أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.

يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.

كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.

يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.

ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.

ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.

ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.

معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى

تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.

إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.

وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.

وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.

ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟

سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية

يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.

ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.

ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.

ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.

ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.

ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.

ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.

ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.

ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.

ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.

سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.

ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.

ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.

ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.

وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

“جريح كالوديان” لـِ طه خليل: أرشيف بصري للحرب

يُمثّل طه خليل صوتاً شعرياً نادراً يتقاطع فيه الحضور الإنساني بالوعي الجماليّ العميق. امتدّت تجربته على مدى عقود، بين قصيدة النثر الملحمية والكتابة الشذريّة المتكثّفة، مشكِّلةً نسيجاً خاصاً يتداخل فيه اليوميّ بالحلميّ، والواقعيّ بالمتخيَّل. يميل في كتاباته إلى صوغ عوالم داخلية مشحونة بالحنين والأسى، مع احتفاءٍ واضح بالصمت بوصفه تعبيراً شعرياً له دلالته. قصيدته تشبه نافذةً صغيرة تطلّ على الذات، وتدوّن بالعتمة أكثر ممّا تكتب بالنور. وبين مجموعاته الشعريّة، تتشكّل هوية تقوم على تجنّب الضجيج، والمراهنة على الهامشيّ والهشّ والمفتّت، لتمنح القارئ إحساساً بجمالٍ يتسرّب خفيةً من بين الشقوق.

منذ ديوانه الأول «قبل فوات الأحزان» (1988)، وصولاً إلى «كحل الرسولة» (2021)، مضى الشاعر الكرديّ السوريّ طه خليل يكتب القصيدة من موقع «الخاسر الجميل»، الذي لا ينتصر في المعارك، لكنه ينجو بالشِعر، ويحوّل الرماد إلى لغة غاية في الرقّة.

ولعلّ «جريح كالوديان» (دار كنعان، دمشق، 2025) يُمثّل ذروة هذا المسار؛ قصائد قصيرة، مكثّفة، مشبعة بالرمز، ومفعمة بالوجع، تكاد تبلغ أقصى حدود ما يمكن أن تبلغه الكتابة من بلاغة في الصمت وجمال في الانكسار. إنّه ديوان اللازمن، حيث الحرب لم تنتهِ، والحبّ لم يُشفَ، والهوية لا تزال مشرّدة.

في هذا الديوان، تتجلّى أرقى حالات التبسيط المركّب التي بلغها الشاعر؛ فالكلمات القليلة تُصبح وسيلة للتكثيف، وأداة وجوديّة تعكس الذات كمرآةٍ شفيفة لحياة تُختصر بسطر، وتُقال كلّها في عبارة واحدة. هكذا، يقف «جريح كالوديان» في قلب التجربة، بوصفه خلاصة المسار وعصارته الأصدق والأندر.

كما تتجلّى الهوية كجرحٍ مفتوحٍ أكثر منها شعاراً، ويحضر الوطن كعاطفة ضائعة لا كحدود فاصلة. قصائد تمشي على حافة الخسارات، وتلتقط التفاصيل المهملة بلغةٍ تشبه الهمس، كأنّها تحاول أن تداوي ما لا يُداوى أو يتعذّر شفاؤه.

الإصغاء لأنين الحرب

الحرب في شعر طه خليل ليست حدثاً تاريخياً محايداً، ولا جحيماً مطلقاً يدينه الشاعر بارتباك؛ إنّها كائن حيّ يتشكّل من الشوارع، والأمهات، والمقاهي القديمة، والمجنّدين، والغزلان المكسورة.

يكتب الشاعر من عمق الفراغ، كأنّ القصيدة كتف يسند جسده، أو أريكة يرتاح فوقها طفلُ حربٍ أنهكه الركض خلال نشرات الأخبار:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

بهذا التواطؤ الجمالي مع الألم، يعلن الشاعر انتماءه للخراب كمصير شعريّ.

في «جريح كالوديان»، يوسّع طه خليل خرائط الألم، معيداً رسم وجه الوطن عبر عيون الأطفال، وأقدام الإيزيديات الحافيات، وأمهات المجنّدين، ونداءات النادل الكردي في مطعمٍ بحيّ باب توما الدمشقيّ، دون الاتّكاء على الخرائط الجغرافية.

القصائد قصيرة، لكنها تقول كلّ شيء؛ تستخدم لغةً تفكّك المجاز نفسه وتعيد تركيبه بما يُشبه الصمت:
«أحنّ إلى الغابات
الشجر لا يتقاتل
الشجر يتعانق
حين تهبّ الريح».

قصيدة تفضح خواء البشرية، وتضعنا أمام الحقيقة: حتى الأشجار أرحم من البشر. إنّها استعارة نقيّة للعالم المقلوب، حيث الطبيعة تحتضن، بينما يستعدّ البشر للذبح.

هوية مبعثرة على الأرصفة

دمشق وقامشلي ليستا مجرّد مدينتين في شعر طه خليل (من مواليد مدينة قامشلي، 1966)، إنّما حالتان وجدانيّتان: الأولى يختبر فيها المنفى الداخلي، والثانية تمثّل الطفولة المجروحة، وجذوره الكرديّة، وجغرافيا الحنين. تتحرّك القصيدة بينهما كأنّها تمشي حافية، تُلامس الأرصفة المتشقّقة:
«من تسندني حتى تنتهي هذه الحرب؟
من ترافقني في شوارع دمشق؟
من تطلب من النادل الكردي في المطعم
أن يبدّل لنا أغاني الحرب… بأغنية كرديّة
فينتشي خشب المطعم القديم».

الهوية هنا تنبع من لحظة حنين حسّي، يتحوّل فيها الغناء الكردي إلى بديل للرصاص، ويغدو المطعم الدمشقي معبداً لسلامٍ مؤجَّل.

طه خليل لا يغفل عن الحبّ، لكنه لا يمنحه حضوراً متردّداً يجاور الفقد؛ فالحرب لم تترك في يده عشبا، ولم تُبقِ في قلبه زهوراً، إنّما غزالة مكسورة تمرّ ولا تلتفت، تُشبه العشيقة، وتُشبه البلاد، وتُشبه الذات التي تنظر إلى نفسها ولا تتعرّف عليها:
«لا بأس أيّها الحبّ
لم أعد أتذكّر منك الكثير
أرجوك، أيّها الحبّ
احرس الغزالة في غيابي».

هنا يُستغاث بالحبّ لحراسة ما تبقّى من رهافةٍ مهدّدة بالاندثار، دون التطلّع إلى استعادته. إنّها الغزالة التي تعبر الشارع دون أن يوقف أحد الحرب لأجلها. طه خليل يُبقي الحبّ على قيد الحياة بالتوسّل، في صورةٍ تُقاوم الرثاء وتؤجّل الفقد.

تشكّل قصائد «جريح كالوديان» أرشيفاً بصرياً للحرب، تُوظَّف فيه الصورة كموقف أخلاقي وجمالي أكثر من كونها مشهداً. فـ«أمهات الحرب»، مثلاً، يُستحضَرن بالدموع والتفصيل الإنسانيّ معاً:
«الأمهات اللاتي يقطرن الملح في عيونهن
الأمهات اللاتي هدّ الحزن ظهورهن».

هنا، يوثّق الشعر من موقع الانحياز الكامل للألم، وبلغة تمسّ العظم مباشرة، دون قفّازات بلاغيّة.

لغة طه خليل تتماهى مع الجرح: لا تصرخ، لا تئنّ، بل تهمس. إنّها بلاغة خافتة تُستخرج من تحت أنقاض اللغة، وتبدو دائماً كأنّها تقف على الحافة؛ يتغزّل بالحرب كمن يساير قاتله، ويعلم أنّ خلاصه الوحيد يكون عبر الكتابة. إنّها كتابة تسخر من البلاغة، وتستبدل المجاز بالصمت، والعشق بالخذلان، وتحوّل الشعر إلى حالة نجاة داخلية.

الجرح بوصفه هوية شعريّة

يشكّل عنوان الديوان مفتاحاً تأويلياً دقيقاً، يفتح بوابة الكتاب ويضيء على تجربة طه خليل الشعرية بأكملها؛ فالوديان، بانخفاضها وصمتها واستعدادها لتلقّي الألم، تصبح استعارة مهيبة للذات الشاعرة التي تمتصّ العالم كأرض مشقّقة، منفتحة على الداخل بدل أن ترتفع في وجه الخارج.

بهذا المعنى، «جريح كالوديان» يُمثّل هوية وجودية متكاملة، لا يقتصر على كونه صورة شعريّة فقط؛ الشاعر–الإنسان هو الوادي، والحرب هي المطر الأسود، وبينهما تنمو القصيدة كزهرة وحيدة تنمو بين الطين والركام.

العنوان يتجاوز التماثل البلاغي بين «الجريح» و«الوديان»، ليخلق تواطؤاً داخلياً بين الطبيعة والإنسان، حيث يصبح الألم المكاني انعكاساً للألم الوجودي:
«الجبال كانت تصف لي
وكنتُ جريحاً كالوديان».

إنّه عنوان ينزل إلى قاع النفس البشرية بهدوء وبنهدةٍ خافتة، بعيداً عن العلوّ والهتاف، وبهذا يفتح للقصيدة فضاءً خصباً للرمز والرؤية واحتمالاتٍ أعمق من أن تُقال. فهو يُفصح عن طبيعة داخلية مهيّأة للانكسار، تتجاوز حدود الجرح الجسدي أو العاطفي.

كثافة تُطلق الرؤيا

يمتلك طه خليل بصمة أسلوبية فريدة تقوم على الاقتصاد الدقيق في اللغة، والاعتماد شبه الكامل على الشذرة التي تحرص على الكلمات، وتتعامل مع الشعر كمساحة ملغومة، حيث كل كلمة قابلة للانفجار الرمزي. في «جريح كالوديان»، كما في كثير من دواوينه السابقة، نلمس هذا الميل العميق إلى التكثيف، حيث تتحوّل القصيدة إلى ومضة خافتة، أو تنهيدة مدوّية داخل بيتين:
«كنت أستند عليك، حتى تنتهي الحرب
انتهيتُ، وما توقّفت الحرب».

ما نجده في هذا المقطع من اختيار جمالي وفلسفي يتجاوز الاختزال، ويتقاطع بوضوح مع عبارة النفّري الشهيرة: «كلّما ضاقت العبارة، اتّسعت الرؤيا». فقِصَر القصيدة هنا يعبّر عن اتّساع التجربة وعمقها، وعن قدرة الشاعر على تحرير الرؤيا من أسر اللغة.

اعتماد الشاعر على القصيدة الومضة دون غيرها يُمثّل رهاناً على البلاغة الصامتة، على ما يُقال من بين السطور، وعلى جعل الشعر شذرةً من روح متعبة تهمس بما لا يُحتمل.

قصائده تومض كلقطات خاطفة من حافة العالم؛ تكفي صورة واحدة مثل «الغزالة المكسورة»، أو «النادل الكردي»، أو «الأمهات اللواتي يقطرن الملح» لخلق عالم كامل من الدلالات.

في «جريح كالوديان»، تتلخّص الرحلة كقصيدة مفتوحة على الدم والحنين والمحو، تُثري المكتوب عن الحرب، وتُعيد تعريف القصيدة التي تتحدّث عن الدم دون أن تلطّخ نفسها به، وعن الحبّ دون أن تتورّط في الوهم، وعن الوطن دون أن ترفعه شعاراً.

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

قُدِّم ضمن ما يُسمّى بـ(مسرح الطاولة) عرضان مسرحيان في مدينة حمص للفنان عبد الكريم عمرين؛ كان الأوّل في وقتٍ سابق بعنوان “سقوط الحصان”، وهو مونودراما مأخوذة عن نصّ لفرحان بلبل، الكاتب والمخرج المسرحي المعروف ومؤسّس فرقة المسرح العمالي في مدينة حمص، التي قدّمت مسرحيات كثيرة ومهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، كـ”الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر على شرف خمسة حزيران” و”رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحوّلات”، وغيرها من المسرحيات التي بقيت إرثاً مسرحياً غنياً.

أمّا الثاني فكان بعنوان “ظلام”، وقد قُدِّم مؤخراً في كنيسة السريان بحمص، وهو أيضاً عرض مونودراما من تأليف وتمثيل وإخراج عبد الكريم عمرين، الكاتب والممثل وأحد أعضاء فرقة المسرح العمالي المؤسِّسين.

وقد نوّه عمرين بأنه اختار هذا الأسلوب في محاولة لإحياء اللغة والاعتراض على تهميش الإنسان من قبل التقنيات. ويقوم العرض على قراءة النص المسرحي من قبل الممثل جالساً خلف الطاولة، بينما اضطرّ في العرض الثاني “ظلام” للوقوف حتى يتمكّن الجمهور من المشاهدة.

يعيدنا ذلك إلى ما سُمّي بالمسرح الفقير الذي أسّسه غروتوفسكي، ويقوم على الاستغناء عن كلّ الوسائل المسرحية نتيجة رفضه التكاليف الباهظة للعروض المسرحية، فاعتمد اختزال العمل المسرحي بالممثل مقابل الجمهور، الذي قد يكون متفرّجاً واحداً.

أمّا قراءة المسرحيات، ففي الحقيقة كانت شائعة منذ القدم؛ فكانت تتم قراءة المسرحية أمام جمهور خاص من المثقفين. وفي القرن السابع عشر كان الهواة يقومون بقراءة النصوص بشكل تمثيلي في بلاط لويس الرابع عشر. وشاع في العصر الحديث تقليد قراءة المسرح في الاتحاد السوفييتي وإنكلترا، وذلك أمام مجموعة مختارة من المثقفين للتعريف بالكتابات المسرحية الجديدة قبل تقديمها، في نوعٍ من استمزاج الجمهور الخاص و”لبيان الجانب الدرامي في النص بمعزل عن العرض”. كما انتشر هذا الأسلوب في فرنسا ضمن ما سُمّي بالمسرح المفتوح لتعريف الجمهور بالنصوص الجديدة، واعتُبر ذلك نوعاً من الإخراج الصوتي للنص، إضافةً إلى تدريبات طلاب المسرح في قراءة النصوص أمام الجمهور.

في العرضين المقدَّمين في حمص باسم مسرح الطاولة، اقتصرت القراءة على ممثل واحد (مونودراما) أو قارئ واحد، ما يذكّرنا بأسلوب الحكواتي بصيغتيه:
الأولى الشعبية في المقاهي حيث كان الحكواتي يقرأ النص من كتابه، وغالباً ما يكون “ألف ليلة وليلة” أو “الزير سالم” أو “سيرة بني هلال” وغيرها، مع تطعيم القراءة بتلاوة بعضها غيباً نتيجة حفظها لكثرة التكرار، موحياً بصوته أجواء الحكاية والحدث، ولازمته الشهيرة: “كان يا ما كان”.
والثانية: الحكواتي المُـمَسرَح، الذي قدّمه كثير من الفنانين بدءاً من أبي خليل القباني، إلى استخدامه في النص المسرحي كما في نصوص كتبها سعد الله ونوس مثل “سهرة مع أبي خليل القباني” أو “حكاية رأس المملوك جابر”. وقد صار إحدى تقنيات المسرح لكسر الحاجز بين الممثل والجمهور، ولجأ إليها عدد من الفنانين أثناء الأحداث السورية بعد انطلاق الثورة لإيصال صوت السوريين للجمهور متشابكاً مع الذاكرة والتراث. ورغم أصالة الحكواتي وعلاقته بالمسرح، إلا أنّ التجربة تحتاج إلى تقنيات أولية تساعد على الأداء وشدّ المتفرّج.

يكتفي مسرح الطاولة المقدَّم بالاعتماد على صوت الممثل لوضع المشاهد في فضاء المشهد، ولهذا فإن العوامل الخارجية تؤثر على المتابعة. كما أن اعتماد الممثل على الإيقاع الصوتي في الإلقاء لإيصال الفكرة للجمهور يضعنا أمام إشكالية حصر المتفرّج في دائرة التأثّر الوحيدة، أي إملاء قارئ النص، وليس إطلاق خيال المتفرّج.

فإن كان هذا المسرح قد ظهر نتيجة فقر الإمكانيات، وفي واقعٍ توقفت فيه عروض الفرق المسرحية تقريباً كما اختفى المهرجان المسرحي الذي كان يُقدَّم على مسرح المركز الثقافي في حمص، مع ملاحظة التدهور الذي كان يحصل فيه على المستوى الفني والفكري منذ عدة أعوام، يطرح السؤال نفسه: هل هو البحث عن بدائل عبر هذا الشكل المسرحي؟ وإن كان كذلك، ألا يحتاج مسرحاً مُعَدّاً بشكل جيد حتى لا يتم تفتيت المشهد المسرحي بالفوضى والمقاطعة والضوضاء كما حدث في مسرحية “ظلام” للفنان عمرين في العرض الأخير؟ فتوقّف الممثل عن الإلقاء وعودته بعدها يسبّب بلا شك قطعاً في التواصل بينه وبين المتفرّج، خاصةً أنه لا يعتمد على أيّ من سينوغرافيا المسرح (الإضاءة – الديكور – الموسيقى) التي تضبط الانتباه وتحافظ عليه أمام العوامل الطارئة.

مسرحية “ظلام”
فكرة المسرحية “ظلام” تقوم على سرد معاناة الإنسان أمام آلة القمع المتعددة الأوجه، حيث تلتقي قوة القمع العالمية مع القوى المحلية لاستعباد البشر. فمن تعذيب السجناء في المعتقلات بدءاً من غوانتنامو وحتى سجون الأنظمة الدكتاتورية، يسرد الممثل عمرين حكاية شخصٍ أسير في غوانتنامو كمونولوج، وكيف تم تعذيبه والضغط عليه للاعتراف عبر التعذيب تارةً والإغواء تارةً أخرى. كما تم تعذيبه في بلده سوريا حين نُقل إليها، فآلة القمع واحدة والمصالح مشتركة بين القوى العالمية المسيطرة التي تستعبد الشعوب وبين الديكتاتوريات التي تستعبد الإنسان، حتى انتهى الأمر إلى فقدان الإنسان يقينه بالنجاة وسيطرة الظلام كدلالة على سلطة الظلم والقهر العامة.

لكن غاب عنا جرم الشخصية الخاص، فهي نُعِتت بالانتماء لطرف متشدّد (القاعدة)، وبهذا يبدو طبيعياً السؤال: أليس هو جزءاً من آلة قمع تدعو إلى محاربة المختلف وتكفيره وتنهج نهج إقصائه والقضاء عليه؟ ألم تقم بنفس الدور في الأماكن التي سيطرت عليها؟ أليست جزءاً من خريطة المصالح العالمية للقوى السياسية التي تمارس سلطتها بالتغييب والتعذيب والإقصاء وبيع النساء وتجنيد الأطفال؟ بينما سجناء الرأي والفكر الذين لم يحملوا السلاح يوماً ولم يحاولوا فرض رأيهم على أحد قد دفعوا نفس الأثمان في التعذيب والسجون والأقبية.

حاول عمرين بأدائه الصوتي شدّ انتباه الجمهور رغم تململهم بسبب الضجة التي قطعت الأداء عدة مرات وجعلت العودة للمشهد تبدو صعبة. ومع غياب شكل المسرح، ولأن طبيعة الأماكن العامة تسمح بحدوث الفوضى، يبدو نافلاً القول: لا بدّ من الإصرار على شروط عرضٍ جيدة لضمان جودة العمل الفني أثناء تقديمه للمتفرّج ليكون بالمستوى الذي يريد له الفنان أن يصل.

لا شكّ أن تجربة ما يُقدَّم باسم مسرح الطاولة هي إشعار بقدرة المثقف على الخروج من الواقع الصعب دوماً بحلول قد تكون مناسبة أو لا، لكنها تعني عدم التوقف عند حدود.

لننتظر توفّر الإمكانات لتقديم نصوص الطاولة على خشبة المسرح وعروضٍ أخرى. وهذا لا يلغي الجهد المبذول في تقديمها الحالي، وإنما يشكّل نوعاً من الإثراء والتنوّع؛ فكثير من القصص قُدّمت في أكثر من شكل، كقصة “ريا وسكينة” التي قُدّمت على المسرح والسينما والتلفزيون، مضيفةً كل مرة الجديد.

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

ينتمي الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي (1934–2016) إلى جيلٍ حمل الفن من ضفاف الشرق إلى قلب أوروبا، دون أن يتخلّى عن جذوره الروحية والإنسانية. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب حياته في برلين، فإن أعماله ظلّت تحمل أثراً واضحاً من طفولته في دمشق، ومن ذاكرته الشرقية التي تشكّلت في بيئةٍ مشبعة بالرموز والتناقضات والانفعالات.

يُعد الراحل من أبرز الوجوه في الفن التشكيلي العربي الحديث، بفضل مكانته العالمية كفنان أقام وأنتج في ألمانيا، وابتكاره لغة فنية خاصة تتسم بعمق التأمل، وتستند إلى الوجه الإنساني بوصفه نافذة إلى النفس وميداناً لصراعاتها الداخلية.

من الكلمة إلى اللون

بدأ مروان حياته متأثراً بالأدب والكتابة؛ كان يكتب القصة القصيرة والمقالة، ويهتم بالفكر والسياسة، قبل أن يتحوّل إلى الرسم بوصفه لغة أكثر صدقاً للتعبير عن مشاعره وأفكاره. درس في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قبل أن يسافر إلى برلين في الخمسينات لاستكمال دراسته في أكاديمية الفنون، وهناك سيبدأ مشروعه الكبير.

في بداياته، تأثر بالمدارس التعبيرية الألمانية، وبالفنانين مثل بول كلي (1879-1940) وأوتو ديكس (1891-1969) وجورج غروز (1893-1959)، لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، مستنداً إلى استنباط شيء فريد من الداخل، بعيداً عن التكرار والتقليد.

لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، متجنباً التكرار، مستنبطاً من الداخل شيئاً فريداً. كان الوجه البشري في نظره أكثر من مجرّد ملامح، فهو ساحة تتحرّك فيها الروح وتتجلّى فيها الهشاشة الإنسانية.

من منتصف الستينات، بدأ برسم الوجوه بطريقة متكررة ومتصاعدة. لم تكن تلك الوجوه واقعية، ولم يكن يسعى إلى تشابهها مع الأشخاص الحقيقيين، إنما تمثيلات داخلية، غالباً بلا أسماء أو هويات، لكنها مشبعة بالألم، بالغربة، بالقلق.

تطوّر الوجه عنده من صورةٍ لملامح بشرية إلى تضاريس داخلية، أشبه بخريطة روحية. أحياناً تتحوّل ملامح الوجه إلى جبال، إلى طيات طينية، إلى خطوط متشققة كأنها جروح أو وديان. هذا التركيب المعقّد جعل من الوجوه أشبه بمواقع للتأمل، لكل منها قصة، أو ربما آلاف القصص.

كثيراً ما يُطلق على هذا الأسلوب اسم “الوجه – الجبل”، وهي صيغة خاصة به، جعلت من وجه الإنسان رمزاً كونياً. هو يجاوز نقل التعبير اللحظي، ويحفر في الباطن، يعمّق التوتر بين الداخل والخارج، بين الجلد وما تحته، وبين الأنا والآخر.

عمل مروان على اللوحة كأنها عملية نحت أو حفر، لا مجرّد رسم. كان يكدّس الطبقات اللونية الواحدة فوق الأخرى، يضيف ثم يحذف، يكشط ثم يعيد البناء، حتى تتحوّل اللوحة إلى مادة عضوية حيّة، لها جلدٌ وعمقٌ ونبض.

كان يستخدم الألوان الترابية: الأحمر القرميدي، البني، الرمادي، الأخضر الداكن، وهي ألوان توحي بالأرض، بالجسد، بالدفء والوحشة في آن. 

كأنها طين يتفسّخ

ما يميّز تجربة الفنان مروان قصاب باشي هو ارتباطها بالذات؛ ذات فردية وإنسانية في آن واحد، تعيش العزلة، الاغتراب، وقلق الهوية. ويمكن قراءة وجوهه بوصفها انعكاسات لحالة الإنسان المعاصر: غارق في داخله، عاجز عن الفهم، يبحث عن الخلاص.

في كثير من أعماله، يبدو الوجه مسجوناً في الإطار، يملأ اللوحة بكثافته، لكنه لا ينظر إلى الخارج، غارق في داخله، كأنه يبحث عن معنى أو يصغي إلى صمتٍ داخليّ لا ينقطع.

هذه النزعة الوجودية، التي تأخذ من التعبيرية الألمانية أدواتها، ومن الشرق حمولته الروحية، جعلت مروان فناناً عالمياً، دون أن يفقد خصوصيته.

في تناوله الوجه البشري كفضاء تعبيري بالغ العمق والثراء، تميّز أسلوب مروان قصاب باشي بخصوصيّة جماليّة شديدة. في لوحاته، التي تبدو وكأنها نصف وجه متآكل أو غارق في ذاته، تعبّر ببلاغة عن التجربة البصرية والروحية التي اشتغل عليها مروان لسنوات طويلة، وهي تجربة لا تبحث عن “ملامح” بمقدار ما تسعى إلى تفكيك الذات وتصوير العزلة والاغتراب والاضطراب الداخلي.

في هذا النمط من أعماله، يبدو الوجه وكأنه يتشكّل ويتلاشى في اللحظة نفسها. تختفي الخطوط الحادة التي تفصل العين عن الأنف أو الفم، ويظهر تداخل عضوي يوحي بأن هذا الوجه ليس قالباً مستقراً، وإنما كتلة تتحرّك وتتفكّك تحت وطأة الزمن أو المشاعر أو الذاكرة.

التعبير الجسدي عن النفس

العين في اللوحة مظلمة، مجوّفة، غائرة، وكأنها أداة للرؤية تتحول إلى موقع لانهيار داخلي. تبتعد عن النظر إلى الخارج، وتسحب الناظر إلى عمقها، إلى فراغٍ روحيّ. وهذا يتوافق مع فلسفة مروان في رسم الوجوه: الوجه لا يراقب العالم، ينزوي في ذاته.

ربما يمكننا القول إن هذه العين هي جسد الروح، المرهقة، التائهة، العالقة في دوّامة لا اسم لها.

لا توجد حدود فاصلة وواضحة في هذه أعماله؛ الخطوط تتلاشى، الألوان تتدفق بحرية، كما لو أن الوجه ليس سوى انفعال أو اهتزاز داخلي. هذا الانمحاء التدريجي للملامح يُشير إلى أن مروان لا يهمّه “من” هذا الوجه، بل ما الذي يشعر به، أو ما الذي يتفتّت فيه.

هنا لا توجد هوية واضحة، ولا اسم، ولا جنس حتى. فقط وجه كونيّ، يصلح لأن يكون أيّ إنسان، وفي الوقت نفسه لا أحد. هذا ما يجعل من لوحات مروان مناطق تأمل أكثر منها بورتريهات.

اللون في لوحاته مادة تعبيريّة بالدرجة الأولى؛ مروان يضع اللون كمن يضع اللحم فوق العظم، هناك شعور بأن الجلد ينساب، يتقطّع، يتحوّل إلى مزيج عضويّ، يشبه الحمم أو الدم أو الطين. هذه المادية القوية في أسلوبه تدفعنا إلى فهم اللوحة كأنها جسدٌ يعاني، لا مجرد وجه يُرسم. 

نزاع بين الداخل والخارج

ما نجده في لوحاته، تجسّد تماماً الفكرة التي طالما دافع عنها مروان، وهي أن الوجه هو مرآة النفس، وليس قالباً جمالياً. نحن لا نرى الشخص، بل حالته. هذا الوجه ليس للعرض أو للتماهي، بل هو رؤية داخلية للانهيار الإنساني، لذا لا نجد أي محاولة للتجميل أو التزيين.

مروان يجرّد الوجه من “الجميل”، ليعيده إلى طبيعته الأولى: كمنطقة نزاع بين الداخل والخارج، بين ما نُخفيه وما يتسرّب إلينا رغماً عنّا.

لوحته تجسّد وجهاً يتحوّل إلى خريطة للألم وبورتريه للغربة عن الذات. مروان يرسم فكرة الإنسان في لحظة وحدته، حين يكون مع صمته وتاريخه وحطام ذاكرته، مجرّداً من ملامح فرد محدّد.

في هذا النوع من الأعمال، يقدّم مروان القصاب باشي فنه كنوعٍ من الاعتراف البصري، كأن كل لوحة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. ولهذا يُعدّ بحق أحد أكثر الفنانين العرب عمقاً واستقلالاً وتجريباً، وفنان الوجوه بامتياز.

تمثّل تجربة مروان قصاب باشي حالة فريدة في الفن العربي الحديث، وربما في الفن العالمي كله. لقد حوّل الوجه من كيان خارجي إلى حقل تأمّل داخلي، وارتقى بالرسم من مجرّد تمثيل للواقع إلى فعلٍ روحيّ يحفر في النفس. فنه مُكرّس للكشف والمساءلة والغوص في المجهول، غايته تتجاوز التزيين. 

لقد صمتت يد مروان قبل حوالي عقدٍ من الزمن، لكن وجوهه ما زالت تنظر إلينا من داخل اللوحات، تنظر ولا تتكلّم، لكنها تقول كلّ شيء.

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.

تجربة فعلية  

تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.

تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.  

 يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.  

تأملات في اللحظة العادية

يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.

الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه. 

هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.

تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة. 

نضارة اللاشكل 

ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.

يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.

سجل حياة

الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه.  القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها. 

لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.

إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”. 

من أدب السجون السوري: رسائل عدنان المالكي 

من أدب السجون السوري: رسائل عدنان المالكي 

ينتمي كتاب “عدنان المالكي.. رسائل من السجن”، الصادر أخيراً، عن “محترف أوكسجين للنشر” في مقاطعة أونتاريو بكندا، إلى “أدب السجون السوري”، وهو الأول من سلسلة “أرشيف أوكسجين” التي أطلقها المحترف لتعنى بالذاكرة، وتناهض النسيان والتغييب والإخفاء، متّخذةً من الأرشيف منطلقاً نحو اختبار التواريخ والوقائع والذكريات، وفق إملاءات الحاضر والمستقبل، وربما جراء الحنين. بحسب الناشر.

الكتاب الذي نستعرضه هنا، صدرت طبعة أولى يتيمة منه في عام 1960، ويُعدّ بمثابة وثيقة استثنائية متّصلة برسائل كتبها العقيد السوري الشهيد عدنان المالكي (1919-1955) أثناء اعتقاله إبّان حكم الرئيس أديب الشيشكلي (1909-1964) لسورية، بعد اتّهامه بمحاولة قيادة حركة تمرّد للانقلاب على الشيشكلي الذي حكم سورية في الفترة ما بين عامي 1953 و1954.

تضيء رسائل المالكي على ملامح من هذه الشخصية المفصلية في تاريخ سورية المعاصر، وقد كتبها العقيد الشهيد أثناء اعتقاله في “سجن المزة” العسكري اعتباراً من 6 نيسان/ابريل 1953، كما يرد في الرسالة الأولى من هذا الكتاب، بينما خلت الرسائل الأخرى من تواريخ كتابتها وقد استمرّ اعتقال صاحبها مدّة سبعة أشهر، وحين اُطلق سراحه اُحيل إلى التقاعد، وليعود إلى مهامه بعد تنحي الرئيس أديب الشيشكلي عن الحكم في 25 شباط/ فبراير 1954.

تشكّل رسائل المالكي مصدراً أولياً نادراً يسلّط الضوء على فترة حرجة من تاريخ سورية السياسي. وهي توثّق جوانب إنسانية وسياسية قلّما نجدها في السرديات الرسمية. كما تتيح للباحثين الاطّلاع على مواقف وتفاصيل من داخل تجربة الاعتقال قبل هيمنة حزب البعث. وهي على حدِّ تعبير الناشر “قطعة من التاريخ، من الحنين إلى الآمال العريضة والمترامية”.

كتب المالكي مجموعة هذه الرسائل مادّة الكتاب إلى والدته أثناء فترة اعتقاله، ساعياً في ملمح من ملامحها إلى طمأنتها عليه وعلى شقيقه رياض (شريكه في تجربة السجن) رغم تعرّض هذا الأخير لتعذيب وحشي، إذ يقول في الرسالة السادسة: “قبلاتي الوافرة لأياديك الطاهرة ولأيادي سيدي الوالد المعظم ولوجنات الأشقاء مقرونة بالإعجاب المستديم بمثاليتكم النادرة وبجرأتكم وإيمانكم مما يجعلنا دائماً أقوياء في أعمالنا وتصاريحنا مخلصين للوطن التعيس الذي هو بأشدّ الحاجة لعائلات مثلكم تغذي أبناءها الروح السامية لرفع شأنه. وأما بعد فإنني أوجه إليكم عتاباً صغيراً كما ألوم نفسي في نفس الوقت، وأعاتبكم لأنكم شغلتُم بالَكُم على الحبيب رياض بينما أكدت لكم بأنه بتمام الصحة وبأن مرحه يدهشني حيث لم أكن أعرفه مرحاً لهذه الغاية وإذا كان لم يرسل لكم كتابه فلا شك لأنه لم يكن يفكر بأنكم أصبحتم طماعين. والحق عليّ لأنني أصبحت أكتب إليكم أكثر من كتاب في الأسبوع الواحد ولذلك ضاربت على رياض. وعلى كلٍّ إنني لست نادماً على ذلك فسأتابع تحاريري كلما سنحت الفرصة مهما كثُر عددُها ولكن إياكم أن تشغلوا بالكم إذا تأخر أحدنا عن ذلك، وأقسم لك بأن رياض يتمتع بصحة جيدة جداً وأنني أسمع ضحكاته ونوادره طيلة النهار وربك حميد أن مدير السجن المعروف بغلاظته أظهر له العطف من أول يوم من دخوله السجن وهما متفاهمان تماماً وهو غير حردان وغير منرفز مطلقاً والرقابة طبيعية ولا يهمه شيء سوى خدمة الوطن وراحتكم، وأقسم لكم بأن كل شكوككم في غير محلها تماماً. لقد أعجبتني الكلمة المأثورة التي قرأتموها في جريدة “الزمان” وهي الحقيقة بعينها، وإذا كنا نضحك دائماً وغير مهتمين بالسجن فلإيماننا القوي بأن المستقبل لنا ومن زرع يحصد وإليكم هذا البيت من الشعر:

تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا       وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ

  • ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا

بالنظر إلى فحوى رسائل العقيد الشهيد عدنان المالكي، يمكننا القول: إنها درس في الصمود والنقاء؛ فهو يقول في واحدة منها “لا يمكننا التنازل عن مبادئنا ولو أعطونا رتب الدنيا ومال العالم كله”.

 كما أنه يمكن وصف هذه الرسائل، بأنها ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا، وهي بالضرورة ستقود القرّاء إلى عالم العقيد المالكي ما بعد إطلاق سراحه.

وضع ناشر الكتاب، الكاتب والروائي السوري زياد عبد الله، مقدّمة مطولة عمل فيها على استقصاء عوالم المالكي وملابسات اغتياله حين أطلق عليه جنديٌّ سوري الرصاص بينما كان يرعى مباراة في كرة القدم في دمشق بين فريق الجيش السوري وخفر السواحل اللبناني، وكان حينها معاوناً لرئيس الأركان العامة، والمنعطف الذي شكّله هذا الاغتيال في تاريخ سورية. كذلك صاغ بالتواريخ والوقائع اعتماداً على العديد من المراجع، والمذكرات والشهادات والصور الفوتوغرافية المتّصلة بالمالكي واغتياله، ما له أن يكون سرداً شديد التوثيق تارة، وسرداً متخيلاً لوقائع حقيقية تارة أخرى، كما لو أننا حيال فيلم وثائقي عن العقيد المغدور.

صياغة مقدّمة الكتاب جاءت مختلفة عن السائد بحمولتها “سرداً متخيلاً لوقائع حقيقية”، عبر إعادة سرد اليومين الأخيرين (21–22 ابريل/ نيسان 1955) من حياة المالكي بأسلوب سردي شديد التوثيق، ولتغوص بعدئذٍ عميقاً في شخصيته ومشروعه في إبعاد الجيش السوري عن الحزبية والتبعية السياسية، ثم في تناول تبعات اغتياله، إلى أن تُختم بالبحث في أسباب اعتقال المالكي (سبب هذه الرسائل) وفق روايتَي شقيق المحامي رياض المالكي والصحافي البريطاني باتريك سيل.

يذكر المحامي رياض المالكي (شقيق العقيد وشريكه في تجربة السجن)، بخصوص ملابسات تناقل تلك الرسائل وتسريبها من “سجن المزة”، أن عدنان “كان الضابط الركن المجاز، بحكم الشعبية التي له في أوساط العسكريين، والتي استطاع الحصول عليها بسرعة في أوساط السجانين أيضاً، قد توصل إلى تنظيم شبكة للمراسلة بين معظم المعتقلين داخل السجن. وامتدّ نشاط الشبكة إلى خارج السجن حيث كانت الرسائل تأخذ طريقها إلى ذويه، ومنهم إليه وإلى أخيه”. يضيف رياض: “وقد أفاد بعض المعتقلين من هذه الوسيلة وتمكّنوا بواسطتها من إيصال الرسائل الى أسرهم، حتى ولو كانت تقطن بعيداً عن العاصمة وفي أقصى الشمال. وكان أهل الضابط وأخيه يوافونهما بأخبار البلاد وأحوالها السياسية، ويرسلون لهما أحياناً بعض المنشورات الموزعة في أوساط الجماهير وفي صفوف طلاب الجامعة، والتي يجدر بمن يودّ الإحاطة بأحوال البلد، في تلك الحقبة المظلمة القاسية، الرجوع إليها واستخلاص العبرة منها والتأمّل في تبدل المفاهيم، وتقلب بعض البشر، وحتى العقائديين منهم”.

  • تفاصيل وملابسات اغتيال العقيد.. سرد متخيل

نقتطف من مقدّمة الكتاب، سرد عبد الله المتخيل عن يوم 22 نيسان 1955، الذي وقعت فيه حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، والتي ورد فيها:

  • دمشق – الجمعة 22 نيسان 1955

العقيد جالس على كنبته المعتادة، يرتشف قهوته الصباحية. لا أحد في البيت، لقد مضى الجميع وكـذلك فعل أخوه المحامي ووالداه إلى “الحمّة”. يتردّد في قراءةِ الملف المرسل من سويسرا، فهو يشعر بانقباضٍ شديدٍ، ولا بدّ أن قراءته ستزيد انقباضَه. يضعُه جانباً.

كأنّ فؤادي في مخالبِ طائرٍ   إذا ذُكرت ليلى يشدّ به قبضاً

يخرج عليه هذا البيت لمجنون ليلى، فيتّصل بخطيبته.

تمتدّ المكالمة بينهما زمناً طويلاً. وعَدَها بأنه سيأخذ إجازةً في بحرِ الأسبوع ويقصد صيدا، وسيرتِّبان كلّ شيء متعلّق بالزفاف.

تنتهي المكالمة ولا يفارقه الانقباض.

يستمع إلى الراديو. يقرأ الملف. يكتب ملاحظات ويتوصّل إلى إجراءاتٍ وخطواتٍ شديدة الدقة سيتبعها بدءاً من الغد.

ينصت إلى نشرةِ الأخبار، وما إن تنتهي حتى يصدح المذياع بأغنيةِ زكية حمدان. تأخذه الأغنية بعيداً، يطرب لها، تحرِّرهُ من الانقباض، ويردِّدها وهو يحلق ذقنَه ويُجهِّز نفسَه للتوجه إلى الملعبِ البلدي.

يعاوده الانقباض: “أرى سلمى بلا ذنب جفتني… وكانت أمسِ من بعضي ومنّي…” يكتفي بمطلع الأغنية. تعاوده ذكرياتٌ كثيرة، من طفولته، تعيده إلى “الشاغور” وبيت أهله القديم، “سأزوره بعد المباراة”.

يصل الملعب. يترجل من سيارته شارداً، لا يرى الجنودَ بل يسمع خبطاتِ أقدامهم وهم يؤدّون له التحية بعد أن يتجاوزهم، فيعود إليهم ويُبادِلهم التحية.

يصعد درجاتِ المنصة، تلتقي عيناه بعينَي رقيبٍ بالشرطة العسكرية من حرّاس المنصة، يجد فيهما شيئاً مقلقاً، يزيد من انقباضه لدرجة الغثيان، يقول الرقيبُ بصوتٍ مرتجفٍ مؤدّياً التحية:

– احترامي سيّدي.

يتوجه نحوه المقدّم عبد الهادي معانقاً، وما إن يخرج من بين ذراعي المقدّم حتى يعانقه العقيدُ جمال، فيسترد نفسه المرِحة، ويفارقه الانقباضُ برؤيةِ صديقيه وقد مرّ زمنٌ طويلٌ لم يرهما، يقول:

– هلا هلا بقادة اللواء السادس…

تعلو ضحكاتُ العقيد، وهو يصافح هذا ويعانق ذاك، ويتعرّف على اللواء قائدِ مصلحةِ خفر السواحل المصرية، ثم يأتي قائدُ الأركان والسفير المصري، يشكره هذا الأخير على قدومِه.

يأخذ العقيدُ مكانه في مقعدٍ يتوسّط الصف الثالث والأخير في المنصة. يُعزف النشيدان السوري والمصري، وفي تمامِ الرابعة تبدأ المباراة.

ما هي إلا دقائق وأثناء هجمةٍ لفريق خفر السواحل على الفريق السوري، وأعين الجميعِ تتابعها، يُسمع دويُّ طلقين ناريين. ينبطح جميعُ مَن في المنصة أرضاً، وحين يحاول البعضُ النهوضَ، يُدوِّي طلقٌ ثالث.

يسود صمتٌ ممض، ومن ثم يعلو الصراخ، ويُرى العقيدُ مترنحاً على مقعده، مضرّجاً بدمائه، وخلفه رقيبُ الشرطة العسكرية مضمّخاً بدم العقيد، هنيهاتٌ ويلقى الرقيب مصرعه.

هنا، ينتهي سرد عبد الله المتخيل، وفي تعليق له على هذه الحادثة يلفت الكاتب والناشر السوري، إلى أنه “تتعدّد الروايات بخصوص الرقيب في الشرطة العسكرية يونس عبد الرحيم الذي اغتال العقيد عدنان المالكي، “منها ما يقول: إنه قتل على الفور من عناصر الحماية الأخرى المتواجدة في المنصّة، ومنها ما يقول: إنه انتحر”.

  • المالكي.. سيرة ضابط قُتل مرتين

في الفترة التي أعقبت سقوط النظام البائد وهروب بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تبع ذلك من حالة انفلات أمني مؤقّتة شهدتها العاصمة دمشق، تداول السوريون على منصات التواصل الاجتماعي خبر استهداف تمثال عدنان المالكي بالرصاص وتخريب متحفه القريب في حيّ المالكي وسرقة محتوياته، وقد لقي خبر إصابة التمثال بعدد من الطلقات النارية التي طاولت عينيه ووجهه، فشوّهت معالمهما، كما أحدثت ثقوباً متعدّدة في قبعته وصدره استنكاراً واسعاً من أوساط سوريّة عامة، لكنّ الجيل الشاب من أبناء سورية الجديدة راح يتساءل من هو عدنان المالكي، صاحب التمثال والمتحف؟

وُلد الضابط السوري عدنان شمس الدين المالكي عام 1919، في حيّ الشاغور بدمشق، من عائلة كبيرة تعود أصولها إلى الحجاز. والده شمس الدين كان تاجراً معروفاً وأحد ممولي الكتلة الوطنية في زمن الانتداب الفرنسي، بينما جده الأكبر، يوسف، كان مفتي المذهب المالكي بدمشق في القرن الثامن عشر. نشأ المالكي في بيئة غنية بالتراث الديني والثقافي، ما شكَل جزءاً كبيراً من شخصيته وتوجهاته المستقبلية.

عقب تخرجه من الكلية العسكرية في حمص عام 1939، برتبة مرشح ضابط، التحق المالكي بـ “جيش الشرق” الفرنسي وخدم في قطاعات مختلفة. وعُيّن مدرباً في الكلية الحربية، فأظهر قدرات تدريبية عالية ونشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه، الأمر الذي أثار قلق القادة الفرنسيين، فوضعوه تحت الرقابة الشديدة، إلا أن حماسه الوطني لم يهدأ بل زاد. كان يذكّر الجنود دوماً أن الجيش للوطن، مما أكسبه احترام وتقدير زملائه ومرؤوسيه.

في عام 1945، انشق المالكي عن “جيش الشرق” تلبية لدعوة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، أثناء العدوان الفرنسي على العاصمة السورية. حكمت عليه السلطات الفرنسية بالإعدام، لكنه ظلّ متوارياً عن الأنظار حتى صدور العفو عنه.

بعد ذلك، انضم إلى الجيش السوري عند تأسيسه في 1 آب/أغسطس 1945، وساهم في وضع الأنظمة العسكرية وتعريبها، ليكون أحد المؤسّسين الحقيقيين للجيش العربي السوري، وبدأ مسيرته نحو المجد العسكري، ليصبح واحداً من أبرز الضباط في تاريخ سورية الحديث، وأحد الأركان الأساسية في بناء المؤسّسة العسكرية السورية الحديثة.

شارك المالكي في حرب فلسطين الأولى عام 1948 كقائد لسرية مشاة، حيث أظهر شجاعة استثنائية وقيادة حكيمة، حيث قاد السرية في معركة حاسمة ضدّ العصابات الصهيونية، ونجح في احتلال تل مشرف على مستوطنة “مشمار هايردن” اليهودية على الطريق الذي يربط مدينة صفد الفلسطينية بدمشق غربي جسر بنات يعقوب. وقد جاء هذا الإنجاز رغم إصابته بجروح بليغة في رأسه، فتم نقله إلى المستشفى للعلاج، ولكن بمجرد تعافيه عاد إلى ساحة المعركة ليواصل الدفاع عن وطنه، مما أظهر مدى تصميمه وشجاعته في الميدان. 

عُيّن المالكي لاحقاً قائداً للفوج الثامن، وهو فوج حديث التشكيل والتدريب، وقاد هذا الفوج في الدفاع عن الجبهة اللبنانية. كان له دور كبير في فك الحصار عن الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، حيث ساهم في توفير الدعم العسكري واللوجستي الذي كان ضرورياً لفك هذا الحصار. وبفضل قيادته الحازمة وشجاعته، تمكن الفوج الثامن من التصدّي للهجمات الصهيونية وتحقيق الانتصارات في عدّة معارك.

نال المالكي تقديراً كبيراً عن دوره البطولي في حرب فلسطين، وحصل على العديد من الأوسمة منها وسام الاستحقاق السوري ووسام الإخلاص ووسام جرحى الحرب والوسام الحربي.

كما منحه الرئيس اللبناني بشارة الخوري وسام الاستحقاق اللبناني، تقديراً لدوره في الدفاع عن الجبهة اللبنانية وتعزيز العلاقات السورية اللبنانية.

وبحسب مراقبين سوريين، فإن حادثة اغتيال العقيد السوري المغدور الشهيد عدنان المالكي، الذي كان مأمولاً له، فيما لو لم تنل منه الرصاصات التي أتته غدراً، أن يلعب دوراً محورياً في تاريخ سورية الحديث، تبقى قضية من القضايا المثيرة في تاريخ سورية، فهذه الحادثة التي مرّت ذكراها الـ 70 قبل فترة وجيزة (22 نيسان 1955) لطالما اعتُبرت مفصلية لجهة سيطرة الجيش على الحياة العامة في سورية التي كانت قد خرجت قبل عام واحد فقط من عهد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، والصراع بين القوتين السياسيتين الناهضتين آنذاك: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، حول التحكّم في الأجهزة. وقد أدّى اتّهام الأول بتهمة التخطيط وتنفيذ العملية إلى تدميره بشكل كامل واستبعاده من المشهد السوري لعقود لاحقة. فيما بدأ حكم البعث الذي جثم على صدور السوريين ومارس بحقهم أشدّ أنواع التعذيب والعنف والتنكيل والقتل حتى إسقاطه في تشرين الأول/ ديسمبر 2024.