مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


قامت نور البرزاوي بترجمة هذه المقابلة مع الدكتورة مروة داودي، والتي نُشرت باللغة الإنجليزية على موقع جدلية بتاريخ 22 نيسان 2020، حول كتابها أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني (منشورات جامعة كامبريدج، 2020). يُعيد موقع صالون سوريا نشر هذه المادة بالتعاون مع موقع لحلاح.

جدلية (ج): ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب؟

مروة داودي (م.د): في عام 2011، أخذ الربيع العربي ثم الحراك السوري الجميع بالدهشة. وتحولت الثورة السورية إلى انتفاضة مطالبة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. لكن سرعان ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة. كباحثة سورية الأصل متخصصة في الأمن البيئي وسياسات الشرق الأوسط، دفعني هذا المنعطف المفصلي في تاريخ سوريا والمنطقة الأوسع إلى تغيير بحثي ليتركز على الترابط بين تغيّر المناخ، والأمن المائي، والانتفاضة السورية.

على مدار العقود الماضية، برز مفهوم “رابطة المناخ والنزاع” وتم تطبيقه على الحالة السورية. وفق هذا المنطق، تسبب تغيّر المناخ في الجفاف بين 2006 و2010 في سوريا، مما أدى إلى فشل زراعي، تسبب بدوره في الفقر والسخط، و تتوج بالانتفاضة. معظم التحليلات التي اتخذت أساساً مناخياً كانت من علماء مناخ ومراكز تفكير أمريكية تفتقر إلى معرفة معمّقة بسوريا. ومن خلال تحدي هذا الطرح، كان هدفي الإسهام في النقاش حول سوريا من منظور داخلي.

ورغم أن الاحترار العالمي أمر واقع ويتطلب تحركاً دولياً عاجلاً، فإن تغيّر المناخ لم يكن في طليعة اهتمامات السوريين عام 2011. بل كان تركيز معظم الناس منصباً على مثل أخلاقي: إنهاء القمع والظلم الاجتماعي. وهذه قضايا أهتم بها بشدة.

ج: ما المواضيع والقضايا والأدبيات التي يتوجه لها الكتاب بشكل خاص؟

م.د: التوترات التي أشرت إليها أعلاه تبيّن الحاجة إلى إطار تحليلي منهجي. ومن هذا المنطلق، أقترح إطاراً مفاهيمياً جديداً أسميه “أمن الإنسان-البيئة-المناخ” (HECS)، لتحليل التفاعلات بين الأمن الإنساني، والأمن المناخي، والهياكل السياسية والاقتصادية. 

كما يوضح هذا الإطار بنى القوى غير المتكافئة التي تسبب أو تغذي المعاناة الإنسانية، وما يترتب على ذلك من تداعيات جمة على الأمن المناخي وتبعاته في علاقات القوى غير المتوازنة بين الشمال والجنوب العالمي، أو بين الحكومة المركزية ومواطنيها المهمّشين. في حين أن السرديات الحتمية البيئية تنزع الفاعلية عن الناس وتضعها في يد تطورات خارجية، فإن هذا الكتاب يعيد لهم صوتهم.

هذا الإطار، أمن الإنسان-البيئة-المناخ (HECS)، يبني على رؤية نقدية للأمن البيئي ليتحدى الافتراضات الأساسية لفرضية ارتباط المناخ بالنزاع، من خلال إدخال عوامل اقتصادية وسياسية-اجتماعية تتفاعل مع التغيرات في الموارد. كما يسعى لتجاوز السرديات الحتمية والتحيّزات الاستشراقية حول مخاطر النمو السكاني، والتنقل، والندرة الناتجة عن الطلب، واستنزاف الموارد، وما يصاحبها من انعدام الأمن، وهي كلها أنماط تعكس الانقسام بين المركز والهامش وبين الشمال والجنوب. أُحدّد في هذا البحث المحركات الأيديولوجية والسياساتية لانعدام الأمن الإنساني في سوريا وتأثيره على أمن المياه والغذاء. ومن خلال الاعتماد على مصادر رسمية أولية، ونقاشات بين خبراء على المستوى المحلي، ومقابلات مع خبراء ونشطاء ولاجئين سوريين في لبنان وتركيا، أستعرض كيف ساهمت القرارات السياسات للحكومة في عهد حافظ الأسد وبشار الأسد في تفاقم هشاشة سكان الأرياف في العقود التي سبقت الانتفاضة. ويخلص الكتاب إلى أن العوامل السياسية كانت أكثر تأثيراً من الجفاف الناتج عن تغيّر المناخ في التحضير لأحداث 2011. ويمكن تعميم هذا المنظور على سياقات أخرى في الجنوب العالمي.

يبدأ الكتاب بمناقشة تأطير تغيّر المناخ كقضية أمنية، ويتناول الجدل الأكاديمي حول الأمن المناخي، وأمن الإنسان، والمياه، والغذاء، والهجرة الناتجة عن تغيّر المناخ. وتوضح الأجزاء الأولى كيف وسّعت الدراسات الأمنية النقدية مفهوم الأمن التقليدي ليشمل رؤى غير غربية. كما تكشف التفاوتات الهيكلية في توزيع السلطة والموارد دور الدول كمصدر لانعدام الأمن. وتُظهر أن نقاشات التحديث والتنمية لا تزال تجتهد في مفهوم الأمن الغذائي، الذي تطوّر ليشمل توفر الغذاء، والقدرة على تحمل التكاليف، والحاجات الأساسية، وبرامج الاستحقاق. ومع ذلك، لم تُثبت هذه الأدبيات بشكل قاطع الروابط بين تغيّر المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والهجرة، والنزاعات.

من خلال تقييم تاريخي لسياسات المياه في سوريا والشرق الأوسط، أُقدّم رؤية عن الأعراف الثقافية والمؤسسية حول المياه على مدى الألفيات السابقة. فقد استندت سوريا حديثة الاستقلال في أربعينات القرن الماضي إلى تشريعات المياه المستمدة من الشريعة الإسلامية، وقانون المجلة العثماني، وقانون المياه الفرنسي، والتي تميزت بتعزيز مبادئ الأمن المائي والبيئي. هذه النظرة التاريخية تشرح كيف باتت المعايير الإسلامية المتمثلة في العدالة الاجتماعية، والاستدامة، والمسؤولية في استخدام المياه تُعتبر ممارسات مثالية إلى الآن.

أُبيّن أيضًا كيف بلورت الأيديولوجيا وسياسات محددة الانعدام في الأمن الإنساني للفئات الضعيفة في سوريا، وساهمت في تعزيز الفقر، والبطالة،والتهميش، وفشل التنمية المستدامة. ويتتبع البحث القرارات السياسية المفصلية في تاريخ سوريا، من “العقد الريفي”، إلى “تجميع الأراضي الزراعية”، إلى سياسات زيادة إنتاج الغذاء. ومع الوقت، أصبح “الفلاح” رمزاً لأيديولوجيا البعث الجديدة، وطريقاً نحو الازدهار والشرعية.

وقد حسّنت الإصلاحات الزراعية ظروف المعيشة في الريف، لكنها جاءت على حساب استدامة استخدام المياه، حيث أدى التوسع في الري واسع النطاق إلى استنزاف المياه الجوفية وتدهور جودة التربة، مما أدى في النهاية إلى انعدام الأمن الإنساني بصيغة نزاعات على ملكية الأراضي وتهجير السكان. كما ترتبت على ذلك تكاليف اجتماعية، فقد استُبعد الأكراد السوريون من ثمار التوسع الزراعي من خلال سياسة “الحزام العربي” في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أدت تفضيلات حزب البعث إلى تطبيق دعم على المياه والغذاء والوقود، مما أخلّ بأسعار السوق.

بدأ تفكيك التجميع الزراعي مبكراً في عهد حافظ الأسد، لكنه تسارع مع تولّي ابنه بشار الحكم في عام 2000. وهدفت السياسات الليبرالية في السبعينيات والتسعينيات إلى تعزيز دور القطاع الخاص، بما في ذلك في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية. وفي عام 2005، حدث تحول أيديولوجي كبير مع إدخال “اقتصاد السوق الاجتماعي”، في محاولة لمحاكاة النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عهد بشار الأسد،سعى النظام إلى كسب دعم رجال الأعمال في المدن والمنظمات النيوليبرالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من خلال خفض الدعم على الغذاء والوقود وإزالة شبكات الأمان للفلاحين. وقد تزامنت هذه السياسات مع موجة جفاف شديدة تاريخياً في عام 2006.

يُظهر التحليل الطولي للمؤشرات الأساسية بين عامي 1998–2001 (“الجفاف 1”) و2006–2010 (“الجفاف 2”) وجود ترابط واضح للهشاشة في ثلاث محافظات: الحسكة، ودير الزور، والرقة، حيث كانت مستويات الفقر والبطالة (خصوصاً في الزراعة) والاعتماد على القطاع الزراعي مرتفعة أصلاً. وقد زادت هذه الديناميكيات من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى اتساع الفجوة بين الريف والمدينة. وكانت الهجرة والفساد من أبرز مصادر انعدام الأمن الإنساني. وبحلول عام 2010، بات واضحاً أن الإصلاحات النيوليبرالية لم تحقق النجاح المنشود.

ج: كيف يرتبط هذا الكتاب بعملك السابق، أو كيف يختلف عنه؟


م.د: هذه الدراسة امتداد طبيعي لعملي متعدد التخصصات السابق في العلاقات الدولية وسياسات المياه. ركّز بحثي على تقاطع السياسة والاقتصاد والقانون في مسألة تقاسم المياه ومصادر القوة للدول في أحواض الأنهار الدولية.

لقد ساهمت في ظهور دراسات “الهيمنة المائية” (hydro hegemony). استكشف في كتابي الأول “الانقسام المائي بين سوريا وتركيا والعراق: التفاوض، الأمن، وعدم تكافؤ القوى“(2005) كيف تعكس اتفاقيات تقاسم المياه اختلالات القوة والفروقات الأمنية بين الدول المتشاطئة المتنافسة. جمعتُ فيه بين نظرية التفاوض ونظرية القوة لتوضيح أشكال القوة المختلفة والاستراتيجيات التي يستخدمها كل طرف.

وفي منشورات أخرى، طوّرت هذا التحليل لديناميكيات القوة وساهمت في تحليل القانون الدولي للمياه من خلال دراسة الخطابات القانونية ومواقف الأطراف الشرق أوسطية أثناء مفاوضات الدول وعملية تدوين اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ضمن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة. وبناءً على هذا البرنامج البحثي، كتبتُ أيضاً عن دور تقاسم المياه في مفاوضات السلام الدولية، وخصوصًا بين سوريا وإسرائيل. ومؤخراً، طبّقت نظرية العلاقات الدولية، وخصوصًا البنائية الواقعية، لشرح الانهيار في العلاقات بين تركيا وسوريا بعد عام 2011.

ج: من تأملين أن يقرأ هذا الكتاب؟ وما التأثير الذي تأملين أن يُحدثه؟


م.د: هذا الكتاب لديه القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، من بينهم أكاديميون من تخصصات مختلفة مثل محللي المناخ الذين يعملون على قضايا النزاع المرتبطة بالمناخ، ومؤرخون، بالإضافة إلى باحثين وطلاب مهتمين بالعلاقات الدولية، والبيئة، ودراسات الأمن، ومنطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن صناع السياسات وجمهور مطلع يهتم بتغيّر المناخ أو الصراع السوري أو كليهما.

في وقت أصبحت فيه سوريا تتلاشى من المشهد العام، آمل أن يعيد بحثي تركيز الاهتمام الأكاديمي والسياسي على انعدام الأمن الإنساني المستمر فيها. فبدلاً من بناء القدرة الذاتية على التكيّف، فإن مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب تمهّد لتعزيز “صمود النظام” على أساس التفاوتات البنيوية، بينما تزيد من هشاشة السكان، خصوصاً اللاجئين الذين يُجبرون على العودة إلى بلادهم في ظروف غير آمنة. أزمة كوفيد-19 الحالية، إضافة إلى آثارها القاتلة، فإن لها تبعات اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى عليهم.

ج: ما هي المشاريع الأخرى التي تعملين عليها حالياً؟


م.د: تركيزي الجديد يتمحور حول أمن الأفراد مقابل أمن الدول، مع دراسة التفاعلات على المستوى ما دون الوطني في قضايا الهوية، والأمن الغذائي، والنزوح الناتج عن النزاعات والمناخ. أعمل على تحويل التركيز من مصالح الدول الإقليمية والدولية إلى دراسات الأمن النقدي، وتحديداً “المدرسة الويلزية” التي تركز على التحرّر. ومن خلال إعطاء الأولوية للمهمّشين والمحرومين، يمكن أن يكشف التركيز على هذه القضايا الخطابات والممارسات التي تشكّل فهمنا لما يعنيه أن تكون (غير) آمن. ولهذا الغرض، أود تطوير مقارنات عبر أقاليم مختلفة تشمل بعض الدول الإفريقية لتعميم نتائج بحثي.

ج: إلى من تهدين هذا الكتاب؟


م.د: إلى ابنتي، وكل أطفال سوريا.

مقتطف من الكتاب

الفصل الأول: تغيّر المناخ والثورة السورية

“الحقائق المناخية ليست حقائق بحد ذاتها؛ فهي تكتسب أهميتها فقط في سياق إعادة هيكلة البيئة ضمن أنظمة الإنتاج المختلفة.”


— رولاندو غارسيا، الطبيعة بريئة: قضية التاريخ 1972، 1981

“أكتشف الآن فقط، ونحن نتحدث، هذا الطرح القائل إن ثورتنا كانت نتيجة تغيّر المناخ، ولا أفهم الغرض ولا السياق من مثل هذا الادعاء. الأشخاص الذين يطرحون مثل هذه التفسيرات لا بد أنهم يجهلون وضعنا وتاريخنا.”


— من نقاش شخصي مع ياسين الحاج صالح، كاتب سوري بارز ومعارض سياسي، إسطنبول، 18 تموز 2016

نحن على ما نحن عليه اليوم بسبب تغيرات مناخية حدثت في الماضي. فقد جادل عالم الإنسان القديم إيف كوبانز، مكتشف الهيكل العظمي لشبيه الإنسان الأسترالي “لوسي” في إثيوبيا عام 1974، في مذكراته المنشورة مؤخراً بأن جنسنا البشري نشأ نتيجة تغير مناخي سابق. وبسبب اضطرار الأنواع إلى النجاة مع ظروف أكثر جفافاً، طورت الحيوانات، بما فيها البشر، سمات فيزيولوجية جديدة مثل الأنياب أو شكل الأرجل، بعضها أدى في النهاية إلى ظهور الإنسان العاقل. وكما أن أجسادنا نتاج تغيرات مناخية سابقة، كذلك هي الهياكل الاجتماعية المعاصرة […].

حازت نظرية المجتمعات تتشكل وفق مناخها على شعبية في القرن التاسع عشر من قبل الداروينيين الاجتماعيين الذين سعوا لتبرير الاستعمار الأوروبي من خلال الادعاء بأن التفوق الطبيعي للمجتمعات الأوروبية نابع من مناخ القارة وجغرافيتها. وزعم المستعمرون أن البيئة تحدد التطور الاجتماعي والثقافي لأي بلد، مما أدى إلى سرديات حول التفوّق الحتمي والمبكر لأوروبا والتأخر المزعوم لأفريقيا والشرق الأوسط. ووفقاً لهذه النظريات عن الطابع الجغرافي، فإن المناخ المعتدل والقرب من البحار منح المجتمعات قوة، في حين أن الجفاف والموقع الداخلي للدول جعلاها عرضة للهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية. يخفى هذا الحتم البيئي مسؤوليات الإمبراطوريات الاستعمارية في إدارة الكوارث مثل المجاعات. ففي كتابه المهم “مجازر العصر الفيكتوري المتأخر”، يشير مايك ديفيس (2001) إلى أن المجاعات الكبرى في الهند البريطانية،والصين، والبرازيل، وإثيوبيا، وكوريا، وفيتنام، والفلبين، وكاليدونيا الجديدة أواخر القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة الجفاف فقط، بل أيضًا نتيجة سياسات استعمارية سيئة والاقتصاد السياسي الدولي […] الحكم الاستعماري أضعف البنى التحتية وزاد الفساد، إضافة إلى التلاعب بأسعار المحاصيل […]

ومثلما شُكّل البشر بالبيئة، فقد شكّل البشر البيئة أيضًا، منذ نشوء الزراعة وحتى الثورة الصناعية. ورغم أن المناخ يتغيّر ويتطور بشكل طبيعي دائمًا، فإن الأنشطة البشرية أثّرت على المناخات العالمية والإقليمية والمحلية. فمنذ حوالي عام 1800، بدأت انبعاثات الغازات الدفيئة من الأنشطة البشرية – بشكل أساسي من حرق الوقود الأحفوري، بإحداث تغيّرات مناخية أدّت إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً. ومنذ “التسارع الكبير” في خمسينيات القرن الماضي، باتت هذه التغيّرات تحدث بوتيرة غير مسبوقة ومقلقة […]

ورغم الإجماع العلمي لعقود حول أثر الإنسان على البيئة، لا تزال طبيعة هذا الأثر ومداه أقل حتمية. […] ومع أن آثار تغيّر المناخ سوف تؤثر عالمياً، إلا أن أشدّها وطأة ستكون على الدول النامية والجنوب العالمي.

I. من تغيّر المناخ إلى أمن المناخ

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاض الباحثون وصنّاع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا نقاشاً مطولاً حول ما إذا كان يمكن ربط تغيّر المناخ بالنزاعات العنيفة، وطُور خطاب “النزاع المناخي” مشابه لسيناريو “حروب المياه” الذي شاع في التسعينات. يركز هذا الخطاب، ضمن نقاشات أمن المناخ، على المخاطر التي يشكلها تغيّر المناخ على الحياة البشرية والبيئية، خصوصًا عبر التهديدات التي يخلقها الجفاف والمجاعة في المناطق الهشّة في العالم. […] لذلك فإن “التهديدات” المرتبطة بالتغيرات المناخية تشرعن إدماج الفاعلين الأمنيين لباحثي المناخ والممارسين ضمن مجالهم.

[…]

قد تبنّى طيف واسع من الأصوات، من سياسيين بارزين إلى رجال إعلام، مروّجين لسردية “رابطة المناخ والنزاع”. […] هذه السرديات تقدم تصوّرات دراماتيكية وتنبؤات كارثية عن انهيار اجتماعي واسع نتيجة النزاع المتسبب به المناخ، مما أدى إلى ظهور خطاب جديد يُعرف بـ”علم الانهيار” (collapsology)، وهو مصطلح صاغه الباحثان الفرنسيان بابلو سيرفين ورافائيل ستيفنز عام 2015 إشارة إلى الانهيار العام للمجتمعات بفعل تغير المناخ، وندرة المصادر، الانقراضات الواسعة، والكوارث الطبيعية. […] استخدمت سرديات الانهيار بهدف تحفيز العمل المناخي من خلال الخوف كعامل محفز، إلا أن الاستجابة المتوقعة لم تحدث فعلياً.

وقد تباينت ردود الفعل على هذا الخطاب. تبنّاه بعض الباحثين، بينما استخدمه آخرون كفرصة لانتقاد أنماط الإنتاج أو التوزيع الرأسمالية أو للعلاقة بين الناس وبين بيئتهم. على سبيل المثال، فقد اقترح الفيلسوف وعالم الاجتماع برونو لاتور نموذجًا جديدًا للفاعلية المشتركة بين الطبيعة والمجتمع في عصر الأنثروبوسين، بدلاً من النماذج التقليدية التي  تعطي كل الفعالية إما للطبيعة أو للإنسان في فصل واضح بين الفاعل والمفعول به. في المقابل، يرى المتفائلون بالمناخ أن قدرة الإنسان على التكيّف قادرة على مجاراة حجم التهديدات البيئية وبذلك يمكننا الاستجابة الفاعلة للتغير المناخي. أشار ستيفن بينكر (2018)، الباحث في علم النفس الذهني والمتدرب في اللسانيات، إلى أن التقدم البشري الكبير في مستويات المعيشة خلال الـ250 سنة الماضية دليل على قدرة البشر على مواجهة التحديات المناخية.

ورغم هذه الاختلافات، هناك إجماع على أن تغيّر المناخ واقع، ويتطلب تحركاً عالمياً عاجلاً. لكن تبقى التساؤلات: هل علينا “أمننة” تغيّر المناخ(أي تأطيره كقضية أمنية) لرفع الوعي وتحفيز العمل؟ يرى البعض أن الجواب هو لا. […] ذلك أن مثل هذه السرديات قد تُستخدم لتبرير إجراءات قمعية تحدّ من حركة البشر داخلياً ودولياً، وتغذي تصورات تلوم “المهاجرين البيئيين” بدلاً من تحميل الأنظمة الاستبدادية مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. كما أن توظيف سردية رابطة المناخ والنزاع يجعل من الحكومات المستقلة، خصوصاً في الجنوب العالمي، مجرّد أطراف سلبية وضحايا للطبيعة، بدلاً من فاعلين سياسيين لديهم القدرة والإرادة لوضع سياسات تعالج عدم الاستقرار المناخي.

إن الخلط بين تغيّر المناخ والنزاع قد يُخفي المحركات الحقيقية للنزاع […] وهو ما يبدو جلياً حين تكون سياسات الحكومات نفسها سبباً مباشراً للنزاع والاضطراب، كما في الحالة السورية.

II. من الأمن المناخي العالمي إلى الربيع العربي والثورة السورية

عندما عُثر على الطفل أيلان — الذي سافر مع عائلته بالقارب من سوريا — ميتاً على أحد الشواطئ التركية وانتشرت صورته على نطاق واسع، أعلنت صحيفة المراقب الوطني الكندي: “هكذا يبدو اللاجئ المناخي.” 
لم تكن فكرة أن النزاع السوري نتاج لتغير المناخ جديدة أو هامشية. ففي الفيلم الوثائقي قبل الطوفان (2016) من إنتاج ليوناردو دي كابريو، ربط الرئيس أوباما بين الجفاف والاضطرابات المدنية في سوريا، وهو رأي ردده لاحقاً الأمير تشارلز في مقابلة أجريت معه قبل انطلاق مؤتمر المناخ العالمي (COP21) في باريس. وقد طُبِّق السرد حول النزاع المفتعل بالمناخ في سنوات سابقة على أزمة دارفور، حيث نُشر مقال رأي في مجلة ذا أتلانتيك عام 2007 عدّ فيه تغير المناخ أحد “الأسباب الحقيقية” للنزاع، وسرعان ما تبنّى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذا الادعاء في تصريحه حول “المذنب الحقيقي في دارفور”.

لكن في عام 2011، لم يكن تغيّر المناخ في طليعة اهتمامات الناس في الشوارع، سواء في سوريا أو في أنحاء العالم العربي. بل كان تركيز معظمهم منصباً على مثلٍ أخلاقي: إنهاء القمع والظلم. 
وقد أثارت الاضطرابات في مصر وتونس مطلع عام 2011 حالة من الغليان في مناطق أخرى من العالم العربي، من بينها سوريا. ففي 18 آذار/مارس 2011، خرج أهالي درعا جنوب غرب سوريا بأعداد كبيرة للاحتجاج على تعذيب أطفال المدارس على يد أجهزة الأمن. وكان قد سبق ذلك اعتصامات في 15 آذار/مارس في العاصمة دمشق تضامناً مع الثورتين المصرية والتونسية […] شهدت البلاد احتجاجات شعبية بنطاق غير مسبوق، وردّ النظام باستراتيجية بقاء قائمة على القمع الوحشي والتهديد بالفوضى والحرب الأهلية.
 حوّل النشطاء والمثقفون وأفراد المجتمع هذه التعبئة الأولية إلى انتفاضة وطنية أُطلق عليها اسم “الثورة السورية.” 
لكن سريعاً ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة، مع انزلاق البلاد من تظاهرات سلمية ونشاط شبابي إلى تمرد مسلح، ومضاد، فحرب أهلية، ثم إلى ساحة صراع إقليمية بالوكالة. وقد ساهم التدخل العسكري لقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، والدعم المالي من دول الخليج العربي لفصائل إسلامية مسلّحة على الأرض، في تحويل الحراك الشعبي الأولي إلى نزاع دولي.

وفي موازاة ذلك، شكّل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما تبعه من سيطرته وخسارته لأجزاء واسعة من الأراضي والبنى التحتية في سوريا بين عامي 2014 و2019 طبقة جيوسياسية إضافية تعقّد النزاع السوري.

المجازر ضد العلويين في الساحل السوري: تسلسل القيادة والأوامر يقود إلى دمشق

المجازر ضد العلويين في الساحل السوري: تسلسل القيادة والأوامر يقود إلى دمشق

إعداد: ماغي مايكل – وكالة رويترز

ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا

انتُزع قلب الشاب من صدره ووُضع فوق جثته. كان اسمه رقم ٥٦ في قائمة مكتوبة بخط اليد تضم٦٠ قتيلًا، من بينهم أبناء عمومته وجيرانه وستة أطفال على الأقل من قريتهم الساحلية السورية. اتصل الرجال الذين قتلوا سليمان رشيد سعد، البالغ من العمر ٢٥ عامًا، بوالده من هاتف الضحية وتحدوه أن يحضر الجثة. كانت الجثة بجوار صالون حلاقة. كان صدره مشقوقاً ومفتوحًا. انتزعوا قلبه ووضعوه فوق صدره، كما قال والده، رشيد سعد. حدث هذا عصر يوم الثامن من آذار\ مارس في قرية الرصافة. لم تتوقف المجازر ضد العلويين هنا. كانت مذبحة سليمان رشيد سعد جزءًا من موجة قتل شنها مقاتلون سنة في المناطق العلوية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​السوري، في الفترة الممتدة بين السابع والتاسع من آذار\مارس. جاءت هذه الأعمال العنيفة ردًا على تمرد بدأ قبل يوم واحد، قام به ضباط سابقون موالون للرئيس المخلوع بشار الأسد، أدى إلى مقتل ٢٠٠ عنصر من قوات الأمن. وكشفت تحقيقات أعدّتها وكالة رويترز كيف وقعت المجازر، محددةً سلسلة القيادة التي تربط المهاجمين مباشرةً برجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. ووجدت رويترز أن نحو ١٥٠٠ علوي سوري قُتلوا، في حين فُقد العشرات. وكشف التحقيق عن٤٠ موقعاً مختلفاً وقعت فيها عمليات قتل انتقامية، وهجمات عشوائية، ونهب استهدفت الأقلية الدينية التي طالما ارتبطت بحكومة الأسد السابقة.

مجازر الساحل السوري

كشفت أيام القتل عن الاستقطاب العميق في سوريا الذي لم تتجاوزه حكومتها الجديدة بعد، بين من دعموا الأسد، ضمنيًا أو فعليًا، ومن أملوا في نجاح الثورة ضده في نهاية المطاف. ويشعر الكثيرون في سوريا بالاستياء من العلويين، الذين تمتعوا بنفوذ غير متناسب داخل الجيش والحكومة خلال حكم الأسد الذي استمر عقدين.

توصلت رويترز إلى نتائجها في وقت ترفع فيه إدارة ترامب تدريجيًا العقوبات المفروضة على سوريا التي تعود إلى عهد الأسد. ويُعدّ هذا التقارب محرجًا لواشنطن: فالحكومة السورية الجديدة يقودها فصيل إسلامي منحل، كان يُعرف سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، وأطلق عليه سابقًا اسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة. كانت المجموعة، التي قادها سابقًا الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، خاضعة لعقوبات الأمم المتحدة منذ عام ٢٠١٤. وأصبح الشرع، وهو مسلم سني مثل غالبية السوريين، رئيسًا في كانون الثاني\ يناير بعد أن قاد هجومًا مفاجئًا بلغ ذروته بانهيار حكومة الأسد والاستيلاء على دمشق.

اكتشفت رويترز أن ما لا يقل عن اثني عشر فصيلاً خاضعاً لقيادة الحكومة الجديدة، بما في ذلك فصائل أجنبية، شاركت في عمليات القتل التي وقعت في آذار\مارس. ويخضع ما يقرب من نصف هذه الفصائل لعقوبات دولية منذ سنوات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والخطف والاعتداءات الجنسية. ولم ترد الحكومة السورية(وزارة الدفاع ومكتب الرئيس) على ملخص مفصل لنتائج هذا التقرير، أو على أسئلة ذات صلة من رويترز حول دور القوات الحكومية في المجازر. وفي مقابلة مع رويترز بعد أيام قليلة من عمليات القتل، ندد الشرع بالعنف باعتباره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد. وتعهد بمعاقبة المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة، إذا لزم الأمر. وقال: “لقد قاتلنا دفاعاً عن المظلومين، ولن نقبل أن تُراق أي دماء ظلماً، أو أن تمر دون عقاب أو محاسبة، حتى بين أقرب الناس إلينا”.

كان من بين الوحدات التي كشفت رويترز تورطها جهاز الأمن العام التابع للحكومة، الذي كان جهازها الرئيس لإنفاذ القانون أيام إدارة هيئة تحرير الشام لإدلب، والذي أصبح الآن جزءًا من وزارة الداخلية؛ ووحدات سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام، مثل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان. كما تورطت ميليشيات سنية كانت قد انضمت لتوها إلى صفوف الحكومة، بما في ذلك لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة، اللتان فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليهما لدورهما في عمليات القتل. لم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة. ولم تصدر الولايات المتحدة أي عقوبات على عمليات القتل. وأمر الرئيس الشرع بتشكيل لجنة للتحقيق في أعمال العنف والقيام بوساطات من أجل “السلم الأهلي“. وصرح ياسر فرحان، المتحدث باسم اللجنة، بأن الرئيس سيتلقى نتائج التحقيقات في غضون أسبوعين، حيث تعمل اللجنة حاليًا على تحليل المعلومات ثم كتابة تقريرها النهائي بناءً على شهادات ومعلومات جُمعت من أكثر من ألف شخص، علاوة على إحاطات من مسؤولين واستجوابات للمعتقلين. ونصح رويترز بعدم نشر نتائجها قبل صدور التقرير. قال: “لا يمكننا تقديم أي ردود قبل استكمال هذه العملية حرصًا على نزاهة الحقيقة”. وأضاف: “أتوقع أن تجدوا النتائج مفيدة، وأنها تكشف الحقيقة“. لكن رويترز وجدت أن عمليات القتل مستمرة حتى يومنا هذا.وقالت الحكومة السورية الجديدة إنها تخشى فقدان السيطرة على الساحل أمام انتفاضة مؤيدي الأسد. وأصدرت أوامر قاطعة في السادس من آذار\مارس بسحق محاولة انقلاب قامت بها “فلول” النظام، وفقًا لستة مقاتلين وقادة وثلاثة مسؤولين حكوميين.

كان العديد من الرجال الذين تلقوا الأوامر يرتدون الزي الحكومي منذ بضعة أشهر فقط، ويعتنقون تأويلاً للإسلام السني معروفاً بوحشيته. وفسّر البعض في ذلك اليوم بحماس كلمة “فلول” على أنها تعني جميع العلويين، وهم أقلية من مليوني شخص يُحمّلهم الكثيرون في سوريا مسؤولية جرائم عائلة الأسد.

صرّح أحمد الشامي، أحد مسؤولي الحكومة الجديدة ومحافظ طرطوس، لرويترز بأن العلويين ليسوا مُستهدفين. وأقرّ بـ ”انتهاكات“ ضد المدنيين العلويين، وقدر عدد القتلى في طرطوس بنحو ٣٥٠ شخصًا، وهو ما توافق مع ما توصلت إليه رويترز أيضًا. ولم تنشر الحكومة هذا الرقم قط. وأردف المحافظ: “الطائفة العلوية ليست مُدرجة على أي قائمة سوداء أو حمراء أو خضراء. إنها ليست مُجرّمة وليست مُستهدفة بالانتقام. لقد واجه العلويون الظلم تمامًا مثل بقية الشعب السوري عمومًا” في عهد الأسد. ”إن الطائفة بحاجة إلى الأمان. إنه واجبنا كحكومة، وسنعمل على تحقيقه“.  وردًا على طلب للتعليق على نتائج رويترز، أشار أنور العوني، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، إلى أن الاتحاد أدان “الجرائم المروعة المرتكبة ضد المدنيين، من جميع الأطراف”، لكنه لم يُفصح عن سبب عدم فرض عقوبات على وحدات هيئة تحرير الشام السابقة أيضًا. ولم يستجب المتحدثون باسم وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين لطلبات التعليق.

يُقدر أن مئات الآلاف من السوريين قُتلوا منذ عام ٢٠١١، عندما تحول قمع الأسد للاحتجاجات إلى حرب أهلية. ولاحق أي معارض مشتبه به. لكن السنة، الذين شكلوا أبرز الجماعات المسلحة المصطفة ضد الأسد، استُهدفوا بشكل غير متناسب.

تحدثت رويترز مع أكثر من ٢٠٠ عائلة من عائلات الضحايا خلال زيارات لمواقع المجازر وعبر الهاتف، ومع ٤٠ مسؤولًا أمنيًا ومقاتلًا وقائدًا ومحققاً ووسيطاً عينتهم الحكومة. كما راجعت رويترز رسائل من دردشة تيليجرام أنشأها مسؤول في وزارة الدفاع لتنسيق رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد. وفحص صحافيو وكالة الأنباء عشرات مقاطع الفيديو، وحصلوا على لقطات من كاميرات المراقبة، وراجعوا قوائم مكتوبة بخط اليد بأسماء الضحايا.

حمل بعض المهاجمين الذين ردّوا على انتفاضة آذار\مارس قوائم بأسماء رجال كانوا سيستهدفونهم، وبينهم أعضاء سابقون في ميليشيات الأسد صدر عفو مؤقت عنهم من الحكومة الجديدة. وظهرت لاحقًا عائلات بأكملها تحمل هذه الألقاب على قوائم القتلى التي كتبها شيوخ القرى بخط اليد. ووصف العديد من الناجين كيف تم التمثيل بجثث أحبائهم.

تجمع المقاتلون، وكثير منهم ملثمون، في معقل الحكومة الجديدة في إدلب وحمص وحلب ودمشق. وعندما انطلقت القوافل المدرعة إلى غرب سوريا، ارتفعت صيحات الميليشيات ”يا سنة، يا سنة“ في الليل مصحوبة بشعارات مقنّعة تدعو الناس إلى ”ذبح العلويين“، وفقًا لمقاطع فيديو تحققت منها رويترز. وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو مقاتلين يُذلّون رجالًا علويين، ويجبرونهم على الزحف والعواء كالكلاب. وأظهرت لقطات أخرى، بعضها قام المقاتلون بتصويره بأنفسهم، أكواماً من الجثث الملطخة بالدماء. من بين القتلى عائلات بأكملها، بما في ذلك نساء وأطفال وكبار سن ومعاقون في عشرات القرى والأحياء ذات الأغلبية العلوية. وفي أحد الأحياء، كان هناك ٤٠ من النساء بين القتلى ال ٢٥٣ امرأة. وفي قرية أخرى، كان هناك ١٠ أطفال من أصل ٣٠ قتيلاً. في حالة واحدة على الأقل، أُخليت بلدة علوية بأكملها بين عشية وضحاها تقريبًا، وحل سنّة مكان مئات من سكانها. وكان أول سؤال طرحه المقاتلون الوافدون على السكان معبرًا، وفقًا لأكثر من ٢٠٠ شاهد وناجٍ: “هل أنت سني أم علوي؟“

الانتفاضة

كان عبيدة شلي وشقيقه التوأم أصغر أفراد عائلة سنية مكونة من تسعة فتيان وبنات من إدلب، وهي مدينة تقع في شمال غرب سوريا، وفقًا لشقيقتهما الكبرى ياسمين. سافر التوأمان إلى ليبيا كمرتزقة وقبل عامين انضما إلى جهاز إنفاذ القانون التابع لهيئة تحرير الشام والمعروف باسم جهاز الأمن العام في إدلب، حيث كانت الهيئة تدير إدارتها الموازية. هكذا وجد شلي نفسه، في الثالثة والعشرين من عمره، يرتدي زي جهاز الأمن العام الأسود ويحرس نقطة تفتيش قرب بلدة بانياس، وفقًا لياسمين ورسائل واتساب صوتية أرسلها لها، والتي اطلعت عليها رويترز. مع غروب الشمس تقريباً يوم ٦ آذار\مارس، تعرضت نقطة التفتيش ومواقع أخرى لجهاز الأمن العام في محافظتي اللاذقية وطرطوس لهجوم، وقُتل العشرات من عناصر الأمن. ووفقًا للحكومة الجديدة وسكان المنطقتين، كان المهاجمون بقيادة ضباط لا يزالون موالين للأسد. وانضم إلى الضباط شباب فقدوا سبل عيشهم عندما طردت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين العلويين وفككت جهاز الأمن التابع للأسد، وفقًا لمقابلات مع السكان. وصف أحد قادة المجتمع المحلي الانتفاضة بأنها قرار عفوي من أشخاص يائسين.

أرسل شلي رسالة صوتية لأخته حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً ليخبرها أن نصف الرجال من حوله قد ماتوا. بدا هادئًا ومستسلمًا لمصيره.

وقالت: “قال إنه يساعد في إيجاد طرق لإخراج جثث الرجال”. سألته لماذا لم يهرب. فأجاب: لا مفر. علمت ياسمين بمقتل شقيقها بعد ساعتين. كما شنت القوات الموالية للأسد هجمات في بانياس، أكبر مدن طرطوس. واستولت على الطريق الرئيسي والمستشفى، وهاجمت مقر الأمن التابع للحكومة الجديدة، وفقًا لأبو البحر، وهو مسؤول أمني متمركز في بانياس كان يقضي تلك الليلة في إدلب. ولم تتمكن رويترز من التحقق من روايته بشكل مستقل. وقال الشرع إن ٢٠٠ من عناصر الأمن قُتلوا في الانتفاضة، لكن الحكومة لم تُصدر أسماءً أو إحصاءً مُحدّثًا. ولم تُجب وزارة الدفاع على أسئلة رويترز حول العدد المُحدّث للقوات التي قُتلت، أو دور القوات التابعة للحكومة في مجازر العلويين.

فرض الاتحاد الأوروبي في ٢٣ يونيو/حزيران عقوبات على ثلاثة ضباط موالين للأسد، قائلاً إنهم مسؤولون عن قيادة ميليشيات “أججت التوترات الطائفية وحرضت على العنف“. وقال حمزة العلي، ضابط جهاز الأمن العام المسؤول عن بلدة القدموس، الواقعة على بُعد حوالي٣٠ كيلومترًا إلى الشرق، إن أنصار الزعيم المخلوع “أرادوا القيام بانقلاب وإعلان منطقة حكم ذاتي على طول الساحل“. ودعت وزارة الدفاع إلى تعزيزات من جميع الفصائل التي انضمت مؤخرًا إلى قوات الرئيس الشرع. وترددت دعوات الجهاد عبر مكبرات الصوت في المساجد في جميع أنحاء البلاد. وصرح محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، لرويترز بأنه نُقل إلى مستشفى في تركيا لأسباب صحية عندما اندلع القتال. ولم تتمكن رويترز من تأكيد مكان الجاسم أثناء المجازر. ونفى أن يكون لرجاله أي دور في أعمال العنف. وأضاف إنه سرعان ما أُضيف إلى مجموعة دردشة يقودها مسؤول كبير في وزارة الدفاع، قال إنه يعرفه فقط باسم أبو أحد الحموي. وأبو أحد الحموي هو الاسم المستعار لحسن عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع. أُمر لواء الجاسم، المعروف أيضًا باسم العمشات، بإعادة فتح الطريق الساحلي السريع إم ١ الرابط بين اللاذقية وجبلة. وقال إن ميليشياته اتخذت مواقع خارج مدينة جبلة.

مع استمرار مجازر العلويين، صرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، علنًا بأن العملية على الساحل تسير وفق ما هو مخطط لها بهدف الحفاظ على السيطرة على المنطقة و”تضييق الخناق على فلول النظام البائد”، وفقًا لوكالة الأنباء الحكومية. ووراء الكواليس، كان عبد الغني يُدير دردشة تيليجرام لقادة الميليشيات والقادة العسكريين الذين نسقوا رد الحكومة على الانتفاضة المؤيدة للأسد، وفقًا لعشرات الرسائل النصية والصوتية المتبادلة بينه وبين قائد كبير من فصيل آخر. كان اسم المستخدم على تيليجرام هو عبد الغني، وأبو أحد هو اسمه الحركي. تواصلت رويترز معه مباشرةً على تيليجرام عبر هذا الاسم. قال لرويترز إن اللجنة المُحققة في عمليات القتل استجوبته، لكنه رفض الإدلاء بمزيد من التعليقات. وأشارت الرسائل إلى مواقع القوات وتحركاتها، بما في ذلك رسالة من عبد الغني عند الجسر المؤدي إلى قرية المُختارية، حيث كانت تُرتكب المجازر.

 قال ننار حواتش، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن عمليات القتل قوّضت شرعية الحكومة الجديدة لدى السوريين، وخاصةً الأقليات. وأضاف حواتش: “إن نشر وحدات معروفة بعدائها للمجتمعات التي تعتبرها خصومًا، ولها سجل حافل بالانتهاكات، أدى إلى نتائج متوقعة. لقد فشلوا في الوفاء بواجبهم الأساسي في الحماية“. وفي إشارة إلى ضعف سيطرة الحكومة على مقاتليها، واجهت الفصائل المندمجة حديثًا بعضها البعض في شوارع القرى في بعض الأحيان، وفقًا لشهود عيان في ثلاثة مواقع مختلفة، وصفوا جميعًا رؤية أحد الجانبين يحاول حماية المدنيين المذهولين من رجال يرتدون الزي العسكري يحاولون قتلهم.

٧ آذار\مارس

٥٧٨ قتيلاً، ٢٦ جريحاً

يمتد الطريق السريع إم ٤ من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الداخل. ويمتد الطريق إم ١ جنوبًا، موازيًا للساحل قبل أن ينحرف شرقًا قرب لبنان. كانت المجازر التي بدأت قبل فجر السابع من آذار\ مارس قد وقعت في الغالب على هذين الشريانين. العديد من البلدات عبارة عن مجتمعات زراعية، حيث بساتين الحمضيات تغص بالليمون والبرتقال في آذار\مارس، وحقول الخضراوات التي تنمو بغزارة على مدار العام في مناخ البحر الأبيض المتوسط. وتعرضت قرية المختارية، أول قرية على الطريق السريع إم ٤ الذي يربط إدلب واللاذقية، للهجوم حوالي الساعة السادسة صباحًا. وقال ثمانية شهود عيان لرويترز إن مجموعات من الرجال، بينهم كثيرون يرتدون زي جهاز الأمن العام، حطموا الأبواب لإخراج الرجال، ما أجبر بعضهم على الزحف وسحب آخرين بعيدًا. واستمر إطلاق النار حوالي ساعة. بعد انتهاء المجزرة، قُتل ١٥٧ شخصًا – أي ما يقرب من ربع سكان المختارية، وفقًا لقائمة أعدها أحد زعماء المجتمع المحلي، وتحققت منها رويترز مع عدد من السكان الناجين. كان من بينهم ٢٨ فردًا من عائلة عبد الله؛ و١٤ فردًا من عائلة درويش؛ و١١ فردًا من عائلة الجهني، وفقًا للقوائم التي جمعها الناجون وزعماء المجتمع المحلي.وقالت امرأة فقدت والدها وإخوتها: “كانت الرصاصات تنهمر علينا يا أختي. لم نكن نعرف إلى أين نذهب وكيف نهرب“. شاركت امرأة أخرى فقدت ١٧ من أقاربها لقطة من مقطع فيديو تحققت منه رويترز. أشارت إلى كومة من الجثث على الشاشة وقالت: “هذه عائلتي“. وتتبعت سهمًا على الشاشة نحو رجل ميت يرتدي سترة باهتة وأرسلته إلى رويترز: “هذا زوجي”.

قال السكان إنه بسبب عدم وجود رجال لقطاف الموسم، تعفنت أشجار البرتقال. كانت القرى التي شهدت أكبر عدد من عمليات القتل هي تلك التي ينتمي سكانها إلى مجموعة فرعية من العلويين تُسمى الكلازية، وفقًا لعلي ملحم، مؤسس مجموعة السلم المدني السوري، وهي منظمة توثق الانتهاكات وتتوسط في النزاعات. وقال ملحم وأحد الوجهاء العلويين إن عائلة الأسد كانت من العلويين الكلازية، وكذلك العديد من كبار مسؤولي الأمن التابعين للديكتاتور. ومن الأماكن المرتبطة بطائفة الكلازية قرية صنوبر، وهي مجتمع زراعي يبلغ عدد سكانه حوالي خمس عشر ألف  نسمة تنتشر منازلهم بين حقول الخضراوات. وقال ثلاثة قرويين لرويترز إن قوة النخبة التابعة لهيئة تحرير الشام، والمعروفة باسم الوحدة ٤٠٠، جاءت إلى الصنوبر في كانون الأول\ ديسمبر، ووعدت بأن تُترك المدينة في سلام تحت القيادة الجديدة. ووصفوا الحياة بأنها متوترة، لكنها محتملة. وفي وقت مبكر من يوم ٧ آذار\ مارس، تجمع رجال الوحدة ٤٠٠  ومئات التعزيزات وبدأوا في القتل. وفي المجمل، ووفقًا لسبعة عشر شاهدًا، شنت تسع فصائل منفصلة هجمات. وأفاد شاب إنه رأى مقاتلي الوحدة ٤٠٠ يطلقون النار أثناء دخولهم منزله. قُتل أحد عشر شخصاً من أقاربه. نجا هو بالاختباء في خزان في الطابق العلوي. ومن بين الفصائل الأخرى التي هاجمت لواء السلطان سليمان شاه، وفقًا للناجين الذين تعرفوا على شارات اللواء. برز اللواء كميليشيا مدعومة من تركيا خلال الحرب الأهلية، وهو خاضع لعقوبات أمريكية منذ عام ٢٠٢٣، واتهمته وزارة الخزانة الأمريكية بـ “المضايقة والاختطاف وغيرها من الانتهاكات”. وقال الجاسم لرويترز إن هذه الادعاءات “مختلقة” ووصف رجاله بأنهم على درجة عالية من الانضباط.ولم يرد المتحدثون باسم جهاز الأمن العام ووزارة الدفاع، التي تشرف على الوحدة ٤٠٠، على أسئلة حول الهجمات. ولم ترد تركيا، عندما طُلب منها التعليق على دور السلطان سليمان شاه والميليشيات الأخرى المدعومة من تركيا في عمليات القتل. لم تُصدر الحكومة التركية أي ردّ علني على عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على الميليشيات في مايو/أيار. وثمة فيديو سيلفي من الصنوبر، يصور فيه مقاتل يرتدي زيًا عسكريًا جثثًا ويعلن: “سليمان شاه هزم فلول النظام السابق. الله أكبر والحمد لله“. ثم تنتقل الكاميرا إلى ١١ رجلاً أعزل بملابس مدنية، جثثهم ملقاة على إحدى أخصب الأراضي السورية، وقد غطتها الدماء. من بين القتلى المصورين فني دراجات نارية، وطالبان، ومزارعان، وشرطي مُعفى عنه، وفقًا لأقارب المتوفين الذين عرّفوا عنهم بالاسم.

نفى الجاسم، قائد فرقة السلطان سليمان شاه، مسؤولية رجاله عن عمليات القتل في أي من القرى التي دخلوها. وقال لرويترز: “بصفتي قائد وحدة عسكرية، أعلم أن أي أمر يجب إطاعته بالكامل. تُنفذ الأوامر حرفيًا، لا أكثر ولا أقل”.

في نيسان\أبريل، نفت الميليشيا – التي أُعيدت تسميتها آنذاك باسم الفرقة ٦٢ في الجيش السوري أن يكون الرجل الذي صوّر الفيديو علاقة له بفرقة السلطان سليمان شاه، واتهمته بانتحال شخصية مقاتل “لتشويه سمعة الفرقة وتشويه سجلها”. لم تتمكن رويترز من التأكد من هوية الرجل أو انتمائه بشكل مستقل. وعرّفت مجموعة أخرى نفسها على أنها مقاتلون في ميليشيا جيش الإسلام. نشر المسؤول الإعلامي في جيش الإسلام صورًا على فيسبوك لمقاتلين متجهين إلى الساحل في٧ آذار\مارس. كما نشر نسخة من وثيقة عفو زعم أنها عُثر عليها مع جثة شرطي من عهد الأسد، مشيرةً إلى أن القتيل قد نكث بالتعهد الذي وقّعه بعدم حمل السلاح ضد الحكومة الجديدة. وكتب حمزة بيرقدار، المسؤول الإعلامي، قائلاً: “لا أمان ولا استقرار في بلدنا إلا بتطهيرها منهم”. وحصد المنشور ١٦٠ إعجابًا. وقالت امرأة من الصنوبر لرويترز إن المقاتلين استولوا على غرفة معيشتها. وسألها أحدهم: “هل تعرفين من نحن؟” فأجابت: “أنتم الجيش!“ وأضافت: “لا، قالوا لها. نحن جهاديون من جيش الإسلام. جئنا لنعلمكم الإسلام”.

لم يستجب المسؤول الإعلامي بيرقدار وجيش الإسلام لطلبات التعليق على أعمال العنف.

وفي المجمل، قُتل ٢٣٦ من سكان الصنوبر، وفقًا لقوائم راجعتها رويترز وتحققت منها مع العديد من السكان. كان معظمهم شبانًا، تتراوح أعمارهم بين١٦ و٤٠ عامًا. وكان من بين المصابين امرأة حامل أجهضت لكنها نجت من جروحها الناجمة عن طلقات نارية. وقالت إحدى الأمهات الشابات إن زوجها كان عند جاره عندما حُطم بابها. صعد المسلحون إلى الطابق العلوي وبدأوا بتحطيم الأثاث بحثًا عنه. قالت إن المجموعة غادرت وحل محلها فصيل آخر. ثم جاء فصيل ثالث، احتضن قائده أطفالها ووعدهم بالنجاة. أطلق فصيل رابع النار على المبنى. وصلت مجموعة خامسة من المقاتلين، يرتدون عصابات رأس خضراء، برفقة مترجم. لم يكونوا يتحدثون العربية، فلم تتعرف على لغتهم.قالت: “جاء ثلاثة مسلحين ووجهوا بنادقهم إلى رأسي”. قالوا لها: “أنتم خنازير علوية. تستحقون ما يحدث لكم. إذا بكيتم، سنقتلكم بالرصاص، وستكون جثتكم فوق الجثث الأخرى”.

قالت إنها طوال الوقت كانت تحاول عبثًا الوصول إلى زوجها. بعد غروب الشمس، خرجت المرأة فوجدته ملقى على الأرض، مصابًا برصاصات في عينيه وقلبه. قال شهود عيان إن المقاتلين سرقوا طعام الإفطار في رمضان، واحتفلوا في الخارج بينما كانت النساء المذعورات ينظرن من النوافذ. أظهرت صورة من الصنوبر، أكدها علويان ناجيان من البلدة، رسالة مكتوبة بخط اليد على جدار أحد المنازل: ”خبرناكم كونو أقليات قمتو صرتو نوادر”.

٨ آذار\ مارس

٨٢٨ قتيلًا، ١٠ مواقع

بلغ عدد أول مجموعة من المسلحين الذين وصلوا يوم السبت إلى بلدة الرصافة حوالي اثني عشر شخصًا. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا بقليل. كان بعضهم يرتدي زيًا عسكريًا أسود وأحذية رياضية. وكان السكان محاصرين في الداخل منذ اليوم السابق، عندما أقام موكب حكومي مؤلف من حوالي خمسين مركبة ودبابة، مواقع حول القرية، وقطع الكهرباء وبدأ بإطلاق النار، أحيانًا على الناس وأحيانًا عشوائيًا.

الآن، يوم السبت، بدت هذه المجموعة الجديدة من المقاتلين غير راضية عندما ألقت نظرة خاطفة على منزل عائلة سعد. قالت غادة علي: “أمروا الأولاد بالاستلقاء على الأرض، وهو ما فعلوه. ثم جرّوهم إلى الخارج”. كانت عاجزةً حين شاهدتهم يدوسون على جثة صالح، أصغر أبنائها، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، وكان مُلقىً على الأرض. قالت: “أمروهم بالعواء كالكلاب أثناء تصويرهم”. بعد برهة، أرسلوا صالح إلى والدته، ثم سألها أحد المقاتلين عن سبب بكائها. أجابت: “أريد أولادي”. قالت لها: “أعدنا إليكِ واحدًا”. أما بالنسبة لابنها الأكبر، سليمان رشيد، البالغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، فقد قالوا إنه ربما سيعود قريبًا. بدلًا من ذلك، تلقى والده رشيد سعد مكالمة هاتفية. قالوا له: “قتلناه وانتزعنا قلبه. تعالَ واحصل على ابنك قبل أن تأكله الكلاب“. أخذ سعد وشقيقه، اللذان فقدا أربعة أبناء في ذلك اليوم، بطانيات وطلبا من صالح المساعدة. قال سعد إنهم حملوا الجثث الخمس إلى منازلهم، ودفنوها النساء في الحديقة. قال أحد الوجهاء إن المهاجمين عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من فصائل حمزة، والسلطان سليمان شاه، وجيش العزة. ورفض ممثلو حمزة وجيش العزة التعليق على أعمال العنف في البلدة. ونفى الجاسم وجود رجاله في الرصافة.

في المجمل، قُتل ستون علويًا في الرصافة، وفقًا لقوائم اطلعت عليها رويترز. وكان أصغرهم طفلًا في الرابعة من عمره. وكما حدث في الصنوبر، قال الناجون إن المهاجمين تركوا رسالة على الجدران: “مرّ رجال السنة من هنا. جئنا لنسفك دماءكم“.  

قرب الساحل، شعر سكان قرية قرفيص باليأس. يعود اسم البلدة إلى اسم الشيخ المدفون في المقام ذي القبة البيضاء في مركزها أحمد قرفيص، وهو شخصية دينية علوية مبجلة. تمركزت قوات من لواء عثمان، إلى جانب الوحدة ٤٠٠، في القرية بعد سقوط الأسد، وفقًا لناجين اثنين وشخص له أقارب هناك. يوم الجمعة، ومع انتشار أنباء المجازر في المنطقة، اختار القرويون أربعة من الوجهاء للتوسط مع مقاتلي لواء عثمان. جلسوا في نصف دائرة على شرفة مزرعة خارج قرفيص، وحاول القرويون إقناع المقاتلين بأن البلدة لا تؤوي أي مؤيدين للأسد، وأنه لا داعي لهم للبقاء والقتال. قال شخص مطلع على المحادثات: “أصروا على البقاء، لأنهم قالوا إن هناك خطة جاهزة”. دوى صوت أسلحة آلية ومدافع مضادة للطائرات في البعيد. غادر المقاتلون والوسطاء المزرعة عائدين إلى القرية. وبينما كانوا يتحدثون، قُتل ستة رجال بالرصاص هناك، وتناثرت جثثهم في ساحة الضريح وعلى درجه، وفقًا لشاهدين. لم تستجب وزارة الدفاع، التي تشرف بشكل مباشر على لواء عثمان والوحدة ٤٠٠، لطلبات التعليق على عمليات القتل في الرصافة وقرفيص.قال أحد الشهود: “لم يكن أيٌّ من هؤلاء الرجال يحمل سلاحًا، ولم يكن أيٌّ منهم منتميًا للجيش السابق. كان أحدهم مختلًا عقليًا“. وقال الشاهد الآخر، الذي كان من بين المصابين، إن حوالي ٥٠ مصليًا تعرضوا للضرب داخل المرقد.ومع ذلك، شعروا وكأنهم ربما نجوا من الموت الجماعي الذي سمعوا عنه في مكان آخر. وقال الشهود إنهم أدركوا صباح السبت أنهم كانوا مخطئين. وصل موكب جديد من ٨٠ مركبة. أطلق أحدهم النار في الهواء مرة واحدة، ثم، كما لو كانوا ينتظرون إشارة، فتح أفراد الميليشيا النار. وبلغ إجمالي عدد القتلى ٢٣ شخصًا على مدار يومين، وفقًا لصور القتلى التي اطلعت عليها رويترز. واستمرت أعمال النهب بينما كانت قرفيص في حدادها، كما قال الشاهد الذي تعرض للضرب داخل المرقد. وقال الرجل إن شقيقه قُتل وإن أحد رجال الوحدة ٤٠٠ أخبره أن البكاء ممنوع، وأن القرية يجب أن تكون شاكرة لمجرد السماح لها بدفن موتاها.

قال الرجل: “لم أستطع البكاء”. “لم أملك الشجاعة للبكاء.”

٩ آذار\مارس

٧٤ قتيلاً،٤ مواقع

بحلول يوم الأحد، كانت عمليات القتل المسعورة قد خفت حدتها. حان وقت دفن الموتى، بخوف وفي سرية تامة في كثير من الأحيان. ولمدة ٤٨ ساعة أو أكثر، وقفت نساء علويات ثكالى يحرسن جثث الآباء والإخوة والأزواج والأبناء. لم تكتشف العديد من العائلات حجم العنف إلا عندما خرجت إلى شوارع تفوح منها رائحة الموت، أو حاولت إبعاد الكلاب التي كانت تمزق الجثث. وفي بانياس، بالقرب من المكان الذي أشعل فيه هجوم قوات الأسد على الحاجز عمليات القتل الانتقامية، كان هناك ٢٥٣ جثة لدفنها، وفقًا لقوائم القتلى التي أُرسلت إلى رويترز. وفي بلدة جبلة، بلغ عدد القتلى ٧٧ علويًا، وفقًا لـ٣٠ فردًا من أفراد الأسرة. استُهدفت البلدة من قِبل الوحدة ٤٠٠ ولواء عثمان، إلى جانب السلطان سليمان شاه وحمزة والحزب الإسلامي التركستاني، المكون من الأويغور ومقاتلين أجانب آخرين، وفقًا لستة شهود ومسؤول أمني واحد في جبلة. وقال قائد سليمان شاه، الجاسم، إن رجاله دخلوا جبلة وغادروا لأنهم رأوا “انتهاكات كثيرة” ولم يرغبوا في تحمل مسؤولية عمليات قتل لم يقوموا بها. لم يُجب ممثلو القوات الأخرى على الأسئلة. وأظهرت محادثة تيليجرام أن المتحدث باسم وزارة الدفاع، عبد الغني، قد أُبلغ عن “انتهاكات” في جبلة. وكان رده في المحادثة: “جزاكم الله خيرًا“. وقال العديد من الناجين، وخاصة في بانياس، إن لديهم جيرانًا سنة هرّبوهم إلى بر الأمان أو حاولوا حمايتهم. وفي جبلة، تدخلت جارة سنية للمساعدة في إخلاء زوج رشا غصن المصاب بجروح قاتلة، رغم اعتراضات عنصرين من جهاز الأمن العام. بمساعدة جارتها، وافقت سيارة إسعاف على نقل زوج غصن إلى اللاذقية، لكن الأطباء هناك لم يتمكنوا من إنعاشه. وقالت غصن، وهي تقف بجانب الجثة في المشرحة المكتظة، إن ضابطًا في جهاز الأمن العام مسؤولاً عن سجلات الوفيات رفض إصدار وثيقة لشخص علوي. وتتذكر قائلةً: “قال: كافر!” ثم ابتعد. ارتجفت ساقاها ويداها وهي تروي محنتها. وكما هو الحال مع معظم ضحايا المجزرة، لا تزال شهادة وفاة زوج غصن مفقودة.

العواقب

أُخليت العديد من القرى والأحياء العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة بعد الهجمات، وخيم سكانها بالآلاف في قاعدة روسية قريبة خوفًا من مجازر جديدة. ولا يزال استهداف العلويين مستمرًا حتى يومنا هذا. ففي الفترة الواقعة ما بين ١٠ أيار\مايو و٤ حزيران\يونيو، قُتل ٢٠ علويًا رميًا بالرصاص في محافظتي اللاذقية وحماة، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان. ولم تُحدد هوية الجناة. وأبلغت السلطات الأمم المتحدة باعتقال العشرات من الجناة المزعومين، وفقًا لباولو سيرجيو بينيرو، رئيس لجنة سوريا التابعة للمنظمة الدولية، في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في ٢٧ حزيران\يونيو. ومع ذلك، لم تُوجّه اتهامات لأحد في وفيات العلويين التي وقعت في آذار\مارس. ولم تُعلن الحكومة بعد عن عدد القتلى، وقالت الأمم المتحدة إن عدد القتلى الذي أعلنته والبالغ ١١١ قتيلًا أقل من العدد الحقيقي. وفي كانون الأول\ديسمبر، وقبل ثلاثة أشهر من عمليات القتل في المناطق الساحلية، أصدر الرئيس الشرع سلسلة من الترقيات سعياً لتوحيد الجيش. ومن بين الذين رُقّوا، قائد جيش الإسلام، وقائد السلطان سليمان شاه، الجاسم، الذي ارتقى إلى رتبة عميد بقيادة وحدة رسمية في الجيش السوري. ورُقّي قائد الوحدة ٤٠٠، أبو الخير تفتناز، في كانون الأول\ديسمبر إلى رتبة عميد، ثم رُقّي مرة أخرى في حزيران\يونيو، وهو الآن برتبة لواء، وفقاً لبيانات وزارة الدفاع. وتولى مسؤولية محافظتي اللاذقية وطرطوس، وفقاً لأحد مقاتلي الوحدة ٤٠٠. ورُقّي سيف بولاد أبو بكر، قائد فرقة حمزة المدعومة من تركيا، إلى رتبة عميد بعد عمليات القتل، وفقاً لحسابه على تويتر. أما الحزب الإسلامي التركستاني، وهو ميليشيا تضمّ عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، والذي كشفت رويترز عن تورط مقاتليه في العديد من الهجمات، فقد دُمِج بالكامل في الجيش في أيار\مايو. كان قائدها من بين الذين رُقّوا في ديسمبر. في ٣٠ أيار\مايو، أصدرت وزارة الدفاع مدونة سلوك تحظر الإساءة إلى المدنيين، والتمييز ضدهم، وإساءة استخدام السلطة. ولم تُعلّق الوزارة على الترقيات أو على الصلات المزعومة بين وحدات القادة وعمليات القتل.

يُعدّ استهداف المدنيين عمدًا جريمةً بموجب القانون الإنساني الدولي، ويُعتبر الضباط الذين يفشلون في منع هذه الهجمات أو معاقبة مرتكبيها مسؤولين بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.

تُمثّل قرية أرزة تذكيرًا قاتمًا بدائرة الانتقام التي لم تُعالجها الحكومة بعد. استخدم الأسد أرزة كنقطة انطلاق لمهاجمة المجتمعات المتمردة، مثل قرية خطاب المجاورة عام ٢٠١٣. وكان قليلٌ من العشائر أكثر تأييدًا للأسد من آل سليمان. كانوا يُشكّلون ربع الميليشيا الموالية للأسد والبالغ عددها ٩٠ فردًا من أرزة، والتي اشتهرت بمداهمة خطاب قبل أكثر من عقد لاعتقال المتمردين. وفي ٧ آذار\مارس، قاد رجال من خطاب هجومًا على أرزة أسفر عن مقتل ٢٣ شخصًا، بينهم أفراد من عشيرة السليمان، ودفع سكان البلدة المتبقين البالغ عددهم ١٢٠٠ نسمة إلى الفرار، وفقًا لأربعة سكان سابقين ومقطعي فيديو تحققت منهما رويترز. قال الشهود الأربعة لرويترز إن رجال خطاب أحضروا الضحايا إلى الساحة الرئيسية وسألوا قائدهم، أبو جابر الخطابي: “ما رأيك يا شيخ؟”. قالوا إنه إذا ردّ “الله أكبر” – وهو ما كان يفعله في كل حالة تقريبًا – تُطلق النار على الضحية. وقال الخطابي لرويترز: “جميعهم مجرمون. إنها أشبه بالعدالة الإلهية المطلقة. كما شرّدتمونا، سنشردكم، وكما قتلتمونا، ستُقتلون”.

عندما سُئل عن دوره في عمليات القتل ذلك اليوم، أقرّ بأنه كان في أرزة، لكنه نفى إصدار أوامر بالقتل. استولى المهاجمون على المنازل المهجورة. وقال الخطابي إن أرزة لم تعد موجودة. ونشر على فيسبوك صورة للافتة القرية الجديدة: “خطاب الجديدة“.

إحصاء القتلى

كشف تحقيق أجرته رويترز تفاصيل مجازر ٧-٩ آذار\مارس التي استهدفت العلويين السوريين على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، متتبعًا سلسلة قيادية تمتد من المهاجمين مباشرةً إلى رجال يخدمون إلى جانب قادة سوريا الجدد في دمشق. وخلص التحقيق إلى مقتل ١٤٧٩ علويًا سوريًا واختفاء العشرات في٤٠ موقعًا مختلفًا شهدوا عمليات قتل انتقامية، وهجمات، ونهبًا ضد الأقلية الدينية، المرتبطة بحكومة الأسد. وأحصت رويترز القتلى من خلال جمع قوائم محلية بأسماء الضحايا، العديد منها مكتوب بخط اليد، من قادة المجتمع المحلي وعائلاتهم. كما جمع القرويون صورًا وتفاصيل شخصية عن الضحايا. وفي كل قائمة، مكتوبة باللغة العربية، قارنت رويترز الأسماء مع نشطاء إما في القرية المعنية، أو يديرون صفحات على فيسبوك، أو في الشتات، ولديهم أقارب في المناطق التي تعرضت للهجوم.

المختارية: ساعة من القتل و١٥٧ قتيلاً

تظهر الشروح على قوائم القتلى بعضًا من قتلى قرية المختارية البالغ عددهم ١٥٧ قتيلاً. إجمالاً، قُتل ما يقرب من ربع سكان القرية. وفقدت بعض العائلات كل ذكر بالغ تقريبًا، وتركت جثث القتلى المثقوبة بالرصاص في الشوارع لتنقلها العائلات وتدفنها في مقابر جماعية.

من كل موقع مجزرة، جمعت رويترز أيضًا صورًا للضحايا، وصورًا ومواقع مقابر جماعية. في ١١ آذار\مارس، قالت الأمم المتحدة إنها أحصت ١١١ حالة وفاة، لكنها أقرت بأن العدد أقل من العدد الحقيقي. ولم تُحدّث إحصاءاتها عن القتلى منذ ذلك الحين. وأظهر أحدث إحصاء من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقبة مستقلة، مقتل ١٦٦٢ شخصًا. وأضافت أن ١٢١٧ شخصًا من هذا العدد الإجمالي قُتلوا على يد القوات الحكومية والجماعات المسلحة، بينما قُتل ٤٤٥ على يد مقاتلين موالين للأسد. ومن بين الـ٤٤٥، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن حوالي النصف من المدنيين والنصف الآخر من القوات الحكومية. ولم توضح الشبكة السورية لحقوق الإنسان كيف تأكدت من هوية الجناة. ولم تتمكن رويترز من تأكيد عدد القتلى العلويين الذين قتلهم الموالون للأسد، أو عدد القتلى من القوات الحكومية، وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان. وفي ١٧ آذار\مارس، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو منظمة مجتمع مدني أخرى، إنه أحصى ١٥٥٧ قتيلاً مدنياً، لكنه لم يُفصّل كيفية التوصل إلى هذا الرقم. كما أحصى المرصد ٢٧٣ قتيلاً من القوات الحكومية و٢٥٩ من المسلحين العلويين التابعين للقوات الموالية للأسد. وصرح الرئيس الشرع بمقتل٢٠٠ من القوات الحكومية. ولم تُصدر الحكومة إحصاءً للقتلى من المدنيين العلويين.

الفصائل التي تقف وراء عمليات القتل

في ٢٩ كانون الثاني\يناير، اجتمع أحمد الشرع وأكثر من ١٢ قائدًا آخراً من الفصائل المسلحة التي وحدت صفوفها للإطاحة ببشار الأسد في القصر الرئاسي بدمشق، في استعراض للوحدة بين رجال قاتلوا بعضهم بعضًا تقريبًا بقدر ما قاتلوا الأسد. عُيّن الشرع رئيسًا، وألغى الدستور، وحلَّ جيش حكومة الأسد وأجهزتها الأمنية. وقال: “شمس سوريا الجديدة تشرق”.

حصل كل قائد على فرقة عسكرية ورتبة، وتعهدوا بدمج فصائلهم في الجيش السوري الجديد. نظريًا، حلّ الشرع ميليشياته، المعروفة سابقًا باسم هيئة تحرير الشام، والتي كانت تُعرف سابقًا باسم فرع تنظيم القاعدة في سوريا، والمعروف باسم جبهة النصرة.

كانت الانتفاضة المؤيدة للأسد في أوائل آذار\مارس في المناطق الساحلية السورية أول اختبار لهذه الوحدة الهشة.بعد ساعات قليلة من بدء التمرد، استدعت الحكومة الجديدة تعزيزات لدحر انتفاضة فلول نظام الأسد، المعروفة بـ”الفلول”. وتدفقت عشرات الآلاف من المركبات والمقاتلين والأسلحة على الساحل. وقسمت وزارة الدفاع الساحل إلى قطاعات، ووضعتها تحت قيادة مسؤول رفيع المستوى لتنسيق التحركات والمواقع، وفقًا لثلاثة مصادر أمنية، من بينها محمد الجاسم، قائد لواء السلطان سليمان شاه، المعروف أيضًا باسم العمشات.

تورطت خمس مجموعات رئيسة في عمليات القتل الجماعي في البلدات والأحياء العلوية، والتي تعرض العديد منها لقصف من قبل مجموعات متعددة على مدار ثلاثة أيام:

وحدات هيئة تحرير الشام

تشمل الوحدة ٤٠٠، ولواء عثمان، وهيئتها الرئيسة لإنفاذ القانون، والمعروفة باسم جهاز الأمن العام. وقد اكتشفت رويترز تورطهم في ١٠ مواقع على الأقل، حيث قُتل ما يقرب من ٩٠٠ شخص.

قبل سقوط الأسد، كان جهاز الأمن العام هو الذراع الرئيس لإنفاذ القانون لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرتها. وهو الآن جزء من وزارة الداخلية السورية. في عام ٢٠٢٠، وصفت الأمم المتحدة تقارير “مقلقة للغاية” عن عمليات إعدام وانتهاكات على أيدي سلطات إنفاذ القانون التابعة لهيئة تحرير الشام. وثقت هيومن رايتس ووتش كيف قتلت هيئة تحرير الشام، المعروفة آنذاك باسم جبهة النصرة، ١٤٩ علويًا في عمليات إعدام بإجراءات موجزة في اللاذقية عام ٢٠١٣. وورد ذكر الوحدة ٤٠٠ في عدد قليل من المنشورات على الإنترنت، ولا يوجد أي منها من حسابات حكومية سورية رسمية. نُشر العديد منها في أوائل كانون الأول\ديسمبر، باستخدام لغة متطابقة، حيث تم نشر مقاتلي الوحدة ٤٠٠ في غرب سوريا. تصف المنشورات الوحدة ٤٠٠ بأنها “من أقوى الوحدات” في هيئة تحرير الشام، حيث تلقت “تدريبًا عالي المستوى ومجهزة بأحدث الأسلحة“. نُقلت الوحدة ٤٠٠ إلى المناطق الساحلية بعد سقوط الأسد، وفقًا لشهود عيان متعددين وأحد أفراد الوحدة. وقال مصدر استخباراتي أجنبي إن الوحدة أقامت مقرها في الأكاديمية البحرية السورية السابقة، ولا تخضع إلا لأعلى مستويات وزارة الدفاع.

الميليشيات المدعومة من تركيا

على مدار العقد الماضي، شنت تركيا عمليات توغل عسكرية في سوريا، ودعمت المتمردين هناك لمعارضة كل من الأسد والقوات الكردية التي تعتبرها تهديدًا. كانت هذه الفصائل جزءًا من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، وهو ثاني أكبر تحالف معارض في سوريا. ولفصائل الجيش الوطني السوري سجل حافل بعمليات الاختطاف والعنف الجنسي والنهب على نطاق واسع، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى. ومن بين الجماعات التي دعمتها تركيا خلال الحرب الأهلية لواء السلطان سليمان شاه وفرقة حمزة. وفي عمليات قتل العلويين، كشفت رويترز عن تورط هاتين الجماعتين في ثمانية مواقع مختلفة على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من٧٠٠ شخص.وكتب أحد عناصر الميليشيات التابعة لفرقة السلطان سليمان شاه على صفحته على فيسبوك: “أطفئوا الكاميرات. اقتلوا كل ذكر. دماؤهم قذرة كالخنازير”.

الفصائل السنية

تشمل هذه الفصائل قوات جيش الإسلام، وجيش الأحرار، وجيش العزة المناهضة للأسد. وقد كشفت رويترز عن تواجدها في أربعة مواقع على الأقل، قُتل فيها ما يقرب من ٣٥٠ شخصًا. وفي عام ٢٠١٣، أسر جيش الإسلام عددًا من النساء والرجال العلويين، ووضعهم في أقفاص معدنية كبيرة لاستخدامهم كدروع بشرية في وجه الغارات الجوية السورية والروسية في دمشق. كما تُحمّل جماعات حقوق الإنسان الجماعة مسؤولية اختفاء نشطاء بارزين خلال الثورة. 

مقاتلون أجانب

من بينهم الحزب الإسلامي التركستاني، والأوزبك، والشيشان، وبعض المقاتلين العرب في ستة مواقع، حيث وجدت رويترز أن ما يقرب من ٥٠٠ شخص قُتلوا.

مدنيون سُنة مسلحون

دفعت المرارة الطائفية الناجمة عن سنوات من الحرب الأهلية وانتهاكات الأسد الناس إلى مهاجمة قرى وأحياء مجاورة يسكنها العلويون. ووجدت رويترز أن الموقعين الرئيسيين لهذه المجازر الانتقامية هما قرية أرزة ومدينة بانياس، حيث قُتل ما مجموعه ٣٠٠ شخص.

ملاحظة المحرر: تم تحديث عدد ضحايا العنف في تقرير إحصاء القتلى في الفقرة ٦ ليعكس المعلومات الجديدة من الشبكة السورية لحقوق الإنسان المقدمة بعد النشر.

تقرير: ماغي مايكل. تقرير إضافي: فراس دالاتي. تحقق من الفيديو: بولا جرزانكا، إليانور والي، وإيناكي مالفيدو. تصميم: كاثرين تاي. تحرير الصور: سيمون نيومان. تحرير الفيديو: إيما جيلي، ميلان بافيتشيك، وهولي مورثا. تحرير: لوري هينانت.

”لن تعود“: اختطاف نساء علويات من شوارع سورية

”لن تعود“: اختطاف نساء علويات من شوارع سورية

إعداد: ماجي مايكل- وكالة رويترز

ترجمه عن الإنجليزية: فريق الترجمة في صالون سوريا

لا تنتظروها، لن تعود“، هذا ما قاله شخص اتصل بالواتساب لعائلة عبير سليمان في الحادي والعشرين من أيار\مايو، بعد مرور بضع ساعات فحسب على اختفائها من شوارع مدينة صافيتا السورية. قال خاطف عبير سليمان، بالإضافة إلى رجل آخر عرّف عن نفسه كوسيط، في مكالمات ورسائل لاحقة إن الفتاة البالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً سيتم قتلها أو الاتجار بها كأمَة إذا لم تدفع عائلتها فدية قدرها خمسة عشر ألف دولار. وفي التاسع والعشرين من أيار\ مايو، تلقت العائلة مكالمة هاتفية من عبير من الرقم نفسه الذي استخدمه الخاطف، ويحمل رمز الاتصال الدولي العراقي، وقالت: “أنا لست في سورية. جميع اللهجات التي أسمعها حولي غريبة.”

اطلعت وكالة رويترز على المكالمة التي سجلتها العائلة، علاوة على نحو اثنتي عشرة مكالمة ورسالة أرسلها الخاطف والوسيط، الذي كان يستخدم رقماً سورياً.

تُعد عبير واحدة من بين ما لا يقل عن ثلاث وثلاثين امرأة وفتاة من الطائفة العلوية في سوريا – تتراوح أعمارهن بين١٦ و٣٩ عاماً – اختُطفن أو فُقدْن هذا العام في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط بشار الأسد، بحسب شهادات عائلاتهن. فقد أدى سقوط الرئيس الذي كان يُخشى منه على نطاق واسع في كانون الأول\ ديسمبر، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية، إلى ردّ فعل غاضب ضد الطائفة المسلمة التي ينتمي إليها، حيث قامت فصائل مسلحة تابعة للحكومة الحالية بشن هجمات على مدنيين علويين في معاقلهم الساحلية في آذار\مارس، ما أسفر عن مقتل المئات.ومنذ شهر آذار\مارس، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بسيل متواصل من رسائل ومقاطع فيديو نشرتها عائلات النساء العلويات المفقودات، ناشدت فيها كلّ من يستطيع تزويدها بأي معلومات عنهن، وتبين أن حالات جديدة تحدث بشكل شبه يومي، بحسب مراجعة أجرتها رويترز، والتي لم تعثر على أية تقارير منشورة عن اختفاء نساء من طوائف أخرى.

قالت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا لرويترز إنها تحقق في حالات اختفاء واختطاف مزعومة لنساء علويات، بعد ارتفاع عدد البلاغات هذا العام. وأوضحت المتحدثة باسم اللجنة، التي أنشئت عام ٢٠١١ للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بعد اندلاع الحرب الأهلية، إن اللجنة سترفع تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فور الانتهاء من التحقيقات.

عائلة عبير سليمان اقترضت من الأصدقاء والجيران وجمعت مبلغ الفدية البالغ خمسة عشر ألف دولار، وقامت بتحويله إلى ثلاثة حسابات في مدينة إزمير التركية يومي ٢٧ و٢٨ أيار\ مايو، من خلال ٣٠ حوالة تراوحت قيمتها بين ٣٠٠ و٧٠٠ دولار، بحسب ما أفاد قريب لها لرويترز، وأطلعها على إيصالات التحويلات. وبعد تسليم كامل المبلغ كما طُلب منهم، انقطع التواصل تماماً مع الخاطف والوسيط، وتم إغلاق هواتفهم، بحسب القريب. ولا تزال عائلة سليمان تجهل مصيرها حتى الآن. وأظهرت مقابلات مفصلة مع عائلات ست عشرة من النساء والفتيات المفقودات أن سبعاً منهن يُعتقد أنهن تعرضن للاختطاف، حيث تلقت عائلاتهن طلبات فدية تراوحت بين ألف وخمسمائة ومائة ألف دولار. وقد أرسلت ثلاث من المختطفات – بينهن عبير – رسائل نصية أو صوتية لأسرهن تفيد بأنهن نُقلن خارج البلاد. أما التسع الأخريات، فلا يُعرف أي شيء عن مصيرهن. وأفادت عائلاتهن بأن ثماني من بين الست عشرة المختفيات أعمارهن دون الثمانية عشرة عاماً. وراجعت رويترز نحو عشرين رسالة نصية ومكالمة ومقطع فيديو من الضحايا المزعومات وخاطفيهن، بالإضافة إلى بعض إيصالات تحويل الفدية، لكنها لم تتمكن من التحقق من جميع تفاصيل روايات العائلات، أو من هوية الأطراف المسؤولة عن الاستهداف أو دوافعها.

حدثت جميع حالات الاختفاء الثلاث وثلاثين في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، المدن التي تحتوي على كثافة سكانية علويّة. عاد نحو نصف المختفيات إلى منازلهن منذ ذلك الحين، إلا أن جميعهن، مع عائلاتهن، رفضن التعليق على ملابسات ما جرى لهن، والسبب هو خوف معظمهن على سلامتهن. وقالت معظم العائلات التي تحدثت معها رويترز إنها شعرت بأن الشرطة لم تأخذ بلاغاتها على محمل الجد، وإن السلطات لم تُجْرِ تحقيقات كافية. ولم ترد الحكومة السورية على طلب للتعليق بشأن هذه القضية.

أحمد محمد خير، مسؤول الإعلام في محافظة طرطوس، رفض الادعاء بأن العلويين مستهدفون، وقال إن معظم حالات النساء المفقودات تعود إلى “مشاكل عائلية، أو أسباب شخصية” لا إلى اختطاف، دون أن يقدم دليلاً على ذلك. وأضاف: “النساء إما يُجْبرن على الزواج ممن لا يرغبن به فيقررن الهرب، أو أحياناً يرغبن في لفت الأنظار فيختفين.” كما حذّر من أن “الادعاءات غير الموثقة” قد تثير الذعر والفتنة، وتهدد الاستقرار الأمني.

بدوره، ردد مسؤول الإعلام في محافظة اللاذقية تصريحات مشابهة، قائلاً إن الكثير من الحالات سببها هروب النساء مع عشاقهن، وتختلق العائلات قصص اختطاف لتجنب الوصمة الاجتماعية. أما مسؤول الإعلام في محافظة حماة، فقد امتنع عن التعليق. من جانبه، رفض أحد أعضاء لجنة تقصي الحقائق التي شكّلها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع للتحقيق في المجازر التي استهدفت علويين في المناطق الساحلية في آذار\ مارس، التعليق على حالات اختفاء النساء. وكان الشّرع قد ندد بسفك الدماء على أساس طائفي، واعتبره تهديداً لمهمته في توحيد البلاد الممزقة، متعهداً بمحاسبة جميع المسؤولين، بمن فيهم أعضاء الحكومة إن لزم الأمر.

اختُطفت في طريقها إلى المدرسة

قال الناشط الحقوقي السوري يامن حسين، الذي يتابع حالات اختفاء النساء إن الحالات وقعت في أعقاب أحداث العنف في آذار\ مارس. وبحسب علمه، لم يُستهدف سوى العلويين، بينما ما تزال هوية الجناة ودوافعهم غير معروفة. ووصف حسين شعوراً عاماً بالخوف يسود بين أبناء الطائفة العلوية، الذين يتبعون فرعاً من الإسلام الشيعي، ويشكّلون نحو عُشر سكان سوريا ذات الغالبية السنية. وأضاف أن بعض النساء والفتيات في طرطوس واللاذقية وحماة أصبحن يمتنعن عن الذهاب إلى المدارس أو الجامعات خوفاً من الاستهداف، قائلاً: “لدينا، بلا شك، مشكلة حقيقية وهي استهداف النساء العلويات بعمليات اختطاف. إن استهداف نساء الطرف المهزوم هو أسلوب إذلال استخدمه سابقاً نظام الأسد.”

على صعيد آخر، أُجبر آلاف العلويين على مغادرة منازلهم في دمشق، فيما تعرّض كثيرون منهم للطرد من وظائفهم وللمضايقات على الحواجز من قبل مقاتلين سُنّة موالين للحكومة. وأظهرت مقابلات مع عائلات النساء المفقودات أن معظمهن اختفين في وضح النهار، أثناء قيامهن بمهام يومية، أو أثناء تنقلهن عبر وسائل النقل العامة.

زينب غدير، إحدى أصغر المختفيات

 تبلغ من العمر ١٧ عاماً، اختُطفت في طريقها إلى المدرسة في قرية “الهنادي” بريف اللاذقية يوم ٢٧ شباط\فبراير، بحسب أحد أقاربها، الذي قال إن الخاطف تواصل معهم برسالة نصية هددهم فيها طالباً عدم نشر صورها على الإنترنت. قال الخاطف في رسالة من هاتف الفتاة في نفس يوم اختفائها: “ما بدي شوف ولا صورة، والله العظيم، لأبعتلكم دمها.”

وأضاف قريبها أن زينب أجرت اتصالاً هاتفياً قصيراً مع العائلة، قالت فيه إنها لا تعرف أين هي، وإنها تعاني من ألم في معدتها، قبل أن ينقطع الخط. وحتى الآن، لا تعلم الأسرة ما حلّ بها.

خزامى نايف، وهي أم لخمسة أطفال، اختطفها في الثامن عشر من آذار\ مارس في ريف حماة خمسة رجال قاموا بتخديرها لإفقادها الوعي لبضع ساعات وفقاً لقريب لها ذكر ما قالته بعد عودتها. وقالت العائلة إنها بقيت محتجزة لمدة خمسة عشر يوماً، بينما تفاوض الخاطفون معهم إلى أن دفعوا ألف وخمسمائة دولار مقابل إطلاق سراحها. وبعد عودتها، تعرضت لانهيار نفسي حاد. وبعد أيام من اختطاف نايف، اختُطفت دعاء عباس (في التاسعة والعشرين من عمرها) من أمام منزلها في مدينة سلحب بريف حماة، حيث قام مهاجمون بإدخالها إلى سيارة كانت تنتظر بالخارج، بحسب أحد أقاربها الذي شهد الواقعة. وأضاف القريب أنه لم يتمكن من تحديد عدد الخاطفين، أو إن كانوا مسلحين، وأضاف أنه حاول ملاحقة السيارة بدراجته النارية، لكنه فقد أثرها.

ثلاث علويات أبلغت عائلاتهن عن فقدانهن هذا العام على وسائل التواصل الاجتماعي – لا تشملهن قائمة رويترز التي تضم ثلاثاً وثلاثين حالة – عاودن الظهور، ونفين أنهم اختُطفن. إحداهن، فتاة تبلغ من العمر ست عشرة سنة من اللاذقية، نشرت مقطع فيديو قالت فيه إنها هربت بمحض إرادتها لتتزوج رجلاً سنياً. لكن عائلتها نفت روايتها، وقالت لرويترز إنها اختُطفت وأُجبرت على الزواج منه، وإن السلطات الأمنية أمرتها بالادعاء بأنها ذهبت طوعاً لحماية خاطفيها. لم تتمكن رويترز من التحقق من صحة أي من الروايتين. ولم يرد متحدث باسم الحكومة السورية ولا سلطات اللاذقية على الاستفسارات. أما الحالتان الأخريان اللتان عاودتا الظهور، فهما امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً وفتاة تبلغ الثانية عشرة من عمرها. قالت الأولى لقنوات تلفزيونية عربية إنها سافرت بمحض إرادتها إلى مدينة حلب، بينما قالت الثانية إنها ذهبت إلى دمشق. ومع ذلك، أوضحت المرأة البالغة أنها تعرضت للضرب في شقة على يد رجل قبل أن تتمكن من الفرار.

ذكريات مؤلمة من زمن تنظيم الدولة الإسلامية

هيمنت الطائفة العلوية في سوريا لعقود على النخبة السياسية والعسكرية في البلاد تحت حكم عائلة الأسد. لكن الرحيل المفاجئ لبشار الأسد في كانون الأول\ديسمبر مهّد الطريق أمام صعود حكومة جديدة بقيادة “هيئة تحرير الشام”، وهي تنظيم سني نشأ من رحم تنظيم كان مرتبطاً سابقاً بتنظيم القاعدة. وتسعى الحكومة الجديدة إلى دمج عشرات الفصائل المتمردة السابقة – بينها مقاتلون أجانب – ضمن أجهزتها الأمنية، لسدّ الفراغ الذي خلّفه انهيار منظومة الدفاع التابعة للنظام السابق.

ذكرت عدة عائلات اختُطفت منهن نساء المفقودات أنها، ومعها كثيرون من أبناء المجتمع، يعيشون في رعب من سيناريو كارثي يُخشى أن يواجه فيه العلويون مصيراً مشابهاً لما تعرض له أبناء الطائفة الإيزيدية قبل نحو عقد على يد تنظيم الدولة الإسلامية. فبحسب الأمم المتحدة، فإن تنظيم الدولة – وهو تنظيم جهادي سني – أجبر آلاف النساء الإيزيديات على العبودية الجنسية خلال فترة رعب أعلن خلالها قادته إقامة “خلافة” امتدت على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وتطارد كوابيس مماثلة عائلة نغم شادي، وهي شابة علوية اختفت هذا الشهر، كما قال والدها لوكالة رويترز. نغم، البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاماً، خرجت من منزل العائلة في قرية البياضية بمحافظة حماة في الثاني من حزيران\ يونيو لشراء الحليب ولم تعد، بحسب ما روى والدها شادي، الذي وصف انتظاره الطويل المؤلم لأي خبر عن مصير ابنته. وأضاف أن عائلته كانت قد اضطرت إلى مغادرة منزلها السابق في قرية مجاورة بتاريخ السابع من آذار\مارس، خلال موجة العنف التي استهدفت العلويين.

قال بألم وحسرة: “ماذا بوسعنا أن نفعل؟ سنُسلّم أمرنا لله.”

اللصوص يسرقون الأسلحة الأمريكية في سوريا

اللصوص يسرقون الأسلحة الأمريكية في سوريا

(تحقيق أجراه الصحفي الأمريكي نيك تيرس لموقع إنترسيبت)

سرق لصوصٌ ما تبلغ قيمته مئات آلاف الدولارات من معدات المدفعية، و“أنظمة أسلحة غير معروفة“، وذخائر خاصة بأسلحة محددة مُرْسلة إلى القوات الأمريكية في سوريا والعراق، بحسب وثائق حصرية حصل عليها موقع إنترسيبت.
بقيت عمليات السرقة التي جرتْ في مواقع أمريكية بعيدة في المنطقة، أو أثناء النقل إليها دون حل. وشكّلت دليلاً جديداً على وجود مشكلة ملحة ساعدت قوات الأعداء من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وطالبان في أفغانستان على تسليح أنفسهم وحتى على قتل الأمريكيين وشركائهم الأجانب على حساب دافع الضرائب الأمريكي.

تُلْقي عمليات السرقة الضوء على حروب الظل الأمريكية في المنطقة، حيث قُتل مقاول أمريكي وجُرح ستة أمريكيين آخرون الأسبوع الماضي في هجوم نفذته طائرة مسيّرة انتحارية على قاعدة أمريكية في شمال شرق سوريا. كانت الغارة الجوية التي تمت بطائرة كاميكازي على القاعدة واحدة من ثمانين هجوماً تقريباً استهدفوا القواعد الأمريكية في العراق وسوريا منذ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١ ما دفع الولايات المتحدة إلى اتهام ولوم مجموعات تابعة لإيران وأمر الرئيس بايدن بشن غارات جوية انتقامية رداً على الهجوم الأخير ”كي نحمي جنودنا وندافع عن أمانهم“.
إن عمليات السرقة والخسائر التي كشفها موقع إنترسيبت هي فقط أحدث مشاكل المساءلة التي يواجهها الجيش الأمريكي في العراق وسوريا. واكتشف تدقيق أجراه المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ أن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب- الوحدة الرئيسة التي تعمل مع حلفاء أمريكا السوريين لم تقدم حساباً دقيقاً حول اختفاء ما تبلغ قيمته ٧١٥،٨ مليون دولار من عتاد اشتُري لوكلاء وحلفاء محليين. إن فقدان الأسلحة والذخائر مسألة حساسة في غاية الأهمية، وحاول الجيش جاهداً منع ذلك. وحين سحبت الولايات المتحدة قواتها من موقع قرب كوباني في سوريا في ٢٠١٩ نفذت غارات جوية لتدمير الذخائر التي خلفتها وراءها. ودمر الجيش أيضاً عتاداً وذخيرة أثناء انسحابه العشوائي من أفغانستان في ٢٠٢١. ورغم ذلك، اكتشفت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيئة أبحاث النزاعات المسلحة، على سبيل المثال، أن قسماً كبيراً من ترسانة تنظيم الدولة الإسلامية يتألف من أسلحة وذخيرة صنعتها أو اشترتها الولايات المتحدة استُولي عليها أو سُرقت أو تم الحصول عليها بطريقة أخرى من الجيش العراقي والمقاتلين السوريين.
كشفت ملفات تحقيقات جنائية تم الاطلاع عليها بمقتضى قانون حرية المعلومات عن التوصل إلى أدلة حقيقية حول حدوث أربع عمليات سرقة كبيرة على الأقل وفقدان للعتاد الأمريكي، وبلغت قيمة العتاد المسروق أو المفقود تقريباً مائتي ألف دولار في العراق وسوريا بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ بما فيه قنابل يدوية ٤٠ ملم شديدة الانفجار سُرقت من القوات الخاصة الأمريكية.
”هذا صادم ومأساوي“، علقتْ ستيفاني سافيل المدير في مشروع تكاليف الحرب التابع لمؤسسة واطسون للشؤون الدولية والمحلية في جامعة براون. ”إن هذه الأسلحة المسروقة ستنتشر وتزيد من حدة العنف السياسي واللامشروع وتجعله أكثر إهلاكاً، كما رأينا الأمر يحدث في حروب وصراعات أخرى“.

إن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب – التي تشرف على الحرب الأمريكية في العراق وسوريا لا تعرف حتى حجم المشكلة. لا تمتلك قوة المهام سجلاً حول أية سرقات من القوات الأمريكية، كما قال الناطق باسمها. ”ليس لدينا المعلومات المطلوبة“، قال لموقع إنترسيبت مدير الشؤون العامة النقيب كيفن تي. لفنغستون حين سُئل إن كانت قد سُرقت أية أسلحة وذخائر أو عتاد في السنوات الخمس الماضية.
كان الهدف المعلن لنشر القوات الأمريكية في العراق وسوريا إلى جانب قوات أمن عراقية وقوات كردية ووكلاء سوريين إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن القوات الأمريكية تحارب أيضاً وبصورة متزايدة الميليشيات المدعومة من إيران في حرب جانبية غامضة من الناحية القانونية. ويعمل الأمريكيون في قواعد حيث عدم الكشف عن المعلومات هو في بعض الأحيان العرف ولا يتم الوثوق دوماً بالشركاء المحليين مثل قوات سوريا الديمقراطية. وفي ظل محدودية الإشراف الخارجي أو التغطية الصحفية للعمليات العسكرية الأمريكية تقتصر المعلومات حول هذه النزاعات إلى حد كبير على التصريحات المشكوك فيها للقادة العسكريين الأمريكيين، والبيانات الصحفية العسكرية، والتقارير المعتمدة رسمياً. وتلقي سجلات التحقيقات الجنائية التي حصل عليها موقع إنترسيبت بعض الضوء حول كيفية خوض الحروب الأمريكية في العراق وسوريا في الحقيقة.
تذكر هذه الملفات أنه في وقت ما في أواخر ٢٠٢٠ أو بداية ٢٠٢١ سُرقت ”عدة مدفعية ميدان متخصصة وتجهيزات عديدة“، من شاحنة عسكرية وهي تنقلها إلى القاعدة الجوية في أربيل في شمال العراق. وحين وصلت الشاحنة إلى الموقع في كردستان اكتشف الجنود الأمريكيون أنه فُقد عتاد من الشاحنة تقدر قيمته بمبلغ ٨٧،٣٣٥،٣٥ دولار أمريكي. ”لم يتم التوصل إلى أية أدلة“، ولم يتم تحديد أي مشتبه بهم بحسب ملف التحقيق. وفي شباط ٢٠٢١ سرقت ”٤٠٠ طلقة خارقة للدروع و٤٢ قنبلة عيار ٤٢ ملم شديدة الانفجار ومزدوجة الغرض ”قادرة على اختراق ثلاث بوصات من الفولاذ“، بحسب الجيش، من إمدادات ذخائر القوات الخاصة في موقع القرية الخضراء في شمال غرب سوريا. وتوصل تحقيق جنائي إلى أنه تم ”التعامل مع الذخائر بإهمال وثمة غياب للمسؤولية القانونية“، ما سمح ”لأشخاص مجهولين بأن يسرقوا الذخائر“، التي قُدرت قيمتها ب ٣،٦٢٤،٢٤ دولار.

في تموز (يوليو) ٢٠٢١ سُرقت ”خمسة أنظمة أسلحة“ تقدر قيمتها ب ٤٨،١١٥ أثناء نقلها في ”موكب عن طريق البر“ من قاعدة حقل كونيكو للغاز – وهي قاعدة غير بعيدة عن القرية الخضراء – إلى قاعدة في سوريا. سُرقت الأسلحة من حاوية شحن ولم يتم العثور على شهود أو التوصل إلى أية أدلة.
وذكرت الوثائق أن اللصوص اقتحموا في كانون الثاني (يناير) الماضي حاوية شحن في طريقها إلى القاعدة الجوية في أربيل في العراق وسرقوا عتاداً عسكرياً ومقتنيات شخصية تقدر قيمتها بأكثر من خمسة وسبعين ألف دولار. وبعد أربعة أشهر تقريباً سُرقت٢،١٠٠ طلقة خارقة للدروع الجسدية وثلاثة صناديق من ”قطع الغيار“ غير المحددة حُمّلت على حوامة بلاك هوك في قاعدة الأسد الجوية في العراق وكانت منطلقة إلى قاعدة أربيل الجوية، حيث كان من المفترض أن تصل لجنود من وحدة تُدعى قوة مهمة الهجوم. زعمت تلك الوحدة أنها لم تتلق الذخيرة أبداً ما أدى إلى الشروع بتحقيق. بعد شهر تقريباً، زعم أفراد هذه الوحدة أنهم استطاعوا تحديد مكان صندوق يحتوي على ١٦٨٠ طلقة من الذخيرة المفقودة، لكن السجلات لا تذكر بقية الطلقات والقطع.
ويظن المحققون الجنائيون في الجيش أن هناك سبباً مرجحاً في جميع الحالات، باستثناء الحالة الأخيرة، لاتهام المسؤولين بسرقة ممتلكات حكومية أو أسلحة حكومية إذا تمكنوا فقط من العثور على اللصوص.

(دورية أمريكية راجلة في قرية القحطانية في شمال شرق الحسكة)

وكشف تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ خللاً في الحسابات المتعلقة بعتاد يبلغ ثمنه أكثر من ٧٠٠ مليون دولار اشتُري لوكلاء أمريكا السوريين وتوصل التقرير إلى أن قوات العمليات الخاصة لم ”تحافظ على قوائم شاملة بالعتاد كله الذي اشتُري وتم استلامه“. هناك وحدة عسكرية أخرى، تدعى قيادة الإمداد والتموين الأولى لمسرح العمليات خزنت بشكل يخلو من الدقة أسلحة كالرشاشات وقاذفات القنابل، بحسب التدقيق. وتركت ”آلاف الأسلحة وقطع العتاد الحساسة معرضة للفقدان أو السرقة“. ونظراً لعدم الدقة في حفظ السجلات والإجراءات الأمنية غير الكافية لم تستطع هذه الوحدة حتى ”أن تحدد إن كانت الأشياء قد ضاعت أو سُرقت“.
شكل فقدان الأسلحة والذخائر مشكلة ملحة للبنتاغون. ففي منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فقدت الولايات المتحدة مئات آلاف البنادق في أفغانستان والعراق بحسب بحث أشرف عليه إيان أوفرتون من منظمة العمل من أجل الصراع المسلح وهي مؤسسة خيرية مقرها لندن. واستولت جماعة طالبان على كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية حتى قبل الهزيمة الأمريكية في أفغانستان. وحين انسحبت القوات الأمريكية في ٢٠٢١ تركت خلفها ما تبلغ قيمته ٧ بليون دولار من العتاد العسكري. كانت النتائج أحياناً كارثية، فمن أفغانستان إلى العراق كانت هذه الكميات من الأسلحة تُستخدم ضد حلفاء الولايات المتحدة ومن المحتمل ضد القوات الأمريكية.
”إن كل قطعة من هذه الأسلحة التي تُقدم لقواتنا الشريكة تخضع للمسؤلية القانونية وتُصوب إلى تنظيم الدولة الإسلامية“، قال ناطق من قوة المهام المشتركة في تغريدة في ٢٠١٧. لكن يبدو أنه ليس لديه أية معلومات حول السرقات، وغير متأكد من أن الأسلحة والذخائر الأمريكية التي سُرقت بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ لن تُستخدم ضد القوات الأمريكية أو وكلائها.
للجيش الأمريكي تاريخ طويل من التستر على فقدان الأسلحة. فقد توصل تحقيق قامت به وكالة الأسوشيتد برس في ٢٠٢١ إلى أنه ”فُقدت ١٩٠٠ قطعة سلاح أمريكية على الأقل أو سُرقت في ٢٠١٠ وعاود بعضها الظهور في جرائم عنيفة“، وإلى أن ”الجيش الأمريكي تستّر على اختفاء أسلحته النارية أو قلل من حجمه، ومن أهمية فقدان الأسلحة والسرقات وهذا نموذج من السرية والتكتم يعود إلى عقد تقريباً“.
إن افتقار قوة المهام الخاصة المشتركة للسجلات وللشفافية يجعل من المستحيل معرفة كيف فُقدت الأسلحة الأمريكية أو سُرقت في سوريا والعراق، أو إن كانت هذه الأسلحة قد استُخدمت ضد القوات الأمريكية أو حلفائها، لكن سافيل من مشروع تكاليف الحرب تخشى أن يكرر التاريخ نفسه. قالت معلقة على السرقات الموثّقة في سجلات وملفات التحقيقات الجنائية: ”سيُصاب الكثير من الأشخاص أو يُقتلوا جراء ذلك. هذه إحدى العواقب الناجمة عن القيام بعمليات عسكرية أمريكية في كثير من المواقع خارج البلاد“.

*الصورة الأساسية المرافقة للمقال: (جندي أمريكي يحمل قاذفة صاروخ أرض- جو من نوع جافلين أثناء مناورة عسكرية مشتركة في ريف دير الزور في شمال شرق سوريا في السابع من كانون الثاني، ٢٠٢١)