مركز لتعليم الأطفال الصم والبكم بريف حلب

مركز لتعليم الأطفال الصم والبكم بريف حلب

تسببت الحرب السورية وعمليات القصف بمختلف أنواع الأسلحة بوقوع عدد من آلاف المصابين بإعاقات مختلفة. يعيش هؤلاء المصابين ظروفاً قاسية، ويعانون من التهميش إضافة لغياب الرعاية الطبية والنفسية والتعليمية، في وقت هم بأمس الحاجة لمن يهتم بهم ويساعدهم في التخفيف من أثقال الإعاقة التي تحد قدراتهم، مما دفع مجموعة من المتطوعين إلى افتتاح مركز للأطفال الصم والبكم في مدينة أورم الكبرى بريف حلب الغربي.

ويهدف هذا المركز لتعليم الأطفال لغة الإشارة والنطق التحضيري، ومبادئ القراءة والكتابة، إضافة لدعمهم نفسياً من خلال الحفلات الترفيهية والنشاطات التفاعلية.
يشرح محمود شامي مدير مركز ذوي الإعاقة في أورم الكبرى عمل المركز قائلاً: “لم تمنعنا الحرب والظروف الأمنية المعقدة من إنشاء مركز متخصص بذوي الإعاقة دون أي دعم حقيقي توفره منظمات محلية أو دولية، حيث بلغ عدد المستفيدين الكلي داخل المركز حوالي ٢٠٠ مستفيد من مختلف الإعاقات، منها الحركية ومتلازمة داون والبتر وغيرها.”

ويقدم المركز الترفيه والدعم النفسي للبعض، فيما يقدم العلاج والتعليم للبعض الآخر بحسب تنوع الحالات الموجودة فيه. 
وعن افتتاح مركز الصم والبكم يضيف الشامي: “بعد حالات النزوح المتكررة إلى بلدة أورم الكبرى وما حولها لاحظنا وجود عدد لا بأس به من حالات الصم والبكم في ظل عدم وجود مركز يهتم بهم وبحالاتهم، لذلك قمنا في نهاية عام ٢٠١٨ بافتتاح قسم خاص بهم يستقبل الأطفال من عمر ٦-١٢عاماً. ويهدف المركز لتعليمهم لغة التواصل مع الآخرين لتطوير العلاقات الاجتماعية والمعرفية فيما بينهم، ومساعدتهم في التعبير عن حاجاتهم المختلفة”.

ويساعد المركز بالحد من الضغوط الداخلية والنفسية التي تصيب الأطفال الذين يعانون من صعوبة الكلام والسمع، والتخفيف من إمكانية إصابتهم بالخوف والاكتئاب والإحباط.
ووصل عدد الأطفال في المركز إلى ٢٥ طفلاً، ولايزال باب التسجيل مفتوحاً فيه، كما يحتاج المركز لتطوع معلم ومعلمة لتدريس الأطفال.

المعلمة فاطمة التي تطوعت لتعليم الأطفال في المركز تقول: “يحتاج الأطفال ذوو الإعاقة للتعليم والرعاية أكثر من الأطفال الأصحاء، لكنهم في ظل الحرب السورية وقلة وعي الأهالي يظلون دون تعليم، لذلك تطوعت في المركز لتقديم العون لهذه الفئة المهمشة من الأطفال، والعمل على تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، ومساعدتهم في ترتيب أفكارهم وتطوير لغتهم، والتواصل مع محيطهم، والولوج إلى عالم المعرفة.”
كما تلفت فاطمة إلى أن الصم هم أشخاص يعانون من فقدان حاسة السمع بشكل كلي أو جزئي، لذلك يحتاج تعليمهم إلى كثير من الصبر والقدرة على استيعاب وتوجيه احتياجاتهم عبر التعامل معهم بلغة الإشارة ثم النطق فقراءة الشفاه وصولاً إلى القراءة والكتابة، وتدريب الأطفال الذين يملكون بقايا سمعية على الحروف التي يصعب عليهم نطقها، ومساعدتهم نطق بعض الكلمات اللازمة في حياتهم اليومية .
ريم (٩سنوات) من مدينة الأتارب بريف حلب الغربي تعاني من صمم وراثي المنشأ، وقد اضطرت والدتها لإلحاقها بمدرسة عامة خوفاً من أن تبقى دون تعلم، وتقول والدة ريم عن تجربة ابنتها: “كانت ريم تعاني من صعوبات كثيرة في المدرسة لأنها غير قادرة على فهم المواد كبقية الأطفال، ومعلمها لا يمتلك خبرة كافية في التعامل معها، ولكن بعد التحاقها بمركز الصم والبكم تغيرت حالها كثيراً وتحسنت نفسيتها، حيث أصبحت مرحة ومحبة لمدرستها وللعب مع أقرانها.”

أما الطفل محمد (٦سنوات) فقد أصيب بالصمم نتيجة سقوط قذيفة بجانب منزلهم منذ ثلاث سنوات، وعن تجربته تروي والدته: “كان محمد يعاني من اضطرابات سلوكية ونفسية، حيث يتصرف بعدوانية لأنه لا يستطيع التعبير عما يجول في خاطره، كما يلجأ إلى البكاء في بعض الأحيان، وبعد دخول المركز أصبح ينطق بعض الكلمات، كما يتعامل بلغة الإشارة للتعبير عن رغباته ومشاعره بشكل أفضل، كما بدأ يتعلم مبادئ القراءة والكتابة.”

وعن الصعوبات التي تواجه عمل المركز يقول الشامي: “نعاني من ضعف الإمكانات المادية اللازمة لتأمين أهم احتياجات المركز من أدوية وتدفئة في فصل الشتاء، إضافة إلى انعدام المواصلات اللازمة لنقل المستفيدين، مما يمنع أطفال كثر من الالتحاق بالمركز، إضافة إلى عدم القدرة على تأمين المعينات السمعية (السماعات) لمن يحتاجها” .

وأدى تضاعف معاناة ذوي الإعاقة وخاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة وغياب التعليم الفعال الذي يناسب احتياجاتهم، لجعل هذه المبادرات الفردية أو المنظمة بارقة أمل وحيدة بالنسبة لهذه الفئة لتحقيق اندماجهم في المجتمع، وتعزيز قدراتهم.

حجر الرحى.. تراث يعود إلى ريف إدلب

حجر الرحى.. تراث يعود إلى ريف إدلب

بعد سنوات من إهمالها، تمسح أم فارس الخمسينية الغبار عن رحاها لتستأنف العمل عليها مجدداً لطحن الحبوب، والاستفادة منها في ظل شبه توقف للمطاحن الحديثة عن العمل بعد انقطاع التيار الكهربائي ومادة الديزل، حيث تقول “حمداً لله أنني لا زلت أحتفظ بالرحى ، ها قد عدنا إليها من جديد في ظل الحرب التي تعيشها البلاد”.

عادت الكثير من المظاهر التراثية ومنها الرحى أو ما يسمى بالـ” الرحية” إلى قرى ريف إدلب من جديد، فمضي ثمان سنوات من الصراع السوري وما رافقها من قصف ونزوح وفقر وقلة موارد كانت مدة كفيلة بعودة الحياة البدائية إلى معظم المناطق السورية.

تحدثنا أم فارس عن ماهية الرحى وفوائدها قائلة بأن الرحى تعتبر من الأدوات التي تستعملها المرأة الريفية منذ الصباح الباكر لبطئ عملها الذي يستمر ساعات طويلة، وحتى يتسنى لها الإسراع في تحضير وجبة الغداء لعائلتها، وهي آلة بدائية مصنوعة من الحجر الخشن الثقيل، عبارة عن حجرين مستديرين علوي وسفلي ويكون السفلي منها ثابتاً بينما يتحرك الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني تكون قاعدته مثبتة في أسفل الحجر السفلي، وعندما تدور حجر الرحى فإنها تمر فوق حبات القمح أو الشعير التي توضع في فتحة دائرية صغيرة وسط الحجر العلوي، فتكسر تلك الحبات شيئاً فشيئاً كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح دقيقاً ناعماً، وتوضح أم فارس أن استعمال الرحى لا يقتصر على صنع الدقيق وحسب، وإنما يمكن أن يجرش عليها القمح والعدس البلدي والفريكة والبرغل والحمص والفول وكافة أنواع الحبوب.

أم فارس تجلس لساعات طويلة مع هذه الأداة ما أدى لتوطيد علاقة قوية بينها وبين الرحى، تشكو لها ما بها من هموم وضغوط الحياة حيث تقول “أشعر أن الرحى يمكنها الإصغاء لهمومي أكثر من الآخرين ويتجلى ذلك في صوتها الحزين الصادر عن دورانها وكأن لسان حالها يقول بأن الحياة مثلي تدور فتطحن كل شيء في طريقها”.

ليست كل عائلة ريفية لديها رحى، ذلك أنها لم تعد متواجدة إلا بأعداد قليلة بعد ظهور المطاحن الحديثة، ففي القرية التي يتراوح عدد سكانها ٢٠ألف نسمة مثلا يتراوح عدد حجر الرحى فيها ال٤٥ رحية، ولذلك فإن نساء القرية ممن لا يمتلكن حجر الرحى يترددن لمنزل من تملكها بغية استعمالها والطحن عليها وبشكل مجاني، وفي اجتماع الجارات حول حجر الرحى تكون مناسبة لتبادل الأحاديث والمعاناة وتطورات الأوضاع والمآسي الانسانية التي تعيشها المنطقة.

أم وسام (40عاماً) تقصد منزل جارتها كل حين لتطحن بعض الحبوب على رحاها، وتقول واصفة المشهد “نجتمع حول الرحى، فنقضي وقتاً مسلياً ونتعاون على طحن المؤونة، وأحياناً نغني بعض الأغاني الشعبية التي تنسينا همومنا وآلامنا”، ومن تلك الأغاني “عالهوارة الهوارة دبرها وماالها دبارة، الناس بتمشي لقدام ونحنا منرجع لورا” تقول أم وسام مبتسمة في إشارة لعودتهم لوسائل الأجداد في الطحن،  وتبين بأن سبب طحنها على الرحى هو أنه نادراً ما تعمل المطاحن الحديثة في ظل الأوضاع الراهنة، بينما تحتاج سيدة المنزل إلى طحن بعض الحبوب بين الحين والآخر.

تلجأ بعض ميسورات الحال ممن لا يرغبن باستعمال الرحى لصعوبة الطحن عليها كونها تحتاج لوقت وجهد كبيرين، إلى بعض المدن للطحن على المطاحن الحديثة التي لا تزال تعمل ولكن بأجور مرتفعة .

تفاصيل أكثر عن حجر الرحى يزودنا بها المهندس ساهر الحسن ( 35 عاماً) حيث يقول “الرحى عبارة عن قطعتين من الحجر البازلتي لا يتعدى قطر كل منها 50 سم، توضعان فوق بعضهما البعض، وتمتاز القطعة العلوية بوجود مقبض خشبي موضوع ضمن فتحة على طرف الحجر تدار به عند عملية الطحن مع وجود فتحة صغيرة في منتصف الحجر بقطر 10 سم يتم خلالها وضع المادة المراد طحنها، ويوجد ضمنها قطعة خشبية بـ ارتفاع بسيط تكون موجودة بالقطعة السفلية وهي تشكل محور الحركة وتمنع الحجر العلوي من الخروج والسقوط أثناء عملية الطحن، يرى الحسن بأن الرحى تشكل مطحنة مصغرة تستطيع إنتاج ماتصنعه المطاحن الحديثة والكبيرة، غير أنها ليست بذات السهولة، فهي ثقيلة ومتعبة بالنسبة للسيدات اللواتي يطحن عليها، ولولا الحرب التي عطلت عمل المطاحن ماكانت لتحتمل عناء العمل بها أي إمرأة، وعن تاريخ ظهور الرحى يقول الحسن “يرتبط تاريخ الرحى بتاريخ صناعة الخبز، فالقمح والشعير والذرة وغيرها من الحبوب كان لا بد من طحنها لصناعة الخبز، لذا عرف الإنسان الطحن منذ فجر التاريخ، فبدأ في دقه بمدقات حجرية تضرب بقوة في تجويف يسمى الجرن، ثم تطورت هذه العملية فاستخدمت الرحى التي لا تزال موجودة حتى الآن بصورها البدائية في القرى هنا وهناك بمختلف البلدان العربية والاسلامية جنباً إلى جنب مع المطاحن الكبرى في المدن التي تصنع وتدار بأحدث التقنيات التكنولوجية الحديثة”، ويضيف الحسن أن عودة الرحى إلى ريف إدلب رغم مشقة العمل عليها فمن شأنها توفير عائد اقتصادي توفيري بالنسبة لهؤلاء الأسر الفقيرة، وخاصة وأن المطاحن الحديثة تتقاضى أجراً كبيراً مقابل طحن الحبوب كونها تعمل على مادة الديزل الغالي الثمن، تزامناً مع ضعف الأوضاع المادية لأهالي القرى.

من جهتها لا تزال الستينية أم محمد تتذكر وبكثير من الحنين أيام استعمال الرحى منذ عقود خلت، حين كانت الحياة الريفية “ببساطتها المعتادة، وتجمعات النسوة على الطحن ،وصنع مختلف المأكولات الشعبية، إذ تتميز طعم  الحبوب المطحونة بواسطة الرحى بذكاء طعمها ولذتها لأنها تبقى طازجة إثر طبخها بعد الطحن مباشرة، أما اليوم فغالبية النساء يشترون الحبوب المطحونة والجاهزة والتي فقدت لذتها بطول مدة تخزينها”، حتى المطاحن الحديثة لا يمكن الثقة بها حسب أم محمد لأنها تكون متسخة وممتلئة بالحصى التي تلتصق بالحبوب المراد طحنها ما يؤدي لصعوبة تنقيتها مما يلتصق بها فيما بعد، أما الرحى فتكون نظيفة ويخرج منها الطحين النظيف والمميز، وتشير ام محمد لأن استخدام الرحى بدأ بالتراجع منذ تسعينيات القرن الماضي، لتعود مؤخرا مع تعدد أسباب عودتها ومن تلك الأسباب الفقر وانقطاع التيار الكهربائي الذي أثر على آليات الإنتاج المحلية.

في الوقت الذي يعيش فيه العالم عصره التكنولوجي وتطوره الصناعي، تبقى حجر الرحى تدور بين أيادي أولئك النساء الريفيات حاملة صورة من معاناة الشعب السوري مع رحى الحرب الطاحنة التي عطلت كل وسائل عيشه، غير أنه أبى إلا الاستمرار ورغم كل الظروف.

سوق الوراقين…وجه جميل لدمشق

سوق الوراقين…وجه جميل لدمشق

لا يزال سوق الكتب المستعملة، الواقع تحت جسر الرئيس، مقصداً لكثيرٍ من الكتاب والمثقفين ومحبي القراءة، فقد شكَّل هذا السوق المزدحم وسط العاصمة دمشق، ذاكرةً خصبةً لكل من مر به، كما ساهم في تنمية ثقافة روَّاده، خاصة من القراء المبتدئين، ورَفَد مكتباتهم المنزلية بالعديد من الكتب، إذ أنه صديق عطوف على ذوي الدخل المحدود، ففيه لا يتجاوز سعر الكتاب المستعمل ثلث أو حتى ربع سعر الكتاب الجديد.

 ويعود تاريخ هذا السوق لعام ٢٠٠٣، عندما تجمّع فيه عددٍ من باعة كتب الرصيف الذين كانوا منتشرين في منطقة الحلبوني والبحصة والتكية وغيرها، ليضم اليوم نحو ثلاثة عشر بائعاً، يلقِّبهم البعض بـ”ملوك الكتب”، فهم ليسوا تجاراً بقدر ما هم قراء شغوفون بالمعرفة تربطهم بالكتاب علاقة وثيقة. فالتعامل مع الكتب “يبقي الإنسان على تواصلٍ مع المفكرين والأدباء والعلماء” وفقاً لأبو طلال، أحد أقدم باعة السوق وأشهرهم، يقول أبو طلال ” من يقرأ كتاباً يوجه صفعةً حقيقيةً للجهل” مشبهاً علاقته مع كتبه بدخول المرء إلى حديقة “يقطف منها زهوراً من كل لونٍ وعطر”، ولأن بائع الكتب يتمتع بقراءتها فهو كبائع العطر “إن لم يبع العطر يشمَّه” على حد وصفه.

ويحتوي هذا السوق على كتبٍ نادرةٍ وفريدة في شتى مجالات الأدب والتاريخ والعلوم وغيرها، ويُعَد كنزاً ثميناً للباحثين عن عناوين أو ترجماتٍ معينة فُقدت منذ زمن، وعن تميز السوق يتحدث أبو سارة أحد الباعة فيه قائلاً “معظم المكتبات الحديثة توجهت نحو بيع الكتب الرائجة كالكتب الدينية وكتب الطبخ والترفيه والتسلية، بينما بقي هذا السوق محافظاً على تنوعه وغناه، ورغم اصفرار أوراق بعض الكتب واهتراء أغلفتها إلا أنها تحتفي بقيمةٍ فكريةٍ ومحتوى معرفي ثمين، فكتبنا تعتمد على المضمون لا على الشكل التجاري المبهرج”، مضيفاً “هناك من يفضل شراء الكتب القديمة ذات الأغلفة الباهتة والحواف المتآكلة، كونها تمثل له تراثاً فكرياً وذاكرة ثقافية، فهي كالطوابع والعملات والقطع الأثرية النادرة”.

مهنة مربحها فكري ومعنوي

“لو أنني سائق سيارة أجرة، بائع سجائرٍ أو خضار لحققت دخلاً أفضل بكثيرٍ من عملي هذا، فأنا أجمِّد لأجله رأس مالٍ كبيراً مقابل أرباحٍ بسيطة لا تعادل حجم تعبي اليومي، لكن حبي للتعامل مع الورق والكلمات يشعرني بالرضى والسعادة، فهو عملٌ إنساني نبيل يخاطب العقول والقلوب” يروي البائع أبو سارة، مضيفاً “قد تحقق بعض الكتب الجديدة أرباحاً جيدة إلا أن غلاء أسعارها يجعل مبيعاتها محدودة إذا ما قورنت بمبيعات الكتب المستعملة، لكن الأخيرة لا تعود علينا بمرابح مجزية، لأنها ترأف بحال زبائنها أصحاب الدخل المحدود”. ونتيجة هذا الواقع بات عدد بائعي الكتب المستعملة يتناقص يوماً بعد يوم، ومن بقي يزاولها هم “بعض المخلصين للكتاب والساعين نحو الربح المعنوي والفكري قبل المادي” بحسب أبو سارة.

أما أبو طلال فيرى أن “الكتاب يفقد دوره الثقافي والتنويري إذا عومل كسلعةٍ يُجنى من ورائها المال”، وعن علاقته بزبائنه يقول: “أحب رؤية الزبون يقلّب الكتب لساعاتٍ ويتفحص عناوينها ومحتواها بدقة، فأتناقش معه حولها وأنصحه في اختيار بعض القراءات، ولا يهمني في نهاية الأمر إن اشترى كتاباً أم لا، ما يهمني هو تحفيزه على القراءة وامتلاك أدواتها، لأنه سيعلِّم غيره، ومن يقرأ يفكر، ومن يفكر يبني مجتمعاً متقدماً”. ومن خلال العلاقة الوطيدة التي يبنيها أبو طلال مع زبائنه يأتي مكسبه المادي، إذ غالباً ما يعودون لشراء الكتب، التي تصفحوها وأعجبتهم، بعد توفير المال اللازم، وقد يأتون بصحبة زبائن جدد.

مكان لا يناسب الثقافة

يستقبلك التلوث السمعي والبصري عند اقترابك من السوق، فالتناقضات والفوضى تحيط بالسوق المكتظ بتجمع لوسائط النقل العامة، إضافة لسوق تجاري لبسطاتٍ من كل شكلٍ ولونٍ، يعتمد باعتها على النداء المتكرر لجذب انتباه العابرين.

من جهة أخرى، يفتقر سوق الوراقين إلى البنى التحتية المناسبة، وتنقصه الإنارة الجيدة والمظهر الجمالي المطلوب، حيث تنتشر مئات الكتب على الأرصفة بين الغبار وبقايا القمامة وتكاد تدوسها أقدام المارة، وفي الأيام الممطرة يضطر بعض الباعة إلى تغطية كتبهم بالشوادر والنايلون، مما يجبرهم على التوقف عن العمل، كذلك يعانون من ظروف البرد خلال جلوسهم في أمكنتهم المفتوحة على كل الجهات.

يصف أبو سارة معاناته مع المكان قائلاً “عملنا فكري يتطلب هدوءاً وصفاء ذهنياً، وموقع السوق لا يؤمن لنا هذا، إذ تتصدع رؤوسنا طوال النهار من الصراخ المتواصل للباعة والضجيج المزعج لوسائط النقل، ولا نكاد نسمع حديث زبائننا وزوارنا، فهم غالباً يضجرون من البقاء طويلاً، وهو ما يؤثر سلباً على حجم مبيعاتنا”. ويضيف “بينما تحظى بعض السلع التجارية في جوارنا بالدلال والامتياز وتتربع على رفوفٍ ملونة، تستلقي بعض كتبنا على الأرض كالخردة، بغير سقفٍ يحميها أو جدارٍ تستند عليه لتتعرض للرطوبة والغبار وعوامل الطقس، وهو ما يساهم في اتساخ أغلفتها واصفرار أوراقها والإسراع في تلفها”.

السوق خلال الحرب

أدت الحرب لتغير هوية بعض المكتبات إذ تحولت إلى محال تجارية ومطاعم نتيجة تراجع حركة بيعها للكتب وعجزها عن شراء الكتاب الجديد، حيث حلَّق سعره بشكلٍ خيالي، مما اضطرت مكتبات عديدة في دمشق لبيع الهدايا والألعاب والقرطاسية وغيرها لتقاوم الإفلاس وتتمكن من الاستمرار. ونتيجة ارتفاع سعر الورق وتكاليف الطباعة، وضعف الإقبال على النشر، توقفت دور نشرٍ كثيرة عن عملها مستسلمة لإفلاسها لتبيع كتبها ومحتوياتها، بأسعار زهيدة لتجار الورق وباعة الكتب المستعملة.

 ولم ينج سوق الوراقين من لعنة الحرب هو الآخر، ففقد السوق معظم رواده خلال السنوات الماضية، حيث تكدست مئات الكتب لفترات طويلة حتى أصابها التلف واستحال بيعها، ما اضطر أصحابها لإرسالها إلى معامل الكرتون أو استخدامها كمادةٍ للتدفئة، ورغم شلل حركة البيع وتراجع الإقبال على السوق، استمر عمله بفضل بعض باعته المخلصين له، ومن بينهم أبو طلال الذي يلخص ذلك بقوله “حافظنا على روح المكان وقاومنا بكتبنا قبح الحرب، تابعنا عملنا رغم إفلاس معظمنا، لنثبت للعالم أننا كناشري ثقافة صمدنا مع كتبنا لنكمل رسالتنا الإنسانية”.

ورغم انتعاش حركة السوق في العام الأخير، قياساً للأعوام التي سبقته، لم تعد لما كانت عليه قبل عام 2011 وربما لن تعود في المدى القريب، ويعزو أبو سارة سبب ذلك إلى “سفر الكثير من القراء الشغوفين باقتناء الكتب، وتردي الواقع الاقتصادي عند معظم الناس ليصبح شراء الكتاب نوعاً من الكماليات، عدا عن أعباء وهموم الحياة اليومية التي جعلتهم ينسون الأشياء التي يحبونها”

أما أبو طلال فيعزو السبب إلى “تغير المزاج الثقافي العام الذي يتحكم بنوعية القراءات التي تتجه بمعظمها حالياً نحو ثقافة القراءة الاستهلاكية والاستسهال في الحصول على المعلومة السريعة، عبر اللجوء إلى الإنترنت والكتب الإلكترونية”.

قلبنا من الحامض لاوي: السوريون وأزمة الحمضيات

قلبنا من الحامض لاوي: السوريون وأزمة الحمضيات

تزين أتوستراد المزة بالحمضيات منذ فترة، في مشهد أثار حفظية المزارعين الذين لم يتوقعوا أن يجدوا إنتاجهم من الحمضيات يستخدم للزينة عوضاً عن الأكل. في الوقت الذي أشار فيه رئيس اتحاد المصدرين السوري محمد السواح بأن هذا من أنواع العرض لمنتجات مهرجان” زرع وصنع في سورية” والذي يقام بداية كل شهر لترويج المنتجات السورية، والذي تم تزيينه للمرة الأولى بالحمضيات فقط.
وأزمة تسويق الحمضيات في سوريا ليست جديدة، فخلال أكثر من 25 سنة تنوعت المساعي الحكومية التجميلية للتخفيف من الواقع المأساوي لمصير الحمضيات دون جدوى، واليوم تقف الحكومة عاجزة عن تصريف إنتاج هذا المحصول الذي تجاوز المليون طن وفق أرقام وزارة الزراعة السورية.
دفع هذا العديد من المزارعين إلى اقتلاع أشجار البساتين، إذ تشير إحصائية مديرية الزراعة في اللاذقية إلى أن عدد الأشجار المقلوعة خلال عام 2016 وصل لـ 5086 شجرة في حين بلغ عدد الأشجار المقلوعة عام 2017 لـ 20338 شجرة.
وتستوعب السوق المحلية ما يقارب ثلث الإنتاج من الحمضيات أثناء الموسم، مما يترك كميات كبيرة خارج الحاجة الفعلية، وهذا يعني زيادة كبيرة في العرض تؤدي إلى انخفاض الأسعار بشكل مجحف بحق المزارعين، كما تؤدي لتلف جزء من الموسم لعدم جدوى قطافه وتسويقه. ومع استمرار فجوة الفارق بين سعر الحمضيات الذي يبيع بموجبه الفلاح محصوله، والسعر الذي يشتريها به المستهلك النهائي بنحو 50 ليرة سورية، يؤكد المزارعون أن هذا تلاعباً بقوت عائلاتهم ، حيث يعمل بهذه الزراعة قرابة 57 ألف عائلة في 357 قرية ويعتمدون عليها بشكل أساسي في معيشتهم.
ويبلغ عدد أشجار الحمضيات الكلي 14 مليونا و196 ألف شجرة، تمتد على مساحة 43 ألف هكتار، منها 13 مليونا و555 ألف شجرة في طور الإنتاج تشرف عليها 103 وحدات إرشادية وفق أرقام وزارة الزراعة.
ويعاني مزارعو الحمضيات من عدم إمكان تصدير انتاجهم لأسباب عدة، منها عدم مطابقة المنتج للمواصفات القياسية التي تطلبها الأسواق الخارجية، إذ رفضت روسيا عام 2017 شحنات الحمضيات السورية لهذا السبب مما دفع البلدين لتأسيس شركة خاصة تعنى بجودة المنتج الزراعي، بحيث يكون مطابقاً للمواصفات التي تناسب السوق الروسية، وتم وضع خطة لمبادلة 200 ألف طن من الحمضيات والفواكه والخضار السورية بالقمح الروسي، إلا أنه لم يتم البت بالموضوع مع الجانب الروسي على ذلك، وبقي الموضوع رهن الدراسة والمشاورات.
يضاف إلى ذلك أن عملية التصدير تتطلب وجود مشاغل فرز وتوضيب الحمضيات، إلا أن عدد المشاغل لا يتجاوز الـ 50 في محافظتي طرطوس واللاذقية، ووفقاً للمزارعين هناك، فإن خط التصريف لا يتجاوز مدينة دمشق، كما تعتبر مشكلة المنافسة في الأسواق العالمية أحد أبرز معوقات التجارة، في ظل غياب المشجعات التصديرية المتمثلة بسياسة الحماية المتبعة في بلدان عدة مثل الاتحاد الأوروبي.
حاولت الحكومة العام الماضي تسويق المحصول عبر مؤسساتها التجارية، وذلك باستجرار كميات كبيرة من المحصول لصالاتها، حيث تم تركيب خط للفرز هو الأول من نوعه لدى القطاع العام في الساحل السوري، تبلغ إنتاجيته خمسة أطنان بالساعة، لكن هذا الإجراء فشل في تسويق كامل الإنتاج، إذ يحتاج تصريفه لإيجاد أسواق خارجية لتصديره.
ولتصرّف بقية المحصول عمدت الحكومة لإطلاق حملة لتوزيع الحمضيات مجاناً لأسر ضحايا الحرب السورية، الأمر الذي أثار استياء أهالي الضحايا خاصة بالمناطق الساحلية، وبهذا لم تثمر المقترحات التي ابتدعتها الحكومة لحل مشكلة الحمضيات، بل على العكس يزداد الأمر سوءاً عاماً بعد عام.
مؤخراً منحت الحكومة دعماً قدره 1600 دولار لكل شاحنة تحوي 15 طناً من الحمضيات، لكن الأمر الذي غاب عن ذهن الحكومة السورية أن الدعم المادي سيذهب للتجار لا للمزارعين، خاصة وأن التجار هم الحلقة المسؤولة عن تسويق الإنتاج.
أما المزارعون فمعاناتهم ماتزال كبيرة نتيجة الخسائر المتلاحقة لقطاع الحمضيات حيث يتكدس الإنتاج في أسواق الجملة، ومع بداية كل موسم زراعي تتجدد المشكلة إن كان لجهة كساد الإنتاج، أو نتيجة العوامل الطبيعية لتبقى الأزمة مستمرة.
وبالإضافة للحاجة لسياسة زراعية حقيقة تدرس حجم احتياجات السوق الداخلية وإمكانية التصدير والأسواق الخارجية التي ترغب باستيراد هذا النوع من الحمضيات، على الحكومة السورية أن تدعم المزارعين أسوة بالدول الأوروبية، التي تقوم بالدفع لمزارعيها لثنيهم عن زراعة منتج قد يتسبب بحدوث فائض وكساد بالإنتاج، وبالتالي توفر الحكومة على نفسها معاناة البحث عن سبل لتصدير الفائض من الحمضيات التي زادت بكثرة في السنوات الأخيرة نتيجة استسهال الحلول والاعتماد على الدولة لتسويق المنتج الفائض، لكن مع مرور الوقت أصبح هذا الاستسهال عبئاً على المزارع والدولة.
أما الحديث عن إنشاء معمل لعصر الحمضيات، فيجمع العديد من المختصين بصناعة العصائر أن منتج الحمضيات السوري غير قابل للتحول إلى عصير، لنسبة المرارة العالية فيه، وبالتالي لا جدوى من تصنيعه. ولو كان الأمر مجدياً لتسابقت الدول المجاورة على استيراده وتصنيعه، نتيجه انخفاض أسعاره.
عن هذه القرارات ومشكلة المحصول الفائض عبّر البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن خوفهم من أن تتخذ الحكومة قراراً لتوزيع الحمضيات أي “صناديق البرتقال” بدلاً عن الأجور والرواتب، حيث أن الحد الأدنى للأجور في سوريا 30 ألف ليرة يعادل شراء 300 كيلو غرام من البرتقال، بينما اكتفى آخرون بالقول “قلبنا من الحامض .. لاوي”..

سوريون ضد التطرف…حملة مدنية في ادلب

سوريون ضد التطرف…حملة مدنية في ادلب

كانت فكرة انضمام أمجد البالغ من العمر (14عاماً) لفصيل هيئة تحرير الشام أكثر ما يؤرق أمه عائشة الأربعينية، والتي راحت تبحث عن كل الوسائل التي من شأنها إبعاد ابنها عن جبهات القتال وهو في هذه السن المبكرة ولكن دون جدوى.

بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على كامل محافظة إدلب، أطلق ناشطون حملة “سوريون ضد التطرف” بغية التنبيه والتوعية من مخاطر التطرف والفكر المتطرف على المجتمع السوري بكل مكوناته.

تشرح عائشة طبيعة المشكلة التي تعانيها قائلة “بعد وفاة زوجي في القصف على مدينتي أريحا أصبح العبء علي مضاعفاً لتأمين لقمة العيش وتربية أولادي الخمسة، لتأتي مشكلة ولدي أمجد الذي تعلق بحضور ندوات النصرة التي راحت تنظمها داخل المساجد وفي حلقات العلم وتحث من خلالها الأطفال واليافعين والشبان على الانضمام إلى صفوفها” وتضيف بأن الأمر لم يقتصر على تعلق ولدها بتلك الندوات وإنما باتخاذه قراراً بالانتساب لمعسكرات النصرة وإصراره على الالتحاق بهم، وقد حاولت الأم جاهدة إقناعه بالابتعاد عن الفكرة حيث تقول” حاولت استيعابه ومسايرته حتى لا يتمرد ويغادر المنزل فهو في سن مراهقة ومندفع ولا يفكر بما يمكن أن تؤول إليه الأمور، ومع ذلك لم تجد محاولاتي، وها هو الآن يقاتل في صفوفهم، وبت أنتظر خبراً يمكن أن يفجعني بولدي في أي لحظة”.

الصحفي والناشط ومنظم حملة “سوريون ضد التطرف” نسيب عبد العزيز (31عاماً) يتحدث عن الحملة وأهدافها فيقول “بدأت الحملة في أواخر عام 2017 وهي لا تزال مستمرة حتى الآن في كل مناطق إدلب وريفها، نحاول من خلال الحملة إبعاد أكبر شريحة ممكنة والتي قد تنجح التنظيمات الإرهابية في استقطابها، وبشكل خاص بعدما رأيناه من تحولات شكلية لهذه التنظيمات في الفترة الأخيرة” ويوضح العبد العزيز تلك التحولات كتغيير اسم جبهة النصرة ليصبح فتح الشام ثم تحرير الشام ولعبها على وتر مؤثر بالتركيبة السكانية مثل الاندماجات والتكتلات والإدارات المدنية وغيرها.

كان الوقوف في وجه التطرف والإرهاب هو قضية تبناها عدد كبير من نشطاء الثورة السورية ورجالاتها ومفكريها، وحذروا حتى من قبل دخول هذه التنظيمات من العواقب التي قد تتعرض لها الثورة السورية وتهدد أهدافها المشروعة في الحرية والكرامة.

“ومن هذا المنطلق فإن حملة ‘سوريون ضد التطرف’ هي ليست وليدة المرحلة وإنما هي خطوة في مسيرة بناء سوريا مدنية سليمة تنبذ العنف وترفض الإرهاب” يبين عبد العزيز مشيراً لأن أهداف الحملة تتلخص في الحد من انتشار الفكر المتطرف بشكل عام، وخاصة  بين فئة الشباب والمراهقين “وهي فئة تعمل التنظيمات المتطرفة على كسبها واستغلالها في تنفيذ مصالحها عبر وسائلها التي تلاعبت بالمفاهيم الدينية والقيم الأخلاقية وهو ما عكس الصورة الحقيقية لتنظيم القاعدة “، ويردف العبد العزيز أنه “وعلى الرغم من محاولاتها لتمويه وجهها الحقيقي فالحملة تعمل على عدم تمكين القاعدة من الحصول على قاعدة شعبية وكسب تأييد السكان وإبعاد القوى المختلفة في مناطق انتشار النصرة عن مشاريعها ومخططاتها”.

التطرف كما تراه حملة “سوريون ضد التطرف” هو خروج عن النسق العام ومنظومة القيم والمبادئ والأفكار الشائعة والرائجة والمتوافق عليها بين الناس، ومنظومة القيم والمبادئ هي ليست محلية خالصة نابعة من موروث المجتمع فحسب، بل تعتمد على مرجعيات أممية تواضعت البشرية حولها وسطرتها في جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية، والتطرف جذر تنمو من خلاله تباعاً ظواهر الغلو ومن ثم بشكل حتمي الإرهاب كما يسرد منظم الحملة.

سوريون ضد التطرف هي حملة عامة من خلال تحديدها لمفهوم التطرف، لكنها تكثف أنشطتها بشكل خاص على مناطق الشمال السوري وخاصة إدلب وريفها وريف حلب الجنوبي والغربي وريف حماه الشمالي وهي مناطق تسيطر عليها هيئة تحرير الشام التي تعمل على تغييرات شكلية بغية تحقيق استمرارية لها في المجتمع السوري.

شاهر الحلبي (29عاماً) أحد نشطاء الحملة يؤكد بأن الحملة مبنية على أسس منطقية حددت طبيعة التطرف في سوريا وخطره، وتحاكي التوجه الفكري للمجتمع السوري من خلال الأدلة والبراهين التي تثبت النتائج الكارثية الناجمة عن الفكر المتطرف والسلوك الإرهابي، وينوه إلى أن الحملة تنشط من خلال جهود جبارة يبذلها أعضاء الفريق والبالغ عددهم 60 ناشطاً، هذه الجهود “نابعة من حس واعي ومسؤول وهم شبان مدنيون من شرائح مختلفة من المجتمع السوري، تركزت نشاطاتهم عبر جلسات نقاش وتوعية وحوار وطرح المواد المتعلقة بالحملة بأسلوب مقنع، والتركيز على الوقائع المرتبطة بسلبيات التطرف”.

كما وتضمنت الحملة توزيع بروشورات تحتوي على آراء شخصيات مؤثرة وخاصة رجال دين ثقات، وبوسترات تعبر عن آثار التطرف بأسلوب واضح، عبارات غرافيتي، فيديوهات من خلال منصات الحملة على وسائل الإعلام الاجتماعي، وكان التجاوب والتفاعل داخل الوسط الاجتماعي مع الحملة ” جيداً جداً” كما وصفه الحلبي وخاصة في ظل الظروف السيئة التي تمر بها المنطقة والتي كان التطرف وآثاره السلبية  مؤثرين فيها بشكل واضح.

الحقوقي نزير علوش (40عاماً) يعلق على فوائد حملة “سوريون ضد التطرف” بالقول “إن هشاشة مناعة المجتمع السوري الناجمة عن تسلط نظام شمولي مستبد لعقود من الزمن جعلت هذا المجتمع عرضة لخطر التطرف والأمراض المجتمعية المختلفة، والتي لا يمكن أن يتعافى منها بشكل فوري” ويقترح العلوش تكاتف وعمل جماعي من أجل التخلص من هذه الأمراض والبحث الدائم والمستمر لتعزيز مناعة المجتمع السوري من أمراض وأخطار مؤهلة للانتشار في مثل هذه الظروف، ولذا يعتبر العلوش بأن حملات مواجهة التطرف هي أولى خطوات العلاج التي تهدف لحشد طاقات المجتمع وتحفيزها لمواجهة التطرف، والتي لا يمكن أن تصل إلى نتائجها المرجوة دون عمل جماعي متتابع وعلى كافة الأصعدة.

لا إجـازات، لا اسـتقالات ولا سـفر…لموظفي الحكومة

لا إجـازات، لا اسـتقالات ولا سـفر…لموظفي الحكومة

تحاصر المؤسسات الحكومية في سوريا اليوم موظفيها بجملة من القوانين والإجراءات، تقيد حقهم في طلب إجازة أو الاستقالة و حريتهم في السفر، حتى بات حصولهم على إجازة بلا أجر ومغادرتهم البلاد حلماً صعب المنال، تصحبه مجموعة من الوثائق والإجراءات المتعبة.
فإلى جانب معاملة الاستيداع (إجازة بلا أجر)، على العامل لدى الدولة الراغب بالحصول على إجازة لمغادرة سوريا، استحصال تأشيرة خروج من الوزير المختص في المديرية التي يعمل لديها، وكفالة موظف آخر في نفس القسم الذي كان يعمل فيه؛ يؤكد فيه قدرته على إنجاز المهمات الموكلة لصاحب الطلب في حال لم يعد لعمله بتاريخ انتهاء الإجازة، بالإضافة إلى بيان وضع من شعبة التجنيد للموظفين الذكور ممن هم في سن الخدمة الاحتياطية.
واجه علاء، الموظف في شركة الكهرباء حماه، كل هذه الإجراءات المعقدة أثناء قيامه بمعاملات الاستيداع وتأشيرة الخروج، من أجل السفر إلى لبنان، بهدف قضائه لمهلة أربع سنوات تسمح له بدفع البدل النقدي للخدمة العسكرية الإلزامية والعودة إلى وظيفته.

ويبلغ البدل النقدي المحدد للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية ٨ آلاف دولار أمريكي، يشترط لدفعها أن يقضي الشاب أربع سنوات خارج سوريا.

 يقول علاء عن هذا “إجراءات تعجيزية! على الموظف تقديم طلب الإجازة للمدير العام في شركته، من ثم الانتظار ليتم رفعها إلى المؤسسة العامة للكهرباء في دمشق والتي تقوم بإرسالها إلى وزارة الكهرباء للحصول على موافقة الوزير، من ثم يعود الطلب بدورة عكسية ليصل أخيراً إلى الشركة في حماه”. ويستغرق هذا الإجراء فترة تتراوح ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، وتأتي معظم الطلبات بالرفض خاصة بالنسبة للموظفين الشباب، بحسب علاء.

أما تحصيل تأشيرة الخروج فيحتاج الموظف الحكومي لتجاوز تناقضات  طلبات الوزارات وشعبة التجنيد، يشرح علاء قائلاً “تطلب الوزارة ورقة بيان وضع من شعبة التجنيد لمنحه تأشيرة الخروج للموظف، إلا أن شعب التجنيد ترفض منحها للمؤجلين على أساس سند إقامة خارج البلاد كما في حالتي”. وبهذا يدخل صاحب الطلب في دوامة معاملات بيروقراطية جديدة؛ تتطلب منه التقدم بطلب جديد لشعبة التجنيد يشرح فيه حاجة الوزارة إلى ورقة بيان الوضع للتحقق من عدم تخلفه عن خدمة العلم، في حين أن صورة عن دفتر التجنيد كفيلة بإظهار تأجيل الموظف، حسب علاء.

ويحق للموظف استخدام إجراءات تأشيرة الخروج مرة واحدة خلال ثلاثة أشهر فقط، علما أن الموظفين الراغبين بالحصول على استيداع لمدة تصل لسنة قابلة للتجديد لمدة ٥ سنوات، يحرمون من التعويضات وزيادة الراتب وكل الامتيازات، لدورة المستندات نفسها.

رفض الإجازات والاستقالات

ترفض العديد من المديريات الحكومية طلبات الاستقالة من الوظائف الرسمية من الشبان الذين في هم سن الخدمة العسكرية، بحجة “الافتقار للعنصر الشبابي” وفقاً لما يأتي في ردود الوزارات.

كما حصل مع رامي الذي أراد الاستقالة من وظيفته في إحدى الشركات التابعة لوزارة النفط في حمص بهدف السفر، وذلك لكي يتخلص من إجراءات الاستيداع نهائياً وليتمكن من العودة لسوريا بعد ذلك دون أية عقوبات. يقول رامي “لقد رفض طلب استقالتي ثلاث مرات، بحجة أن الدولة بحاجة إلى العنصر الشبابي في المرحلة الراهنة، لذا قمت بطلب إجازة بلا راتب لمدة سنة، إلا أنه رفض أيضاً”. واحتاج رامي لوساطات عدة، ليتمكن أخيراً من الحصول على إجازة لمدة ثلاثة أشهر وتأشيرة خروج من الوزير، استغلها للسفر إلى لبنان من ثم إلى ألمانيا، حيث يعيش اليوم، دون التمكن من تجديد طلب الإجازة وزيارة سوريا ثانية.

ويقضي تعميم صدر عن رئاسة مجلس الوزراء عام ٢٠١٦ بوجوب دراسة وتقديم المقترحات اللازمة بشأن الإجازات بلا أجر، التي تزيد مدتها عن ٦ أشهر من قبل لجان مركزية مشكلة برئاسة معاون الوزير المختص ومدير الشؤون الإدارية أو الموارد البشرية ومدير الشؤون القانونية، في حين تمنح الموافقة على طلبات الاستقالة بقرار من الجهة صاحبة الحق بعد الحصول على موافقة مكتب الأمن الوطني، والتأكد من عدم حاجة الجهة العامة للعامل.

وفي اتصال مع مدير قسم في إحدى المؤسسات العامة الحكومية في دمشق، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، قال إن “الدولة السورية تواجه بشكل جدي نقصاً واضحاً في الكوادر المؤهلة كالمهندسين والأطباء والجامعيين، ونقصاً في اليد العاملة الفنية التي تحتاجها لإعادة تأهيل بعض المنشآت المتضررة جراء الحرب، وأن حالة الرفاهية وقلة ساعات العمل الفعلية التي كان يتمتع بها الموظفون في السابق تراجعت بشكل واضح”، إذ بات معظم الموظفين يشعرون بضغوطات عمل أكبر حسب تعبيره. وكشف أيضاً أن الإجراءات التي تطبق اليوم هي نفس الإجراءات التي كانت تطبّق سابقاً، إلى أنها أصبحت أكثر صرامةً مع اقبال العديد من الموظفين إلى الاستغناء عن وظائفهم.

ورغم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا بعد الحرب ما يزال راتب الموظفين الحكوميين يترواح بين ٦٠-١٠٠ دولاراً أمريكيا فقط وهو ما يضعف اقبال السوريين على الوظائف الحكومية إضافة للصعوبات الإدارية التي تواجههم فيها.

حكم المستقيل

“لم تعد تقبل طلبات الاستيداع كما في السابق” يقول علاء الذي رُفض طلب استيداعه دون ذكر السبب، مضيفاً “هنالك طلبات استيداع رفضت من المرة الأولى، وآخرون نجحوا باستحصالها لسنتين أو ثلاثة لا أكثر”، وبحسب الشاب فإنه لم يسمع بزملاء له نجحوا مؤخراً باستحصال الإجازة.

ويعطى الموظف بعد رفض طلب الإجازة أو الاستقالة، مهلة ١٥ يوماً للالتحاق بوظيفته وإلا سيصدر بحقه قرار حكم المستقيل، وما إن يصدر هذا القرار لن يكون بإمكان الموظف طلب الاستقالة. أما الموظفون الذين صدر بحقهم قرار حكم المستقيل، إضافة لكل من ترك عمله لأكثر من خمسة عشر يوماً دون إخطار الجهة المسؤولة؛ فيواجهون عُقوبة ب”الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة” وفقاً للمادة 364 مكرر.

ويخضع الموظفون المقيمون خارج سوريا لأحكام قرار حكم المستقيل في حال تم رفض طلبات الاستيداع الخاصة بهم، ولم يعودوا خلال المهلة المذكورة.يروي رامي تجربته قائلا “صدر بحقي قرار حكم المستقيل، ولا أعلم ما سيكون بانتظاري في حال عدت إلى سوريا، لأننا بتنا نسمع قصصاً متضاربة، بين أشخاص دفعوا مبالغ مالية تقدر بـ 500 ألف ليرة سورية لإسقاط دعوى حكم المستقيل، وآخرين رفضت طلبات استقالتهم لكن لم ترفع بحقهم الدعوى، كما أن هناك أشخاصاً شطبت أسماؤهم”.
ويبدو أن وضع المؤسسات الحكومية الراهن، يفرض على حكومة السورية التساهل في تطبيق هذه القوانين، إذ صدرت قرارات عدةخلال الأعوام الماضية تعفي هؤلاء الموظفين من العواقب المفروضة فور عودتهم إلى الوظيفة، ما يوحي بالحاجة والعجز الذي باتت تعاني منهما الأجهزة الحكومية مع انقطاع عشرات الآلاف من موظفيها عن مزاولة أعمالهم.

الوظيفة الحكومية: من حلم إلى كابوس

“إجازات مرفوضة، استقالات مرفوضة، حكم المستقيل، تأشيرات خروج وزارية، بيانات وضع، غرامات مالية، تكاليف جانبية، كلها أمور اختبرتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط لأنني كنت يوماً موظف قطاع عام لمدة عام واحد” يقول علاء الذي يشعر اليوم “بالندم الشديد” بحسب وصفه لأنه تقدم يوماً بطلب للعمل في دوائر الدولة السورية.

ويضيف علاء “بعد العناء الكبير الذي تكبدته وعائلتي لاستحصال الأوراق المطلوبة، وعدم قدرتي على زيارة البلد، أرى أن النتيجة النهائية مثيرة للسخرية!، فعلى سبيل المثال يساوي مجموع التكاليف التي تكبدتها وسأتكبدها حين أعود إلى سوريا، ضعفي مجموع رواتبي المقبوضة طيلة فترة عملي لعام ٍ واحد ، أي أن الدولة السورية ستتلقى مني مبالغ وغرامات وتعويضات ورسوم أكثر مما أوفتني إياه من رواتب، ولربما أمثل وزملاء كثر لي استثماراً لا بأس به، خاصة وأن معظمنا سيوفي مبلغ الثمانية آلاف دولار أمريكي كبدل نقدي عن خدمة العلم”.