بواسطة باسم أحمد القاسم | سبتمبر 25, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
لعلّه النطاقُ الأكثرُ حيويّةً والأصعبُ اختباراً لفنّ كتابة السيرة الذاتيّة بنسختها المعاصرة ذاك الذي يختارهُ المؤلّف كإجابةٍ فرديّة استثنائية عن سؤال المصير الجماعيّ، وتحديداً عبر كسره تقليديّة النمط” أدبيّاً” وهو يعيد إنتاج سرديّتنا المنهارة، كأفراد، في مسافة تفكيرنا بين ما ينبغي أن يفعله الوطن لأجلك وما قد يفعله بكَ. وتفنيداً لأدبيّات المغاير والمختلف، الواجب توفّرها للخوض في هذا السياق الجريء على توقّعاتنا الجماليّة ، نضع هامشاً من النقد الاجرائيّ على متن كتاب ” بلادٌ لا تشبه الأحلام” عن دار نوفل/ هاشيت أنطون، بيروت 2025، في السيرة الذاتيّة للشاعر والكاتب السوريّ بشير البكر، حيثُ يفتح الباب واسعاً أمام ما يزيد عن أربعين عاماً من حلّه وترحاله الاختياريّ تارةً، والقهريّ تارةً أخرى، لتمارسَ الكتابةُ عن الحقيقة والنسيان طقساً سيريّاً أراد له أن يكون مائزاً في تعامله مع حمولة الذاكرة الفرديّة، فيقدّم إضافة مهمّة لذائقة القارئ حين يمنح أجواَء التلقّي بعداً جماليّاً لا يعتمد هذه المرّة على حدثيّة السيرة الذاتيّة ودراماتيكيّة التشويق في ذاكرة التجربة الشخصيّة وحسب، بل على دور تقنيات الكتابة في تأجيج شغف القارئ بالفكرة التي يقوم عليها العمل بالأساس، ((فراغٌ واسع عليّ أن أملأه كلما ابتعدت المسافةُ كثُر الفراغ، تمدّد مثل ظلّ طويل لا نهاية له، أسير كمن يمشي باتجاه واحد، وراء ظلّ يبدأ من نقطة في قرى البعيد، نحو قارات ملونة بالأوهام، فرحاً بالمطر وبهجة الشمس))، ولكنّ محاولة تأثيث هذا الفراغ يهيمن على مجرياتها وعي المؤلّف لحقيقة أنّنا، عندما نكتب عن الذاكرة، نحن لا نلتقط الماضي، بل نخلق فجوة بين ما كان وما نقول إنه كان*، فمن المصافحة الأولى مع القارئ يثبّتُ الكاتبُ مكاشفةً مبكرةً لجهة تغيير نظرتنا عن علاقة الحدث بالذاكرة حين يرضخان لاعتبارات ما بعد الحداثة في أنّ السيرة الذاتيّة ليست نقلاً للحقيقة بل فعلاً إبداعيّاً يعترف بفشله مسبقاً، ((لا شيء مما ورائي يشغلني سوى المكان الفارغ الذي تركته؛ الكرسيّ، الطاولة السرير البيت القرية، المدينة. تلك المساحات الصغيرة والكبيرة تشعل بي أرقاً، وتطرح عليّ أسئلة لا أجوبة لها حتى في لحظات التداعي العميق!))
إنّ أنساقاً من الشفافيّة الداخليّة في صفحة ” المبتدأ” أراد الكاتب تثبيتها كميثاق مرجعيّ يوقّعه مع القارئ بما يتعلّق بثنائيّة (الصادق والحقيقيّ) وهي المرتكز الذي تقوم عليه نمطيّاً ثقة القارئ بالموضوعيّة المفترضة في كتب السير الذاتيّة، إلّا أنّ هذه الأنساق توقّع هذا الميثاق على أنّه تأويلٌ لجوهر هذه الثنائيّة وليس كإقرارٍ بفهمنا التقليديّ لها، هذا التأويل قد يبدو الكتابُ بمجمله بنيةً ومحتوىً تجلٍّ من تجلّياته وكأنّ البكر استدعى الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار ليطلّ معه على الجمهور من شرفة ذاكرته الحافلة بشظايا الهويّة والذات في غزارةٍ من تنوّع التواريخ والأمكنة، ملوّحاً بأنّه ” ليس هناك ذكرى نقية، كل ما لدينا هو أرشيف من التشوهات التي تنتجها اللغة ” وبأنّ ” الماضي لا يُستعاد، بل يُعاد اختراعه كلّ مرة نرويه فيها” ((صحيح أنّي أمضيت نهارات وليالي كثيرة عند ضفّة النهر، ولكنّ ضوء القمر والنزهات في القوارب، وأشجار الصفصاف على الضفاف عبارة عن إضافات، تستدعيها اللوحة التي أريد رسمها عن تلك البلاد المفقودة التي صارت هباء، هي لا تُشبه الأحلام، أنا من أراد ذلك، وأصرّ عليه، بعد أن صدّقتُ بأن ذلك هو السبيل لطرد الكوابيس))،
هذا النزوع الليوتاريّ تقابله من جهة البنية السرديّة للكتاب لياقةٌ تأليفيّة عاليةُ الأداء في ثمانية وعشرين فصلاً تُحيل العمل بأكمله إلى كون البكر لا يعيد من خلاله إنتاج ذاته عبر الذاكرة وماضي تجربته الشخصيّة ويقدّمه للقارئ كنصّ مرجعيّ وحسب، بل يعرض له أيضاً سلوكاً في التذكّر، مقدّماً تأثيره في القارئ على الذاكرة نفسها، ويمكننا أن نُجْمل طبيعةَ هذا السلوك في الملامح التالية:
– في كلّ فصلٍ من السيرة ثمّة تراتبيّة زمنيّة في التسريد تعتمد على حقيقة أنّ الحدث قد يطفو في الذاكرة خارج تسلسله، كجزرٍ صوتية مبعثرة، وعلى سبيل الإبانة نأخذ فصل ” اليزيديّ” الذي يفتتحه بمشهديّات ريعان الطفولة ومجرياتٍ من حميميّة النشأة في مسقط رأسه محافظة الحسكة السوريّة ((مسرعةً في اتجاه جبل سنجار بقيتُ أتبعها بنظري وهي تتجه شرقاً حتّى اختفت وراء خط الأفق، وصارت غيمةً بيضاء، جالسةً فوق قمة الجبل في هيئة حمامة تنظر باتجاهي من بعيد)) ثمّ يكسر خطيّةَ السرد وأجواءَهُ هامشٌ بعنوان، بحر مرمرة ، يختطفنا بها القصّ إلى ” محمّد برّو” الناجي من سجن تدمر الصحراوي ثم زنازين صيدنايا قبل أن يفرّ من قصف البراميل المتفجّرة على مدينته حلب ليستقرّ طافياً في ملوحة بحر مرمرة الخفيفة، ثم نقلة جديدة مع فاصلة: مطر، بموجة نوستالجيا رعويّة الأصول، ليختتم الفصل بهامش: صور بالأبيض والأسود ((حديث الذكريات يمر سيّالاً، ولا يترك من الماضي أكثر من تفاصيل متقطّعة مشوشة وعابرة، بينما يجعلني رصف الصور بعضها إلى جانب بعض، أعمل على صناعة إطار خاص لها، وأتخيل سيرة فتصبح لها حياة جديدة، غير حياتها التي بقيت هناك بعيدًا عني)).
هكذا تؤثّث الفواصل والهوامش كلّ فصلٍ من فصول الكتاب دون مراعاة الخطيّة الزمنيّة والترابط المنطقيّ في استرجاع حدثيّة الأمكنة والتواريخ (الميلاد → النضج → الإنجازات)، فالسيرة عند البكر تتكون من شظايا ذكريات، تناقضات، لحظات غير مترابطة، ولأنّ التذكّر في لحظة التداعي السيريّ الفعليّة تجربةٌ تجزئ الزمن ولا تُختزل في حبكة متماسكة، أراد أن يكون حقيقيّاً أمام القارئ، لتبدو السيرة فسيفساءَ من تداخل الوقائع وتبعثر فصولها بين الماضي والحاضر ولحظة الكتابة نفسها، وتقوم بنيتها على نقلات شذريّة تعكس جماليّةً تأليفيّة مفارقة للتقليديّ تحوّل القارئ إلى شريكٍ ينظر إلى السيرة نظرةً تأويليّة، وهذه خطوة جريئة على ما يمكن أن يتوقّعه قرّاء السير الذاتيّة، وربّما تكون قد اضطرت الكاتبَ ليضيف صفة روائيّة بعد عبارة “سيرة ذاتيّة” إرضاءً للمصنّفين، ولكن تحت مظلة أدب ما بعد الحداثة واعتباراته حول كتابة السير الذاتيّة لن يتبقّى هناك حاجة لإضافة تلك الصفة، حيث أنها مسلّمة من مسلمات هذا الفنّ.
– ثمّة خيارٌ لغويّ اعتمده الكاتب في ممارسة التذكّر كسلوكٍ يكرّس مقولة يُجمع عليها منظرو فنّ كتابة السيرة الذاتية وهي ” الصدق المستحيل”، هذا الخيار تجلّى بارتفاع منسوب الأداء الاستعاري للغة وربّما أكّدته أحد تصريحات المؤلّف حول الكتاب بقوله ” كتبتُه بلغتي كشاعر”، ولعل بعض الآراء التقليديّة تجنح إلى اعتبار انّ هذا الخيار يحوّل الكتاب إلى نصوص من البوح الشاعريّ، إلّا أنّ المنطق النقديّ ما بعد الحداثيّ ينسف هذه الآراء مؤكّداً على أنّ، الاستخدام الكثيف للغة الاستعاريّة هو ضرورةٌ ليس كزخرفةٍ وإنّما للدلالة على عدم كفاية اللغة الحرفيّة و حقيقة عجزها عن نقل التجربة المباشرة دون الانزياح،* (( دخلتُ بيروتَ وتركتها على مطر يغسل المدينة، يتفرّع في دروب صغيرة نحو البحر، ليس هذا مصادفة بلا رجع بعيد، المطر في كل الأوقات قرين حياتي، تعلقت به منذ الطفولة، وصار مثل موسيقى داخلية، تأخذ طعم اللحظة، فرح حزن نشوة مرارة، وفي جميع الحالات إيحاء الغيب الحافل بالغموض والوعد، مطر ومظلات، وأنا أبحث بين الوجوه، أتهجى الملامح، أتابع الخطى، أمشي خلف زمن يتقاطع بأزمنة أخرى ))، ومن نافلة القول أنّ السيرة الذاتيّة سردٌ للماضي إلّا أنّه يتمّ بلغة الحاضر وشروطه الثقافيّة مما يجعل مصداقيّته مطلباً مستحيلاً،ويسعفنا هنا فيليب لوغان صاحب الميثاق السير ذاتي بعبارته الشهيرة “السيرة الذاتية هي الكذبة الأصدق التي نرويها عن أنفسنا” وعليه فإنّ اعتماد هذا الخيار اللغوي ينظرُ إليه من باب أنّ الاستعارة هنا أقلّ خيانة من الادعاء بموضوعيّة الحقيقة، وهو الخيار الأمثل لنردم الفجوة بين ما عشناه وما نعبّر عنه من الذاكرة.
– إنّ انتقائيّةً مخصوصة تُمارس على أرشيف الذاكرة يبدو من خلالها سلوك بشير البكر في التذكر وكأنّه عمليّةُ تفخيخ لعلاقتنا بالسرديّات الكبرى ويقينيّاتها التي رُوّج لها في المنطقة العربيّة منذ ستينيات القرن المنصرم إلى اليوم، الناصريون، الشيوعيون، البعثيون، اليساريون العرب، الإسلاميون، المثقّفون العضويون جميع أولئك لهم متكأٌ واسعٌ عبر مسارات التذكّر والقصّ الحدثي في بلاد لاتشبه الأحلام، وكذلك الشعراء والأدباء و الفنانون، إلّا أنّ المؤلّف ينتقي من يوميّاته معهم داخل سورية وفي المغتربات والمنافي، تفاصيل هامشيّة وحكايات صغيرة منمنمة معبّأة بالحمولة العاطفيّة الإنسانيّة، مشاعر، ذكريات، وتفاصيل يومية تافهة ومقدسة في نفس الوقت،(( في نهاية كلّ سهرة كان علينا أن نوصله إلى المنزل، ونلعب معه اللعبة التي يمارسها كل ليلة، حيث يرتدي كفناً أبيض ويطلب من الحاضرين تأبينَه ، يموت أسامة عاشور في آخر الليل، ويصحو في أول النهار، يعيش مثل إله أسطوري قديم))، وبذلك يحطّم عند القارئ إطار السرديّة الكبرى الذي زجّتهم فيه سلطة الثقافة والمعرفة، مقترِحاً الجديد عبر سرديّات منمنمة ومخصوصة، غير مبالٍ بمحلّيتها وهامشيّتها أو محدوديّة الإدراك العمومي لتفاصيلها، يتتبع فيها الجسديّ والنفسيّ والحسيّ والغرائزيّ، وكأنّه يؤرشف روح الذاكرة بعد أن تفارق جسد التواريخ والأمكنة وهي تقاومُ قدراً حتميّاً أليماً اسمه النسيان، وهذا مالم تكن لتغفل عنه فلسفة ما بعد الحداثة فأصرّت على أنّ التسيير الذاتي ليست سرداً للماضي وحسب بل محاولة لالتقاط اللامعبّر عنهُ.
ختاماً:
لبشير البكر الكاتب والشاعر السوريّ، أن يضع بين يديّ القارئ العربيّ منجماً سيريّاً ثميناً بمحتواه الحدثيّ سوريّاً وعربيّاً، مستفزّاً القارئ بعمق وغزارة وعيه الذاتيّ الفرديّ بمعضلةٍ جماعيّةٍ اسمها ” الوطن ” عبر ذواكر تجربةٍ شخصيّةٍ حافلة بالترحال، ولنا بالمقابل ّأن نضعَ كتابه” بلادٌ لا تشبه الأحلام ” وديعةً في أرصدة أدب مابعد الحداثة ، ونرى في البنية والأسلوب تجسيداً استثنائيّاً لإحدى مقولاته ” الذاكرة مثل شاطئ، كلّ موجة تأتي تغيّر شكل الرمال، وتترك وراءها أثراً مختلفاً عما سبق”*، وكلّ ما يتبقّى للكاتب هو أن يكون حقيقيّاً مع هذه الفكرة ويجسدها للقارئ سلوكاً في التذكّر، حينها تكون كتابة السيرة الذاتيّة إبداعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1-* عن فيلسوف مابعد الحداثة الفرنسي فرانسوا ليوتار ” مقابلة
2-* كتاب الاختلاف ” فرانسوا ليوتار” / 3-* كتاب المتحوّلون من الإنسان ” فرانسوا ليوتار
بواسطة علي محمد إسبر | أغسطس 27, 2025 | Culture, بالعربية, مقالات
استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.
انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).
لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.
وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.
كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.
لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.
بواسطة علي جازو | أغسطس 25, 2025 | Culture, Poetry, Reviews, بالعربية, مقالات
القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”
يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.
في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.
القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.
قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.
الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | أغسطس 21, 2025 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.
أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي.
خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية:
ظهور المجموعات الشعرية
يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد.
أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:
تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.
تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.
لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات.
تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:
يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان.
ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”.
تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.
يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.
تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:
يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.
تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”.
يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.
استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.
أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ:
يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.
المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه.
موصلات أخرى للشعر:
يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.
ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.
كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.
ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي.
الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”
بواسطة أوس يعقوب | أغسطس 10, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018.
في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.
- ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد
بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.
قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.
استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.
في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار.
في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.
- إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية
جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها.
ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.
خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”
يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.
مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”.
تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.
- طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا
بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.
تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.
ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.
تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.
تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.
يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.
يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.
وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن.
وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.
- عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض
كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.
اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.
يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.
وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.
في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.
مؤلّفة الكتاب في سطور:
“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.
حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.
في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.
بواسطة علي محمد إسبر | أغسطس 8, 2025 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
يرد اسمه باليونانية: Δαμάσκιος أو Damascius وفق الترجمة الإنكليزيّة عن اليونانيّة أو الدِّمشقي بالعربيّة. ولد عام 462 م في دمشق لعائلة عريقة، ويمكن أنَّ يكون والده أسماه الدِّمشقي حُبًّا بمدينة دمشق، لكن يُرجَّح أن يكون اسمه لقب أُطلق عليه لأنَّه دِمَشقي المولد، ورغم انتشار الدِّيانة المسيحيّة في سوريا قبل أمد طويل من ولادة الدِّمشقي وخضوع دمشق في حياته لحكم الإمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة، إلا أنَّه لم يعتنق المسيحيّة، إذ يبدو أنَّ أبويه لم يكونا مسيحيين، وقد أرسلا ابنهما مع أحد أشقائه إلى الإسكندريّة للدِّراسة وهذا الاهتمام من قِبَلِ هذه الأسرة بتعليم أبنائها دليل على عراقتها.
درس الدِّمشقي البلاغة في الإسكندرية في مدرسة حورابولو الذي كان يُلقَّب بـ “مُدَمِّر الأرواح” لأنَّه كان يدفع طلابه إلى اعتناق الهلينيّة بدلًا من المسيحيّة. وحورابولو (اسم مجموع من حورس وأبولو) أحد آخر الكهنة المصريين الكبار، وكانت مدرسته تضمّ أشهر البُلغاء والخطباء والفلاسفة في الإسكندرية الذين كانوا يدرِّسون جمهورًا مختلطًا من غير المسيحيين والمسيحيين.
تعرَّف الدِّمشقي في مدرسة حورابولو على فلاسفة مرموقين مثل إيزيدور الفيلسوف اللامع الذي ألَّف الدِّمشقي نفسه كتابًا عن حياته بعنوان “التَّاريخ الفلسفيّ” ومثل أمونيوس وهو فيلسوف مثير للجدل، لكن اللافت أنَّ أم أمونيوس هذا أيديسيا، كانت سيدةٌ من الطبقة الراقية، وتوصف بأنها من “أجمل وأنبل نساء الإسكندرية”، كما كانت أرملة الفيلسوف هرمياس واختير الدِّمشقي بعد وصوله إلى الإسكندرية بأمد قصير لإلقاء خطبة جنازة أيديسيا، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي حظي بها بسرعة في تلك المدرسة التي ضمت نخبة مثقفي ذلك العصر.
شُنَّت حملة شعواء على المدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة أدت إلى إغلاقها ومن بينها مدرسة حورابولو حيثُ اعتُقل حورابولو نفسه عام 489 م وتمَّ التضييق عليه لإغلاق مدرسته وللتراجع عن أفكاره، ولذلك لم تعدْ الإسكندريّة مكانًا صالحًا للحياة الفلسفيّة، فهربَ الدَّمشقيّ برفقة صديقه وأستاذه إيزيدور الغزَّاويّ Isidore of Gaza الذي يرجع أصله إلى غزَّة في فلسطين، وشاءت الأقدار أن تكون غزَّة إحدى محطاتهما الأولى، حيث التقيا، بأنطوني الإسكندري، الذي استقبلهما أحسن استقبال، وسيبقى الدِّمشقي حتى أواخر حياته يستذكر الفضل العظيم لهذا الرجل عليه، ومن غزَّة انطلق الدِّمشقي وإيزيدور إلى مدينة بصرى في حوران، حيث استقبلهما أحد تلاميذ إيزيدور وقاما بعدة رحلات إلى الأماكن الفلسفيّة المقدَّسة في حوران. امتلأ الدِّمشقي عند زيارته لنهر ستيكس المعروف الآن بنهر اليرموك برهبة ميتافيزيقيّة عند رؤية مشهد مهيب ومرعب في آن واحد لمياه هذا النَّهر.
اتجه الصديقان بعد إقامتهما في بصرى إلى مدينة هليوبوليس المقدسة (بعلبك) في فينيقيا، لكن رحلتهما الفينيقيّة لم تكن موفَّقة، إذ اعتُقِل إيزيدور وأُلقي في السجن وعُذِّب، بينما كان الدِّمشقي يحاول تحرير معلمه. ونجح في النهاية في إطلاق سراح إيزيدور. وتابع الفيلسوفان رحلتهما فوصلا إلى أفسس ومنها إلى ساموس ثم إلى بيرايوس وهي مدينة يونانية في منطقة أتيكا تقع على بعد 9 كيلومتر جنوب أثينا ثم دخلا إلى أثينا على الأرجح في نهاية عام 489 م. واستطاعا الانضمام لحلقة الفيلسوف الأفلاطوني المحدث مارينوس وهو من مدينة نابلس في فلسطين، وكان مارينوس قد أصبح رئيس المدرسة الأفلاطونية المُحْدَثة في أثينا بعد موت أستاذه بروقلوس، فشاءت الأقدار أن يتتلمذ الدِّمشقي على مارينوس رئيس أهم صرح فلسفيّ في العالم آنذاك، أعني أكاديميّة أفلاطون.
أصبح إيزيدور بعد مارينوس رئيس الأكاديميّة في أثينا ثم استطاع الدِّمشقي بموافقة من إيزيدور نفسه أن يتولّى رئاسة هذه الأكاديميّة وأُرجِّح أنَّ إيزيدور تخلّى من تلقاء نفسه عن رئاسة الأكاديميّة للدِّمشقيّ، وتجلّى مشروع الدِّمشقيّ في إلغاء فلسفة بروقلوس من التدريس في الأكاديميّة، وإعادة ربط الأكاديمية بشكل قاطع بفلسفة مؤسِّسها الأوَّل أفلاطون (427 قبل الميلاد-347 ق.م) وكذلك بمؤسِّسها الثاني يامبليخوس العربيّ السوريّ (245 بعد الميلاد-325 بعد الميلاد).
استطاع الدِّمشقي أن يرفع من شأن أكاديميّة أفلاطون وأن يعيد إليها أمجادها القديمة كما لو كانت في عهد أفلاطون نفسه، وبقي الدِّمشقي رئيسًا للأكاديميّة إلى تاريخ 16/نيسان/ 529 م، أي إلى التاريخ الذي أصدر فيه الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمرًا بإغلاق المدارس الفلسفيّة في أثينا، فأُغلقت أكاديميّة أفلاطون التي كانت قد استمرت منذ تأسيس أفلاطون لها عام 387 قبل الميلاد إلى ترك الدِّمشقي لرئاستها نحو 916 عامًا.
شعرَ الدِّمشقي بمرارة إغلاق أعظم صرح فلسفيّ في تاريخ البشريّة، لكنه لم يستسلم فقرر البحث عن بلد آخر لتشييد أكاديميّة أفلاطون فيه من جديد، وفي تلك الأيام الحرجة فكّر الدِّمشقيّ بما سمعه عن ملك ملوك إيران الساسانيّ خسرو الأول وكان معروفًا بأنه راعٍ كبير للفلسفة والفلاسفة، وفكَّر الدمشقي أن يبني أكاديميّة لأفلاطون في مدينة قطسيفون (Ctesiphon) في العراق القديم، وكان اليونانيون قد بنوا هذه المدينة في العصر الهلينستيّ، ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. تقع هذه المدينة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق بغداد. وعندما عزم الدِّمشقي فعلًا على الرحيل إلى بلاط ملك الملوك الساسانيّ خسرو الأوَّل كان في أواخر الستينيات من عمره فقام بجمع التماثيل والرموز والأشياء المقدسة وأخفاها بعناية فائقة في الآبار المحيطة بالمنزل الذي كان مخصّصًا له في الأكاديميّة حيث كان هناك منازل مخصصة لسكن رؤساء الأكاديميّة المتعاقبين منذ زمن أفلاطون، وحزم الدِّمشقي مخطوطاته، وعلى رأس مجموعة من ستة فلاسفة آخرين من أصدقائه اتجه في رحلته إلى خسرو الأول، ولقد ذكر المؤرِّخ والشَّاعر اليوناني أغاثياس (530 م-582 م) أسماء هؤلاء الفلاسفة بعبارة شاعريّة رائعة:
“الدِّمشقيّ، سيمبليقيوس الكيليكي، يولامياس الفريجي، بريسكيانوس الليدي، هيرمياس وديوجينيس كلاهما من فينيقيا، إيزيدور من غزَّة -أجمل زهرة، إذا أردنا أن نكون شعراء، من الفلاسفة في زماننا-اعتراضًا على الإيديولوجية السائدة بين الرومان فيما يتعلق بالإله، اعتقدوا أن المُناخ السياسي للفرس سيكون أكثر ملاءمة”.
خرج هؤلاء الفلاسفة السبعة من أثينا -واللافت أنَّ خمسة منهم كانوا من سوريا التي كانت رقعتها الجغرافيّة تمتدّ من كيليكيا إلى غزَّة-مُعتقدين أنَّهم سيتخلصون من اضطهاد الإمبراطور البيزنطيّ، ولكن وهُم في طريقهم إلى بلاد فارس قرّروا التوقّف في مدينة حرَّان السوريّة لزيارة معابدها وفحص مخطوطات مكتباتها. ثم تابعوا طريقهم إلى بلاد فارس، لكن عندما وصلوا إلى بلاط خسرو الأوَّل شعروا جميعًا بخيبة الأمل والخذلان من إمكانيّة دعمهم من ملك الملوك الساسانيّ، وعرفوا أنَّه لا مكان للفلسفة في فارس، فقفلوا راجعين وعلى الأرجح أنّهم استقروا في حرَّان.
كان الدِّمشقي رغم استقراره في حرَّان يزور مدينته دمشق، وكان دائمًا يزور أيضًا حمص مسقط رأس الفيلسوف السوريّ يامبليخوس الذي يصفه الدِّمشقيّ في مؤلَّفاته بالعظيم من أجل إحياء ذكراه، ويؤكد ذلك أبيات شعريّة كتبها الدِّمشقي نفسه وعُثِرَ عليها في ما يُعرف بمختارات بالاتين Palatine Anthology ( مجموعة من القصائد والمقاطع والشذرات اليونانيّة التي اكتُشفت عام 1606 في مكتبة بالاتين في هايدلبرغ ترجع إلى مجموعة قسطنطين كافيلاس من القرن العاشر وتضم مختارات يونانية ترجع إلى أزمنة أقدم) وقد نُقشت أبيات الدِّمشقي على مسلة في إيميسا (=حمص)، سوريا، في عام 538 م.
اقترح المؤرِّخ الفرنسيّ ميشيل تارديو Michel Tardieu وهو باحث متخصص في الأفلاطونيّة المحدثة وصاحب كتاب “مناظر طبيعية أثرية. طرق ومحطات سوريا من إيزيدور إلى سمبليقيوس، تحرير فرين، (1990 م)”.-أقول: اقترح تارديو أنَّ وجود داماسقيوس في سوريا يقدم دليلًا على خط نقل الأفلاطونية إلى الإسلام، حيث ترسخت التقاليد الأفلاطونية المحدثة في حرّان. تعتمد أطروحة تارديو بشكل كبير على تفسير لرواية عن زيارة المؤرِّخ العربيّ الشهير المسعودي إلى حرّان. في هذه الرواية، يصف المسعودي مكان تجمُّع للصابئة، حيث يرى مطرقة باب منقوشة بالسريانية بشعار أفلاطونيّ: “من يعرف نفسه يصبح إلهيًا.”
مات الدِّمشقي عام 538 م، أي في العام نفسه الذي نُقشت فيه أبياته الشِّعريّة على مسلَّة في حمص، لكن تشاء الأقدار بعد مدَّة طويلة من الزَّمن أن تجذب سوريا أكبر مجدِّدي الفلسفة الأفلاطونيّة بعد الدِّمشقي، أعني الفارابي الذي قضى شبابه في بغداد يتتلمذ على الفلاسفة السريان ثم انتقل إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة الحمدانيّ، وسافر مع سيف الدّولة إلى دمشق، فقرر الإقامة فيها، وكان يمضي الليالي في غوطتها، حيث ذَكَرَ كُتَّاب السِّير أنّه كان يقضي الليالي فيها يضع مؤلَّفاته مستضيئًا بقناديل حُرَّاس البساتين.
لا يوجد أيّ دليل من مؤلَّفات الفارابيّ على أنَّه كان مطلعًا على مؤلَّفات الدِّمشقيّ، لكنَّ الرَّوح الفلسفيّة الغامضة والمجهولة لمدينة دمشق جذبته إليها ليموت فيها عام 950 م.