بواسطة Dr. Volker Perthes | مارس 7, 2019 | Cost of War, غير مصنف
تداخلت في سوريا جميع الصراعات الجيوسياسية والأيديولوجية والطائفية بمنطقة الشرق الأوسط تقريباً، على امتداد السنوات الثماني الأخيرة. واليوم وبالرغم من أن سوريا لا تنعم بالسلام، إلا أن نظام بشار الأسد خرج من الحرب منتصراً ـ بدعم من روسيا وإيران ـ في مواجهة المعارضة المسلحة المناوئة له. وتعاني أغلب المعارضة السياسية اليوم من التهميش، في الوقت الذي توشك الدول العربية على تطبيع علاقاتها مع الحكومة في دمشق، فيما تمثل روسيا وإيران القوى الخارجية الرئيسية صاحبة النفوذ فيها، كذلك من المتوقع أن يتراجع النفوذ السياسي الأميركي في سوريا جراء الانسحاب العسكري المقرر.
من جهته، سيتعين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء به التوصل إلى سياسة خاصة بهم للتعامل مع الواقع الجديد في سوريا، فبالنسبة لأوروبا، سوريا تبلغ درجة من القرب الجغرافي والهشاشة تجعلها مسألة يتعذر تجاهلها.
يروق للدبلوماسيين التأكيد على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في سوريا، ورغم صحة هذه المقولة إلا أن نتائج العديد من النتائج العسكرية قد تحققت على الأرض ولا يمكن نفيها، أبرزها هزيمة المعارضة الرئيسية بالبلاد، كما فقد تنظيم “داعش” تقريباً جميع المناطق التي كان يسيطر عليها من قبل بالقوة العسكرية، ومع ذلك يبقى قوة إرهابية يحسب حسابها.
حتى الآن، لا تزال بعض المناطق خارج سيطرة الحكومة، على رأسها ما يطلق عليه “منطقة خفض التصعيد” في إدلب شمالاً، وتبقى إدلب على وضعها الحالي بفضل ترتيبات تركية ـ روسية جرى الاتفاق عليها، لكن احتمال عودتها إلى السيطرة الحكومية يبقى مطروحاً عاجلاً أم آجلاً. ومن المحتمل أن يحدث ذلك على نحو تدريجي، وليس كنتيجة لعملية هجومية كبرى.
وظل الوضع على هذه الحال منذ هزيمة القوات المعارضة المدعومة من تركيا، وتعرض الجزء الأكبر من المنطقة لغزو من جانب “هيئة تحرير الشام”، وهو تحالف معارض تقوده “جبهة النصرة” سابقاً التي تتبع لتنظيم “القاعدة.” بالنسبة لتركيا، لا مصلحة استراتيجية وراء معاونة هذه الجماعة للسيطرة على المنطقة، ومع هذا، تبدو أنقرة عاقدة العزم على الإبقاء على سيطرتها، وكذلك سيطرة حلفائها داخل سوريا على شريط من الأراضي يمتد بين محافظة هاتاي التركية ونهر الفرات.
أما المنطقة الواقعة إلى الشرق من الفرات، فماتزال خاضعة لسيطرة الجناح المسلح من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهو القوة المهيمنة على ما يطلق عليه “القوات السورية الديمقراطية”. لكن دون دعم قوات أميركية، لن يتمكن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من الإبقاء على المنطقة الخاضعة لحكم شبه ذاتي والتي يسيطر عليها، سواء حدث الانسحاب الأميركي بسرعة أو ببطء. وقد أدركت هذه القوات أن الوجود الأميركي سينتهي لا محالة، بينما لن ينتهي وجود أي من الدولة السورية وتركيا.
وفي مواجهة حتمية للاختيار ما بين مواجهة غزو تركي أو السعي للتوصل لترتيبات مع الحكومة في دمشق، ستفضل الجماعة الكردية بالتأكيد الخيار الأخير، عبر محاولة الوصول لصورة ما من دمج الميليشيا الخاصة بها داخل القوات المسلحة التابعة للدولة. وعليه، فإن الاحتمال الأكبر أن دمشق ستفرض سيطرتها على المدن والحقول النفطية الواقعة إلى الشرق وعلى الحدود السورية ـ العراقية في غضون الشهرين القادمين.
جدير بالذكر أن المناقشات الدائرة بين الولايات المتحدة وتركيا وأطراف أخرى حول إقامة “منطقة أمنية” على امتداد الجزء الشرقي من الحدود التركية ـ السورية لم تثمر أية نتائج ملموسة. من جهتها، ثمة مصلحة قوية لروسيا في عودة سيطرة الدولة السورية على المنطقة، في وقت تحتاج تركيا إلى الموافقة الروسية إذا ما رغبت في الإبقاء على سيطرتها على الأراضي السورية الواقعة غرب الفرات.
وعليه، بإمكاننا افتراض أن السيطرة التركية المباشرة على المنطقة الواقعة شرق الفرات ستبقى محصورة في معظمها على شريط ضيق من الأرض، والاحتمال الأكبر أن القوات التابعة للحكومة السورية سوف تتحرك إلى نقطة أقرب إلى الحدود، كما ستتواجد بعض القوات الروسية تحسباً لأية مستجدات غير متوقعة.
حقائق ما بعد الحرب
لم يعد مستقبل سوريا رهناً لميدان القتال، ولا المفاوضات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، وربما يتمكن المبعوث الأممي الخاص لسوريا الجديد من تشكيل لجنة دستورية بمشاركة ممثلين عن الحكومة والمعارضة السياسية وخبراء قانونيين وقيادات مجتمعية لا خلاف حولها، وربما بمقدور تركيا وروسيا وإيران الاتفاق عليها. ومع هذا، يبقى من غير المحتمل بدرجة بالغة أن تسمح حكومة الأسد بإقرار أية وثيقة دستورية من شأنها تقليص سلطات الرئيس والجهاز الأمني على نحو خطير.
الحقيقة أن واقع سوريا ما بعد الحرب سيشبه الصورة التي كانت عليها البلاد قبل الحرب على نحو جزئي، وباستثناء وقوع أحداث غير متوقعة، سيظل الأسد في السلطة حتى بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة المتفق حالياً عقدها عام 2021، لكن الأسد سيحكم بلاداً مدمرة، فقد تراجع الاقتصاد السوري إلى قرابة 50% من مستوى أدائه قبل الحرب، كما أن أكثر من ربع السوريين أصبحوا لاجئين خارج بلادهم، بينما تعرض ربع آخر للتشريد داخل البلاد. علاوة على ذلك، تعرض النسيج الاجتماعي السوري لدمار بالغ، مع اضطرار الكثير من أصحاب المستويات التعليمية الجيدة للفرار إلى المنفى، بينما تمكن المنتفعون من الحروب من حصد الثروات والمناصب، ولا تبدو الحكومة حريصة على عودة الجزء الأكبر من اللاجئين إلى البلاد.
كما أن أجزاء من المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة المعارضين المسلحين تجد اليوم نفسها تحت احتلال فعلي من جانب الجهاز الأمني، مع عدم وجود ضمانات لحماية العائدين أو من بقوا أثناء وبعد سيطرة المعارضين، ومن غير المحتمل أيضاً محاسبة عناصر محلية أو خارجية عن جرائم حرب ارتكبت أو ما يصل إلى 500.000 قتيلاً قضواً خلال الحرب في سوريا.
روسيا وإيران
ونظراً لاعتمادها على روسيا وإيران، فقد فقدت الحكومة السورية فعلياً الكثير من سيادتها، و أصبحت موسكو هي الأكثر سلطة في سوريا لتأتي بعدها إيران، ومن المرجح أن تحتفظ كلاهما بقواعد عسكرية ووجود عسكري بالإضافة إلى مستوى قوي من النفوذ داخل الجهاز السياسي والأمني. ورغم تمكنهم من إدارة خلافاتهم بنجاح كبير للآن، إلا أن استراتيجياتهم في سوريا ما بعد الحرب ليست متطابقة، إذ ترى إيران أن سوريا قاعدة متقدمة لما يسميه الاستراتيجيون الإيرانيون موقفهم الرادع ضد إسرائيل
ويبدو أن إيران عازمة على غمس نفسها بشكل أعمق في النسيج العسكري-السياسي والإيديولوجي لسوريا لتوطيد نفوذها فيها، في المقابل، فإن روسيا ليست مهتمة بهذا الشكل من الهيمنة الإيرانية في سوريا، ولا بالمزيد من التصعيد الإقليمي، بل تهدف موسكو إلى إعادة تشكيل حكومة مستقرة ووثيقة الصلة ومقبولة دوليا في دمشق.
ولهذا الغرض، تسعى روسيا إلى وضع جدول أعمال طموح يتضمن جهودا عسكرية مستمرة، وعملية دستورية، وإصلاحاً عسكريا، ومصالحات داخلية، وعودة للاجئين، وإعادة بناء الاقتصاد، ومنع المواجهة العسكرية الإسرائيلية-الإيرانية الكبرى في سوريا، هذا أكثر مما تستطيع روسيا تحمله بنفسها، وهو أكثر مما تستطيع أن تفعل بوسائلها العسكرية المهيمنة سلفاً، ولذلك تطلب موسكو دعمًا من أوروبا وبقية العالم، خاصة لتمويل عملية إعادة إعمار البلاد.
الخيار الأوروبي
الانسحاب العسكري الوشيك للولايات المتحدة من سوريا سيقلل أيضاً من نفوذ واشنطن الدبلوماسي على التطورات المتعلقة فيها، وهذا يزيد من حاجة أوروبا إلى تطوير سياسة مشتركة حول كيفية التعامل مع الواقع السوري.
حتى قبل أن تتخذ الولايات المتحدة قرار المغادرة، كان القرار الصائب للمستشارة أنجيلا ميركل والرئيس إيمانويل ماكرون هو الاجتماع للنقاش مع رئيسي روسيا وتركيا، في محاولة لتجنب المزيد من الاستقطاب الدولي حول سوريا. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا يمكن أن يؤدي إلى قدر من التنسيق الدولي، فدول الاتحاد الأوروبي لا تشترك مع روسيا في نفس المصالح في سوريا: سواء على صعيد دعم استقرار الاستبداد أو السعي بدلاً من ذلك إلى شكل من أشكال التحول نحو حكم أفضل وأكثر تعددية على الأقل. والتباين بينهما ليس فقط خلاف على مسألة أيديولوجية فيما يتعلق بالاستقرار وأمن الأفراد والتغيير، إنما أيضاً لديهم وجهات نظر زمنية مختلفة – أكثر قصيرة الأجل أو طويلة الأجل. لكن الكثير مما تحاول روسيا تحقيقه في سوريا اليوم -بعد انتصارها- لا يتعارض مع المصالح الأوروبية، بل تبدو أقرب بالتأكيد إذا ما قورنت بالأجندة الإيرانية.
قد لا يرحب الاتحاد الأوروبي وأعضاؤه بالنتيجة العسكرية، لكنهم سيعترفون بها، فهم لم يعودوا يطالبون بحكومة انتقالية أو بترتيب لتقاسم السلطة في دمشق، وهم على حق في دعم جهود وكالات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة. إلا أن هذا لا يمكن أن يحل محل استراتيجية أوروبية لسوريا، كدولة هشّة في جوارهم، سيكون على أوروبا في الأساس أن تقرر ما إذا كانت ستترك المسؤولية الدولية لسوريا إلى مجموعة أستانا – روسيا وإيران وتركيا – أو المشاركة.
في ملف إعادة الإعمار، لا توجد خيارات مثالية، لكنه يشكل الرافعة الكبيرة التي تمتلكها أوروبا، فالاتحاد الأوربي والمؤسسات المالية الدولية والدول العربية الغنية لا ترغب بتقديم المال لجهود إعادة الإعمار التي تقودها الحكومة الروسية والإيرانية والسورية، لا تريد أوروبا دعم النظام القمعي المسؤول عن الغالبية العظمى من قتلى الحرب ومعظم الدمار، كما أنه لا ينبغي أن يساعد في إثراء المزيد من أمراء الحرب ومقربي النظام الذين قدموا بالفعل خططاً ضخمة لتطوير وتغيير التركيبة السكانية للأحياء المدمرة التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة في السابق.
في الوقت نفسه، يتعين على أوروبا أن تدرك أن الشعب السوري، لا سيما في المدن والضواحي التي تضررت من الحرب، في حاجة ماسة إلى الدعم، فلقد تضرر هؤلاء السكان بطرق متعددة لا تقتصر على التدرمير المادي فحسب، فالكثير من شبابهم في المنفى أو في السجن، أو ميت. ﻓﻘﺪ هؤلاء ﻓﻲ اﻟﻐﺎﻟﺐ دﻋﻢ اﻟﺠﻬﺎت اﻟﻤﺎﻧﺤﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺘﻲ كانت تدعم ﺎﻟﺒﻨﻴﺔ اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟﺨﺪﻣﺎت ﻓﻲ هذه اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ عندما كاﻧﺖ ﺗﺤﺖ ﺳﻴﻄﺮة المعارضة، والحكومة أيضاً لا تعطي الأولوية لدعمهم على العكس ، هي تعاملهم كأعداء مهزومين، وبهذا لن يؤدي غياب إعادة الإعمار في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة سابقًا إلى ظروف إنسانية غير مقبولة وحسب ، بل إنه سيخلق في الواقع أرضًا خصبة لظهور داعش مجددا”.
الحقوق والحماية والوصول
على أوروبا أن تتصل بروسيا، وبالتالي بالحكومة السورية، لتعلمها أنها مستعدة للمساهمة في إعادة إعمار في سوريا في نهج مشروط يعتمد على ثلاثة عناصر: الحقوق والحماية والوصول. أو بشكل أكثر تحديداً ، استناداً إلى قدر من سيادة القانون والحقوق المدنية، بما في ذلك حقوق العائدين واللاجئين في ممتلكاتهم وحريتهم ؛ حماية الأشخاص الأكثر ضعفاً ، مثل النازحين ، والأطفال ، والمحتجزين ، أو الذين هزموا في الحرب ؛ وكذلك وصول المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والدبلوماسيين إلى الأفراد والمناطق المحتاجة. كلما كان هناك المزيد من الدعم فيما يتعلق بهذه العناصر ، كلما زاد الدعم الذي يمكن توفيره. سيذهب الدعم بشكل رئيسي إلى المناطق الأكثر احتياجًا في سوريا: المدن والأحياء التي تعرضت لأضرار بالغة ، مثل حلب وحمص وضواحي دمشق، ولكن أيضًا الرقة، التي تُركت مدمرة بشدة بعد الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لطرد داعش من المدينة. ويجب ألا يتم توجيه الدعم من خلال الوزارات الحكومية، ولكن من خلال المنظمات غير الحكومية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، والتي ستعمل بدورها مع البلديات والمنظمات غير الحكومية المحلية، وتعتمد على توظيف السكان المحليين، وستتمكن أيضًا من مراقبة التقدم والتأكد من وصول المساعدات إلى الأفراد والأماكن المحتاجة. وسيؤدي ذلك إلى بطء صرف الأموال وإلى المزيد من المشاريع الصغيرة – بما في ذلك الإسكان منخفض الدخل ، والمدارس، والبنية التحتية الطبية – مقارنة بالعملية التي تقودها الحكومة أو المتعاقدين الذين يتمتعون برعاية الحكومة.
لن ترحب الحكومة السورية ولا إيران بهذا النهج، لكن روسيا ، التي تطالب فعليًا بدعم إعادة الإعمار الأوروبي لسوريا ، ستدرك هذا النهج وربما تقدّره.
هل هذا يعني تجاهل الحكومة السورية؟ بما أن النظام لن يتغير، تحتاج الدول الأوروبية إلى قنوات رسمية وغير رسمية للتواصل معه. فالعلاقات الدبلوماسية ليست مكافأة للسلوك الحسن، معظم دول الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأوروبي نفسه لم يقطعوا العلاقات الدبلوماسية ، بل خفضوا أو سحبوا دبلوماسييهم. يجب أن يجدوا الآن خطاً متكاملاً حول كيفية إعادة إقامة الاتصالات السياسية مع دمشق ، مع تجنب الاندفاع نحو التطبيع الكامل، طالما لم تكن هناك مصالحة محلية جادة أو تنفيذ للبنود الأساسية الموضحة أعلاه. بيد أن الحضور الدبلوماسي، حتى في المستويات الأدنى ، وتحسين الوصول ، والسماح بإجراء تقييم واقعي للحالة ، قد يساعد في بعض الأحيان على حل المشاكل الإنسانية أو غيرها، وسيثبت للشعب السوري أن المجتمع الدولي يكترث لما يحدث في بلدهم.
النسخة الإنكليزية الأصلية من هذا المقال متوافرة هنا.
بواسطة لامار اركندي | مارس 3, 2019 | Cost of War, غير مصنف
بعد سيطرتها على كبريات المدن العراقية والسورية، تتهاوى دولة الخلافة الآن على الأراضي السورية، لتحدد الساعات القليلة القادمة موعد النهاية المنتظرة للتنظيم في آخر معاقله في منطقة “وادي الفرات”.
وفي جحيم المعارك الأخيرة، اختفى المئات من مقاتلي التنظيم بين قوافل المدنيين الفارين، رافضين لقبول فكرة انهيار خلافتهم، متربصين بأية فرصة للثأر والانتقام، فقبل أيام شهد مخيم الهول في ريف الحسكة مقتل ثلاثين شخصاً بعملية انتقامية من العناصر الهاربة. إذ قبضت القوات الأمنية الكردية المعروفة “بالأسايش” على خلايا نائمة لداعش دخلوا لمخيم الهول ملاذ المدنيين الفارين من معارك الباغوز في ريف ديرالزور متنكرين بهيئة نساء، مخفين وجوههم بالنقاب، وارتكبوا المجزرة قبل أن يدفنوا الجثث تحت خيامهم.
ويتحضر مسلحو داعش لإعدام ٦٠٠ رهينة إيزيدية مختطفة لديهم منذ الثالث من آب/اغسطس 2014، بعد أن أعدموا 50 مختطفة منهم مؤخراً، ونفذت هذه العملية الوحشية على ثلاث مراحل في أماكن مختلفة في بلدة الباغوز، انتقاماً لمقتل قياديين بارزين من التنظيم مع عائلاتهم في قصف جوي لطائرات التحالف على المدينة.
ويبرز هنا سؤال كنت قد طرحتهُ قبل أربع سنوات على كارون روز وهو دبلوماسي بريطاني رفيع المستوى، “هل يمكن أن ينتهي شبح داعش ويتبدد دون رجعة، أم أنه سيعاد الى القمقم ليستحضر بنسخة جديدة؟”.
وكان روز قد علق على سيناريو انتهاء داعش خلال زيارته لمدن وبلدات كردية في شمال وشرق سورية صيف 2015 مشيراً إلى أنه: “من الصعب التكهن بكيفية انتهاء داعش ومتى، كونه ظهر ووصل لمرحلة متقدمة من القوة في فترة وجيزة؛ فالقضاء عليه يتطلب جهداً أكبر ووقتاً أطول، وحسب متابعتي الشخصية لمجريات الأحداث أستبعد القضاء عليه نهائياً؛ فمستقبلاً سيناريو داعش سيتكرر باسم جديد وعلى جغرافية جديدة”.
وفقدت داعش 99 % من الأراضي عبر حدود خلافتها المزعومة، التي أعلنها البغدادي في العراق وسوريا عام 2014.
وانهارت أحلام التنظيم المتشدد بإنشاء دولة حين قضي عليه في الموصل بالعراق في تموز/يوليو 2017، وطرد في مرحلة تالية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي من منطقة الرقة السورية التي كان قد أعلنها عاصمة لخلافته. وانسحب عناصر داعش بعد الهزائم الكبيرة التي مُني بها إلى المناطق الصحراوية في سوريا، ويكاد لا يبقى لهم أية مكاسب إقليمية.
وفي الوقت الذي سحب فيه داعش البساط من تنظيم “القاعدة” منذ 2014 في مدن كالرقة والموصل، نشهد أخيراً معاودة تنظيمات تابعة للقاعدة استحواذها على مدن كإدلب، أو دول أخرى مثل اليمن، فيما يتجه داعش نحو احتلال جبال تورا بورا معقل أسامة بن لادن، من أجل وضع لوائه فيها وإثبات قوة وجوده.
فمن اللافت أن يظهر عناصر من تنظيم “حراس الدين” -المتمركز فيجبال غرب إدلب وجبل باريشا ومدينة سرمين السورية- في عدد من المحافظات العراقية كصلاح الدين والأنبار ونينوى وكركوك وخانقين، وقضاء الشرقاط. وتأسس الفصيل الجهادي البالغ قوامه ١٨ ألف مقاتل في أواخر فبراير/شباط الماضي، وبايع تنظيم القاعدة معلناً ولاءه لأيمن الظواهري، لينضم إليه لاحقاً العديد من قيادات “تحرير الشام”، أما أول عملية نفذها بمفرده فكانت ضد قوات الحكومة السورية شمال محافظة حماه.
في الوقت الذي سعى فيه العديد من مقاتلي داعش للانتقال خارج سوريا إلى صحراء العراق بالقرب من منطقة الأنبار، وكجزء أبعد من استراتيجية التنظيم، يظهر الاهتمام في إيجاد مناطق نفوذ جديدة مثل ليبيا وأفغانستان وحتى الصومال ودول أخرى، الأمر الذي يلقي الضوء على ضرورة اجتثاث الفكر الآيديولوجي المتطرف كالذي ينشره “داعش” لتعطيل قدرته على التغلغل إلى المتعاطفين ومن لديهم قابلية للتطرف والأدلجة.
يصف الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب منير أديب انقراضتنظيم متطرف كداعش “بالأمر الشديد الصعوبة، لأن ذلك يستلزم استسلام هذه التنظيمات وإعلانها الخسارة، وهو أمر ترفضه غالبية هذه التنظيمات التي تستعيض عن ذلك بالركون، حتى تحصل على فرص تمكنها من النهوض من جديد” بحسب قوله.
وفي ظل السياسات غير الجدية في التعامل مع التنظيم المتطرف، يؤكد أديب على “حتمية العودة لداعش”، مشيراً إلى أننا الآن نشهد إعادة إنتاج جديد للتنظيم بتكتيك مختلف، وباسم مختلف أيضاً.
ومع غياب تصورات المواجهة للأفكار المتطرفة التي خلفها التنظيم، لا يعني تحرير الموصل والرقة بالضرورة نهاية التنظيم، فالخشية أن يكون السياق السياسي والأمني -الذي أحيا التطرف وسيّده على مناطق شاسعة- لا يزال قائماً في العراق وسورية والمنطقة بشكل عام. ولهذا فإن الانحسار الجغرافي للتنظيم، ربما يقابله تمدد أيديولوجي لرايات سود تبحث عن وسائل تنظيمية جديدة لتظهر مجدداً في مناطق تشهد صراعات سواء كانت في الشرق الأوسط أو جنوب شرق آسيا أو في غرب أفريقيا أو في أوروبا من خلال استراتيجية (الذئاب المنفردة) والخلايا النائمة.
بواسطة Jiwan Soz | مارس 1, 2019 | Cost of War, Reports, غير مصنف
“مع كل تغريدة للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، نوضب أغراضنا الشخصية في حقائبنا، لكننا لا نعرف إلى أين سنمضي؟”. يقول أحد أكراد سوريا المقيمين شمال شرق سوريا، و التي تتمتع بشبه حكمٍ ذاتي منذ أكثر من ست سنوات، تعليقاً على تهديدات أنقرة المستمرة ومواقف واشنطن المحيرة التي ترد فيها على الأولى.
وتغير تغريدات الرئيس الأميركي المزاج العام للسكان الأكراد وغيرهم في تلك المناطق، فإذا كانت التغريدة لصالحهم، تعود الحقائب لأماكنها، وإن لم تكن كذلك، فالحقائب في متناول اليدّ دوماً، خشية من موجةِ نزوحٍ أو لجوءٍ مُحتمل قد يخلّفه الهجوم البرّي التركي المقرر شنّه في وقتٍ غير محدد.
ويرى العديد من سكان هذه المنطقة في وجود القواعد العسكرية الأمريكية، والتي يبلغ عددها 21 قاعدة في مناطق أكراد سوريا، عاملاً إضافياً لاستقرار المنطقة وحمايتها من التهديدات التركية المستمرة باجتياحها برّاً، ويربطون ذلك بمصالح واشنطن على الأرض في أغنى المناطق السورية التي تشكل نحو 52% من ثروات البلاد الطبيعية كالغاز والنفط والزراعة. ويعتقد العديد أن أمريكا لن تتخلى عن المنطقة بالرغم من إعلانها عن سحب قواتها العسكرية من المنطقة في الوقت الذي مازال فيه الأكراد وحلفاؤهم المحليون في قوات “سوريا الديمقراطية”، يحاربون تنظيم “داعش” في آخر جيوبه الصغيرة بالقرب من الحدود السورية ـ العراقية.
ولا يقتصر القلق من هذا الانسحاب على الأهالي فحسب، فالجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية الّذي يمثّله “مجلس سوريا الديمقراطية”، كثّف جهوده الدبلوماسية منذ اللحظات الأولى للإعلان، ووصل وفده العاصمة الفرنسية باريس بعد أيامٍ لكسبِ حليفٍ جديد، واستقبلتهم فرنسا في قصر الإليزيه مؤكدة دعمها لـ”سوريا الديمقراطية” في حربها ضد “داعش”.
وبالإضافة لكسب حليف جديد، هدفت هذه الزيارة الدبلوماسية لمجلس سوريا الديمقراطية لمنع تكرار تجربة مدينة عفرين الّتي سيطرت عليها أنقرة بالتعاون مع فصائل من المعارضة السورية المسلحة في آذار/مارس الماضي. إذ نجم عن سيطرة أنقرة ومواليها على عفرين فرار أكثر من نصف السكان لخارجها، بالإضافة لعملياتٍ تطهير عرقي وديموغرافي لا تزال مستمرة في هذه المنطقة.
ولهذا يخشى المسؤلون الأكراد من الاجتياح التركي لمناطق نفوذهم شرق نهر الفرات، وغربه بمدينة منبج التي ترفض أنقرة وجود مقاتلين أكرادٍ فيها. وبالإضافة لفرنسا ، وصلت وفود أخرى من “مجلس سوريا الديمقراطية” إلى قاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري، ومن ثم مضوا نحو موسكو وواشنطن أيضاً.
ويحاول مجلس سوريا الديمقراطية من خلال جوالاته ومباحثاته الديبلوماسية هذه، المحافظة على حالة الاستقرار التي تتمتع بها مناطقه والتي يقطنها ملايين السكان وآلاف النازحين، ولهذا فاوضوا النظام السوري عبر “خارطة طريق كُردية” قدّمها المجلس لموسكو بغية إقناع النظام السوري بشروطه، والتي تتمثل بالاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية وضمان حقوق مختلف السكان وفي مقدمتهم الأكراد، مع إمكانية ضم مقاتلي “سوريا الديمقراطية” للجيش السوري في المستقبل.
لكن في الوقت ذاته، يؤكد مسؤولون أكراد أنه لا يمكن للنظام أن يعود إلى مناطقهم بالشكل الّذي كان عليه قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البلاد منتصف آذار/مارس من العام 2011.
وبالرغم من ترحيب وزارة الخارجية السورية بالمفاوضات مع الأكراد، إلا أن الملف مجمد ولم يشهد أي تقدم للآن، فالنظام يحاول تجريد مجلس سوريا الديمقراطية من صلاحياته وضمه إلى صفوفه على غرار عمليات المصالحة الوطنية التي عمل عليها في مناطق للمعارضة المسلّحة بالقرب من دمشق، الأمر الّذي يرفضه الأكراد، حتى لو كلفهم ذلك صراعاً طويلاً مع تنظيم “داعش” وأنقرة معاً بحسب تصريحات بعض مسؤوليهم.
وبالرغم من معارضة بعض الكيانات الكردية للتفاوض مع النظام فإن تفاوض سوريا الديمقراطية مع دمشق يعد “إنجازاً كُردياً” كما وصفه بعض المسؤولين، سيما وأن النظام حتى الأمس القريب، لم يكن يقرّ بوجود الأكراد على الأراضي السورية أبداً.
من جهة ثانية ، يبدو أن مختلف فصائل المعارضة السورية تقف مع أنقرة ضد أكراد سوريا، وهو ما يبدو واضحاً في بيانات الهيئة العليا للتفاوض وكذلك في بيانات الائتلاف السوري المعارض و”الجيش الوطني” الّذي تدعمه أنقرة. الأمر الّذي لا يترك خياراتٍ كثيرة أمام الأكراد، فإما سيناريو عفرين أو الوصول مع النظام لحلولٍ تجبنهم الدخول التركي، حتى لو كلّفهم ذلك خسارة سياسية معنوية وكذلك فعلية لمكتسباتهم.
ولا يمكن تصنيف المجلس أو الإدارة كمعارضة أو موالاة، فموقفهما من النظام واضح وعلني، وكان الرئيس المشترك الحالي لمجلس سوريا الديمقراطية، رياض درار، معتقلاً لسنوات نتيجة معارضته للنظام.
وبهذا يبدو أن أمام مناطق أكراد سوريا حلّان لا ثالث لهما، عودة النظام وأعلامه وراياته لمناطقهم بشكلٍ رمزي خاصة على الحدود مع تركيا، وذلك بالتنسيق مع الجانب الروسي، لحمايتها من تهديدات تركيا، أو بقاء الأمريكيين في هذه المنطقة إلى أجلٍ غير مُسمى.
بواسطة ختام غبش | فبراير 25, 2019 | Cost of War, غير مصنف
حواجزٌ اسمنتية وأخرى حديدية تبتلع ثلاثة أرباع الشارع فيما يشغل عسكري جزءاً من الربع الأخير وهو يؤدي واجب التفييش وعرقلة حركة السير، على مد النظر تنتشر باصاتٌ ضخمة تحمّل أتلالاً من الأفراد، وبأعدادٍ كبيرة تثير تعليقاً متذمراً بين منتظري وسائل النقل العامة: ” من أين تخرج هذه الجموع وأغلب الشعب بين المهجر والشهيد؟”
يمكن لزاوية منعطف تحت جسر الرئيس أو جسر الثورة أن تُجسد مشهد المأساة اليومية، كما لو أنّها لوحة تحمل وجوهاً معلّقة في الفراغ، بملامح ونظرات واحدة، وحركات جسد متأهبة للتدافع والركل عند قدوم وسيلة النقل.
وفي ظل سنوات الحرب المحقونة بضجيجها طفت في الطرقات سُلطة جديدة، تضاف إلى قائمة السُلطات الكثيرة في البلد، مثلتها سُلطة السرفيس والتكسي.
فالكثيرون اليوم لجؤوا إلى مهنة سائقي التكسي، بعد أن قضمت أنياب الحرب العديد من المهن، وأفرزت نسباً كبيرة من العاطلين عن العمل، مما دفع خليطاً هائلاً من كافة شرائح المجتمع للالتفاف حول هذا المقود.
وتكفي القفزات التي شهدتها عدادات التكسي لأن تقتني تكسي جديدة، بسبب الزيادات التي تراكمت خلال السنوات الثمانية الماضية، ففيما كنت تستطيع الذهاب إلى سوق الحميدية أو منطقة الحريقة وتوابعها بـ (35) ل.س قبل الحرب، اليوم يترتب عليك أن تدفع مبلغاً يتراوح بين (600-700) ل.س للمشوار الواحد، إن سوّلت لك نفسك اتخاذ قرارٍ بركوب التكسي، فعملة اليوم لم تعد لها قيمة في هذه البقاع.
في إحدى دوائر الدولة حيث الشعور باللاقيمة واللاعتبارية التي تقابل المراجعين هناك، قال لي أحدهم:” لقد خدمت في الدولة 20 عاماً كمهندس زراعي، وفي اللحظة التي طُلب مني فيها أن أخالف القانون بحفر آبار ارتوازية في دمشق، وذلك من قبل الأكبر مني نفوذاً، تخليت عن وظيفتي، واقتنيت سيارة أعيش فيها مرتاح البال، وأعود لبيتي لأنام نظيفاً” مضيفاً “صدقيني يا ابنتي، غيري سيفعلها، لقد عُرض علي مليونا ليرة سورية، الشام الآن في أحلك أيامها عطشاً والموافقة على هذه الآبار فيه ضرر كبير لها.” منهياً حديثنا بـقوله: “اتركي كل شيء خلفك، ولا تنتظري اصلاح الكون، نحن هنا محكومون، ولا خيار لنا إلا بيع أنفسنا اذا أردنا أن نبقى في هذه المؤسسات، وهذا ما دفعني لإدارة هذه المؤسسة (السيارة) كي أريح نفسي من كل قرفهم”.
ولكن في دمشق لا يمكن الاعتياد على هذه الوسيلة في تنقلاتك، وإن أجبرت على هذا الخيار فهناك خطوات عليك ترتيبها قبل رحلتك، أولها وجهة السائق، حيث تحددها لتتوافق مع وجهة السائق ثم أجرة الطريق والخلاف بينكما من حيث التسعيرة، حيث تعد المفاصلة أحد أهم الشروط المسبقة لعملية الركوب، إذ يمكن لبعض السائقين أن يرمي أسعاراً خيالية بين منطقتين تفصل بينهما بضعة أمتار لا أكثر. غالبية السائقين يتحكمون بالرُكاب في أوقات الذروة والازدحام المروري، حيث يجري ضمنياً اتفاق فيما بينهم على تسعيرة واحدة، ويجري تطبيق هذه المعاهدة دون أن يخل أحداً بشروطها. أكثر شواهدها حضوراً، اختزلته السنوات الأخيرة بمسمى “التكسي سرفيس” والتي أخذت على عاتقها تخفيف أزمة المواصلات ولكن بشروط السائقين، فجميعهم يمسكون بالخيط وإبرته، ويحيكون أسعار الطرقات وفقاً لمشيئتهم.
يصطف سرب من السيارات المتوجهة إلى جرمانا عند حافة جسر الرئيس، في البداية جرى الاتفاق على 300 ليرة، أصبحت لاحقاً 400 لتنتهي بـ 500، يلحق هذه التسعيرات العديد من المبررات المتعلقة بارتفاع سعر مادة البنزين، وغلاء القطع، حتى أنّ البعض قد يضاعف التسعيرة إلى عشرة أضعاف. وباتت هذه الديباجة مكررة حتى حفظها معظم أفراد الشعب عن ظهر قلب وبات يرددها على مسمع السائقين، إلى أن حلت أزمة الوقود وتمت إزالة بعض الحواجز من الطرقات، عندها واجه بعض الركاب سائقيهم بأنه لم يعد مبرراً لهم إبقاء السعر المرتفع على حاله، إلا أنهم وجدوا تبريرات جديدة كرشوة شرطي المرور حيث يتطلب حفاظ التكسي على مهنته استخدام رشاويٍ يُسكت بها شرطة المرور، إلى جانب الكثير من الأمور التي تجعل الراكب المُحتاج للتوصيلة يصمت ويصعد معه وهو ممتن. و تستطيع هذه “التكسي سرفيس” أن تخبرك عن الكثير من أحوال من يصعد بقربك، فهي كمساحة أصغر من السرفيس أو الباص وقلة عدد الركاب تخلق جواً من الألفة، ورغبة بالشكوى والتحدث مطولاً.
يبدو الجميع محتاجين لمن يتحدثون إليه بعد أن فقدوا قدرتهم على كبت كل هذه المآسي التي لم تعد محتملة، الشعور بالوحدة يترافق مع إدارك بأن كل من حولك يعيش الحال ذاته، مما يساعد على تحطيم الكثير من الحواجز بين الناس، فالكارثة وحدّت الآمهم، وبات الجميع يشعرون بأن الحزن والغضب حالة معممة، لهذا لم يعد مهماً ما يتم التفوه به اتجاه كل هذه الخسائر.
نادراً ما كنت أصمت عند المشاركة بحديث يشمل الحال العام، ولكن في واحدة من المرات التي كانت فيها وجهتي جديدة عرطوز، تشاركت عندها التكسي مع ثلاثة اشخاص، أحدهم يجلس في المقعد الأمامي يحمل موبايله منهاراً وهو يصرخ: “كيف حصل ذلك؟ لقد قلتم لي بأنه قد تجاوز مرحلة الخطر” قبل أن ترتجف أصابعه ويسقط الموبايل من يده، يتفوه ببضعة كلمات:” لقد كنت في حماة لم يعطوني إجازة منذ سنتين، هربت من هناك لأزور ولدي المريض بالسرطان، يالله طفل لا يتجاوز عمره الخامسة يأكله السرطان؟ لقد استدنت من صديقي أجرة القدوم إلى دمشق وعبرت كل هذه المسافة فقط لأراه”.
يسمع سائق التكسي العديد من الحكايات كهذي التي شهدتها، ويُعيد العديد منها على مسامع ركاب سيارته ببعض المبالغة أيضاً، وبإحساس ودقة تبدو جلية في مرآة عينيه أحياناً أخرى.
سائق أنيق تملأ رائحة عطره السيارة، يشيح بوجهه بعيداً ويشارك قصصه الخاصة عن زوجته التي تركته مع ثلاثة أولاد. “لقد تزوجتْ قريبة أحد أصدقائي الذين تطوعوا في الدفاع الوطني، وكانت أكبر منه سناً، لا أعلم لما فعلت ذلك، كنت زوجاً صالحاً، ولتعلمي أنا أعمل في مديرية الشؤون الاجتماعية صباحاً وسائق تكسي بعد الظهر، ولكني رزقت بزوجة ثانية بعد سنة من هجرها لي الحمد لله، هي حنونة تعتني بأولادي، أكبرهم سنة أولى جامعة”.
وفي تكسي أخرى كان ردُّ السائق عند مفاصلتي له أبلغ من أية نقود كنت سأدفعها: “نحن تركنا بيوتنا وأراضينا وقدمنا إلى دمشق لا نحمل شيئاً إلا رائحة دورنا وأهالينا، كان لي معمل في عربين وفيه عمال كثيرون لا علم لي اليوم أين أراضيهم يا ابنتي، فلتهدأي أرجوك لأني لن أتقاضى منك إلا المبلغ الذي تأتين به عادة”.
بين كل القصص اليومية التي أسمعها والأحاديث التي أخوضها في تكاسي البلد، لن أنسى ذاك الحوار مع أحد السائقين الذي كان الأكثر أهمية بالنسبة لي لما يحمله من تناقضات الواقع وبشاعته.
صعدت التكسي بتوتر فشكل السائق بذقنه الطويلة وشعره الحليق أثار قلقي، وعند وصولنا إلى أول حاجز بدأ بالسرد: “البارحة عدتُ من دير الزور، عدت من ساحات المعركة إلى ساحات مشابهة لها، فنحن في معسكراتنا نواجه حرب البقاء، عندما يصمت صوت المدفعية يعلو صوتٌ من الداخل يخبرك كيف كتب لك البقاء وهناك من قاتل وناطح التلال والصحاري إلا أن الموت قد كان سباقاً إليهم، لماذا هم ولست أنا؟ ومن له الأحقية في البقاء؟ بالرغم من أنّ الغد سيكون شبيهاً باليوم، وستذهبين لتخوضين المعركة من جديد ويمكن للوقت أن يلحقك بهم بعد ساعات قليلة. هذه الساعات المسالمة هنا كانت أثقل من كل ساعات القتال الذي انتهت بسرعة قياسية مقارنة بالزمن الذي ستجلسين به لتعددين كل خسائرك التي رحلت قبل دقائق من الآن، خسائرك الماضية”. مضيفاً “المرة الأخيرة التي سمعت فيها صوت الفتاة التي كنت أرتاح لها كانت قبل اتصال العقيد المسؤول عني ليخبرني بأمر الالتحاق بقطعتي التي ستقاتل في دير الزور، كانت تتصل بي لتتلمس تعلقي بها، تطلب مني أن أطمأنها بكلمة عن مصير علاقتنا وعن تمسكي بها، عن طلبي منها بأن تنتظرني حتى الأبد… إلا أنها الآن متزوجة. فلقد أنهيت المحادثة بطلبي منها أن تكمل حياتها بشكل طبيعي وألا توقف حياتها عند شخص مجهول الطريق والإحداثيات، إن جاء أحدهم إليك راغباً فتزوجيه قلت لها وفعلت.”
في ساعات الذروة يفاصل أحد الركاب كالعادة السائق الصعود في سيارته فيرد عليه: “الطريق هو الحاكم”. يتشاركان حديثاً طويلاً يبدأ بأنّ هذه المهنة صعبة وخطرة لننتهي بأنه من دير الزور، وعندما يتلمس السائق حنيناً من الراكب يسأل “زرتها؟” ويدور الحديث التالي
نعم أثناء مواسم التنقيب الأثري هناك
الله يرحم، لم يعد هناك تنقيب ولا صخام
الكون بجله اشترك بهذه الجريمة ولكن المهربين الحقيرين هم الأسوأ
يغضب ويدير رأسه نحوي قائلاً: “من هم الحقيرين؟ أتعلمين لو أنه يقع بين يدي تحفة لما توانيت ثانية عن بيعها.” أجيبه فوراً: “إنه تاريخ البلد وفيه هويتنا وتراثنا”. يردف قائلاً “عندك ولاد؟” أجبته “لا،” فتابع قائلاً “عندما يطلب ابنك منك جاكيت أو حذاء ولا تملكين سعره ستلعنين أبو التاريخ وأبو البلد، أنا أمّي لكني أعي تماماً ما تقولينه ولكن أولادنا أهم من كل هذا، فكي عني (أي حلّي عني.)!”
في الأيام القليلة الماضية والتي عانينا فيها من موجة الصقيع والبرد صعدت فيها مع شابٍ في مقتبل العمر، يدور حديث بيننا عن المازوت والكهرباء والاتفاقات التي بقيت قائمة حتى مع الدول الأعداء في خصوصهما، يقول بحسرة: ” إني نادم أشد الندم كوني رفضت مرافقة أخي في الوقت الذي سافر فيه، الآن لا أفعل شيئاً سوى إيجاد طريقة هرب وبأسرع وقت ممكن، لو يمكنهم سرقة الهواء الذي نتنفسه لما قصروا ولكنه هواء ملوث طافح بالبشاعة لا يمكن لأحد شراءه.”
إضافة لحكايات الألفة ينعكس غياب الأمان والحوادث على علاقة السائقين بركابهم أيضاً، حيث شهدت السنوات الأخيرة تعرّض الكثير من سائقي التكسي للقتل والنهب، كما اختطف العديد من السائقين مع سياراتهم وتم قتلهم أو اعتقالهم،في الوقت نفسه ملأ الرعب قلوب الراكبين بسبب جهلهم بمن يقود سيارتهم وقلقهم من خطورة الطرقات التي بات يسكنها الرعب والخوف، خوفٌ بات يسكن طرفي العلاقة شأنها شأن بلد كامل بات فيه الجميع يخشى من الجميع.
بواسطة Sawsan Zakzak | فبراير 18, 2019 | Cost of War, غير مصنف
تؤكد السنة الثامنة للصراع في سوريا مع نهايتها أن لا حلاً عسكرياً لهذا الصراع، فرغم التحولات الميدانية الكبيرة بين المساحات التي تسيطر عليها قوات النظام والقوى المناهضة له، إلا أن الواقع الفعلي ما زال حافلاً بالكثير من القنابل الموقوتة، التي لا يستطيع أي طرف التحكم بها فهي مرهونة فقط بالتطورات السياسية والعسكرية.
فعلى سبيل المثال، راهنت تركيا والدول الضامنة على إمكانية قضاء القوى العسكرية غير المصنفة إرهابية على “النصرة” وحلفائها، وذلك من خلال الاقتتال الداخلي في إدلب ومحيطها، لكن تطورات المعارك الأخيرة فاجأتهم بأن الغلبة كانت للنصرة، واستناداً لتجارب التعامل السابقة مع “القاعدة” ومن يشبهها يبدو واضحاً أن من يخلق الغول أو يرعاه غير قادر على التحكم به.
أما “داعش” فما تزال تحتفظ بالكثير من “الخلايا النائمة” مع بقاء مقومات وجودها، وما تزال المعركة مع “بقاياها” تخلط الأوراق السياسية وتقلب التحالفات الدولية، فها هي تركيا تبحث عن تنسيق روسي-تركي-إيراني أكبر على حساب تحالفاتها السابقة مع أمريكا.
ومن جهة أخرى لا يستطيع النظام (كمنظومة حوكمية متكاملة) الآن، لأسباب ذاتية وموضوعية، استعادة جميع الأراضي السورية، وفي الوقت نفسه ينتظر مؤيدوه منه أن يقوم باستحقاقات كبيرة بأسرع وقت، وذلك بعد أن انتشر “وهم الانتصار” الذي روج له النظام نفسه. فمن تلبية الاحتياجات الأساسية للمعيشة (كالكهرباء، والغاز، والصحة، والتعليم ..) إلى محاربة الفساد وصولا إلى إعادة الإعمار، كلها قضايا لا تحتمل التأجيل، خاصة مع حالة الاحتقان الموجودة في الشارع السوري بسبب التجاذبات السياسية والاجتماعية المتداخلة، والتي دللت عليها المواقف المتشنجة التي ظهرت خلال مناقشات قضية مرسوم وزارة الأوقاف، وقضية الأطفال فاقدي الآباء.
إذا، ماتزال الأزمة السورية قائمة وإن بأشكال مختلفة عن السابق، وبميزان قوى جديد غير قادر على الحسم، ولكنه من المحتمل أن يسمح بانطلاق عملية تفاوضية جديدة، تقوم على اقتناع وطني وإقليمي ودولي بأن استمرار الحال على ما هو عليه أمر مستحيل، خاصة أن الواقع الجيوسياسي لسوريا يفرض تحركا دائما للمرجل السوري، وغالبا ما يكون بأيد غير سورية. فماذا لو تابع الإسرائيليون الحديث عن مصير الجولان السوري المحتل، مستفيدين من الضعف السوري، ومن وجود إدارة أمريكية بعيدة عن المنطق السياسي وقادرة على أن تلحق ملف الجولان بما تسميه بـ”صفقة القرن”؟!
وربما يبدو للبعض أن هذا المستوى من الاقتناع الوطني والإقليمي غير موجود حتى الآن، إلا أن هندسة العملية التفاوضية يمكن أن تقوم على فرضية أن الجميع سيكونون رابحين فيما لو بدأت هذه العملية الآن، وأن هذه العملية لن تكون زلزالا على أحد، بل يمكن البدء بها بإجراءات بسيطة من كل طرف، ستشكل تراكماً نوعياً يمكنه أن يحدث فرقاً في الصورة الكلية لهذا النزاع القاتل، مع مراعاة تنوع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا.
على سبيل المثال، هل يمكن استغلال هذه اللحظات التراجيدية من حياة عشرات آلاف اللاجئات واللاجئين السوريين الرازحين تحت رحمة العواصف الثلجية للتوجه إلى كل المعنيين بمجموعة طلبات؟
من النظام السوري:
- إصدار مرسوم عفو عام عن جميع من هم خارج البلد، مع البدء باللاجئين/ات في لبنان.
- إصدار مرسوم بتأجيل إداري لمدة عام واحد لجميع الشباب المطلوبين للخدمة الإجبارية.
- افتتاح مراكز إيواء داخل سوريا بأقصى سرعة حتى يعود اللاجئون واللاجئات الذين يعيشون في ظروف قاسية وهم مطمئنون/ات.
- تهيئة المراكز الحدودية باللوجستيات المطلوبة لتسهيل عودة اللاجئين واللاجئات.
- منح أبناء السوريات المتزوجات من غير سوريين إقامة دائمة ريثما يصدر تعديل لقانون الجنسية السوري بما يمنح المرأة السورية الحق في منح جنسيتها لأطفالها.
- البدء بطرح قوانين جديدة لحرية التجمع وفقا للشروط الحداثية.
من جامعة الدول العربية:
- تحويل أجندة اجتماع القمة الاقتصادية الاجتماعية إلى أجندة عملية لإعادة إعمار سوريا.
- الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة يشارك فيه ممثلون/ات عن جميع السوريات والسوريين، بمن فيهم ممثلون/ات عن مجلس سوريا الديمقراطي، وممثلون/ات عن الدول المعنية بالقضية السورية، والمبعوث الخاص إلى سوريا وبعثته وممثلون/ات عن الاتحاد الأوروبي؛
- الإعلان في هذا المؤتمر عن تشكيل اللجنة الدستورية وفق تصور الأمم المتحدة (50 نظام و50 معارضة و50 مستقلون وممثلو وممثلات المجتمع المدني).
- إنشاء صندوق مالي لإعادة إعمار سوريا تتشارك في إدارته جامعة الدول العربية والحكومة السورية وممثلون/ات عن المعارضة وممثلون/ات عن المجتمع المدني.
من الاتحاد الأوروبي:
- الإعلان بشكل واضح عن ان أهداف الاتحاد الأوروبي تتمثل بدعم الشعب السوري حيثما كان بدلا من دعم المعارضة أو دعم النظام.
- البدء بحوار، كاتحاد أوروبي وليس كدول مختلفة، مع النظام السوري من أجل “انفراج ديمقراطي” في سوريا، بحيث يتضمن البرنامج خطوات مطلوبة من النظام السوري (مثلا الكشف عن مصير المعتقلات والمعتقلين والمختفين/ات قسرا) مقابل خطوات تشجيعية من الاتحاد الأوروبي.
- الربط بين مجتمعات اللجوء في أوروبا، خاصة من ذوي وذوات الكفاءات، وبين عملية إعادة الإعمار في سوريا
من الدول صاحبة العلاقة:
- عقد مؤتمر برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة وبدور فاعل للمبعوث الخاص إلى سورية لكل الدول التي لها قوى عسكرية على الأرض السورية.
- رسم خريطة لتقاطع المصالح بين هذه الدول من جهة ومصالح الشعب السوري من جهة ثانية.
- الاتفاق على جدول زمني لوقف النزاع المسلح وتحقيق الانتقال الديمقراطي في سوريا.
قد يعتقد الكثيرون أن الوقت ما زال مبكراً على مثل هذه الأفكار، إلا أن الوقت سيبقى مناسباً دائما لطرح أفكار ترمي إلى الوقوف بوجه موت ما يزال يهدد حيوات الكثير من السوريات والسوريين، خاصة أن المستقبل ما زال مفتوحا على الكثير من المفاجآت، العديد منها قد يخيب ظن الكثيرين.
بواسطة Ward Maamar | فبراير 13, 2019 | Cost of War, غير مصنف
لم يوفر المسؤولون في الحكومة السورية جهداً لتمرير مشاريع وقوانين تساعدهم بالاتجار بقوت المواطنين، رغم ما يعيشونه من آثار الحرب ودمار للبنى التحتية ووضعاً اقتصادياً متردياً.
أما أحدث تلك المشاريع المبتكرة فهو “البطاقة الذكية”، التي تنفذها شركة “تكامل” الخاصة، وعبرها تستطيع الأسرة السورية الحصول على حاجاتها من المشتقات النفطية “مازوت- بنزين وقريبا الغاز”، إلا أن هذه البطاقة تحتاج لإثبات بطاقة شخصية للإصدار في الوقت الذي فقد فيه آلاف السوريين أوراقهم الثبوتية بسبب الحرب والنزوح، الأمر الذي جعلهم يواجهون صعوبة كبيرة في إصدار هذه “البطاقة الذكية”.
ومنذ الأيام الأولى لتطبيق هذا المشروع بدا أنه يسير نحو الفشل، البعض وصف المشروع على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه “ميت قبل ولادته”، خاصة في ظل افتقار سوريا للتجهيزات التي تسهل عمليات إطلاق مشروع البطاقة الذكية.
في الأيام الأولى لاستصدار البطاقة الذكية في دمشق توجه أهالي المدينة إلى مراكز شركة “تكامل” للتسجيل على البطاقة ليتمكنوا من الحصول على الخدمات بالسعر المدعوم حكومياً وعليه شهدت المراكز المستحدثة لأجل هذا الغرض ازدحاماً كبيراً.
يقول وسيم الذي حاول التقديم عليها “قطعت مسافة طويلة من جرمانا إلى مركز المدينة لإصدار بطاقة ذكية، لكن اكتشفت حجم الغباء حينما وجهتني المسؤولة هناك لانتظار ساعات طويلة حتى تأخذ بياناتي، لكنني لم أتمكن من الانتظار لارتباطي بعمل خاص، وعندما توجهت لإحدى محطات الوقود لتعبئة سيارتي بالبنزين، أخبرني العامل بالمحطة بأن عدم امتلاكي للبطاقة سيضطرني لشراء البنزين بسعر أعلى من السعر المحدد من قبل الدولة”، ويتابع وسيم قائلاً “هنا أيقنت أن مخصصات البطاقة الذكية لن تكون كافية لحجم استهلاكي الشهري من البنزين، وبالتالي فإن هذه الآلية هي تشريع لرفع سعر لتر البنزين بمعرفة الحكومة، بحجة أن البطاقة الذكية محددة بسقف مخصصات يتناسب مع نوع الآلية التي يستخدمها كل فرد”.
وفي أحد مراكز الانتظار كان أسامة ينتظر دوره ليسجل على البطاقة بعد أن فشل سابقاً بالحصول عليها نتيجة الازدحام الكبير من المتقدمين، إلا أن لم يستطع أن ينتظر أكثر لتقل أعدادهم فالبحث عن المازوت والبنزين والغاز بالسوق السوداء أصبح هماً إضافياً، يقول أسامة: “في ظل وجود تجار الأزمات لن تنفع البطاقة الذكية في تأمين مستلزمات المواطن، لأن من صممها لم يضع في حسبانه آلية الحصول عليها بطريقة تحفظ كرامة المواطن وحقه بالحصول على أدنى متطلبات العيش”.
ولا يختلف حال أهالي العاصمة ومعاناتهم في الحصول على البطاقة الذكية عن حال أهالي بقية المدن، تقول ميادة المقيمة في مدينة حمص “من غير المنطقي تطبيق هذا المشروع في ظل عدم توفر المواد من بنزين ومازوت وغاز، فموارد البلد أصبحت شحيحة جداً” متسائلة “ما الفائدة من امتلاك بطاقة، رصيدها صفر؟!”.
وترى ميادة بأنه من الصعب الوثوق بمشاريع الحكومة وخططها المستقبلية، مازال العديد من السوريين ينتظرون حافلة تقلهم إلى أعمالهم أو تعيدهم إلى منازلهم، ويقف آخرون أمام الأفران بانتظار الحصول على ربطة خبز، وأمام مستودعات الغاز للحصول على جرة غاز وصل سعرها إلى حوالي 8000 ليرة سورية بالسوق السوداء.
المشهد ذاته يتكرر الآن أمام محطات الوقود، حيث يتجمع المئات لتعبئة خزاناتهم بالمازوت، وبلغ سعر لتر المازوت الحر 350 ليرة سورية.
من جهته يقول فداء “اعتدنا خلال سنوات الحرب على أزمات الغاز والبنزين والمازوت، وكنا على يقين أننا نعيش حرباً قاسية، لكننا تفاءلنا في مطلع العام الماضي 2018 بتصريحات المسؤولين الذين منحونا وعوداً كاذبة ووهمية بأن الوضع المعيشي سيتحسن، وكان مشروع البطاقة الذكية بارقة أمل على هذا التحسن، لكن اكتشفت من خلال تجربتي بأن هذه البطاقة تساعد على السرقة أكثر وبطريقة علنية”، ويروي فداء تجربته الشخصية عندما ذهب لملئ خزان سيارته بالوقود قائلاً “أكتشف تلاعب الكازية بالكمية التي حصلت عليها دون رقيب أو حسيب وبطريقة ذكية، حيث طلبت تعبئة (8)ليتر بنزين من محطة وقود بطرطوس بموجب البطاقة الذكية فوصلت رسالة بأن الكمية المعبأة هي (50)ليتراً”.
التكنلوجيا السورية
تأخر دخول الإنترنت إلى سوريا قياساً بغيرها من الدول، وحتى عام 1999 لم يكن يسمح للسوريين بالاشتراك بالإنترنت، غير أن بعض مؤسسات الدولة كان لها اتصال بالإنترنت منذ عام 1997، وكان من أهم أعمالها على الإنترنت تدريب الكوادر التقنية على مراقبة واكتشاف وحجب المواقع غير المرغوبة والتي تتعارض مع سياسة الحكومة، واستمر استخدام الإنترنت لغاية مطلع عام 2000 مقتصراً على بعض المؤسسات.
ورغم تأخر سوريا عالمياً عن دخول عصر التقنية والتكنولوجيا، إلا أن ذلك لم يمنعها من السعي لإدخال وسائل تقنية تواكب تطورات العصر الراهن، لكن التوجه الأخير للدولة لإنشاء حكومة الكترونية واستخدام التقنيات الحديثة، جعل السوريين يتذمرون من سوء تنفيذ كل ما أدخلته من تقنيات عصرية هدفها خدمة السوريين.
البداية كانت عبر إدخال فكرة الصرافات الآلية لتسليم الرواتب للمواطنين عوضاً عما كان يعرف بالمحاسب أو ” المعتمد المالي”، ومنذ ذلك الحين والمواطن السوري يعيش معاناة دائمة نهاية كل شهر لاستلام راتبه الذي لا يتجاوز الـ 60 دولاراً، والسبب لايتعلق بقيمة الراتب، وإنما بالأعطال الدائمة والمتكررة للصرافات الآلية، ورغم الانتقادات الدائمة لعمل هذه الصرافات، إلا أن معضلة إصلاح أعطالها لم تحل ـوالحجة “العقوبات الاقتصادية تمنع استيراد قطع لإعادة تأهيل وصيانة الصرافات”.
إلا أن فشل الحكومة في حل هذه المعضلة، لم يمنعها من ابتكار وسائل رفاهية لخدمة المواطن، حيث بدأت الحكومة خلال السنوات الماضية فكرة “مركز خدمة المواطن” وهدفه توفير الجهد والوقت على المواطن في حال رغب بإصدار أوراق ثبوتية للالتحاق بعمل أو خدمة عسكرية أو سفر وغير ذلك، ورغم أهمية هذا المركز إلا أن انقطاع الشبكة العنكبوتية الدائم جعل الانتظار “سيد الموقف” في غالبية الأحيان، عدا عن مظاهر الفساد التي وجدت طريقها في الشبكة العنكبوتية من خلال إصدار أوراق ثبوتية بشكل مخالف للقانون أو تبعاً للمحسوبيات والواسطة، وتلقي الرشاوى لتعجيل إصدار الأوراق.
ورغم هذا الفشل، ما تزال الحكومة مصرة على الاستمرار بتجربة التقنيات الحديثة والمعاصرة متجاهلة جميع الشكاوى والانتقادات التي تواجهها عقب كل اختراع تدخله إلى حياة المواطنين.