بواسطة حمد المحاميد | يناير 20, 2022 | العربية, تقارير
بالكاد خرجت من فمه عبارة “مسا الخير”، بينما كانت الابتسامة هاربة من وجهه. هكذا كان حال “أحمد” عندما أتى الى لقاء أصدقاء له في مقهى شعبي على أطراف دمشق، رغم أنه معروف بطبعه المرح ونكاته الظريف.
الوجوم الطاغي على وجه الطالب الجامعي، أثار الفضول لدى أصدقائه لمعرفة ما به، وما الذي قلب حاله، إذ بادروا بعد جلوسه على الكرسي مباشرة إلى توجيه الأسئلة إليه لمعرفة ما به ومنها: “شبك يا رجل؟، حدا معكر مزاجك؟، حدا زعجك ؟ رحلك شي؟، حدا من العيلة صرلوا شي؟، بدك شي؟، روّق يا زلمة. انسى، صحتك بالدنيا”.
صمت الشاب وعدم رده على الأسئلة، أثار فضول أصدقائه أكثر لمعرفة ما به، ومع إلحاحهم عليه، رد “أحمد” بالقول، “الحياة صارت كتير زفت. كتير مقرفة. يا جماعة حتى الحمّام (الاستحمام) صار بالزور. صار حلما”، ويضيف: “مي مافي، وإذ جبت مي مافي كهربا ولا مازوت ولا كاز ولا غاز، وشلون الواحد بدو يتحمّم”، ويتابع: “يا جماعة صرّلي تلت (ثلاثة) أسابيع بلا حمّام. ريحتي طلعة وصرت استحي من الناس”.
أحد الجالسين على الطاولة، بادر للتخفيف عنه بالقول، “روّق يا زلمة. كلو متلك. صحتك بالدنيا (…) بدك تنسى الحمّام صار رفاهية ممنوعة علينا. نيالك يلي عم تلحق تشرب مي، نحنا مية الشرب مو لحقانيين، وبمية يا ويلاه عم نعبّي كم قنينة”.
قائمة طويلة
“الاستحمام” الذي يبدو أنه أُضيف إلى قائمة أساسيات كثيرة خرجت من استهلاك وعادات الدمشقيين، ومنها “الإنارة الجيدة، وكأس ماء بارد في لهيب الصيف، والشعور بالدفئ في شتاء برده ينخر العظام، وطبخة محترمة، وملئ بطونهم بالطعام، ومشاهدة حلقة من مسلسل تلفزيوني، وكوي بنطال أو قميص، وركوب تكسي ووو”. وتشير تصريحات الحكومة إلى أنها كانت تحسدهم عليها وتمنّ عليهم بها على اعتبار أنها “رفاهيات”، سبب خروجه الرئيسي هو حصول أزمة حادة في توفير المياه للمنازل عبر الشبكة الحكومية، وزياد طين معاناة الأهالي بلة، بسبب انقطاع التيار الكهربائي في معظم أحياء المدينة لفترة طويلة تصل ما بين 6 – 10 ساعات (حسب تصنيف الحي وطبيعة سكانه)، ووصله لساعة يتخللها عدة فترات انقطاع، تمتد كل واحدة ما بين 5 – 10 دقائق، وذلك في بلد كانت المياه فيه قبل عام 2011 تصل إلى المنازل على مدار اليوم ، وتلبية الطلب على الكهرباء فيه عند مستوى 97 في المائة، لتنخفض حاليا إلى مستويات غير مسبوقة وتصل إلى نحو 15 في المائة، بحسب خبراء.
الحكومة التي دأبت على تحميل العقوبات الغربية مسؤولية أزمات توفر مقومات العيش الأساسية للمواطن الذي صارت حياته كلها أزمات “خبز، بنزين، مازوت، كهرباء، غاز منزلي، مياه، دواء، مواصلات، متابعة الدراسة، ثلج وووو”، أعلنت منذ فترة بعيدة عن برنامج تقنين للمياه في دمشق وريفها، بحيث تضخها إلى المنازل في أحياء العاصمة بشكل يومي لمدة أربع ساعات تختلف فترتها من حي لأخر، على حين يتحدث سكان من ريف دمشق بأن المياه لا تصل إلى منازلهم إلا يوم واحد أو يومين في الأسبوع ولمدة ساعتين أو ثلاثة، وتحل الطامة الكبرى على الأهالي إن كانت الكهرباء التي لا يرونها إلا ساعة واحدة كل يومين أو ثلاثة مقطوعة في فترة ضخ المياه.
شكوى بحرقة
“أم سمير” ربة منزل ولديها بنت وطفلان، تشكو بحرقة من عدم وصول المياه إلى منزلها في الطابق الثالث من البناء الذي تسكن فيه بأحد أحياء دمشق الجنوبية، وتقول بحسرة لـ”صالون سوريا”: “احيانا بتجي الكهربا نص ساعة لما بيكون دورنا بالمي، و(حينها) الجيران بتتسابق على تشغيل الميتورات (مضخات المياه)، لتعبئة الخزانات ونحنا بنشغل الميتور بس ما بتطلع المي لعنا لأنو ضعيفة، ومنروح نترجى هاد الجار وهادك الجار لنعبي من عندون كم بيدون للشرب والطبخ ودورة المياه”.
“المصيبة أنو مع قلة الحمام صارت الأولاد تهرش بحالها، وتحك برأسها وتنق بدها تتحمم” على حد تعبير ربة المنزل التي تضيف، “ما عندي قدرة أعبي كل يوم من الصهاريج (500 ليتر بـ5 آلاف ليرة)، وكل أسبوع أو أسبوعين ببعت واحد على بيت عمو وواحد على خالتو أسمو ساكنين بالأرضي بتجي المي عندون والكهربا أحسن شوي من عنا، وبتحمموا على الماشي، وأنا بدبر راسي كمان عند خواتي”.
الحال عند “فريدة” وهي أم لأربعة أطفال، وتعيش في حي يقع غرب العاصمة، أفضل نوعا ما، ذلك أنها تقطن في الطابق الأرضي وتتمكن “بطلوع الروح” في فترة ضخ المياه من الشبكة الرئيسية إلى المنازل من تعبئة حوالي نصف الخزان، لكنها تشكو لـ”صالون سوريا” من عدم تمكن أفراد العائلة من الاستحمام في يوم واحد وتقول، “مازوت ما عنا لنحمي الحمّام، وبنص ساعة كهربا ما بتلحق المي تسخن ودوبا تفتر فتور، وبحمّم كل يوم واحد بسطل مي، والله وكيلك طول (فترة) الحمّام الولد يصيح من البرد، وبس بدو يخلّص ويروح يلف حالوا بحرام. يعني الواحد شو بدو يعمل بعين الله”.
اربع خناقات
“أم وليد” لم تجد حرجا في الإفصاح لـ”صالون سوريا” عما يحدث في منزلها بسبب قلة المياه وصعوبة الاستحمام، وتقول “كل يوم عم تصير أكتر من 4 خناقات بالبيت والصياح بيصل للسما على دور الحمّام (الاستحمام)، بين الأولاد وبينهم وبين أبوهم، كلون بدون يتحمّموا بنفس اليوم، وأنا بقول للكل: هيك ما بيمشي الحال لا في مي تكفي ولا في كهربا ولا مازوت ولا غاز نسخن المي”، وتضيف “واحد بتحجج أنو بدو يروح على الجامعة، ووحده بقول بدها تروح لعند رفقاتها البنات، والزلمة بقول خلو شوية مي مشان الوضوء، وبالزور لحتى يهدى الوضع، ويتحمّم صاحب النصيب”.
الوضع السابق لا ينسحب على كافة السوريين، الذين تؤكد منظمات دولية وأبحاث ودراسات أن 94 في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، فالنسبة المتبقية تتكون من الأغنياء القدامى و”أمراء الحرب” و”أثرياء الحرب” و”حديثي النعمة” و”المسؤولين الفاسدين”، وهؤلاء من البديهي أنهم يمتلكون مولدات كهربائية ضخمة وبعضها وضع أمام الأبنية في الشوارع لأنه لا مجال لوضعها داخل المنزل بسبب ضخامتها، وهم يمتلكون النفوذ الكافي للحصول على الوقود اللازم لتشغيلها، وبالتالي الحصول على كميات الماء التي يريدونها في ساعات الضخ وتسخين المياه من خلالها والاستحمام ببرميل وليس بسطل ماء، هذا إن لم يذهبوا إلى حمامات السوق التي تصل فيها أجرة الاستحمام للشخص الواحد ما بين 10 – 15 ألف ليرة.
* الصورة من “فرانس برس” في 16 ديسمبر
بواسطة فريق صالون سوريا | يناير 15, 2022 | العربية, تقارير, مرئيات
تنقسم سوريا، البالغة مساحتها 185 كلم مربع، الى ثلاث “مناطق نفوذ”
واحدة تشمل ثلثي الاراضي، تحت سيطرة الحكومة بدعم روسي وايراني
الثانية، تشكل حوالى ربع المساحة، وتحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية -العربية بدعم من التحالف الدولي بقيادة اميركا
الثالثة، تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، وتضم حوالى 10 في المئة من مساحة سوريا، اي ضعفي مساحة لبنان
بواسطة عامر فياض | يناير 14, 2022 | العربية, تقارير
أصبحت الكهرباء الشغل الشاغل للناس. تتحكم في أبسط تفاصيل حياتهم، أعمالهم، زياراتهم ومواعيد نومهم واستيقاظهم. يعيشون يومهم وفق مزاجها الذي يتفنَّن في قهرهم وتعذيبهم وهدر وقتهم وطاقاتهم.
أزمة الكهرباء الحاضرة بقوة طيلة السنوات الماضية، تفاقمت في الآونة الأخيرة بشكلٍ كبيرٍ فكانت الأسوء على الإطلاق منذ بداية الحرب، إذ أصبح متوسط ساعات التغذية الكهربائية ساعة أو ساعة ونصف في أحسن الأحوال مقابل خمس ساعات قطع قد تزيد في بعض الأحيان.
مهن شُلَّت
ورشات الخياطة والنجارة والحدادة، المعامل والحرف والورش الصناعية وغيرها الكثير والكثير من المهن والأعمال كانت ضحية الإنقطاع الطويل للكهرباء الذي أدى لشلل بعضها وتوقف بعضها الآخر عن العمل بشكل نهائي، وهو ما أثَّر سلباً على أصحابها وعلى العاملين فيها حيث تراجع إنتاجهم بشكلٍ كبيرٍ أو فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.
النجار أبو طارق (54 عاما)، اضطرته أزمة الكهرباء للاستغناء عن ثلاثةٍ من عمال ورشة النجارة الخاصة به، ويحدثنا عن معاناته اليومية في العمل فيها: “طوال فترة العمل نحظى بساعة كهرباء في أحسن الأحوال، وهي لا تكفي للقيام بأي عمل يذكر، لذا تراجع عملنا بنسبة 70 % وبتنا نعتذر عن تلبية الكثير من الطلبات”. ويضيف : “نستعين أحيانا بمولدة كهرباء صناعية، لكنها لا تخدمنا بما يكفي وتحتاج للمازت الذي بات من الصعب تأمينه، وإن وجد في السوق السوداء فسيكلفنا الليتر منه نحو أربعة أو خمسة آلاف ليرة وهو ما يُحملنا نفقاتٍ إضافيةٍ تجعل عملنا غير مُجدٍ”.
الواقع ذاته أجبر الخياط أبو ربيع (47 عاما) على إغلاق ورشة الخياطة التي ورثها عن أبيه بعد انعدام الإنتاج وتفاقم حجم الخسائر، فقام ببيع ماكينات الخياطة وجميع محتويات الورشة التي كانت تؤمن عملاً لنحو سبعة عمال، ليتخلى بذلك عن تلك المهنة بشكل نهائي، ويفتتح دكاناً صغيراً يُجَنبه عناء الانتظار والتعب واللاجدوى.
الشاب سامر (39 عاما) صاحب مصبغة لغسل وكوي الثياب، بدوره حذا حذو أبو ربيع فأغلق المصبغة، التي أصبح العمل بها لا يعود عليه سوى بالتعب والخسائر واستياء الناس من أداء عمله وعجزه عن تلبية طلباتهم، ثم باع بعض محتوياتها ليسافر بثمنها إلى أربيل، علَّه يجد عملاً مجدياً يمكنه من عيش حياةٍ كريمة.
أزمة مياه خانقة
الإنقطاع الطويل للكهرباء أثَّر سلباً على عمل المضخات المركزية التي تضخ المياه من المصادر الرئيسية إلى الشبكات التي تغذي الأحياء والحارات وهو ما خلق أزمة كبيرة في وصول المياه إلى البيوت التي بدورها شُلّ عمل المضخات الخاصة بها، ما أجبر الكثير من الناس على نقل عشرات الغالونات من أماكن مختلفة إلى بيوتهم أو على شراء المياه من سيارات الباعة الجوالين لتعبئة خزاناتهم الفارغة، خاصة في المناطق المحيطة بالعاصمة وذات الكثافة السكانية الكبيرة كمدينة جرمانا، حيث تنتشر سيارات بيع الماء التي تمتد خراطيمها إلى خزانات الطوابق العليا وعليك أن تنتظر لساعات طويلة ليلبي الباعة حاجتك نتيجة الضغط الكبير عليهم، والذي أدى لارتفاع سعر برميل الماء بشكل كبير، وصل إلى نحو خمسة آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً مالياً إضافياً على الناس الذين بالكاد يتدبرون لقمة عيشهم.
ويحدثنا أبو ريان (58 عاما) أحد سكان مدينة جرمانا عن معانته مع تلك الأزمة، قائلا: ” لنحو عشرين يوماً لم تصل المياه الرئيسية إلى بيتي إلا فيما ندر، ورغم التقنين الكبير في استهلاك الماء نحتاج أسبوعياً لنحو خمسة براميل، وهي سعة خزاننا المنزلي، الذي اضطررنا خلال الأسبوعين الماضيين لتعبئته مرتين عبر شراء الماء من إحدى السيارات بتكلفة 50 ألف ليرة، وإذا ما استمر الحال على ذلك النحو فسنحتاج 100 ألف ليرة شهرياً لشراء الماء، أي ما يعادل نصف دخلي الشهري الذي أدفعه بالكامل إيجاراً للمنزل الذي أسكنه وعائلتي”.
الاستحمام والغسيل
“لكي نستحم علينا أن ننتظر ساعات طويلة وربما أياماً. لم يعد الأمر متاحاً في أي وقت، إذ بات أفراد عائلتنا يتناوبون على الاستحمام على مدار أيام الأسبوع، فساعة واحدة من الكهرباء لا تكفي لتسخين الماء في سخان الحمام، لذا نلجأ أحياناً لتسخين الماء بواسطة وعاء كبير نضعه على النار ونقنن في استهلاكه قدر الإمكان، وكثيراً ما نضطر أنا وبعض أبنائي الخمسة للذهاب إلى بيت أختي لكي نستحم هناك”. هكذا تصف أم فادي (61 عام) معاناتها التي تشبه معاناة معظم الناس الذين باتت الكهرباء تتحكم في أوقات استحمامهم بل وتحرمهم أيضاً من غسل ثيابهم، بعد أن أصبحت الغسالات شبه عاطلة عن العمل، وهو ما أجبر الكثير منهم على العودة إلى الطرق البدائية كحال أم فادي: “منذ شهرين وحتى الآن أغسل الثياب بشكل يدوي، أتذكر جدتي وألعن التطور والتكنولوجيا، فالغسالة الأوتوماتيكية تحتاج لأكثر من ساعة لتنهي غسل وجبة الثياب التي قد تبقى في داخلها لساعات طويلة وأحياناً لأكثر من يوم وهي مغمورة بالماء ومسحوق الغسيل ما قد يؤدي إلى تلفها السريع مع مرور الوقت”.
وإلى جانب ذلك تخلى معظم الناس عن كوي الثياب واستخدام المكنسة الكهربائية والخلاط وغير ذلك من الأدوات، فيما نسوا مشاهدة التلفاز الذي أصبح مجرد ديكور منزلي لا نفع له.
طبق شوربة عدس
نتيجة صعوبة توفير الغاز المنزلي يضطر كثير من الناس، لكي يطهو طعامهم، إلى استخدام الطباخ الكهربائي، ولكن الأخير بات يخذلهم في الآونة الأخيرة، لذا استغنوا عن تحضير كثيرٍ من الأطعمة التي يحتاج طهوها لوقتٍ طويل.
وتروي لنا ربة المنزل أم سعيد (47 عاما) معاناتها في تحضير طبق شوربة العدس: “وضعتُ طنجرة العدس على الطباخ الكهربائي عند الساعة الواحدة ظهراً، وهو موعد التغذية الكهربائية التي يُفترض أن تستمر لساعة ونصف، وقبل أن يسخن ماء الشوربة انقطعت الكهرباء بعد عشر دقائق من مجيئها، ثم مر الموعد دون أن تعود، فكان عليَّ انتظار موعد التغذية المسائية عند الساعة السابعة لأكمل تحضير الشوربة، لكن الكهرباء خذلتني مرة أخرى إذ لم تأتِ سوى عشرين دقيقة”. وتضيف: “بقي العدس في الطنجرة حتى الساعة الواحدة في انتظار موعد التغذية الليلية. وبعد ثلاثة عشرة ساعة من الانتظار المؤلم والتوتر نضجت الشوربة أخيراً عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يتكمن أطفالي الصغار، الذين ينامون باكراً، من تذوقها”.
المؤونة تغيب عن الثلاجات
حبوب البازيلاء والفول والحمص والذرة، اللحوم المتنوعة، ورق العنب، الكبب والبُرك، مشتقات الألبان، وغير ذلك من المؤونة التي تعتبر ثقافة سورية متوارثة تميز بها المطبخ السوري، والتي اعتاد الناس على تخزينها في ثلاجات بيوتهم لتوفر عليهم الكثير من الجهد والأعباء الإقتصادية، وتتيح لهم تحضير الأطعمة المتنوعة في أي وقت. تلك المؤونة لم تنجُ بدورها من لعنة الإنقطاع الطويل للكهرباء الذي أدى إلى تلف الكثير منها ليُجبر الناس على رميها في القمامة، بعد أن تعبوا في تحضيرها وأنفقوا الكثير من المال لشراءها. وتحت وطأة تلك الأزمة استغنى معظمهم عن الاعتماد على الثلاجة التي أصبحت شبه خاوية وتحولت لما يشبه الخزانة بعد عجزها عن التبريد، فباتوا يكتفون بشراء كميات قليلة من الأطعمة ليُحرموا بذلك من إحدى العادات التي لطالما كانت تُغني مطابخهم.
معاناة أخرى
يضطر كثير من طلبة الجامعات والمعاهد للذهاب إلى المكتبات والمقاهي، التي يتوفر فيها مولدة كهرباء، ليتمكنوا من الدراسة ومتابعة مشاريعهم التي تحتاج لاستخدام الكومبيوتر والدخول إلى مواقع الإنترنت، وهو ما حمَّلهم أعباءً جسدية ومادية إضافية تفوق طاقتهم. وفي الليل يُجبر بعضهم على الدراسة على ضوء الشموع أو الهواتف المحمولة في كثير من الأحيان، حالهم كحال معظم طلاب المدارس، فوسائل الإنارة البديلة التي تعمل بالشحن، لم تعد تفي بغرضها حيث ينفذ شحن البطاريات في أي لحظة.
وإلى جانب ذلك تحولت أغلب الشوارع إلى مكان للاختناق والتلوث السمعي حيث تكتظ الأرصفة بالمولدات الكهربائية التي يُشغِّلها بعض أصحاب المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية وغيرها، والتي تجعجع طوال الوقت لتصدِّع رؤوس المارة ويطغى ضجيجها على أحاديثهم وتخنقهم بدخانها الذي يلوِّث الهواء بكثافته. وفي الليل تغرق معظم الشوارع وخاصة الفرعية، في ظلمة دامسة، تجعلها موحشة ومخيفة في بعض الأحيان، وتجبرك على الإستعانة بضوء هاتفك المحمول أو بضوء القداحة كي لا تتعثر أو تصطدم بشيٍ ما في طريقك.
سنوات مرّت ومازالت أزمة الكهرباء الهاجس الأول لدى الناس الذين يعانون ويتذمرون وينفعلون وهم ينتظرون فرجاً كهربائياً ما، حتى بات أحد أحلامهم أن ينعموا بقسطٍ وفيرٍ من كهرباء مستقرة لا تخذلهم في كل وقت.
بواسطة علياء الأمير | يناير 10, 2022 | العربية, غير مصنف
كشفتْ دراسة نشرتْها مُؤخَّراً صحيفة “قاسيون” التّابعة لـ “حزب الإرادة الشعبية في سورية” أنَّه مع انقضاءالعام 2021، وصل وسطي تكاليف المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد إلى أكثر من مليوني ليرة ، أي مايعادل600 دولار أميركي، وهو مايزيد عمق الفجوة بين التكاليف المعيشيَّة والحد الأدنى لأجر العامل الذي “ارتفع ” بموجب المرسوم الأخير ليصل إلى مايقارب /93/ ألف ليرة ، أي أقل من 30 دولاراً.
أمام هذه الوقائع يتبادر إلى الذّهن سؤال عن الطريقة التي يدير فيها المواطن السوري نفقاته لردم هذه الفجوة ، الإجابة على هذا السؤال تكشف الحالة المزرية من الجوع والفقر والحرمان التي وصل إليها السواد الأعظم من الناس.
مشاهداتٌ مؤلمة
من المشاهد التي صادفتنا، امرأة تقف أمام بائع الخضار تتوسّل إليه ليعطيها حبة ليمون واحدة لتكمل طبخة “الملوخية ” لكنَّه يرفض ، بينما “ينتخي ” زبون أخر يقف في نفس المكان مُطالِباً البائع إعطاءها ما تريد وأنَّه سيتكفَّل بالحساب .
وبجانب إحدى الصيدليات، تقف فتاة صغيرة لاتتجاوز 12 عاماً تتوسل إلى رجل كبير أنْ يعطيها مبلغ خمسة الاف ليرة لتشتري لوالدتها المريضة الدواء، وعندما يعطف الشخص على الفتاة ويلبي طلبها يقوم الصيدلاني بتمزيق كرتونة الدواء حتى لاتفكر الفتاة ببيع الدواء لصيدلية أخرى وتقبض ثمنها.
اللافت في الأمر ، أنَّ البعض لا يبدو عليهم هيئة التسوُّل ، وربما لاتكون حرفتهم الأساسية، لكن الحاجة دفعتهم لطلب المساعدة. تقترب امرأة في عقدها الأربعين ثيابها نظيفة ومرتبة وبشرتها مرتاحة على عكس الصورة النمطية لغالبية المتسولات. تهمس في أذن أحد المارَّة تطلب مساعدة مالية لشراء طعام لعائلتها ، والبعض الآخر يستوقفك ليطلب منك ثمن “سندويشة فلافل” أو مبلغ 200 ليرة لأنه لايملك ثمن تذكرة للصعود في النقل الداخلي الذي يشبِّه أغلب السوريين الصعود فيه “بقطرميز المكدوس”، نظراً للكم الهائل من الازدحام في هذه الوسائل .
في دمشق كما في باقي المحافظات، ليس مستغربا ، أن تركب سيارة أجرة وتكتشف أن السائق خرّيج جامعي، أو موظف في جهةٍ حكومية، فرواتب الحكومة لا تكفي لسد نفقاتك ليومين.
“وما حدا عايش على راتبه اليوم”، هذا ما يؤكده طارق خرِّيج علم الاجتماع، فهو يعمل يوميا حوالي8 ساعات بعد الانتهاء من عمله في إحدى المؤسسات الحكومية لتأمين متطلبات عائلته، بينما لارا طالبة الهندسة المدنية ، تعلمت فن الوشم وهي تعمل في مركز تجميل تقول :”هذا العمل يؤمّن لي دخلاً مقبولاً لتغطية نفقات دراستي ومساعدة عائلتي” .
ارتفاع تكاليف المعيشة ، دفعت بعض العائلات لتوجه كامل أفرادها إلى العمل ، كما هو الحال مع عائلة أبو فراس الذي يعمل في أحد المطاعم بدمشق القديمة، بينما وجد عمل لابنه القاصر الذي لايتجاوز 15 عاماً عملاً في ورشة لتصليح السيارات. أما الزوجة فتعمل في تنظيف المنازل ، يقول لـ “صالون سوريا” : نزحتُ مع عائلتي خلال الأحداث من إدلب إلى دمشق واستأجرتُ منزلاً في ضواحي دمشق ، رغم كل ذلك فدخلُنا بالكاد يكفي تغطية نفقات الإيجار والدواء والطعام ،ومع أننا نتبع سياسة التقشّف فهناك الكثير من المواد الغذائية اُلغيَت من قائمة المشتريات كاللحوم والفاكهة وحتى منتجات الحليب والبيض.
“طوقُ النَّجاة ”
يساهم المغتربون وخاصة مَنْ هاجروا خلال الحرب بإيقاف نزيف أسرهم المالي في الداخل. وبحسب مصدر رسمي فإن نسبة كبيرة من المواطنين يعتمدون على ما يرسله أقاربهم المتواجدين في الخارج لتحسين أوضاعهم المعيشية. ورجَّح المصدر أنَّ مبلغ الحوالات التي تدخل سوريا خلال اليوم الواحد يصل لما يقارب5 ملايين دولار. كما أنَّ الفارق بين سعر صرف الدولار الرسمي الذي يصل لـ2500 ليرة والسوق السوداء الذي تجاوز عتبة الـ/2500 / ليرة شجَّع على تسليم الحوالات خارج القنوات الرسمية ، وتحاول الحكومة باستمرار ضبط هذه الظاهرة وملاحقة المتعاملين بها نظراً لما يضيع على الخزينة العامة من القطع الأجنبي بهذه العملية.
أمَّا حسام، فلديه ابن في أوروبا يرسل له أموالا عن طريق أحد الوسطاء، يرفض استلامها عبر شركة الصرافة بسبب الفارق بين سعر السوداء والسعر الرسمي، مُعتَبِراً أنَّ هذا الفارق يساعده كثيراً في تغطية نفقات المعيشة المرتفعة، وهذه الأموال هو الأحقُّ بها من غيره .
“أم سعيد”، لديها أخٌ مُقيمٌ في بلجيكا يرسل لها بشكل شهري مبلغ/ 300 / دولار يساعدها في تسديد إيجار المنزل الذي تسكنه ونفقات لعلاج ابنها الذي يحتاج إلى غسل كلى. تقول :”أدعو لأخي بالتوفيق ليل نهار. لولاه كنت تبهدلت وعم أشحد بالشوارع وأمام باب الجامع”.
شرعنة الفساد
الهوَّة الكبيرة بين الإيرادات والنفقات شجَّعتْ موظَّفي القطاع العام وخاصة الخدمية على “الرشوة ” فيكفي أن يدفع طالب الخدمة مبلغاً من المال لموظف حكومي ليمُنَح استثناءً ويحصل على الخدمة التي يريدها بزمن قياسي.
أحد الموظفين فضَّل عدم الكشف عن اسمه قال: “الراتب لايكفي، نعمل حوالي 8 ساعات مقابل أجر زهيد ،الزيادة الأخيرة على الرواتب لا تكفي لشراء فروج وصحن بيض ،لذلك أقوم بتسهيل معاملة البعض مِمَّن يطلبون السرعة في الإنجاز ولا يريدون الانتظار لوقت طويل ، ويصل ما أتقاضاه من المتعاملين 5 أضعاف دخلي الشهري ،ربما لاتكون هذه الطريقة سويَّة ومُوافِقة للقوانين والأخلاق ولكن لدي أطفال أريد تربيتهم”.
شهدتْ في الآونة الأخيرة أغلب المناطق السورية ازدياداً في جرائم سرقة المنازل والدَّراجات النارية وإطارات السيارات والأجهزة الخليوية ، إضافة إلى جرائم القتل بدافع السرقة ، إذ أعلنتْ وزارة الداخلية السورية مؤخرا ، تفاصيل جريمة قتل أب على يد ابنه المُدمِن، بدافع سرقة مبلغ زهيد يبلغ أقل من 100 دولار أميركي.
كما سجل قسم الإحصاء في إدارة الأمن الجنائي منذ بداية العام الحالي وحتى شهر آب (اغسطس) الماضي 366 جريمة قتل و3663 حالة سرقة، وبعض الجرائم بقيادة نساء .
بعض السوريات لم يجدن سبيلاً للعيش سوى بيع أجسادهن مقابل المال، وتتحدث وسائل إعلام محلية باستمرار عن تفشّي ظاهرة الدعارة، كما أعلنت وزارة الداخلية أكثر من مرة إلقاء القبض على شبكات دعارة.
باحث اجتماعي أشار أنَّ انخفاض مستوى المعيشة وارتفاع نسبة البطالة دفع البعض للبحث عن مصادر غير مشروعة لتأمين دخلهم، لافتاً أنَّ غياب الرقابة الأسرية والتنشئة الاجتماعية الخاطئة للأبناء والتفكك الأسري وارتفاع حالات الطلاق دفع الأبناء للوقوع فريسة الجريمة والدعارة ، مُشدِّداً على ضرورة تطبيق أحكام القوانين الرادعة تجاه كل فعل جرمي يمس الحق العام للمجتمع وأفراده ومكافحة الفساد وتحسين الوضع الاقتصادي وزرع القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية منذ مرحلة الطفولة المبكرة .
تؤكد الجهات الحكومية أن تداعيات الحرب والحصار الاقتصادي المفروض على البلاد، إضافة إلى سيطرة القوى المدعومة من الخارج على الثروات الزراعية والنفطية في شرقي الفرات وشمال إدلب ساهمت في تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي على حد كبير. وبحسب المعلومات، كانت سورية في تصدِّر القمح الفائض بإنتاج /4 /ملايين طن وتستهلك مليونين ونصف طن، وتنتج زيت الزيتون والخضار والحمضيات ،والتي كانت تمثِّل 10% من صادراتها. أما القطن والصناعة النسيجية فكانت تشكل نسبة 20% من الصادرات. ويشير خبراء الاقتصاد إلى أنَّ تدهور سعر صرف الليرة وارتفاع الأسعار الجنوني ، وهجرة الكوادر العاملة في القطاع الزراعي والصناعي زاد من ارتفاع كلف الإنتاج ،مما ساهم إلى حد كبير بتدني الإنتاج والأجور .
بواسطة طارق ميري | يناير 7, 2022 | العربية, غير مصنف
لا يذكر كامل المرة الأخيرة التي جالس فيها أطفاله الثلاثة خلال أيام الأسبوع. فهو بالكاد يلتقي بهم يوم الجمعة. كأنه مغترب داخل وطنه، يمضي كامل نهاره وجزءاً من ليله متنقلاً بين عمل وآخر، عله يتمكن من توفير المال لتأمين احتياجات عائلته.
يغادر منزله في منطقة معضمية الشام بريف دمشق السادسة والنصف صباحاً، ليتسنّى له الوصول إلى عمله بوزارة التربية في الثامنة وسط أزمة نقل خانقة.
ويعاني السويون في مناطق الحكومة السورية من تدهور الوضع الاقتصادي بشكل حاد، ما دفعهم إلى العمل في أكثر من مكان على فترات مختلفة من أجل تأمين الحاجات الأساسية للعيش.
يمضي كامل عدة ساعات في الوزارة ثم يتسلّل إلى سيارة الأجرة التي يجول فيها شوارع دمشق بحثاً عن الزبائن. يأكل السندويشة التي أعدّتها زوجته وأحياناً تفاحة إن توفرت في المنزل، قبل أن يصل إلى المطعم الذي يعمل فيه “جرسون” حتى الواحدة بعد منتصف الليل. يعود بعدها لمنزله ليجد زوجته في انتظاره بينما يكون أطفاله نائمين. يغط كامل بالنوم ويستيقظ صباحاً ليبدأ دورة حياته المرسومة بالقلم والمسطرة بعيداً عن أي راحة.
ارتفعت تكاليف المعيشة في مناطق الحكومة السورية إلى حدّ لا يطاق، حيث تحتاج أسرة من خمسة أشخاص لمليون و800 ألف ليرة سورية شهرياً كحدّ أدنى، لتأمين ثماني احتياجات أساسية: الغذاء والسكن والنقل والصحة، واللباس والتعليم والأثاث والاتصالات، يضاف إليها نسبة 8% لحالات الطوارئ الأخرى، حسب تقرير لصحيفة “قاسيون” المحلية. وأكدت الصحيفة أن هذه التكاليف عن شهر أيلول الماضي، بعد أن كانت مليون و240 ألف ليرة في حزيران، مما يعني أن هذه التكاليف قد تغيرت حالياً ووصلت لرقم أكبر، في ظل ارتفاع الأسعار المستمر.
هذا ما دفع السوريين للعمل في أكثر من مكان في سبيل تأمين لقمة العيش. ويوضح كامل أنه برغم عمله في أكثر من مكان إلا أن ما يحصل عليه آخر كل شهر يصل إلى قرابة الـ 350 ألف ليرة سورية أي 100 دولار، وهو غير كافٍ لتأمين احتياجات أطفاله وزوجته من طعام وشراب، كما يضطر إلى الاستدانة من بعض أصدقائه ليتمكن من إكمال مصروفه الشهري، والذي يتجاوز ما يحصل عليه بضعف أو أكثر حسب كل شهر.
“ما عم نصرف إلا للشغلات الأساسية والأسعار كل يوم بترتفع، ومن 5 شهور ما أكلنا لحمة.. ما عاد أعرف شو اشتغل أكتر من هيك”. ويذكر كامل أن الجهات التي يعمل لديها استغلالية ولا تراعي أحوال الناس، مضيفاً: “السوري عم يستغل السوري بيربحوا كتير وبيعطونا الفتات وإذا تركنا نفس الحالة.. كل الناس عم تدور على شغل، بيعرفوا رح يجي غيرنا فوراً”.
وكان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث، قدر أعداد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 90%، وأن كثيراً منهم يضطر إلى اتخاذ خيارات صعبة للغاية لتغطية نفقاتهم.
كامل ليس حالة استثنائية بل حاله يشبه حال الكثير من السوريين في بلاد تعاني حرباً، ومنهم رغدة أستاذة المدرسة التي قررت ترك وظيفتها بمدرسة حكومية، والانتقال إلى أخرى خاصة كونها أفضل من ناحية الراتب.
تنهي رغدة دروسها في المدرسة وتصل إلى بيتها لتأكل على عجلة، ثم تتنقل بين منازل الطلاب لتعطي دروساً بالفيزياء والكيمياء، حيث يتراوح سعر الدرس في دمشق بين 15 و20 ألف ليرة.
وتبين رغدة أنها تحصل على مبلغ جيد، ولكنها تكاد تخسر صحتها نتيجة العمل المجهد، الذي يصل إلى أكثر من 15 ساعة يومياً حتى يوم العطلة. وتضيف “برجع على البيت بأقصى درجات التعب، ولازم اطبخ ونضف واعتني بأهلي لأنهن كبار بالعمر.. ما عاد طلعت مشوار أو زرت أي شخص.. حياتي شغل بشغل”.
أما سائق السرفيس أبو محمد فيخرج من بيته السابعة صباحاً ولا يرجع إليه حتى التاسعة والنصف، ويوضح أن لديه ولدان بالجامعة وثالث في المدرسة ويحتاجون إلى 150 ألف ليرة كمصروف شهري، إضافة إلى تأمين الأكل والحاجات الأخرى للمنزل. ويقول: “إذا ما عملت هيك منموت من الجوع.. عم اشتغل أكتر من 12 ساعة وعمري 50 سنة وصحتي على قدي”. وذكر أبو محمد أن ولديه بدآ البحث عن عمل لمساعدته، وعرضا عليه ترك الجامعة لكنه رفض رغم إلحاح زوجته.
ووفقاً لتقديرات برنامج الأغذية العالمي يعاني حالياً نحو 12.4 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي، بزيادة قدرها 4.5 مليون شخص خلال العام الماضي وحده.
ويقول برنامج الأغذية العالمي “يكافح الآباء أكثر من أي وقت مضى لإطعام أطفالهم، بعدما أصبح سعر المواد الغذائية الأساسية الآن أعلى بـ 29 مرة من متوسط أسعارها قبل الأزمة”.
ولم ينجُ طلاب المدارس من حتمية العمل لتأمين لقمة العيش، فطالب المدرسة بالمرحلة الثانوية توفيق، ينهي دوامه ثم يعمل على بسطة بمنطقة قريبة من منزله، حيث ساعده أحد أصدقائه بالمدرسة على تأمين هذا العمل.
يعود توفيق إلى بيته في التاسعة والنصف مساء، ثم يبدأ بتحضير دروسه لليوم التالي، رافضاً ترك مدرسته مثل بعض أصدقائه رغم طلب والده منه ذلك بحجة أن “العلم ما بطعمي خبز ببلدنا”. ويقول: “لازم ساعد أهلي شايفين الحياة صارت صعبة.. وكتار من رفقاتي عم يشتغلوا لهيك تشجعت”.
وجميع الحالات التي تحدثنا إليها كان خوفها الوحيد هو ما يمكن أن تتعرّض له من مشاكل صحية، وهنا يؤكد الطبيب هيثم حنا أن خطر الإصابة بالمشاكل الصحية وخاصة أمراض القلب والجلطات الدماغية، يزداد بنسبة 10% لمن يعمل بحدود 40 ساعة أسبوعياً، و30 % في حال العمل لـ 54 ساعة، و60% في حال العمل 100 ساعة في الأسبوع.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت أن العمل لساعات طويلة يقتل مئات الألوف من الأشخاص سنوياً.
في الوقت الذي تسعى فيه دول العالم لتقليل ساعات العمل واستقطاع يوم راحة إضافي أسبوعياً، يجد السوري نفسه أمام خيار وحيد وهو العمل والعمل دون أن يعرف سبيلاً للراحة، ليس حباً بالحياة وبحثاً عن الطموح، وإنما لتأمين لقمة عيشه التي أصبحت عبئاً كبيراً في دوامة النزاع الحاصل بالبلاد منذ أكثر من عشر سنوات.
بواسطة محمد الواوي | يناير 5, 2022 | العربية, غير مصنف
“هل تغير خمسة دولارات من الواقع المرير شيئاً؟”، بهذا السؤال يعلّق علي (موظف حكومي وأب لطفلين) على أنباء زيادة الرواتب والأجور الحكومية في البلاد، ويعرب عن حزنه العميق لما آلت إليه أحوال الموظفين الحكوميين، حيث لا يشتري راتبه الشهري كاملاً سوى “زوج من الأحذية”! ويعتمد علي في تحمل تكاليف المعيشة على حوالة شهرية يرسلها أخوه المقيم في الإمارات.
صدر في 15 كانون الأول/ديسمبر 2021 مرسوم يقضي بزيادة قدرها 30% على الرواتب والأجور لكل من العاملين المدنيين والعسكريين، وفي الوقت ذاته صدر مرسوم آخر بزيادة المعاشات التقاعدية للعسكريين والمدنيين بنسبة 25%.
إلا أن هذه الزيادة أثارت زوبعة من الانتقادات بين السوريين؛ إذ لم تلبِّ الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية للعيش وسط ارتفاع هائل في الأسعار لم تشهده البلاد من قبل.
ويرى علي أن الزيادة الأخيرة المقدرة بـ 20 ألف ل.س (5 دولارات) امتصتها الحكومة مسبقاً عبر رفع أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي؛ فضلاً عن سعر المواد الأساسية المدعومة عبر البطاقة الإلكترونية مثل السكر والأرز.
وتأتي الزيادة الأخيرة للمرة الثانية خلال العام الجاري 2021؛ إذ صدر مرسومان تشريعيان في تموز/يوليو الماضي، بموجبهما زادت رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50%، كما زادت معاشات المتقاعدين بنسبة 40%.
وبصدور المرسوم التشريعي رقم 29 لعام 2021، ارتفع الحد الأدنى العام للأجور في سورية إلى 92 ألف ل.س (26 دولاراً) بدلاً من 71 ألف ل.س سابقاً.
ومع نهاية 2021 تراجع سعر صرف الليرة السورية إلى أكثر من 3400 ل.س مقابل كل دولار أمريكي في السوق السوداء، في حين حافظ السعر في “مصرف سورية المركزي” على 1256 ل.س وفق نشرة الأسعار الرسمية، كما يقترب من 2500 ل.س لكل دولار أمريكي للحوالات الواردة من الخارج، بحسب نشرة المصارف والصرافة الصادرة عن “المركزي” أيضاً.
تقول المدرسة المتقاعدة هيفاء (اسم مستعار) لـ “صالون سوريا”، إن الزيادة التي حصلت عليها لن تحقق لها أي فائدة شخصية، الأمر لا يتعلق بالراتب الشهري مهما بلغ؛ بل بالقدرة الشرائية، ففي عام 2011 كان راتب المعلمين في المدراس الحكومية يقترب أو يزيد عن 20 ألف ل.س؛ أي ما يعادل 400 دولار أمريكي، أما اليوم فلا يعادل 29 دولاراً رغم تضاعفه 5 مرات تقريباً.
وتضيف هيفاء: “سيرفع التجار أسعار منتجاتهم بعد هذه الزيادة وسنتحمل أعباء إضافية، هذا ما اعتدنا حصوله غالباً”.
وانتقد صحفيون وناشطون سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي قيمة الزيادة المتدنية في الرواتب بالمقارنة مع الزيادات المماثلة التي حصلت في دول الجوار.
وفي وقت سابق طالب عدد من أعضاء “مجلس الشعب” في جلسة 12 كانون الاول، برفع مستوى الرواتب والأجور بنسبة 300% لتقليص الفجوة بين الدخل والإنفاق، بخاصة بعد رفع الحكومة أسعار البنزين والغاز المنزلي والمازوت، كما نقلت وكالة “سانا” الحكومية للأنباء.
واعترف وزير المالية كنان ياغي في وقت سابق -قبل صدور المراسيم الأخيرة- أن الزيادة المرتقبة للرواتب والأجور لن تلغي الفارق الكبير بين الرواتب ونسب التضخم الحالية.
ولم تتوقف زيادة الأسعار على المواد والأغذية التي تدعمها الحكومة، إذ طالت أسعار المواد والمنتجات لدى التجار في الأسواق، وشملت كذلك زيادة أسعار النقل الخاص مثل سيارات الأجرة وغيرها، واستجابت “وزارة الصحة” حديثاً لمطالب أصحاب معامل الأدوية في البلاد عبر رفع أسعار 12 ألف صنف دوائي بنسبة 30%.