بواسطة Firas Al-Hakkar | يوليو 10, 2015 | غير مصنف
منازل الدنيا أربعة (دمشق والرقّة والري وسمرقند)، هذا ما قاله الخليفة العباسي هارون الرشيد، أما الرقّة فهي محافظة في شمال شرق سورية تقع على ضفاف نهر الفرات، وفيها يلتقي رافده نهر البليخ، وفي اللغة العربية يعني اسمها الأرض الملساء التي يغمرها الماء ثم ينحسر عنها. أصبحت الرقة محافظة مستقلة عن دير الزور في ستينيات القرن الماضي، وحظيت باهتمام الحكومة السورية في السبعينيات بإقامة مشروعات حيوية مثل سدي الفرات والبعث إلا أنها تحولت خلال العقود القليلة الماضية إلى إحدى المدن المنسية، وسقطت من خطط الحكومة التنموية باستثناء محاولات متواضعة لتغيير واقعها في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ولم يُكتب لها الاستمرار.
الواقع الحالي
خرجت محافظة الرقة عن سيطرة الدولة السورية في بداية شهر آذار عام 2013، منذ ذلك الوقت والمدينة تصارع من أجل البقاء، آلاف المسلحين اقتحموا المدينة من جهاتها الأربع، يقول المواطن محمد الصالح: «يُقدر عدد الكتائب المسلحة التي دخلت مدينة الرشيد بأكثر من مئة كتيبة، ذات انتماءات مختلفة، منها مُبايع لتنظيم «القاعدة» مثل «جبهة النصرة»، ومنها يتبع لما يُسمى بـ«الجيش الحر»، وأخرى لا تتبع لأي جهة وهي عبارة عن مجموعة مارقين من أرباب السوابق، وسجناء بجنايات وجرائم مختلفة أطلق سراحهم من السجن المركزي إبان سقوط الرقة».
تحولت المدينة الأكثر هدوءاً في سورية منذ عقود إلى ساحة معركة مفتوحة بين تلك الكتائب، خلافات أحدثها تقاسم الغنائم والمسروقات، واختلاف الرؤى والمنهج الذي تتبعه كل واحدة، إلى أن أعُلن عن تشكيل تنظيم «الدولة الإسلامية» في المدينة من قبل بعض المنشقين عن «جبهة النصرة» بعد شهر من سقوط المدينة، وبعد تسعة أشهر من الصراع بدأت الكتائب بتصفية بعضها، وانتصر تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على جميع الكتائب ليُعلن رسمياً نشوء «ولاية الرقة» أولى ولاياته في الشام، ويتخذها عاصمة للتنظيم.
يوثق أحد الصحفيين ما جرى هناك، ورغم اعتزاله الصحافة خشية الموت إلا أنه يراقب ما يجري بصمت ويدونه في يوميات المدينة التي يكتبها، فيقول: «ما زال الناس في مدينة الرقة يحاولون إيجاد سبل للبقاء على قيد الحياة، وأنت تسير في شوارع المدينة تسمع لغات مختلفة، أصبح أهالي المدينة حتى الأميين منهم يميزون اللغات العالمية، الفرنسية هي الأكثر انتشاراً فعدد العائلات الفرنسية كبير».
تحولت ساحات المدينة العامة إلى منصات لتنفيذ أحكام الإعدام، والتمثيل بالجثث وتقطيع الرؤوس والأيدي والأرجل، يطغى على المدينة جو من الخوف والحذر، إلا أن سكانها اعتادوا مع مرور الوقت رؤية جثة معلقة على أحد أسوار الحدائق، أو رمي شخص من بناء شاهق، أو رجم امرأة بالحجارة حتى الموت، ويُعتبر جلد شخص وسط السوق مشهداً مألوفاً في مدينة يحكمها تنظيم الدولة.
يعيش عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» مع أسرهم وأطفالهم في بيوت من هاجروا من أهالي الرقة، ومن صودرت أملاكهم بتهمة تأييدهم للنظام «النصيري الكافر»، مقاتلون من جنسيات مختلفة تتجاوز سبعين جنسية بما فيها العربية يعيشون مع عائلاتهم في الرقة، لهم فيها الحكم المطلق، وأصدرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قراراً فرضت بموجبه الحجاب والعباءة على الفتيات من عمر 11 سنة فما فوق، ومنعت لبس البنطلون للفتيات والتبرج والعطر الصارخ، كما مُنع سماع الأغاني، وإقامة حفلات الزفاف، ومُنع الشبان من ارتداء القلائد، وأُعلن أن عقوبة كل من يشرب الخمر أو لا يصوم شهر رمضان الجلد. وسبق أن أصدرت «الدولة الإسلامية» قراراً منعت بموجبه «الأراكيل» في المقاهي. بعد ساعة من صدور القرار اختفت «الأراكيل» من المدينة. ومنعت النساء من السفر خارج حدود «الولاية» إلا في حالات المرض المثبتة بتقرير طبي ممهور بخاتم أمير الطبية في «الولاية».
«ليست غاية تنظيم الدولة الذي تنتشر دورياته في أحياء المدينة وأسواقها، فرض العقوبات على مواطنيها، بل نشر تعاليم الدين الإسلامي كما جاء في فكر التنظيم، ونبذ البدع والعادات التي انتشرت بين الناس نتيجة جهلهم بالتعاليم الحقيقية للدين»، حسب ما يقوله أبو دجانة، أحد عناصر التنظيم.
تدين المدينة اليوم بالدين الإسلامي، ويدفع مسيحيوها جزية سنوية فُرضت عليهم لـ«بيت مال المسلمين» التابع للتنظيم، ولا يُجبرون على اعتناق الإسلام لكنهم يخضعون لتعاليم الدين الإسلامي شأنهم شأن المسلمين.
تُغلق المحال التجارية أبوابها قبيل كل صلاة، وتخلو المدينة من جميع سكانها، يُعتقل كل من يتأخر عن أداء فريضة الصلاة، يخضع لمحاضرة دينية في مقر «الحسبة» التابع للتنظيم من قبل شيوخ دين غير سوريين.
يدفع أهالي الرقة من أصحاب المنشآت والمحال التجارية زكاة أموالهم حسب ما يقدرها مكتب الزكاة بعد زيارة ميدانية لتلك المنشآت، كما أنهم يشرفون بشكل مباشر على عميات حصاد القمح وجني المحاصيل الزراعية ويأخذون نسبة منها كزكاة تُدفع لـ«بيت مال المسلمين».
تتميز فترة حكم تنظيم «الدولة الإسلامية» التي بدأت قبل عام ونصف بالأمان الذي فرضته بحد السيف، وهذا ما لم يجده المواطنون خلال فترة حكم كتائب «الجيش الحر»، وهذا يجعلهم يشعرون بالرضى إلى حد ما رغم السخط على بعض القوانين التي لم يألفوها بعد.
الرقة جغرافياً
تمتد الرقة بين خطـي عرض (35.15 – 36.45 ْ م) وبين خطي طول (38.00 – 39.35 ْم) وتبلغ مساحتها 19622كم،2 حيث تشكل 10.6% من مساحة سورية. تشكل الرقة نقطة وصل بين المحافظات الشرقية ومحافظات القطر الشمالية والوسطى، يحدها من الشمال تركيا وتبلغ الحدود المشتركة معها نحو (78,5)كم، ومن الجنوب محافظتي حمص وحماة، ومن الغرب محافظة حلب، ومن الشرق محافظتي الحسكة ودير الزور، وتبعد مدينة الرقة عن مدينة حلب (200)كم، وعن مدينة دير الزور نحو (135)كم، وعن مدينة حماة (260)كم، وعن حمص نحو (265)كم، وعن الحسكة نحو (230)كم.
تمتاز محافظة الرقة بتنوعها المناخي، ومقوماتها الطبيعية والسياحية، إضافة لتوفر المواقع الأثرية الموغلة في القدم كسور الرافقة الأثري، وباب بغداد والجامع العتيق (جامع المنصور)، وقلعة جعبر، ومدينة الرصافة، وسورا، وهرقلة، وزالبا، وحصن مسلمة، وتل الخويرة، وعشرات من التلال الأثرية المتوضعة على ضفاف نهري الفرات والبليخ، ومن أهمها تل المريبط المغمور تحت مياه بحيرة الأسد، والذي شهد أول استيطان بشري في العالم، ويعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وتل أبو هريرة، وعناب السفينة والشيخ حسن وغيرها.
كما كانت تشكل مقامات الصحابة عمار بن ياسر، ووابصة بن معبد الأسدي، وأبي بن قيس النخعي، والتابعي أويس القرني الموجودة في مدينة الرقة أحد أهم المواقع التي تنضوي تحت لواء السياحة الدينية إضافة إلى مقام النبي إبراهيم الخليل في منطقة عين العروس. إلا أن المواقع الدينية آنفة الذكر، تم تدميرها بشكل كامل من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وتفجيرها بحيث لم يبقَ لها أي أثر.
يتجاوز عدد سكان المحافظة مليون نسمة، ويتوزع النشاط البشري فيها بين الزراعة وتربية الحيوانات، وعدد من الصناعات الخفيفية كصناعة السكر، وزيت الزيتون، والمجبول الزفتي، والمركبات العلفية، وحلج القطن، والأقنية البيتونية.
يتوفر في محافظة الرقة المخزون المائي الأوفر في القطر العربي السوري، إذ يجري نهر الفرات في أراضيها قاطعاً مسافة تتجاوز (180)كم، ويشكل سد الفرات بحيرة الأسد البالغة مساحتها (674)كم2 ومخزونها المائي (14)مليون متر مكعب، وبحيرة سد البعث بمساحة قدرها (27)كم2. إضافة إلى نهري البليخ والجلاب، وبحيرة العلي باجلية القريبة من مدينة تل أبيض، والدلحة شرق مدينة الرقة.
الرقة تاريخياً
يرقى تاريخ مدينة الرقة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وسميت في البداية كالينيكوس، نسبة إلى سلوقس الأول، مؤسس المدينة، الذي كان يعرف أيضاً بهذا الاسم (ويقول البعض أن الاسم يعود إلى الفيلسوف اليوناني كالينيكوس الذي يعتقد أنّه توفي في الرقة).
ولموقع الرقة أهمية كبيرة حيث كانت في العصر البيزنطي مركزاً اقتصادياً وعسكرياً، لوقوعها على ضفاف نهر الفرات ووجود السهول الزراعية الخصبة فيها. فقد كانت مركزاً لتجمع البشر منذ العصور الحجرية القديمة، وموطناً لتقدم الحضارة، ومركزاً لتبادل السلع وتجميع الحاصلات والمؤن وتصديرها إلى بلاد كثيرة عبر الطريق المائي (الفرات) والذي كان صالحاً للملاحة حيث استخدمه الحيثيون ونقلوا فيه سلعهم إلى بابل والخليج العربي وإلى الهند، واستخدمه من جاء بعدهم من الشعوب.
في العصر الآرامي كانت الرقة عبارة عن إمارة آرامية تدعى (بيت آدين) وكانت عاصمتها تل برسيب وذلك في القرن الحادي عشر والعاشر والتاسع قبل الميلاد.
أما في العهد الإغريقي فقد عُرفت الرقة باسم (نيكفوريوم) حيث بناها الاسكندر الكبير حين اجتاز الفرات قبل أربيل. وسُميت (قالينيقوس) باسم سلوقس الثاني قالينيقوس الذي أسس مدينة جديدة أو جدد المدينة القديمة في سنة 244-242 ق.م.
وفي العهد الروماني سميت الرقة (كالينيكيوم) نسبة إلى الإمبراطور غلينوس المتوفي سنة 266 بعد الميلاد. وتقع المدينة الرومانية شرقي باب بغداد القائم حالياً في الرقة، ولم يبق لها أثر.
خربتها هزة أرضية فجددها الإمبراطور ليون الثاني الذي حكم الشرق في سنة 474م وسماها باسمه (ليونتوبوليس).
في العهد الأموي، اهتم الأمويون بالرقة واتصل تاريخهم بها كل مدة عهدهم فقد كانت محطتهم الى أرمينية، وكانت محطتهم إلى غزو حدود الروم وتمون جيوش الأمويين الى أرمينية وحدود الروم، وكانت تشرف على القبائل العربية في الجزيرة الفراتية. اهتم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بالرقة فوصلها بمجموعة من الحصون والقصور لتوطيد الأمن ولتكون محطة لراحته وراحة حاشيته بين الشام والجزيرة والحدود البيزنطية التي كان يغزوها بنفسه، وعني بزراعة الرقة وبري أراضيها، بما فجر من الترع من نهر الفرات لسقي الأراضي. ومن أشهر الآثار الأموية في الرقة رصافة هشام التي أضحت في عهد الأمويين منتجعاً صيفياً بعد أن أضاف إلى عمرانها وطورها هشام بن عبد الملك، وكان له الفضل في أن تكون جنة في وسط سورية في زمانها، أسهم في عمرانها وازدهارها بتشييد قصرين اكتُشف أحدهما في إثر التنقيب عن آثارها، فعُرفت آنذاك باسم: (رصافة هشام). بعد نهاية حكم الأمويين في سورية، تابعت (الرصافة) ازدهارها حتى بداية القرن العاشر الميلادي. واشتُهرت بتعايش المسيحيين والمسلمين بدليل اكتشاف وجود عدة كنائس فيها، ومسجد له محرابان باتجاه الجنوب وشارع مستطيل محاط بأعمدة رائعة، وقد هُدمت إبان غزوات التتار كلياً.
حاضرة الخلافة
ازدهرت الرقة في عهد الخلافة العباسية على مختلف الصعد، وقد حظيت باهتمام كبير فأصبحت أهم المدن العباسية في بلاد الشام، ويذكرالمؤرخون أن المنصور هو الذي أمر ببناء الرقة العربية على طراز خطة بغداد، بعد أن ولي عليها لفترة حيث أعجبه موقعها وطيب هوائها وعذوبة مائها. وبعد استلامه الخلافة أرسل ابنه المهدي ولي عهده إلى الرقة سنة (155هـ/722م)، وأمره بأن يبني الرافقة على طراز بناء بغداد الى جانب الرقة البيزنطية كما أضاف الخليفة هارون الرشيد الذي سكن الرقة طويلاً، العديد من القصور والمواقع الهامة.
يقول الباحث التاريخي محمد العزو: «عندما هاجرت القبائل العربية (ربيعة، بكر، مضر) إلى الجزيرة الفراتية سكنت ربيعة بشكل رئيسي في منطقة الموصل الحالية، وبكر في آمد (ديار بكر، حالياً في الأراضي التركية)، واتخذت قبيلة مضر من الرقة عاصمة لها».
ويضيف الباحث: «كانت الرقة تحمل اسمين الأول نيكفوريوم نسبة إلى مؤسسها سلوقس الأول والثاني كالينيكوس. وتشير بعض المصادر إلى أن مدينتي كالينيكوس ونيكفوريوم متجاورتان، وقد أطلق العرب المهاجرون على كالينيكوس اسم الرقة البيضاء».
وحملتا معاً فيما بعد اسم “الرقتان”، وأغلب الظن أن لفظ الرقتين المتجاورتين في العصور الإسلامية يشير إلى الرَّقَّة البيضاء، والرَّقَّة السوداء، وقد تكون كالينيكوس أو كالينيكوم هي حي المشلب حالياً ونيقفوريوم هي الرقة السمرة حالياً».
قبيل فتح الرقة كان سكانها عرباً من مضر يعتنقون الديانة المسيحية، شأنهم في ذلك شان سكان مدن أخرى عامرة هي حران واديسا (الرها -أورفا).
ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، «إن الفتح الإسلامي للرقة تم صلحاً في سنة (17هـ/ 638م)، بقيادة عياض بن غنم وسهيل بن عدي وهما من قادة جيش أبي عبيدة بن عامر الجراح، واتخذ عياض من الرقة قاعدة لفتوحاته في الجزيرة الفراتية، حيث فتح سنة (19هـ) اديسا (الرها) وحران وسميساط ومن الرها الى منبج ورأس العين، وبعد أن سيطر على ذلك الجزء من المنطقة أخذ قرقيسيا الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وبذلك أمن الضفتين، ورجع إلى الرقة ومنها سار إلى حمص، والياً عليها وعلى الجزيرة(الرقة)، (التي غالباً ما كانت العرب في قرون الإسلام الأولى تعبر عن الرقة بهذا الإسم لأنها أقرب المواقع الهامة بالقياس إلى من يعبر الفرات)، وذلك بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، ومات فيها سنة (20هـ).
وفي نفس العام أي 20هـ/641 م قسم الخليفة عمر بن الخطاب البلاد إلى سبعة ولايات وهي : المدينة، البحرين، البصرة، الكوفة، الشام، الجزيرة ومصر.
بعد وفاة عياض بن غنم، تولى الرقة سعيد بن عامر بن خديم، فبنى في الرقة وحران جامعين، حيث بنى جامع الرقة من الآجر واستعمل في بنائه أنقاض الرخام من المدينة القديمة (البيضاء)، وهو أول جامع يُبنى في الرقة، ومن الجوامع الأولى في العالم الإسلامي، لكن للأسف اندثرت آثارجامع سعيد بن عامر، وأغلب الظن أنها تحت أبنية حي المشلب في موقع الجامع الأموي ( المنيطير) التي كانت مئذنته موجودة حتى بدايات القرن العشرين وبُنيت فوقه مدرسة زكي الأرسوزي الابتدائية.
يؤكد الباحث محمد العزو: «إن أهل الرقة استطاعوا خلال فترة الخلافة الراشدية المحافظة على معتقداتهم وكنائسهم القائمة. وبقيت الرقة تمارس حياتها الاعتيادية مستفيدة من خصوبة أرضها ووفرة مياهها وموقعها الجغرافي المميز بين الجزيرة والشام مما أعطاها أهميتها التجارية والعسكرية».
ويُضيف العزو: «بدأ الخليفة العباسي المنصور في عام (772)م، ببناء عاصمة صيفية للدولة العباسية بالقرب من الرقة، سميت الرافقة. بُنيت المدينة الجديدة بشكل حدوة فرس على الطراز المعماري لبغداد، وسرعان ما اندمجت مع الرقة. بين عامي (796 و808)م، استعمل الخليفة العباسي هارون الرشيد الرقة عاصمة له أيضاً، وأصبحت المدينة مركزاً علمياً وثقافياً هاماً».
وفي الرقة عاش وتعلم الفلكي العربي الشهير البتاني (858-929)م. في عام 1258 دمر المغول الرقة كما فعلوا ببغداد، ولم تعمر بعد حرقها إلا بمرور خمسة قرون.
إعادة الإعمار
زار أبو الفداء محافظة الرقة بعد زمن طويل من خرابها، وقد ذكرها في تقويمه حيث يقول: «الرقة في زماننا مدينة خراب ليس فيها أنيس»، وبعد أكثر من قرنين وربع من زيارة أبي الفداء لمدينة الرقة لم يُعرف عن أخبارها شيئاً يذكر، حتى جاء عام (1574)م حين زارها الطبيب الرحالة الهولندي (ليونهارت راوولف)، حيث يَذكرُ في تقرير له وصفاً لقصر في المدينة و(1200) جندي من جنود السلطان التركي، وكانت المباني والأسوار بحالة يرثى لها، يبدو أنَّه بعد التدمير الذي لحق بالمدينة إثر الغزو المغولي لها، قد بنيت بعض مبانيها، وأنه حدث استيطان جديد ربما وقع مع إنشاء المراكز التركية، وكنقطة ومحطة هامة لطرق الاتصال بين سورية والعراق ولم تكن حينها ذات أهمية تذكر، وحسب رأي الرحالة ليونهارت فإنَّ التجار فضلوا أنْ يستعملوا الطرق التجارية ذات المسار الشمالي، المارة بالبيرة (براجيك) حيث تجتاز الفرات وتتابع طريقها إلى أورفه (أديسا).
في(1650)م قام الرحالة التركي أولياء جلبي بزيارة إلى الرقة، وقد أكد في كتابه (سياحة ناما) أنَّ الرقة كان فيها سكان ثابتون، ويذكر أيضاً أنَّ التركمان قد دمروا المدينة وعلى أثرها أصبحت الرقة تابعة لأورفا (أديسا)، وحسب النظرية الشعاعية التي يقول بها علماء الآثار والتاريخ، فإنَّ الرقة كانت مكاناً للّقاء الشتوي للعرب والتركمان، بينما هي في شهر تموز خالية على الإطلاق من السكان، وكانت في تلك الفترة وحتى في الفترات اللاحقة، مكاناً قصياً لذلك نجد أنَّ الرحالة الأوربيين المتأخرين، الذين كانوا يأتون عبر براجيك وأورفه والمنطقة، لم يذكروا الرقة رغم وجودها، ومن جهة أخرى نجد أنَّ بعض الرحالة الذين زاروا المنطقة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، قد رسموا الرقة على خرائطهم، مثل الرحالة ريتشارد بوكوك وج.م كيناير، وهذا يعني أنَّ المدينة لازالت حية رغم خلوها من السكان. إنَّ الانقلاب الجديد في حياة مدينة الرقة قد حدث في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأ الاستيطان الجديد لمجمل وادي الفرات والجزيرة السورية، إذ كانت البداية متواضعة ومع مرور الزمن تكونت مجموعة من المدن من بينها الرقة.
زار الرقة الرحالة الشهير زاخاو عام (1879)م، حيث أشار في كتابه (رحلة إلى سورية وبلاد الرافدين) أنه كان هناك مجموعة من السكان يقطنون في دور سكنية في مختلف مناطق المدينة القديمة، وأن عددهم يقارب مئة شخص ويقول: «أعتقد أنَّ التجار هاجروا إليها من مدينة حلب»، أماَّ الرحالة الليدي آن بلينت التي مرت في الرقة عام (1878) م أكدت أنها، «لم ترَ سكاناً داخل أسوار المدينة القديمة»، وهي محقة لأنها مرت في المدينة أثناء فترة الصيف، والسكان في هذه الفترة هم خارج المدينة، فبعضٌ منهم يمارس زراعة الخضار على ضفاف النهر (القبيات) ويسكنون في بيوت مشيدة من مادة القصب والسوس (سيباط)، والبعض الأخر من السكان يكونون قد رحلوا مع قطعان ماشيتهم إلى منطقة الشمال، وراء مساقط الغيث ومواضع العشب والكلأ، وفي نهاية فصل الصيف يعودون أدراجهم إلى المدينة، أما انطباع عالم الآثار أرنست هرتسفلد الذي زار الرقة في عام (1907)م فقد أكد، «إنها مدينة حديثة جداً، وأنها كانت تضم مركز بريد وبرق، وأن سكان المدينة كانوا يعيشون من التجارة مع العرب المحيطين بالمدينة من صناعة قصب السكر ومن حفريات اللقى الأثرية».
بعد خمس سنوات من زيارة هرتسفيلد للرقة، وتحديداً في شهر أيار من عام (1912)م قدم إلى الرقة الرحالة التشيكي لويس موزيل، وقد أكد أنه، «وجد فيها سكاناً عددهم (300)عائلة»، ولكن هذا الرقم قد يكون نتيجة لتقديرات غير مؤكدة والسبب في ذلك عدم وجود استقرار سكاني في المدينة في تلك الفترة الزمنية ليشكل مساحة أفقية واسعة، أما الاستيطان المبكر في محيط المدينة القديمة، فقد حدث أن عشائر (الأبي شعبان) استوطنت منطقة الرقة منذ عام (1650)م، وكانت منازلهم على شواطئ الفرات امتداداً من الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، مع دير الزور شرقاً، إلى منطقة شمس الدين غرباً، ويشكل هذا الاستيطان الهجرة الأولى لمنطقة الرقة بعد تدميرها من قبل الغزو المغولي في عام (1259)م.
الرقة اقتصادياً
تعتبر محافظة الرقة زراعية بامتياز، وشهد قطاع الزراعة تطوراً كبيراً بعد إنشاء سد الفرات الذي نظم مجرى النهر، وساهم في استصلاح مساحات واسعة من الأراضي، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية المروية نحو (220) ألف هكتار، منها نحو (110) آلاف هكتار مستصلحة وهي مشاريع ري حكومية، والبقية ضفاف بحيرة الأسد، وسقي نهري الفرات والبليخ، والأراضي التي ترويها الآبار الارتوازية، وتبلغ مساحة الأراضي المروية بعلاً نحو (450) ألف هكتار تزرع بعضها بالقمح في منطقة الاستقرار الثانية، إضافة للكمون، وبالشعير في المناطق الأخرى.
وحسب إحصائيات وزارة الزراعة في سورية، تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القمح بعد محافظة الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقمح في موسم عام (2011) نحو (136) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (550) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (142) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (518) ألف طن، علماً أنه تم زيادة المساحة المقرر زراعتها بالقمح بناء على توجيهات الحكومة السورية وتوصيات اللجنة الزراعية العليا لزيادة الإنتاج، وتأمين الاكتفاء الذاتي وصولاً لتحقيق الأمن الغذائي.
كما تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القطن بعد الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقطن في موسم عام (2011) نحو (46) ألف هكتار، وبلغ الإنتاج المسوق نحو (167) ألف طن، فيما تم زراعة نحو (46650) هكتار في موسم عام (2012)، والإنتاج (165) ألف طن.
أما بالنسبة لمحصول الذرة الصفراء فتحتل الرقة المرتبة الأولى على مستوى القطر في إنتاج الذرة الصفراء، منذ عام (1988) حتى عام (2012)، وتنتج نحو 60% من إنتاج القطر في السنوات السابقة، ففي موسم عام (2011) تم زراعة نحو (22) ألف هكتار بمحصول الذرة الصفراء، وبلغت الكميات المسوقة نحو (145) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة لموسم عام (2012) نحو (26) ألف هكتار، والإنتاج نحو (128) ألف طن.
وتعتبر محافظة الرقة من المحافظات الأولى في زراعة الشوندر، حيث بلغت المساحة المزروعة بهذا المحصول لموسم عام (2011) نحو (5500) هكتار، والإنتاج المسوق (330) ألف طن وهي من السنوات المتميزة بكمية الإنتاج، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (4077) هكتار، والإنتاج نحو (190) ألف طن.
ويبلغ عدد أشجار الزيتون في محافظة الرقة أكثر من خمسة ملايين شجرة، معظمها مزروع على ضفاف بحيرة الأسد، والمثمر منها أكثر من 60% من العدد الكلي للأشجار، فيما تقدر كميات الإنتاج بنحو (50) ألف طن من الزيتون الحب، وفي الرقة أربع معاصر خاصة لإنتاج زيت الزيتون، ووسطي إنتاج الزيت يقدر بنحو 20كغ للمئة كيلو من الزيتون الحب.
أما الثروة الحيوانية المسجلة في الرقة فتبلغ نحو (2.2888) مليون رأس من الأغنام والماعز و(2656) رأساً من الأبقار، و(6521) رأساً من الإبل و(159) رأساً من الجاموس و(359) رأساً من الخيول.
آفاق المستقبل
تغير نفوس الناس في محافظة الرقة يتناسب طرداً مع تغير الظروف، فقد خلفت الحرب ما خلفته من انقسام في الرؤى والآراء، تفرق الأخ عن أخيه والابن عن أبيه، هاجر العديد من أهالي المحافظة إلى مدن أخرى أكثر هدوءاً كحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق.
هجر معظم الفلاحين أراضيهم، وغادر الأبناء إلى لبنان وتركيا والعراق مؤخراً (بعد سيطرة التنظيم على مناطق واسعة منه)، بحثاً عن فرص عمل تساعدهم على شقاء الحياة بعد أن شحت الموارد وارتفعت الأسعار، أما من بقي في المدينة فيسعى جاهداً لتأمين مصدر رزق ثابت يعينه مع أفراد أسرته، بعد أن خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة بسبب توقف مياه الري الحكومية بعد سرقة معدات المضخات من قبل مسلحي «الجيش الحر»، إبان سيطرتهم عل الرقة.
تُعد تجارة السيارات هي الرائجة بعد تجارة النفط، وقد انتشرت مكاتب بيعها في معظم أرجاء المدينة. وتُباع سيارات بلا ضريبة للرفاهية كانت تأخذها الحكومة سابقاً عن السيارات السياحية، وفيما عادت المدينة الصناعية إلى العمل ونشطت فيها الحركة على نحو ملحوظ بسبب ازدياد عدد السيارات، يستورد التجار بضائعهم من تركيا، إلا أن الأسعار مرتفعة جداً.
أما الفقراء، فقد اختاروا سبلاً للحياة مستقاة من بساطتهم، فاشترى بعضهم صنارة صيد أو شباكاً، حسب قدرته المادية، وقصد نهر الفرات وامتهن صيد الأسماك. وتحول سوق الهواتف الخلوية في شارع الوادي وسط المدينة إلى سوق للأوراق المالية وتصريف العملات، وخصوصا أن انقطاع شبكة الاتصالات عن المدينة قد يستمر أسابيع في بعض الأحيان. واستورد بعضهم أجهزة للاتصال الفضائي لضمان تواصل المغتربين من أبناء الرقة مع أهاليهم بأسعار مرتفعة للدقيقة الواحدة.
مضى عام ونصف العام على حكم تنظيم «داعش»، يكاد أهل الرقة يعتادون على قوانين التنظيم، أو يتعايشون معها إلى حد ما، وقد أنشأ التنظيم هيئات ومكاتب تابعة له مهمتها تسيير شؤون المسلمين وتأمين الخدمات الضرورية لهم، ومنها:
الدواوين:وهي المعنية بتنظيم الأمور الإدارية، فيما تنتشر مكاتبها في جميع مدن وقرى الولاية.
العلاقات العامة والعشائر: وهو مكتب لإصلاح ذات البين، والإصلاح بين عشائر الولاية وحل المشاكل إن وجدت.
الخدمات: مكتب مسؤول عن الأمور الخدمية في عامة الولاية، حيث يعمل على إيصال المياه إلى منازل المسلمين، وإصلاح شبكات الكهرباء، بالإضافة إلى قيامه برصف وتزيين شوارع وطرقات الولاية.
الزكاة: وهو مكتب لجبي الزكاة من محاصيل زراعية ومحال تجارية ومواشي، وتوزيعها على مستحقيها.
الشرطة: يقوم مكتب الشرطة ببسط الأمن في أنحاء الولاية، عن طريق إنشاء نقاط تفتيش وتسيير الدوريات النهارية والليلية، التي تلاحق اللصوص وتحل النزاعات البسيطة، وتتبع له شرطة المرور التي تعمل على تنظيم حركة السير، وإجراء امتحانات للقيادة بشكل دوري
الزراعة والري: يُشرف على عمل المطاحن والأفران ويقوم بشراء محاصيل القمح من المزارعين، وتوزيع الطحين على الأفران بهدف توفير مادة الخبز.
ويُعنى أيضاً بالإشراف على عمل السدود وسواقي الري، وقد أقام عدة مشاريع للري تهدف إلى توفير المياه لأكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية.
الأمن العام: مسؤول عن تأمين المسلمين.
التعليم: وهو مكتب مسؤول عن سير العملية التعليمية في الولاية، قام بافتتاح أكثر من 15 مدرسة تُدرّس لأطفال المسلمين العلوم الدينية والدنيوية، وتتبع له عدة معاهد شرعية.
الحسبة: وهو مكتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الولاية، فيأمر الناس بالمعروف من صلاة وزكاة وغيرها، وينهى فاعلي المنكرات من حشيش وسرقة وخمور وغيرها، ويتبع له مكتب الرقابة والتفتيش، وهو مكتب للتفتيش عن مصادر المنكرات، ومراقبة المحال من مواد تالفة وبيع للمنكرات وغش للناس وغيرها.
الدعوة والأوقاف والمساجد: توكل إلى جنوده مهمة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث يقيم الخيم الدعوية ويُسيِّر القافلات التي تقام فيها الدروس والمسابقات، كما توكل إليه مهمة العناية بالمساجد وإعمارها.
الصحة: وهو مسؤول عن إدارة المشافي التي تُقدم الخدمات الطبية للمسلمين، وتقع على عاتقه أيضاً مسؤولية مراقبة الصيدليات وما تبيعه للمسلمين من أدوية، كما أنشأ كلية للطب.
ديوان القضاء والمظالم: تتبع له عدة محاكم شرعية، يُفصل فيها بين الخصوم ويُقضى بالأمور المتعلقة بالجنايات، كما يستقبل القضايا المتعلقة بالمظالم وهي القضايا التي يرفعها المتظلمون من عوام المسلمين على جنود الدولة وأمرائها.
الإعلام: وهو الجبهة الخارجية للولاية، يعمل على نقل مجريات الأحداث ومواكبة التطورات العسكرية، ويُعنى بتقديم التغطية الإعلامية لأنشطة الدواوين الأخرى، وقد أنشأ خمس عشرة نقطة إعلامية تتوزع في مختلف القواطع، تعمل على سد الثغرة الإعلامية عبر عرض الإصدارات المرئية ونشر الأخبار اليومية.
يبقى مستقبل الرقة مجهولاً في ظل تمسك التنظيم بها ودفاعه المستميت عنها باعتبارها عاصمته في بلاد الشام، أما سكانها فلا حول لهم ولا قوة هم فقط يحاولون العيش بسلام يدركون أنه مؤقت في ظل الحرب الدولية التي تشهدها المنطقة.
[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع
جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with
Jadaliyya]
بواسطة Akram Alkatreb | يونيو 25, 2015 | Reports, غير مصنف
حمص مدينتي. عشتُ قسماً من طفولتي في الخالدية .
يقول صديقي علاء الدين عبد المولى : «الخالدية خراب حمص».
تخيّل أن خراب طفولتي هناك، ولم أجرؤ على كتابة حرف واحد عنها. كان بيتنا يقع قرب الملجأ في شارع شهاب الدين على ما أذكر، الحارة التي يقطنها سريان وشركس وأرمن وحماصنة أيضاً.
لعبتُ كرة القدم في الشوارع التي تأخذكَ إلى الكراجات القريبة من أوتوستراد حماه وسبحتُ في أقنية الري حيث بقي جرح في ركبتي بأثر زجاجة كازوز محطمة.
أعشق سينما الأمير التي شاهدتُ فيها فيلماً لناهد شريف ورشدي أباظة مع أولاد الحارة أيام العيد وكان عمري عشر سنوات. الآن أين ذهب الجيران، أقصد بيت أبو عزمي وأبو خالد التركماني وأبو علي السمان وأبو ناصيف وحسن اللحام وبيت أبو وليد وغيرهم وغيرهم.
كان بيتنا الذي استأجره أبي من الحجر الأزرق.
في حمص كان حبي الأول بين مدرسة عمار ابن ياسر، قرب المساكن، ومدرسة فاطمة الزهراء، حيث الطالبات بالمراويل كنّ مثل الغيم على الشجر، وكان قلبي يدق بسرعة ليختلط عليّ النشيد الوطني بصوت الباعة الجوالين في الشارع.
حمص مدينة اخترعها الله على مهل.
بمثل هذه القوة التي تشبه لوحة خلفية هي مزيج من الأزرق والأبيض والأسود.
من الحائط الذي يفصلنا عن الجيران كانت تصرخ أم نورس ديب بأمي أن علينا الذهاب إلى الملجأ إذ صفارة الإنذار أو (زمور الخطر) كان يدوي في الحارة. لقد بدأت الحرب. بدأت الحرب.قصف الإسرائيليون مصفاة البترول، وتقصد حرب 6 تشرين. يومها بدل الذهاب إلى الملجأ صعدنا إلى السطوح لنتفرج على الدخان المنبعث من المصفاة. لم أفهم ما كان يجري، فقط أتذكر الوجوه المسحوبة إلى السماء والإرتياب ومهاوي تلك اللحظة الشاقولية. أبي لم يكن في البيت. بعد انتهاء الحرب رسمتُ وجوهاً في الهواء كأنها طائرات ورقية وسلالم طويلة وخيوط مربوطة بغيم.
كنتُ أسرق من جزدان أمي المركون على رف الصحون في المطبخ لأشتري مجلة تان تان ومجلة أسامة وبعدها في المساء سأقف جاف الحلق أمامها وأنا أشرح سبب فعلتي التي لا تُغتفر. أول شيء كنت أحتاج إليه القدرة والمشيئة على شرح حبي لشخصية شنتير التي كان يرسمها ممتاز البحرة.
أتذكر مرة وفي إحدى خساراتنا مع مدرسة القدس الخاصة في الحميدية بفارق علامة واحدة على مستوى المحافظة وكنتُ في الصف الخامس. عدتُ في المساء مع آنستي نابغة الأسود، تمسك بيدي طيلة الطريق إلى البيت. أوصلتني هناك بينما لم أنس رائحة أثر العطر الذي بقي من يدها في يدي. لطيلة أيام، يدي اليسرى، لم ألمس بها شيئاً، حتى كتبي كنت أحملها بيد واحدة، والصفحات أقلبها بيد واحدة، إلى يوم من الأيام أكلتُ علقة من أمي اضطررت أن أدافع فيها عن نفسي بكلتا اليدين.
أجمل الشوارع التي أعشق ذلك الشارع الذي يربط الساعة القديمة بالساعة الجديدة. بالنسبة إليّ كان شارعاً للعب والذهاب إلى السينما والتسكع أيام العطل والأعياد.من سينما الفردوس التي كنت أشاهد فيها ثلاثة أفلام ساعة كاملة من دون أن أستطيع الجلوس على كرسي سليم في الصالة (فيلم كاراتيه وفيلم أميركي اسمه الرحلة الخطرة…لم أعد أتذكر الفيلم الثالث) إلى سينما الكندي أيام الجمعة وأفلام الإتحاد السوفياتي التي كانت تعرض بتواتر دائم هناك. بجانب السينما يركن محل لبيع الدراجات الهوائية، وكم كنت أحلم بواحدة منها بينما أعبر الشارع مع أبي وأخوتي إلى أن كبرت قليلاً وانتقلنا من حمص. ارتكبتُ حماقات لا تحصى في المدينة التي نشأ فيها أهلي.
نسرين حاديش، مروان عبد المالك، فيصل خير الدين، رمضان عبد المهيمن، عهد معروف، منتهى جالوت……..بإغماضة قليلة أستحضر تلك الأسماء مثل أي مساحة ركضنا وتربينا فيها سوية، الآن هم بمثابة رضوض مؤبدة في قلبي، يتسللون إلى روحي كأسرى الحرب، يطلعون من أغنية بلوز تتحدث عن شخص لا مال لديه أو مكان يعيش فيه. حزوز قلبية تائهة كانت سبب كتابتي الشعر. عرفتُ لاحقاً أن منتهى تزوجت رجلاً يمتلك نايت كلوب في أميركا.
أبي مغرمٌ بالرياضيات وبالتالي لم يترك فرصة لي لكي يجعلني أحبها، في الصباح والمساء والظهيرة، وقت قيلولته المقدسة.
ولم تكن تأتيه السريرة لذلك إلا في عزّ البرامج التي أحبها: (ميكي ماوس ومستر إيد والسالب والموجب الذي كان يقدمه توفيق الحلاق بصوته الدرامي الرخيم وهو يشرح قصصاً تأخذ طابعاً تراجيدياً في أكثر الأحيان. إحدى القصص التي قدمها مرة: عن أب وضع إبنته في السقيفة طيلة سنوات حتى بدت على الشاشة مثل كائن ولد الغابة، لكن لا كمثل الغزلان أو الطيور، بل جسد ما لإنسان ما، فقدَ منحنيات وجهه وذابت تفاصيله حتى بدا حيواناً بأغلال، مسروقاً من قطيع في البرية).
ولم أحب الرياضيات في حياتي، مع علمي أخيراً أن لها علاقة وثيقة بالموسيقا وحركة الكواكب والنجوم. ونادراً ما نجحت فيها. أربع صفحات من جداول الضرب والمعادلات من الدرجة الثانية. لكن خزانته الممتلئة بقصص أرسين لوبان البوليسية، وكتاب “الزواج المثالي” قرأتها في غياب أهلي، ومن حينها لم أُصبح محامياً لامعاً بعد دراسة مديدة للحقوق ولا زوجاً مثالياً حين تزوجت إلى الأبد.
قرب جورة الشياح كان يقع استوديو العشرة الطيبة، هناك أخذت أجمل الصور في طفولتي. في الشارع الذي يشبه الكرنفال قرب اتحاد نقابات العمال إلى نصب الأسد يجثم في الحديقة بجانب إشارة المرور.مشيت هذه الشوارع دون كلل ودون مال أو جاه، فقط من كثرة الحب والغبطة كنت أظن أن هذه المدينة لا شيء يحدها إلا الغيوم وبائعو غزل البنات. صغيرة وهائمة مثل عين التنور أو بحيرة قطينة المرصوفة ببلاط أزرق.
الذهاب إلى ملعب كرة القدم صباح يوم جمعة بارد يحتاج إلى مئات الأعذار ونوع من كذب غير مكشوف كي تفلت كالغزال في جنة كرة القدم. ينبغي الوثوق بالنفس أحياناً وبالذكاء والكذب الذي يضمن لك ساعتين خارج البيت دون مراقبة الأهل. أكثر من مرة ذهبت دون علم أمي إلى الملعب البلدي لمشاهدة فريقي الكرامة والوثبة. وفي حارتي كان الملعب القريب من المساكن يتيح لك رؤية حارس المرمى بسام الجرايحي وهو يطير أمام المرمى كطائر الأساطير القديمة، فيما بعد أصبح حارس مرمى الفريق الوطني.
لم أفلت من طريق الشام ولا الوعر أو مقصف ديك الجن الحمصي الذي أتذكره على نهر العاصي مثل سفينة تنتظر ركاب المجرة بينما رائحة عرق الميماس تفوح في المكان مع رائحة اللحم. كل هذه الصور لم أحلم بها، بل حدثت وكأن ثمة جرحى بقوا تحت جلدي دون عون، عراةً وبالغي الرقة مثل قبائل لا تحب النزوح إلا قبيل الفجر.غجر وثعالب ملطخة بالدم. كأنني لم أترك هذه المدينة ثانية واحدة.
سكنتُها ولم أُغادرها، وهي الآن بعيدة آلاف الأميال عني. هل عليّ الهرب إلى سوريا كي أذهب هناك دون أن يبحث عني أحد وأنا أمرّ بالشارع الذي يأخذني إلى تلبيسة أو فيروزة أو مريمين: حيثُ كان يعمل عمي في البلدية بصفة محاسب وجابي ضرائب..: – أخذنا أبي هناك ذات صيف إلى بيته البسيط الساحر على ربوة وحطب وسمك مشوي وعرق أبيض يشربانه بتؤدة. ظاهرها كان يغريني بمعرفة هذه الكأس السحرية التي تجعل أبي وعمي رقيقين كورق الدخان الحموي. يصبح أبي في هذه الحالة مثل أخ يكبرني بعامين.
كل ما يحدث لي هنا سببه اليقين والحدس بما كان ينبغي أن يحدث، وأنا أتربص للقطار القادم من جهة حلب واضعاً على السكة برادة ومسامير ونشارة الخشب، هذا ما كنت أفكر فيه: صناعة مغناطيس مما رميته بين دفتي الحديد. بينما الأرض كانت مسطحة، تطاير كل شيء في الهواء ولم يطلع المارد من الخيال. بلا شك سأدرك على مهل كيف أختبىء في الأزقة ليلاً لأُدخن سيجارة «كنت» مسروقة من جارور يخص أبي، حتى كنت أبقى في الحمام أكثر من ساعة وأنا أدخن تلك السيجارة الساحرة.
في رحلة مدرسية إلى سد الرستن ستأخذ عقلي تلك السهوب مقصوصة الشعر، والشمس التي مثل صندوق من الذهب تعلمني كيف أمشي دون أن أراقب خطواتي، وهناك تحت الأشجارستنبهني معلمتي فاطمة الناصر إلى الطبيعة وكيف كانت تفتح درابزين الكلام والتشابيه على نحو رائع ذلك الزمان. كان بيتها قريباً من بيتنا في الخالدية. وما كان يبدو أنني سأكبر عن كثب كل ساعة وسأطير مثل كائنات جياكوميتي، أو رويداً رويداً سأذهب إلى السوق الطويل المسقوف بالتنك والنجوم ورائحة النسوة والبضائع القادمة من مصر ولبنان والمعامل المحلية.هناك سأشرب كوكتيل الفواكه من المحل الذي على الزاوية قرب الساعة القديمة: تفاح وموز وبرتقال. رائحة بقيت عالقة وواضحة مثل الذي يسقط منك إلى الأبد ولن تعثر عليه فيما بعد. أشياء تضيع منك على غفلة دون أن تدري. ينابيع في منحدرات بعيدة وحبال غسيل معلقة في الهواء.عليك هنا أن تجيد الكلام لشرح الصور المتراصفة أمام العين دون القدرة على الهرب من تلك الماكينة الثقيلة التي تسكن بين الكتفين. أكثر من اللزوم في هذا الزمن المحسوب على لا أحد. نتوء صغير وأرياف على المنحدرات، خلا ذلك لا أجد ما هو ممكن لتفسيرالمسافة التي تفصل حمص عن قلعة الحصن واستحضار صلاح الدين الذي ذهب إلى القدس بصلح الحديبية، وما لا يمكن أن يُقال حين مرّ تيمورلنك بشارع الدبلان فارتجف قلبه، وسيعزف له الناس على الطبل والزمر، ولن يمس أحداً هناك بأذى. تيمورلنك الذي حرق ربع الكرة الأرضية، دخل إلى حمص ضاحكاً. مثل من له اسم مجهول وعائلة من الغجر تسكن على أطراف مدينة مزدحمة بالسكان. خيام ورقص حتى الصباح. الغجر الذين كانوا يمرون بدير بعلبه دون أن يلحظهم أحد. سكنوا على أطراف حمص. منسرحين بين طريق دمشق والمفارق الغامضة مع أطفالهم الحفاة.
أكتب عنكِ كما أكتب عن واحد من أصدقائي ولستُ قادراً على إطفاء الظمأ الذي يشبه ذكرياتي معكِ، وكأننا كنا نقاتلُ جنوداً غامضين على جبهةٍ بعيدةٍ في جبال القفقاس. مذهبة وحميمة وأنتِ تفتحين يديكِ لأجل طفلٍ لا ينسى بواباتكِ ومنحنيات الأفق الذي شكلته الطبيعة، كي أدفع حبي إلى آخره، وألهث مثل حصان أجعد الشعر، وله فم مفلوع أخذته ريحكِ إلى كائنات لؤي كيالي وحريق حرب حزيران.و لا يزال ثمة مجال لضروب الوهم: أنكِ مازلتِ هناك، وسأجدكِ كما أنتِ مع نسيب عريضة وهاشم الأتاسي وديك الجن الحمصي، في ظهيرة مشغولة وسرابات ونوع من عذاب الضمير، حين طيلة نهار كامل وأنتِ تقعين في حنانكِ المفرط. كأي أم تنتظر ابنها عند باب السجن.هذا الذي يبدو الآن يا حبيبتي مثل حائط وحجارة وطاعون.
[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع
جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with
Jadaliyya]
بواسطة Ahmad Faiz Al-Fawaz | يوليو 8, 2014 | غير مصنف
الحراك الشعبي في سورية
1ـ الحراك الشعبي السّوري ، الّذي بدأ في النّصف الثّاني من آذار (مارس) 2011 تحوّل تدريجياً ، وقبل أن يتصلّب عوده، وتترسخ قاعدته الشّعبية، ويتحقق استقلاله عن القوى والمؤثرات الخارجية، تحوّل، بعد بضعة أشهر، عن النهج السّلمي إلى حرب متعدّدة الصّفات ومن نوع جديد لم تألفه المنطقة، شاركت فيه أطراف عربية وإقليمية ودولية عديدة. وهكذا غُطي على الأهداف الداخلية للحراك (الحرية والكرامة والعدالة)، ثمَ أزيحت تدريجياً لصالح أهداف هذه الأطراف التي لعبت دور المموّل والمسلّح والموجَه والمخطّط، ووضعت، بالتالي، الأطراف النافذة في الحراك تحت السّيطرة المباشرة لأجهزتها المتمركزة في الدّول المجاورة لسورية.
الحراك الشّعبي السّوري تلا الأحداث التي جرت في العديد من الأقطار العربيّة، وتأثّر خصوصاً بانتفاضتي تونس ومصر، ولم يكن صنع مؤامرة خارجيّة، الأمر الذي لا ينفي مساهمة عناصر أو مجموعات مرتبطة بالخارج شاركت في الحراك من بدايته أو في سياقه. وهو بهذا المعنى إنتاج وطني صنعته أوضاع البلاد المحكومة من نظام استبدادي مترابط الحلقات، سيطرته قويّة وشاملة لدوائر النشاط الاجتماعي المختلفة، نظام ينعدم فيه هامش للحرّيات السياسيّة، ولا يتوفر فيه المجال لنشاط الفئات الشّعبية المختلفة للدفاع عن مصالحها الجزئيّة أو العامّة، أو للتأثير على سياسات النّظام وممارساته.
على أن المجال كان واسعاً أمام قوى نشأت ونمت بالارتباط بعلاقات وثيقة بالسّلطة، مستفيدة مما أصبح يُسمى ” بالدولة الخفيّة ” أو “الدّولة العميقة ” أي من القوى التي تعمل فوق القانون وخارجه، لممارسة نفوذ واسع و خصوصاً في المجال الاقتصاديّ للاستيلاء على حصّة ملحوظة من الدّخل الوطني، والمال العام وأملاك الدّولة. وبتأثير من ما يمكن تسميته ب” مافيا سلطويّة ” انتشر الفساد الكبير والصّغير في الجّهاز البيروقراطي القليل الكفاءة أصلاً، كما طاول القانون الذي تآكلت سيادته تدريجيّاً، والقضاء الّذي فقد استقلاله. وزاد في الطّين بلّة السّياسة الاقتصاديّة، التي تولّى أمر رسمها وتنفيذها مرتبطون بالكتل الاقتصاديّة و الماليّة الداخليّة و بدوائر المال الخارجيّة، ومنفذون لتوجيهات البنك الدّوليّ وصندوق النّقد الدّوليّ، فضُيّق على القطاع العام، بالأحرى قطاع الدّولة، بهدف دفعه نحو الفشل والإفلاس، والتمهيد للاستيلاء عليه من المافيات الماليّة، وزيدت الصعوبات بوجه الصّناعة والزّراعة و أخذت الدّولة، تحت وطأة العجز الماليّ و نفوذ القوى المُهيمنة على النّظام، بسياسة التّخلّي التّدريجي عن واجباتها في حقول التّعليم، بمراحله المختلفة، و الصّحة والرّعاية الاجتماعيّة .
بذلك اتسعت الهوّة بين من يملكون وبين من لا يملكون، وتوسّعت دائرة الفقر وازدادت البطالة خصوصاً بين الشّباب وكذلك البطالة المُقنّعة، كما ازداد تهميش مناطق الأطراف، التي تشمل غالبيّة الأرض السّوريّة وكتلة وازنة من السّكّان، مقابل المدن الكبرى، فازدادت تبعاً لذلك الهجرة من الرّيف إلى هذه المدن، وإلى لبنان والأردن و دول الخليج، بحثاً عن العمل و عن لقمة الخبز. لقد تحوّلت سورية إلى بلد نابذ لقوى العمل الموصوفة وغير الموصوفة، وخصوصاً للكفاءات العلميّة و الفنيّة .
في هذا الوضع برزت جملة من التناقضات: التناقض بين النّظام السّياسيّ، بتحالفه مع إيران وقوى المقاومة الإسلامية، وبين دول إقليمية (السعودية وإسرائيل)، والولايات المتحدة، خصوصا بعد احتلالها للعراق، إضافة لجملة من التناقضات الداخلية، كالتناقض بين القوى المالية ذات الصّلات الوثيقة بالمال الخليجيّ و الدّوليّ داخل النظام، والقوى المرتبطة بالإنتاج الصّناعيّ الّذي أصبح يُعاني من سياسة الباب المفتوح، والتّناقض بين الكتلة الكبرى من المأجورين، الذين تتاّ كل قدرتهم الشرائيّة وبين سياسة الدولة العاجزة عن تأمين الأموال الكافية لحفظ التناسب بين الأجور و الأسعار، والتناقض بين المدينة التي تحظى بقدر أكبر من الرعاية و بين الرّيف الذي يحظى بقدر أقل، والتناقض بين المناطق المهمّشة، وخصوصاً المناطق الشّرقيّة، وباقي البلاد، وقبل كل ذلك التناقض بين طابع الدّولة الاستبدادي وممارسات أجهزتها المخالفة للقانون، وبين الكتلة الكبرى من المجتمع التي تريد ضمان كرامتها والحرّيات الأساسية، وكذلك الدور الذي يمارسه الفساد في تدمير المجتمع أخلاقيا وتخريب علاقته بالدولة و التناقض بين المواطنين عموماً و بين السياسة التفضيليّة و الزبائنيّة التي تخرق مبدأ المساواة بينهم وتتغطّى بالمادة الثّامنة من الدّستور حول ” الحزب القائد”، حيث تحوّلت القيادة من مبدأ المسؤولية عن الشؤون العامة، إلى ميدان الاستفادة الشّخصية، مما دمّر فكرة القيادة من الأساس، وحوّلها إلى كابوس يجثم على صدور الناس، ونشر الانتهازية في المجتمع.
الأزمـــــة الوطنيــــــة
2 ـ من هذا الواقع نشأت ” الأزمة الوطنية السّورية “، التي تعود بداياتها لسبعينبات القرن العشرين، مع النمو التدريجي لنظام الاستبداد وكذلك لموجات القمع، وخصوصا موجة القمع الدّموي بين 1980- 1982 ولتدابير الانفتاح الاقتصادي، التي تأثّرت بصعود اللبرالية الجديدة في العالم الرأسمالي ( وصول ريغان و تاتشر للحكم في الولايات المتحدة و انكلترا)، وكذلك لسياسة التضخّم النّقدي المّتبعة في سورية منذ أوائل السبعينيات و التي استهلكت جزءاً كبيراً من وفورات الفئات المتوسّطة و القليلة الدّخل وزادت في إفقار الفقراء. بهذه المعاني، فالأزمة عامّة، سياسية واجتماعية واقتصادية بالإضافة لكونها قد أزمنت وصار لها عمر طويل .
كان واضحاً للجميع، بمن فيهم بعض ولاة الأمور، وخصوصاً منذ بداية العهد الجّديد في العام 2000، أنّ النّظام القائم لم يعد يلبّي مصالح الجميع، بالأحرى الفئات الشّعبية الفقيرة أو المُفقرة، ودوائر واسعة من الفئات الوسطى، أي الأكثرية الساحقة من السوريين، وأنّ البلاد بحاجة ماسّة لإصلاح شامل وعميق، وبتعبير ضارب لإلياس مرقص، بحاجة لإصلاح أكبر من ثورة. الإصلاح المطلوب عليه أن يتناول الدولة أولاً، إن من حيث بنيتها أو من حيث توزّع سلطاتها، وبكلام اّخر إصلاح دستوريّ عميق مؤسس على عقد اجتماعي جديد مبني على المواطنة الحرّة المتساوية الحقوق، إصلاح يُعيد تنظيم العلاقات بين سلطات الدّولة التّنفيذيّة والتّشريعيّة و القضائيّة بما يحقق استقلالها النّسبي والرّقابة المُتبادلة بين السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة، وبما يضمن فاعلية السّلطات ومسؤوليتها أمام المجتمع، وإصلاح إداري يتصدّى للفساد الواسع الانتشار ولترهّل وانخفاض كفاءة الإدارة البيروقراطيّة، وإصلاح سياسيّ يُلغي حالة الطوارئ الدّائمة وما يتبعها من مؤسسات غير دستوريّة وقوانين مُخالفة حتى للدّستور الموجود والمفترض نفاذه، وأساليب مخالفة لمنطق الدّستور والقانون العادل، ويتيح الحرّيات السّياسيّة الأساسيّة في المجتمعات الحديثة ويضمن الحقوق المشروعة للإنسان والمواطن، وإصلاح اقتصادي يرتكز على قطاع الدّولة وينمّيه ويضعه تحت رقابة المجتمع، ويشجّع الإنتاج الصّناعي والزّراعي ويهتم بالأطراف السّوريّة وخصوصاً الأكثر تهميشاً. هذه الإصلاحات كانت ستجعل النّظام قادراً على انتهاج سياسة حازمة ضدّ نهب المال العام وضدّ الفساد الكبير، سياسة تضع حدّاً للمافيات المحميّة من مراكز القوى، وتُؤمّن للنظام الفعّالية والإمكانات للقيام بواجب الدّولة في حقول التّعليم والصّحة والخدمات الاجتماعيّة، والضمان الاجتماعي، عدا عن أنها تُقوّيه بوجه الخارج وخصوصاً إسرائيل التي تحتّل الجولان، وتستبيح ما بقي من فلسطين.
الفـــــــــرصة الذهبيــــــــة المهــــــــدورة
السؤال هو: هل إصلاح بهذا العمق وهذا الشّمول كان ممكناً؟ في بداية العهد، توفرت الفرصة الذّهبيّة للقيام بهذا الإصلاح المتعدّد الاتجاهات. لقد تكرّر، في ذلك الوقت، حديث مسؤولين عن الحاجة لهذا النوع أو ذاك من الإصلاح. لكن الكلام لم يتحول إلى عمل. و ظلّت الفرصة مُتاحة لفترة طويلة. لكنها فٌوتت. ولم يكن ممكناً الاستفادة من الوقت المتاح، بدعوى الظّروف التي استجدّت: الاحتلال الأمريكي للعراق، والضّغط الذي مارسته الولايات المتحدة على سورية بعد ذلك، بما في ذلك إجبارها، بقرار من مجلس الأمن، على سحب جيشها من لبنان، والعدوان الإسرائيليّ على لبنان 2006، وتآمر أركان من النّظام على النّظام. هذه الظروف كان ينبغي أن تدفع نحو الإصلاح. باعتقادي، هناك أسباب أخرى حالت دونه في مقدّمتها الضّعف الكبير للقوى الاجتماعيّة صاحبة المصلحة فيه، وعدم وضوح صورة الإصلاح وأولوياته ومراحله لدى هذه القوى، وضعف القوى الدّيمقراطيّة واليساريّة وغياب مبادرتها وتقديرها الخاطئ لموازين القوى، وبروز قوى مؤثرة في صفوف المعارضة انطلقت في رسم سياستها من اعتقاد بعضها بعدم استعداد النظام للإصلاح، وبعضها الآخر من واقع احتلال الولايات المتحدة للعراق، وإمكان تمدّدها نحو سورية فقرر السّير على النّهج الذي سارت عليه المعارضة العراقيّة في “التّحالف” مع الولايات المتحدة، أي بالتبعية لها، وإن بالطّريقة “السّوريّة “، أي بشكل أكثر نعومة وبباطنيّة ( إعلان دمشق )، مع أنّ بعض رموز هذا ” الإعلان ” كان صريحاً في دعمه لاجتياح الأمريكان للعراق، بوصفه نوعا من “التحرير”، ولم يتوان من توجيه تحياته لجورج بوش على دوره في العراق وفي المنطقة. هذا من قوى سياسية معارضة للنّظام. لكن هناك أسباب أخرى أكثر أهمية برزت من داخل فريق النّظام كبحت أيّة ميول للإصلاح أبداها بعض رموزه، انطلاقا من واقع الرجحان الكبير لميزان القوى لصالح النظام، لكن خصوصا من المصالح الضيّقة المرتبطة باستمرار الأوضاع على ما هي عليه. وهكذا ظلّ النّظام بمجمله أسيراً لسياساته وأساليبه، ولم يتمكن من التّحرر منها من أجل معالجة شؤون البلاد، أو على الأقل لحماية النّظام نفسه.
خيـــــــــــاران أمـــــــــــام النظـــــــــام
الفرصة الأخرى للإصلاح كانت مرتبطة ببدء الأحداث ( آذار 2011 ). حينها واجه النّظام خيارين: الأول هو السّير في طريق الحلّ الأمنيّ، الّذي لا يمكن إلّا أن يستجرّ الجّيش للقيام بمهام هذا الحلّ، ويساهم في وضع البلاد في الدّوامة التي تعيش فيها الآن. والخيار الآخر هو اتّباع الحلّ السّياسيّ الشّامل على أساس تصحيح العلاقة المختلّة بين الحاكمين والمحكومين، وإقامتها على أسس جديدة، عبر الدّعوة لمؤتمر وطنيّ يرأسه رئيس الجمهورية ويحضره المعارضون والموالون وأهل الرّأيّ والعمل والإنتاج والإدارة، مؤتمر تلتزم السّلطة بقراراته، يصوغ عقدا اجتماعيا جديدا على أسس الحرية والديمقراطية والمساواة بين المواطنين، ويضع الخطوط العامة للإصلاح في الميادين المختلفة ويُحدّد الإجراءات والتّدابير الواجب اتخاذها بما فيها التّعديلات الدّستوريّة و القانونيّة المطلوبة لإعادة صياغة النّظام بما يصون سيادة البلاد و استقلالها ووحدة أراضيها، و يُؤمّن الوحدة الوطنيّة و يُتيح الحرّيّات العامّة. هذا الخيار لم يحظ باهتمام السّلطة، ولم تضعه المعارضة في أولويّاتها، وفُوتت هذه الفرصة أيضاً. كان يُمكن لهذا الخيار – لو جرى السّير فيه – قطع الطريق على تطوّر الأحداث نحو الحرب الأهليّة، ثمّ نحو الحرب التي اشتركت فيها قوى إقليميّة ُمحرّضة و مدعومة من قوى دوليّة مختلفة، فتحوّلت “الأزمة الوطنيّة السّوريّة ” إلى ما يمكن أن نُسمّيه ب “المسألة السّوريّة”، ولم تعد الأيّديّ السّوريّة طليقة في الشّأن السّوريّ، إذ شاركت فيه أيدٍ أخرى أقوى، ولم يعد الحلّ سوريّاً، بل أصبح دوليّاً وإقليميّاً، تضاءلت فيه مساهمة السّوريّين، ولم تعد اليد العُليا على شؤونهم، لهم.
بدايـــــــــــة واحــــــــدة، ومســــــارات متفــــــارقة، ونتـــــــائج مختــــــلفة
3ـ تعّرضنا بتفصيلٍ للوضع السّوريّ ما قبل الأحداث، وللأسباب الدّاخليّة العميقة للأحداث. لكن سورية ليست جزيرة منعزلة عن محيطها وعن العالم. ففي أوقات متقاربة انفجرت الانتفاضات، مُتتابعة في الأقطار العربية الأكثر سكّاناً، والأكثر فقرا، والأكثر ثقافة. البدايات كانت متشابهة إلى حدّ كبير، والشعارات العامة متماثلة، وسرعان ما اختلفت النّهايات والنّتائج. السّبب هو تدخّل القوى الإقليميّة والدّوليّة. فالعالم أصبح أكثر تشابكاً لا تربطه وسائل الإعلام و المواصلات بقدر ما توحّده قوى الرأسمال المالي المعولم، الممسوك من الإمبريالية الأمريكية أكثر من أية قوة دولية أخرى. لقد انخفض مستوى السّيادة القوميّة واقعياً، وزاد تدخّل الهيئات الدّوليّة الخاضعة للدّول الامبرياليّة الكبرى، وتدخّل الدّول الإقليميّة الكبرى الأقوى في شؤون الأضعف.
في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين وسورية، من نقطة بدء واحدة خرجت خطوط مختلفة الاتّجاهات، حدّدتها العلاقات بين القوى الدّاخليّة الفاعلة، والقوى الإقليميّة والدّوليّة المشتبكة في الأحداث. ودون أن نتجاوز حدود هذا المقال وموضوعه أكثر مما يُسمح به، نُلاحظ أن ما جرى بعد بداية الانتفاضة الليبيّة هو تدخّل عسكريّ مكشوف من الولايات المتحدة و فرنسا و انكلترا و ايطاليا، بحجة حماية المدنيين، تغطّى بقرار من مجلس الأمن ( ومن الجّامعة العربيّة ) وخرج على مضمونه، أدى لتدمير الدّولة القائمة ووضع ليبيا في وضع يعجز فيه الكيان المُقام بعد التّدخّل العسكريّ عن السّيطرة على شؤون البلاد، وتتحكّم الميليشيات المسلّحة في شؤون المناطق و تُسيطر على تصدير النّفط، وتندفع البلاد نحو الانقسام على أسس جهويّة وقبليّة. في تطوّر الحدث الليبيّ شّبه كبير بتّطوّر الحدث العراقيّ: غزو واحتلال أجنبي وإلغاء أو حلّ الجيش الوطني وتفكيك الدولة، يتبع ذلك العجز عن ضبط أمور البلاد. لنلاحظ، بالمقابل، أن الانتفاضة المصريّة استجرّت تدخّل الجّيش المصريّ مرّتين، أُبعد رئيس الجّمهوريّة حسني مبارك عن السّلطة في المرّة الأولى وأُزيح محمد مرسي رئيس الجّمهوريّة ومجموعة الإخوان المسلمين عن السّلطة في المرّة الثّانية، ووقف الحكم الّذي أُقيم بعد ذلك ضدّ التّدخّل الأمريكيّ الأوربيّ في الشّؤون الدّاخليّة، أو لم يسمح للغرب بالتّمادي. ولنلاحظ أيضاً تراجع دور دولة قطر “العُظمى” وتوتّر العلاقات التّركيّة المصريّة، وتركيا وقطر مرتبطتان بعلاقات معروفة مع حركة الإخوان المسلمين، ونمو دور لافت للسّعوديّة و الإمارات المعاديتين لهذه الحركة. في المثال الليبيّ هناك طغيان لوزن الخارج على وزن الحراك الشّعبيّ الدّاخليّ. الصّعوبات الاقتصاديّة و الماليّة ليست ذات شأن، ورغم ذلك لا توجد دولة ليبيّة حقيقية و البلاد تتّجه نحو المجهول. في المثال المصريّ يبرز الوزن الكبير للحراك الشّعبيّ، وبإضافة وزن الجّيش إليه تظهر السّيطرة الواضحة للعوامل الدّاخليّة التي حافظت على استمرار الدّولة، على الرغم من الصّعوبات الاقتصاديّة الكبيرة التي تعاني منها مصر، وعلى الرغم أيضاً من الدّور السّعوديّ والإماراتيّ اللافت للنّظر والمثير للتساؤل، ومن تأثيرات وقيود معاهدة كمب دافيد مع إسرائيل والرّعايّة الأمريكيّة لها، ومن النفوذ الأمريكي المستمدّ من العلاقات الأمريكية المصرية، التي ترسخت في عهدي السادات ومبارك. استمرار الدّولة واستمرار الحركة الشّعبيّة في مصر يبقيان منبعاً للأمل لتجاوز مصر صعوباتها.
عوامـــــــــل التعقيـــــــد في الوضــــــع الســـــــوري
4 ـ ما جاء أعلاه كان توطئة للعودة إلى الموضوع السّوريّ وعلاقته بالعوامل الخارجيّة، و دور هذه العوامل في الحرب القائمة . لقد تجاوزت الأحداث السّنوات الثّلاث، ودخلت في السّنة الرّابعة ولا توجد مؤشرات على أنّ الحرب تقترب من نهايتها. الشروط الدّاخليّة التي تعرضنّا لها بالتّفصيل كانت مناسبة، خلال الأشهر الأولى، لنشوء الحراك الشّعبيّ ونموه و تطوّره وتكوّن حاضنة شعبيّة له، ودائرة واسعة مُتعاطفة معه، وخصوصاً عندما كان طابعه الأساسيّ سلميّاً، أي عندما كانت المظاهرة وسيلته الرّئيسيّة في التّعبير عن مطالبه في الحرّيّة والكرامة و العدالة. لكنّ هذه الشّروط، رغم القمع الذي مارسته السلطة، لا تُبرّر تحوّله إلى العمل المسلّح و لا للتّطور الّذي جرى فيه، والذي أدى إلى تقلص قاعدته الشعبية. في اليمن مثلاً، حافظ الحراك الشّعبيّ على طابعه السّلميّ طوال الوقت، رغم الاستفزازات المستمرّة الّتي تعرّض لها. وبعكس ما يزعم البعض، من أنّ ما حدث في سورية كان من بدايته نتاج مؤامرة مُدبّرة من الخارج، فما من مؤامرة – ولا يمكن نفي وجودها في بلادنا وفي المنطقة- قادرة على جرّ الناس وراءها، بدون أوضاع داخلية تستثير غضب الناس، فعشرات الآلاف، وأحياناً مئات الآلاف،لا يخرجون إلى الشّوارع بدفع من عملاء الأجنبيّ، ولا تنفيذا لأهدافه، وإنما طلبا للإصلاح والتغيير. ومثلما توفرت الشروط المناسبة لنشوء الحراك الشعبي من خلال الاستبداد والفساد، توفرت أيضا الشروط لتآمر ونشاط الدول الإقليمية والخارجية. الحراك السّوريّ إذاً ينقسم إلى جزئين أو مرحلتين، جزء أوّل سلميّ داخليّ، وجزء ثان غير سلميّ لعب فيه الخارج الإقليميّ والدوليّ، تداخل مع الجزء الأول و سيطر عليه وأخضعه لاستراتيجياته وأهدافه .
ثلاثة أمور تتبادل التأثير تفسر تطور وتعقد الوضع السّوريّ وغموض آفاقه. الأوّل هو الاستقطاب السياسي الحاد في المنطقة، والثاني هو الموقع الجيوسياسيّ لسورية وأهمّيته في المشرق العربيّ خصوصاً وفي الشّرق الأوسط عموماً، والثالث هو السياسة الأمريكية وتحولاتها في المشرق العربي، وخصوصا بعد احتلال العراق.
على الرغم من العلاقة الوطيدة بين الولايات المتحدة والسعودية، والحماية الأمريكية للنظام السعودي، فهذا النظام، حفاظا على نفسه، يعتبر نفسه مسؤولا عن حماية أنظمة دول الخليج المشابهة لنظامه، ويحسب حساب دولتين في المنطقة: إيران والعراق، وذلك بسبب تطورهما ووجود جيشين قويين فيهما. الثورة الإيرانية أثارت القلق والخوف، لذلك دعمت السعودية ودول خليجية أخرى، العراق في الحرب ضد إيران، بهدف إضعاف البلدين، وغطت دعمها بالدفاع عن “القومية العربية” ضد “العدوان المجوسي”. لكن الحال تغير بعد احتلال العراق للكويت، فوضعت أراضيها عام 1991 تحت تصرف القوات الأمريكية لضرب العراق تحت دعوى “تحرير الكويت”، ووضعت أراضيها مرة أخرى تحت تصرف القوات نفسها عام 2003 لاحتلال العراق وحل جيشه وتدمير دولته، وبذلك تخلصت من واحد من العدوين. بقي العدو الآخر، الذي انطلق في نهضة شاملة، رغم العقوبات المفروضة من الدول الغربية، وأقام تحالفا متينا مع سورية ومع حزب الله في لبنان. مما أثار قلقا متزايدا، ودفع السعودية للمشاركة النشيطة في الحرب في سورية، بوصف سورية الحلقة الأضعف في السلسلة. الهدف السعودي من ضرب سورية هو، عدا عن إضعافها، إضعاف إيران، وقطع السلسلة الممتدة منها نحو لبنان، أي نحو حزب الله. كون ضرب المقاومة الإسلامية في لبنان، وضرب إيران، وإضعاف سورية، أهداف إسرائيلية أيضا، لا يغير في الأمر شيئا. على العكس، فقد يمهد للتحالف، طالما المصالح متوافقة. وربما هنا يكمن السبب وراء الحملة الواسعة للإعداد النفسي “للحرب المقدسة” بين السنة والشيعة، في سياق عملية تغيير الأهداف على المستوى العربي.
الصـــــــــراع علــــــــى ســــــوريـــــــــة
لقد غطى الصّراع على سورية النّصف الثّاني من القرن العشرين، والسّنوات المنصرمة من القرن الحادي و العشرين. بدأ ذلك بعد جلاء قوّات الاحتلال الفرنسيّ (والبريطانيّ ) عنها، وبعد تكوّن دولة إسرائيل في الجّزء الأكبر من فلسطين وعلى الحدود الجنوبيّة لسورية. التّحكّم بهذا الموقع، إلى جانب الموقع العراقيّ، يعطي للطّرف المُتحكّم قوّة خاصّة في المنطقة الممتدّة من تركيا شمالاً باتّجاه الأردن و السّعوديّة جنوباً حتّى اليمن، ومن البحر المتوسّط حتّى إيران شرقاً، حيث منابع واحتياطيّات وطرق نقل النّفط في السّعوديّة والعراق وإيران، و كذلك مكامن الغاز وإمكانيات نقله. من وجهة نظر ” الطّاقة “، يمكن اعتبار الحرب الدّائرة في سورية حرب النّفط والغاز، كما يمكن فهم مشاركة قطر و السّعوديّة من جهة و إيران من جهة أخرى. على أنّ هذا التّفسير يبقى أُحادي الجانب ولا يستغرق الواقع. أمّا المشاركة التّركيّة فلها أسباب أخرى. فالقيادة التّركيّة، التي فشلت حتّى الآن، في الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبي، واستدارت نحو الشّرق العربيّ، والمحكومة من ” مخلوطة ” من الأفكار و التّصورات بما فيها أوهام استعادة أمجاد عثمانيّة مضى زمانها وانقضى منذ مئة عام. هذه القيادة، التي تعمل من جهة لتنفيذ دورها في خطط الحلف الأطلسيّ، وتركيّا عضو فيه، و الخطط أمريكيّة أساساً، تعمل من جهة أخرى لتجعل من تركيّا دولة امبرياليّة ثانويّة تحت رعاية الامبرياليّة الأمريكيّة، في منطقة واسعة تمتدّ من سورية إلى الجّزيرة العربيّة، ومن سورية إلى العراق. هذا التوجّه التركيّ يُفسّر الصراع التّركيّ الإيراني، كصراع على المصالح، وليس إحياءً للصّراع بين الصّفويّين والعثمانيّين. الحاضر، كما هو معروف في تجارب أمم مختلفة، في الصراع على المصالح، يتنكّر بأردية وأقنعة من الماضيّ. صراع المصالح يفسّر أيضاً إلى حدّ كبير، الدّورين القطريّ و السّعوديّ، إن من حيث الخضوع للامبرياليّة الأمريكيّة و الارتباط بسياستها، أو من حيث المصالح الخاصة،السعودية أو القطرية المتعلّقة بالنّفط والغاز و طرق نقلهما، أو أيضا وربما أولا وقبل أي شيء آخر القلق، بله الخوف من الثورات والانتفاضات التي لن تترك مكانا لن تصل إليه، مما يدفع دول الخليج للقيام بحروب استباقية لتجنيب الأنظمة الآتية مما قبل القرون الوسطى الكؤوس المرة، التي اضطرت أنظمة عربية أخرى لشربها.
الســــــــياســـــــة الأمـــــــريــــــكيــــة تجـــــاه ســــــوريـــــــــة
أما السّياسة الأمريكيّة في المنطقة فشأنها أوسع مدى. لنذّكّر فقط بمبدأ أيزنهاور لملء الفراغ 1957.فتحت شعار مكافحة الإرهاب احتلّت الولايات المتّحدة الأمريكيّة أفغانستان بعد الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر) 2001 . وتحت شعار التخلّص من أسلحة الدّمار الشّامل، احتلّت العراق عام 2003 . حقيقة الأمر أنها استغلّت حالة الفراغ العالمي، أي تفكّك الاتّحاد السّوفياتيّ وتدهور وتردّي وضع الاتّحاد الرّوسيّ، الّذي ورث الاتّحاد السّوفياتيّ، ونفّذت خطوات استراتيجيّة بعيدة المدى، جعلتها تجاور الصّين والهند ، وتدخل في الحدائق الخلفيّة لروسيا من اّسيا، و تتمركز في العراق. وكانت سورية على جدول الأعمال، وكان من المفترض الحصول عليها بهذا الشّكل أو ذاك . فالاحتفاظ بالعراق يتطلّب السّيطرة على سورية، والسيطرة على منابع النفط تطلب السيطرة على طرق نقله. بهذه الخطوات حقّقت الولايات المتّحدة جملة من الأهداف: إحكام السّيطرة على النّفط والغاز، منابع وطرق نقل، الوجود في الخاصرات الضّعيفة للصّين والهند و روسيا، ضمان القطبية الوحيدة في العالم، أي ضمان القيادة الأمريكيّة له لسنوات طويلة.
لم تتمكّن الولايات المتّحدة من التمدّد في سورية بسبب الصعوبات التي واجهتها في العراق. من جهة، تصرّفت خارج الأمم المتّحدة و نهضت في وجه غزوها مظاهرات كبيرة في عواصم العالم –كانت مظاهرات لندن أكبرها – و عارضتها في بداية الأمر دول كثيرة . ومن جهة أخرى، بدأت مقاومة شعبيّة واسعة للغزو كلّفت الاحتلال أثماناً باهظة، أعاقت الوصول إلى سورية، واضطرّت الولايات المتحدة للبحث عن مسارب جانبية لتخفيف الضغط عليها في العراق، بما في ذلك التوصل لنوع من التفاهم مع إيران حليف سورية، مما أفسح مجالا محددا للنفوذ الإيراني في العراق، الأمر الذي يشير إلى أن ما يحرك سياسة إيران، مثلها مثل غيرها من الدول، المصالح لا المبادئ.
هذه العوامل و غيرها، دفعت الولايات المتّحدة للبحث عن بدائل أخرى، أحدها الضّغط عبر مجلس الأمن لإخراج الجّيش السّوريّ من لبنان، ودعم العدوان الإسرائيليّ على لبنان عام 2006، بهدف التخلص من القوة القتالية لحزب الله، والذي انتهى بفشل ذريع على الرغم من الخسائر الماديّة و البشريّة التي لحقت بلبنان. على أن غزو أفغانستان و العراق، والضحايا والخسائر المرتبطة بذلك أطلقت ردّة فعل شعبيّة واسعة في الولايات المتّحدة نفسها، أدّت لوصول إدارة جديدة (اوباما) حلّت محلّ الإدارة القديمة (جورج بوش الابن)، على أساس وضع نهاية للوجود العسكريّ في كلّ من العراق و أفغانستان و عدم التّورّط في حروب جديدة. وزادت الأزمة الماليّة العميقة في الولايات المتحدة 2008 التي امتدّت إلى أوربا وعمّت آثارها مناطق كثيرة من العالم، زادت من الصعوبات ومن ردة الفعل، التي تحولت إلى اتجاه مضاد للتورط في للحروب، لعب دورا واضحا في الحيلولة دون الضربة الأمريكية على سورية.
العمـــــــل بالواسطة: المتعهــــــدون الثـــــــانويـــــــــون
الأوضاع الجّديدة لم تُغّير في الستراتيجيّة الأمريكيّة، ولكنّها جعلت الولايات المتّحدة تلجأ للطّرق غير المباشرة في التّعامل مع الأزمة السّوريّة، وهي العمل بالواسطة أو بتكليف القوى صاحبة المصلحة من جهة و المرتبطة بالسّياسة الأمريكيّة من جهة أخرى، بمهمة الاستيلاء على سورية، وإن لم يكن، فاستنزافها وصولاً لتدميرها، مما يجعلها تحتاج – إذا حافظت على وجودها كدولة موحّدة – لسنوات طويلة لإعادة بناء ما تخرّب منها. المقاربة الأمريكيّة غير المباشرة للوضع السّوريّ، لا تنفي دور الأجهزة الأمريكيّة السّريّة، منذ بداية الأحداث، في تنسيق و قيادة مراكز التّحكم و الإشراف على الأعمال المسلّحة في سورية خصوصاً في تركيّا والأردن .
5ـ العزوف الأمريكي عن التورّط المباشر ليس حقيقياً ولا صادقاً، بل هو مفروض من الظروف والشّروط الواقعيّة في كلّ حالة. وهو يترافق بنوعين من الدّعاية: الأول يخصّ العراق. ف ” الله ألهم الرّئيس جورج بوش أن يحرّر العراق من طغيان صدام حسين “، على حدّ قول أكبر مسؤول عراقيّ لرئيس تحرير جريدة الحياة اللبنانيّة. و أمريكا “انسحبت” من العراق بعد أن أنجزت مهمتها النّبيلة. الحقيقة أنّ أمريكا لم تحتلّ العراق لكي ” تحرره من الدكتاتورية” ولتنسحب منه بعد ذلك، بل لتبقى فيه “بطرق شرعية”، وتعمل على تأمين وجودها في مناطق أخرى، وان بطرق مختلفة. لقد ألحقت العراق بها اقتصاديّاً و أقامت مجموعة من القواعد العسكريّة، و أوضاعاً سياسيّة تابعة، و علاقات وثيقة مع القوى السّياسيّة المُتحكّمة بأقسام العراق ( كردستان، قيادات عربيّة سنّيّة وشيعيّة)، ومن أجل البقاء، أفسحت في ا لمجال لنفوذ إيراني مُعتبر. لكن يُخطئ من يتصوّر أنّ إيران تتحكّم بالعراق، فاليد العليا، هي للولايات المتّحدة. العراق يواجه مهمة تحريره من التبعية للولايات المتحدة، قبل أية مهمة أخرى. يلي ذلك الخلاص من نفوذ إيران. تحرر العراق مرتبط أولا بإعادة بناء الدولة الوطنية القادرة، وهي مهمة القوى الوطنية التي ترفض الطائفية والمحاصصة. على أن لتحرر العراق علاقة وثيقة بالحفاظ على سيادة واستقلال ووحدة أرض الجمهورية العربية السورية وعودة السلام إليها.
من يســــــيطر على منــــــابع النفــــط والغــــاز يتحــــكم باقتصـــاد العـــــــالم
النّوع الثّاني من الدّعاية مبنيّ على واقع الاكتفاء القريب للولايات المتّحدة بالنّفط المُستحصل فيها من الصخور النفطية، بل و إمكانية تصدير ما يفيض عن الحاجة الدّاخليّة، وبالتالي إمكانية الانسحاب الأمريكي من الشّرق الأوسط، لعدم الحاجة لنفطه، والاتّجاه نحو الشرق الأقصى، نحو الصّين و الهند، حيث منطقة الصراع العالمي المقبل. الوهم المتولّد من ذلك أخطر من الوهم حول الانسحاب. من العراق. السّيطرة على النّفط و الغاز منابع، وطرق نقل، يؤمن القدرة على المشاركة بالتحكم بمصائر دول بكاملها عبر التحكم باقتصاداتها الّتي تقوم على الطّاقة، أي الحفاظ على الدّور القياديّ في العالم، يٌضاف إلى ذلك أنّ النّفط هو ضمانة هامّة للدّولار كعملة عالميّة.
نخلص من ذلك إلى أنّ اشتباك الولايات المتّحدة بالمسألة السورية ثابت و مستمر و قابل للتّصاعد. لا يغير من ذلك “الخلاف” أو “الحرد” السّعوديّ من تراجع الولايات المتّحدة عن ضربتها “المحدودة ” الموعودة، و الّذي أيدها فيه بعض أعوانها من المعارضة السّوريّة. ربما كان الهدف دعم الرؤوس الحامية في الولايات المتحدة والتأثير على الإدارة الأمريكية “الضعيفة”. لكن “الحرد” السعودي لن يُغيّر شيئاً كثيراً من النّهج الأمريكيّ، فأمريكا لا تسمح لأتباعها أو” حلفائها” بدفعها للتّورّط في أمور لم تخطّط لها. فهي محكومة بالتّوازنات الدّوليّة، و مضطرّة للأخذ باعتبارها القوّة الرّوسيّة، والدعم الصيني. وتكوّن مجموعة البريكس، كما أنها محكومة بالوضع العسكري في شرق البحر المتوسط، أي بالوجود الروسي، كما بالحالة العسكرية على الأرض في سورية، وبالتّالي لن تندفع في مغامرة غير مضمونة النّتائج .
نحن الآن في نيسان 2014، ونحن شهود تدخّل تركيّ قي الشّمال السّوريّ القريب من اللاذقيّة، تدخّل لا يمكن تصوّر القيام به من السّلطات التّركيّة دون ضوء أخضر أمريكيّ، يأتي في سياق أحداث القرم وأوكرانيا من جهة وربما في سياق الردّ عليها، ومن جهة أخرى دفعا للوضع في سورية نحو المزيد من التعقيد بفتح جبهة جديدة. تتضّح الصورة بالأعمال المسلحة بمحاذاة منطقة وقف إطلاق النار مع العدو الصهيوني، والتي بدلا من أن تتجه نحو المحتل الإسرائيلي، تواجه الجيش السوري.
إســـــــرائيل الاحتيـــــــاط الستـــــــراتيجي للإمبرياليــــــة
بقى علينا أن نتعرّض للدّور الإسرائيليّ. لقد تُركت إسرائيل كاحتياط استراتيجيّ. تدخّلت فقط في جمرايا، بالقرب من دمشق، ثم على الحدود اللبنانيّة السّوريّة تحت دعوى وجود أو نقل أسلحة لحزب الله أو مخازن لها. إسرائيل تراقب الوضع عن كثب، لا تتدخل إلا عند الضرورة القصوى، وبالاتفاق مع المعلم الكبير، أي الولايات المتحدة. مصلحتها تقوم على التدمير المنهجي للعراق وسورية، وهذا ما جرى ويجري، وكذلك الحيلولة دون قيام تعاون حقيقي بين البلدين، كائنا ما كانت طبيعة نظامي الحكم فيهما. بعد تدمير الجيش العراقي والدولة العراقية تتاح حاليا الفرصة لتدمير سورية، دون تدخل مباشر منها. إسرائيل الصّهيونيّة، التي هجّرت الفلسطينيين وترفض أن تكون لهم حتّى دويلة صغيرة من أرضهم الممتدّة من البحر إلى النّهر، إسرائيل تقوم بدور “إنساني”، فتقيم المشافي الميدانيّة في الجولان المُحتلّ تُعالج فيه جرحى ” الثّوار ” و تنقل البعض منهم إلى المشافي التّخصّصية في إسرائيل ( أي فلسطين المُحتلّة )، ويتكرّم رئيس وزرائها العنصريّ نتنياهو فيزور الجرحى هو وأركان دولته. ويُقابل هذا “الكرم ” الإسرائيليّ ” كرم ” “سوريّ”، فيأخذ بعض المعارضين المبادرة فيقترح التنازل عن الجولان مقابل تكوين دويلة شبيهة بدويلة سعد حداد في جنوب لبنان، تُقيمها إسرائيل في منطقة عازلة خارج حدود الجولان تتمتّع بالحماية الإسرائيليّة، كما تُقيم منطقة حظر جوّي تمتد لمسافة مئة كيلو متر لتصل إلى دمشق، فتُساعد على “تحرير” البلاد من الطّغيان. فكأن ما يصرح به البعض يعبر عما في قلوب الآخرين، إذ لا أحد منهم أخذ موقفا مضادا لما قيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه. وعد بلفور 1917 يعطيه من لا يملك لمن لا يستحق. على أن هذا البعض ليس وزير خارجية إنكلترا، التي لم تكن الشمس تغرب عن مستعمراتها، المأساة القديمة تظهر الآن كمسخرة. محل إنكلترا مجموعة مهاجرين ومكان وزير خارجيتها لاجئون لا يملكون من أمرهم شيئا. تراجع أمريكا عن الضربة التي بنيت عليها الآمال الكبيرة، يدفع البعض للالتجاء لإسرائيل. لكنّ إسرائيل احتياط الولايات المتّحدة وليست احتياط معارضين سوريّين. ومع ذلك قد يكون وراء الأمر ما هو أخطر مما في ظاهره وأن شيئا ما وراء الأكمة!
عـــــودة لمشروع الشـــــرق الأوســــط
سورية جزء من الشّرق الأوسط، وهي أيضاً هدف رئيسي من أهداف مشروع الشّرق الأوسط، الذي انبنى أمريكيا، على إعادة صياغته، بما يعني تدمير دوله عبر تدمير جيوشه و السّماح للفوضى بأن تعمّ فيه، ثمّ بعد ذلك ينشأ الشّرق الأوسط ” الجّديد “على أسس إثنيّة وطائفيّة، لكن على إلغاء العرب كقوميّة، والتعامل معهم كطوائف، أي كسنة وشيعة ومسيحيين، وتقسيم أكثر ما يمكن من الدول العربية القائمة حاليا. يخطئ من يظن أن المشروع فشل ووضع على الرف. المشروع شغّال. شغّال في عدد من البلدان بطرق تتناسب وأوضاع كل منها. هناك خرائط كثيرة رسمها أمريكيّون يمكن العثور عليها بواسطة “الانترنت “، تتناول سورية والعراق والأردن واليمن والسعودية وغيرها .وهناك سياسيون سوريّون من الائتلاف، تحدّثوا عن فدراليّة سوريّة بأربع دول. وبهذا الشأن يجب الإشادة بالموقف الروسي. لقد وقفت روسيا إلى جانب سيادة ووحدة الدّولة السّوريّة، و ساعدتها الصّين في ذلك، و تعرّضت الدّولتان ولا تزالان – وخصوصاً روسيا – لحملة إعلاميّة “عربيّة” –عالميّة شرسة بسبب هذه المواقف و بسبب تسليحها الجّيش السّوريّ. فكأنّ المطلوب من روسيا أن تسمح للدّول الغربيّة بتكرار الغزو الليبيّ في سورية، و تحقيق المصير الليبيّ، أو ما هو أسوأ منه. باختصار أن تسمح روسيا المشغولة بمشاكلها المُعقّدة، لدول الغرب باستباحة المنطقة كما فعلت في نهاية الحرب العالميّة الأولى .
الأمـــــــم المتـــــحدة في جنيف
6ـ لا تبدو في الأفق ملامح حلول للأزمة السّوريّة، لأن الأطراف المُشتبكة في الأزمة، لا تبدو مهتمة بالوصول لنهاية للحرب القائمة. على الضد، فهي مهتمة بالاستمرار والتصعيد. وماذا يهم هذه الأطراف إن قتل مئة ألف أو مليون سوري، أو دُمرت مدينة أو عشر مدن، أو هُجّر مليون إنسان أو عشرة؟؟ ما يهمها استمرار نزف الدم واستنزاف البلاد إلى أن يأذن الله بنهاية للأمر. إنّ مصالح و مطالب وتطلّعات الشّعب السّوريّ و الدّولة السّوريّة لا تحتلّ مرتبة مُتقدّمة على جدول أعمال هذه الأطراف وفي حساباتها . لذلك لم يستطع مؤتمر جنيف 2 أن يضع حدّاً للمأساة السّوريّة. في الواقع لم يكن مخططا له أن يضع نهاية لها. بل كان أشبه بمظاهرة سياسية من يوم واحد لشخصيات سياسية من أربعين دولة إضافة لموظفي الأمم المتحدة، تكفلت الفضائيات المختلفة بنقلها للعالم، مظاهرة هدفها تقريع النظام السوري، وليس البحث عن حل لمأساة إنسانية وحرب تهدد بالانتشار في المنطقة، أو ربما أقرب ما يكون لمسرحية من نوع جديد، “بضجة كبيرة من أجل لا شيء” وهو أمر مؤسف ومحزن، أن تصل الهيئة الدولية إلى هذا المستوى. لقد فشل مؤتمر جنيف2 لأنه بٌني أصلا على أساس واهٍ . أولا لم يشترك في محادثاته الأطراف، أي الدول، المشتركة، وإن بشكل غير مباشر، في القتال، ثم هو لم يُمثّل الأغلبية الصامتة من السّوريّين التي تعيش في سورية، ولا المهجرين خارجها، الذين تتلخص مطالبهم في الأمن والسلام والخبز والكرامة، وبالتّالي كان عاجزاً عن طرح المسائل الرئيسية التي تهم السوريين، كوقف التدخل الأجنبي، والبحث عن صيغة تعيد السلام إلى البلاد، وتأمين المُهجّرين في دول الجّوار وحمايتهم من الإذلال اليومي والمقصود، وتأمين المُهجّرين في الدّاخل. على أن ممثلي الدول المشاركة بالقتال، حضروا الجلسة الاستعراضية الأولى، التي كانت أشبه ما تكون بطقس “غسيل الأيدي من دم الشعب السوري”. بالإضافة إلى أن من مثّل المعارضة لم تكن لديه سلطة على من يحمل السّلاح. ومن يحمل السلاح لا يعترف بالمعارضة السياسية كلها، ولا يعترف بجنيف، الذي بُنيّ على فكرة ” الحكم الانتقالي”، بالأحرى على نوع من ” المحاصصة ” بين الأعداء. وهذه الفكرة لم تكن ناجحة في أيّ بلد طُّبّقت فيه، و كانت أقرب إلى التّمهيد للتّقسيم، يُضاف إلى ذلك أنّ المعارضة الخارجيّة لم تُظهر وجودا لها في المناطق التي أُطلق عليها اسم المناطق المُحرّرة . الشي، الوحيد الذي أظهرته هو ” كفاءة الغياب عن الأرض”. علينا أن نستدرك ونقول إن جنيف 1 وجنيف 2 قد حققا نتيجة واحدة وهي اتفاق الكبار على ألاّ يصل بهم التورط إلى حد الصدام. ولا نعرف إذا كان الاتفاق سيبقى ساريا بعد أحداث اوكرانيا.
هل علينا الاستنتاج أنّ الأمم المتحدة عاجزة عن التوصل لحلول للمشكلة؟ تاريخ الأمم المتحدة، خصوصا في قضية فلسطين والعدوان الإسرائيلي عام1967 يؤكد هذا الاستنتاج. فهذه الهيئة محكومة من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. حتى إن أمكن الوصول إلى قرار عادل، كالقرار 194 حول حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين، أو قرار وافقت عليه الدول المعتدى عليها كالقرار242، فإنها توضع على الرف ولا تنفذ. وبالنسبة للمسألة السورية تكفي سنتان لإدراك عبث الركون إليها.
هل بمقدور السوريين استعادة قضيتهم؟
7ـ يتألف الواقع السوري الحالي من موزاييك متعدد الألوان والأشكال. حيث الجيش السوري موجود، الدولة موجودة، وهما موجودان حيث تعيش أكثرية السوريين. حيث الجيش غير موجود، الدولة غير موجودة. في هذه المناطق تتحكم منظمات ترفع لواء الإسلام، بتصور عنه يتراوح بين الاعتدال المدّعى حتى التطرف الصريح، كما تعبر عنه دولة الإسلام في العراق والشام( داعش). هذه المنظمات لم يتبين بالممارسة أن لديها فكرة واضحة عن الدولة ولا عن واجبات الدولة تجاه “رعاياها”، والمناطق المسيطر عليها أقرب ما تكون إلى غنائم انتزعت في غزوة من أعداء. وجود هذه المنظمات مرتبط باستمرار الدعم من القوى الخارجية. على أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر ولا يمكن أن يقبل به السوريون على المدى. إلى جانب ذلك تشتعل جبهات القتال حول دمشق وفي حلب، في الشمال الشرقي وفي دير الزور، في كسب وفي الجنوب. وفوق كل ذلك يحوّم الموت فوق سورية وينتشر الخراب تاركا مدنا بكاملها يبابا، وتزداد الهجرة إلى الداخل والخارج. ورغم كل هذا الخراب والموت صمدت الكتلة الكبرى من السوريين، فاستمرت الدولة، التي وجودها واستمرارها مرتهن لوجود الجيش المتماسك ولصمود البشر وصبرهم وتحملهم للصعوبات.
لا مبرر للسؤال عن نهاية قريبة للحرب، فالحرب مستمرة، ووضع نهاية لها لا يتعلق بأطراف القتال الداخلية، بقدر ما يتعلق بالقوى الإقليمية والدولية التي ترتبط بهذه الأطراف. بكلام آخر، إن وضع نهاية للقتال ليس عملية فنية، وليس عملية محلية، بل عملية سياسية بامتدادات إقليمية ودولية. لكن السؤال الواجب طرحه هو: هل بمقدور السوريين استعادة قضيتهم من أيدي الآخرين، أم أنها خرجت من أيديهم نهائيا؟ في مصر، مثلا، القضية بيد المصريين. في سورية الأمور أصعب. ومع ذلك فالمؤشرات على الأرض لا تنفي هذا الإمكان. وأبرزها تماسك المجتمع والتضامن بين الناس واستمرار الدولة. ومع ذلك فجملة من المشاكل والأخطار تهدد هذا الاستمرار في مقدمتها الفساد الكبير. لا نتحدث عن الفساد الصغير الواسع الانتشار والرشوة أبرز أشكاله، فمكافحته صعبة وقابلة للتأجيل، حتى تتوفر شروطها. الفساد الكبير لا ينبغي أن يوجد في دولة في حالة حرب، بلهَ في دولة تحترم نفسها. الفاسدون الكبار يحتلون مراكز عليا، أو شركاء لمحتلين لمراكز عليا، وهذا الفساد لا يزرع الشك في نوايا الإصلاح وحسب، بل وفي جدية وصدقية الدولة ذاتها. الأمر الثاني يتعلق بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الناس، بالأحرى أكثريتهم. في كل حرب يوجد أغنياء حرب. وهم معروفون من إدارات الدولة المعنية. فلماذا لا يكافَحون؟ ثم إن تأمين حاجات الناس يمكن أن تقوم به مؤسسات الدولة إلى جانب التجار ومن مصادر أخرى. الأمر الثالث هو المعتقلون في أجهزة الأمن وسجونها. فإلى متى يبقون مسلوبي الحرية؟ وإلى متى يبقى القانون لاغيا ويمارس عليهم التعذيب والإذلال؟ ألا تنبغي معاملتهم حسب القانون، أي معاملة تليق بالبشر، وبغض النظر عما ارتكبه بعضهم؟ ثم إن التعامل مع المعتقلين هو تعامل غير مباشر مع ذويهم ومع المجتمع بوجه عام. عدا عن أن الدولة أخذت تتعامل مع المسلحين بطرق تفسح في المجال لعودة الأمن، وعودتهم إلى النشاط غير المسلح. فليعامل غير المسلحين بطرق تتناسب وكونهم لم يرفعوا السلاح وبما يسهل عودتهم لأسرهم وأعمالهم والمجتمع.
إعادة بناء الدولة وتحديد أمنها القومي
8ـ أـ بعد كل هذا الخراب، لم يعد من اليسير إعادة بناء الدولة. لقد تغيرت دنيا السوريين. وأبرز ما تغير، هو السوريون أنفسهم. وأول ما تتطلبه إعادة بناء الدولة هو التوافق الاجتماعي. والتوافق يفترض حرية أطرافه أولا، والاتفاق على عقد اجتماعي جديد يلبي تطلع ويؤمن حقوق أطراف العقد.
بعد انتهاء الحرب، بل ربما قبل ذلك ستواجه البلاد مهمتين، الأولى إعادة البناء، والثانية إعادة تحديد الأمن القومي، وعلاقته بما كشفته الحرب الدائرة. تتألف المهمة الأولى من جزئين، الأول يختص بإعادة بناء الدولة نفسها. فالنّظام الذي لا يزال قائما في الجزء الأكبر والأكثر سكانا من البلاد، لم يعد صالحا للاستمرار في حكم البلاد ولا في إعادة بنائها، بل لم يعد مقبولا من أغلبية السوريين، وهم يتحملونه تحت شروط الحرب. وعندما تتغير هذه الشروط، ويحل السلام، لن يكون قادراً على إعادة إنتاج نفسه. وقد تطرقنا في المقاطع الأولى لهذا الموضوع بما يكفي. الجزء الثاني يختص بإزالة الخراب وإعادة البناء، وبسبب الحجم الكبير وتنوع الميادين، وشمول أغلب المناطق، فالمهمة صعبة لها جانبها الفني، وجانبها السياسي الاجتماعي الاقتصادي. وبالتالي تتطلب توافق وجهود السوريين جميعا. الجانب الفني يتطلب التعاون مع دول لها خبرة كبيرة في بناء البنية التحتية، وبشروط مناسبة للمصلحة الوطنية. فإعادة الإعمار تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وإعادة تخطيط المدن المهدمة وإزالة الخراب وإعادة بناء مئات آلاف البيوت المهدمة وإعادة وإسكان ملايين المهجرين خارج البلاد وداخلها وإعادة بناء آلاف المدارس والمستشفيات ودور الحكومة. أما الجانب السياسى الاجتماعي الاقتصادي فعليه، أن يحول دون المافيات المرتبطة بمراكز القوى للاستمرار في نهش البلاد، ودون القوى المرتبطة بالرأسمال الدولي، التي ستعمل، للحصول على هذه الغنيمة الكبيرة، وعلى تلزيم الإعمار للشركات المناسبة لها. والمافيات والقوى المذكورة تربطها وشائج القربى والمصلحة. وعليه أيضا ضمان أن يلعب قطاع الدولة الدور الرئيسي في إعادة البناء، بالتعاون مع دول وشركات يمكن التحقق من حسن عملها وحدود ربحيتها. ولا يمكن لقطاع الدولة أن يلعب دورا إيجابيا دون توفر الشفافية، التي تفترض وجود الحريات العامة بما فيها حرية وسائل الإعلام، أي دون مراقبة المجتمع.
8ــ ب ـ كشفت الحرب الناشبة في البلاد كثرة وسعة الخروق في الحدود السورية، ومن كل جهاتها. حدود كل الدول قابلة للاختراق. في سورية اخترقت الحدود من قوى مسلحة ومن أسلحة ثقيلة وخفيفة. واستمر الحال على هذا المنوال حتى الآن. معالجة ذلك تقتضي علاقة من نوع آخر بين الشعب والنظام، تعرضنا لها بالتفصيل. تبقى مسألة مواجهة العدو الصهيوني، و تحرير الجولان وتقديم المساعدة المفروض تقديمها للفلسطينيين، لأن فلسطين في آخر المطاف جزء من سورية، أو من بلاد الشام وتحريرها ليس مهمة الفلسطينيين وحدهم. ولا يجوز الاحتجاج بأن ” العين بصيرة واليد قصيرة”. فهذه المسائل المتشابكة تتعلق بموازين القوى مع العدو المدعوم من الولايات المتحدة مما يفرض البحث عن الوسيلة الفعالة لتعديل هذه الموازين، فما أُخذ بالقوة لا يمكن استرداده بغير القوة.وتأمين القوة ليس سرّا على أحد، بل معروف من السوريين جميعا. فعندما احتاجت سورية للعون خلال حرب تشرين 1973 كان الجيش العراقي جاهزا. وعندما احتل الأمريكان العراق عام 2003 تحولت سورية لملجأ لأكثر من مليون عراقي. ويعرف الكثير من السوريين، أن هدف اتفاق سايكس بيكو هو اقتسام بلاد الشام والعراق بين انكلترا وفرنسا وتأسيس “الوطن القومي لليهود” في فلسطين. وينسى هذا الكثير، أن الخطوة الأهم، بعد الاحتلال العسكري للبلدين، هي فصل سورية عن العراق، أي إبقاء البلدين في حالة الضعف. يضاف لذلك وضع الأمن المائي لكلا البلدين، وهو جزء من أمنهما القومي. ويعرف كثير من السوريين الأنهار الصغيرة والدائمة الجريان، التي قطعتها السلطات التركية عن السوريين، بدءا من نهر قويق، الذي كان يغذي حلب حتى أول الأربعينيات، مرورا بتحويل الخابور إلى شبه ساقية وانتهاء بحجز كميات أكبر مما تسمح به القواعد الدولية من مياه نهري الفرات ودجلة عن سورية والعراق، رغم أن البلدين يملكان المجريين الأطول من النهرين المعتبرين دوليين. بكلام آخر، الأمن المائي للبلدين في خطر. وهما لم يستطيعا منفردين تأمين حقوقهما. خلاصة الأمر أن الأمن القومي السوري مرتبط وثيق الارتباط بالأمن القومي العراقي، وقد آن الأوان لمواجهة هذا الموضوع بالجدية الذي يستحقها.
[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع
جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with
Jadaliyya]