ونبذ البدع والعادات التي انتشرت بين الناس نتيجة جهلهم بالتعاليم الحقيقية للدين»، حسب ما يقوله أبو دجانة، أحد عناصر التنظيم.

تدين المدينة اليوم بالدين الإسلامي، ويدفع مسيحيوها جزية سنوية فُرضت عليهم لـ«بيت مال المسلمين» التابع للتنظيم، ولا يُجبرون على اعتناق الإسلام لكنهم يخضعون لتعاليم الدين الإسلامي شأنهم شأن المسلمين.

تُغلق المحال التجارية أبوابها قبيل كل صلاة، وتخلو المدينة من جميع سكانها، يُعتقل كل من يتأخر عن أداء فريضة الصلاة، يخضع لمحاضرة دينية في مقر «الحسبة» التابع للتنظيم من قبل شيوخ دين غير سوريين.

يدفع أهالي الرقة من أصحاب المنشآت والمحال التجارية زكاة أموالهم حسب ما يقدرها مكتب الزكاة بعد زيارة ميدانية لتلك المنشآت، كما أنهم يشرفون بشكل مباشر على عميات حصاد القمح وجني المحاصيل الزراعية ويأخذون نسبة منها كزكاة تُدفع لـ«بيت مال المسلمين».

تتميز فترة حكم تنظيم «الدولة الإسلامية» التي بدأت قبل عام ونصف بالأمان الذي فرضته بحد السيف، وهذا ما لم يجده المواطنون خلال فترة حكم كتائب «الجيش الحر»، وهذا يجعلهم يشعرون بالرضى إلى حد ما رغم السخط على بعض القوانين التي لم يألفوها بعد. 

الرقة جغرافياً

تمتد الرقة بين خطـي عرض (35.15 – 36.45 ْ م) وبين خطي طول (38.00 – 39.35 ْم) وتبلغ مساحتها 19622كم،2 حيث تشكل 10.6% من مساحة سورية. تشكل الرقة نقطة وصل بين المحافظات الشرقية ومحافظات القطر الشمالية والوسطى، يحدها من الشمال تركيا وتبلغ الحدود المشتركة معها نحو (78,5)كم، ومن الجنوب محافظتي حمص وحماة، ومن الغرب محافظة حلب، ومن الشرق محافظتي الحسكة ودير الزور، وتبعد مدينة الرقة عن مدينة حلب (200)كم، وعن مدينة دير الزور نحو (135)كم، وعن مدينة حماة (260)كم، وعن حمص نحو (265)كم، وعن الحسكة نحو (230)كم.

تمتاز محافظة الرقة بتنوعها المناخي، ومقوماتها الطبيعية والسياحية، إضافة لتوفر المواقع الأثرية الموغلة في القدم كسور الرافقة الأثري، وباب بغداد والجامع العتيق (جامع المنصور)، وقلعة جعبر، ومدينة الرصافة، وسورا، وهرقلة، وزالبا، وحصن مسلمة، وتل الخويرة، وعشرات من التلال الأثرية المتوضعة على ضفاف نهري الفرات والبليخ، ومن أهمها تل المريبط المغمور تحت مياه بحيرة الأسد، والذي شهد أول استيطان بشري في العالم، ويعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وتل أبو هريرة، وعناب السفينة والشيخ حسن وغيرها.

كما كانت تشكل مقامات الصحابة عمار بن ياسر، ووابصة بن معبد الأسدي، وأبي بن قيس النخعي، والتابعي أويس القرني الموجودة في مدينة الرقة أحد أهم المواقع التي تنضوي تحت لواء السياحة الدينية إضافة إلى مقام النبي إبراهيم الخليل في منطقة عين العروس. إلا أن المواقع الدينية آنفة الذكر، تم تدميرها بشكل كامل من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وتفجيرها بحيث لم يبقَ لها أي أثر.

يتجاوز عدد سكان المحافظة مليون نسمة، ويتوزع النشاط البشري فيها بين الزراعة وتربية الحيوانات، وعدد من الصناعات الخفيفية كصناعة السكر، وزيت الزيتون، والمجبول الزفتي، والمركبات العلفية، وحلج القطن، والأقنية البيتونية.

يتوفر في محافظة الرقة المخزون المائي الأوفر في القطر العربي السوري، إذ يجري نهر الفرات في أراضيها قاطعاً مسافة تتجاوز (180)كم، ويشكل سد الفرات بحيرة الأسد البالغة مساحتها (674)كم2 ومخزونها المائي (14)مليون متر مكعب، وبحيرة سد البعث بمساحة قدرها (27)كم2. إضافة إلى نهري البليخ والجلاب، وبحيرة العلي باجلية القريبة من مدينة تل أبيض، والدلحة شرق مدينة الرقة. 

الرقة تاريخياً

يرقى تاريخ مدينة الرقة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وسميت في البداية كالينيكوس، نسبة إلى سلوقس الأول، مؤسس المدينة، الذي كان يعرف أيضاً بهذا الاسم (ويقول البعض أن الاسم يعود إلى الفيلسوف اليوناني كالينيكوس الذي يعتقد أنّه توفي في الرقة).

ولموقع الرقة أهمية كبيرة حيث كانت في العصر البيزنطي مركزاً اقتصادياً وعسكرياً، لوقوعها على ضفاف نهر الفرات ووجود السهول الزراعية الخصبة فيها. فقد كانت مركزاً لتجمع البشر منذ العصور الحجرية القديمة، وموطناً لتقدم الحضارة، ومركزاً لتبادل السلع وتجميع الحاصلات والمؤن وتصديرها إلى بلاد كثيرة عبر الطريق المائي (الفرات) والذي كان صالحاً للملاحة حيث استخدمه الحيثيون ونقلوا فيه سلعهم إلى بابل والخليج العربي وإلى الهند، واستخدمه من جاء بعدهم من الشعوب.

في العصر الآرامي كانت الرقة عبارة عن إمارة آرامية تدعى (بيت آدين) وكانت عاصمتها تل برسيب وذلك في القرن الحادي عشر والعاشر والتاسع قبل الميلاد.

أما في العهد الإغريقي فقد عُرفت الرقة باسم (نيكفوريوم) حيث بناها الاسكندر الكبير حين اجتاز الفرات قبل أربيل. وسُميت (قالينيقوس) باسم سلوقس الثاني قالينيقوس الذي أسس مدينة جديدة أو جدد المدينة القديمة في سنة 244-242 ق.م.

وفي العهد الروماني سميت الرقة (كالينيكيوم) نسبة إلى الإمبراطور غلينوس المتوفي سنة 266 بعد الميلاد. وتقع المدينة الرومانية شرقي باب بغداد القائم حالياً في الرقة، ولم يبق لها أثر.

خربتها هزة أرضية فجددها الإمبراطور ليون الثاني الذي حكم الشرق في سنة 474م وسماها باسمه (ليونتوبوليس).

في العهد الأموي، اهتم الأمويون بالرقة واتصل تاريخهم بها كل مدة عهدهم فقد كانت محطتهم الى أرمينية، وكانت محطتهم إلى غزو حدود الروم وتمون جيوش الأمويين الى أرمينية وحدود الروم، وكانت تشرف على القبائل العربية في الجزيرة الفراتية. اهتم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بالرقة فوصلها بمجموعة من الحصون والقصور لتوطيد الأمن ولتكون محطة لراحته وراحة حاشيته بين الشام والجزيرة والحدود البيزنطية التي كان يغزوها بنفسه، وعني بزراعة الرقة وبري أراضيها، بما فجر من الترع من نهر الفرات لسقي الأراضي. ومن أشهر الآثار الأموية في الرقة رصافة هشام التي أضحت في عهد الأمويين منتجعاً صيفياً بعد أن أضاف إلى عمرانها وطورها هشام بن عبد الملك، وكان له الفضل في أن تكون جنة في وسط سورية في زمانها، أسهم في عمرانها وازدهارها بتشييد قصرين اكتُشف أحدهما في إثر التنقيب عن آثارها، فعُرفت آنذاك باسم: (رصافة هشام). بعد نهاية حكم الأمويين في سورية، تابعت (الرصافة) ازدهارها حتى بداية القرن العاشر الميلادي. واشتُهرت بتعايش المسيحيين والمسلمين بدليل اكتشاف وجود عدة كنائس فيها، ومسجد له محرابان باتجاه الجنوب وشارع مستطيل محاط بأعمدة رائعة، وقد هُدمت إبان غزوات التتار كلياً. 

حاضرة الخلافة

ازدهرت الرقة في عهد الخلافة العباسية على مختلف الصعد، وقد حظيت باهتمام كبير فأصبحت أهم المدن العباسية في بلاد الشام، ويذكرالمؤرخون أن المنصور هو الذي أمر ببناء الرقة العربية على طراز خطة بغداد، بعد أن ولي عليها لفترة حيث أعجبه موقعها وطيب هوائها وعذوبة مائها. وبعد استلامه الخلافة أرسل ابنه المهدي ولي عهده إلى الرقة سنة (155هـ/722م)، وأمره بأن يبني الرافقة على طراز بناء بغداد الى جانب الرقة البيزنطية كما أضاف الخليفة هارون الرشيد الذي سكن الرقة طويلاً، العديد من القصور والمواقع الهامة.

يقول الباحث التاريخي محمد العزو: «عندما هاجرت القبائل العربية (ربيعة، بكر، مضر) إلى الجزيرة الفراتية سكنت ربيعة بشكل رئيسي في منطقة الموصل الحالية، وبكر في آمد (ديار بكر، حالياً في الأراضي التركية)، واتخذت قبيلة مضر من الرقة عاصمة لها».

ويضيف الباحث: «كانت الرقة تحمل اسمين الأول نيكفوريوم نسبة إلى مؤسسها سلوقس الأول والثاني كالينيكوس. وتشير بعض المصادر إلى أن مدينتي كالينيكوس ونيكفوريوم متجاورتان، وقد أطلق العرب المهاجرون على كالينيكوس اسم الرقة البيضاء».

وحملتا معاً فيما بعد اسم “الرقتان”، وأغلب الظن أن لفظ الرقتين المتجاورتين في العصور الإسلامية يشير إلى الرَّقَّة البيضاء، والرَّقَّة السوداء، وقد تكون كالينيكوس أو كالينيكوم هي حي المشلب حالياً ونيقفوريوم هي الرقة السمرة حالياً».

قبيل فتح الرقة كان سكانها عرباً من مضر يعتنقون الديانة المسيحية، شأنهم في ذلك شان سكان مدن أخرى عامرة هي حران واديسا (الرها -أورفا).

ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، «إن الفتح الإسلامي للرقة تم صلحاً في سنة (17هـ/ 638م)، بقيادة عياض بن غنم وسهيل بن عدي وهما من قادة جيش أبي عبيدة بن عامر الجراح، واتخذ عياض من الرقة قاعدة لفتوحاته في الجزيرة الفراتية، حيث فتح سنة (19هـ) اديسا (الرها) وحران وسميساط ومن الرها الى منبج ورأس العين، وبعد أن سيطر على ذلك الجزء من المنطقة أخذ قرقيسيا الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وبذلك أمن الضفتين، ورجع إلى الرقة ومنها سار إلى حمص، والياً عليها وعلى الجزيرة(الرقة)، (التي غالباً ما كانت العرب في قرون الإسلام الأولى تعبر عن الرقة بهذا الإسم لأنها أقرب المواقع الهامة بالقياس إلى من يعبر الفرات)، وذلك بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، ومات فيها سنة (20هـ).

وفي نفس العام أي 20هـ/641 م قسم الخليفة عمر بن الخطاب البلاد إلى سبعة ولايات وهي : المدينة، البحرين، البصرة، الكوفة، الشام، الجزيرة ومصر.

بعد وفاة عياض بن غنم، تولى الرقة سعيد بن عامر بن خديم، فبنى في الرقة وحران جامعين، حيث بنى جامع الرقة من الآجر واستعمل في بنائه أنقاض الرخام من المدينة القديمة (البيضاء)، وهو أول جامع يُبنى في الرقة، ومن الجوامع الأولى في العالم الإسلامي، لكن للأسف اندثرت آثارجامع سعيد بن عامر، وأغلب الظن أنها تحت أبنية حي المشلب في موقع الجامع الأموي ( المنيطير) التي كانت مئذنته موجودة حتى بدايات القرن العشرين وبُنيت فوقه مدرسة زكي الأرسوزي الابتدائية.

يؤكد الباحث محمد العزو: «إن أهل الرقة استطاعوا خلال فترة الخلافة الراشدية المحافظة على معتقداتهم وكنائسهم القائمة. وبقيت الرقة تمارس حياتها الاعتيادية مستفيدة من خصوبة أرضها ووفرة مياهها وموقعها الجغرافي المميز بين الجزيرة والشام مما أعطاها أهميتها التجارية والعسكرية».

ويُضيف العزو: «بدأ الخليفة العباسي المنصور في عام (772)م، ببناء عاصمة صيفية للدولة العباسية بالقرب من الرقة، سميت الرافقة. بُنيت المدينة الجديدة بشكل حدوة فرس على الطراز المعماري لبغداد، وسرعان ما اندمجت مع الرقة. بين عامي (796 و808)م، استعمل الخليفة العباسي هارون الرشيد الرقة عاصمة له أيضاً، وأصبحت المدينة مركزاً علمياً وثقافياً هاماً».

وفي الرقة عاش وتعلم الفلكي العربي الشهير البتاني (858-929)م. في عام 1258 دمر المغول الرقة كما فعلوا ببغداد، ولم تعمر بعد حرقها إلا بمرور خمسة قرون.

إعادة الإعمار

زار أبو الفداء محافظة الرقة بعد زمن طويل من خرابها، وقد ذكرها في تقويمه حيث يقول: «الرقة في زماننا مدينة خراب ليس فيها أنيس»، وبعد أكثر من قرنين وربع من زيارة أبي الفداء لمدينة الرقة لم يُعرف عن أخبارها شيئاً يذكر، حتى جاء عام (1574)م حين زارها الطبيب الرحالة الهولندي (ليونهارت راوولف)، حيث يَذكرُ في تقرير له وصفاً لقصر في المدينة و(1200) جندي من جنود السلطان التركي، وكانت المباني والأسوار بحالة يرثى لها، يبدو أنَّه بعد التدمير الذي لحق بالمدينة إثر الغزو المغولي لها، قد بنيت بعض مبانيها، وأنه حدث استيطان جديد ربما وقع مع إنشاء المراكز التركية، وكنقطة ومحطة هامة لطرق الاتصال بين سورية والعراق ولم تكن حينها ذات أهمية تذكر، وحسب رأي الرحالة ليونهارت فإنَّ التجار فضلوا أنْ يستعملوا الطرق التجارية ذات المسار الشمالي، المارة بالبيرة (براجيك) حيث تجتاز الفرات وتتابع طريقها إلى أورفه (أديسا).

في(1650)م قام الرحالة التركي أولياء جلبي بزيارة إلى الرقة، وقد أكد في كتابه (سياحة ناما) أنَّ الرقة كان فيها سكان ثابتون، ويذكر أيضاً أنَّ التركمان قد دمروا المدينة وعلى أثرها أصبحت الرقة تابعة لأورفا (أديسا)، وحسب النظرية الشعاعية التي يقول بها علماء الآثار والتاريخ، فإنَّ الرقة كانت مكاناً للّقاء الشتوي للعرب والتركمان، بينما هي في شهر تموز خالية على الإطلاق من السكان، وكانت في تلك الفترة وحتى في الفترات اللاحقة، مكاناً قصياً لذلك نجد أنَّ الرحالة الأوربيين المتأخرين، الذين كانوا يأتون عبر براجيك وأورفه والمنطقة، لم يذكروا الرقة رغم وجودها، ومن جهة أخرى نجد أنَّ بعض الرحالة الذين زاروا المنطقة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، قد رسموا الرقة على خرائطهم، مثل الرحالة ريتشارد بوكوك وج.م كيناير، وهذا يعني أنَّ المدينة لازالت حية رغم خلوها من السكان. إنَّ الانقلاب الجديد في حياة مدينة الرقة قد حدث في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأ الاستيطان الجديد لمجمل وادي الفرات والجزيرة السورية، إذ كانت البداية متواضعة ومع مرور الزمن تكونت مجموعة من المدن من بينها الرقة.

زار الرقة الرحالة الشهير زاخاو عام (1879)م، حيث أشار في كتابه (رحلة إلى سورية وبلاد الرافدين) أنه كان هناك مجموعة من السكان يقطنون في دور سكنية في مختلف مناطق المدينة القديمة، وأن عددهم يقارب مئة شخص ويقول: «أعتقد أنَّ التجار هاجروا إليها من مدينة حلب»، أماَّ الرحالة الليدي آن بلينت التي مرت في الرقة عام (1878) م أكدت أنها، «لم ترَ سكاناً داخل أسوار المدينة القديمة»، وهي محقة لأنها مرت في المدينة أثناء فترة الصيف، والسكان في هذه الفترة هم خارج المدينة، فبعضٌ منهم يمارس زراعة الخضار على ضفاف النهر (القبيات) ويسكنون في بيوت مشيدة من مادة القصب والسوس (سيباط)، والبعض الأخر من السكان يكونون قد رحلوا مع قطعان ماشيتهم إلى منطقة الشمال، وراء مساقط الغيث ومواضع العشب والكلأ، وفي نهاية فصل الصيف يعودون أدراجهم إلى المدينة، أما انطباع عالم الآثار أرنست هرتسفلد الذي زار الرقة في عام (1907)م فقد أكد، «إنها مدينة حديثة جداً، وأنها كانت تضم مركز بريد وبرق، وأن سكان المدينة كانوا يعيشون من التجارة مع العرب المحيطين بالمدينة من صناعة قصب السكر ومن حفريات اللقى الأثرية».

بعد خمس سنوات من زيارة هرتسفيلد للرقة، وتحديداً في شهر أيار من عام (1912)م قدم إلى الرقة الرحالة التشيكي لويس موزيل، وقد أكد أنه، «وجد فيها سكاناً عددهم (300)عائلة»، ولكن هذا الرقم قد يكون نتيجة لتقديرات غير مؤكدة والسبب في ذلك عدم وجود استقرار سكاني في المدينة في تلك الفترة الزمنية ليشكل مساحة أفقية واسعة، أما الاستيطان المبكر في محيط المدينة القديمة، فقد حدث أن عشائر (الأبي شعبان) استوطنت منطقة الرقة منذ عام (1650)م، وكانت منازلهم على شواطئ الفرات امتداداً من الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، مع دير الزور شرقاً، إلى منطقة شمس الدين غرباً، ويشكل هذا الاستيطان الهجرة الأولى لمنطقة الرقة بعد تدميرها من قبل الغزو المغولي في عام (1259)م.

الرقة اقتصادياً

تعتبر محافظة الرقة زراعية بامتياز، وشهد قطاع الزراعة تطوراً كبيراً بعد إنشاء سد الفرات الذي نظم مجرى النهر، وساهم في استصلاح مساحات واسعة من الأراضي، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية المروية نحو (220) ألف هكتار، منها نحو (110) آلاف هكتار مستصلحة وهي مشاريع ري حكومية، والبقية ضفاف بحيرة الأسد، وسقي نهري الفرات والبليخ، والأراضي التي ترويها الآبار الارتوازية، وتبلغ مساحة الأراضي المروية بعلاً نحو (450) ألف هكتار تزرع بعضها بالقمح في منطقة الاستقرار الثانية، إضافة للكمون، وبالشعير في المناطق الأخرى.

وحسب إحصائيات وزارة الزراعة في سورية، تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القمح بعد محافظة الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقمح في موسم عام (2011) نحو (136) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (550) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (142) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (518) ألف طن، علماً أنه تم زيادة المساحة المقرر زراعتها بالقمح بناء على توجيهات الحكومة السورية وتوصيات اللجنة الزراعية العليا لزيادة الإنتاج، وتأمين الاكتفاء الذاتي وصولاً لتحقيق الأمن الغذائي.

كما تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القطن بعد الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقطن في موسم عام (2011) نحو (46) ألف هكتار، وبلغ الإنتاج المسوق نحو (167) ألف طن، فيما تم زراعة نحو (46650) هكتار في موسم عام (2012)، والإنتاج (165) ألف طن.

أما بالنسبة لمحصول الذرة الصفراء فتحتل الرقة المرتبة الأولى على مستوى القطر في إنتاج الذرة الصفراء، منذ عام (1988) حتى عام (2012)، وتنتج نحو 60% من إنتاج القطر في السنوات السابقة، ففي موسم عام (2011) تم زراعة نحو (22) ألف هكتار بمحصول الذرة الصفراء، وبلغت الكميات المسوقة نحو (145) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة لموسم عام (2012) نحو (26) ألف هكتار، والإنتاج نحو (128) ألف طن.

وتعتبر محافظة الرقة من المحافظات الأولى في زراعة الشوندر، حيث بلغت المساحة المزروعة بهذا المحصول لموسم عام (2011) نحو (5500) هكتار، والإنتاج المسوق (330) ألف طن وهي من السنوات المتميزة بكمية الإنتاج، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (4077) هكتار، والإنتاج نحو (190) ألف طن.

ويبلغ عدد أشجار الزيتون في محافظة الرقة أكثر من خمسة ملايين شجرة، معظمها مزروع على ضفاف بحيرة الأسد، والمثمر منها أكثر من 60% من العدد الكلي للأشجار، فيما تقدر كميات الإنتاج بنحو (50) ألف طن من الزيتون الحب، وفي الرقة أربع معاصر خاصة لإنتاج زيت الزيتون، ووسطي إنتاج الزيت يقدر بنحو 20كغ للمئة كيلو من الزيتون الحب.

أما الثروة الحيوانية المسجلة في الرقة فتبلغ نحو (2.2888) مليون رأس من الأغنام والماعز و(2656) رأساً من الأبقار، و(6521) رأساً من الإبل و(159) رأساً من الجاموس و(359) رأساً من الخيول. 

آفاق المستقبل

تغير نفوس الناس في محافظة الرقة يتناسب طرداً مع تغير الظروف، فقد خلفت الحرب ما خلفته من انقسام في الرؤى والآراء، تفرق الأخ عن أخيه والابن عن أبيه، هاجر العديد من أهالي المحافظة إلى مدن أخرى أكثر هدوءاً كحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق.

هجر معظم الفلاحين أراضيهم، وغادر الأبناء إلى لبنان وتركيا والعراق مؤخراً (بعد سيطرة التنظيم على مناطق واسعة منه)، بحثاً عن فرص عمل تساعدهم على شقاء الحياة بعد أن شحت الموارد وارتفعت الأسعار، أما من بقي في المدينة فيسعى جاهداً لتأمين مصدر رزق ثابت يعينه مع أفراد أسرته، بعد أن خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة بسبب توقف مياه الري الحكومية بعد سرقة معدات المضخات من قبل مسلحي «الجيش الحر»، إبان سيطرتهم عل الرقة.

تُعد تجارة السيارات هي الرائجة بعد تجارة النفط، وقد انتشرت مكاتب بيعها في معظم أرجاء المدينة. وتُباع سيارات بلا ضريبة للرفاهية كانت تأخذها الحكومة سابقاً عن السيارات السياحية، وفيما عادت المدينة الصناعية إلى العمل ونشطت فيها الحركة على نحو ملحوظ بسبب ازدياد عدد السيارات، يستورد التجار بضائعهم من تركيا، إلا أن الأسعار مرتفعة جداً.

أما الفقراء، فقد اختاروا سبلاً للحياة مستقاة من بساطتهم، فاشترى بعضهم صنارة صيد أو شباكاً، حسب قدرته المادية، وقصد نهر الفرات وامتهن صيد الأسماك. وتحول سوق الهواتف الخلوية في شارع الوادي وسط المدينة إلى سوق للأوراق المالية وتصريف العملات، وخصوصا أن انقطاع شبكة الاتصالات عن المدينة قد يستمر أسابيع في بعض الأحيان. واستورد بعضهم أجهزة للاتصال الفضائي لضمان تواصل المغتربين من أبناء الرقة مع أهاليهم بأسعار مرتفعة للدقيقة الواحدة.

مضى عام ونصف العام على حكم تنظيم «داعش»، يكاد أهل الرقة يعتادون على قوانين التنظيم، أو يتعايشون معها إلى حد ما، وقد أنشأ التنظيم هيئات ومكاتب تابعة له مهمتها تسيير شؤون المسلمين وتأمين الخدمات الضرورية لهم، ومنها:

الدواوين:وهي المعنية بتنظيم الأمور الإدارية، فيما تنتشر مكاتبها في جميع مدن وقرى الولاية.

العلاقات العامة والعشائر: وهو مكتب لإصلاح ذات البين، والإصلاح بين عشائر الولاية وحل المشاكل إن وجدت.

الخدمات: مكتب مسؤول عن الأمور الخدمية في عامة الولاية، حيث يعمل على إيصال المياه إلى منازل المسلمين، وإصلاح شبكات الكهرباء، بالإضافة إلى قيامه برصف وتزيين شوارع وطرقات الولاية.

الزكاة: وهو مكتب لجبي الزكاة من محاصيل زراعية ومحال تجارية ومواشي، وتوزيعها على مستحقيها.

الشرطة: يقوم مكتب الشرطة ببسط الأمن في أنحاء الولاية، عن طريق إنشاء نقاط تفتيش وتسيير الدوريات النهارية والليلية، التي تلاحق اللصوص وتحل النزاعات البسيطة، وتتبع له شرطة المرور التي تعمل على تنظيم حركة السير، وإجراء امتحانات للقيادة بشكل دوري

الزراعة والري: يُشرف على عمل المطاحن والأفران ويقوم بشراء محاصيل القمح من المزارعين، وتوزيع الطحين على الأفران بهدف توفير مادة الخبز.

ويُعنى أيضاً بالإشراف على عمل السدود وسواقي الري، وقد أقام عدة مشاريع للري تهدف إلى توفير المياه لأكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية.

الأمن العام: مسؤول عن تأمين المسلمين.

التعليم: وهو مكتب مسؤول عن سير العملية التعليمية في الولاية، قام بافتتاح أكثر من 15 مدرسة تُدرّس لأطفال المسلمين العلوم الدينية والدنيوية، وتتبع له عدة معاهد شرعية.  

الحسبة: وهو مكتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الولاية، فيأمر الناس بالمعروف من صلاة وزكاة وغيرها، وينهى فاعلي المنكرات من حشيش وسرقة وخمور وغيرها، ويتبع له مكتب الرقابة والتفتيش، وهو مكتب للتفتيش عن مصادر المنكرات، ومراقبة المحال من مواد تالفة وبيع للمنكرات وغش للناس وغيرها.            

  الدعوة والأوقاف والمساجد: توكل إلى جنوده مهمة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث يقيم الخيم الدعوية ويُسيِّر القافلات التي تقام فيها الدروس والمسابقات، كما توكل إليه مهمة العناية بالمساجد وإعمارها.    

 الصحة: وهو مسؤول عن إدارة المشافي التي تُقدم الخدمات الطبية للمسلمين، وتقع على عاتقه أيضاً مسؤولية مراقبة الصيدليات وما تبيعه للمسلمين من أدوية، كما أنشأ كلية للطب.       

 ديوان القضاء والمظالم: تتبع له عدة محاكم شرعية، يُفصل فيها بين الخصوم ويُقضى بالأمور المتعلقة بالجنايات، كما يستقبل القضايا المتعلقة بالمظالم وهي القضايا التي يرفعها المتظلمون من عوام المسلمين على جنود الدولة وأمرائها.

الإعلام: وهو الجبهة الخارجية للولاية، يعمل على نقل مجريات الأحداث ومواكبة التطورات العسكرية، ويُعنى بتقديم التغطية الإعلامية لأنشطة الدواوين الأخرى، وقد أنشأ خمس عشرة نقطة إعلامية تتوزع في مختلف القواطع، تعمل على سد الثغرة الإعلامية عبر عرض الإصدارات المرئية ونشر الأخبار اليومية.

يبقى مستقبل الرقة مجهولاً في ظل تمسك التنظيم بها ودفاعه المستميت عنها باعتبارها عاصمته في بلاد الشام، أما سكانها فلا حول لهم ولا قوة هم فقط يحاولون العيش بسلام يدركون أنه مؤقت في ظل الحرب الدولية التي تشهدها المنطقة.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]